← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

عَلَيْهِ كَالإِمَامِ، بَلْ أَولَى لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ مَا لَا يَمْلِكُهُ الإِمَامُ فَصَارَ كَالتَّعْزِيرِ. وَلَنَا: قَولُهُ ﵊: «أَربَعٌ إِلَى الوُلَاةِ وَذَكَرَ مِنهَا الحُدُودَ». الحد في الأمة المزوجة، وفي العبد يتولى بكل حال، وعندهم يجوز للإمام أيضًا. ولأصحاب الشافعي في الأولى وجهان: أحدهما: السيد أولى؛ لغرض استصلاح ملكه، وأظهرهما أن الإمام أولى؛ لولايته العامة، وليخرج عن الخلاف، وهذا فيما إذا عاين سببه من العبد أو أقر به عنده، أما لو ثبت بالبينة فله فيه قولان، وفي حديث القذف والقصاص له وجهان، ولو كان المولى ذميا أو مكاتباً أو امرأة فليس له ولاية إقامة الحد عليه عنده؛ لعدم صلاحيتهم الإقامة؛ لعدم جواز تقلد القضاء والإمامة. احتج الشافعي بما روي أنه ﵇ قال: «إذا زنَتْ أمةُ أحدكم فتبينَ زناها فَلْيَجلِدُها وَلَا يُثرِّب عليها، ثمّ إذا زَنَتْ فتبين زناها فَلْيَبِعْها» (١) وبقوله ﵇: «أقِيمُوا الحدود على ما ملكت أيمانكم» (٢). ومعنى قوله: «لا يُثرب عليها» قيل: لا يُوَبِّحْها ولا يُعيّرها، وقيل: لا يبالغ في جلدها بحيث يدميها، ولأن في إقامة الحد للسيد لا ينقص قيمة العبد بظهور زناه؛ لأنها أستر، فصار كالتعزير، ولأن ولاية السيد أقوى من ولاية الإمام، حتى ملك فيه تصرفات لا يملكها الإمام، ألا ترى أن المولى يملك تزويجه دون الولي بالقرابة؛ لأن ولاية الملك فوق ولاية القرابة، وولاية القرابة فوق ولاية السلطنة، ولأن السلطان لا يُزوّج إلا بعد فقد القريب، فعلم أن ولاية الملك فوق ولاية السلطنة. ولنا؛ ما روي عن ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير موقوفًا ومرفوعًا أنه ﵇ قال: «أربع إلى الولاة: الحدود والصدقات والجُمُعاتُ

стр. 3852

وَلِأَنَّ الحَدَّ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ المَقصِدَ مِنهَا إخلاءُ العَالَمِ عَنْ الفَسَادِ، وَلِهَذَا لَا يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِ العَبدِ فَيَستَوفِيهِ مَنْ هُوَ نَائِبٌ عَنْ الشَّرعِ، وَهُوَ الإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، بِخِلَافِ التعزيرِ، لِأَنَّهُ حَقُّ العَبدِ وَلِهَذَا يُعَزِّرُ الصَّبِيُّ، وَحَقُّ الشَّرِعِ مَوضُوعٌ عَنهُ. قَالَ: (وَإِحْصَانُ الرَّجم: أَنْ يَكُونَ حُرًّا عَاقِلًا بَالِغُا مُسلِمًا، قَدْ تَزَوَّجَ امْرَأَة وَالفيء» (١) ولأن الحد حق الله تعالى؛ إذ الغرض منه إخلاء العالم عن الفساد؛ ليتحقق محكومه إلى يوم التناد، ولهذا لا يسقط بإسقاط العبد، فتكون الولاية مستحقة بالنيابة، والسلطان نائبه، أما المولى فولايته بالملك لا يصلح نائبا عنه تعالى. بخلاف التعزير؛ لأنه من حقوق الملك، والغرض منه التثقيف والتأديب، وذلك سبب زيادة ماليته فيرجع نفعه إليه، فكان حقا له، فكان بسبيل منه، ولهذا كان المولى مقدمًا على الإمام فيما يثبت الولاية له بسبب الملك، كالتزويج. وللإمام إقامة الحد شاء السيد أو أبى دل أنه لا يثبت له ولاية إقامته، وكيف يثبت له وهو عين مملوك له؟ ومن ذلك الوجه لا يجب الحد، بل إنما يجب باعتبار الآدمية؛ لأن العبد في حق الحدود يبقى على أصل الحرية، حتى يصح إقراره بالحدود ولا يصح إقرار سيده عليه، فكان سيده عليه فيها كسائر الأجانب، كما في طلاق زوجته. وأما قوله ﵇: «أقِيمُوا الحُدود» (٢) خطاب للولاة، كقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨] ﴿فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢]، وفائدة تخصيص المماليك ألا تحملهم الشفقة على ملكهم على الامتناع عن إقامة الحد عليهم، أو المراد: التسبيب والمرافعة إلى الإمام، وقد يضاف الشيء إلى المباشر تارة، وإلى المسبب أخرى، والظاهر هذا؛ لأنه خاطب كل الموالي بذلك، وكل الموالي لا يملكون المباشرة بالإجماع، أو المراد بقوله ﵇: «فَلْيَجْلِدْها» أي: يكون سبب جلدها بالمرافعة إلى الإمام. قوله: (وإحصان الرجم) قيد به؛ احترازًا عن إحصان القذف، فإنه غير هذا، على ما يجيء.

стр. 3853

نِكَاحًا صَحِيحًا، وَدَخَلَ بِهَا، وَهُمَا عَلَى صِفَةِ الإِحْصَانِ) فَالعَقْلُ وَالبُلُوغُ شَرط لِأَهْلِيَّةِ العُقُوبَةِ إِذْ لَا خِطَابَ دُونَهُمَا، وَمَا وَرَاءَهُمَا يُشتَرَطُ لِتَكَامُلِ الجِنَايَةِ بِوَاسِطَةِ تَكَامُلِ النِّعْمَةِ، إذ كُفْرَانُ النِّعْمَةِ يَتَغَلَّظُ عِنْدَ تَكَثُرِهَا، والإحصان والتحصين في اللغة المنع، قال تعالى: ﴿لِنُحْصِنَكُم مِّنْ بَأسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] وقال تعالى: ﴿فِي قُرَى تُحَصَّنَةٍ﴾ [الحشر: ١٤] وقيل: الأصل الدخول في الحصن. وورد في الشرع بمعنى الإسلام، وبمعنى العقل، وبمعنى الحرية، وبمعنى التزويج، وبمعنى الإصابة في النكاح، ويقال: أحصنت المرأة: إذا عفت، وأحصنها زوجها، وأحصن الرجل: تزوج. وفي المبسوط (١): قال المتقدمون شرائط إحصان الرجم سبعة: العقل والبلوغ؛ فهما شرطا الأهلية للعقوبة. وأما الحرية شرط تكميل العقوبة، والإحصان ينطلق عليها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] أي: الحرائر بإجماع الأمة. وشرط النكاح الصحيح؛ إذ بالفاسد لا يثبت الإحصان بالإجماع؛ إذ النكاح الصحيح يمكن من الوطء الحلال. وشرط الدخول؛ لقوله ﵇: «الثَّيِّبُ بالثَّيب» (٢) والثيب لا يكون إلا بالدخول. ففي الذخيرة (٣): وثنتان من هذه الشرائط على الاختلاف، أحدهما: الإسلام، وقد ذكر في الكتاب والثاني: كون كل واحد مساويًا لصاحبه في شرائط الإحصان وقت الإصابة بحكم النكاح، فهذا شرط عندنا لثبوت الإحصان، خلافًا للشافعي.

стр. 3854

وَهَذِهِ الأَشْيَاءُ مِنْ جَلَائِلِ النِّعَمِ. وَقَدْ شُرِعَ الرَّجمُ بِالزِّنَا عِنْدَ اسْتِجَمَاعِهَا فَيُنَاطُ بِهِ. بِخِلَافِ الشَّرَفِ وَالعِلمِ؛ لِأَنَّ الشَّرعَ مَا وَرَدَ بِاعْتِبَارِهِمَا، وَنَصبُ الشَّرعِ بِالرَّأْيِ مُتَعَذِّرٌ، وَلِأَنَّ الحُرِّيَّةَ مُمكِنَةٌ مِنْ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ، وَالنِّكَاحُ الصَّحِيحُ مُمْكِنُ مِنْ الوَطءِ الحَلَالِ، وَالإِصَابَةُ شِبَعٌ بِالحَلَالِ، وَالإِسْلَامُ يُمَكِّنُهُ مِنْ نِكَاحِ المُسلِمَةِ وَيُؤَكِّدُ اعتِقَادَ الحُرمَةِ، فَيَكُونُ الكُلُّ مَرْجَرَة عَنْ الزِّنَا. وَالجِنَايَةُ بَعدَ تَوَفُّرِ الزَّوَاجِرِ أَعْلَظُ، وَالشَّافِعِيُّ يُخَالِفُنَا فِي اشْتِرَاطِ الإِسْلَامِ وَكَذَا أَبُو يُوسُفَ فِي رِوَايَةِ (*)، لَهُمَا: مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ رَجَمَ يَهُودِيَّينِ قَدْ زَنَيَا قُلْنَا: كَانَ ذَلِكَ بِحُكمِ التَّوْرَاةِ بيان ذلك: لو تزوج الحر المسلم البالغ العاقل أمة أو صبية أو مجنونة أو كتابية ودخل بها فالزوج لا يصير محصنًا بهذا الدخول، حتى لو زنى لا يرجم، وعند الشافعي (١) يصير محصنًا، وكذلك الحرة العاقلة البالغة المسلمة زوجت نفسها من عبد أو مجنون أو صبي ودخل بها لا تصير محصنة عندنا. وعند الشافعي تصير محصنة، وقال مالك: إذا كان أحدهما كاملا صار الآخر محصنًا أيضًا، إلا الصبي يطأ الكبيرة، فإنها لا تصير محصنة، ولو وطئ الكبير الصغيرة يوطأ مثلها صارت محصنًا. قوله: (فيناط به) أي: باستجماع هذه الشرائط. وقوله: (بخلاف الشرف والعلم) متصل بقوله: (وهذه الأشياء من جلائل النعم). قوله: (والشافعي يخالفنا في الإسلام) وبقوله قال أحمد وأبو يوسف في رواية، وعند مالك: الإسلام شرط كقولنا؛ لقوله ﵇: «مَنْ أشرك بالله … » الحديث (٢)، رواه الدارقطني عن ابن عمر. قوله: (كان ذلك بحكم التوراة) والنزاع في حكم الإسلام، ويحتمل أن الإحصان لم يكن شرطًا في دينهم، وكان ﵇ يعمل بحكم التوراة قبل أن ينزل حكم القرآن، فلما نزل حكم القرآن نسخ ذلك، والحكم المنسوخ باطل.

стр. 3855

ثُمَّ نُسِخَ، يُؤَيِّدُهُ قَولُهُ ﷺ : «مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ فَلَيسَ بِمُحْصَن». وَالمُعتَبَرُ فِي الدُّخُولِ إِيلَاجٌ فِي القُبُلِ عَلَى وَجْهِ يُوجِبُ الغُسلَ. وَشَرطُ صِفَةِ الإِحْصَانِ فِيهِمَا عِنْدَ الدُّخُولِ، حَتَّى لَو دَخَلَ بِالمَنكُوحَةِ الكَافِرَةِ أَوْ المَملُوكَةِ أَوْ المَجنُونَةِ أو الصَّبِيَّةِ لَا يَكُونُ مُحصَنًا، وَكَذَا إِذَا كَانَ الزَّوجُ مَوصُوفًا بِإِحدَى هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَهِيَ حُرَّةٌ مُسلِمَةٌ عَاقِلَةٌ بَالِغَةٌ؛ لِأَنَّ النِّعْمَةَ بِذَلِكَ لَا تَتَكَامَلُ، إذ الطَّبَعُ يَنفِرُ عَنْ صُحبَةِ المَجنُونَةِ، وَقَلَّمَا يَرغَبُ فِي الصَّبِيَّةِ لِقِلَّةِ رَعْبَتِهَا فِيهِ وَفِي المَمْلُوكَةِ حَذَرًا عَنْ رِقٌ الوَلَدِ وَلَا ائتِلَاف مَعَ الاخْتِلَافِ فِي الدِّينِ. وَأَبُو يُوسُفَ ﷺ يُخَالِفُهُمَا فِي الكَافِرَةِ، وَالحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرنَاهُ، وَقَولُهُ ﷺ : «لَا تُحصِّنُ المُسلِمَ اليَهُودِيَّةُ وَلَا النَّصْرَانِيَّةُ وَلَا الحُرَّ الأَمَةُ وَلَا الحُرَّةَ العَبدُ» قَالَ: (وَلَا يُجْمَعُ فِي المُحصَنِ بَينَ الرَّحِمِ وَالجَلدِ) لِأَنَّهُ ﷺ لَم قوله: (وأبو يوسف يخالفهما في الكافرة) وبه قال الشافعي وأحمد؛ لأن ما هو المقصود قد تم، وهو انكسار الشهوة بإصابة الحلال. ولنا؛ قوله ﷺ : «لا تُحْصَنْ .. ». الحديث (١)، وقال ﷺ لكعب بن مالك، وقد أراد أن يتزوج يهودية: «دَعُها فإِنَّها لَا تُحْصِنُكَ» (٢) ولأن الزوجية شرط إجماعًا، وهي تبنى على المساواة، بدليل قولهم: زوج نعل، وزوج خف، وتمامها بما قلنا؛ لأنَّ الرِّق ينتقص الازدواج، وكذا بالصغر والجنون والكفر؛ لما ذكرنا، والرجم أقصى العقوبات، فتعتبر النهاية في شرائطه؛ احتيالا للرد. (ولا يجمع في المحصن بين الجلد والرجم) وهو قول مالك والشافعي والزهري والأوزاعي والنخعي والثوري وأبي ثور، وأحمد في رواية (٣). وقال أحمد في رواية وداود: يجلد مائة ويرجم، واختاره ابن المنذر من أصحاب الشافعي (٤)؛ لما روى عبادة بن الصامت أنه ﷺ قال: «خُذُوا

