← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

بَابُ حَدَّ الشَّرْبِ (وَمَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فَأُخِذَ وَرِيحُهَا مَوجُودَةٌ، أَوْ جَاؤُوا بِهِ سَكرَانَ، فَشَهِدَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَعَلَيهِ الحَدُّ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَقَرَّ وَرِيحُهَا مَوجُودَةٌ) لِأَنَّ جِنَايَةَ الشَّرْبِ إحصانه، حتى يرجم، كما لو قال: وطئها وجامعها عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وبه قالت الأئمة الثلاثة. وقال محمد: لا يثبت إحصانه، فلا يرجم، كما لو شهد أنه قربها أو أتاها؛ لأن الدخول بها يراد به الجماع، ويراد به الخلوة، فلا يثبت الإحصان بالشك. وقلنا: المراد بالدخول بها الجماع عرفًا وشرعًا، قال تعالى: ﴿نِّسَابِكُمُ الَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] والمراد به الجماع بالإجماع. ولو شهد أربعة زناة بامرأة، وأربعة أخرى بامرأة أخرى، فَرَجَمَ، فرجع الفريقان، ضمنوا ديته بالإجماع وحدوا للقذف عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وبه قال أحمد. وقال محمد: لا يحدون، وبه قال الشافعي؛ لأن رجوع كل فريق معتبر في حقه لا في حق غيره، فصار في حق كل فريق كأن الفريق الآخر على شهادته. وقلنا: كل فريق التزم حد القذف على نفسه برجوعه؛ لاعتقاد أنه عفيف قتل ظلما، والمرء مؤاخذ بزعمه، ولو شهدوا على الزنا وأقرَّ به مرة حُدَّ عند محمد، وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لأن البينة وقعت، معتبرة، فلا تبطل بالإقرار. وعند أبي حنيفة وأبي يوسف: لا يحد وهو الأصح؛ لأن شرط قبول البينة الإنكار، وقد عدم، أما لو أقر أربع مرات لا يحد عند علمائنا، وعند الأئمة الثلاثة يحد. باب حد الشرب قدم حد الزنا على الشرب؛ لما أن دعاء الطبع إلى الزنا أكثر عند فرط الشبق، ولهذا ضربه أشد من ضرب الشرب، أو لأن في الزنا قتل النفس كما بينا، وفي شرب الخمر فوات العقل، والعقل كالتابع للنفس. قوله: (فشهد الشهود عليه) أي: على شارب الخمر (بذلك) أي: بشرب الخمر مع وجود الرائحة، أو شهدوا على شرب الخمر مع مجيئهم به وهو

стр. 3922

قد ظَهَرَت وَلَم يَتَقَادَم العَهْدُ. وَالأَصلُ فِيهِ قَولُهُ ﵊: سكران، ولكن الروايات في الشروح مقيدة بوجود الرائحة في حق وجوب الحد على شارب الخمر عندهما، سواء ثبت وجود الحد بالشهادة أو بالإقرار، غير أن وجودها عندهما في الشهادة يشترط عند التحمل لا حالة الأداء، إليه أشار في الكتاب بقوله: (فشهد الشهود عليه … ) إلى آخره. وعن محمد: لا يشترط، وبه قالت الأئمة الثلاثة، والأصل أن التقادم في هذا الحد يمنع قبول الشهادة عند علمائنا الثلاثة، غير أنه قدر التقادم عندهما بذهاب الرائحة، وعند محمد قدر بالزمان كما في حد الزنا والسرقة. يقال: اسْتَنْكَهْتُ الشارب، ونَكَهْتُه: تَشَمَّمْتُ نَكْهَتَه، أي: رِيحَ فَمِهِ، ونَكَهَ الشارب في وجهي أيضًا: إذا تَنَفَّسَ، يَتَعَدَّى ولا يَتَعَدَّى، وهو من باب (مَنَعَ). والمُدَامَة والمُدَام: الخمر على وزن الفعل من الدَّوْم يُرْوَى الشعرُ بروايتين: بدون كلمة (قد) بإظهار الهمزة في (إِنْكَهُ): [البحر الطويل]. يَقُولُونَ لِي إِنْكَهُ، شَرِبْتَ مُدَامَةً … والأخرى: بكلمة (قد) من غير إظهار الهمزة: [البحر الطويل]. يَقُولُونَ لِي انْكَهُ، قَدْ شَرِبْتَ مُدَامَةً … فرواية المغرب (١) نهاية بزيادة (قد). وقال آخر: سَفَرْجَلَةٌ تَحْكِي ثُدِيَّ النَّوَاهِدِ … لَها عَرْفُ ذِي فِسْقٍ وصُفْرَةُ رَاهِدِ (٢) وهما يتعلقان بحديث ابن مسعود، روي أن رجلاً جاء بابن أخ له إلى ابن مسعود، فأقر عنده بشرب الخمر، فقال ابن مسعود: بئس والي اليتيم أنت، لا أدبته صغيرًا ولا سترته كبيرًا، فقال: تَلْتِلُوهُ وَمَزْمِزُوهُ وَاسْتَنْكِهُوهُ، فإن وجدتم رائحة الخمر فاجلدوه. كذا في جامع العتابي (٣).

стр. 3923

«مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فَاجلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ». (وَإِنْ أَقَرَّ بَعدَ ذَهَابِ رَائِحَتِهَا لَم يُحَدَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُحَدُّ) (*) وَكَذَلِكَ إِذَا شَهِدُوا عَلَيْهِ بَعدَ مَا ذَهَبَ رِيحُهَا وَالسُّكرُ لَم يُحَدَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُحَدُّ، فَالتَّقَادُمُ يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ بِالاتِّفَاقِ، غَيْرَ أَنَّهُ مُقَدَّرُ بِالزَّمَانِ عِندَهُ اعْتِبَارًا بِحَدِّ الزِّنَا، وَهَذَا لِأَنَّ التَّأخِيرَ يَتَحَقَّقُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، وَالرَّائِحَةُ قَدْ تَكُونُ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا قِيلَ: يَقُولُونَ لِي: إِنَّكَ شَرِبتَ مُدَامَا … فقلت لهم: لا بَلْ أَكَلْتُ السَّفَرجَلَا التلتلة والترترة التحريك والمزمزة: التحريك بعنف والاستنكاه طلب النكهة. وعن عمر ﵁ أنه أُتِي برجل قد شرب الخمر بعدما ذهبت رائحته، واعترف به، فعزره ولم يحده. فإن قيل: هذا استدلال بنفي الحكم عند عدم الشرط، وهو فاسد عندنا. قلنا: لا بل هذا استدلال بعدم الإجماع؛ لأن حديث الشرب يثبت بإجماع الصحابة، فلا يحد. فإن قيل: إن لم يوجد الإجماع فقد وجد النص، وهو قوله ﵇: «مَنْ شَرِبَ الخمرَ فاجلدوه» الحديث رواه أبو داود (١) بلا قيد اشتراط الرائحة. قلنا: خص منه الشرب اضطرارًا وإكراها، فتمكنت الشبهة، فلا يصح إيجاب الحد به. (عند حد اعتباره) (٢) أي: اعتبار قيام الأثر. وفي الذخيرة والمبسوط (٣) والمحيط: المعنى فيه أنه أقر على نفسه بحق، ويُصَدِّق إقراره علامة، وهي الرائحة، فوجب أن يشترط وجوب تلك العلامة لتصديقه في إقراره، فَقِسٌ على ما إذا أقر بـ (قطعت يد فلان) فإن كان يد فلان

стр. 3924

وَعِندَهُمَا: يُقَدَّرُ بِزَوَالِ الرَّائِحَةِ، لِقَولِ ابنِ مَسْعُود: فَإِنْ وَجَدتُم رَائِحَةَ الخَمرِ فَاجْلِدُوهُ. وَلِأَنَّ قِيَامَ الأَثَرِ مِنْ أَقوَى دَلَالَة عَلَى القُربِ، وَإِنَّمَا يُصَارُ إِلَى التَّقْدِيرِ بِالزَّمَانِ عِنْدَ تَعَدُّرِ اعْتِبَارِهِ، وَالتَّمْيِيزُ بَينَ الرَّوَائِحِ مُمكِنٌ لِلمُستَدِلٌ، وَإِنَّمَا تَسْتَبِهُ عَلَى الجُهَّالِ. وَأَمَّا الإِقْرَارُ فَالتَّقَادُمُ لَا يُبْطِلُهُ عِنْدَ مُحَمَّد كَمَا فِي حَدِّ الزِّنَا عَلَى مَا مَرَّ تَقْرِيرُهُ. وَعِندَهُمَا: لَا يُقَامُ الحَدُّ إِلَّا عِنْدَ قِيَامِ الرَّائِحَةِ، لِأَنَّ حَدَّ الشَّرْبِ ثَبَتَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَلَا إجمَاعَ إِلَّا بِرَأْيِ ابْنِ مَسْعُود وَقَدْ شَرَطَ قِيَامَ الرَّائِحَةِ عَلَى مَا رَوَينَا. (فَإِنْ أَخَذَهُ الشُّهُودُ وَرِيحُهَا تُوجَدُ مِنهُ أَوْ سَكرَانُ، فَذَهَبُوا بِهِ مِنْ مِصر إِلَى مِصر فِيهِ الإِمَامُ، فَانقَطَعَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنتَهُوا بِهِ حُدَّ فِي قَوْلِهِم جَمِيعًا) لِأَنَّ هَذَا عُذْرٌ كَبُعدِ المَسَافَةِ فِي حَدِّ الزِّنَا وَالشَّاهِدُ لَا يُتَّهَمُ فِي مِثْلِهِ. (وَمَنْ سَكِرَ مِنْ النَّبِيدِ حُدّ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ أَقَامَ الحَدَّ عَلَى أَعْرَابِي سَكِرَ مِنْ مقطوعة يصدق في إقراره، وإلا فلا، والمعنى المحصل؛ احتيال الدرء. قوله: (لأن حد الشرب يثبت بإجماع الصحابة) وإنما أضافه إلى الإجماع مع قوله ﵇: «مَنْ شَرِبَ الخمرَ فاجْلِدوهُ … » الحديث (١)؛ لما أنه من قبيل الآحاد وبمثله لا يثبت الحد، والإجماع حجة قطعية فتثبت به، والشاهد لا يتهم في مثله يعني في صورة زوال الرائحة بالعذر. وفي المحيط (٢): كما لو زالت الرائحة بالمعالجة، والأصل فيه أن قوما شهدوا عند عثمان ﵁ على عقبة بشرب الخمر، وهو كان بالكوفة، فحمله عثمان إلى المدينة وأقام الحد عليه. قوله: (وَمَنْ سَكِرَ مِنَ النَّبِيذِ حُدَّ … ) إلى آخره، وعند الأئمة الثلاثة: كل ما أسكر كثيره فقليله حرام، وله حكم الخمر في الحد، على ما يجيء في الأشربة إن شاء الله تعالى. والمراد بالنبيذ ما غلا واشتد سواء كان من الزبيب والتمر، أو التمر

