← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: يَجِبُ الحَدُّ عَلَيْهَا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ (وَإِنْ زَنَى صَحِيحٌ بِمَجْنُونَة أَوْ صَغِيرَة يُجَامَعُ مِثْلُهَا حُدَّ الرَّجُلُ خَاصَّة) وَهَذَا بِالإِجْمَاعِ. لَهُمَا: أَنَّ العُدْرَ مِنْ جَانِبِهَا لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الحَدِّ مِنْ جَانِبِهِ فَكَذَا العُدْرُ مِنْ جَانِبِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ كُلَّا مِنْهُمَا مُؤَاخَذٌ بِفِعْلِهِ. وَلَنَا: أَنَّ فِعَلَ الزِّنَا يَتَحَقَّقُ مِنهُ، وَإِنَّمَا هِيَ مَحَلُّ الفِعْلِ وَلِهَذَا يُسَمَّى هُوَ وَاطِئًا وَزَانِيَا وَالمَرأَةُ مَوطُوءَة وَمَرْنِيًّا بِهَا، إِلَّا أَنَّهَا سُمِّيَت زَانِيَة مَجَازًا تَسْمِيَة لِلمَفْعُولِ بِاسمِ قوله: (وهو رواية) أي قول زفر والشافعي رواية (عن أبي يوسف) وبه قال أحمد ومالك؛ لأنها زانية حقيقة؛ لأن زناها اقتضى شهوتها بآلة، وقد وجد. ألا ترى أنه تعالى سماها زانية وبدأ بها، و [لو] (١) لم يتصور منها الزنا لما حد قاذفها، كالمجبوب، ثم امتناع الحد من جانها لا يوجب سقوط الحد من جانبه، فكذا امتناع الحد من جانبه لا يوجب الامتناع في جانبها؛ لأن كلا منهما مؤاخذ بفعله لا بفعل صاحبه. قوله: (ولنا أن فعل الزنا يتحقق منه) أي: من الرجل حقيقة؛ لأنه اسم لوطء حرام، وهو إمساس العضو العضو، وهو منه حقيقة، وإنما هي محله. وقوله: (ولهذا يسمى) إلى آخره، توضيح لكون الفعل حقيقة من الرجل (وسميت زانية مجازًا) تسمية للمفعول باسم الفاعل، كعيشة راضية، بمعنى مرضية، في قوله تعالى: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] و ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] بمعنى مدفوق، وإذا كان ذلك كان فعلها تبعًا لفعله، وفعل الصبي والمجنون ليس بزنا؛ لأن الزنا شرعًا فعل من هو مخاطب بالكف عنه أثم بفعله، وفعلهما ليس كذلك، فإذا عدم الزنا في جانبه، فكذا في جانبها، فلا يجب عليها الحد. فإن قيل: لما لم يجب الحد على الصبي والمجنون ينبغي أن يجب عليهما العقر؛ لأن الوطء في غير الملك لا يخلو عن أحد الأمرين: إما العقر وهو الحد، والعقر وهو مهر المثل، ولهذا لو زنا الصبي بصبية أو مكرهة يجب عليه المهر، وهاهنا لم يجب ذكره في الذخيرة (٢) فما الفرق؟.

стр. 3887

الفَاعِلِ كَالرَّاضِيَةِ فِي مَعنَى المَرضِيَّةِ، أَوْ لِكَونِهَا مُسَبِّبَة بِالتَّمْكِينِ فَتَعَلَّقَ الحَدُّ فِي حَقَّهَا بِالتَّمْكِينِ مِنْ قَبِيحِ الزِّنَا، وَهُوَ فِعلُ مَنْ هُوَ مُخَاطَبٌ بِالكَفِّ عَنهُ وَمُوْتَمٌ عَلَى مُبَاشَرَتِهِ، وَفِعلُ الصَّبِيِّ لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا يُنَاطُ بِهِ الحَدُّ. قَالَ: (وَمَنْ أَكْرَهَهُ السُّلطَانُ حَتَّى زَنَى فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ) وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ أَوَّلا: يُحَدُّ، وَهُوَ قَولُ زُفَرَ، لِأَنَّ الزِّنَا مِنْ الرَّجُلِ لَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا بَعدَ انتِشَارِ الآلَةِ وَذَلِكَ دَلِيلُ الطَّوَاعِيَةِ. ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ فَقَالَ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ سَبَبَهُ المُلجِئَ قَائِمٌ ظَاهِرًا، وَالِانتِشَارُ دَلِيلٌ مُتَرَدِّدُ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ قَصد، لِأَنَّ الإِنتِشَارَ قَدْ يَكُونُ طبعًا لَا طُوعًا كَمَا فِي النَّائِمِ فَأُورَثَ شُبهة، (وَإِنْ أَكْرَهَهُ غَيْرُ السُّلطَانِ حُدَّ عِنْدَ أَبِي قلنا: لا فائدة في إيجاب المهر عليه؛ لأنه لو أوجبنا عليه لرجع ولي الصبي على المرأة؛ لأنها لما طاوعته صارت آمرة له بالزنا معها، وقد لحق الصبيَّ غُرْمٌ بذلك الأمر، وصح الأمر منها لولايتها على نفسها، فلا يفيد الإيجاب. أما لو كانت مكرهة أو صبية لا رجوع لولي الصبي عليها بمثل ذلك؛ لعدم صحة أمرها؛ لعدم ولايتها، وفي المكرهة عدم الأمر أصلا، فكان الإيجاب مفيدًا. إليه أشار في الذخيرة. قوله: (ومن أكرهه السلطان … ) إلى آخره؛ لأن انتشار الآلة دليل الطواعية والاختيار، فاقترن بالإكراه ما ينافيه، فانتفى الإكراه، بخلاف المرأة إذا أكرهت على الزنا لا تحد؛ لأن التمكين يتحقق منها مع الإكراه فلا يكون تمكينها دليل الطوع والاختيار، وبقول زفر قال أحمد والشافعي في قول. (ثم رجع) أي: أبو حنيفة (وقال: لا يحد) وبه قال الشافعي في قول، وأبو يوسف ومحمد؛ لأن الحد شرع للزجر، وهو منزجر. وإنما أقدم عليه ليدفع الهلاك عن نفسه، فلا يحد، كالمرأة المكرهة، وانتشار الآلة لا يدل على الطواعية؛ لأنه قد يكون طبعًا لا طوعًا، فإن النائم قد تنتشر آلته لفرط فحوليته وإن لم يكن له قصد واختيار. قوله: (وَإِنْ أَكْرَهَهُ غَيْرُ السُّلْطَانِ حُدَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وزفر وأحمد والشافعي في قول؛ لما مر في المسألة الأولى، لكن عند أبي حنيفة باعتبار أن الإكراه لا يتحقق.

стр. 3888

حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يُحَدُّ) (*) لِأَنَّ الإِكْرَاهَ عِندَهُمَا قَدْ يَتَحَقَّقُ مِنْ غَيْرِ السُّلْطَانِ؛ لِأَنَّ المُؤَثَّرَ خَوفُ الهَلَاكِ، وَأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ مِنْ غَيْرِهِ. وَلَهُ: أَنَّ الإِكْرَاهَ مِنْ غَيْرِهِ لَا يَدُومُ إِلَّا نَادِرًا لِتَمَكَّنِهِ مِنَ الاسْتِعَانَةِ بِالسُّلطَانِ أَوْ بِجَمَاعَةِ المُسلِمِينَ، وَيُمْكِنُهُ دَفَعُهُ بِنَفْسِهِ بِالسِّلَاحِ، وَالنَّادِرُ لَا حُكمَ لَهُ فَلَا يَسقُطُ بِهِ الحَدُّ بِخِلَافِ السُّلطَانِ لِأَنَّهُ لَا يُمكِنُهُ الاسْتِعَانَةُ بِغَيْرِهِ وَلَا الخُرُوجُ بِالسِّلَاحِ عَلَيْهِ فَافْتَرَقَا وَمَنْ أَقَرَّ أَربَعَ مَرَّات فِي مَجَالِسَ مُختَلِفَة أَنَّهُ زَنَى بِفُلَانَةَ، وَقَالَتْ هِيَ: تَزَوَّجَنِي، أَوْ أَقَرَّت بِالزِّنَا، وَقَالَ الرَّجُلُ: تَزَوَّجتهَا، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِما وَعَلَيْهِ المَهْرُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ دَعْوَى النِّكَاحِ يَحْتَمِلُ الصِّدقَ وعندهما والشافعي وأحمد أيضًا يتحقق، ولكن باعتبار المعنى الذي ذكرنا في المسألة الأولى، ويحد عند أحمد والشافعي، وعند أبي حنيفة باعتبار عدم الإكراه. وفي الكافي (١): هذا اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان، فللسلطان كان في زمانه قوة وغلبة بحيث لا يتجاسر أحد على إكراه غيره، وفي زمنهما ظهرت القوة لكل متغلب فيقضى بقولهما، ولهذا قال صاحب الهداية في الإكراه والسلطان وغيره سيان عند تحقق القدرة على إيقاع ما توعد به. قوله: (ومن أقر أربع مرات … ) إلى آخره. في الكافي (٢): هذه المسألة على وجهين: أحدهما: أن يقر بالزنا بفلانة أربع مرات، وقالت فلانة: تزوجني. أو أقرت بالزنا أربع مرات بفلان وقال فلان تزوجتها - لم يحد؛ لأن دعوى النكاح تحتمل الصدق، ولو علمنا صدق مدعي النكاح يثبت النكاح من الطرفين، فإذا احتمل الصدق يثبت احتمال النكاح من الطرفين، والاحتمال هنا ملحقه بالحقيقة؛ تكلفا للدرء، فلم يجب عليهما عندنا، وقال الشافعي: يجب الحد على من أقر بالزنا، ولا يعتبر إنكار الآخر في حقه، ولا يجب على المنكر. قوله: (وعليه المهر) أي: على الرجل في كلتا الصورتين من دعوى الرجل

стр. 3889

وَهُوَ يَقُومُ بِالطَّرَفَيْنِ فَأُورَثَ شُبهة، وَإِذَا سَقَطَ الحَدُّ وَجَبَ المَهْرُ تَعظِيمًا لِخَطَرِ البُضْعِ ودعوى المرأة، وينبغي ألا يجب فيما إذا أقرت بالزنا؛ لأنها تنفي وجوب المهر، لكن يجب؛ لأن النكاح يقوم بالطرفين، فإذا ادعى الزوج النكاح انتفى الحد عنه في هذا الوطء، فلما سقط الحد وجب العقد لما ذكرنا، فكان وجوب المهر من ضرورة سقوط الحد من هذا الوطء، فلما كان سقوطه بلا اختيارها كان وجوب المهر عليه بلا اختيارها أيضًا. لأن وجوبه من نتيجة السقوط، فيثبت لها المهر، أو صارت مكذبة شرعًا في حق إنكار النكاح؛ لسقوط الحد عنها بدعوى الرجل النكاح، ولأن المهر يجب حقا لله تعالى في النكاح، ولهذا يجب في المفوضة، وهاهنا لما سقط الحد عنها ثبت في حقها شبهة النكاح، فلا ينتفي المهر بانتفائها، كما في حقيقة النكاح. ولو أقر الرجل بالزنا بفلانة، وهي أنكرت وقالت: لا أعرفه، أو أقرت هي بالزنا أربع مرات بفلان فقال: لا أعرفها، وأنكر الزنا - لا يحد المقر عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي وأحمد يحد المقر؛ لأن الإقرار حجة في حق المقر، وعدم ثبوت الزنا في حق المنكر لا يورث شبهة العدم في حق المقر، كما لو كانت غائبة. ولأبي حنيفة أن الزنا انتفى في حق المنكر بإنكاره، فأورثت شبهة الانتفاء في حق المقر؛ إذ الزنا يتم بهما، خلاف ما إذا كانت غائبة؛ لأن الزنا لم يثبت في حقها بدليل يوجب النفي، وهو الإنكار، حتى لو حضرت وأقرت بالزنا أربع مرات حُدَّتْ. فإن قيل: ينبغي ألا يجب الحد على الرجل في هذه الصورة عندهما في صورة دعوى النكاح؛ لأن الحد لما سقط بإنكار وصف الفعل، وهو الزنا، فبإنكار أصل الفعل أولى. قلنا: خصا تلك المسألة بوجوب الحد على الرجل بحديث سهل بن سعد، فإنه روى أن رجلا أقر بالزنا بامرأة، فأنكرت، «فَحَدَّهُ رسول الله ﷺ ». رواه أبو

стр. 3890

(وَمَنْ زَنَى بِجَارِيَةٍ فَقَتَلَهَا فَإِنَّهُ يُحَدُّ وَعَلَيْهِ القِيمَةُ) مَعْنَاهُ: قَتَلَهَا بِفِعْلِ الزِّنَا، لِأَنَّهُ جَنَى جِنَايَتَينِ، فَيُوَفِّرُ عَلَى كُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا حُكمَهُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ لَا يُحَدُّ (*)، لأَنَّ تَقَرُّرَ ضَمَانِ القِيمَةِ سَبَبٌ لَمِلكِ الْأَمَةِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا اشْتَرَاهَا بَعدَ مَا زَنَى بِهَا داود (١). ذكر هذا الجواب في المبسوط (٢). قوله: (وَمَنْ زَنَى بِجَارِيَةٍ) إلى آخره، وإنما المسألة في الجارية وإن كان الحكم، وهو وجوب الحد مع الضمان، لا يتفاوت بين الحرة والأمة، فإنه لو فعل هكذا مع الحرة يجب الحد والدية؛ لما أن الشبهة في عدم وجوب الحد عند أداء الضمان إنما ترد في حق الأمة لا في حق الحرة؛ لأن الحرة لا تصير ملكا للزاني عند أداء الدية، والأمة تصير؛ كيلا يجتمع البدل والمبدل في ملك رجل واحد. قوله: (فَيَتَوَفَّرُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أي: من الجنايتين (حكمه) أي: الحد بالزنا والقيمة بالقتل، كما لو زنى بها ثم حز رقبتها، أو زنى بها ثم ملكها بالفداء، بأن زنا بأمة جنت عليه، فدفعت إليه بالجناية، أو ملكها بالشراء أو النكاح، فإنه يحد، فكذا هنا، وبه قال الشافعي وأحمد. وعن أبي يوسف: لا يحد في الوجوه كلها؛ لأن تقدير ضمان القيمة عليه بقتله إياها، والزنا سبب لملكه إياها؛ إذ المضمونات تملك عند أداء الضمان مستندا إلى (٣) وقت وجود سبب الضمان. وكذا الجناية الصادرة منها سبب لوجوب الدفع، وبعد الدفع يثبت الملك مستندا إلى وقت الجناية؛ لأنها السبب، وكذا إذا ملكها بالشراء أو النكاح؛ لأن اعتراض سبب الملك قبل إقامة الحد يسقط الحد، كما لو ملك المسروق قبل القطع.