стр. 3856

يَجمَع، وَلِأَنَّ الجَلدَ يَعرَى عَنْ المَقصُودِ مَعَ الرَّجمِ؛ لِأَنَّ زَجَرَ غَيْرِهِ يَحْصُلُ بِالرَّحِمِ، إذ هُوَ فِي العُقُوبَةِ أَقصَاهَا وَزَجْرُهُ لَا يَحصُلُ بَعدَ هَلَاكِهِ. عَنِّي قد جعل اللهُ لَهُنَّ سبيلا البكر بالبكْرِ جلد مائة وتغريب عام، والثيِّبُ بالشَّيبِ جلد مائة ورجم بالحجارة» رواه مسلم (١). وروى جابر أن رجلا زنى فأمر النبي ﵇ فجلد، ثم أخبر أنه قد كان أحصن، فأمر به فرجم (٢)، وعن علي قال في شراحة الهمدانية: جلدتها بكتاب الله، وهو قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] ورجمتها بسنة رسول الله. ولنا؛ حديث ماعز والغامدية، وقد رجمهما النبي ﵇ ولم يجلدهما، وحديث أنيس أنه ﵇ قال: ﴿فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْها﴾ (٣) ولم يأمره بجلدها، ولو وجب لأمره به، ولأنه لا فائدة في الجلد مع الرجم؛ لأنه شرع زاجرًا، وزجره لا يتأتى مع هلاكه، وزجر غيره يحصل بالرجم؛ إذ هو أبلغ العقوبات. وقوله ﵇: «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جلد مائة» (٤) أي: في حق غير المحصن ورَجمُ بالحِجارَةِ أي: في حق المحصن على أنه منسوخ، فقد قالوا: إن حد الزنا كان في الابتداء الإيذاء باللسان، كما قال تعالى: ﴿فَتَاذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦] فنسخ بالحبس بقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥] ثم نسخ الحبس بقوله ﵇: «خُذوا عَنِّي فقد جعلَ اللهُ لَهُنَّ سبيلا … » الحديث (٥) كان قبل نزول سورة النور بدليل قوله: «خُذوا عني» ولو كان بعدها لقال: خذوا عن الله، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة﴾ [النور: ٢] فكان الجلد

стр. 3857

قَالَ: (وَلَا يُجْمَعُ فِي البِكرِ بَينَ الجَلدِ وَالنَّفْيِ) وَالشَّافِعِيُّ يَجْمَعُ بَينَهُمَا حَدًّا لِقَولِهِ ﵊: «البِكرُ بِالبِكرِ جَلدُ مِائَة وَتَعْرِيبُ عَام» وَلِأَنَّ فِيهِ حَسمَ بَابِ الزِّنَا لِقِلَّةِ المَعَارِفِ حد كل زان، ثم نسخ بالرجم في حق المحصن بحديث ماعز وغيره؛ لما ذكرنا أنه قريب إلى التواتر، وأجمع عمل الصحابة عليه، فاستقر الحكم على الجلد في حق غير المحصن، وعلى الرجم فقط في حق المحصن. وأما حديث جابر فجائز أن يكون جلده بعض الحد؛ لأنه لم يعلم بإحصانه، ثم لما ثبت إحصانه رجمه، وقول أصحابنا كذلك، وحديث شراحة يحتمل أن يكون على هذا الوجه. قوله: (والشافعي يجمع بينهما) أي: بين الجلد والنفي (حدا) وبه قال أحمد والثوري والأوزاعي والحسن بن صالح، ومالك في الرجل دون المرأة والعبد، والنفي حبس في الموضع الذي ينفى إليه، وعند الشافعي وأحمد: يُنفى العبد نصف سنة. وقوله: (حدا) يشير إلى أن النفي عندنا يجوز بطريق التعزير والسياسة، احتج الشافعي بقوله ﵇: «البِكْرُ بالبِكْرِ جلد مائة وتغريب عام» (١). وروي أنه ﵇ والخلفاء الراشدون كانوا يضربون ويُغَرِّبون، ولأن الزنا قبل أن تتخذه المرأة عادة ينشأ من رفاع العيش، وكثرة المصاحبة والمؤانسة، وقرب الوساد يورث الفساد، والتغريب حسم لمواد الزنا، ألا ترى أن حد السرقة شرع بقطع اليد والرجل؛ لأن تمكنه من هذا الفعل بالمشي والبطش، فقطع الآلة الباطشة والماشية مانع له من ذلك. قوله: (لقلة المعارف) إلى قلة من يعرفهم ويعرفونه من الأحياء والخبيثات إلى ما ذكرنا من أن الزنا ينشأ من الصحبة والمؤانسة وقرب الوساد، والتغريب قاطع لهذا، إلا أن مالكا يقول: حق العبد في المرأة راجحة على حق الله تعالى؛ لحاجته وغنى الشرع.

стр. 3858

وَلَنَا: قَوله تَعَالَى: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] جَعَلَ الجَلدَ كُلَّ المُوجَبِ رُجُوعا إِلَى حَرفِ «الفَاءِ» وَإِلَى كَونِهِ كُلَّ المَذْكُورِ، وَلِأَنَّ فِي التَّعْرِيبِ فَتحَ بَابِ الزِّنَا لِانعِدَامِ الاسْتِحْيَاءِ مِنْ العَشِيرَةِ، ثُمَّ فِيهِ قَطعُ مَوَادِّ البَقَاءِ، فَرُبَّمَا تَتَّخِذُ زِنَاهَا مَكسَبَةٍ وَهُوَ مِنْ أَقبَحِ وُجُوهِ الزِّنَا، وَهَذِهِ الجِهَةُ مُرَجَّحَةٌ لِقَولِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ -: «كَفَى بِالنَّفي ولنا؛ قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] فالفاء تقتضي أن يكون الحد كل لموجب لدخوله على كل حكم ما ذكر من السبب، كما في قوله تعالى: ﴿فَكَفَرَتُهُ﴾ [المائدة: ٨٩] فإن أئمة اللغة اتفقوا على أن الفاء للجزاء. ولهذا لا يصح أن يقال: لم يفرقوا بين قوله: (إن أكرمك فأكرمه) وبين قوله (جازه بالإكرام) ولهذا لا يصح أن يقال: (إن أكرمك فأكرمه ولا تجازه بالإكرام). والجزاء: اسم لما تقع به الكفاية؛ لأنه من (جزأ) بالهمز، أي: كفى، ويقال جازئه به أي: كافئه، وإنما تقع الكفاية بالجلد إذا لم يجد معه شيئا آخر، وهكذا معنى قول المصنّف: (رجوعًا إلى حرف الفاء، أو إلى كونه كل المذكور) فيكون كل المراد؛ إذ الموضع موضع الحاجة إلى البيان، فلو أوجبنا معه التغريب لكان الجلد بعض الموجب، فيكون نسخا. قوله: (لانْعِدَامِ الاسْتِحْيَاءِ مِنَ الْعَشِيرَةِ) فتقطع الموانع والمدافع من حفظ العشائر والاستحياء من المعارف، فيغلب الزنا (ثم فيه) أي: في التغريب (قطع مواد البقاء) وهو الكسب؛ لأنها لما تباعدت عن الأقارب والأوطان، وتركت في الرباط والخان أخرجها انقطاع مواد المعاش إلى اتخاذ الزنا مكسبة؛ لانقطاع الموانع والمدافع من العشائر والاستحياء. (وهو من أقبح وجوه الزنا) يعني هذا أقوى مما قاله الخصم؛ لأن ما ينشأ من الصحبة والمؤانسة يكون مكتومًا، وما ينشأ عن الوقاحة وخلاعة العذار يكون مشهورًا، وهذا أفحش. قوله: (وهذه الجهة مرجحة) يجوز بكسر الجيم، وبفتحها على بناء المفعول، أي: رَجَّحَهَا قول علي، واللام للتعليل.

стр. 3859

فِتْنَةٌ»، وَالحَدِيثُ مَنسُوخُ كَشَطْرِهِ، وَهُوَ قَولُهُ ﵊: «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلدُ مِائَة وَرَجمٌ بِالحِجَارَةِ» وَقَدْ عُرِفَ طَرِيقُهُ فِي مَوضِعِهِ (إِلَّا أَنْ يَرَى الإِمَامُ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةِ، فَيُغَرِّبَهُ عَلَى قَدرِ مَا يَرَى) وَذَلِكَ تَعزِيرٌ وَسِيَاسَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُفِيدُ فِي بَعضِ الأَحْوَالِ فَيَكُونُ الرَّأيُ فِيهِ إِلَى الإِمَامِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ النَّفْيُّ المَروِيُّ عَنْ بَعْضِ قوله: (والحديث منسوخ كشطره) الثاني (وهو قوله: «الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة» (١) والعجب من الخصم أنه يحكم في الحديث الواحد بأن نصفه منسوخ ونصفه لا وقد عرف طريقه) أي: طريق النسخ (في موضعه) من المباسيط والتفاسير وكتاب الناسخ والمنسوخ، وقد بيناه في المسألة الأولى. وفي المبسوط (٢): لو زنت أمة أكنت تنفيها؟ فتحول بين مولاها وبين خدمتها، وحق المولى في الخدمة مرعي، وهو مقدَّم على حق الشرع! فإذا ثبت أن الأمة لا تُنفى، فكذلك الحُرَّة؛ لأنه تعالى قال: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] وهذا حجة على مالك في الحقيقة. قوله: (وذلك) أي: التغريب بقدر ما يرى (تعزير وسياسة) فلا يختص بالزنا، بل يجوز ذلك في كل جناية (وعليه) أي: على التعزير والسياسة يحمل ما روي عن النبي ﷺ وبعض الصحابة، ألا ترى أنه ﵇ نفى هيت المخنث من المدينة، ونفى عمر (٣) نصر بن حجاج من المدينة حين سمع قائلة تقول: [البحر البسيط]. هَلْ مِنْ سَبِيلِ إِلَى خَمْرٍ فَأَشْرَبَهَا … أَوْ مِنْ سَبِيلِ إِلَى نَصْرِ بْنِ حَجَّاج إلَى فَتَى مَاجِدِ الْأَعْرَاقِ مُقْتَبَلٍ … سَهْلِ الْمُحَيَّا كَرِيم غَيْرِ مِلْجاج وذلك لا يوجب النفي، ولكن فعل ذلك للمصلحة، فقال: ما ذنبي يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا ذنب لك، وإنما الذنب لي حيث لا أطهر دار الهجرة عنك. يقال: رجل مقتبل الشباب: إذا لم يَبِنْ فيه أثر الكبر. السهل: خلاف الصعب، وهو كناية عن حسن وجهه. اللجاجة: التمادي في الخصومة. ألا ترى أن عمر ﵁ نفى زانيا فلحق بالروم، فحلف ألا ينفي أحدًا بعد هذا، فلو كان مشروعًا حدا لما حلف ألا يقيمه.

стр. 3860

الصُّحَابِيَّةُ (وَإِذَا زَنَى الْمَرِيضُ وَحْدَهُ رُجِّمَ)؛ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ مُسْتَحَقٌّ فَلَا يَمْتَنِعُ. وقال علي ﵁: كفى بالنفي فتنة، والحد شرع لتسكين الفتنة، فما يكون فتنة لا يكون حدا، ومما يدل أن النفي على وجه التعزير لا الحد أن الحد معلوم المقدار والنهاية، ولذلك سميت الحدود حدودا، لا يجوز الزيادة عليها ولا النقصان، فلما لم يذكر النبي ﵇ للنفي مكانا معلوما، ولا مقدارا من المسافة والبعد، ولا مقدارا من الزمان أنه ليس بحد. وعن ابن عمر أن أمة له زنت فجلدها ولم ينفها، فلو كان النفي حدا لما خفي على كثير من الصحابة، ولأنه ﵇ قال في الأمة: «إذا زنت فليجلدوها … » (١) كما ذكرنا، وهو متفق عليه، يدل على أن النفي لم يكن حدا، فلو كان حدا لذكره النبي ﷺ ، مع الجلد، ولأنه ﵇ قال في الثالثة أو الرابعة: «يبيعها ولو بحبل من شعر» (٢) وفي رواية: «ولو بضفير» (٣) يدل على أنها لا تنفى؛ لأنه لو وجب نفيها لما جاز بيعها؛ لعدم إمكان تسليمها. كذا في أحكام القرآن للرازي. قوله: (وحده رجم رجم) باتفاق الأئمة الأربعة (٤)، وعن بعض أصحاب الشافعي في وجه: إن ثبت زناه بالإقرار يؤخر إلى أن يبرأ؛ لأنه بسبيل من الرجوع، وربما يرجع، ولكن الظاهر والمشهور منهم أن الرجم لا يؤخر. وإن كان حده الجلد يؤخر إلى أن يبرأ، وهذا في مرض يرجى زواله، وعن ابن القطان من أصحاب الشافعي أنه لا يؤخر، ويضرب في المرض بحسب ما يحتمله، وبه قال أحمد، وعن أحمد: يؤخر حتى يبرأ، كقول العامة. وإن كان مرض لا يرجى زواله، كالشلل ومخدوج الخلقة، أي: ضعيف الخلقة لا يحتمل السياط، فعندنا والشافعي وأحمد يضرب بعثكال فيه مائة شمراخ، فيضرب دفعة واحدة؛ لأنه ﵇ أمر في مثله أن يؤخذ عثكال فيه.