стр. 3925

النَّبِيذِ. وَسَنُبَيِّنُ الكَلَامَ فِي حَدِّ السُّكرِ وَمِقدَارِ حَدِّهِ المُستَحَقِّ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ وُجِدَ مِنهُ رَائِحَةُ الخَمرِ أَوْ تَقَيَّأَهَا) لِأَنَّ الرَّائِحَةَ مُحْتَمَلَةٌ، والزبيب، أو التمر إذا نقع في الماء ويترك أيامًا حتى تخرج حلاوته إلى الماء ثم يطبخ أدنى طبخة، فما دام حلواً يحل شربه، ولو غلا واشتد وقذف بالزبد على قول أبي حنيفة يحرم ما أسكر دون ما لم يسكر، يعني قليله غير حرام، ويجيء هذا في الأشربة. واختلفوا في وجوب الحد؛ فقال الشافعي ومالك وأحمد والأوزاعي وحسن وقتادة وعمر بن عبد العزيز: كالخمر يحد في قليله وكثيره. وعندنا والنخعي وأبي وائل: لا يحد إلا أن يسكر. وقال أبو ثور من شربه متناولاً فلا حد عليه؛ لأنه مختلف فيه، فأشبه النكاح بلا ولي. قوله: (ومن وجد منه رائحة الخمر) لا حد عليه، وبه قال الشافعي وأحمد في رواية، والثوري. وعن أحمد: يحد في الرائحة، وبه قال مالك؛ لما روي عن عمر ﵁ أنه قال: إني وجدت من عبيد الله ريح شراب، فأقر أنه يشرب الطلاء، فقال عمر: إني سائل عنه، فإن كان سكر جلدته، ولأن الرائحة تدل على شربها، فجرى مجرى الإقرار. وقلنا: الرائحة دليل شرب الخمر دون الطواعية، والحد لا يجب بمجرد الشرب ما لم يكن عن طوع. قوله: (لأن الرائحة محتملة). فإن قيل: هذا مناقض لقوله: (والتمييز بين الروائح) (١) قبل الاستدلال، والتمييز بعد على وجه الاستقصاء، أو التمييز ممكن لمن عاين الشرب، والاحتمال لمن لم يعاينه فكان اعتبار ذلك في حق التقادم. وحديث عمر ﵁ حجة لنا، فإنه لم يحده بوجود الرائحة، ولو وجب ذلك لبادر إليه عمر، مع أنه شاذ ومحتمل، ولا يثبت بمثله الحد، كالبنج

стр. 3926

وَكَذَا الشُّربُ قَدْ يَقَعُ عَنْ إكرَاءٍ أَوْ اضْطِرَارٍ (وَلَا يُحَدُّ السَّكَرَانُ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ سَكِرَ مِنْ النَّبِيدِ وَشَرِبَهُ طَوعًا) لِأَنَّ السُّكرَ مِنْ المُبَاحِ لَا يُوجِبُ الحَدَّ كَالبَنجِ وَلَبَنِ الرِّمَاكِ، وَكَذَا شُربُ المُكرَهِ لَا يُوجِبُ الحَدَّ (وَلَا يُحَدُّ حَتَّى يَزُولَ عَنهُ السُّكرُ) تَحْصِيلا لِمَقْصُودِ الانزِجَارِ. (وَحَدُّ الخَمْرِ وَالسُّكرِ فِي الحُرِّ ثَمَانُونَ سَوطًا) لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ﵃ (يُفَرَّقُ ولبن الرماك، وبه قالت الأئمة الثلاثة. وفي النهاية (١): هذا مخالف لما ذكره الإمام المحبوبي في جامعه، وعن أبي حنيفة أن من زال عقله بالبنج، إن عُلم أنه بالبنج حين أكل - يقع طلاقه وعتاقه، وإن لم يعلم لا يقع. ثم قال (٢): والسكر من هذه الأشربة، وأشار إلى الأشربة المتخذة من الحبوب، كالحنطة والشعير والذرة والشهد والعسل والفرصاد وغيرها، حرام بالإجماع؛ لأن السكر من البنج حرام مع أنه مأكول غير مشروب، فمن المشروب أولى. وبعض المشايخ قال: في زماننا الفتوى على ما إذا سكر من البنج يقع طلاقه ويُحَدُّ؛ لِفُشُو هذا الفعل فيما بين الناس. قوله: (وَلَا يُحَدُّ حَتَّى يَزُولَ عَنْهُ السُّكْرُ) وبه قالت الأئمة الثلاثة (تحصيلا لمقصود الانزجار) وذلك بالتألم؛ ليتأدب به، والظاهر أنه لم يتألم في حال السكر؛ لأنه ربما يتوهم أن الضارب يمازحه، وتأخير الحد بعذر جائز. كما في المبسوط. قوله: (وحد الخمر والسكر) بضم السين وسكون الكاف، أي: السكر من غير الخمر؛ إذ في الخمر غير موقوف إلى السكر بالإجماع، وفي غيرها من المسكرات موقوف على السُّكر عندنا، خلافًا للأئمة الثلاثة، وسيجيء في الأشربة إن شاء الله تعالى. (ثمانون سوطا) وبه قال مالك، وأحمد في رواية، واختاره ابن المنذر.

стр. 3927

عَلَى بَدَنِهِ كَمَا فِي حَدِّ الزِّنَا) عَلَى مَا مَرَّ ثُمَّ يُجَرَّدُ فِي المَشْهُودِ مِنْ الرِّوَايَةِ. وَعَنْ مُحَمَّد: أَنَّهُ لَا يُجَرَّدُ إظهارا لِلتَّخْفِيفِ، لِأَنَّهُ لَم يَرِد بِهِ نَصُّ. وَوَجهُ المَشْهُورِ: أَنَّا أظهرنا التخفِيفَ مَرَّة فَلَا يُعتَبَرُ ثَانِيًا وقال الشافعي وأحمد في رواية: أربعون، فلو ضرب قريبا من ذلك بأطراف الثياب والنعال كفى على أصح الوجهين عنده، ولو رأى الإمام أن يجلده ثمانين جاز على الأظهر؛ لما روي أنه ﵇ أُتي بشارب الخمر فقال: «اضربوه» فضربوه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، وحثوا عليه التراب، ثم قال: «يَكْتُوهُ (١) فَبَكَّتُوهُ، ثم أرسله (٢). وضرب أبو بكر ﵁ أربعين في الخمر حياته، ثم عمر ﵁، ثم تتابع الناس في الخمر، فضربه ثمانين، وفي وجه عنده: يتعين الجلد بالسياط؛ لما روي عن عمر وعلي الجلد بالسوط، واستقر الأمر عليه. ولنا إجماع الصحابة في زمن عمر، فإنه روي أن عمر استشار الناس في حد الخمر، فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعله كأحد الحدود ثمانين سوطا، وقال علي في المشورة: إذا سكر هَذَى، وإذا هذى افترى، فَحُدَّهُ حَدَّ الافتراء. رواه الجوزجاني والدارقطني وغيرهما، فضرب ثمانين. وكتب عمر إلى خالد وأبي عبيدة بالشام، وروي أنه لما أتي بالشارب عند النبي ﷺ كان عنده أربعون رجلًا فأمَرهُمْ أن يضرِبَه كلُّ واحدٍ بنعلَيهِ» (٣) وجعل ذلك عمر ثمانين سوطًا، فأجمع الصحابة على العمل به، واستقر الأمر على ذلك. كذا في المبسوط (٤) والأسرار. وما رُوي عن عثمان وعلي قبل اجتماعهم على الثمانين. قوله: (وعن محمد أنه لا يجرد) وبه قالت الأئمة الثلاثة (إظهارا للتخفيف) لأنه لم يثبت بالنص القاطع، كذا قيل. قوله: (أظهرنا التخفيف مرة) ينتقص العدد عن حد الزنا (فلا يعتبر ثانيا) من

стр. 3928

(وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَحَدُّهُ أَرْبَعُونَ سَوطًا) لِأَنَّ الرِّقَّ مُتَّصِفٌ عَلَى مَا عُرِفَ. (وَمَنْ أَقَرَّ بِشُربِ الخَمرِ أَوِ السَّكَرِ، ثُمَّ رَجَعَ لَم يُحَدَّ) لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقٌّ اللَّهِ تَعَالَى (وَيَثْبُتُ الشُّربُ بِشَهَادَةِ شَاهِدَينِ وَيَثْبُتُ بِالإِقْرَارِ مَرَّة وَاحِدَة) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يَشْتَرِطُ الإِقْرَارَ مَرَّتَيْنِ (*)، أو وَهُوَ نَظِيرُ الاختِلافِ فِي السَّرِقَةِ، وَسَنُبَيِّنُهَا: هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ (وَلَا تُقبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ) لِأَنَّ فِيهَا شُبْهَةَ البَدَلِيَّةِ وَتُهِمَةَ الضَّلَالِ وَالنِّسيَانِ. حيث الصفة بترك التجريد. قوله: (وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَحَدُّهُ أَرْبَعُونَ)، كل من قال بأن حد الحر ثمانون وكل من قال بأن حد الحر أربعون فحد العبد عشرون عنده، وهذا ظاهر. قوله: (من أقر بشرب الخمر والسَّكَر) بفتح السين والكاف؛ لأن شرب السكر، بضم السين، مما لا يصح. وفي المغرب (١): السكر، بفتحتين: عصير الرطب إذا اشتد، وهو في الأصل مصدر (سَكِرَ) من الشراب، سُكْرًا وسَكَرًا. وقيل: يجوز بضم السين، أي: أقر بالسُّكْر من الأشربة غير الخمر؛ إذ السكر شرط فيها عندنا. (ثم رجع) أي: عن الإقرار (لم يُحَدَّ) بالإجماع. قوله: (بالإقرار مرة واحدة) وبه قال عامة أهل العلم إلا رواية عن أبي يوسف. قوله: (ولا تقبل شهادة النساء مع الرجال ولا نعلم فيه خلافًا لأن فيها) أي: شهادة النساء (شبهة البدلية) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فاعتبر شهادة النساء مع الرجال عند عدم نصاب الرجال، ولم يرد به حقيقة بالإجماع، فأورث ظاهره شبهة، كما بين في الأصول. (وتهمة الضلال) لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَثَهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَثَهُمَا الْأُخْرَى﴾