стр. 3891

وَهُوَ عَلَى هَذَا الاخْتِلَافِ، وَاعْتِرَاضُ سَبَبِ المِلكِ قَبلَ إِقَامَةِ الحَدِّ يُوجِبُ سُقُوطَهُ، كَمَا إِذَا مَلَكَ المَسرُوقَ قَبلَ القَطعِ. وَلَهُمَا: أَنَّهُ ضَمَانُ قَتل فَلَا يُوجِبُ المِلكَ، لِأَنَّهُ قوله: (ولهما أنه) أي: هذا الضمان (ضمان قتل) ولهذا يجب على العاقلة في ثلاث سنين، ولا يجب بالغة ما بلغت لكنها في مقدار الدية على العاقلة، يعنى الاستناد يظهر في القائم لا في المتلاشي والمستوفى بالوطء قد تلاشى، فلا يظهر الاستناد في حقه، وإنما يظهر في عينه، كما في هبة المسروق. ولأن الضمان فيما نحن فيه ضمان قتل فلا يوجب الملك في المقتول؛ لأن تقرره بعد الموت، وهي ليست بمحل للملك بعد الموت. ولأن هذا الضمان ليس بضمان مال، وإنما هو ضمان دم، والدم ليس بمال، وضمان ما ليس بمال لا يفيد الملك في المضمون، ولأن ضمان الدم بمقابلة الآدمية، وهي لا تقبل التملك، بخلاف ما لو ادعت عتقها بالزني، فإنه يجب عليه قيمتها ويسقط الحد؛ لأن الملك يثبت في الجثة العمياء بضمان القيمة، فأورث شبهة دارئة للحد؛ إذ العين باقية، فأمكن إبقاء المنافع تبعا لها، بخلاف ما إذا هلكت. وعن الإمام ركن الدين الإفشنجي: سلمنا أن الضمان يوجب التملك في العين المستهلك، ثم شبهة شبهة الملك في المنافع ولا معتبر بشبهة الشبهة، أما في الجثة العمياء المحل قابل للتملك، فتثبت حقيقة الملك في الذات، والملك في الذات علة لملك الصفات فتثبت الشبهة في المنافع المستوفاة، وهي معتبرة دون شبهة الشبهة. فإن قيل: يجب ألا يحد فيما نحن فيه وإن لم يملك المقتول؛ لأن بعض القيمة يصير بإزاء منافع البضع التي يجب الحد لأجله، فيجب ألا يحد؛ كيلا تجب ضمانات بإزاء مضمون واحد. قلنا: ابتداء الفعل، وهو الإيلاج من حيث إنه غير موضوع للقتل بمنزلة جراحة اتصل بها البرء، وبقي لها أثر حتى ضمن ثم جرح أخرى ومات منها، فإنه يضمن تمام القيمة، ولا يحصل شيء من تمام القيمة بإزاء الجرح الأول، فكذا هاهنا كذا في مبسوط شيخ الإسلام.

стр. 3892

ضَمَانُ دَمٍ، وَلَو كَانَ يُوجِبُهُ فَإِنَّمَا يُوجِبُهُ فِي العَينِ كَمَا فِي هِبَةِ المَسْرُوقِ، لَا فِي مَنَافِعِ البُضْعِ، لِأَنَّهَا اسْتُوفِيَت وَالمِلكُ يَثْبُتُ مُستَنِدًا فَلَا يَظْهَرُ فِي المُستَوفَى لِكُونِهَا مَعْدُومَة، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا زَنَى بِهَا فَأَذهَبَ عَيْنَهَا حَيثُ تَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا، فإن قيل: لو لم يثبت عدم وجوب الحد من هذا الوجه، وهو ثبوت الملك، يثبت من وجه آخر، وهو أنه لما قتلها صار الزنا آلة القتل فصار قتلا، كما في قطع اليد لما سرى إلى النفس صار القطع قتلا، حتى يجري القصاص بين الرجل والمرأة في القطع الذي صار قتلا، وإن لم يجر القصاص بينهما في الأطراف، فكذا هاهنا لما صار قتلا، فصار كأنه قتلها ابتداء، وفي القتل لا يجب الحد. قلنا: الوطء غير موضوع للقتل، وقد وجد في المحل الخالي عن الملك وشبهته، فكان زنا لا ينقلب قتلا باتصال الموت به، بخلاف القطع فإنه سبب للموت؛ لكونه جرحًا، فإذا اتصل به الموت صار قتلا من الابتداء؛ لكونه علة العلة، كما في الرمي كان قتلا من وقت الرمي إذا اتصل به الموت وإن تخللت الوسائط؛ لكونه موضوعًا للقتل، بخلاف [الزنا] (١) فإنه غير موضوع للجرح والقتل، فلم يصر قتلا من الابتداء؛ لعدم صلاحية الإضافة إليه وإن صار سببًا هاهنا باتفاق الحال. وفي الفوائد الظهيرية (٢): لو غصبها ثم زنى بها ضمن قيمتها فلا حد عليه عندهم جميعًا، خلافًا للشافعي، أما لو زنى بها ثم غصبها وضمن قيمتها لم يسقط على هذا الخلاف. وفي جامع قاضي خان (٣): ولو زنى بحرة ثم نكحها لا يسقط الحد بالاتفاق. قوله: (لكونها) أي: لكون المستوفي، على تأويل المنافع.

стр. 3893

وَيَسْقُطُ الحَدُّ، لِأَنَّ المِلكَ هُنَالِكَ يَثْبُتُ فِي الجُنَّةِ العَميَاءِ وَهِيَ عَينٌ فَأُورَثَ شُبهة. قَالَ: (وَكُلُّ شَيْء صَنَعَهُ الإِمَامُ الَّذِي لَيْسَ فَوقَهُ إِمَامٌ: فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ إِلَّا القِصَاصُ، فَإِنَّهُ يُؤخَذُ بِهِ وَبِالأَمْوَالِ) لِأَنَّ الحُدُودَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَإِقَامَتُهَا إِلَيْهِ لَا إِلَى غَيْرِهِ وَلَا يُمكِنُهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ، بِخِلَافِ حُقُوقِ العِبَادِ، لِأَنَّهُ يَستَوفِيهِ وَلِيُّ الحَقِّ إِمَّا بِتَمْكِينِهِ أَوْ بِالاسْتِعَانَةِ بِمَنَعَةِ المُسلِمِينَ وَالقِصَاصُ وَالأَمْوَالُ مِنهَا. وَأَمَّا حَدُّ القَدْفِ قَالُوا المُغَلَّبُ فِيهِ حَقُّ الشَّرعِ فَحُكمُهُ حُكمُ سَائِرِ الحُدُودِ الَّتِي هِيَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا وَالرُّجُوعِ عَنْهَا قال: (وَإِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ بِحَدٌ مُتَقَادِم لَم يَمنَعهُم عَنْ إِقَامَتِهِ بُعدُهُم عَنِ الإِمَامِ، قوله: (وإقامتها) أي: إقامة الحدود (إليه) أي: إلى الإمام، قال ﵇: «أربعة إلى الولاةِ مِنها إقامةُ الحُدودِ» (١) (ولا يمكنه) أي: للإمام (أن) أي: الحد على نفسه لأنه لا يقع مؤلمًا، فلا يقع زاجرًا، والمقصود من الحد الزجر، فلا بد أن يكون الزاجر غير المزجور. وكذا لو أمر غيره لا يقع مؤلما؛ مهابةً منه، ولأن فعل المأمور كفعل الأمر، ولو فعل بنفسه لا يحصل زاجرًا، فكذا فعل المأمور، فانعدمت الإقامة، فإذا انعدم الاستيفاء لعدم المُستوفي لا يجب الحد كما إذا زنى في دار الحرب. بخلاف حقوق العباد، كالقصاص وضمان المتلفات؛ لأن حق الاستيفاء لمن له الحق فيكون الإمام فيه كغيره، وبهذا يعلم أنه يجوز استيفاء القصاص بدون قضاء القاضي، والقضاء لتمكن الولي من استيفائه لا أنه شرط. باب الشهادة على الزنا والرجوع عنها أخر الشهادة عن الإقرار؛ لقلة ثبوت الزنا وندرته بالشهادة، حتى لم ينقل من السلف ثبوت الزنا عند الإمام بالشهادة. قوله: (لم يمنعهم عن إقامته بعدهم عن الإمام) من صور المسألة لا من حكمها.

стр. 3894

لَم تُقبَل شَهَادَتُهُم إِلَّا فِي حَدِّ القَدْفِ خَاصَّة) وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: (وَإِذَا شَهِدَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ بِسَرِقَة أَوْ بِشُرب خمر أَوْ بِزِنا بَعدَ حِين لَم يُؤْخَذ بِهِ، وَضَمِنَ السَّرِقَةَ) وَالأَصلُ فِيهِ: أَنَّ الحُدُودَ الخَالِصَةَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى تَبْطُلُ بِالتَّقَادُمِ، خِلَافا لِلشَّافِعِيِّ ﵀، هُوَ يَعْتَبِرُهَا بِحُقُوقِ العِبَادِ وَبِالإِقْرَارِ الَّذِي هُوَ إِحدَى الحُجَّتَينِ. وفي الإيضاح: ولو كانوا بعيدًا عن الإمام فمنعهم عن الأداء بعدهم وقت المباشرة، ثم شهدوا بقتل وإن تقادم الزمان. وإنما أعاد لفظ الجامع في الكتاب لزيادة إيضاح في لفظه، وهو تعديد ما يوجب الحد صريحًا، وزيادة لفظ (الحين) الذي استفاد منه بعض المشايخ قدر ستة أشهر في التقادم، وزيادة إثبات الضمان في السرقة. قوله: (خلافًا للشافعي وبقوله قال مالك وأحمد، وعن أحمد مثل قولنا. وقال زفر: التقادم يمنع الإقرار بالحدود اعتبارًا بحجة الإقرار بحجة البينة، فإن الشهود كما ندبوا إلى الستر فالمرتكب للفاحشة مندوب. قال ﵇: «مَنْ أَصابَ شيئًا مِنْ هَذهِ القاذورات فلْيَسْتَتِر بسترِ اللهِ» (١) ولكنا نستدل بآخر الحديث حيث قال: ومَن أبدى صفحته أقمنا عَلَيْهِ حَدَّ اللَّهِ تعال) (٢) وهذا قد أبدى صفحته بإقراره وإن تقادم العهد. (هو) أي: الشافعي (يعتبرها) أي: هذه الشهادة بالشهادة في حقوق العباد، ويقول: إنما صارت الشهادة حجة باعتبار وصف الصدق، وذلك بشرائطها، وبتقادم العهد لا يخل الصدق، فلا يخرج عن الحجة، كالإقرار في حقوق العباد.

стр. 3895

وَلَنَا: أَنَّ الشَّاهِدَ مُخَيَّرٌ ولنا ما روي عن عمر ﵁ قال: أيما قوم شهدوا على أحد لم يشهدوا عند حضرته فإنما هم شهود ضغن لا شهادة لهم. فإن قيل: إنما قال ذلك؛ لأنه شهادة على شهادة، ويحتمل قوله: لم يشهدوا عند حضرته، أي: لم يكونوا حاضرين عند الزنا. قلنا: علل عمر ﵁ لذلك؛ لأنهم شهود ضغن ولهذا يبطل ما قيل من المعنى، إذ لو كان كذلك لقال: إنه الشهادة على الشهادة، كذا قيل. والمعنى أن الشاهد متى عاين الزنا ونحوه فهو مخير بين حسبتين: حسبة أداء الشهادة؛ ليقام الحد فيحصل الانزجار، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] وحسبة الستر على المسلم بالامتناع عن الشهادة، فإن الشرع ندبنا إلى الستر، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ١٩] وقال ﵇: «مَنْ سَترَ على أخيه عورةً ستَرَ اللهُ عَلَيْهِ عَوراتِهِ يوم القيامة» (١). فتأخرهم لا يخلو إما أن كان للستر مع إمكان الأداء أو لا للستر، فإن كان للستر فالإقدام بعد ذلك لضغنة أو لعداوة فيهم، فيتهم فيها، ولا شهادة للمتهم، قال ﵇: «لا تُقْبَلُ شهادة خصم ولا ظِنِّين» (٢) والمراد بالظنين: المتهم. وإن كان التأخير لا للستر صاروا فَسَقَةٌ آثمين؛ لأن أداء الشهادة واجب، وتأخير الواجب لا لغرض السفر فسق، ولهذا لو طلب المدعي الشهادة في حقوق العباد، فأخر الشاهد بلا عذر ثم أدى لا تقبل شهادة؛ لترك الأداء مع إمكانه، فتيقنا بالمانع من القبول، فلا تقبل.