стр. 3861

بِسَبَبِ المَرَضِ (وَإِنْ كَانَ حَدُّهُ الجَلدَ لَم يُجلَد حَتَّى يَبرَأَ) كَيْلَا يُفْضِيَ إِلَى الهَلَاكِ، وَلِهَذَا لَا يُقَامُ القَطْعُ عِنْدَ شِدَّةِ الحَرِّ وَالبَردِ (وَإِنْ زَنَت الحَامِلُ لَم تُحَدَّ حَتَّى تَضَعَ حَمَلَهَا) كَيْلَا يُؤَدِّيَ إِلَى هَلَاكِ الوَلَدِ وَهُوَ نَفْسٌ مُحتَرَمَةٌ (وَإِنْ كَانَ حَدُّهَا الجَلدَ لَم تُجلَد حَتَّى تَتَعَالَى مِنْ نِفَاسِهَا) أَي تَرتَفِعَ يُرِيدُ بِهِ تَخْرُجُ مِنهُ؛ لِأَنَّ النِّفَاسَ نَوعُ مَرَضِ فَيُؤَخَّرُ إِلَى زَمَانِ البُرءِ. بِخِلَافِ الرَّجمِ؛ لِأَنَّ التَّأخِيرَ لِأَجلِ الوَلَدِ وَقَدْ انفَصَلَ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ يُؤَخَّرُ إِلَى أَنْ يَسْتَعْنِي وَلَدُهَا عَنهَا إِذَا لَم يَكُنْ أَحَدٌ يَقُومُ بِتَرْبِيَتِهِ (*)؛ لِأَنَّ فِي التَّأخِيرِ صِيَانَةَ الوَلَدِ عَنْ الضَّيَاعِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ لِلغَامِدِيَّةِ مائة شمراخ ويضرب ضربة، أو يضرب بمائة سوط مجتمعة ضربة واحدة، ذكره في المحيط (١). وفيه: ولهذا لا يقام الحدُّ في الحَرِّ الشديد والبرد الشديد، وبه قال الشافعي، بل يؤخر إلى زمان اعتدال الهواء، وقال مالك: يضرب المريض مائة سوط متفرقا بحسب ما يحتمله، وإن لم يكن أُخر. قوله: (وَهُوَ نَفْسٌ مُحْتَرَمَةٌ) لأن المخلوق من ماء الزنا محترم كغيره؛ لأنه لو لم تَجْنِ، ويُخاف الهلاك عليه بسبب الرجم. قوله: (لأن النفاس نوع مرض) وهو ظاهر، فيؤخر إلى زمان البرء. عن علي ﵁ أن جارية لرسول الله ﷺ زنت فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثة عهد بنفاس فخشيت أن أقتلها إن جلدتها، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال ﵇: «أحسنْتَ»، رواه مسلم (٢). قوله: (لأن في التأخير صيانة الولد عن الضياع) لأنه إذا لم يكن أحد يقوم بتربيته، وبه قالت الأئمة الثلاثة.

стр. 3862

بَعدَمَا وَضَعَت: ارْجِعِي حَتَّى يَستَغنِيَ وَلَدُكِ ثُمَّ الحُبلَى تُحْبَسُ إِلَى أَنْ تَلِدَ إِنْ كَانَ الحَدُّ ثَابِتًا بِالبَيِّنَةِ كَي لَا تَهْرُبَ، بِخِلَافِ الإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَنهُ عَامِلٌ فَلَا يُفِيدُ الحبس والله أعلم. بَابُ الوَطءِ الَّذِي يُوجِبُ الحَدَّ وَالَّذِي لَا يُوجِبُهُ قَالَ: (الوطء المُوجِبُ لِلحَدِّ هُوَ الزِّنَا) وَإِنَّهُ فِي عُرفِ الشَّرعِ وَاللِّسَانِ: وَطاءُ الرَّجُلِ المَرأَةَ فِي القُبُلِ فِي غَيْرِ المِلكِ وَشُبَهَةِ المِلكِ، لِأَنَّهُ فِعلٌ مَحظُورُ، وَالحُرمَةُ ولأنه ﵇ قال للغامدية، روي أنها أقرّت حاملًا عند النبي ﵇، فقال: «ارجعي حتّى تَضَعِي ما في بَطنِكِ» فلما وضعت جاءت فأقرت ثانيًا، قال ﵇: «ارْجِعي حتى يَسْتَغْنِيَ وَلَدُكِ» فقالت: أخاف أن أموت قبل أن أُحَدَّ، فقال رجل: أنا أقوم بتربيته، أي: ولدها، فأمر ﵇ برجمها (١)، فدل أنَّ الحكم هو التأخير إذا لم يكن لولدها مُرَبِّ. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٢). (ثم الحبلى تحبس إلى أن تلد) إن ثبت زناها بالبينة؛ حذارًا من الفرار، وإن ثبت بالإقرار لا تحبس؛ لتمكنها من دفع الحد بالرجوع، فلا يفيد الحبس. ذكره في المحيط. وكذا في المريض إذا أخر، ولو ادعت أنها حُبلى لا يُقبل قولها، لكن القاضي يريها النساء؛ فإن قلن: حبلى حبسها إلى حولين، فإن لم تلد رجمها؛ للتيقن بكذبها. ولو وجدت امرأة لا زوج لها حُبلى فلا يجب عليها الحدّ، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد، وقال مالك: يجب عليها الحد. بَابُ الْوَطْءِ الَّذِي يُوجِبُ الْحَدَّ وَالَّذِي لَا يُوجِبُهُ لما ذكر الحد مع كيفية إقامته شرع في بيان الوطء الموجب له. قوله: (وَطْءُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ … ) إلى آخره، فإن قيل: ينتقض هذا الحد بفعل

стр. 3863

عَلَى الإِطْلَاقِ عِنْدَ التَّعَرِّي عَنْ المِلكِ وَشُبْهَتِهِ، يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَولُهُ ﵊: ادرَؤُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ ثُمَّ الشَّبْهَةُ نَوعَانِ: شُبَهَةٌ فِي الفِعْلِ وَتُسَمَّى شُبَهَةَ اشْتِبَاءِ، وَشُبَهَةٌ فِي المَحَلِّ وَتُسَمَّى شُبَهَةٌ حُكمِيَّةٌ. المرأة، فإنه زنا مع أنه ليس بوطء الرجل المرأة. قلنا: فعلها يدخل بطريق التبعية بسبب التمكين طوعًا، ولهذا في كل موضع يجب الحد على الرجل يجب الحد على المرأة إن كانت هي من أهل الوجوب عليها. بخلاف العكس، فإنه إذا لم يجب الحد عليها، بأن كانت مجنونة أو صبية يجامع مثلها يجب على الرجل، ولو مكنت بالغة عاقلة من مجنون أو صبي لا يجب الحد عليها عندنا؛ لما أن فعلها تبع لفعله. ذكره في المبسوط (١). فإذا كان كذلك يدخل بطريق التبعية فعلها. وفي المحيط (٢): ويتحقق الوطء بالتقاء الختانين، وشرط وجوب الحد: العلم بحرمة الزنا، وهذا باتفاق الفقهاء. (قوله ﵇: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» (٣) وهذا حديث متفق عليه، تلقته الأمة بالقبول، وإنما اختلفوا في ثبوت الشبهة وحدها، فيحتاج إلى تحديدها وتنويعها. فحد الشبهة: ما يشبه الثابت وليس بثابت. (ثم) هي (نوعان)، وفي المحيط (٤): الشبهة ثلاثة: شبهة في الفعل، وشبهة في المحل، وشبهة في العقد. قوله: (شُبْهَةَ اشْتِبَاءٍ) أي: شبهة في حق من اشتبه عليه، وليس بشبهة في حق من لم تشتبه عليه. قوله: (وَتُسَمَّى شُبْهَةً حُكْمِيَّةٌ) وتسمى أيضًا شبهة الملك.

стр. 3864

فَالأُولَى: تَتَحَقَّقُ فِي حَقٌّ مَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ: أَنْ يُظَنَّ غَيْرُ الدَّلِيلِ دَلِيلًا وَلَا بُدَّ مِنْ الظَّنِّ لِيَتَحَقَّقَ الاسْتِبَاهُ. وَالثَّانِيَةُ: تَتَحَقَّقُ بِقِيَامِ الدَّلِيلِ النَّافِي لِلحُرمَةِ فِي ذَاتِهِ، وَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى ظَنِّ الجَانِي وَاعْتِقَادِهِ. وَالحَدُّ يَسْقُطُ بِالنَّوعَينِ لِإِطْلَاقِ الحَدِيثِ. وَالنَّسَبُ يَثْبُتُ فِي الثَّانِيَةِ إِذَا ادَّعَى الوَلَدَ، وَلَا يَثْبُتُ فِي الأُولَى وَإِنْ ادَّعَاهُ لِأَنَّ الفِعْلَ وذكر التمرتاشي والمرغيناني: هي عبارة عن قيام العلة بلا عمل؛ لمانع اتصل بها، وهي مانعة للحد على التقادير كلها. وفي الإيضاح (١): جملة هذا الباب أن الشبهة إذا كانت في الموطوءة يسقط الحد، سواء ادعى ظن الحل أو لا؛ لأن الملك إذا ثبت من وجه لم يبق معه اسم الزنا، ولو كان الشبهة في الفعل؛ إن ادعى الظن لم يجب الحد، ولو ادعى أحدهما الظن ولم يدع الآخر فلا حد عليهما حتى يقرا جميعا أنهما قد علما بالحرمة؛ لأن الشبهة إذا تمكنت في الفعل من أحد الجانبين تسري إلى الجانب الآخر ضرورة. قوله: (يظن غير الدليل دليلا) كما ظن أن جارية امرأته تحل له بناء على أن الوطء نوع استخدام، والاستخدام يحل، فكذا الوطء. قوله: (والثانية تتحقق بقيام الدليل النافي للحرمة في ذاته) مثل قوله ﵇: «أنت ومالك لأبيك» (٢). قوله: (لإطلاق الحديث) وهو قوله ﵇: «ادرءوا الحدود بالشبهات» (٣). قوله: (لا يثبت في الأولى) لا يثبت النسب؛ لأن هذا وطء في شبهة العقد، فيكفي ذلك لإثبات النسب. ذكره التمرتاشي. وفي الإيضاح (٤): المطلقة بعوض، والمختلعة ينبغي أن تكون كالمطلقة ثلاثا.

стр. 3865

تَمَحَّضَ زِنا فِي الأُولَى؛ وَإِنْ سَقَطَ الحَدُّ لِأَمر رَاجِع إِلَيْهِ وَهُوَ اشْتِبَاهُ الْأَمْرِ عَلَيْهِ وَلَم يَتَمَحَّض فِي الثَّانِيَةِ فَشُبْهَةُ الفِعْلِ فِي ثَمَانِيَةِ مَوَاضِعَ: جَارِيَةُ أَبِيهِ وَأُمُّهُ وَزَوجَتُهُ، وَالمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا وَهِيَ فِي العِدَّةِ، وَبَائِنَا بِالطَّلَاقِ عَلَى مَال وَهِيَ فِي العِدَّةِ، وَأُمُّ وَلَد (تمحض) أي: خلص من المحض، وهو اللبن الخالص الذي لم يخالطه شيء. (لأمر راجع إليه) أي: إلى الوطء. (ولم يتمحض في الثانية) وهي الشبهة في المحل؛ لوجود الدليل الشرعي على حل الوطء وإن لم يثبت الحل فكذلك عم حكمه في الظن وعدمه في [سقوط] (١)؛ لما ذكرنا أنَّ الملك إذا ثبت بوجه لم يبق معه اسم الزنا من كل وجه. وما قيل في المحيط (٢): وشبهة في العقد، وكذا ذكر في الكافي، راجع إلى شبهة الدليل، وهي الشبهة في المحل، ولهذا قيل: تُسمى شبهة الملك. وفي الكافي (٣): إذا وجد حلالا كان أو حرامًا متفقا على تحريمه أو مختلفًا فيه، علم الواطئ أنه يحرم أو لم يعلم يسقط الحد عند أبي حنيفة، وعندهما إذا نكح نكاحًا مُجمَعًا على تحريمه فليس ذلك بشبهة، ويحد، ويجيء بعد ذلك. قوله: (جارية أبيه وأمه وزوجته) وكذا جارية جده وإن علا، وجدته وإن علت. قوله: (وبائنا بالطلاق على مال) قيد به؛ لأن البينونة لو حصلت بلا مال فوطئها في العدة لا حد عليه، وإن قال: علمت أنها حرام علي، كما يجيء. (وأم ولد أعتقها، وهي في العدة)؛ لأن أثر الفراش، وهو العدة، باقٍ لمولاها، فكان الظن في موضع الاشتباه كما في المطلقة ثلاثا، وهو الأصح؛

стр. 3866

أَعْتَقَهَا مَولَاهَا وَهِيَ فِي العِدَّةِ، وَجَارِيَةُ المَولَى فِي حَقِّ العَبدِ، وَالجَارِيَةُ المَرهُونَةُ فِي حَقِّ المُرْتَهِنِ فِي رِوَايَةِ كِتَابِ الحُدُودِ. فَفِي هَذِهِ المَوَاضِعِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ إِذَا قَالَ: ظَنَنت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي. وَلَو قَالَ: عَلِمت أَنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ وَجَبَ الحَدُّ وَالشُّبْهَةُ فِي المَحَلِّ فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ: جَارِيَةُ ابْنِهِ، وَالمُطَلَّقَةُ طَلَاقًا بَائِنَا بِالكِنَايَاتِ، وَالجَارِيَةُ المَبِيعَةُ فِي حَقِّ البَائِعِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، وَالمَشْهُورَةُ فِي حَقِّ الزَّوجِ قَبلَ القَبْضِ، وَالمُشتَرِكَةُ بَينَهُ وَبَينَ غَيْرِهِ، وَالمَرْهُونَةُ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِي رِوَايَةِ كِتَابِ الرَّهْنِ. فَفِي هَذِهِ المَوَاضِعِ لَا يَجِبُ الحَدُّ، وَإِنْ قَالَ: لأن عقد الرهن يُثبِتُ مُلك اليد حقا للمرتهن، وبه تثبت شبهة الاشتباه، كما في العدة من خُلْعِ أو ثلاث؛ لبقاء ملك اليد فيها بسبب العدة. كذا في المبسوط (١). وبه قال الشافعي في قول، وقال في قول: لا يسقط الحد، وبه قال أحمد؛ لعدم الإجماع على حرمته؛ لأن كل جهة صححها بعض العلماء وحكم بحل الوطء بها فالظاهر أنه لا حدَّ على الواطئ بتلك الجهة. وإن كان لا يعتقد الحل، كالوطء في النكاح بلا ولي كمذهب أبي حنيفة، وبلا شهود كمذهب مالك، وظاهر المذهب في المرهونة وجوب الحد على المرتهن إذا وطئ بإذن مالكها وهو يعتقد التحريم، ولهذا لو أباح مالك وطء جاريته غيره، ووطئها الغير يُوجب الحد بإجماع الأمة. وما نقل عن عطاء بن أبي رباح أنه يباح وطء الجارية بإذن مالكها لم يصححوا النقل، أو الإجماع انعقد بعده على التحريم فيرفع الخلاف السابق، كما في نكاح المتعة. كذا في شرح الوجيز (٢). ولا خلاف لأحد أنَّ الشبهة في الفعل وشبهة في المحل وشبهة في الطريق تسقط الحد. قوله: (في حق المرتهن في رواية كتاب الرهن) سواء ادعى ظنَّ الحِل أو لا، كما في الجارية المشتركة، وهكذا ذكر أيضًا في شروح الجامع والذخيرة (٣).