стр. 3929

(وَالسَّكَرَانُ الَّذِي يُحَدُّ هُوَ الَّذِي لَا يَعْقِلُ مَنطِقا، لَا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، وَلَا يَعْقِلُ الرَّجُلَ مِنْ المَرأَةِ) قَالَ العَبدُ الضَّعِيفُ: (وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: هُوَ الَّذِي يَهذِي وَيَخْتَلِطُ كَلَامُهُ) لِأَنَّهُ هُوَ السَّكَرَانُ فِي العُرفِ، وَإِلَيْهِ مَالَ أَكثَرُ المَشَايِخِ. [البقرة ٢٨٢] وفي الكشاف (١): أن تضل، أي: لا تهتدي إحداهما للشهادة، بأن تنساها، من: ضل الطريق، إذا لم يهتد إليه. وفي التيسير: الضلال: النسيان، وقوله: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَثَهُمَا﴾ [البقرة ٢٨٢] أي: تزيل نسيانها. قوله: (وَالسَّكْرَانُ الَّذِي يُحَدُّ هُوَ … . إلى آخره، وهذا في الأشربة المحرمة سوى الخمر؛ لأن الحد في غيرها يتعلق بالسكر، وفي الخمر بشرب قطرة. وفي الفوائد الظهيرية (٢): قال أبو حنيفة: السكران هو الذي لا يعقل منطقا قليلًا ولا كثيرًا، ولا يعقل الرجال من النساء، ولا الأرض من السماء، ولا الفرو من القباء، وإنما قال: (وهذا عند أبي حنيفة) لأن الذي ذكره: (والسكران الذي يحد) إلى هذا - لفظ الجامع الصغير من غير ذكر خلاف، فبين المصنف الخلاف. قوله: وقالا هو الذي يهذي … إلى آخره، وبقولهما قال الشافعي وأحمد ومالك وأبو ثور هو الذي يهذي) أي: غالب كلامه الهذيان، فإن كان نصف كلامه هذيانا ونصفه مستقيما فليس بسكران؛ لأن السكران في العرف من اختلط كلامُهُ جِدُّهُ بِهَزْلِهِ، ولا يستقر على شيء. كذا في جامع قاضي خان، وتَأَيَّدَ ذلك بقول علي ﵁: إذا سكر هذى … إلى آخره. وعن ابن الوليد: سألت أبا يوسف عن السكران الذي عليه الحد أن يستقرأ ﴿قُلْ يَتَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ولا يقدر عليه، فقلت له: كيف عينت هذه السورة، وربما أخطأ فيها الصاحي، قال: لأن تحريم الخمر نزل فيمن شرع فيها فلم يستطع قراءتها. وحكي عن أئمة بلخ: اتفقوا على استقراء هذه السورة، ثم إن بعض الشرط

стр. 3930

وَلَهُ: أَنَّهُ يُؤْخَذُ فِي أَسبَابِ الحُدُودِ بِأَقصَاهَا دَرْءاً لِلحَدٌ. وَنِهَايَةُ السَّكَرَانِ يَغْلِبُ السُّرُورُ عَلَى العَقلِ فَيَسلُبُهُ التَّمِيزَ بَينَ شَيْءٍ وَشَيْءٍ، وَمَا دُونَ ذَلِكَ لَا يَعرَى عَنْ شُبْهَةِ الصحو، وَالمُعتَبَرُ فِي القَدَحِ المُسكِرُ فِي حَقِّ الحُرمَةِ مَا قَالَاهُ بِالإِجْمَاعِ، أَخذَا بالاحتِيَاطِ، وَالشَّافِعِيُّ يَعتَبِرُ ظُهُورَ أَثَرِهِ فِي مِشيَتِهِ وَحَرَكَاتِهِ وَأَطْرَافِهِ وَهَذَا مِمَّا يَتَفَاوَتُ فَلَا مَعنَى لِاعْتِبَارِهِ. (وَلَا يُحَدُّ السَّكَرَانُ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ) أتى بسكران إلى أمير بلخ، فأمره الأمير أن يقرأ هذه السورة، فقال السكران: اقرأ أنت سورة الفاتحة، فلما قال الأمير: الحمد لله، قال له السكران: قف، أخطأت من وجهين. أحدهما: أنك تركت التعوذ عند افتتاح القراءة. والثاني: تركت التسمية، وهي آية من الفاتحة عند بعض الأئمة والقراء، فخجل الأمير وجعل يضرب الشرطي ويقول: أمرتك أن تأتيني بسكران فأتيتني بمقرئ بلخ. وقوله: (وله) أي: لأبي حنيفة أن الحد عقوبة فاعتبرت النهاية في سببه احتيالا للدرء ونهاية السكر، إلى آخره، يؤيده قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] عبر عن الصحو بعلم ما يقولون، فكان السكر الذي هو ضده أن لا يعلم ما يقول، ولهذا يقول في السكر الذي يحرم عنده الشرب أن المعتبر اختلاط الكلام، وفي الحد يؤخذ بالاحتياط في الدرء، فتعتبر النهاية، وهذا معنى قوله: (أخذاً بالاحتياط) أي: في الصورتين. قوله: (وهذا) أي: ظهور الأثر في المشية (مما يتفاوت) فإن السكران ربما لا يتمايل في مشيته، والصاحي ربما يزلق أو يعثر في مشيته، فَيُرَى التمايل منه، فلم يكن ظهور الأثر في المشية دليلا على السكر. قوله: (وَلَا يُحَدُّ السَّكْرَانُ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ) أي: في الحدود الخالصة، كحد الزنا وحد الشرب وحد السرقة، ولكن يضمن المسروق، ذكره في جامع العتابي (١).

стр. 3931

لِزِيَادَةِ احْتِمَالِ الكَذِبِ فِي إِقْرَارِهِ فَيَحْتَالُ لِدَرئِهِ، لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ حَدٌ القَدْفِ، لِأَنَّ فِيهِ حَقَّ العَبدِ، وَالسَّكَرَانُ فِيهِ كَالصَّاحِي عُقُوبَة عَلَيْهِ، كَمَا فِي سَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ، وَلَو ارتَدَّ السَّكرَانُ لَا تَبِينُ مِنهُ امْرَأَتُهُ، لِأَنَّ الكُفْرَ مِنْ بَابِ الِاعْتِقَادِ فَلَا يَتَحَقَّقُ مَعَ السُّكر، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد (*) رحمهما الله، وفي ظاهر الرواية تكون ردة وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وقيد بالإقرار؛ لأنه لو زنى وسرق في حالة السكر يحد بعد الصحو، بخلاف الإقرار. ذكره في الذخيرة (١). قوله: (لِزِيَادَةِ احتمال الكذب) لأنه يخيل العقل لا يقرّ على ما يقرّ، فكان السكر دليل الرجوع، ولأنه يتكلم صادقا وكاذبًا لسكره، بخلاف حد القذف فإنه يحبس حتى يصحو، ثم يحد للقذف، ثم يحبس حتى يخف منه الضرب، ثم يحد للسكر. ذكره في المبسوط (٢). (لأن فيه) أي: في حد القذف (حق العبد) وكذا في القصاص وسائر الحقوق، وحق العبد لا يبطل بصريح الرجوع، فكيف بدليل الرجوع! فألحق بالصاحي فيها كما في سائر الحقوق من الإقرار بالمال والطلاق والعتاق وغيرها. قوله: (فلا يتحقق) أي: الاعتقاد مع السكر. فإن قيل: الإسلام أيضًا من باب الاعتقاد، ويصح الإسلام حالة السكر، ولأن الكفر يتحقق مع إجراء كلمة الكفر طوعا وإن لم يتبدل اعتقاده في الصاحي، فعلم أن وجود الكفر لا يتوقف على تبدل الاعتقاد. قلنا: السكران يميز بدليل توجه الخطاب عليه، وصحة طلاقه وعتاقه وسائر تصرفاته مع السكر؛ لأن السكر يختلط عقله ولا يتقيد، فاعتبرنا ذلك القدر من التمييز في إسلامه دون كفره؛ لأن الإسلام يعلو ولا يُعلى، كما في المكره، فإن إسلامه يصح دون ارتداده بدلل ما ذكر في التيسير في قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَرَى﴾ الآية.