стр. 3896

بَينَ حِسْبَتَينِ: أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَالسَّترِ، فَالتَّأْخِيرُ إِنْ كَانَ لِاخْتِيَارِ السَّترِ، فَالْإِقْدَامُ عَلَى الأَدَاءِ بَعدَ ذَلِكَ لِضَغِينَة هَيَّجَتْهُ أَوْ لِعَدَاوَة حَرَّكَتهُ فَيُتَّهَمُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ التَّأْخِيرُ لَا لِلسَّترِ يَصِيرُ فَاسِقًا آثِمًا فَتَيَقَّنَّا بِالمَانِعِ، بِخِلَافِ الإِقْرَارِ، لِأَنَّ الإِنسَانَ لَا يُعَادِي نَفْسَهُ، فَحَدُّ الزِّنَا وَشُربِ الخَمْرِ وَالسَّرِقَةِ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، حَتَّى يَصِحُ الرُّجُوعُ عَنهَا بَعدَ الإِقْرَارِ، فَيَكُونُ التَّقَادُمُ فِيهِ مَانِعًا، وَحَدُّ القَدْفِ فِيهِ حَقُّ العَبدِ لِمَا فِيهِ مِنْ دَفْعِ العَارِ عَنهُ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُ رُجُوعُهُ بَعدَ الإِقْرَارِ، وَالتَّقَادُمُ غَيْرُ مَانِعَ فِي حُقُوقِ العِبَادِ، وَلِأَنَّ الدَّعوَى فِيهِ شَرطٌ فَيُحْمَلُ تَأْخِيرُهُم عَلَى انْعِدَامِ الدَّعْوَى فَلَا يُوجِبُ تَفْسِيقَهُم بِخِلَافِ حَدِّ السَّرِقَةِ، لِأَنَّ الدَّعَوَى لَيسَت بِشَرط لِلحَدِّ، لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقٌّ قوله: (بين حِسْبَتَيْنِ) أي: أجرين مطلوبين، يقال: احتسب لكذا أجرًا، والاسم بالكسر، وهي الأجر، والجمع: الحِسَب. كذا في الصحاح. قوله: (بخلاف حد السرقة). وجه الورود أن التقادم غير مانع في حد القذف وحقوق العباد؛ لما أن الدعوى شرط، فلا يكون تأخيرهم موجبًا للفسق؛ لأنهم أخروا بعذر شرعي، وهو عدم الدعوى، وفي الحدود الخالصة: الدعوى ليست بشرط، فيكون التأخير موجبًا للتهمة والفسق كما ذكرنا. فيشكل عليه السرقة، فإن الدعوى فيها شرط كما في حقوق العباد، ومع تمنع التقادم، فعلم أن القبول بعد التقادم في حقوق العباد لم يكن لاشتراط الدعوى. فأجاب أولا بالمنع بقوله: (لأن الدعوى ليست بشرط للحد) بدليل أن المدعى عليه بالسرقة بعد أداء الشهادة يحبس عند غيبة المدعي، لا يحبس القاذف، كما في العباد إذا شهدوا عند غيبة المدعي. وثانيا: أن الحكم يدار على كون الحد حقا الله تعالى، يعني المانع من القبول تهمة فسق بالتأخير، وذلك بالتقادم، فأقيم التقادم مقام التهمة؛ لأن معنى التهمة باطن، وأدير الحكم عليه سواء وجدوا التقادم أو لا، كما أن علة الرخصة المشقة، والسفر أقيم مقامها، وأديرت الرخصة بالسفر من غير نظر إلى

стр. 3897

اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا مَرَّ، وَإِنَّمَا شُرِطَت لِلمَالِ، وَلِأَنَّ الحُكمَ يُدَارُ عَلَى كَونِ الحَدِّ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يُعتَبَرُ وُجُودُ التُّهمَةِ فِي كُلِّ فَرد، وَلِأَنَّ السَّرِقَةَ تُقَامُ عَلَى الاسْتِسرَارِ عَلَى غِرَّةٍ مِنْ المَالِكِ، فَيَجِبُ عَلَى الشَّاهِدِ إِعْلَامُهُ، فَبِالكِتمَانِ يَصِيرُ فَاسِقًا آثِمًا، ثُمَّ التَّقَادُمُ كَمَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ فِي الابْتِدَاءِ يَمْنَعُ الإِقَامَةَ بَعدَ القَضَاءِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ، حَتَّى لَو هَرَبَ بَعدَ مَا ضُرِبَ بَعضَ الحَدٌ ثُمَّ أُخِذَ بَعدَ مَا تَقَادَمَ الزَّمَانُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الحَدُّ، لِأَنَّ الإِمْضَاءَ مِنْ القَضَاءِ فِي بَابِ الحُدُودِ. المشقة، فكذلك هاهنا لما أقيم صورة التقادم مقام التهمة أو الفسق في حقوق الله تعالى أثبتنا المنع من القبول بصورة التقادم وإن لم توجد التهمة أو الفسق. إليه أشار فخر الإسلام في جامعه. وفي جامع قاضي خان (١): إنما لا تقبل في السرقة بعد التقادم لا لتهمة في الشهود؛ لأن الدعوى شرط للقبول، (٢) بل لخلل في الدعوى، فإن صاحب المال كان مخيرًا في الابتداء بين دعوى السرقة ودعوى المال مطلقًا سترًا على السارق، فإذا أخر الدعوى فقد اختار الستر، فلم يبق له حق دعوى السرقة والحد، وبقي له حق دعوى المال، فيقضي بالمال دون القطع، كما لو شهد على السرقة رجل وامرأتان يقضى بالمال لا القطع. قوله: (على غرة) أي: غفلة أداء السرقة يكون في ظلم الليالي غالبًا، والمسروق منه لا يعرف الشاهد حتى يستشهد به، فيجب على الشاهد إعلام المسروق منه بشهادتها، فإذا كتمه صار فاسقًا فترد شهادته، بخلاف القذف، فإنه يكون في النهار غالبًا، فيعرف المقذوف الشاهد ويراه، فإذا لم يعلمه لا يصير فاسقا. قوله: (خلافًا لزفر) فإنه عنده يحد، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك، وعند الأئمة الثلاثة لو شهدوا وغابوا وماتوا يجوز الحكم بشهادتهم، وعندنا لا يجوز؛ لأن التأخير بعذر هربه.

стр. 3898

وَاختَلَفُوا فِي حَدِّ التَّقَادُمِ، وَأَشَارَ فِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ إِلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: بَعدَ حِين، وَهَكَذَا أَشَارَ الطَّحَاوِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَم يُقَدِّر فِي ذَلِكَ وَفَوَّضَهُ إِلَى رَأي القَاضِي فِي كُلِّ عَصر. وقلنا: الإمضاء من القضاء في الحدود لو هرب قبل القضاء يسقط، وكذا قبل الإمضاء. وشرحه ما ذكر في المبسوط (١) في مسألة ما إذا رجع أحد الشهود قبل القضاء قبل استيفاء الحد، فإنه يسقط الحد عن المشهود عليه، وبه قالت الأئمة الثلاثة، ويقام الحد على المشهود عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن رجوع أحدهم بعد القضاء كرجوعه قبل القضاء، بدليل سقوط الحد عن المشهود عليه، ولا يكون ذلك إلا بعد إبطال الحكم. وتحقيقه أن المقصود في حقوق العباد من القضاء إما إعلام من له الحق بحقه أو لتمكينه من الاستيفاء، وهذان المعنيان يحصلان بمجرد القضاء، فلم يتوقف تمامه إلى الاستيفاء، فلذلك كان الاستيفاء من تتمة القضاء. وفي الفوائد الظهيرية: المقصود من التلفظ بلفظ القضاء إما الإعلام أو الإقرار كما ذكرنا في حقوق العباد، وفي حق الله تعالى لا حاجة إليهما؛ لعلمه وقدرته، والقاضي يستفيد العلم بالشهادة، ولا تمس الحاجة إلى التلفظ بلفظ القضاء. ولهما؛ يجوز له الاستيفاء بدون التلفظ بلفظ القضاء، فإذا كان كذلك كان قيام الشهادة شرطًا حالة الاستيفاء كما كان شرطًا حالة القضاء إجماعًا، ولم تبق بالتقادم الشهادة. قوله (فإنه) أي: محمد (قال: بعد حين) واسم الحين عند الإطلاق ينصرف إلى ستة أشهر، كما بيناه في مسألة (لا آكله). قوله: (وفوضه) أي: أبو حنيفة تقدير التقادم (إلى رأي القاضي) لما أن التقادم يختلف بالأحوال والأعصار، فيفوض إلى رأي القاضي فيما يعد تفريطا وفيما لا يعد؛ لأن نصب المقادير بالرأي لا يمكن. كذا في المحيط.

стр. 3899

وَعَنْ مُحَمَّد: أَنَّهُ قَدَّرَهُ بِشَهر؛ لِأَنَّ مَا دُونَهُ عَاجِلٌ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ الأَصَحٌ. وَهَذَا إِذَا لَم يَكُنْ بَينَ القَاضِي وَبَيْنَهُم مَسِيرَةُ شَهرٍ، أَمَّا إِذَا كَانَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُم؛ لِأَنَّ المَانِعَ بُعدُهُم عَنْ الإِمَامِ فَلَا تَتَحَقَّقُ التَّهَمَةُ. وَالتَّقَادُمُ فِي حَدٌ الشَّرْبِ كَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّد، وَعِندَهُمَا: يُقَدَّرُ بِزَوَالِ الرَّائِحَةِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَإِذَا شَهِدُوا عَلَى رَجُل أَنَّهُ زَنَى بِفُلَانَةِ، وَفُلَانَةٌ غَائِبَةٌ فَإِنَّهُ يُحَدُّ، وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُ سَرَقَ مِنْ فُلَان وَهُوَ غَائِبٌ، لَم يُقطَع وَالفَرقُ: أَنَّ بِالغَيْبَةِ تَنعَدِمُ الدَّعَوَى وَهِيَ شَرطٌ فِي السَّرِقَةِ دُونَ الزِّنَا، وَبِالحُضُورِ يُتَوَهَّمُ دَعْوَى الشُّبْهَةِ وَلَا مُعتَبَرَ بِالمَوهُومِ وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَة لَا يَعرِفُونَهَا، لَم يُحَدَّ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ أَوْ (لأن ما دونه) أي: ما دون الشهر (عاجل) كما في مسألة اليمين في قوله: (لَيَقْضِيَنَّ حَقَّه عاجلًا). وفي حلية العلماء (١): قال حسن بن زياد قدر أبو حنيفة التقادم بسنة، وما وجدت هذه الرواية في كتب أصحابنا المشهورة. قوله: (وإذا شهدوا) إلى قوله: (فإنه يحد) وبه قالت الأئمة الثلاثة. ولو أقر بالزنا بغائبة يحد الرجل استحسانًا أيضًا عن الكل؛ لحديث ماعز، فإنه ﵇ رجمه بالإقرار بالزنا بغائبة. قوله: (ولا معتبر بالموهوم) جواب سؤال، وهو أن يقال: ينبغي ألا تحد؛ لأنها لو حضرت ربما تدعي النكاح، ويحتمل ألا تدعي على تقدير الدعوة تصير شبهة، فباحتمال الدعوة تثبت شبهة الشبهة، وهي غير معتبرة؛ لما في اعتباره سد باب الحد، وهو مفتوح فيكون مردودا؛ إذ لا نهاية له. ألا ترى أن الحد يثبت بالإقرار والشهادة مع احتمال الرجوع فيها؛ إذ بالرجوع في الإقرار والشهادة تثبت الشبهة، وباحتمالهما تثبت شبهة الشبهة. فإن قيل: القود إذا كان بين شريكين وأحدهما غائب - لا يتمكن الحاضر من استيفائه؛ لاحتمال العفو من الغائب.

стр. 3900

أَمَتُهُ بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ (وَإِنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ حُدَّ)؛ لِأَنَّهُ لَا يَخفَى عَلَيْهِ أَمَتُهُ أَوِ امرَأَتُهُ (وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِفُلَانَةَ فَاسْتَكْرَهَهَا، وَآخَرَانِ أَنَّهَا طَاوَعَتْهُ دُرِئَ الحَدُّ عَنْهُمَا جَمِيعًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَهُوَ قَولُ زُفَرَ (وَقَالَا: يُحَدُّ الرَّجُلُ خَاصَّة) (*) لَا تُفَاقِهِمَا عَلَى المُوجِبِ، قلنا: العفو مسقط حقيقة، فاحتماله يكون شبهة المسقط لا شبهة الشبهة، فيعتبر احتمال العفو كذا في المبسوط وجامع قاضي خان. قوله: (بل هو الظاهر) أي: كون المرأة امرأته أو أمته؛ لأن ظاهر حال المسلم ألا يزني، والشهود لا يفصلون بين زوجته وأمته وبين غيرهما إلا بالمعرفة، فلم يعرفوها، فلم يمكن إقامة الحد بشهادتهم، فلو قال المشهود عليه: التي رأوها معي ليست بامرأتي ولا أمتي لم يُحَدَّ أيضًا؛ لأن الشهادة قد بطلت، ثم هذه اللفظة ليست بإقرار منه بالزنا، فلا يحد، ولو كان إقرارًا فَحَدُّ الزنا لا يقام بالإقرار مرة. قوله: (وإن أقر بذلك): أي: بامرأة لا يعرفها أربع مرات (حُدَّ؛ لأنه لا يخفى (١) عليه أمته أو امرأته) أو لا تشتبه. فإن قيل: قد تشتبه عليه امرأته بأن لم تُزَفَّ إليه. قلنا: الإنسان كما لا يقر على نفسه حال الاشتباه، فلما أقر بالزنا انتفت شبهة كون الموطوءة زوجته، فصار معنى قوله: لم أعرفها، أي: بوجهها ونسبها، ولكن علمت أنها أجنبية، فجعل هذا كالمنصوص عليه حاله، بخلاف الشاهد؛ لأنه جاز أن يشهد على الغير عند الاشتباه، كما جاز أن يشهد على الغير كذبًا، فيتهم فيها، فتبطل الشهادة. قوله: (وهو قول زفر) وبه قالت الأئمة الثلاثة، وعندهما يحد الرجل، وبه قال الشافعي في الوجه. (لاتفاقهما) أي: لاتفاق الفريقين، وبعض النسخ: (لاتفاقهم) أي: الشهود (على الموجب) وهو زنا الرجل، وتفرد اثنان بزيادة جناية من الرجل، وهو