стр. 3867

عَلِمْت أَنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ. ثُمَّ الشُّبْهَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَجَهُ تَثْبُتُ بِالعَقدِ، وَإِنْ كَانَ مُتَّفَقًا عَلَى تَحْرِيمِهِ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ، وَعِنْدَ البَاقِينَ لَا تَثبُتُ إِذَا عَلِمَ بِتَحْرِيمِهِ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِي نِكَاحِ المَحَارِمِ عَلَى مَا يَأْتِيكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، إِذَا عَرَفْنَا هَذَا وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ وَطِئَهَا فِي العِدَّةِ وَقَالَ: عَلِمتُ أَنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ، حُدَّ لِزَوَالِ المِلكِ المُحَلِّلِ مِنْ كُلِّ وَجه، فَتَكُونُ الشَّبْهَةُ مُنتَفِيَة وَقَدْ نَطَقَ الكِتَابُ بِانتِفَاءِ الحِلِّ، وَعَلَى ذَلِكَ الْإِجْمَاعُ، في الإيضاح (١): في المرهونة إذا قال: ظننت أنها تحلُّ لي،، فقد ذكر في كتاب الرهن: لا يحد، وذكر في كتاب الحدود أنه يُحدُّ، ولم يعتبر ظنُّه؛ لأن الاستيفاء من عينها لا يُتصور، وإنما يتصوّر من معناها، فلم يكن الوطء حاصلا في محل الاستيفاء، فلم تثبت الشبهة للفعل، وصار كالغريم إذا وطئ جارية الميت. ووجه عامة الروايات سوى رواية الإيضاح (٢) أنه وطئ جارية انعقد له فيها سبب الملك في الحال، ويصير مستوفيا ومالكًا بالهلاك من وقت الرهن، فصار كجارية اشتراها والخيار للبائع. ووجه رواية كتاب الحدود أن عقد الرهن لا يفيد ملك المتعة بحال، لم تورث الإجارة في المحل شبهة حكمية، فعلى هذا ينبغي أن يجب عليه الحد، اشتبه على الحد أو لم يشتبه، كما في المستأجرة في الخدمة، إلا أنه لا يجب عند الاشتباه؛ لأن ملك المال في الجملة سبب لملك المتعة، وإن لم يكن في الرهن سببًا بخلاف الإجارة؛ لأن الثابت بها ملك المنفعة. ولا يتصوّر أن يكون ذلك سبب ملك المتعة، أما في المرهونة ملك المال بعد هلاك الجارية، وبعد الهلاك لا يفيد ملك المتعة بحال من الأحوال، فكان بمنزلة ملك المنفعة. كذا في الذخيرة وفي شروح الجامع الصغير (٣).

стр. 3868

وَلَا يُعتَبَرُ قَولُ المُخَالِفِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافٌ لَا اخْتِلَافٌ، وَلَو قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهَا تَحِلُّ لِي لَا يُحَدُّ، لِأَنَّ الظَّنَّ فِي مَوضِعِهِ، لِأَنَّ أَثَرَ المِلكِ قَائِمٌ فِي حَقِّ النَّسَبِ وَالحَبسِ وَالنَّفَقَةِ، فَاعْتُبِرَ ظَنُّهُ فِي إسقاطِ الحَدٌ، وَأُمُّ الوَلَدِ إِذَا أَعْتَقَهَا مَولَاهَا، وَالمُختَلِعَةُ وَالمُطَلَّقَةُ عَلَى مَال بِمَنزِلَةِ المُطَلَّقَةِ الثَّلَاثِ لِثُبُوتِ الحُرمَةِ بِالإِجْمَاعِ وَقِيَامِ بَعْضِ قوله: (وقد نطق الكتاب) أي: القرآن فقال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] الآية. قوله: (ولا يعتبر قول المخالف) جواب سؤال، وهو أن يقال: اختلف الناس في وقوع الثلاث جملةً، فعند الزيدية من الروافض: تقع واحدة، وعند الإمامية منهم: لا يقع شيء، ويزعمون أنه قول عليّ، فينبغي أن يصير ذلك شبهة في المحل، كقول عمر في الكنايات. فقال في جوابه: (ولا يعتبر قوله)؛ لأنه خلاف قول معتبر؛ لأنه مخالف لقول الجمهور حتى لا يسع القاضي أن يقضي به، فلو قضى لا ينفذ، ولهذا لو طلقها ثلاثا ثم راجعها ثم وطئها بعد مضي العدَّة، وقال: ظننت أنها تحلُّ لي يُحد إجماعًا. ولو كان كذلك لما وجب الحد؛ لأن على قول الإمامية: النكاح قائم. وعلى قول الزيدية: يعود النكاح بالرجعة؛ لأنه قد صح عن علي أنه يقع الثلاث جملةً، فيكون ذلك خلافا لا اختلافًا (١). وقيل في تفسير الخلاف: هو ما يكون الطريق والمقصد مختلفًا، والاختلاف ما يكون المقصد متحدًا والطريق مختلفًا، ولهذا يقال: مختلفة درس فلان، فيكون الخلاف ما يكون بلا دليل والاختلاف بالدليل. قوله: (لأن أثر الملك قائم): أي: ثابت حتى يُثبِتَ النَّسب متى ولدت. (والحبس) أي: المنع من الخروج (والنفقة) أي: تجب النفقة، وكذا يحرم نكاح أختها، وأربع سواها، ويَحرَم قبول شهادة كل واحد منهما لصاحبه، فجاز

стр. 3869

الآثَارِ فِي العِدَّةِ (وَلَو قَالَ لَهَا: أَنتِ خَلِيَّةٌ أَوْ بَرِّيَّةٌ أَوْ أَمرُكَ بِيَدِكَ، فَاخْتَارَت نَفْسَهَا، ثُمَّ وَطِئَهَا فِي العِدَّةِ، وَقَالَ: عَلِمتُ أَنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ، لَم يُحَدَّ) لِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ ﵃ فِيهِ؛ فَمِنْ مَذهَبٍ عُمَرَ أَنَّهَا تَطلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَكَذَا الجَوَابُ فِي سَائِرِ الجِنَايَاتِ، وَكَذَا إِذَا نَوَى ثَلَاثًا لِقِيَامِ الاخْتِلَافِ مَعَ ذَلِكَ وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ وَطِئَ جَارِيَةً وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ وَإِنْ قَالَ: عَلِمْتُ أَنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ لِأَنَّ الشُّهَةَ حُكمِيَّةٌ، لِأَنَّهَا نَشَأَت عَنْ دَلِيلِ، وَهُوَ قَولُهُ ﵊: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» وَالأُبُوَّةُ قَائِمَةٌ فِي حَقِّ الجَدٌ. قَالَ: (وَيَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الجَارِيَةِ) وَقَدْ ذَكَرنَاهُ (وَإِذَا وَطِئَ جَارِيَةَ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ أَوْ زَوجَتِهِ أن نقيس حِلُّ الوطء على بعض الأحكام، فلذا اشتبه عليه ما يشتبه مثله، فيعذر. قوله: (إذا أعتقها مولاها) وهي في العدة، وقد ذكرنا قوله. (فمن مذهب عمر أنها) أي: الكنايات (رجعية) وقد بيناه في الطلاق. قوله: (وَوَلَدِ وَلَدِهِ) يعني وإن كان ولده حيا، فإنه ذُكر في الخزانة: وإن كان الأب في الأحياء، وتعليل الكتاب أشير إليه، وهو قوله: (والأبوة قائمة في حق الجد). وذكر البزدوي (١): وطئ جارية حافده، والأب في الأحياء لا يجب الحد باعتبار الولاد، والشبهة نشأت من الأبوة، وهي قائمة، ولهذا تعتق عليه، لكن ليس له ولاية التمليك حال قيام الأب الأقرب، فلا يمكن تحقيق الفراش مع مساس الحاجة، فبقي وطئًا في غير الملك، لكن فيه شبهة الملك، فيكفي لدرء الحد لا يكفي لإثبات النسب. (وإذا وطئ جارية أبيه أو أمه أو زوجته) فلا حدَّ عليه، خلافًا لزفر، فإنه يحده مطلقا؛ لقيام الوطء، وهو في المحل الخالي عن الملك وشبهته، ولا اعتبار بتأويله الفاسد في إسقاط الواجب، كما لو وطئ جارية أخيه أو عمه بظن الحل.

стр. 3870

وَقَالَ: ظَنَنت أَنَّهَا تَحِلُّ لِيَ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى قَاذِفِهِ، وَإِنْ قَالَ: عَلِمت أَنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ حُدَّ، وَكَذَا العَبْدُ إِذَا وَطِئَ جَارِيَةَ مَولَاهُ) لِأَنَّ بَينَ هَؤُلَاءِ انبِسَاطًا فِي الانتِفَاعِ فَظَنَّهُ فِي الاستمتَاعِ فَكَانَ شُبَهَةَ اشتباه، إِلَّا أَنَّهُ زِنَا حَقِيقَةٌ فَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ، وَكَذَا إِذَا قَالَتِ الجَارِيَةُ: ظَنَنت أَنَّهُ يَحِلُّ لِي وَالفَحْلُ لَم يَدَّعِ فِي الظَّاهِرِ لِأَنَّ الفِعْلَ وَاحِدٌ وَإِنْ وَطِئَ جَارِيَةَ أَخِيهِ أَوْ عَمِّهِ وَقَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهَا تَحِلُّ لِي حُدَّ لِأَنَّهُ لَا انبساط فِي المَالِ فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَكَذَا سَائِرُ المَحَارِمِ سِوَى الوِلَادِ لِمَا بَيَّنَّا. قوله: (فظنه) أي: ظنَّ الانتفاع (في الاستمتاع) ولهذا يجوز له الدخول في بيت سيده والانتفاع بماله بقدر الحاجة بدون إذنه. وقوله: (وكذا إذا قالت الجارية) معطوف على قوله: (وقال ظننت أنها تحل لي فلا حد عليه). وقوله: (في الظاهر) يتصل بقوله: (وكذا العبد) أي: لا حد على العبد في ظاهر الرواية إذا قالت الجارية: ظننت أنه يحل لي، وإن لم يدَّعِ العبد ظنَّ الحل؛ لأن الفعل واحد. وروى الحسن عن أبي حنيفة أن الجارية إن ادعت الحل ولم يدع الفحل حُدَّ؛ لأن المرأة تابعة في فعل الزنا، فالشبهة المتمكنة في جانب التابع لا تعتبر في جانب الأصل، بخلاف ما إذا ادعى الرجل الظن؛ لأنه أصيل في الفعل، فيورث شبهة في التابع. وقلنا: لما كان الفعل واحدًا فورود الشبهة في أحد الجانبين يكفي لإسقاط الحد عن الآخر. فإن قيل: يَشْكُل بما لو زنا البالغ بصبية، حيث يجب الحد على البالغ دون الصبية، مع أن الفعل أيضًا واحد. قلنا: سقوط الحد عن الصبية باعتبار عدم الأهلية للعقوبة لا باعتبار الشبهة في الفعل، وفيما نحن فيه باعتبار الفعل، فيؤثر في الجانب الآخر لا محالة. قوله: (لما بينا) وهو أنه لا بسوطة في مال هؤلاء، فلم يستند ظنه إلى دليل، فلا يعتبر، بخلاف ما لو سرق من بيت هؤلاء حيث لا يقطع؛ لأن الحرز لم يتحقق في حقه؛ لدخوله في بيت هؤلاء بلا استئذان وحشمة، والقطع دائر مع