стр. 3932

بَابُ حَدِّ القَدْفِ وقال: فيه دليل على أن ردة السكران غير معتبرة؛ لما أن نزولها في شأن عبد الرحمن بن عوف، فإنه صنع طعامًا ودعا بعض الصحابة فأكلوا وسقاهم خمرا، وكان ذلك قبل تحريمها، فأمَّهم في صلاة المغرب عبد الرحمن أو غيره وقرأ ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ الآية فطرح اللات مع أن اعتقادها كفر، ولم يكن ذلك كفرًا من ذلك القارئ - عُلِم أن السكران لا يكفر بما جرى على لسانه من ذلك الكفر. وفي الصاحي إنما جعل كفرًا بمجرد اللفظ؛ لوجود دليل الاستخفاف في الدين؛ لثبات عقله، أما في حق السكران فليس باستخفاف منه فيه؛ لاختلاط عقله، وما ذكره في الكتاب جواب الاستحسان، وفي القياس: تبين امرأته. ذكره في سير المبسوط (١). باب حد القذف وقد ذكرنا وجه تأخيره عن حد الشرب. القذف لغة: الرمي مطلقا. وفي الشرع: الرمي بالزنا، فكأن القاذف وضع حجر القذف في مقدمة لسانه ورم به إلى المقذوف. والقذف من الكبائر بإجماع الأمة؛ لقوله ﵇: «اجتنبوا السبع (٢) المُوبِقَاتِ»، قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: «الشَّرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله، وأكلُ الرِّبا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المُحصنات المؤمنات الغافلات». متفق عليه (٣). وروي أنه ﵇ قال: «من أقام الصلوات الخمس، واجتنب السبع الكبائر نودِيَ يوم القيامة ليدخُلَ من أي أبواب الجنة شاء» وذكر منها قذف

стр. 3933

(وَإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ رَجُلا مُحصَنًا أو امرأة مُحْصَنَة بِصَرِيحِ الزِّنَا، وَطَالَبَ المحصنات (١). ويتعلق به الحد بالإجماع، وبقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] والمراد الرمي بالزنا دون غيره من المعاصي بإجماع العلماء، وفي الآية إشارة إليه حيث قال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ﴾ [النور: ١٣]، والزنا هو المختص بأربعة شهداء، والنص وإن ورد في المحصنات لكن الحكم يثبت في المحصنين دلالةً؛ إذ الوجوب لدفع العار، وذا يتحقق في الكل، وخصهن لأن القذف في الأغلب يقع لهن. والمراد من المحصنات: العفائف من الزنا، بدليل قوله ﵇: «المُحصَناتُ المُؤمِنَاتُ الغافلات» أي: عن الزنا. قوله: (محصنة) وشرائط الإحصان خمسة: العقل، والحرية، والبلوغ، والإسلام، والعفة عن الزنا، وبه اتفق العلماء، إلا ما روي عن داود الظاهري أنه أوجب الحد على قاذف العبد. وعن ابن المسيب وابن أبي ليلى: يحد بقذف الذمية التي لها ولد مسلم. وعن أحمد في رواية: لا يشترط البلوغ، بل يشترط أن تكون بحيث تجامع، وفي الأصح: يشترط كالعامة. وبقوله: (بصريح الزنا) يحترز عن القذف بالكناية والتعريض، بأن قال لرجل: يا زاني، فقال الآخر: صدقت، أو قال: ما أبي بزان ولا أمي بزانية، فإنه لا يجب حد القذف، وبه قال الشافعي وأحمد، والثوري، وابن شبرمة، والحسن بن صالح. وقال مالك، وأحمد في رواية: يحد في التعريض؛ لما روي [الزهري] (٢)، عن ابن سالم (٣)، عن ابن عمر قال: كان عمر يضرب الحد في التعريض.

стр. 3934

المَقذُوفُ بِالحَدِّ، حَدَّهُ الحَاكِمُ ثَمَانِينَ سَوطًا إِنْ كَانَ حُرًّا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] الآيَةَ، وَالمُرَادُ: الرمي بِالزِّنَا بِالإِجْمَاعِ، وَفِي النَّصِّ إِشَارَةٌ إِلَيْهِ وَهُوَ اشْتِرَاطُ أَربَعَة مِنْ الشُّهَدَاءِ إِذْ هُوَ مُختَصُّ بِالزِّنَا، وَيُشْتَرَطُ مُطَالَبَةُ المَقذُوفِ، لِأَنَّ فِيهِ حَقَّهُ مِنْ حَيثُ دَفَعُ العَارِ وعن علي ﵁ أنه جلد رجلًا في التعريض، ولأن المراد بالتعريض القذف عرفا، فجرى مجرى الصريح، ولأن الكناية مع القرينة كالصريح في إفادة الحكم، كما في الطلاق والعتاق. ولنا ما روي أن رجلًا قال للنبي ﷺ : إن امرأتي ولدت غلاما أسودا (١)، تعريضًا بنفيه، فلم يلزمه بذلك حد ولا غيره، ولأنه تعالى فرق بين التعريض في الخطبة والتصريح بها، فأباح التعريض في العدة وحرم التصريح، فقال: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِن لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥] أي: نكاحًا، فكذا في القذف. ولأنه تعالى أوجب الحد في الرمي بالزنا، فلم يجز لنا إيجابه بغيره، ولا يمكن إلحاقه دلالة؛ لأن في الكناية دون التصريح في الدلالة؛ لما فيه احتمال، ولهذا روي أن عمر ﵁ شاور الصحابة المخالفة، ولو لم يكن فيه احتمال لما احتاج إلى المشاورة، وذكر أبو بكر عبد العزيز أن أبا عبد الله رجع عن القول بوجوب الحد في التعريض. قوله: (وَيُشْتَرَطُ مُطَالَبَةُ الْمَقْذُوف)، ولا نعلم فيه خلافًا. فإن قيل: قيد القذف بصريح الزنا، وقد يثبت بنفي نسب غيره كما يجيء، وشرط مطالبة المقذوف بالحد، وهو ليس بشرط أيضًا، فإنه إذا طالب غير المقذوف ممن يقع القذف في نسبه كالابن يحد، وينبغي ألا يشترط المطالبة عندنا؛ لأن المغلب فيه حق الله تعالى، كما يجيء إن شاء الله تعالى. وأيضا قال: إذا قذف المحصن أو المحصنة ولا يجب الحد، كما إذا قذف الأخرس المحصن أو المجنون المحصن والرتقاء المحصنة، والرواية في

стр. 3935

وَإِحْصَانُ المَقذُوفِ لِمَا تَلُونَا. قَالَ: (وَيُفَرَّقُ عَلَى أَعضَائِهِ) لِمَا مَرَّ فِي حَدِّ الزِّنَا (وَلَا يُجَرَّدُ مِنْ ثِيَابِهِ) لِأَنَّ سَبَبَهُ غَيْرُ مَقطوع فَلَا يُقَامُ عَلَى الشَّدَّةِ، بِخِلَافِ حَدّ الزِّنَا (غَيْرَ أَنَّهُ يُنزَعُ عَنْهُ الفَروُ وَالحَشْوُ) لِأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ إِيصَالَ الأَلَمِ بِهِ وَإِنْ كَانَ القَاذِفُ عَبْدًا جُلِدَ أَرْبَعِينَ سَوطًا لِمَكَانِ المبسوط (١). قيل في جوابه: واحتُرز بالصريح عن الكناية كما ذكرنا، وفي نفي النسب إنما يجب الحد؛ لأن الزنا يثبت بطريق الاقتضاء، فكان كالصريح؛ إذ الثابت بالاقتضاء كالثابت بالعبارة، ومطالبة من يقع القدح في نسبه كمطالبة المقذوف؛ لقيامه مقامه، فأخذ حكمه، وحق العبد وإن كان مغلوبًا فيه يشترط مطالبته احتيالًا لدرء الحد، وقاذف الأخرس لا يحد؛ لأنه لو كان ينطق ربما يصدق القاذف. وأما في المجنون والرتقاء لا يحد؛ لعدم لحوق الشَّيْن والعار بقذفهما بالزنا؛ لأن الزنا لا يتحقق منهما إما شرعًا، كما في المجنون؛ لعدم الخطابفي حقه، وإما حقيقة، كما في الرتقاء، كما في حد الزنا. قوله: (لما مر في حد الزنا) وقد بينا الخلاف. (ولا يجرد من ثيابه) إلا على قول مالك (لأن سببه) أي: سبب حد القذف (غير مقطوع به) لاحتمال أنه صادق وإن عجز عن إقامة البينة، فلا يقام على الشدة. قوله: (بخلاف حد الزنا) حيث يجرد عن ثيابه؛ لأن سببه معاين بالبينة أو بالإقرار، وهاهنا بعد ثبوت القذف بالبينة أو الإقرار يتوقف إقامة الحد على الشدة إلى معنى آخر، وهو كذبه في النسبة إلى الزنا، وهو غير متيقن به. قوله: (وَإِنْ كَانَ الْقَاذِفُ عَبْدًا جُلِدَ أَرْبَعِينَ) وبه قال أكثر أهل العلم، وقال قبيصة وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي: يجلد ثمانين؛ لعموم الآية، وعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه جلده ثمانين.

стр. 3936

(الرِّقِّ وَالإِحْصَانُ: أَنْ يَكُونَ المَقذُوفُ حُرًّا عَاقِلًا بَالِغُا مُسْلِمًا عَفِيفًا عَنْ فِعْلِ الزِّنَا) أَمَّا الحُرِّيَّةُ فَلِأَنَّهُ يُطلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الإِحْصَانِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] أَي الحَرَائِرِ، وَالعَقِلُ وَالبُلُوغُ، لِأَنَّ العَارَ لَا يَلْحَقُ بِالصَّبِيِّ وَالمَجنُونِ لِعَدَمِ تَحَقَّقِ فِعلِ الزِّنَا مِنْهُمَا، وَالإِسْلَامُ لِقَولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ للعامة قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] والإجماع منقول عن الصحابة على ذلك، وقد عيب على أبي بكر بن عمرو بن حزم جلده العبد ثمانين، وكذا عمر بن عبد العزيز، والآية مخصوصة بالإجماع. قوله: (والإحصان) إلى آخره، وقد بينا شرائطه والخلاف فيه. قوله: (يُطلق عليه اسم الإحصان) قال تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ﴾ الآية. فإن قيل: المحصنات في القرآن جاءت بأربع معان، أحدها: بمعنى العفائف، والثاني: بمعنى الحرائر، والثالث: بمعنى الزوجات ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] والرابع: بمعنى الإسلام، قال تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] قال ابن مسعود: إحصانها: إسلامها. قلنا: فيمكن أن يكون العبد محصنًا بجهة، وغير محصن بجهة، فكيف يلزم أن تكون الحرية شرط الإحصان القذف؟. قلنا: فلما لم يكن العبد محصنًا من جهة لا يدخل تحت الآية؛ لقصوره فيه، وعليه أجمع الفقهاء، وقد بينا في إحصان الزنا. قوله: (لعدم تحقق فعل الزنا منهما) أي: من الصبي والمجنون، وبقولنا قال الشافعي وأحمد ومالك، إلا أن مالكًا قال في الصبية التي يجامع مثلها: يحد قاذفها وإن لم تكن محصنة. فإن قيل: لو لم يتحقق منهما فعل الزنا ينبغي أن يجب الحد على قاذف مجنون زنى حالة جنونه، وحيث لا يجب وإن كان قذفه بعد الإفاقة. ذكره في المبسوط. قلنا: معنى قوله: (لم يتحقق) أي: لم يتحقق الزنا الموجب للإثم؛ لعدم