стр. 3901

وَتَفَرَّدَ أَحَدُهُمَا بِزِيَادَةِ جِنَايَة وَهُوَ الإِكْرَاهُ، بِخِلَافِ جَانِبِهَا؛ لِأَنَّ طَوَاعِيَتَهَا شَرط تَحَقَّقِ المُوجِبِ فِي حَقِّهَا، وَلَم يَثبُت لِاخْتِلَافِهِمَا. وَلَهُ: أَنَّهُ اخْتَلَفَ المَشْهُودُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الزِّنَا فِعلٌ وَاحِدٌ يَقُومُ بِهِمَا، وَلِأَنَّ شَاهِدَي الطَّوَاعِيَةِ صَارَا قَاذِفَينِ لَهَا. وَإِنَّمَا يَسقُطُ الحَدُّ عَنهُمَا بِشَهَادَةِ شَاهِدَي الإِكْرَاهِ؛ لِأَنَّ زِنَاهَا مُكْرَهَةٌ يُسْقِطُ إِحْصَانَهَا، الإكراه، وذا يؤيده جنايته، فكيف يصير شبهة؟ وإنما لا تحد المرأة بعدم ثبوت الموجب في حقها، وهو التمكين من الزنا طوعًا بشهادة الأربع. (وله) أي: لأبي حنيفة (أنه اختلف المشهود عليه) أي: المشهود به، و (على) بمعنى الباء، كما في قوله تعالى: ﴿حَقِيقُ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٠٥] أي: جدير بألا أقول على الله. ذكره في التفسير. ويمكن أن يجري على حقيقته؛ لأن المشهود عليه في التقدير اثنان وإن كان واحدًا؛ إذ الطائعة غير المكرهة، ولكن قوله: (لأن الزنا فعل واحد) يأبى عنه ظاهرا. (يقوم بهما) أي: بالرجل والمرأة، وهو فعل واحد حقيقة، وإن كان اثنين حكمًا، وقد اختلف جانبها، فيكون مختلفًا في جانبه ضرورةً، ولأن الطوع يقتضي إشراكهما في الزنا، حتى اشتركا في الإثم والكره يقتضي تفرده به، حتى لم تشاركه فيه، والفعل المشترك غير الغير المشترك، ولأن شاهدي الطوعية صارا قاذفين لهما بالزنا، وكانا خصمين في ذلك، ولا شهادة للخصم. (وإنما يسقط الحد) أي: حد القذف (عنهما) أي: عن شاهدي الطوعية بسبب شهادة شاهدي الإكراه (لأن زناها مكرهة يسقط إحصانها) فإن من قذف امرأة، ثم شهد شاهدان أنها زنت وهي مكرهة - سقط الحد عن القاذف عدد الأربعة في الزنا الموجب للحد، وهذه شهادة على سقوط إحصانها، وسقوط الإحصان يثبت بشهادة الإحصان، ولا يحد الشهود للقذف لقيام أربعة شهدوا على مسمى الزنا، ففات شرط. وفي جامع شمس الأئمة (١): لم يجب حد القذف على الشهود عن أبي

стр. 3902

فَصَارَا خَصْمَينِ فِي ذَلِكَ (وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةِ بِالكُوفَةِ، وَآخَرَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا بِالبَصَرَةِ، دُرِئَ الحَدُّ عَنْهُمَا جَمِيعًا)؛ لِأَنَّ المَشهُودَ بِهِ فِعْلُ الزِّنَا وَقَدْ اختَلَفَ بِاخْتِلَافِ المَكَانِ، وَلَم يَتِمَّ عَلَى كُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا نِصَابُ الشَّهَادَةِ، وَلَا يُحَدُّ الشُّهُودُ خِلَافًا لِزُفَرَ لِشُبْهَةِ الاتِّحَادِ حنيفة؛ لأنه متفق على النسبة إلى الزنا في لفظة الشهادة، وذلك لمخرج لكلامه عن كونه قذفا، كما في المسألة على هذه المسألة، وأما عندهما فلأن شاهدي الطواعية صارا قاذفين لها، لكن شاهدي الإكراه أسقطا إحصانها كما ذكرنا. وفائدة اختلاف الطريقين تتبين فيما إذا شهد ثلاثة بالطواعية، وواحد بالكره، فعند أبي حنيفة: لا يقام حد القذف عليه؛ لاتفاقهم على نسبتها بالزنا، وعلى قولهما: يقام الحد على الثلاثة؛ لأن شهادة الواحد على زنا بالكره لا تسقط إحصانها، فصاروا قاذفين للمحصنة، فيقام عليهم حد القذف. قوله: (دُرِئَ الحَدُّ عنهما): أي: على الرجل والمرأة، ولا خلاف فيه لأحد. قوله: (خلافًا لزفر) فإن عنده يحد الشهود حد القذف، وبه قال الشافعي في قول؛ لأن العدد لا يتكامل بكل، زنا، فصاروا قَذَفَةٌ، كثلاثة شهدوا، فإنهم يحدون حد القذف. وقلنا: كلامهم وقع شهادة؛ لاستجماع شرائطها من الأهلية للفظة الشهادة، ثم العدد في حق المشهود عليه، فلا يجب الحد على قاذفه، واعتبرنا نقصان العدد في حق المشهود به، فقلنا: إنه لا يجب حد الزنا احتيالا للدرء بقدر الممكن. وعلى هذا الاختلاف إذا قذف إنسانًا، فجاء القاذف بأربعة شهدوا على المقذوف بالزنا، فاثنان شهدا أنه زنا بفلانة بالكوفة، واثنان أنه زنا بها بالبصرة، فعندنا يسقط الحد عن القاذف. وعند زفر لا يسقط، وكلامنا أظهر؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] شرط شهادة الأربعة لسقوط الإحصان مطلقا، وقد وجد. كذا ذكره قاضي خان.

стр. 3903

نَظَرًا إِلَى اتِّحَادِ الصُّورَةِ وَالمَرأَةِ (وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي بَيت وَاحِد حُدَّ الرَّجُلُ وَالمَرأَةُ) مَعْنَاهُ: أَنْ يَشْهَدَ كُلُّ اثْنَيْنِ عَلَى الزِّنَى فِي زَاوِيَة، وَهَذَا اسْتِحْسَانُ. وَالْقِيَاسُ: أَنْ لَا يَجِبَ الحَدُّ لِاخْتِلَافِ المَكَانِ حَقِيقَة وَجهُ الاستحسَانِ: أَنَّ التَّوفِيقَ مُمكِنُ بِأَنْ يَكُونَ قوله: (نظرًا إلى اتحاد الصورة) أي: صورة نسبة الزنا (والمرأة) لأن الكلام فيه، فكانوا مثبتين ذنبًا واحدًا من هذا الوجه، وهم أربعة، فلم يكن كلامهم قذفا. قوله: (في زاوية) أي: في غير الزاوية التي يشهد به الاثنان الآخران. قوله: (والقياس ألا يجب) وهو قول زفر والشافعي ومالك؛ لاختلاف المكان حقيقة، (١) فاختلف المشهود به، وهو الزنا، كما في الدارين. (وجه الاستحسان) أنهم اتفقوا على فعل واحد، واختلفوا فيما لم يكلفوا نقله، والتوفيق ممكن، فيجب التوفيق، بأن يكون ابتداء الفعل في زاوية، وتمامه في أخرى بالاضطراب لضخامته والاجتذاب لنحافتها، أو لأن الواقع في وسط البيت فيظنه من في المقدم في المقدم، ومن في المؤخر في المؤخر، فيشهد بما عنده، وهذا إذا كان البيت صغيرًا يحتمل ما قلنا، فأما إذا كان كبيرا لا يحتمل ذلك، فهو كالدارين والمصرين، ذكره البزدوي، وبه قال أحمد. فإن قيل: في التوفيق احتيال للإقامة، وقد أمرنا بالاحتيال للدرء. قلنا: هذا احتيال لقبول الشهادة، فالتوفيق في الحدود مشروع؛ صيانةً للبينات عن التعطيل، ألا ترى أنه لو شهد أربعة بالزنا بفلانة تقبل وتحمل شهادة كل واحد على الزنا الذي شهد به صاحبه وإن لم ينص على ذلك، مع أن احتمال الاختلاف ثابت بأن كان الزنا بها أربع مرات، ويشهد كل على مرة، وفي ذلك لا يجب الحد على المشهود عليه، وفيه نوع تأمل. فإن قيل: الاختلاف في هذه المسألة مسكوت عنه، والاختلاف في المكان منصوص عليه، فكيف يقاس ذلك عليه؟. قلنا: التوفيق مشروع فيما إذا كان الاختلاف منصوصًا عليه أن شهد اثنان

стр. 3904

ابْتِدَاءُ الفِعْلِ فِي زَاوِيَة وَالانْتِهَاءُ فِي زَاوِيَة أُخرَى بِالاضْطِرَابِ، أَوْ لِأَنَّ الوَاقِعَ فِي وَسَطِ البَيتِ فَيَحْسِبُهُ مَنْ فِي المُقَدَّم فِي المُقَدَّمِ وَمَنْ فِي المُؤَخَّرِ، فِي المُؤَخَّرِ فَيَشْهَدُ بِحَسَبِ مَا عِندَهُ (وَإِنْ شَهِدَ أَربَعَةٌ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَة بِالنُّخَيلَةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَأَربَعَةٌ أَنَّهُ زَنَى بِهَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بِدَيرِ هِند، دُرِئَ الحَدُّ عَنْهُم جَمِيعًا) أَمَّا عَنهُمَا: فَلِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِكَذِبِ أَحَدِ الفَرِيقَينِ غَيْرِ عَيْن، وَأَمَّا عَنْ الشُّهُودِ فَلِاحْتِمَالِ صِدقِ كُلِّ فَرِيقٍ (وَإِنْ بأنه زنا بامرأة بيضاء، وآخران بامرأة سوداء، أو شهد اثنان بأن عليها ثوبًا أحمر، وآخر أن عليها ثوبًا أصفر، وكذلك لو اختلفوا في الطول والقصر، أو في السمن والهزال ولكن هذا يشكل على قول أبي حنيفة في مسألة الإكراه والطواعية؛ لما أن هذا التوفيق يمكن بأن يكون ابتداء الفعل بالإكراه، وانتهاؤها بطوع. كذا في جامع قاضي خان والفوائد الظهيرية (١). أجيب عنه: أن الإكراه مسقط سواء كان أول الفعل أو آخره؛ لأنه بالنظر إلى الابتداء لا يجب، وبالنظر إلى الانتهاء يجب، فلا يجب بالشك، وهاهنا يجب بالنظر إلى روايتين، فافترقا. قوله: (وبالنخيلة). في المغرب: النخيلة: تصغير النخلة، التي هي واحدة النخل، موضع قريب بالكوفة، وبالباء والجيم تصحيف؛ لأنها اسم حيّ من اليمن، ودية المرأة هند لا تشاغل عليه لأن دية المرأة هند أيضًا موضع قريب من الكوفة (٢)، وأما ضم الباء فتحريف أصلا (٣). قوله: (بكذب أحد الفريقين) إذ الشخص الواحد في ساعة واحدة لا يكون في مكانين متباعدين، ولا نعرف الصادق من الكاذب، فعجز القاضي عن القضاء؛ للتعارض أو لتهمة الكذب في شهادة كل فريق، فلهذا لم يحد. قوله: (وأما عن الشهود) يعني يسقط حد القذف عن الشهود أيضًا، خلافًا

стр. 3905

شَهِدَ أَربَعَةٌ عَلَى امْرَأَةِ بِالزِّنَا وَهِيَ بِكرٌ، دُرِئَ الحَدُّ عَنهُمَا وَعَنهُم)؛ لِأَنَّ الزِّنَا لَا يَتَحَقَّقُ مَعَ بَقَاءِ البَكَارَةِ، وَمَعنَى المَسأَلَةِ: أَنَّ النِّسَاءَ نَظَرنَ إِلَيْهَا فَقُلْنَا إِنَّهَا بِكَرٌ، وَشَهَادَتُهُنَّ حُجَّةٌ فِي إِسْقَاطِ الحَدِّ وَلَيسَت بِحُجَّة فِي إِيجَابِهِ، فَلِهَذَا سَقَطَ الحَدُّ عَنهُمَا وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِم (وَإِنْ شَهِدَ أَربَعَةٌ عَلَى رَجُل بِالزِّنَا وَهُمْ عُميَانٌ أَوْ مَحدُودُونَ فِي قَذف أَوْ أَحَدُهُمْ عَبْدٌ أَوْ مَحدُودٌ فِي قَذف فَإِنَّهُم يُحَدُّونَ وَلَا يُحَدُّ المَشهُودُ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِم المَالُ فَكَيْفَ يَثْبُتُ الحَدُّ، وَهُمْ لَيسُوا مِنْ أَهلِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَالعَبدُ لَيسَ بِأَهلِ لِلتَّحَوُّلِ وَالأَدَاءِ فَلَم تَثبت شُبهَةُ الزِّنَا؛ لِأَنَّ الزِّنَا يَثْبُتُ بِالأَدَاءِ (وَإِنْ شَهِدُوا بِذَلِكَ لزفر؛ لأن العدد قد تكامل في حق المشهود عليه، فكان احتمال الصدق في حق كل فريق ثابت ومع احتمال الصدق لا يحد للقذف. قوله: (دُرِئَ الْحَدُّ عَنْهُمَا) أي: عن الرجل والمرأة، وبه قال الشافعي وأحمد (١)؛ لتكامل عددهم في الشهادة على الزنا، وإنما امتنع حكم شهادتهم باعتبار قولهن، وقولهن حجة في إسقاط الحد لا في إيجابه، وصدق الشهود محتمل؛ لاحتمال أن يطأها ثم تعود عذرتها؛ لعدم المبالغة في الافتضاض. وفي الفوائد الظهيرية (٢): وعلى هذا لو شهدوا بزنا رجل وهو مجبوب لا يحد هو ولا الشهود أيضًا؛ لأن الحد إنما يجب على القاذف لنفي العار والشنار عن المقذوف، وإنه منفي عنه؛ لمكان الجب. قوله: (ولا يحد المشهود عليه) أي: بلا خلاف، ويُحد الشهود حد القذف، وبه قال الشافعي وأحمد في رواية في محدود في قذف لم يثبت قوله. (لأن الزنا يثبت عند الأداء) أي: يظهر عند الأداء لا أن يثبت حقيقة عنده؛ لأنه يثبت بالفعل قبل الأداء، كذا قيل. ولا حاجة إلى هذا؛ لأن ثبوت الزنا عند القاضي شرعًا بالأداء عنده، بخلاف ما لو شهدوا وهم فساق، يعني علم فسقهم أو ظهر أنهم فساق بعد الأداء لم يحد المشهود عليه بلا خلاف، ولم تحد الشهود أيضًا عندنا، وبه قال