стр. 3871

(وَمَنْ زُفَّتْ إِلَيْهِ غَيْرُ امْرَأَتِهِ وَقَالَتِ النِّسَاءُ: إِنَّهَا زَوْجَتُكَ، فَوَطِئَهَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ) قَضَى بِذَلِكَ عَلِيٌّ ﵁ وَبِالْعِدَّةِ، وَلِأَنَّهُ اعْتَمَدَ دَلِيلًا وَهُوَ الْإِخْبَارُ فِي مَوْضِعِ الاشْتِبَاهِ، إِذِ الْإِنْسَانُ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ امْرَأَتِهِ وَبَيْنَ غَيْرِهَا فِي أَوَّلِ الْوَهْلَةِ فَصَارَ كَالْمَغْرُورِ، وَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ إِلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀، هتك الحرز، أما هاهنا الحل دائر مع الملك أو العقد أو شبهته، وبناء الظن على دليل الحل، ولم يوجد الحل ولا شبهته. قوله: (ومن زفت) أي: بعثت (فوطئها فلا حد عليه) وبه قالت الأئمة الثلاثة. وفي المغني (١) لابن قدامة: لا أعلم فيه خلافا. وفي الإيضاح (٢): جعله من عداد شبهة الاشتباه، وهي شبهة في الفعل، وليس كذلك، فإنها لو جاءت بولد يثبت نسبه منه، فكانت المزفوفة من عداد نسبة الدليل، وإن كانت نسبة شبهة الاشتباه. كذا في النهاية. وفي الكافي (٣): يثبت النسب وإن كانت شبهة اشتباه؛ لعدم الملك وشبهته إلا أن الشارع أنزل الإخبار بالملك كالملك المحقق؛ لدفع ضرر الغرور، كمن اشترى جارية ووطئها ثم استحقت، فإنه يعتبر الملك كالثابت؛ لدفع ضرر الغرور، كذا هاهنا. قوله: (إلا في رواية عن أبي يوسف) فإن إحسانه لا يثبت عنده؛ لأنه وطئها على تأويل النكاح، وهو تأويل في موضعه، فيقدر بينهما نكاحا نظرا له، ولهذا يثبت النسب منه، وعليه إجماع الصحابة، قدروا نكاحها في التي زفت إليه حتى حكموا بثبوت النسب والمهر، فيكون هذا النسب حلالا ظاهرا، والحكم مبني على الظاهر. وقالا: لما تبين الأمر بخلاف الظاهر بقي الظاهر معتبرا في إيراث الشبهة، وبالشبهة يسقط الحد ولا يجب.

стр. 3872

لأَنَّ المِلكَ مُنعَدِمٌ حَقِيقَة (وَمَنْ وَجَدَ امْرَأَة عَلَى فِرَاشِهِ فَوَطِئَهَا، فَعَلَيْهِ الحَدُّ) لِأَنَّهُ لَا اشتِبَاهَ بَعدَ طُولِ الصُّحبَةِ، فَلَم يَكُنْ الظَّنُّ مُستَنِدًا إِلَى دَلِيل، وَهَذَا لِأَنَّهُ قَدْ يَنَامُ عَلَى فِرَاشِهَا غَيْرُهَا مِنْ المَحَارِمِ الَّتِي فِي بَيْتِهَا، وَكَذَا إِذَا كَانَ أَعْمَى، لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّمْيِيزُ بِالسُّؤَالِ وَغَيْرِهِ، إِلَّا وسئل أبو حنيفة ﵁ عن أخوين تزوجا أختين، فَزُفّت كل منهما إلى زوج أختها، فقال: ليطلق كل زوجته ثم يتزوج من وطئها. وقال سفيان الثوري: على كل واحد منهما المهر، وعلى كل واحدة العدة، فإذا مضت عدتها دخل بها زوجها، فقال أبو حنيفة: ما قلتُ أحسن، أرأيت لو صبر كل منهما حتى تمضي العدة، أما كان يبقى في قلب كل واحد شيء لدخول أخيه بامرأته؟ ولكن إذا طلق كل زوجته قبل الدخول والخلوة لا تجب العدة، وعدته لا تمنع نكاحها، ولم يبقَ في قلب كل منهما شيء. قوله: (وجد امرأة على فراشه فوطئها) وقال: حسبتها امرأتي (عليه الحد). وقال الشافعي ومالك وأحمد: لا حدَّ عليه إن ظن أنها امرأته أو أمته؛ قياسًا على ليلة الزفاف، وعلى من شرب شرابًا على ظن أنه ليس بخمر فإنه لا يحد. وقلنا: بعد امتداد العهد وطول الصحبة لا تشتبه عليه امرأته، وقد ينام على فراشها غيرها من المحارم التي في بيتها، فلم يستند ظنه إلى دليل، بل هو دعوى الظن في غير موضعه، فلم يعتبر كوطء أمة مستأجرة أو وديعة، بخلاف ليلة الزفاف؛ لما قلنا أنه لا يميز بين امرأته وغيرها في أول الوهلة، وبخلاف مسألة الشرب فإنه لا يميز بين الخمر وغيره إلا بعد الشرب. قوله: (وكذا إذا كان أعمى) فإنه يجب الحد عليه عندنا، خلافًا لهما (لأنه يقدر على التمييز بالسؤال أو بغيره من الحركات والهيئات، فكان كالبصير (إلا) إذا كان دعاها فأجابته أجنبية وقالت: أنا زوجتك) قيَّد بقوله: (أنا زوجتك) لأنها لو لم تقل فأجابته بالفعل حين دعا امرأته فوطئها يحد، فأما إذا قالت: (فأنا فلانة) يعني امرأة الأعمى عند إجابتها بالفعل، فلا يحد. كذا في الإيضاح (١). ولو أكرهها يجب عليه الحد دونها، ولا يجب المهر عندنا، وعند الشافعي

стр. 3873

إن كَانَ دَعَاهَا فَأَجَابَتْهُ أَجْنَبِيَّةٌ وَقَالَتْ: أَنَا زَوجَتُكَ فَوَاقَعَهَا لِأَنَّ الْإِحْبَارَ دَلِيلٌ (وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَة لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا فَوَطِئَهَا، لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَلَكِن يُوجَعُ عُقُوبَةٍ إِذَا كَانَ عَلِمَ بِذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ: عَلَيْهِ الحَدُّ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ (*)؛ لِأَنَّهُ يجب الحد والمهر؛ إذ المهر بالحد لا يسقط، كما في القطع مع الضمان، ويجيء بعد ذلك البيان. قوله: (وقال) أي: أبو يوسف ومحمد، والشافعي ومالك وأحمد: يجب عليه الحد إذا كان عالما بذلك، وكذا الخلاف في كل امرأة محرمة برضاع أو نسب أو عقد غير أو مطلقة ثلاثا فعند أبي حنيفة لا حد عليه سواء علم بكونها محرمة أو لا؛ لصورة العقد، وعندهم يجب الحد. وفي المغني (١) لابن قدامة الحنبلي: فأما الأنكحة المجمع على بطلانها، كنكاح الخامسة والمعتدة والمزوجة للغير ومطلقته ثلاثا وذات محارمه من نسب أو برضاع لا يمنع وجوب الحد؛ لما روي عن عمر ﵁ حين رفع إليه امرأة تزوجت في عدة فضالة بغيره: هل علمتما؟ فقالا: لا، فقال عمر: لو علمتما لرجمتكما. وفي وطء محارمه بالعقد وبغيره روايتان في رواية: يحد بعموم الآية. والثانية: يقتل بكل حال؛ لما روي عن البراء قال: لقيت عمي وفي يده الراية، فقلت: إلى أين تريد؟ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل نكح امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه وآخذ ماله (٢)، قال الترمذي: هذا حديث حسن رواه ابن ماجه بإسناده أنه ﵇ قال: «مَنْ وقع على ذات محرم فاقتلوه» (٣) انتهى كلامه.

стр. 3874

عَقدٌ لَم يُصَادِفَ مَحَلَّهُ فَيَلغُو كَمَا إِذَا أُضِيفَ إِلَى الذُّكُورِ، وَهَذَا لِأَنَّ مَحَلَّ التَّصَرُّفِ مَا يَكُونُ مَحَلًّا لِحُكمِهِ، وَحُكمُهُ الحِلُّ وَهِيَ مِنْ المُحَرَّمَاتِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ العقدَ صَادَفَ مَحَلَّهُ، لِأَنَّ مَحَلَّ التَّصَرُّفِ مَا يُقبَلُ مَقصُودُهُ، وَالْأُنثَى مِنْ بَنَاتِ آدَمَ قَابِلَةٌ لِلتَّوَالُدِ وَهُوَ المَقْصُودُ، وَكَانَ يَنبَغِي أَنْ يَنعَقِدَ فِي جَمِيعِ الأَحكَامِ، إِلَّا أَنَّهُ تَقَاعَدَ قالت العامة: هذا حديث شاذ مخالف لظاهر الكتاب والأحاديث المشهورة، فيؤول ذلك في حق من يستحله، أو أمر ذلك سياسة وتعزيرا لا حدا. قوله: (وهي من المحرمات) أي: على التأبيد، فلا تكون محلا للحل، فلا ينعقد العقد أصلا، كالبيع الوارد على الميتة والدم، وإذا لم ينعقد أصلا لا تمكن شبهة الانعقاد فيما يرجع إلى إفادة الحل؛ إذ الشبهة في محل يتصور منه حقيقة، فتمحض الفعل حرامًا كما قبل العقد، يؤيده قول عمر ﵁، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [النساء: ٢٢] والفاحشة اسم الزنا. ولأبي حنيفة أن العقد صادف محله؛ لأن محل العقد ما يكون قابلا لمقصوده الأصلي، وكل أنثى من بنات آدم قابلة للتوالد، وهو المقصود الأصلي بالنكاح، وإذا كانت قابلة للمقصود كانت قابلة لحكمه؛ إذ الحكم يدخل في المعقود ذريعة إلى المقصود، فكان هذا عقدًا مضافًا إلى محله، فينبغي أن ينعقد في جميع الأحكام، إلا أنه تقاعد عن حقيقة إفادة الحل بالنص والإجماع؛ لأن العقد لم يضف إلى محله من وجه؛ إذ الشرع أخرج المحارم عن المحلية، فكان هذا وطئًا حصل عقيب عقد انعقد من وجه، فلا يحد لثبوت شبهة الحل. كمن اشترى أمة بخمر فإن الخمر ليست بمال عندنا، ولكنها لما كانت مالًا عند أهل الذمة جعل ذلك معتبرًا في حق انعقاد العقد به، فهذا الذي هي محل في غيره من المسلمين أولى أن يعتبر ذلك في إيراث الشبهة في حقه. يؤيده قوله ﵇: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها» (١) فمع

стр. 3875

عَنْ إِفَادَةِ حَقِيقَةِ الحِلِّ فَيُورِثُ الشُّهَةَ، لِأَنَّ الشُّهَةَ مَا يُشبِهُ الثَّابِتَ لَا نَفْسَ الثَّابِتِ، الحكم ببطلان النكاح أسقط الحد به، فدلّ أن صورة العقد مسقطة للحد وإن كان باطلا شرعًا. ولأن الفعل ليس بزنا لغةً، فإن أهل اللغة لا يفصلون بين الزنا بغيره إلا بالعقد، فعرف أن ذلك الوطء ليس بزنا لغة، ولهذا كان حلالا في شريعة من قبلنا، ألا ترى أن الأمة التي هي أخت الرضاع للواطئ فوطؤه لا يوجب الحد، فالنكاح في كونه مشروعًا أقوى من ملك اليمين. ثم ملك اليمين في محل لا يوجب الحل يصير شبهة، ويسقط بعقد النكاح. وأما قول عمر ﵁ يمكن أن يكون بطريق السياسة، فلا تتم به الحجة، وأما الآية فأسم الفاحشة لا يختص بالزنا، بل اسم لجميع ما هو حرام، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١]، إليه أشار في المبسوط (١). وفي الذخيرة (٢): قال بعض المشايخ: سقوط الحد بشبهة الاشتباه عند أبي حنيفة في نكاح المحارم فلا يفيد النسب، وقال بعضهم: بشبهة العقد وهو الصحيح؛ لأنه روي عن محمد أنه قال: سقوط الحد عنه لشبهة حكمية، فيثبت النسب. وهكذا ذكر في المنية. قوله: (وَلَيْسَ فِيهَا حَدٌ مُقَدَّرُ فَيُعَزِّرُ) أشد التعزير، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد في رواية، وفي رواية: يقتل كما ذكرنا، وذكرنا جوابه، ومنكوحة الغير ومعتدته ومطلقته ثلاثا بعد التزوج كالمحرم، يُفتى على هذا الخلاف. أما النكاح إن كان مختلفا فيه، كالنكاح بلا شهود أو بلا ولي فلا حد عليه بإجماع الأئمة الأربعة؛ لتمكن الشبهة عند الكل، وكذا لو تزوج على حرة، أو أمة مجوسية، أو أمة بلا إذن سيدها، أو تزوج بغير إذن سيده فلا حد عليه بإجماع الأئمة الأربعة، ففي كل نكاح مختلف في جوازه لا يجب الحد بالإجماع، وفي كل نكاح هو باطل بإجماع الأمة فعلى هذا الخلاف بين أبي حنيفة وغيره.