стр. 3937

وَالسَّلَامُ: «مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ فَلَيْسَ بِمُحصَن» وَالعِفَّةُ لِأَنَّ غَيْرَ العَفِيفِ لَا يَلْحَقُهُ العَارُ، وَكَذَا الْقَاذِفُ صَادِقٌ فِيهِ. (وَمَنْ نَفَى نَسَبَ غَيْرِهِ فَقَالَ: لَستَ لِأَبِيكَ، فَإِنَّهُ يُحَدُّ) وَهَذَا إِذَا كَانَتْ أُمُّهُ حُرَّة مُسلِمَة، لِأَنَّهُ فِي الحَقِيقَةِ قَدْفٌ لِأُمِّهِ، لِأَنَّ النَّسَبَ إِنَّمَا يُنفَى عَنِ الزَّانِي لَا عَنْ غَيْرِهِ. (وَمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ فِي غَضَب: لَستَ بِابْنِ فُلَان، لِأَبِيهِ الَّذِي يُدعَى لَهُ يُحَدُّ، وَلَو قَالَ الخطاب، أما الوطء الغير المملوك قد تحقق منهما، وبالنظر إلى هذا كان القاذف صادقًا، فلا يجب الحد على قاذفهما. قوله: (وَهَذَا إِذَا كَانَتْ أُمُّهُ حُرَّةً مسلمه)؛ لأن الإحصان شرط في المقذوف، وهذا قذف لأمه بالزنا، فكأنه قال: أمك زانية؛ لأنه متى لم يكن من أبيه كان من غير أبيه ضرورة، ولا نكاح لغير أبيه، فكان في نفي نسبه من أبيه نسبة أمه إلى الزنا ضرورة. فإن قيل: جاز ألا يكون ثابت النسب من أبيه ولا تكون أمه زانية، بأن كانت موطوءة بشبهة. قلنا: إذا وطئت بشبهة كان الولد ثابت النسب من إنسان، وإنما لا يكون ثابت النسب من الأب إذا كانت هي زانية، فعرف أنه بهذا اللفظ قاذف لأمه، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد، إلا أن مالكًا لا يشترط كون أمه وأبيه مسلمين وحرين، بل يشترط إحصان المنفي، وبه قال أحمد في رواية. وفي المبسوط (١): وجوب الحد هاهنا بطريق الاستحسان لا القياس، وفي القياس لا يجب، إلا أنا تركنا القياس بأثر ابن مسعود أنه قال: لا يحد إلا في قذف محصنة أو نفي رجل عن أبيه، وقيل: يشترط في هذه المسألة الغضب كما في المسألة التي تجيء، ولا خلاف فيه للأئمة الأربعة. قوله: (قال لغيره في غضب … ) إلى آخره، وبقولنا قالت الأئمة الثلاثة. وفي المبسوط (٢): وكذا لو قال: إنك ابن فلان لغير أبيه، فعليه الحد إذا كانت هذه اللفظة في حالة المشاتمة؛ لأن مقصوده نفي نسبه من أبيه ونسبة أمه

стр. 3938

فِي غَيْرِ غَضَب: لَا يُحَدُّ) لِأَنَّ عِنْدَ الغَضَبِ يُرَادُ بِهِ حَقِيقَتُهُ سَبًّا لَهُ، وَفِي غَيْرِهِ يُرَادُ بِهِ المُعَاتَبَةُ بِنَفِي مُشَابَهَتِهِ أَبَاهُ فِي أَسبَابِ المُرُوءَةِ (وَلَو قَالَ: لَستَ بِابْنِ فُلَان، يَعْنِي: جَدَّهُ لَم يُحَدَّ) لِأَنَّهُ صَادِقٌ فِي كَلَامِهِ، وَلَو نَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ لَا يُحَدُّ أَيضًا لِأَنَّهُ قَدْ يُنسَبُ إِلَيْهِ مَجَازًا. (وَلَو قَالَ لَهُ: يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ، وَأُمُّهُ مَيِّتَةٌ مُحْصَنَةٌ، فَطَالَبَ الابْنُ بِحَدِّهِ حُدَّ القَاذِفُ) لِأَنَّهُ قَذَفَ مُحْصَنَة بَعدَ مَوتِهَا وَلَا يُطَالِبُ بِحَدِّ القَدْفِ لِلمَيِّتِ إِلَّا مَنْ يَقَعُ إلى الزنا، ولكن في حال الرضا لا يجب الحد؛ لأن مراده من هذا اللفظ حالة الرضا أن أخلاقك تشبه أخلاق فلان، فكأنك ابنه، فهذا لا يكون قذفًا. فإن قيل: ما الفرق بين قوله: لست بابن فلان ولا بابن فلانة، وهي أمه التي يدعى لها لا في حالة الغضب ولا في غيرها وبين هذه المسألة؟ قلنا: أي قال: ولا ابن فلانة، فقد نفاه عن أمه، وإنما ينتفي عن أمه إذا لم تلده أمه، فكان هذا منه نفيًا لولادة الأم، ونفي الولادة نفي الوطء، وفي نفي الوطء نفي الزنا، بخلاف ما إذا لم يقل: ولا ابن فلانة، فإن هناك لم ينفه عن الأم عن الوالد، وولادة الولد ثابتة عن أمه، فصار كأنه قال: أنت ولد الزنا. كذا في الذخيرة (١). وفي النفي عن أمه لا يجب حد القذف بلا خلاف؛ لأنه صادق في كلامه؛ إذ هو حقيقة ابن أبيه لا ابن جده، ولو نسبه إلى جده لم يحد؛ لأنه ينسب إليه مجازا، قال تعالى: ﴿يَبَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٦]، ولمالك في الجد روايتان، إلا أن يتهم جده بأمه، أو أراد المشاتمة ويجب الحد رواية واحدة. قوله: (وَلَوْ قَالَ لَهُ يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ … ) إلى آخره. وفي النهاية (٢): نقل عن خط الإمام ظهير الدين: سئل والدي عمن قال لآخر: (أي حرام زاده) لا يحد، وكذا لو قال ذلك ثانية؛ لأنه قذف محصنة بعد موتها، إذ الموت لا يزيل الإحصان بل يؤكده.

стр. 3939

القَدْحُ فِي نَسَبِهِ بِقَدْفِهِ، وَهُوَ الوَالِدُ وَالوَ لَدُ) لِأَنَّ العَارَ يَلْتَحِقُ بِهِ لِمَكَانِ الجُزْئِيَّةِ، فَيَكُونُ القَدْفُ مُتَنَاوِلاً لَهُ مَعنى. وَعِنْدَ الشَّافِعِيّ: يَثْبُتُ حَقُّ المُطَالَبَةِ لِكُلِّ وَارِث، لِأَنَّ حَدَّ القَدْفِ يُورَثُ عِندَهُ عَلَى مَا نُبَيِّنُ، وَعِنْدَنَا: وِلَايَةُ المُطَالَبَةِ لَيسَت بِطَرِيقِ الإِرْثِ، بَلْ لِمَا ذَكَرنَاهُ، وَلِهَذَا: يَثْبُتُ عِنْدَنَا لِلمَحرُومِ عَنِ المِيرَاثِ بِالقَتْلِ، وَيَثْبُتُ قوله: (وَهُوَ الوَالِدُ وَالوَلَدُ) قال الفقيه: الوالد الجد وإن علا، والولد وولد الولد وإن سفل. قوله: (لِمَكَانِ الجزئية). فإن قيل: لو كان المقذوف ميتًا ولا له معنى لمكان الحرية ينبغي أن يكون المقذوف لو كان حيا غائبًا تكون المطالبة لمن له يقدح في نسبه معنى باعتبار الحرية. وقد ذكر في المبسوط (١): إذا كان المقذوف حيا غائبا ليس لأحد حد من هؤلاء مطالبة الحد، خلافًا لابن أبي ليلى، فلما تناول القذف لهؤلاء معنى، فيظهر أثره من مطالبة الناس عند المقذوف؛ لأن المقذوف في الخصومة أصل؛ لأن العار لحقه مقصودًا، فلا تعتبر خصومة غيره، بخلاف الميت، فإن الخصومة فيها غير ممكنة، فيقام الحد بمطالبة من لحقه الشين، وعند أحمد يقام لمطالبة الولد فقط. قوله: (وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَثْبُتُ حَقُّ المُطَالَبَةِ لِكُلِّ وَارِث) وبه قال مالك. للشافعي فيمن يرثه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يرثه جميع الورثة. والثاني: غير من يرث بالزوجية. والثالث: يرثه ذكور العصبات دون غيرهم. (عنده) أي: عند الشافعي (على ما نُبيّن) أي: في مسألة: ومن قذف غيره ومات المقذوف، كما يجيء. (بل لما ذكرناه) وهو [لحوق] (٢) العار، ولهذا لا يثبت للأخ عندنا؛ لأن

стр. 3940

لِوَلَدِ البِنتِ كَمَا يَثْبُتُ لِوَلَدِ الِابْنِ خِلَافًا لِمُحَمَّد (*)، وَيَثْبُتُ لِوَلَدِ الوَلَدِ حَالَ قِيَامِ الوَلَدِ خِلَافا لِزُفَرَ. (وَإِذَا كَانَ المَقذُوفُ مُحصَنًا جَازَ لِابْنِهِ الكَافِرِ وَالعَبدِ أَنْ يُطَالِبَ بِالحَدِّ) خِلَافًا لِزُفَرَ. هُوَ يَقُولُ: العار نوع ضرر، والضرر الراجع إلى الولد وولد الولد وإن سفل، والوالد والجد وإن علا، كالراجع إلى نفسه عادة، ألا ترى أن النفع العائد عليهم يجعل كالعائد إلى نفسه، حتى منع ذلك قبول الشهادة ولهذا يثبت عندنا، فكذا الضرر. والأخ لا يلحقه الشين بزنا أخيه مثل ما يلحق لهؤلاء؛ لأنه لا ينسب أحد الأخوين إلى صاحبه، والضرر الراجع إلى الأخ لا يرجع إليه عادة، كالنفع، حتى لا يمنع قبول الشهادة، ولهذا يثبت عندنا ولاية المطالبة للمحروم عن الإرث بالقتل؛ لأن الحد لا يجب بطريق الإرث، فلا يؤثر فيه القتل، وإذا كان الولد عبدًا أو كافرًا تصح مطالبته. قوله: (خلافًا لمحمد) وعن محمد في رواية: لا يثبت لولد البنت؛ لأنه منسوب إلى أبيه لا إلى أمه، فلا يلحقه الشين بزنا أبي الأم، ألا ترى أنه لا يدخل ابن البنت في الوقف على أولاده وأولاده في ظاهر الرواية. وفي الواقعات: والفتوى على قول محمد؛ لأنه صار كالأخ. وفي ظاهر الرواية: النسب يثبت من الجانبين، ويصير النسب به كريم الطرفين، فكان القذف متناولاً له، أما الوقف ممنوع على رواية الخصاف، ولئن سُلِّمَ فالوقف في معنى الوصية التي هي أخت الميراث، والولد فيه إنما ينسب إلى الأب دون الأم، ألا ترى أنه لا يحجب الزوج عن النصف، والزوجة عن الربع، ويحجبهما، وكذا الابن، فكذلك الحك في الوقف. قوله: (خلافًا لزفر)؛ لأن عنده لا خصومة للأبمعد مع مكان الأقرب؛ لأن الشين الذي يلحق الولد فوق ما يلحق ولد الولد، فصار ولد الولد مع بقاء الولد كولد المقذوف مع بقاء المقذوف، واعتبر هذا بطلب الكفاءة، فإنه لا خصومة فيه للأبعد مع بقاء الأقرب.