стр. 3906

وَهُمْ فُسَّاقٌ، أَوْ ظَهَرَ أَنَّهُمْ فُسَّاقٌ، لَم يُحَدُّوا)؛ لِأَنَّ الفَاسِقَ مِنْ أَهلِ الأَدَاءِ وَالتَّحَوُّلِ وَإِنْ كَانَ فِي أَدَائِهِ نَوعُ قُصُورَ لِتُهمَةِ الفِسْقِ. وَلِهَذَا: لَو قَضَى القَاضِي بِشَهَادَةِ فَاسِقٌ يَنفُذُ عِنْدَنَا، وَيَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِم شُبَهَةُ الزِّنَا، وَبِاعْتِبَارِ قُصُور فِي الأَدَاءِ لِتُهمَةِ الفِسْقِ يَثْبُتُ شُبْهَةُ عَدَمِ الزِّنَا فَلِهَذَا امْتَنَعَ الحَدَّانِ، وَسَيَأْتِي فِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيّ بِنَاء عَلَى أَصْلِهِ: أَنَّ الفَاسِقَ لَيسَ مِنْ أَهلِ الشَّهَادَةِ فَهُوَ كَالعَبدِ عِندَهُ (وَإِنْ نَقَصَ عَدَدُ الشُّهُودِ عَنْ أَربَعَةٌ حُدُّوا)؛ لِأَنَّهُم قَذَفَةٌ، إذ أحمد في رواية، وفي رواية: يُحَدّون، وبه قال الشافعي ومالك. قال الإمام قاضي خان (١): الكلام يبتني على معرفة الشهود. فنقول: الشهود ثلاثة: شاهد له أهلية التحمل والأداء بصفة الكمال، كالحر العدل البالغ العاقل. وشاهد له أهلية التحمل دون الأداء، كالأعمى، والمحدود في القذف؛ لاستجماع شرائط الفهم فيهما، إلا أن الأداء فات في الأعمى؛ لعدم التمييز، وفي المحدود للنص الراد لأداء شهادته. وشاهد له أهلية التحمل والأداء، إلا أن في أدائه نوع قصور؛ لتهمة الكذب كالنسيان؛ إذ الفاسق أهل الأداء بالنص، قال تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَا فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] فالأمر بالتثبت دليل على أنه أهل للأداء؛ إذ لو لم يكن أهلا لما أمر بالتثبت كما أمر برد شهادة العبد والمحدود في قذف ولا يؤمر بالتثبت. قوله: (يُحَدُّوا) أي: عند طلب المشهود عليه الحد. ذكره البزدوي. لا خلاف للأئمة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤] ولأن أبا بكرة ونافعًا وشبل بن معبد شهدوا على المغيرة بن شعبة، ولم يكمل زاد شهادته، فحد عم ﵁ لثلاثة بمحضر من الصحابة، فكان ذلك إجماعا منهم.

стр. 3907

لَا حِسَبَةَ عِنْدَ نُقصَانِ العَدَدِ وَخُرُوجِ الشَّهَادَةِ عَنْ القَدْفِ بِاعْتِبَارِهَا (وَإِنْ شَهِدَ أَربَعَةٌ عَلَى رَجُل بِالزِّنَا، فَضُرِبَ بِشَهَادَتِهِم، ثُمَّ وُجِدَ أَحَدُهُمْ عَبْدًا أَوْ مَحدُودًا فِي قَذف فَإِنَّهُم يُحَدُّونَ)؛ لِأَنَّهُم قَذَفَةٌ إِذْ الشُّهُودُ ثَلَاثَةٌ (وَلَيْسَ عَلَيْهِم وَلَا عَلَى بَيْتِ المَالِ أَرشُ الضَّربِ، وَإِنْ رُجِمَ فَدِيَتُهُ عَلَى بَيْتِ المَالِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: أَرشُ الضَّرْبِ أَيضًا عَلَى بَيتِ المَالِ) (*) قَالَ العَبدُ الضَّعِيفُ عَصَمَهُ اللَّهُ: مَعْنَاهُ إِذَا كَانَ جَرَحَهُ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ إِذَا مَاتَ مِنْ الضَّربِ، وَعَلَى هَذَا إِذَا رَجَعَ الشُّهُودُ لَا يَضمَنُونَ عِندَهُ وَعِندَهُمَا يَضمَنُونَ لَهُمَا: أَنَّ الوَاجِبَ بِشَهَادَتِهِم مُطلَقُ الضَّربِ، إذ الاحْتِرَازُ عَنْ الجَرْحِ خَارِجٌ عَنْ الوُسعِ، فَيَنتَظِمُ الجَارِحُ وَغَيْرُهُ فَيُضَافُ إِلَى شَهَادَتِهِم فَيَضمَنُونَ بِالرُّجُوعِ، وَعِنْدَ عَدَمِ الرُّجُوعِ تَجِبُ عَلَى بَيْتِ المَالِ؛ لِأَنَّهُ يَنتَقِلُ فِعلُ قوله: (وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُونَ) أي: أرش الجراحة إن لم يمت، والدية إن مات. وقال الشافعي ومالك وأحمد: فالأرش والدية على الحاكم، ولكن مالك يفصل ويقول: إن ثبتت بالبينة لا يضمن الحاكم، ولو قامت بينة على الرق والكفر فعلى الحاكم. (فيضاف) أي: الجرح أو الموت (إلى شهادتهم) فصاروا كالمباشرين لما أوجبوا بشهادتهم، فإذا رجعوا فقد اعترفوا بأنهم جناة في شهادتهم وضمنوا، كمن ضرب إنسانًا بسوط فجرحه ضَمِنَ أَرْسَ الجراحة، ولو مات ضمن الدية، وكشهود القصاص والقطع في السرقة إذا رجعوا ضمنوا ما أتلفوا بشهادتهم. قوله: (وعند عدم الرجوع) بأن ظهروا عبيدا أو محدودين في قذف، أو ظهر أحدهم لم يضمنوا؛ لأنهم لم يعرفوا بجنايتهم، لكن ينتقل فعل الجلاد إلى القاضي؛ إذ فعل المأمور ينتقل إلى الأمر عند صحة الأمر، فكأنه ضرب بنفسه، ثم ظهر خَطَأَهُ - يكون ضمانه في بيت المال؛ لأن القاضي متى أخطأ في القضاء لا يلزمه الضمان. وإنما يلزم من وقع له القضاء والقضاء هاهنا وقع للعامة؛ لأن الحدود

стр. 3908

الجَلادِ إِلَى القَاضِي وَهُوَ عَامِلٌ لِلمُسلِمِينَ فَتَجِبُ الغَرَامَةُ فِي مَالِهِم فَصَارَ كَالرَّحِمِ وَالقِصَاصِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الوَاجِبَ هُوَ الجَلدُ، وَهُوَ ضَرْبٌ مُوْلِمٌ غَيْرُ جَارِح وَلَا مُهْلِكَ، فَلَا يَقَعُ جَارِحا ظَاهِرًا إِلَّا لِمَعنى فِي الضَّارِبِ وَهُوَ قِلَّةُ هِدَايَتِهِ فَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيهِ الضَّمَانُ فِي الصَّحِيحِ كَي لَا يَمْتَنِعَ النَّاسُ عَنِ الإِقَامَةِ مَخَافَةَ حق الله تعالى، ويعود نفعها إلى العباد من حيث تقليل الفساد، فيجب الضمان على العامة، ومال بيت المال مال العامة، فيجب في بيت المال. إليه أشار في المبسوط. قوله: (فصار) أي: الجرح في هذه الصورة (كالرجم) يعني إذا رجم الإمام أحدًا ثم ظهر الشهود عبيدا أو محدودين في قذف فالضمان في بيت المال، فكذا هذا (والقصاص) يعني إذا حكم بالقصاص لأحد ثم ظهر الشهود عبيدا أو محدودين في قذف فالضمان على المقضي له. قوله: (ولأبي حنيفة أن الواجب هو الجلد) إلى آخره، يعني الجرح غير مضاف إلى شهادتهم؛ لأنهم أوجبوا الحد، وهو ضرب مؤلم لا جارح ولا متلف، ولهذا لا يحد في الحر الشديد والبرد الشديد بالإجماع، وعلى المريض تفاديًا على الإتلاف والجرح إنما وقع لخرق الجلاد وقلة هدايته وترك احتياطه، فاقتصر عليه ولم يضف إلى خطأ القاضي ولا إلى شهادة الشهود، فلم يضمن القاضي ولا الشهود. والجلاد أيضًا لا يضمن في الصحيح؛ لأنه ما تعمد الجرح، فلو ضمناه بدون التعمد لامتنع الناس عن إقامة الحدود مخافة الضمان، ولأنه مأمور به، وفعل المأمور لا يتقيد بشرط السلامة. إليه أشير في المباسيط وشروح الجامع (١). وقوله: (في الصحيح) احتراز عما ذكر في مبسوط شيخ الإسلام، ولو قال قائل: يجب الضمان على الجلاد، فله وجه؛ لأنه ليس بمأمور بهذا الوجه؛ لأنه

стр. 3909

الغَرَامَةِ (وَإِنْ شَهِدَ أَربَعَةٌ عَلَى شَهَادَةِ أَربَعَةٍ عَلَى رَجُل بِالزِّنَا لَم يُحَدَّ) لَمَا فِيهَا مِنْ زِيَادَةِ الشَّبْهَةِ وَلَا ضَرُورَةَ إِلَى تَحَمُّلِهَا (فَإِنْ جَاءَ الأَوَّلُونَ فَشَهِدُوا عَلَى المُعَايَنَةِ فِي ذَلِكَ المَكَانِ لَم يُحَدَّ أَيضا) مَعْنَاهُ: شَهِدُوا عَلَى ذَلِكَ الزِّنَا بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُم قَدْ رُدَّت مِنْ وَجهِ بِرَدِّ شَهَادَةِ الفُرُوعِ فِي عَينِ هَذِهِ الحَادِثَةِ، إِذْ هُمْ قَائِمُونَ مَقَامَهُم بِالأَمرِ وَالتَّحْمِيلِ، أمر بضرب مؤلم لا بجارح ولا كاسر ولا قاتل، فإذا وجد الضرب على هذه الوجوه فقد وقع فعله متعديًا، فيجب عليه الضمان، وقد بينا وجه الصحيح. قوله: (لما فيها من زيادة شبهه)؛ لتمكنها في موضعين: في تحمل الأصول، وفي نقل الفروع، وقد أمكن الاحتراز عنها، فحبس الشهود في الجملة، وبه قال الشافعي في قول، ومالك وأحمد. وقال الشافعي في الأصح: يقبل إذا كان بشرائطه، كشهادة الأصول. قوله: (ولا ضرورة إلى تحملها) أي: تحمل زيادة الشبهة. وفي المبسوط (١): فيما تداولته الألسن يمكن فيه زيادة ونقصان، ولأن الشهادة على الشهادة، بدل، والإبدال ينصب للحاجة، ولا تقام الحدود بمثله؛ لأنها مبنية على الدرء. قوله: (فإن جاء الأولون) أي: الأصول. قوله: (بالأمر والتحميل) ولهذا في الموضع الذي تقبل الشهادة على الشهادة تقبل شهادة الأصول، ففي الموضع الذي ترد شهادتهم تعدى إلى شهادة الأصول من وجه، وذلك شبهة، فلا تقبل؛ لأن كل شهادة ردت في حادثة لم تقبل في تلك الحادثة. فإن قيل: إذا ردت شهادة الفرع في المال يسبقهم ثم قدم الأصول وشهدوا تقبل شهادتهم. قلنا: ترد شهادة الفروع، يمكن شبهة الرد في شهادة الأصول لا حقيقة، فالثابت في حق الأصول شبهة الرد، والشبهة تمنع القضاء بالحدود دون المال.

стр. 3910

وَلَا يُحَدُّ الشُّهُودُ؛ لِأَنَّ عَدَدَهُم مُتَكَامِلٌ، وَامْتِنَاعُ الحَدِّ عَلَى الشُّهُودِ عَلَيْهِ لِنَوعِ شُبهة. وَهِيَ كَافِيَةٌ لِدَرءِ الحَدِّ لَا لِإِيجَابِهِ (وَإِذَا شَهِدَ أَربَعَةٌ عَلَى رَجُل بِالزِّنَا فَرُجِمَ، فَكُلَّمَا رَجَعَ وَاحِدٌ حُدَّ الرَّاجِعُ وَحدَهُ وَغَرِمَ رُبعَ الدِّيَةِ) أَمَّا الغَرَامَةُ فَلِأَنَّهُ بَقِيَ مَنْ يَبْقَى بِشَهَادَتِهِ ثَلَاثَةُ أَربَاعِ الحَقِّ، فَيَكُونُ التَّالِفُ بِشَهَادَةِ الرَّاجِعِ رُبعَ الحَقِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجِبُ القَتلُ دُونَ المَالِ، بِنَاء عَلَى أَصْلِهِ فِي شُهُودِ القِصَاصِ، وَسَنُبَيِّنُهُ فِي الدِّيَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا الحَدُّ فَمَذْهَبُ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ. وَقَالَ زُفَرُ: لَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الرَّاجِعُ قَاذِفَ حَيَّ فَقَد بَطَلَ بِالمَوتِ، وَإِنْ كَانَ فَاذِفَ مَيِّت فَهُوَ مَرجُومٌ بِحُكمِ القَاضِي فَيُورِثُ ذَلِكَ شُبهة. وَلَنَا: أَنَّ الشَّهَادَةَ إِنَّمَا تَنقَلِبُ قَذفا بِالرُّجُوعِ؛ لِأَنَّ بِهِ تُفْسَخُ شَهَادَتُهُ فَجُعِلَ لِلحَالِ قَذفا لِلمَيِّتِ، وَقَدْ انفَسَخَت الحُجَّةُ فَيَنفَسِخُ مَا يَبتَنِي عَلَيْهِ وَهُوَ القَضَاءُ فِي حَقِّهِ فَلَا يُورِثُ الشَّبَهَةَ، قوله: (ولا يحد الشهود) أي: لا الفروع ولا الأصول، أما الفروع؛ فلأنهم ما نسبوه إلى الزنا، وإنما حكوا كلام الأصول، والحاكي للقذف لا يكون قاذفا، وأما الأصول فكامل عددهم. (وامتناع الحد على الشهود عليه لنوع شبهة) وهو شبهة عدم التحميل في الفروع، وشبهة الرد في الأصول (فهي) أي: الشبهة (كافية لدرء الحد لا لإيجابه). قوله: (وقد بطل بالموت)؛ لأن حد القذف لا يورث؛ لأن معظم المقصود فيه حق الله تعالى، فيورث ذلك شبهة؛ إذ المرجوم لا يحد قاذفه؛ للشبهة في إحصانه، ولهذا لا يحد الباقون غير الراجع إجماعًا. وقلنا: بالرجوع تنقلب الشهادة قذفًا (لأن به) أي: بالرجوع (تفسخ شهادته) قذفا في الحال، ولم يبين الرجوع أن الشهادة كانت قذفًا من الأصل؛ لأن الشهادة حين وقعت وقعت صحيحة بشرطها، ثم بالرجوع فسخها، فتصير لا شهادة، فتصير قذفا بعد الموت، كالفاسخ للبيع بعد موت البائع مع وارثه يفيد الملك بعد الموت. قوله: (فَيَنْفَسِخُ مَا يبتني عَلَيْهِ) جواب عن قوله: (وهو مرجوم بحكم القاضي