стр. 3876

إِلَّا أَنَّهُ ارتَكَبَ جَرِيمَة وَلَيْسَ فِيهَا حَدٌ مُقَدَّرٌ فَيُعَزَّرُ (وَمَنْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةِ فِيمَا دُونَ الفَرِجِ يُعَزَّرُ) لِأَنَّهُ مُنكَرٌ لَيسَ فِيهِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ (وَمَنْ أَتَى امْرَأَة فِي المَوضِعِ المَكرُوهِ أَوْ عَمِلَ عَمَلَ قَومِ لُوطٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَيُعَزَّرُ، وَزَادَ فِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَيُودَعُ فِي السِّجْنِ، وَقَالَا: هُوَ كَالزِّنَا فَيُحَدُّ) (*) وَهُوَ أَحَدُ قَولَي الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ فِي قَول: يُقْتَلَانِ. قوله: (فيما دون الفرج) أي: غير السبيلين كالتفخيذ والتبطين، ولا خلاف بين الأئمة أن الزنا منوط بإدخال الفرج في السبيلين، والمرأة إذا أتت امرأة يعزران. قوله: (ومن أتى امرأة في الموضع المكروه). في المبسوط (١): من أتى امرأة أجنبية في دبرها، أو لاط بغلام فعليه التعزير عنده، وعندهما عليه الحد. ولكن ذكر في روضة الزندويستي (٢) الخلاف في الغلام، أما لو أتى امرأة في الموضع المكروه يحد بلا خلاف، ولو فعل هذا بعبده أو أمته أو منكوحته لا يحد بلا خلاف. كذا في فتاوى الظهيرية. وفي الكافي (٣): والأصح أن الكل على الخلاف، نص عليه في الزيادات. وللشافعي في عبده وأمته ومنكوحته قولان والأصح في العبد الحد، وفي الأمة والمنكوحة عدم الحد. وهل تكون اللواطة في الجنة؟. قيل: هذا على أصل، وهو إن كانت اللواطة حرمت في الدنيا عقلا وسمعا لا تباح في الجنة، وإن حرمت سمعا لا عقلا تباح فيها، والصحيح أنه لا يكون في الجنة؛ لأنه تعالى استبعد ذلك واستقبحه فقال: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠] وسماه خبثًا، فقال تعالى: ﴿كَانَتْ تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء: ٧٤] والجنة منزهة عن الخبائث هكذا ذكره التمرتاشي.

стр. 3877

بِكُلِّ حَالَ لِقَولِهِ ﵊: «اقْتُلُوا الفَاعِلَ وَالمَفْعُولَ» وَيُرْوَى: «فَارِجُمُوا الأعلَى وَالأَسْفَلَ» وَلَهُمَا: أَنَّهُ فِي مَعنَى الزِّنَا، لِأَنَّهُ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ فِي مَحَلِّ مُسْتَهى عَلَى سَبِيلِ الكَمَالِ عَلَى وَجْه تَمَتَّضَ حَرَامًا لِقَصِدِ سَفِحِ المَاءِ. قوله: (وقال) أي: الشافعي (في قول: يقتلان) وله فيه وجوه: في وجه: يقتلان بالسيف. وفي وجه: يرجمان بكرا كان أو ثيبا، وبه قال مالك وأحمد؛ تغليظا، وروي عن علي ﵁ أنه يرجم اللواطي. وفي وجه: يهدم عليه جدارًا، ويرمى من شاهق حتى يموت أخذا من عذاب قوم لوط، قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَلِيهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً﴾ [الحجر: ٧٤]. وفي شرح الوجيز (١): وأصح القولين يجلد مائة إن كان بكرا ويغرب، وإن كان محصنًا يرجم، كقول أبي يوسف ومحمد، روى أبو داود أنه ﵇ قال: «اقتلوا الفاعل والمفعول» (٢) وفي لفظ: «ارجموا الأعلى والأسفل» (٣). لهما أنه أي: الإتيان في الدبر (في معنى الزنا) أي: في المعنى الذي تعلق به الحد من كل وجه، حتى إن من لا يعرف الشرع لا يفصل بينهما (لأنه) أي: الإتيان في الدبر (قضاء الشهوة في محل مشتهى) إذ المحل إنما يصير مشتهى باللين والحرارة، وذلك لا يختلف بين القُبل والدبر، ولهذا وجب الاغتسال بنفس الإيلاج، ويرغب العقلاء فيه كما يرغبون في القبل، بل الاشتهاء والرغبة في الدبر أبلغ؛ لأنه لا يتوهم حدوث الولد، بخلاف القبل، وتمحض الحرمة هنا أبين؛ لأن الحرمة في القبل تنكشف بكاشف، كالملك والنكاح، ولا كذلك هاهنا فيثبت الحد فيه بدلالة النص، يؤيده قوله ﵇: «إذا أَتَى الرَّجلُ الرَّجلَ فَهُما زانيان» (٤).

стр. 3878

وَلَهُ: أَنَّهُ لَيْسَ بِزِنا لِاحْتِلافِ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي مُوجِبِهِ مِنْ الإِحْرَاقِ بِالنَّارِ وَهَدَمِ الجِدَارِ وَالتَّنْكِيسِ مِنْ مَكَانَ مُرتَفِع بِاتبَاعِ الأَحْجَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا هُوَ فِي مَعنَى الزِّنَا، قوله: (وله) أي: لأبي حنيفة (أنه ليس بزنًا) حقيقة لغةً، ألا ترى أنه ينفى ويقال: لاط وما زنى، وأهل اللغة فصلوا بينهما، قال قائلهم: مِنْ كَفْ ذاتِ حِرٍ في زي ذي ذَكَرٍ … لَها مُحِبّانِ لوطي وَزَنَّاءُ (١) فلا بد من اعتبار الاسم، ألا ترى أن الصحابة اختلفوا في موجبه مع أنهم عرفوا نص الزنا وموجبه، فعن الصديق: يحرقان بالنار. وعن المرتضى: يجلدان أو يرجمان، وعن ابن عباس: ينكسان من أعلى المواضع ويتبعان بالحجارة، وعن ابن الزبير: يحبسان في أنتن المواضع حتى يموتا نتنا، وعن بعضهم: يهدم عليهما جدار. ولا يظن بهم الاجتهاد في موضع النص، فكان اتفاقًا منهم على أنها ليست بزنا؛ إذ لا يمكن إيجاب حد الزنا بغير الزنا، ولا هو في معنى الزنا من كل وجه، فلا يجوز إلحاقه بالدلالة، وذلك أنها قصرت في المعنى الداعي إلى شرعية الزجر؛ إذ الحدود شرعت زواجر؛ لأن عليَّة الزنا باعتبار ميل الطبع من الجانبين دعت إلى شرعية الحد إعداما للزنا وتقليلا له، وهذا المعنى معدوم في اللواطة؛ لدعاء الطبع دون المفعول له عند سلامة الطبع. ولا يشكل بوطء البالغ الصغيرة، فإن الحد يجب على البالغ مع أن الداعي من جانبه، لأنا نقول: إذا بلغت حُدَّت حدا يحتمل الجماع كان الداعي فيها موجودًا، ووطؤها زنا، بخلاف اللواطة؛ لما ذكرنا. وباعتبار آخر، وهو أن في الزنا إفساد النسل وتضييعه، وإفساد فرش الناس، فكان في معنى إهلاك الولد؛ لأن ولد الزنا هالك حكما؛ لعدم من يربيه دونها، وهي عاجزة عن الكسب عادة لا باعتبار الحرمة. ألا ترى أن حد الشرب شرع في شرب الخمر دون شرب البول وإن استويا

стр. 3879

لِأَنَّهُ لَيسَ فِيهِ إِضَاعَةُ الوَلَدِ وَاشْتِبَاهُ الأَنْسَابِ، وَكَذَا هُوَ أَندَرُ وُقُوعًا لِانعِدَامِ الدَّاعِي مِنْ أَحَدِ الجَانِبَينِ وَالدَّاعِي إِلَى الزِّنَا مِنْ الجَانِبَينِ. وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى السِّيَاسَةِ أَوْ عَلَى المُستَحِل، إِلَّا أَنَّهُ يُعَزَّرُ عِندَهُ لِمَا بَيَّنَّاهُ (وَمَنْ وَطِئَ بَهِيمَة لَا حَدَّ عَلَيْهِ) حرمة، وليس في اللواطة شيء من هذه المعاني، فلا يلحق به دلالة، خصوصًا فيما يندرئ بالشبهات، ولا يجوز جبر هذا القصور بزيادة الحرمة؛ لأن ذا يكون قياسًا، ولا مدخل له في الحدود، وأما الحديث فمجاز يراد به في حق الإثم، بدلل اختلاف الصحابة. وما رواه الشافعي محمول على أنه قاله في فاعل اعتاد ذلك، ومن اعتاد ذلك يقتل سياسة عندنا، ألا ترى أنه أمر بالقتل المطلق ولم يفرق بين المحصن وغيره، ولو كان بمنزلة الزنا لفرق بين المحصن وغيره، مع أن يحيى بن معين قال: راوي حديث ابن عباس: عاصم بن عمرو، وعمرو بن أبي عمرو، وهما ضعيفان، وتكلم فيه. عمرو بن أبي عمرو: مولى المُطلب، واسم أبي عمرو: ميسرة (١)، قال البخاري: أبو عمرو صدوق، لكنه روى عن عكرمة مناكير. ويحمل على المستحِلّ، فإنه يصير مرتدا يقتل لذلك، وهو تأويل قوله ﵇: «مَنْ أَتَى امرأته الحائض، أو أتى امرأته في غير مأتاها فقد كفر بما أُنزِل على محمد» (٢). قوله: (إِلَّا أَنَّهُ يُعَزِّرُ عِنْدَهُ) أي: عند أبي حنيفة. وقوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله: (إن ارتكب كبيرة لا حد فيه) فعنده يفوض إلى رأي الإمام العادل العالم. قوله: (وَمَنْ وَطِئَ بَهِيمَةً لَا حَدَّ عَلَيْهِ) عندنا وزفر، وبه قال مالك وعثمان البتي. وروي مثله عن ابن عمر، وبه قال الشافعي في قول، وأحمد في رواية،

стр. 3880

لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعنَى الزِّنَا فِي كَونِهِ جِنَايَة، وَفِي وُجُودِ الدَّاعِي، لِأَنَّ الطَّبعَ السَّلِيمَ يَنفِرُ عَنْهُ وَالحَامِلُ عَلَيْهِ نِهَايَةُ السَّفَهِ أَوْ فَرطُ الشَّبَقِ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ سَتْرُهُ، إِلَّا أَنَّهُ يُعَزِّرُ لِمَا بَيَّنَّاهُ، وَالَّذِي يُروَى: أَنَّهُ تُدْبَحُ البَهِيمَةُ وَتُحرَقُ فَذَلِكَ لِقَطْعِ التَّحَدُّثِ بِهِ وَلَيْسَ بِوَاجِب وفي قول: يحد كالزنا، وبه قال أحمد في رواية، وفي قول: يقتل رجما بكرا كان أو ثيبا؛ لما روي عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ وَجَدتموه على بهيمةٍ فاقتلوه وَاقْتلوا البهيمة» (١). (ولهذا لا يجب ستره) أي: ستر فرج البهيمة والفرج وإن كان غير مذكور لكن يفهم من قوله: (وطئ بهيمة) ولو كان الطبع داعيًا إليه لوجب ستر ذلك الموضع كما في القبل والدبر والإيلاج فيه كالإيلاج في الكوز، ولهذا لا يجب الغسل، ولا تنتقض الطهارة بنفس الإيلاج بدون الإنزال، فلا يكون في معنى الزنا، فلا يحتاج إلى الزاجر. قوله: (لما بينا) وهو أنه ارتكب جريمة وليس فيها حد. وأما الحديث فشاذ ضعيف ضَعَّفَه البخاري ويحيى بن معين وأبو داود كما ذكرنا، مع أنه روى أبو رزين عن ابن عباس أنه قال: " لا حدّ على من أتى بهيمة" وكذلك روى الثقات عن ابن عباس، وإن ثبت فتأويله في حق المستحل. قوله: (وَالَّذِي يُرْوَى أَنَّهُ تُذْبَحُ الْبَهِيمَةُ) فقد رُوي عن علي أنه أمر بذبح البهيمة، وإحراقها ليس بواجب عندنا، وتأويله أنه فعل ذلك كيلا يُعير الرجل إذا كانت البهيمة باقية. كذا في المبسوط (٢). وفي الكافي (٣): إن كانت البهيمة مما لا يؤكل تذبح ثم تحرق بالنار، كذا

стр. 3881

(وَمَنْ زَنَى فِي دَارِ الحَربِ، أَوْ فِي دَارِ البَغْيِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الحَدُّ). وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀: يُحَدُّ، لِأَنَّهُ التَزَمَ بِإِسْلَامِهِ أَحكَامَهُ أَيْنَمَا كَانَ مَقَامُهُ. وَلَنَا: قَولُهُ ﵊: «لَا تُقَامُ الحُدُودُ فِي دَارِ الحَربِ» في الأثر، ولا تحرق قبل الذبح، وضمن الفاعل قيمة الدابة إن كانت لغيره. وقال بعض أصحاب الشافعي: تقتل ولا تحرق، ويضمن الفاعل إن كانت لغيره، وعندنا الإحراق ليس بواجب، وإنما تحرق كيلا يعير الرجل. وقال بعض أصحابه: لا تقتل، وفرق بعض أصحابه فقال: إن كانت مما لا يؤكل لا تذبح، وإن كانت مما يؤكل تذبح، وفي أكلها وجهان: أحدهما، لا يحل ويضمن لغيره. ولو زنا بامرأة مستأجرة للوطء لا يحد عند أبي حنيفة، ويحد عندهما والشافعي وأحمد. ولو وجدت امرأة لا زوج لها حاملا لا تحد عندنا والشافعي وأحمد، وقال مالك: تُحدّ. قوله: (ثم خرج إلينا) أي: خرج وأقر عند القاضي، ولنا قوله ﵇: «لا تُقام الحدود في دار الحرب» (١). في شرح الصاعدي: رَوَى مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ زَنَى وَسَرَقَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَأَصَابَ بِهَا حَدًّا ثُمَّ هَرَبَ فَخَرَجَ علينا (٢) فَإِنَّهُ لَا يُقَامُ الحَدّ عليه» (٣). ووجه التمسك بالحديث أنه ﵇ لم يرد حقيقة عدم الإقامة حسا؛ لانقطاع ولاية الإمام عنها، فكان المراد من عدم الإقامة عدم وجوب الحد. فإن قيل: الحديث معارض بقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢]. قلنا: خص منه مواضع الشبهة بالإجماع، فيجوز تخصيصه بخبر الواحد.