стр. 3941

القَذْفُ يَتَنَاوَلُهُ مَعنى لِرُجُوعِ العَارِ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ طَرِيقُهُ الإِرْثَ عِنْدَنَا، فَصَارَ كَمَا إِذَا كَانَ مُتَنَاوِلًا لَهُ صُورَةً وَمَعنى. وَلَنَا: أَنَّهُ عَيَّرَهُ بِقَدْفِ مُحصَن فَيَأخُذُهُ بِالحَدٌ، وَهَذَا وقلنا: حق الخصومة باعتبار لحوق العار، وذا موجود في حق ولد الولد كوجوده في حق الولد، والحق ليس بطريق الإرث حتى يعتبر القرب، بخلاف المقذوف، فإن حق الخصومة له باعتبار تناول القاذف من عرضه مقصودا، وذا لا يوجد في حق الولد. كذا في المبسوط (١). لأن مساهلته توهم تصديقه؛ لأنه أعلم بما جرى عليه من ولده، وبخلاف الكفاءة، فإن طلب الكفاءة يثبت للأقرب؛ لقوله ﵇: «الإنكاح في العَصَبَاتِ» (٢) فعلم أن الحق باعتبار الولاية في الكفاءة، ولا ولاية للأبعد مع وجود الأقرب، خلافًا لزفر وبه قال من قال: طريقه الإرث. . (هو يقول: القذف يتناوله معنى) أي: الكافر والعبد، فلا يربو على قذفه حقيقة، وذا لا يوجب الحد، فهذا أولى، وهذا معنى قول المصنف: (كما إذا كان متناولا له معنى وصورةً). إليه أشار فخر الإسلام وصاحب الإيضاح. وقوله: (وليس طريقه الإرث عندنا) جواب سؤال يرد، وهو أن يقال: وجوب الحد يجوز أن يكون لأجل أمه فقال: ليس طريقه الإرث عندنا، وإن كان فالكافر والعبد لا يرث، فعلم أن الحد لو وجب لوجب لأجل نفسه، وهو غير محصن. (ولنا أنه) أي: القاذف (عَيَّرَه بقذف محصن) وهو أمه. وفي المبسوط (٣): الحد يجب لحق الله تعالى، وخصومة الولد باعتبار الشين الذي لحقه، وذلك موجود في حق الولد الكافر والعبد؛ لأن النسبة لا تنقطع بالرق والكفر، وإنما تنعقد الخلافة إرثًا بهما فيما هو من حق الميت، وحد القذف ليس من ذلك في شيء، بخلاف ما إذا قذفه في نفسه؛ لأن الحد لا يجب؛ لفقد إحصانهما.

стр. 3942

لِأَنَّ الإِحْصَانَ فِي الَّذِي يُنسَبُ إِلَى الزِّنَا شَرطٌ لِيَقَعَ تَعبِيرًا عَلَى الكَمَالِ ثُمَّ يَرْجِعُ هَذَا التَّعيِيرُ الكَامِلُ إِلَى وَلَدِهِ، وَالكُفْرُ لَا يُنَافِي أَهْلِيَّةَ الاستِحْقَاقِ، بِخِلَافِ إِذَا تَنَاوَلَ القَدْفُ نَفْسَهُ، لِأَنَّهُ لَم يُوجَد التَّعيِيرُ عَلَى الكَمَالِ لِفَقدِ الإِحْصَانِ فِي المَنسُوبِ إِلَى الزِّنَا وَلَيسَ لِلعَبدِ أَنْ يُطَالِبَ مَولَاهُ بِقَدْفِ أُمِّهِ الحُرَّةِ، وَلَا لِلابْنِ أَنْ يُطَالِبَ أَبَاهُ بِقَدْفِ أُمِّهِ الحُرَّةِ المُسلِمَةِ لِأَنَّ المَولَى لَا يُعَاقَبُ بِسَبَبٍ عَبْدِهِ، قوله: (وَلَا لِلابْنِ أَنْ يُطَالِبَ أَبَاهُ). وفي الإيضاح (١): ولا جده وإن علا، ولا أمه ولا أم أمه وإن علت. وبه قال الشافعي وأحمد ومالك في رواية. وقال مالك في المشهور: للابن أن يطالب أباه بقذف أمه، أما لو حده تسقط عدالته؛ لأن ضربه حرام بالنص، وهو قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]. وبقول مالك قال أبو ثور وابن المنذر، واحتجوا بعموم الآية، ولأنه حد، فلا يمنع من وجوبه قرابة الولاد. وقلنا: هذا منقوض بالسرقة، فإنه لا يقطع بسرقة مال أبيه، ولا يحد بوطء جارية أمه. الأصل لنا قوله ﵇: «لا يُقادُ الوالد بوَلَدِهِ، ولا السَّيِّدُ بِعَبْدِهِ» (٢) فلما لم يعاتب بجنايته على نفسه وطرفه، فكذا لا يعاتب بتناوله من عرضه، مع أن المغلب في القصاص حق العبد، وسببه متيقن به، وفي حق القذف المغلب حق الله تعالى عندنا، وسببه غير متيقن بكذبه؛ لاحتمال أن يكون صادقًا، أولى ألا يجب. قوله: (لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يُعَاقَبُ بِسَبَبٍ عَبْدِهِ)؛ لأن حق عبده حقه، فلا يجوز أن يعاقب بحق نفسه، ولو كان لها ابن من غيره، يعني لو قال لابنه: يا ابن

стр. 3943

وَكَذَا الْأَبُ بِسَبَبِ ابْنِهِ، وَلِهَذَا لَا يُقَادُ الوَالِدُ بِوَلَدِهِ وَلَا السَّيِّدُ بِعَبْدِهِ، وَلَو كَانَ لَهَا ابنٌ مِنْ غَيْرِهِ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ وَانعِدَامِ المَانِعِ. (وَمَنْ قَذَفَ غَيْرَهُ فَمَاتَ المَقذُوفُ بَطَلَ الحَدُّ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَبْطُلُ (وَلَو مَاتَ بَعدَمَا أُقِيمَ بَعضُ الحَدِّ بَطَلَ البَاقِي) عِنْدَنَا، خِلَافًا لَهُ، بِنَاء عَلَى أَنَّهُ يُورَثُ عِندَهُ، وَعِنْدَنَا لَا يُورَثُ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ فِيهِ حَقَّ الشَّرعِ وَحَقَّ العَبْدِ، فَإِنَّهُ شُرِعَ لِدَفْعِ العَارِ عَنْ المَقذُوفِ، وَهُوَ الَّذِي يَنتَفِعُ بِهِ عَلَى الخُصُوصِ، فَمِنْ هَذَا الوَجْهِ حَقُّ العَبدِ، ثُمَّ إِنَّهُ شُرِعَ زَاجِراً وَمِنْهُ سُمِّيَ حَدًّا، وَالمَقصُودُ مِنْ شَرِعِ الزَّاجِرِ إِحْلَاءُ العَالَمِ عَنْ الفَسَادِ، وَهَذَا آيَةُ حَقِّ الشَّرعِ، وَبِكُلِّ ذَلِكَ تَشْهَدُ الأَحْكَامُ. وَإِذَا تَعَارَضَت الجِهَتَانِ، فَالشَّافِعِيُّ مَالَ إِلَى تَعْلِيبِ حَقِّ العَبدِ تَقْدِيما لِحَقِّ العَبدِ بِاعْتِبَارِ حَاجَتِهِ الزانية، وأمه ميتة، ولها ابن من غيره، فطلب الحد منه يحد بإجماع الأربعة؛ لأن لكل أحد حق الخصومة، وظهر المانع في حق أحدهما دون الآخر، ولهذا لو عفا أحد الابنين في قذف الميتة المحصنة للآخر أن يخاصم؛ لأن النقيصة تلحق بهما. ذكره في شرح الطحاوي. بخلاف ما لو عفا أحدهما عن القصاص، أو كان أحدهما ابن القاتل فلا يستوفي الآخر القصاص؛ لأن القصاص حق العبد، فيكون ميراثا بينهما، فيسقط نصيب الباقي بالعفو، أو لمعنى الأبوة، فتعذر على الآخر الاستيفاء؛ لأنه لا يحتمل التجزؤ، فأما حق العبد فحق الله تعالى فيه غالب عندنا، ولم يصر ميراثا لهما، بل لهما ولاية المطالبة؛ للحوق العار بهما على الكمال، فبعفو أحدهما لا يسقط حقه. إليه أشار في المبسوط (١). قوله: (فالشافعي مال إلى إلى تغليب حق العبد) وبه قال مالك وأحمد. قوله: (وهذا) أي: كون حق العبد غالبًا عند الشافعي، وعندنا حق الله تعالى، ولا خلاف أن في حد القذف حقان؛ لتعارض الدلائل والأحكام، فمن حيث إنه شرع لصيانة عرض المقذوف كالقصاص، شرع لصيانة نفسه عن