стр. 3911

بِخِلَافِ مَا إِذَا قَذَفَهُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحصَن فِي حَقِّ غَيْرِهِ لِقِيَامِ القَضَاءِ فِي حَقِّهِ (فَإِنْ لَم يُحَدَّ المَشْهُودُ عَلَيْهِ حَتَّى رَجَعَ وَاحِدٌ مِنهُم حُدُّوا جَمِيعًا، وَسَقَطَ الحَدُّ عَنْ فيورث ذلك شبهة) فلا يحد الراجع كما قال زفر، فقال: هو مرجوم بحكم القاضي بشهادتهم، ولكن لما رجع فسخ، شهادته، فانفسخ القضاء في حقه؛ لأن زعمه معتبر في حقه، فلا يصلح شبهة في حقه، بخلاف قاذف آخر؛ لأن المرجوم غير محصن في حق غير الراجع؛ لبقاء القضاء والشهادة في حقه؛ إذ الرجوع عاقل في حق الراجع لا في حق غيره. إليه أشار في المبسوط (١). وهذا معنى قوله: (بخلاف ما إذا قذفه غيره) أي: قذف المرجوم غير الشاهد، حيث لا يجب حد القذف على القاذف (لأنه) أي: لأن المرجوم (غير محصن في حق غيره) أي: غير الشاهد (لقيام القضاء في حقه) أي: في حق غير الشاهد. فإن قيل: لو وجد أحد الشهود عبدًا بعد الرجم فلا يحد الشهود حد القذف بالإجماع، ولو وجد أحدهم عبدًا بعد الجلد يحدون حد القذف، فهذا دليل على أن القذف لو ثبت بالشهادة إنما يثبت من وقت الشهادة كما قال زفر، ومن قذف حيًا ثم مات المقذوف لا يحد القاذف. قلنا: لما ظهر أن أحدهم عبد عُلم أن شهادتهم لم تكن شهادة، بل كانت قذفا؛ إذ العبد لا شهادة له، ومن قذف حيا ثم مات المقذوف لا يجب على القاذف الحد، بخلاف ما نحن فيه، فإنها كانت شهادة في ذلك الوقت، وانقلب قذفًا بالرجوع في الحال. إليه أشار في المبسوط (٢). قوله: (رجع واحد منهم) أي: بعد القضاء قبل الإمضاء (حدوا) أي: الشهود (جميعًا). وبه قال أحمد في الروايتين. وقال محمد: يحد الراجع خاصة. وبه قال الشافعي وزفر؛ لأن الشهادة تأكدت بالقضاء وتمت الحجة، فبعد

стр. 3912

المَشْهُودِ عَلَيْهِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: حُدَّ الرَّاجِعُ خَاصَّة (*)؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ تَأَكَّدَت بِالقَضَاءِ فَلَا يَنفَسِخُ، إِلَّا فِي حَقِّ الرَّاجِعِ، كَمَا إِذَا رَجَعَ بَعدَ الإِمْضَاءِ. وَلَهُمَا: أَنَّ الإِمْضَاءَ من القَضَاءِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا رَجَعَ وَاحِدٌ مِنهُم قَبلَ القَضَاءِ، وَلِهَذَا سَقَطَ الحَدُّ عَنْ المَشْهُودِ عَلَيْهِ. وَلَو رَجَعَ وَاحِدٌ مِنْهُم قَبْلَ القَضَاءِ حُدُّوا جَمِيعًا. وَقَالَ زُفَرُ: يُحَدُّ الرَّاجِعُ خَاصَّة؛ لِأَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ عَلَى غَيْرِهِ. وَلَنَا: أَنَّ كَلَامَهُم قَدْفٌ فِي الأَصْلِ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ شَهَادَة بِاتِّصَالِ القَضَاءِ بِهِ، فَإِذَا لَم يَتَّصِل بِهِ بَقِيَ قَدْفا ذلك لم يبق قذفًا، ثم برجوع أحدهم تبطل الحجة في حقه ويصير كلامه قذفا في حقه، وبقي كلام غيره حجة غير قذف كما قبل رجوعه، وكما إذا رجع بعد الإمضاء. قوله: (ولهما أن الإمضاء) أي: استيفاء الحد (من القضاء) وقد بيناه في مسألة التقادم. ثم ثمرة كون الإمضاء من القضاء تظهر فيما إذا اعترضت أسباب الحرج أو سقوط إحصان المقذوف أو عزل القاضي بمنع الإمضاء، فلذا صار الرجوع قبل الإمضاء كالرجوع قبل القضاء. ذكره التمرتاشي. قوله: (وَلَوْ رَجَعَ وَاحِدٌ قَبْلَ الْقَضَاءِ حُدُّوا) وبه قالت الأئمة الثلاثة. وقال زفر: يحد الراجع؛ لأن رجوعه صح في حق نفسه لا في حق أصحابه، فبقي كلامهم في حقهم شهادة وإن بطل في حق الراجع، ولأن الحد على غيره إما أن يجب بالشهادة أو بالرجوع، ولا وجه إلى الأول؛ لأن الشهادة لا توجب حد القذف، ولا وجه إلى الثاني؛ لأنه بالرجوع يثني عليه خيرا. وقلنا: كلامهم في الأصل قذفًا، ويصير شهادة باتصال القضاء، ولم يتصل؛ إذ رجوعه يمنع اتصال القضاء، كما في المال، فإن رجع أحدهما يمنع القضاء بالمال، فبالحدود أولى، فإذا ثبت هذا فنقول: لو امتنع الرابع من الأداء يحد الثلاثة، ولا يكون ذلك بسكوت الرابع، بل بنسبتهم إياه إلى الزنا، فكذا إذا رجع أحدهم يحد بكلامهم لا برجوع الرابع إليه أشار في المبسوط (١).

стр. 3913

فَيُحَدُّونَ (فَإِنْ كَانُوا خَمْسَة، فَرَجَعَ أَحَدُهُمْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّهُ بَقِيَ مَنْ يَبْقَى بِشَهَادَتِهِ كُلُّ الحَقِّ وَهُوَ شَهَادَةُ الأَربَعَةِ (فَإِنْ رَجَعَ آخَرُ، حُدًا وَغَرِمَا رُبعَ الدِّيَةِ) أَمَّا الحَدُّ فَلِمَا ذَكَرنَا، وَأَمَّا الغَرَامَةُ فَلِأَنَّهُ بَقِيَ مَنْ يَبقَى بِشَهَادَتِهِ ثَلَاثَةُ أَربَاعِ الحَقِّ، وَالمُعْتَبَرُ بَقَاءُ مَنْ بَقِيَ لَا رُجُوعُ مَنْ رَجَعَ عَلَى مَا عُرِفَ (وَإِنْ شَهِدَ أَربَعَةٌ عَلَى رَجُل قوله: (وإن كانوا خمسة) هذا عطف على أصل المسألة، وهو قوله: (وإذا أشهد أربعة بالزنا فرجم فرجع واحد) (١). قوله: (لا شيء عليه) أي: لا الحد ولا الدية، وبه قال الشافعي في الأصح، ومالك وأحمد؛ لأن الثابت بعلة لا يبطل ما بقيت العلة. وعن مالك: لا تجب الدية بالرجوع أصلا. وقال الشافعي في وجه: يجب عليه خُمس الدية؛ لأنه ثبت بقولهم جميعًا. قوله: (حُدًا وغُرِّما رُبعَ الدية) (٢) وقال الشافعي: إن قالا: تعمدنا الكذب وجب عليهما القود، وإن قالا: أخطأنا وجب عليهما قسطهما من الدية. وله في قسطهما من الدية وجهان في وجه تجب خُمسا الدية، وفي وجه: ربع الدية، وهو قولنا. (فَلِمَا ذكرنا) وهو قوله: ولنا أن الشهادة تنقلب قذفًا بالرجوع إلى آخره، يعني حين رجع الثاني انفسخت الشهادة قذفًا؛ لعدم بقاء الحجة في حقهما، فعليهما الحد. فإن قيل: حين رجع الأول لم يجب عليه حد وضمان، فلو لزمه بعد رجوع الثاني لكان رجوعه ملزما له الحد. قلنا: إنما لم يجب عليه برجوعه لمانع، وهو بقاء حجة تامة لا لعدم السبب، فإذا زال المانع برجوع الثاني وجب الحد والغرم على الأول بالسبب المتقرر في حقه لا برجوع الثاني، ولو اعتبر هذا المعنى لوجب القول بأنهم رجعوا جميعًا لا يحدون؛ لأن في حق كل واحد منهم لا يلزمه شيء برجوعه وحده. كذا في المبسوط (٣).

стр. 3914

بالزِّنَا، فَزُكُّوا فَرُجِمَ، فَإِذَا الشُّهُودُ مَجُوسٌ أَوْ عَبِيدٌ أو محدودون، فَالدِّيَةُ عَلَى المُزَكِّينَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) مَعْنَاهُ: إِذَا رَجَعُوا عَنْ التَّرْكِيَةِ (وَقَالَا: هُوَ عَلَى بَيْتِ المَالِ) (*) وَقِيلَ: هَذَا إِذَا قَالُوا تَعَمَّدْنَا التَّرْكِيَةَ مَعَ عِلمِنَا بِحَالِهِم، لَهُمَا: أَنَّهُمْ أَثنوا قوله: (فَزُكُّوا) في المحيط (١): بأن المزكون هم أحرار مسلمون عدول. قوله: معناه فإذا رجعوا عن التزكية بأن قالوا: قلنا: هم أحرار مسلمون مع علمنا بحالهم أنهم عبيد أو كفار، كذا في نسخ الشروح، فعلى هذا ينبغي ألا يذكر في الكتاب قوله: وقيل: بل يجب أن يقال: هذا إذا تعمدنا من غير أن يقال. وقيل: لأن قود كذا يقتضي أن يكون معنى الرجوع عن التزكية التي توجب الضمان عنده فيه قوي قول آخر سوى التعمد، وليس كذلك، فإن المزكي لو قال: أخطأت في التزكية لا يضمن بالإجماع، والخلاف فيما إذا قال: تعمدت ذلك مع علمي بحالهم. ذكره في جامع قاضي خان (٢) وغيره، وإليه أشار في المبسوط (٣). وفي جامع البزدوي، والحسامي، والمحيط: فلو قال: أخطأنا تجب الدية في بيت المال، كما لو أخطأ القاضي؛ لأن المزكي عامل لغيره، كالقاضي، فإذا لحقه ضمان كان له أن يرجع على المعمول له، وهو عامة المسلمين فيجب في بيت المال. قوله: (وقالا) أي: أبو يوسف ومحمد، وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لأنهم لو ضمنوا لكان الضمان ضمان عدوان، وذا بالمباشرة أو التسبيب، وقد فُقدا، أما الأول فظاهر، وكذا الثاني؛ لأن سبب الإتلاف الزنا، وهم ما أثبتوه، وإنما أثنوا على الشهود خيرًا، فصاروا كشهود الإحصان، إلا أن شهود الإحصان أثنوا على المشهود خيرًا، وهؤلاء أثنوا على الشاهد، فكما لا تضمن شهود الإحصان

стр. 3915

عَلَى الشُّهُودِ خَيْرًا، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَثَنَوا عَلَى المَشْهُودِ عَلَيْهِ خَيْرًا بِأَنْ شَهِدُوا بِإِحْصَانِهِ. وَلَهُ: أَنَّ الشَّهَادَةَ إِنَّمَا تَصِيرُ حُجَّة عَامِلَة بِالتَّزْكِيَةِ، فَكَانَت التَّرْكِيَةُ فِي مَعنَى عِلَّةِ العِلَّةِ، فَيُضَافُ الحُكمُ إِلَيْهَا بِخِلَافِ شُهُودِ الإِحْصَانِ؛ لِأَنَّهُ مَحضُ الشَّرط. وَلَا فَرقَ بَينَ مَا إِذَا شَهِدُوا بِلَفظَةِ الشَّهَادَةِ أَوْ أَحْبَرُوا، وَهَذَا بالرجوع إجماعًا، إلا على قول الشافعي في وجه وزفر، كما يجيء، لا يضمن المزكون أيضًا. قوله: (وله) أي: لأبي حنيفة (حجة عاملة) إذ الشهادة في الحدود لا توجب شيئًا بلا تزكية، فصارت التزكية كعلة العلة، وهذا لأن التلف حصل بالقضاء، والقضاء بالشهادة؛ لأنهم ألزموا القاضي القضاء. والشهادة إنما تعمل بالعدالة، وهي تثبت بالتزكية، فكانت التزكية كعلة التلف، وهي كالعلة في إضافة الحكم إليها؛ لما عرف، بخلاف الشهادة على الإحصان، فإن الشهادة عليه علامة أو شرط محض كما بين في الأصول؛ لأن الزنا موجبه العقوبة بدون الإحصان؛ إذ الإحصان نعمة مانعة من الزنا، فكيف يكون مؤثرًا في إيجاب الحد وداعيًا إليه. أكثر ما في الباب أن قبيح الزنا يتغلظ عند وجود الإحصان، ولكن ذلك القبح لا يكون مضافًا إلى الإحصان، بل إلى كونه وضعا للكفران في موضع الشكر، ووضع الكفران وموضع الشكر لا يضاف إلى النعمة أصلا، بل النعمة شرط محض، أي: علامة كذا في الطريقة العلانية (١). قوله: (شهدوا بلفظ الشهادة) بأن قالوا: نشهد بأنهم أحرار، وأخبروا بأن قالوا: هم أحرار. (وهذا) أي: وجوب الضمان على قول أبي حنيفة، أما إذا قالوا هم عدول فقط. وفي المحيط: إن المزكي بقوله: هم عدول لم يثبت ما له أثر في الإتلاف؛ لأنه أثبت مجرد العدالة، وبه لا تثبت ولاية الشهادة، فإن العبد قد يكون عدلًا