стр. 3882

وَلِأَنَّ المَقصُودَ هُوَ الاِنزِجَارُ، وَوِلَايَةُ الإِمَامِ مُنقَطِعَةٌ فِيهِمَا فَيُعَرَّى الوُجُوبُ عَنْ الفَائِدَةِ، وَلَا تُقَامُ بَعدَ مَا خَرَجَ لِأَنَّهَا لَم تَنعَقِد مُوجِبَةٌ فَلَا تَنقَلِبُ مُوجِبَة. (وَلَو غَزَا مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الإِقَامَةِ بِنَفْسِهِ كَالخَلِيفَةِ وَأَمِيرِ مِصر، يُقِيمُ الحَدَّ عَلَى مَنْ زَنَى فِي مُعَسكَرِهِ) لِأَنَّهُ تَحتَ يَدِهِ، بِخِلَافِ أَمِيرِ العَسكَرِ وَالسَّرِيَّةِ، لِأَنَّهُ لَم تُفَوَّض إِلَيْهِمَا الإِقَامَةُ. (وَإِذَا دَخَلَ حَربِيٌّ دَارَنَا بِأَمَان فَزَنَى بِذِمِّيَّة، أَوْ زَنَى ذِمِّيٌّ بِحَرِبِيَّة، يُحَدُّ الذِّمِّيُّ وَالدِّمِّيَّةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا يُحَدُّ الحَربِيُّ وَالحَربِيَّةُ وَهُوَ قَولُ مُحَمَّد فِي الدِّمِّيِّ) يَعْنِي: إِذَا زَنَى بِحَربِيَّة، فَأَمَّا إِذَا زَنَى الحَربِيُّ بِذِمِّيَّة لَا يُحَدَّانِ عِنْدَ مُحَمَّد ﵀، وَهُوَ قَولُ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَوَّلًا (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُحَدُّونَ كُلُّهُم) (*) وَهُوَ قَولُهُ الآخَرُ. قوله: (ولأن المقصود هو الانزجار). وفي المبسوط: إن وجوب الحد لم يرد بعينه للاستيفاء؛ إذ المقصود هو الانزجار، وذا لا يحصل بنفس الوجوب بل بالاستيفاء، ولا يمكن استيفاؤه ثُمَّ؛ لعدم ولاية الإمام، فامتنع الوجوب؛ لعدم فائدته، وهو الاستيفاء، وإذا لم ينعقد الزنا في دار الحرب موجبًا للحد لا ينقلب موجبا بعد الخروج إلينا. وهو معنى قول المصنف: (لأنها) أي: الزنا على تأويل الفاحشة (لم تنعقد موجبة … ) إلى آخره. قوله: (في معسكره) قيد به؛ لأنه لو دخل دار الحرب وخرج من العسكر وزني لا يقام عليه الحد. ذكره في المحيط (١) قوله: (يُحَدُّ الذِّمِّيُّ وَالذُّمِّيَّةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وبه قال الشافعي وأحمد، وعند مالك: لا يحد الذمي ولا الذمية، ولا يحد الحربي والحربية، وقال الشافعي: يحد. قوله: (يُحَدُّونَ كُلُّهُمْ) وبه قال الشافعي وزفر. وفي الكافي (٢): والخلاف في موضعين:

стр. 3883

لِأَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّ المُستَأمَنَ التَزَمَ أَحكَامَنَا مُدَّةَ مُقَامِهِ فِي دَارِنَا فِي المُعَامَلَاتِ، كَمَا أَنَّ الذِّمِّيَّ التَزَمَهَا مُدَّةَ عُمُرِهِ، وَلِهَذَا يُحَدُّ حَدَّ القَدْفِ وَيُقْتَلُ قِصَاصًا، بِخِلَافِ حَدٌ الشَّربِ، لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ إِبَاحَتَهُ. وَلَهُمَا: أَنَّهُ مَا دَخَلَ لِلقَرَارِ، بَلْ لِحَاجَة كَالتِّجَارَةِ وَنَحْوِهَا، فَلَمْ يَصِر مِنْ أَهلِ دَارِنَا، وَلِهَذَا يُمَكَّنُ مِنْ الرُّجُوعِ إِلَى دَارِ الحَرْبِ وَلَا يُقتَلُ المُسلِمُ وَلَا الذَّمِّيُّ بِهِ، وَإِنَّمَا التَزَمَ مِنْ الحُكمِ مَا يَرْجِعُ إِلَى تَحْصِيلِ مَقصُودِهِ وَهُوَ حُقُوقُ العِبَادِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا طَمِعَ فِي الإِنصَافِ يَلتَزِم الانتِصَافَ، وَالقِصَاصُ وَحَدُّ أحدهما: أن الحربي المستأمن أو الحربية المستأمنة إذا زَنَيَا لم يُحَدًا عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف حُدًا. والثاني: أن التمكين من المستأمنة يوجب الحد عليها عند أبي حنيفة، وبه قال الشافعي وزفر وأحمد، ومحمد لا يوجب، فأبو يوسف يقول: إن كل الحدود تقام على المستأمن والمستأمنة في دارنا إلا حد الشرب، كما يقام على الذمي والذمية؛ لأن المستأمن يعتقد حرمة الزنا؛ لأنه حرام في كل الأديان. وقد قَدَرَ الإمام على إقامة الحد لكونه في دارنا والتزم أحكامنا فيما يرجع إلى المعاملات والسياسات مدةً مُقامه فينا، كالذمي التزمها مدة حياته، ألا ترى أنه يقام عليه القصاص وحد القذف، ويمنع من الزنا وشراء العبد المسلم والمصحف، ويجبر على بيعهما بعد الشراء كما يجبر الذمي، بخلاف حد الشرب، فإنه لا يقام على الذمي أيضًا؛ لاعتقادهما إباحته، وإنما أعطيناهما الأمان على أن نتركهما وديانتهما. قوله: (لَهُمَا أَنَّهُ مَا دَخَلَ لِلْقَرَارِ … ) إلى آخره. بيانه أن الإقامة تبنى على الولاية، والولاية تبنى على الالتزام؛ إذ لو ألزمنا عليه حكما بلا التزامه؛ لأدى إلى تنفيره من دارنا ليرى محاسن الإسلام فيسلم. وهو بالأمان التزم حقوق العباد (الإنصاف) أي: العدل لأجله على غيره (والانتصاف) أي: يقبل العدل لغيره عليه؛ لأن الغرم بإزاء الغنم، ألا يؤذي ولا يُؤذى، فيلزم عليه بالتزامه. وأما حقوق الله تعالى فلم يلتزمها؛ لأنه إنما دخل دارنا ليقضي حوائجه،

стр. 3884

القَذْفِ مِنْ حُقُوقِهِم، أَمَّا حَدُّ الزِّنَا فَمَحضُ حَقِّ الشَّرعِ. وَلِمُحَمَّد ﵀ وَهُوَ الفَرقُ. أَنَّ الأَصلَ فِي بَابِ الزِّنَا فِعلُ الرَّجُلِ وَالمَرأَةِ تَابِعَةٌ لَهُ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَامْتِنَاعُ الحَدِّ فِي حَقِّ الأَصلِ يُوجِبُ امتِنَاعَهُ فِي حَقِّ التَّبَعِ، أَمَّا الامْتِنَاعُ فِي حَقِّ التَّبَعِ لَا يُوجِبُ الامتِنَاعَ فِي حَقِّ الأَصلِ. نَظِيرُهُ: إِذَا زَنَى البَالِغُ بِصَبِيَّة أَوْ مَجْنُونَة، وَتَمْكِينُ البَالِغَةِ مِنْ الصَّبِيِّ وَالمَجنُونِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِيهِ: أَنَّ فِعْلَ فيعامل معه ويعاملنا، فيكون ملتزمًا ما يتصل بالمعاملة من حقوق العباد لا غير، ألا ترى أنه لا تضرب عليه الجزية، ولا يقتل المسلم والذمي به، ولا يمنع من الرجوع إلى دار الحرب. وإذا لم يكن ملتزما شيئًا من حقوق الله تعالى صار الأمان وعدمه سواء، ولو عدم الأمان لم يقم عليه شيء من الحدود كذا هنا بخلاف الذمي؛ لأنه بالذمة صار آمنا دارًا، فالتحق بنا في أحكام الدنيا كلها، وفارقنا في أحكام الآخرة. أما القصاص فحق العبد، وحد القذف فيه حق العبد أيضًا، والمنع من شراء العبد المسلم والمصحف والجبر على بيعهما من حقوق العباد، بخلاف حق الزنا، فإنه خالص حق الله تعالى فلا يلزمه، ولا يقال: إنه يمنع من الربا وهو حق الشرع؛ لأن الربا استثني من كل عهد، قال ﵇: «إلا مَنْ أَرْبَى فليس بيننا [وبينه] عهد (١)» إليه أشير في المبسوط (٢). قوله: (عَلَى مَا نَذْكُرُهُ) أي: في مسألة زنا صحيح بمجنونة أو صغيرة، فمحمد يقول: فعل الرجل أصل، وفعلها تبع؛ لأنه الفاعل وهي محل الفعل، والمحال في حكم الشروط، فامتناع الحد في حق الأصل يوجب امتناعه في حق التبع؛ لأن الحد إنما يجب عليها بالتمكين من فعل موجب للحد، فلا تحد، وأما الامتناع في حق التبع لا يوجب امتناعه في حق الأصل.

стр. 3885

الحَربِيُّ المُستَأمَنِ زِنَا لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالحُرُمَاتِ عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَإِنْ لَم يَكُنْ مُخَاطَبًا بِالشَّرَائِعِ عَلَى أَصْلِنَا وَالتَّمْكِينُ مِنْ فِعل هُوَ زِنا مُوجِبٌ لِلحَدِّ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَالمَجنُونِ لِأَنَّهُمَا لَا يُخَاطَبَانِ، وَنَظِيرُ هَذَا الاخْتِلَافِ إِذَا زَنَى الْمُكْرَهُ بِالمُطَاوِعَةِ تُحَدُّ المُطَاوِعَةُ عِندَهُ، وَعِنْدَ مُحَمَّد رَحمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ لَا تُحَدُّ. قَالَ: (وَإِذَا زَنَى الصَّبِيُّ أَوْ المَجنُونُ بِامْرَأَة طَاوَعَتهُ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا عَلَيْهَا). نظيره زنى بالغ عاقل بصبية مراهقة أو مجنونة، فإنه يحد البالغ لكونه أصلا، ولو زنا صبي مراهق أو مجنون ببالغة عاقلة فإنها لا تحد؛ لكونها تابعة، فوقع الفرق لمحمد بين الذمي والذمية. وقال الشافعي ومالك وأحمد عليها الحد؛ لأنها مخاطبة زنت، كما يجيء، ولأبي حنيفة أن التمكين من الزنا قد وجد؛ لأن فعل المستأمن زنا حقيقة. (لأنه) أي: الحربي (مخاطب بالحرمات) كحرمة الكفر والزنا، وإن لم يكن مخاطبًا بأداء ما يحتمل السقوط من العبادات. وقوله: (هو الصحيح) احتراز عن قول بعض مشايخنا العراقيين، فإنهم قالوا بوجوب الأداء في الشرائع. وعند مشايخ ديارنا: لا يخاطبون بأداء ما يحتمل السقوط من العبادات. ذكره في أصول شمس الأئمة. وقوله: (على أصلنا) إشارة إلى قول مشايخ ديارنا: وإذا وجد التمكين من فعل الزنا، وهو موجب للحد، وإنما لم يقم الحد على الحربي؛ لفقد شرط الولاية، وهو الالتزام، لا الخلل في فعله، فصار كأنه زنا وعاب بحذاء المرأة، والمرأة تابعة في نفس الفعل دون حكم الفعل. ألا ترى أن الرجل إذا لم يكن محصنًا والمرأة محصنة يحد الرجل وترجم المرأة، ولا يصير ذلك شبهة في حقها، بخلاف الصبي والمجنون فإنهما لا يخاطبان، فلم يكن فعلهما زنا. ونظيره: زنا المكره مطاوعةٌ حُدَّتْ عند أبي حنيفة، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد، وعند محمد: لا تحد.