стр. 3944

وَغِنَى الشَّرعِ، وَنَحْنُ صِرْنَا إِلَى تَغْلِيبِ حَقِّ الشَّرعِ، لِأَنَّ مَا لِلعَبدِ مِنْ الحَقِّ يَتَوَلَّاهُ مَولَاهُ فَيَصِيرُ حَقُّ العَبدِ مَرعِيًّا بِهِ، وَلَا كَذَلِكَ عَكسُهُ، لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلعَبدِ فِي اسْتِيفَاءِ حُقُوقِ الشَّرعِ إِلَّا نِيَابَة عَنهُ، وَهَذَا هُوَ الأَصلُ المَشهُورُ الَّذِي يَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ الفُرُوعُ المُختَلَفُ فِيهَا مِنهَا الإرث، إذ الإِرْثُ يَجْرِي فِي حُقُوقِ العِبَادِ لَا فِي حُقُوقِ الشَّرع. وَمِنهَا العَفْوُ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ عَفْوُ المَقذُوفِ عِنْدَنَا وَيَصِحٌ عِندَهُ. وَمِنهَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الاعتياضُ عَنهُ، وَيَجْرِي فِيهِ التَّدَاخُلُ وَعِندَهُ لَا يَجْرِي وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي العَفْوِ الهلاك، وعرضه حقه، ولدفع العار عن المقذوف، وهو يندفع به على الخصوص، فيشترط فيه الدعوى لقبول الشهادة، ولا تبطل بالتقادم، ويجب على المستأمن في دارنا، ويقيمه القاضي بعلم نفسه، ويقدم استيفاؤه على حد الزنا والسرقة، ولا يبطل مع الرجم. ولا يصح الرجوع بعد الإقرار في حق العبد من حيث إنه شرع زاجرا، ولهذا سمى حدا، والحدود شرعت زواجر حقا الله تعالى؛ صونًا للعالم عن الفساد، لا حق العبد، فإنه في الأصل كالقود، ولهذا سمى قصاصا ليكون إشارة في معنى الخبر باعتبار المساواة ساترا لأثر الزنا، فكان كحده، ويستوفيه الإمام دون المقذوف، ولا ينقلب مالاً عند سقوطه، وينتصف بالرق كالعقوبات الواجبة لله تعالى، وحق العبد يتقدر بقدر التالف، ولا يختلف باختلاف حال المتلف. قوله: (ويصح عنده) أي: عند الشافعي، وبه قال مالك وأحمد، وبعض أصحاب مالك قال: فيه روايتين عنه؛ في رواية: لا يجوز عفوه عند البلوغ إلى الإمام. قوله: (لَا يَجُوزُ الاعْتِيَاضُ عَنْهُ) عندنا، وبه قال مالك، وعند الشافعي وأحمد يجوز. قوله: (ويجري فيه التداخل) وبه قال مالك، حتى لو قذف مرات لواحد أو لجماعة يكفيه حد واحد إذا لم يتخلل بين القذفين حد. فإن قيل: لو كان المغلب فيه حق الله تعالى ينبغي ألا يسقط بالموت؛ لأن حق الله تعالى لا يسقط بالموت.

стр. 3945

مِثْلُ قَولِ الشَّافِعِيِّ؛ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: إِنَّ الغَالِبَ حَقُّ العَبدِ وَخَرَّجَ الأَحْكَامَ، قلنا: يسقط لتعذر استيفائه لا بموته؛ لانعدام شرط الاستيفاء، وهو خصومة المقذوف؛ إذ لا يتحقق بعد موته، ولا يقوم الوارث مقامه، أو وصيه إن أوصى بذلك لإنسان؛ لأن شرط الحد معتبر بسببه، فكما أن ما يقوم مقام الحد لا يثبت به سبب الحد، فكذا لا يثبت به شرط الحد بخلاف ما لو قذف بعد موته، فإن ولاية الخصومة تثبت ابتداء لولده لدفع عاره؛ لأنه يثبت للميت ثم يقوم ولده مقامه، فلو ثبت بعد ما مات بعد القذف يكون بطريق قيامه مقامه، وذلك لا يكون في الحدود. كذا في المبسوط (١). (ومن أصحابنا من قال كذا، وهو أبو اليسر. وخرج الأحكام) فإنه ذكر في مبسوطه (٢): الصحيح أن المغلب فيه حق العبد كما قال الشافعي؛ لأن أكثر الأحكام تدل عليه، والمعقول شهد له؛ لما ذكرنا أن العبد ينتفع به على الخصوص. وقد نص محمد في الأصل: أن حد القذف حق العبد كالقصاص، إلا أنه فوض إلى الإمام؛ لأنه لا يهتدي كل أحد إقامة الجلد، وثبوت حق استيفاء حق العبد للقاضي في موضع عجزه عن الاستيفاء بنفسه له أصل في الشرع. وذكر في جامعه (٣) أن الضرب غير مقدر في نفسه، أي: بين شديد وخفيف، فلو جعل الإقامة إليه لزاد على ما هو المعهود، فيؤدي إلى التلف، فجعل الإقامة إلى الإمام بطريق المصلحة، وإنما لا يورث؛ لأنه مجرد حق كخيار الشرط وحق الشفعة، كما أن الإرث يجري في الأعيان وما له أحكام الأعيان. قال ﵇: «مَنْ تَركَ مالا فهوَ لِورَثتِهِ» (٤) وحد القذف ليس بملك عين

стр. 3946

وَالأَوَّلُ أَظْهَرُ. (وَمَنْ أَقَرَّ بِالقَدْفِ ثُمَّ رَجَعَ لَم يُقبَل رُجُوعُهُ) لِأَنَّ لِلمَقْذُوفِ فِيهِ حَقًّا فَيُكَذِّبُهُ فِي الرُّجُوعِ، بِخِلَافِ مَا هُوَ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ، لِأَنَّهُ لَا مُكَذِّبَ لَهُ فِيهِ. (وَمَنْ قَالَ لِعَرَبِيٌّ: يَا نَبَطِيُّ، لَم يُحَدَّ) لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ التَّسْبِيهُ فِي الأَخْلَاقِ أَوْ عَدَمِ الفَصَاحَةِ، وَكَذَا إِذَا قَالَ لَست بِعَرَبِيِّ لِمَا قُلْنَا. ولا في معنى ملك عين، بل هو ملك الفعل، وكذا حق الشفعة؛ لأنه ملك فعل، وهو يملك الدار، وكذا خيار الشرط؛ لأنه ملك فعل، وهو حق الفسخ. بخلاف القصاص، حيث يورث؛ لأنه في معنى ملك العين؛ لأنه يملك إتلاف العين، وملك الإتلاف بملك العين عند الناس، فإن الإنسان ما يملك شراء الطعام إلا للإتلاف، وهو الأكل، فصار من عليه القصاص كالمملوك لمن له القصاص، وهو باقٍ، فيملكه الوارث في حق استيفاء القصاص، وإنما لا يصح عفوه؛ لأن هذا عفو عن الإقامة، وهو مولى عليه في حق الإقامة، ولأنه متعنت في العفو؛ لأنه في الحقيقة رضا بالعار، والرضا بالعار عار. قوله: (والأول أظهر) بالنظر إلى الدليل، وأشهر؛ لأنه قول عامة أصحابنا، وما قال محمد: إن حق حد القذف حق العبد أي: فيه حق العبد للإجماع أن فيه حقين، فلا يدل أن حق العبد فيه غالب. وفي الخبازية: حُرِّمَ القذف لهتك عرض المحصن، وحُرِّمَ لإظهار الزنا، وأنه حرام حقا الله تعالى كمباشرة الزنا، ألا ترى أنه مُحَرَّم قذف غير المحصن، فكان المهتوك بسبب القذف ثلاث حرمات، حرمتان لله تعالى، وحرمة للعبد، يعني إظهار الزنا حرام الله تعالى خالصًا، وفي القذف فيه وهتك حرمة العرض، وفي عرضه حقان: حق الله تعالى وحق العبد فيكون حق العبد غالبًا. قوله: (لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ) أي: بإجماع الأئمة الأربعة. (قوله للعربي: لست بعربي) أو لست من قبيلة فلان التي هو منها لا يحد، وقال مالك وابن أبي ليلى وأحمد في رواية، والشافعي في قول: إذا نوى الشتم يحد؛ لما روى أنه ﵇ كان يقول: «لا أُوتَى برجل يقول: إن كنانة

стр. 3947

(وَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا ابْنَ مَاءِ السَّمَاءِ فَلَيْسَ بِقَاذِفِ) لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ التَّشْبِيهُ فِي الجُودِ وَالسَّمَاحَةِ وَالصَّفَاءِ، لِأَنَّ مَاءَ السَّمَاءِ لُقِّبَ بِهِ لِصَفَائِهِ وَسَخَائِهِ (وَإِنْ نَسَبَهُ إِلَى لِيسَتْ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا جِلْدَتَهُ) (١) وَلِأَنَّهُ لِمَا نَفَاهُ عَنْ قَبِيلَتِهِ صَارَ كَنَفْيِهِ عَنِ الجَدِّ الْأَعْلَى. وَقُلْنَا وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ وَأَحْمَدَ فِي أَصَحٌ الرِّوَايَةِ: لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ غَيْرَ القَذْفِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِهِ التَّشْبِيهُ فِي الْأَخْلَاقِ، أَوِ التَّشْبِيهُ فِي الجَهْلِ، وَاللَّكْنَةِ يَعْنِي عَدَمَ الفَصَاحَةِ لَا النَّفْيَ عَنِ الْأَبِ عَادَةً، كَمَنْ قَالَ لِمِصْرِيِّ (٢): يَا قَرَوِيّ. وَفِي الْمَبْسُوطِ (٣): أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتَ رُسْتَاقِيٌّ أَوْ خُرَاسَانِيٌّ أَوْ كُوفِيٌّ وَلَا يُرِيدُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ القَذْفَ، وَمَذْهَبُنَا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِقُرَشِيَ: يَا نَبَطِيَّ، فَقَالَ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَشَاذٌ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي النَّفْيِ عَنِ الْجَدِّ الْأَعْلَى، أَوْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّعْزِيرِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: «جِلْدَتُهُ» وَمَا قَالَ: ﴿إِلَّا أَحَدُهُ﴾ وَعَنْ مَالِكِ: إِذَا قَالَ: يَا يَزِيدِيُّ لِعَرَبِيَّ، أَوْ يَا رُومِيَّ لِفَارِسِيَّ، أَوْ لِفَارِسِيَ: يَا رُومِيَّ، أَوْ يَقُولُ: يَا ابْنَ الخَيَّاطِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ آبَائِهِ مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنَّهُ يُحَدُّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لِدَفْعِ العَارِ. قَوْلُهُ: (يُرَادُ بِهِ التَّشْبِيهُ فِي الجُودِ وَالسَّمَاحَةِ) فَإِنَّ مَاءَ السَّمَاءِ لَا يَبْخَلُ، بَلْ يُصِيبُ الجَبَلَ وَالسَّهْلَ، وَسُمِّيَ بِهِ نُعْمَانَ بْنَ المُنْذَرِ أَوْ أَبُوهُ. كَذَا فِي مَبْسُوطِ البَكْرِيِّ. قَوْلُهُ: (لُقِّبَ) وَقَدْ لُقِّبَ بِهِ أَبُو المُزَيْقِيَاءِ، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ لُقِّبَ بِأَبِي المُزَيْقِيَاءِ؛ لِأَنَّهُ يُمَزِّقُ كُلُّ يَوْمٍ حُلَّتَيْنِ يَلْبَسُهُمَا، وَيَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِيهِمَا، وَيَأْنَفُ أَنْ يَلْبِسَهُمَا غَيْرُه.