стр. 3916

إِذَا أَخبَرُوا بِالحُرِّيَّةِ وَالإِسْلَامِ، أَمَّا إِذَا قَالُوا: هُمْ عُدُولٌ وَظَهَرُوا عَبِيدًا لَا يَضمَنُونَ؛ لِأَنَّ العَبدَ قَدْ يَكُونُ عَدلا، (وَلَا ضَمَانَ عَلَى الشُّهُودِ)؛ لِأَنَّهُ لَم يَقَع كَلَامُهُم شَهَادَة، وَلَا يُحَدُّونَ حَدَّ القَدْفِ؛ لِأَنَّهُم قَذَفُوا حَيًّا وَقَدْ مَاتَ فَلَا يُورَثُ عَنهُ (وَإِذَا شَهِدَ أَربَعَةٌ عَلَى رَجُل بِالزِّنَا، فَأَمَرَ القَاضِي بِرَحِمِهِ، فَضَرَبَ رَجُلٌ عُنُقَهُ، ثُمَّ وَجَدَ الشُّهُودَ عَبِيدًا فَعَلَى القَاتِلِ الدِّيَةُ) وَفِي القِيَاسِ: يَجِبُ القِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا مَعصُومَة بِغَيْرِ حَقٌّ. وَجهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ القَضَاءَ صَحِيحٌ ظَاهِرًا وَقتَ القَتْلِ فَأُورَثَ شُبهة، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَتَلَهُ قَبْلَ القَضَاء؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَم تَصِر حُجَّة بَعدُ، وَلِأَنَّهُ ظَنَّهُ مُبَاحَ الدَّمِ مُعتَمِدًا عَلَى دَلِيل مُبِيحٍ، فَصَارَ كَمَا إِذَا ظَنَّهُ حَربِيًّا وَعَلَيْهِ عَلَامَتُهُم، وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي بالاجتناب عن محظور دينه ولا ولاية له على الشهادة، ولكن القاضي جهل، حيث اكتفى بهذا القدر، فلا يضمن، بخلاف ما لو قال: إنه حر أو مسلم، فالحرية أو الإسلام تثبت ولاية الشهادة، فقد أثبت ما له أثر في الإتلاف، فلهذا افترقا. قوله: (فَضَرَبَ رجلٌ عُنُقَهُ) أي: قتله عمدًا. وفي الكافي (١): إذا أمر الإمام برجمه فقتله رجل عمدًا أو خطأ بعد الشهادة قبل التعديل أو بعده قبل القضاء بالرجم، فعلى القاتل القود في العمد، والدية على العاقلة في الخطأ، ولو قتله بعد القضاء برجمه ثم وجد الشهود عبيدا أو كفارا أو محدودين في القذف فالقياس أن يجب القصاص؛ لأنه قتل نفسا محقون الدم عمدًا؛ لأنه لما ظهر أن الشهود عبيد تبين أن القضاء لم يصح ولم يصر مباح الدم. وقد قتله بفعل لم يؤمر به، إذ المأمور به الرجم دون حز رقبته، فلم يوافق أمر القاضي ليصير فعله منقولا إليه، فبقي الإباحة، وهذا لأنه لو نفذ ظاهرًا وباطنا تثبت حقيقة الإباحة، فإذا نفذ من وجه دون وجه تثبت شبهة الإباحة، بخلاف ما لو قتله قبل القضاء؛ لأن الشهادة لا تصير حجة بدونه، ولأنه قتل شخصا على ظن أنه مباح الدم ثم ظهر بخلافه، وسيجيء إن شاء الله.

стр. 3917

مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ عَمدٌ، وَالعَوَاقِلُ لَا تَعْقِلُ العَمدَ، وَيَجِبُ ذَلِكَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِنَفْسِ القَتلِ (وَإِنْ رُجِمَ ثُمَّ وُجِدُوا عَبِيدًا فَالدِّيَةُ عَلَى بَيْتِ المَالِ)؛ لِأَنَّهُ امْتَثَلَ أَمَرَ الإِمَامِ فَنَقَلَ فِعَلَهُ إِلَيْهِ، وَلَو بَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي بَيْتِ المَالِ لِمَا ذَكَرنَا كَذَا هَذَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا ضَرَبَ عُنُقَهُ؛ لِأَنَّهُ لَم يَأْتَمِر أَمْرَهُ (وَإِذَا شَهِدُوا عَلَى رَجُل بِالزِّنَا قوله: (لأنه) أي: ذلك المال (وجب بنفس القتل) وكل مال يجب بنفس القتل لا بمعنى يحدث من بعده يجب في ثلاث سنين كالدية بقضية عمر، وفي قتل الأب ابنه عمدًا تجب في ماله في ثلاث سنين، بخلاف بدل الصلح عن القود، حيث يجب حالا؛ لأنه يجب بعقد الصلح لا بنفس القتل، فأشبه الثمن في البيع. قوله: (وَإِنْ رَجَمَ) على بناء الفاعل، معطوف على قوله: (فضرب رجل عنقه) أو (رجمه). وفي لفظ مبسوط البكري: رجمه بالحجارة. ولفظ مبسوط السَّرَخْسِي (١): وإن كان هذا الرجل قتله رجمًا. قوله: (لأنه) أي: الضارب بعنفه لم يأتمر أمر الإمام لأنه أمر بالرجم دون حز الرقبة، ثم القاضي إذا أمر بالرجم أو بالجلد هل يسع لمن لم يعاين الشهادة أو سبب وجوب الرجم أو الجلد؟ فعند أبي حنيفة وأبي يوسف: يسع؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا الله﴾ [ال عمران: ١٣٢] الآية. وعن محمد: لا يسع لمن لم يشاهد الشهادة ولم يتحقق سبب الوجوب، وقد أفتى فقهاء ما وراء النهر بقول محمد؛ لغلبة الفساد على القضاة فلا يؤتمنون، على الخصوص في الحدود التي تندرئ بالشبهات. وقد فصل بعض المشايخ في ذلك فقال: القضاة أربعة: عالم وعادل، وهذا واجب الطاعة، فيجب الائتمار، وعادل جاهل، وهذا يسأل عن كيفية ثبوت ما يثبت عنده، فإذا أخبر بما يوافق الشرع قبل قوله وعمل به. وظالم عالم، وظالم جاهل، وهذان لا يقبل قولهما ولا يلتفت إليهما،

стр. 3918

وَقَالُوا: تَعَمَّدَنَا النَّظَرَ، قُبِلَت شَهَادَتُهُم)؛ لِأَنَّهُ يُبَاحُ النَّظَرُ لَهُمْ ضَرُورَةَ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ فَأَشْبَهَ الطَّبِيبَ وَالقَابِلَةَ وَإِذَا شَهِدَ أَربَعَةٌ عَلَى رَجُل بِالزِّنَا، فَأَنكَرَ الإِحْصَانَ وَلَهُ امْرَأَةٌ قَدْ وَلَدَت مِنهُ، فَإِنَّهُ يُرجَمُ مَعْنَاهُ: أَنْ يُنكِرَ الدُّخُولَ بَعدَ وُجُودِ سَائِرِ الشَّرَائِطِ؛ لِأَنَّ الحُكمَ بِثَبَاتِ النَّسَبِ مِنهُ حُكْمٌ بِالدُّخُولِ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا: لَو طَلَّقَهَا يُعقِبُ الرَّجِعَةَ والإِحْصَانَ يَثْبُتُ بِمِثْلِهِ (فَإِنْ لَم تَكُنْ وَلَدَت مِنْهُ وَشَهِدَ عَلَيْهِ بِالإِحْصَانِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ وقيل: يسأل الثالث عن ثبوت الحكم عنده، فإن وافق مقتضى عمله عُمل به، وإن ظهر فيه أثر ظلمه تُرِك. قوله: (وَقَالُوا تَعَمَّدْنَا النَّظَرَ) أي: إلى موضع الزنا من الزانية، وبه صرح قاضي خان (قُبِلَتْ شهادتهم) وبه قال الشافعي في المنصوص، ومالك وأحمد، وإن كان النظر إلى الفرج عمدًا فسقًا، إلا أن التعمد لإقامة حسبة الشهادة مباح شرعًا لضرورة تحمل الشهادة؛ إذ الشهادة لا تحل لهم ما لم يروا كالميل في المكحلة والنظر إلى العورة عند الحاجة لا يوجب الفسق، كنظر القابلة والحافظة والختان والطبيب، حتى لو قالوا: تعمدنا النظر للتلذذ لا تقبل إجماعًا. وفي جامع السَّرَخْسِي (١): قال بعض العلماء: لا تقبل شهادتهم، وبه قال الإِصْطَخْرِي من أصحاب الشافعي؛ لإقرارهم بالفسق على أنفسهم؛ إذ النظر إلى عورة الغير قصدًا فسق، وإذا لم تقبل شهادتهم إذا لم يثبتوا كيفية النظر لاحتمال أن يكون ذلك وقع اتفاقا لا قصدًا. وقلنا: النظر مباح للحاجة إلى آخر ما ذكرنا. قوله: (حكم بالدخول عليه) أي: على الرجل شرعًا وبإقرارهما؛ إذ هما يقران أن الولد ولدهما، ولو ثبت الدخول بشهادة شاهدين يثبت الإحصان، فإذا ثبت بشهادة الشرع وبإقرارهما أولى. وعند الشافعي ومالك وأحمد: لا يثبت بذلك الاحتمال أنه من غير الدخول على وجه الصحة.

стр. 3919

رُجِمَ خِلافًا لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ؛ فَالشَّافِعِيُّ مَرَّ عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ شَهَادَتَهُنَّ غَيْرُ مَقْبُولَة فِي غَيْرِ الأَمْوَالِ، وَزُفَرُ يَقُولُ: إِنَّهُ شَرطٌ فِي مَعنَى العِلَّةِ؛ لِأَنَّ الجِنَايَةَ تَتَغَلَّظُ عِندَهُ فَيُضَافُ الحُكمُ إِلَيْهِ فَأَشْبَهَ حَقِيقَةَ العِلَّةِ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِيهِ احْتِيَالًا لِلدَّرءِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا شَهِدَ ذِمِّيَّانِ عَلَى ذِمِّي زَنَى عَبدُهُ المُسلِمُ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ قَبْلَ الزِّنَا لَا تُقْبَلُ لِمَا قوله: (خلافًا لزفر والشافعي) وبه قال مالك وأحمد؛ لأن شهادتهن في غير الأموال لا تقبل عندهم. وزفر يقول: الإحصان شرط في معنى العلة؛ لأنه مكمل للعقوبة، والمكمل للعقوبة كالموجب لأصل العقوبة، فكما لا يثبت أصل العقوبة بشهادتهن فكذا تكميلها، ولأن الشرط يضاف إليه الحكم وجودًا عنده، كما يضاف إلى العلة ثبوتا بها، وضرر العقوبة لا يثبت بالوجوب، وإنما يثبت بالوجوب والاستيفاء، فصار له حكم العلل. قوله: (عَلَى ذِمِّي زَنَى عَبْدُهُ الْمُسْلِمُ) وقد [اجتمع العبد] (١) شرائط الإحصان لا تقبل، مع أن شهادة أهل الذمة بالعتق على الذمي مقبولة في غير هذه الحالة؛ لما ذكرنا أن المقصود بالشهادة على الإحصان تغليظ العقوبة، وبالنظر إلى المقصود تغليظ على المسلم، فلا تقبل. ولنا؛ أن الإحصان خصال حميدة، وأنها مانعة عن الزنا، والمانع للشيء لا يكون علة ولا سببًا له كما بيناه، ولا شرطًا أيضًا، فضلا عن أن يكون في معنى العلة؛ لأن الشرط ما يتوقف الحكم على وجوده بعد السبب. ولا يتوقف وجوب الرجم على إحصان يحصل بعد الزنا، فإن بذلك الإحصان لا يرجم إجماعًا، ولكنه إذا ثبت كان معرفًا بحكم الزنا، فأما أن يوجد الزنا بصورته ويتوقف انعقاده على الإحصان بعده فلا، وما للمعرف حكم العلة والسبب بوجه. فصار كما لو شهدوا به في غير هذه الحالة، بأن شهد رجل وامرأة على رجل بالتزوج والدخول تقبل حتى لو طلقها يجب كمال المهر. إليه أشار في

стр. 3920

ذَكَرنَا. وَلَنَا: أَنَّ الإِحْصَانَ عِبَارَةٌ عَنْ الخِصَالِ الحَمِيدَةِ، وَأَنَّهَا مَانِعَةٌ مِنْ الزِّنَا عَلَى مَا ذَكَرنَا، فَلَا يَكُونُ فِي مَعنَى العِلَّةِ وَصَارَ كَمَا إِذَا شَهِدُوا بِهِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الحَالَةِ، بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ العِتَقَ يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِمَ، وَإِنَّمَا لَا يَثْبُتُ سَبقُ التَّارِيخ؛ لِأَنَّهُ يُنكِرُهُ المُسلِمُ أَوْ يَتَضَرَّرُ بِهِ المُسلِمُ فَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الإِحْصَانِ لَا يَضمَنُونَ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ وَهُوَ فَرعُ مَا تَقَدَّمَ. المباسيط وشروح الجامع وطريقة الغزنوي (١). قوله: (بِخِلَافِ مَا ذُكر) أي: زفر في شهادة أهل الذمة بإعتاق عبده المسلم (لأن العتق يثبت بشهادتهما وإنما لا يثبت سبق التاريخ؛ لأن المسلم ينكره) وما ينكره المسلم لا يثبت بشهادة أهل الذمة، ولأن المسلم يتضرر بسبق التاريخ من حيث تغليظ العقوبة عليه، فلا يجوز أن يتضرر المسلم بشهادة الكفار. كذا في المبسوط (٢). أما شهادة النساء في غير الحدود مقبولة وإن تضرر به المسلم. قوله: (وَهُوَ فَرْعُ مَا تَقَدَّمَ) أن ضمان شهود الإحصان فرع المسألة الأولى، فإن عند زفر لما كان الإحصان شرطًا في معنى العلة يضاف التلف إليه. للشافعي في ضمان شهود الإحصان ثلاثة أوجه: أحدها: لا ضمان عليهم، وهو قولنا. والثاني: يجب، وهو قول زفر. والثالث: إذا رجعوا مع الشهود على الزنا إن شهدوا بالإحصان قَبْلَ ثبوت الزنا لم يضمنا، ولو شهدوا بعد ثبوت الزنا ضمنا. وفي قدر ما يضمنان من الدية وجهان: يضمنان نصف الدية، والثاني: ثلث الدية. كذا في الحلية (٣). فرع ولو أنكر الإحصان بعد ثبوت الزنا فشهدوا أنه تزوج بامرأة ودخل بها يثبت