стр. 3886

وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: يَجِبُ الحَدُّ عَلَيْهَا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ (وَإِنْ زَنَى صَحِيحٌ بِمَجْنُونَة أَوْ صَغِيرَة يُجَامَعُ مِثْلُهَا حُدَّ الرَّجُلُ خَاصَّة) وَهَذَا بِالإِجْمَاعِ. لَهُمَا: أَنَّ العُدْرَ مِنْ جَانِبِهَا لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الحَدِّ مِنْ جَانِبِهِ فَكَذَا العُدْرُ مِنْ جَانِبِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ كُلَّا مِنْهُمَا مُؤَاخَذٌ بِفِعْلِهِ. وَلَنَا: أَنَّ فِعَلَ الزِّنَا يَتَحَقَّقُ مِنهُ، وَإِنَّمَا هِيَ مَحَلُّ الفِعْلِ وَلِهَذَا يُسَمَّى هُوَ وَاطِئًا وَزَانِيَا وَالمَرأَةُ مَوطُوءَة وَمَرْنِيًّا بِهَا، إِلَّا أَنَّهَا سُمِّيَت زَانِيَة مَجَازًا تَسْمِيَة لِلمَفْعُولِ بِاسمِ قوله: (وهو رواية) أي قول زفر والشافعي رواية (عن أبي يوسف) وبه قال أحمد ومالك؛ لأنها زانية حقيقة؛ لأن زناها اقتضى شهوتها بآلة، وقد وجد. ألا ترى أنه تعالى سماها زانية وبدأ بها، و [لو] (١) لم يتصور منها الزنا لما حد قاذفها، كالمجبوب، ثم امتناع الحد من جانها لا يوجب سقوط الحد من جانبه، فكذا امتناع الحد من جانبه لا يوجب الامتناع في جانبها؛ لأن كلا منهما مؤاخذ بفعله لا بفعل صاحبه. قوله: (ولنا أن فعل الزنا يتحقق منه) أي: من الرجل حقيقة؛ لأنه اسم لوطء حرام، وهو إمساس العضو العضو، وهو منه حقيقة، وإنما هي محله. وقوله: (ولهذا يسمى) إلى آخره، توضيح لكون الفعل حقيقة من الرجل (وسميت زانية مجازًا) تسمية للمفعول باسم الفاعل، كعيشة راضية، بمعنى مرضية، في قوله تعالى: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] و ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] بمعنى مدفوق، وإذا كان ذلك كان فعلها تبعًا لفعله، وفعل الصبي والمجنون ليس بزنا؛ لأن الزنا شرعًا فعل من هو مخاطب بالكف عنه أثم بفعله، وفعلهما ليس كذلك، فإذا عدم الزنا في جانبه، فكذا في جانبها، فلا يجب عليها الحد. فإن قيل: لما لم يجب الحد على الصبي والمجنون ينبغي أن يجب عليهما العقر؛ لأن الوطء في غير الملك لا يخلو عن أحد الأمرين: إما العقر وهو الحد، والعقر وهو مهر المثل، ولهذا لو زنا الصبي بصبية أو مكرهة يجب عليه المهر، وهاهنا لم يجب ذكره في الذخيرة (٢) فما الفرق؟.

стр. 3887

الفَاعِلِ كَالرَّاضِيَةِ فِي مَعنَى المَرضِيَّةِ، أَوْ لِكَونِهَا مُسَبِّبَة بِالتَّمْكِينِ فَتَعَلَّقَ الحَدُّ فِي حَقَّهَا بِالتَّمْكِينِ مِنْ قَبِيحِ الزِّنَا، وَهُوَ فِعلُ مَنْ هُوَ مُخَاطَبٌ بِالكَفِّ عَنهُ وَمُوْتَمٌ عَلَى مُبَاشَرَتِهِ، وَفِعلُ الصَّبِيِّ لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا يُنَاطُ بِهِ الحَدُّ. قَالَ: (وَمَنْ أَكْرَهَهُ السُّلطَانُ حَتَّى زَنَى فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ) وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ أَوَّلا: يُحَدُّ، وَهُوَ قَولُ زُفَرَ، لِأَنَّ الزِّنَا مِنْ الرَّجُلِ لَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا بَعدَ انتِشَارِ الآلَةِ وَذَلِكَ دَلِيلُ الطَّوَاعِيَةِ. ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ فَقَالَ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ سَبَبَهُ المُلجِئَ قَائِمٌ ظَاهِرًا، وَالِانتِشَارُ دَلِيلٌ مُتَرَدِّدُ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ قَصد، لِأَنَّ الإِنتِشَارَ قَدْ يَكُونُ طبعًا لَا طُوعًا كَمَا فِي النَّائِمِ فَأُورَثَ شُبهة، (وَإِنْ أَكْرَهَهُ غَيْرُ السُّلطَانِ حُدَّ عِنْدَ أَبِي قلنا: لا فائدة في إيجاب المهر عليه؛ لأنه لو أوجبنا عليه لرجع ولي الصبي على المرأة؛ لأنها لما طاوعته صارت آمرة له بالزنا معها، وقد لحق الصبيَّ غُرْمٌ بذلك الأمر، وصح الأمر منها لولايتها على نفسها، فلا يفيد الإيجاب. أما لو كانت مكرهة أو صبية لا رجوع لولي الصبي عليها بمثل ذلك؛ لعدم صحة أمرها؛ لعدم ولايتها، وفي المكرهة عدم الأمر أصلا، فكان الإيجاب مفيدًا. إليه أشار في الذخيرة. قوله: (ومن أكرهه السلطان … ) إلى آخره؛ لأن انتشار الآلة دليل الطواعية والاختيار، فاقترن بالإكراه ما ينافيه، فانتفى الإكراه، بخلاف المرأة إذا أكرهت على الزنا لا تحد؛ لأن التمكين يتحقق منها مع الإكراه فلا يكون تمكينها دليل الطوع والاختيار، وبقول زفر قال أحمد والشافعي في قول. (ثم رجع) أي: أبو حنيفة (وقال: لا يحد) وبه قال الشافعي في قول، وأبو يوسف ومحمد؛ لأن الحد شرع للزجر، وهو منزجر. وإنما أقدم عليه ليدفع الهلاك عن نفسه، فلا يحد، كالمرأة المكرهة، وانتشار الآلة لا يدل على الطواعية؛ لأنه قد يكون طبعًا لا طوعًا، فإن النائم قد تنتشر آلته لفرط فحوليته وإن لم يكن له قصد واختيار. قوله: (وَإِنْ أَكْرَهَهُ غَيْرُ السُّلْطَانِ حُدَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وزفر وأحمد والشافعي في قول؛ لما مر في المسألة الأولى، لكن عند أبي حنيفة باعتبار أن الإكراه لا يتحقق.

стр. 3888

حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يُحَدُّ) (*) لِأَنَّ الإِكْرَاهَ عِندَهُمَا قَدْ يَتَحَقَّقُ مِنْ غَيْرِ السُّلْطَانِ؛ لِأَنَّ المُؤَثَّرَ خَوفُ الهَلَاكِ، وَأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ مِنْ غَيْرِهِ. وَلَهُ: أَنَّ الإِكْرَاهَ مِنْ غَيْرِهِ لَا يَدُومُ إِلَّا نَادِرًا لِتَمَكَّنِهِ مِنَ الاسْتِعَانَةِ بِالسُّلطَانِ أَوْ بِجَمَاعَةِ المُسلِمِينَ، وَيُمْكِنُهُ دَفَعُهُ بِنَفْسِهِ بِالسِّلَاحِ، وَالنَّادِرُ لَا حُكمَ لَهُ فَلَا يَسقُطُ بِهِ الحَدُّ بِخِلَافِ السُّلطَانِ لِأَنَّهُ لَا يُمكِنُهُ الاسْتِعَانَةُ بِغَيْرِهِ وَلَا الخُرُوجُ بِالسِّلَاحِ عَلَيْهِ فَافْتَرَقَا وَمَنْ أَقَرَّ أَربَعَ مَرَّات فِي مَجَالِسَ مُختَلِفَة أَنَّهُ زَنَى بِفُلَانَةَ، وَقَالَتْ هِيَ: تَزَوَّجَنِي، أَوْ أَقَرَّت بِالزِّنَا، وَقَالَ الرَّجُلُ: تَزَوَّجتهَا، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِما وَعَلَيْهِ المَهْرُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ دَعْوَى النِّكَاحِ يَحْتَمِلُ الصِّدقَ وعندهما والشافعي وأحمد أيضًا يتحقق، ولكن باعتبار المعنى الذي ذكرنا في المسألة الأولى، ويحد عند أحمد والشافعي، وعند أبي حنيفة باعتبار عدم الإكراه. وفي الكافي (١): هذا اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان، فللسلطان كان في زمانه قوة وغلبة بحيث لا يتجاسر أحد على إكراه غيره، وفي زمنهما ظهرت القوة لكل متغلب فيقضى بقولهما، ولهذا قال صاحب الهداية في الإكراه والسلطان وغيره سيان عند تحقق القدرة على إيقاع ما توعد به. قوله: (ومن أقر أربع مرات … ) إلى آخره. في الكافي (٢): هذه المسألة على وجهين: أحدهما: أن يقر بالزنا بفلانة أربع مرات، وقالت فلانة: تزوجني. أو أقرت بالزنا أربع مرات بفلان وقال فلان تزوجتها - لم يحد؛ لأن دعوى النكاح تحتمل الصدق، ولو علمنا صدق مدعي النكاح يثبت النكاح من الطرفين، فإذا احتمل الصدق يثبت احتمال النكاح من الطرفين، والاحتمال هنا ملحقه بالحقيقة؛ تكلفا للدرء، فلم يجب عليهما عندنا، وقال الشافعي: يجب الحد على من أقر بالزنا، ولا يعتبر إنكار الآخر في حقه، ولا يجب على المنكر. قوله: (وعليه المهر) أي: على الرجل في كلتا الصورتين من دعوى الرجل

стр. 3889

وَهُوَ يَقُومُ بِالطَّرَفَيْنِ فَأُورَثَ شُبهة، وَإِذَا سَقَطَ الحَدُّ وَجَبَ المَهْرُ تَعظِيمًا لِخَطَرِ البُضْعِ ودعوى المرأة، وينبغي ألا يجب فيما إذا أقرت بالزنا؛ لأنها تنفي وجوب المهر، لكن يجب؛ لأن النكاح يقوم بالطرفين، فإذا ادعى الزوج النكاح انتفى الحد عنه في هذا الوطء، فلما سقط الحد وجب العقد لما ذكرنا، فكان وجوب المهر من ضرورة سقوط الحد من هذا الوطء، فلما كان سقوطه بلا اختيارها كان وجوب المهر عليه بلا اختيارها أيضًا. لأن وجوبه من نتيجة السقوط، فيثبت لها المهر، أو صارت مكذبة شرعًا في حق إنكار النكاح؛ لسقوط الحد عنها بدعوى الرجل النكاح، ولأن المهر يجب حقا لله تعالى في النكاح، ولهذا يجب في المفوضة، وهاهنا لما سقط الحد عنها ثبت في حقها شبهة النكاح، فلا ينتفي المهر بانتفائها، كما في حقيقة النكاح. ولو أقر الرجل بالزنا بفلانة، وهي أنكرت وقالت: لا أعرفه، أو أقرت هي بالزنا أربع مرات بفلان فقال: لا أعرفها، وأنكر الزنا - لا يحد المقر عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي وأحمد يحد المقر؛ لأن الإقرار حجة في حق المقر، وعدم ثبوت الزنا في حق المنكر لا يورث شبهة العدم في حق المقر، كما لو كانت غائبة. ولأبي حنيفة أن الزنا انتفى في حق المنكر بإنكاره، فأورثت شبهة الانتفاء في حق المقر؛ إذ الزنا يتم بهما، خلاف ما إذا كانت غائبة؛ لأن الزنا لم يثبت في حقها بدليل يوجب النفي، وهو الإنكار، حتى لو حضرت وأقرت بالزنا أربع مرات حُدَّتْ. فإن قيل: ينبغي ألا يجب الحد على الرجل في هذه الصورة عندهما في صورة دعوى النكاح؛ لأن الحد لما سقط بإنكار وصف الفعل، وهو الزنا، فبإنكار أصل الفعل أولى. قلنا: خصا تلك المسألة بوجوب الحد على الرجل بحديث سهل بن سعد، فإنه روى أن رجلا أقر بالزنا بامرأة، فأنكرت، «فَحَدَّهُ رسول الله ﷺ ». رواه أبو

стр. 3890

(وَمَنْ زَنَى بِجَارِيَةٍ فَقَتَلَهَا فَإِنَّهُ يُحَدُّ وَعَلَيْهِ القِيمَةُ) مَعْنَاهُ: قَتَلَهَا بِفِعْلِ الزِّنَا، لِأَنَّهُ جَنَى جِنَايَتَينِ، فَيُوَفِّرُ عَلَى كُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا حُكمَهُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ لَا يُحَدُّ (*)، لأَنَّ تَقَرُّرَ ضَمَانِ القِيمَةِ سَبَبٌ لَمِلكِ الْأَمَةِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا اشْتَرَاهَا بَعدَ مَا زَنَى بِهَا داود (١). ذكر هذا الجواب في المبسوط (٢). قوله: (وَمَنْ زَنَى بِجَارِيَةٍ) إلى آخره، وإنما المسألة في الجارية وإن كان الحكم، وهو وجوب الحد مع الضمان، لا يتفاوت بين الحرة والأمة، فإنه لو فعل هكذا مع الحرة يجب الحد والدية؛ لما أن الشبهة في عدم وجوب الحد عند أداء الضمان إنما ترد في حق الأمة لا في حق الحرة؛ لأن الحرة لا تصير ملكا للزاني عند أداء الدية، والأمة تصير؛ كيلا يجتمع البدل والمبدل في ملك رجل واحد. قوله: (فَيَتَوَفَّرُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أي: من الجنايتين (حكمه) أي: الحد بالزنا والقيمة بالقتل، كما لو زنى بها ثم حز رقبتها، أو زنى بها ثم ملكها بالفداء، بأن زنا بأمة جنت عليه، فدفعت إليه بالجناية، أو ملكها بالشراء أو النكاح، فإنه يحد، فكذا هنا، وبه قال الشافعي وأحمد. وعن أبي يوسف: لا يحد في الوجوه كلها؛ لأن تقدير ضمان القيمة عليه بقتله إياها، والزنا سبب لملكه إياها؛ إذ المضمونات تملك عند أداء الضمان مستندا إلى (٣) وقت وجود سبب الضمان. وكذا الجناية الصادرة منها سبب لوجوب الدفع، وبعد الدفع يثبت الملك مستندا إلى وقت الجناية؛ لأنها السبب، وكذا إذا ملكها بالشراء أو النكاح؛ لأن اعتراض سبب الملك قبل إقامة الحد يسقط الحد، كما لو ملك المسروق قبل القطع.
следующие страницы →