стр. 3921

بَابُ حَدَّ الشَّرْبِ (وَمَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فَأُخِذَ وَرِيحُهَا مَوجُودَةٌ، أَوْ جَاؤُوا بِهِ سَكرَانَ، فَشَهِدَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَعَلَيهِ الحَدُّ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَقَرَّ وَرِيحُهَا مَوجُودَةٌ) لِأَنَّ جِنَايَةَ الشَّرْبِ إحصانه، حتى يرجم، كما لو قال: وطئها وجامعها عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وبه قالت الأئمة الثلاثة. وقال محمد: لا يثبت إحصانه، فلا يرجم، كما لو شهد أنه قربها أو أتاها؛ لأن الدخول بها يراد به الجماع، ويراد به الخلوة، فلا يثبت الإحصان بالشك. وقلنا: المراد بالدخول بها الجماع عرفًا وشرعًا، قال تعالى: ﴿نِّسَابِكُمُ الَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] والمراد به الجماع بالإجماع. ولو شهد أربعة زناة بامرأة، وأربعة أخرى بامرأة أخرى، فَرَجَمَ، فرجع الفريقان، ضمنوا ديته بالإجماع وحدوا للقذف عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وبه قال أحمد. وقال محمد: لا يحدون، وبه قال الشافعي؛ لأن رجوع كل فريق معتبر في حقه لا في حق غيره، فصار في حق كل فريق كأن الفريق الآخر على شهادته. وقلنا: كل فريق التزم حد القذف على نفسه برجوعه؛ لاعتقاد أنه عفيف قتل ظلما، والمرء مؤاخذ بزعمه، ولو شهدوا على الزنا وأقرَّ به مرة حُدَّ عند محمد، وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لأن البينة وقعت، معتبرة، فلا تبطل بالإقرار. وعند أبي حنيفة وأبي يوسف: لا يحد وهو الأصح؛ لأن شرط قبول البينة الإنكار، وقد عدم، أما لو أقر أربع مرات لا يحد عند علمائنا، وعند الأئمة الثلاثة يحد. باب حد الشرب قدم حد الزنا على الشرب؛ لما أن دعاء الطبع إلى الزنا أكثر عند فرط الشبق، ولهذا ضربه أشد من ضرب الشرب، أو لأن في الزنا قتل النفس كما بينا، وفي شرب الخمر فوات العقل، والعقل كالتابع للنفس. قوله: (فشهد الشهود عليه) أي: على شارب الخمر (بذلك) أي: بشرب الخمر مع وجود الرائحة، أو شهدوا على شرب الخمر مع مجيئهم به وهو

стр. 3922

قد ظَهَرَت وَلَم يَتَقَادَم العَهْدُ. وَالأَصلُ فِيهِ قَولُهُ ﵊: سكران، ولكن الروايات في الشروح مقيدة بوجود الرائحة في حق وجوب الحد على شارب الخمر عندهما، سواء ثبت وجود الحد بالشهادة أو بالإقرار، غير أن وجودها عندهما في الشهادة يشترط عند التحمل لا حالة الأداء، إليه أشار في الكتاب بقوله: (فشهد الشهود عليه … ) إلى آخره. وعن محمد: لا يشترط، وبه قالت الأئمة الثلاثة، والأصل أن التقادم في هذا الحد يمنع قبول الشهادة عند علمائنا الثلاثة، غير أنه قدر التقادم عندهما بذهاب الرائحة، وعند محمد قدر بالزمان كما في حد الزنا والسرقة. يقال: اسْتَنْكَهْتُ الشارب، ونَكَهْتُه: تَشَمَّمْتُ نَكْهَتَه، أي: رِيحَ فَمِهِ، ونَكَهَ الشارب في وجهي أيضًا: إذا تَنَفَّسَ، يَتَعَدَّى ولا يَتَعَدَّى، وهو من باب (مَنَعَ). والمُدَامَة والمُدَام: الخمر على وزن الفعل من الدَّوْم يُرْوَى الشعرُ بروايتين: بدون كلمة (قد) بإظهار الهمزة في (إِنْكَهُ): [البحر الطويل]. يَقُولُونَ لِي إِنْكَهُ، شَرِبْتَ مُدَامَةً … والأخرى: بكلمة (قد) من غير إظهار الهمزة: [البحر الطويل]. يَقُولُونَ لِي انْكَهُ، قَدْ شَرِبْتَ مُدَامَةً … فرواية المغرب (١) نهاية بزيادة (قد). وقال آخر: سَفَرْجَلَةٌ تَحْكِي ثُدِيَّ النَّوَاهِدِ … لَها عَرْفُ ذِي فِسْقٍ وصُفْرَةُ رَاهِدِ (٢) وهما يتعلقان بحديث ابن مسعود، روي أن رجلاً جاء بابن أخ له إلى ابن مسعود، فأقر عنده بشرب الخمر، فقال ابن مسعود: بئس والي اليتيم أنت، لا أدبته صغيرًا ولا سترته كبيرًا، فقال: تَلْتِلُوهُ وَمَزْمِزُوهُ وَاسْتَنْكِهُوهُ، فإن وجدتم رائحة الخمر فاجلدوه. كذا في جامع العتابي (٣).

стр. 3923

«مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فَاجلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ». (وَإِنْ أَقَرَّ بَعدَ ذَهَابِ رَائِحَتِهَا لَم يُحَدَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُحَدُّ) (*) وَكَذَلِكَ إِذَا شَهِدُوا عَلَيْهِ بَعدَ مَا ذَهَبَ رِيحُهَا وَالسُّكرُ لَم يُحَدَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُحَدُّ، فَالتَّقَادُمُ يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ بِالاتِّفَاقِ، غَيْرَ أَنَّهُ مُقَدَّرُ بِالزَّمَانِ عِندَهُ اعْتِبَارًا بِحَدِّ الزِّنَا، وَهَذَا لِأَنَّ التَّأخِيرَ يَتَحَقَّقُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، وَالرَّائِحَةُ قَدْ تَكُونُ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا قِيلَ: يَقُولُونَ لِي: إِنَّكَ شَرِبتَ مُدَامَا … فقلت لهم: لا بَلْ أَكَلْتُ السَّفَرجَلَا التلتلة والترترة التحريك والمزمزة: التحريك بعنف والاستنكاه طلب النكهة. وعن عمر ﵁ أنه أُتِي برجل قد شرب الخمر بعدما ذهبت رائحته، واعترف به، فعزره ولم يحده. فإن قيل: هذا استدلال بنفي الحكم عند عدم الشرط، وهو فاسد عندنا. قلنا: لا بل هذا استدلال بعدم الإجماع؛ لأن حديث الشرب يثبت بإجماع الصحابة، فلا يحد. فإن قيل: إن لم يوجد الإجماع فقد وجد النص، وهو قوله ﵇: «مَنْ شَرِبَ الخمرَ فاجلدوه» الحديث رواه أبو داود (١) بلا قيد اشتراط الرائحة. قلنا: خص منه الشرب اضطرارًا وإكراها، فتمكنت الشبهة، فلا يصح إيجاب الحد به. (عند حد اعتباره) (٢) أي: اعتبار قيام الأثر. وفي الذخيرة والمبسوط (٣) والمحيط: المعنى فيه أنه أقر على نفسه بحق، ويُصَدِّق إقراره علامة، وهي الرائحة، فوجب أن يشترط وجوب تلك العلامة لتصديقه في إقراره، فَقِسٌ على ما إذا أقر بـ (قطعت يد فلان) فإن كان يد فلان

стр. 3924

وَعِندَهُمَا: يُقَدَّرُ بِزَوَالِ الرَّائِحَةِ، لِقَولِ ابنِ مَسْعُود: فَإِنْ وَجَدتُم رَائِحَةَ الخَمرِ فَاجْلِدُوهُ. وَلِأَنَّ قِيَامَ الأَثَرِ مِنْ أَقوَى دَلَالَة عَلَى القُربِ، وَإِنَّمَا يُصَارُ إِلَى التَّقْدِيرِ بِالزَّمَانِ عِنْدَ تَعَدُّرِ اعْتِبَارِهِ، وَالتَّمْيِيزُ بَينَ الرَّوَائِحِ مُمكِنٌ لِلمُستَدِلٌ، وَإِنَّمَا تَسْتَبِهُ عَلَى الجُهَّالِ. وَأَمَّا الإِقْرَارُ فَالتَّقَادُمُ لَا يُبْطِلُهُ عِنْدَ مُحَمَّد كَمَا فِي حَدِّ الزِّنَا عَلَى مَا مَرَّ تَقْرِيرُهُ. وَعِندَهُمَا: لَا يُقَامُ الحَدُّ إِلَّا عِنْدَ قِيَامِ الرَّائِحَةِ، لِأَنَّ حَدَّ الشَّرْبِ ثَبَتَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَلَا إجمَاعَ إِلَّا بِرَأْيِ ابْنِ مَسْعُود وَقَدْ شَرَطَ قِيَامَ الرَّائِحَةِ عَلَى مَا رَوَينَا. (فَإِنْ أَخَذَهُ الشُّهُودُ وَرِيحُهَا تُوجَدُ مِنهُ أَوْ سَكرَانُ، فَذَهَبُوا بِهِ مِنْ مِصر إِلَى مِصر فِيهِ الإِمَامُ، فَانقَطَعَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنتَهُوا بِهِ حُدَّ فِي قَوْلِهِم جَمِيعًا) لِأَنَّ هَذَا عُذْرٌ كَبُعدِ المَسَافَةِ فِي حَدِّ الزِّنَا وَالشَّاهِدُ لَا يُتَّهَمُ فِي مِثْلِهِ. (وَمَنْ سَكِرَ مِنْ النَّبِيدِ حُدّ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ أَقَامَ الحَدَّ عَلَى أَعْرَابِي سَكِرَ مِنْ مقطوعة يصدق في إقراره، وإلا فلا، والمعنى المحصل؛ احتيال الدرء. قوله: (لأن حد الشرب يثبت بإجماع الصحابة) وإنما أضافه إلى الإجماع مع قوله ﵇: «مَنْ شَرِبَ الخمرَ فاجْلِدوهُ … » الحديث (١)؛ لما أنه من قبيل الآحاد وبمثله لا يثبت الحد، والإجماع حجة قطعية فتثبت به، والشاهد لا يتهم في مثله يعني في صورة زوال الرائحة بالعذر. وفي المحيط (٢): كما لو زالت الرائحة بالمعالجة، والأصل فيه أن قوما شهدوا عند عثمان ﵁ على عقبة بشرب الخمر، وهو كان بالكوفة، فحمله عثمان إلى المدينة وأقام الحد عليه. قوله: (وَمَنْ سَكِرَ مِنَ النَّبِيذِ حُدَّ … ) إلى آخره، وعند الأئمة الثلاثة: كل ما أسكر كثيره فقليله حرام، وله حكم الخمر في الحد، على ما يجيء في الأشربة إن شاء الله تعالى. والمراد بالنبيذ ما غلا واشتد سواء كان من الزبيب والتمر، أو التمر

стр. 3925

النَّبِيذِ. وَسَنُبَيِّنُ الكَلَامَ فِي حَدِّ السُّكرِ وَمِقدَارِ حَدِّهِ المُستَحَقِّ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ وُجِدَ مِنهُ رَائِحَةُ الخَمرِ أَوْ تَقَيَّأَهَا) لِأَنَّ الرَّائِحَةَ مُحْتَمَلَةٌ، والزبيب، أو التمر إذا نقع في الماء ويترك أيامًا حتى تخرج حلاوته إلى الماء ثم يطبخ أدنى طبخة، فما دام حلواً يحل شربه، ولو غلا واشتد وقذف بالزبد على قول أبي حنيفة يحرم ما أسكر دون ما لم يسكر، يعني قليله غير حرام، ويجيء هذا في الأشربة. واختلفوا في وجوب الحد؛ فقال الشافعي ومالك وأحمد والأوزاعي وحسن وقتادة وعمر بن عبد العزيز: كالخمر يحد في قليله وكثيره. وعندنا والنخعي وأبي وائل: لا يحد إلا أن يسكر. وقال أبو ثور من شربه متناولاً فلا حد عليه؛ لأنه مختلف فيه، فأشبه النكاح بلا ولي. قوله: (ومن وجد منه رائحة الخمر) لا حد عليه، وبه قال الشافعي وأحمد في رواية، والثوري. وعن أحمد: يحد في الرائحة، وبه قال مالك؛ لما روي عن عمر ﵁ أنه قال: إني وجدت من عبيد الله ريح شراب، فأقر أنه يشرب الطلاء، فقال عمر: إني سائل عنه، فإن كان سكر جلدته، ولأن الرائحة تدل على شربها، فجرى مجرى الإقرار. وقلنا: الرائحة دليل شرب الخمر دون الطواعية، والحد لا يجب بمجرد الشرب ما لم يكن عن طوع. قوله: (لأن الرائحة محتملة). فإن قيل: هذا مناقض لقوله: (والتمييز بين الروائح) (١) قبل الاستدلال، والتمييز بعد على وجه الاستقصاء، أو التمييز ممكن لمن عاين الشرب، والاحتمال لمن لم يعاينه فكان اعتبار ذلك في حق التقادم. وحديث عمر ﵁ حجة لنا، فإنه لم يحده بوجود الرائحة، ولو وجب ذلك لبادر إليه عمر، مع أنه شاذ ومحتمل، ولا يثبت بمثله الحد، كالبنج
следующие страницы →