стр. 3948

عَمِّهِ أَوْ خَالِهِ أَوْ إِلَى زَوجِ أُمِّهِ، فَلَيسَ بِقَذف) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ يُسَمَّى أَبًا، أَمَّا الأَوَّلُ: فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] وَإِسْمَاعِيلُ كَانَ عَمَّا لَهُ. وَالثَّانِي: لِقَولِهِ ﵊: «الخَالُ أَبٌ». وَالثَّالِثُ: لِلتَّرْبِيَةِ. وأبو عامر ابن حارثة الأزدي كان يلقب بماء السماء؛ لأنه كان وقت القحط كالقطر عطاء وجودًا، وأما أم المنذر بن امرئ القيس سميت بماء السماء لحسنها وجمالها، فقيل لولدها بنو ماء السماء، وهم ملوك السماء، وقال زهير: ولازَمْتُ المُلوكَ مِنَ الِ نَصْرِ … وَبَعْدَهُمُ بنو ماء السماء (١) كذا في الصحاح (٢) والمغرب (٣). قوله: (والثالث للتربية)، وإليه الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ الَّتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] أضاف الربيبة إلى زوج الأم بوصف ينبئ عن سبب الإضافة، وهو التربية، وقيل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] إنه كان ابن امرأته. ذكره في المبسوط للبكري (٤). وقال ابن القاسم المالكي: وفي النسبة إلى عمه أو خاله أو زوج أمه عليه الحد، وعند أشهب المالكي لا حد عليه إلا في حالة المشاتمة. ومن قال لغيرة زنأت في الجبل وقال: عنيت صعود الجبل حُدَّ وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله. وقال محمد ﵀: لا يحد؛ لأن المهموز منه للصعود حقيقة قالت امرأة من العرب: وَارْقَ إِلَى الخَّيْرَاتِ زِنَاءً فِي الجَبَل وذكر الجبل يقرره مراداً ولهما أنه يستعمل في الفاحشة مهموزا أيضا؛ لأن من العرب من يهمز المُليّن كما يُلين المهموز وحالة الغضب والسباب تعين

стр. 3949

(وَمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: زَنَاتَ فِي الجَبَلِ وَقَالَ: عَنَيتُ صُعُودَ الجَبَلِ، حُدَّ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يُحَدُّ) (*) لِأَنَّ المَهْمُوزَ مِنهُ لِلصُّعُودِ حَقِيقَةٌ قَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ العَرَبِ: وَارْقَ إِلَى الخَيْرَاتِ زناً فِي الجَبَلِ. وَذِكرُ الجَبَلِ يُقَرِّرُهُ مُرَادًا، وَلَهُمَا: أَنَّهُ يُسْتَعمَلُ فِي الفَاحِشَةِ مَهْمُوزًا أَيضًا الفاحشة مرادا بمنزلة ما إذا قال: يا زانيء، أو قال: زنأت وذكر الجبل إنما بعين الصعود مرادا إذا كان مقرونا بكلمة على إذ هو المستعمل فيه، ولو قال: زنأت على الجبل قيل: لا يحد لما قلنا. وقيل: يحد للمعين الذي ذكرناه. قوله: (زَنَأْتَ فِي الْجَبَلِ) بالهمز يحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف وأحمد والشافعي في وجه إذا لم ينو. وقال محمد والشافعي: لا يحد؛ لأنه نوى ما يحتمله لفظه فيصدق؛ لأن المهموز الصعود حقيقةً، يقال: زَنَا، بالهمز، أي: صعد، كما قال الشاعر (١): وَارْقَ إِلَى الْخَيْرَاتِ … . أول الشعر: أَشْبَهُ (٢) أَبَا أُمِّكَ أَوْ أَشْبِهُ جَمَلْ ولا تكوننَّ كَهِلَّوْفِ وَكَلْ يُصْبِحُ في مَنْزِلِهِ قَدِ انْجَدَلْ وَارْقَ إِلَى الْخَيْرَاتِ زَنْأَ فِي الْجَبَلْ الجمل: بالجيم، اسم رجل، أي: حي من العرب، وهو جمل بن سعد. والهلوف: بكسر الهاء وتشديد اللام: الشيخ الهرم. والكل: العيال، والانجدال: السقوط. وقوله: (زَنْا فِي الْجَبَلِ) أي: صعودًا، ولهذا لو قال: زنأت الجبل لا يحد، وحرف (في) لا ينافي الصعود كما في البيت، وكما في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] فحقيقة ما نوى إن لم يثبت تثبت الشبهة.

стр. 3950

لِأَنَّ مِنْ العَرَبِ مَنْ يَهْمِزُ المُلَيَّنَ كَمَا يُلَيِّنُ المَهْمُونَ، وَحَالَةُ الغَضَبِ وَالسِّبَابِ تُعَيِّنُ الفَاحِشَةَ مُرَادًا بِمَنزِلَةِ مَا إِذَا قَالَ: يَا زَانِي، أَوْ قَالَ: زَنَاتِ، وَذِكرُ الجَبَلِ إِنَّمَا يُعَيِّنُ الصُّعُودَ مُرَادًا إِذَا كَانَ مَقرُونًا بِكَلِمَةِ «عَلَى» إذ هُوَ لِلمُستَعمَلِ فِيهِ، وَلَو قَالَ: زَنَات عَلَى الجَبَلِ لَا يُحَدُّ لِمَا قُلْنَا، وَقِيلَ يُحَدُّ لِلمَعْنَى الَّذِي ذَكَرنَاهُ. قوله: (لِأَنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَهْمِزُ الْمُلَيَّنَ) فمنهم العجاج، فإنه كان يهمز العالم والخاتم، وقال (١): فَخِنْدَفٌ هَامَةُ هَذَا الْعَالِم ويَهْمِزُ المُلَيَّنَ أَيضًا مَنْ جَدَّ في الهرب من التقاء الساكنين، فيقال: دابة وشابة، وفي غير التقاء الساكنين، كما همزه العجاج كذلك، وكما همز الشاعر في قوله (٢): يا دار مي بِدَكادِيكِ البُرَقْ … صَبْرًا فقد هَيَّجْتِ شَوقَ المُشْتَئِق الدكاديك: جمع دكداك، وهو الرمل المتراكم والبرقة: أرض غليظة فيها حجارة ورمل وصبرًا، أي: أعطني صبرًا، والمشتئق بكسر الهمزة: بمعنى المشتاق؛ لأنه اسم فاعل، فبالهمزة زال المانع. قوله: (كَمَا يُلَيِّنُ الْمَهْمُونَ) بتليين المهموز، قد يكون لازما، كما في (آدم) وقد يكون غير لازم، كما في (رأس). قوله: (يعني الفاحشة) مع أن كلمة لا تحتمل الصعود، لا يقال زنأ فيه بمعنى الصعود، وإنما يقال: زناً عليه، فصار المحتمل محمولا على المحكم. قوله: (بمنزلة ما لو قال: يا زاني، أو قال: زنأت) وقال: عنيت الصعود فإنه يحد. قوله: (إذ هو) أي: حرف على (مستعمل فيه) أي: في الصعود. فإن قيل: (في) تجيء بمعنى (على) قال تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي: عليها.

стр. 3951

(وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: يَا زَانِي فَقَالَ: لَا بَلْ أَنْتَ، فَإِنَّهُمَا يُحَدَّانِ) لِأَنَّ مَعْنَاهُ: لَا بَلْ أَنْتَ زَان، إذ هِيَ كَلِمَةُ عَطف يُستَدرَكُ بِهَا الغَلَط، فَيَصِيرُ الخَبَرُ المَذْكُورُ فِي الأَوَّلِ مَذْكُورًا فِي الثَّانِي. (وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا زَانِيَةُ، فَقَالَتْ: لَا بَلْ أَنْتَ حُدَّت المَرأَةُ، وَلَا لِعَانَ) قلنا: ذكر في الكشاف (١) أنها على حقيقتها لتمكن المصلوب في الجذع تمكن الكائن في الظرف فيه. فإن قيل: الكلام فيما إذا ادعى إرادة الصعود، وبالإرادة ترك حقيقة الكلام إلى ما يحتمل، ولا خفاء في الاحتمال. قلنا: لما ثبت أن ظاهر الفاحشة كان قذفًا حقيقة، ودعوى المجاز غير مسموع من القاذف، كما لو قال: زنيت، وقال عنيت الزنا فيما دون الفرج. قوله: (لما ذكرنا) (٢) وهو قوله: (إذا كان مقرونا بكلمة على). قوله: (يحد للمعين) وهو قوله: (إن حالة الغضب والسباب تعين الفاحشة مرادا) وفي بعض النسخ: (للمعنى الذي ذكرناه) وهو قوله: (إن حالة الغضب) إلى آخره، والمعنيان يتقاربان. ولو قال: زنأت، بدون الصلة، فقال أبو يوسف ومحمد: لا يكون قذفا بدون النية، وبه قال الشافعي في وجه. وقال أبو حنيفة وأحمد هو قذف صريح؛ لأن العامة لا يعرفون إلا القذف. وقال الشافعي في وجه وأحمد في رواية: إن كان القائل من أهل اللغة فليس بقذف، وإن كان من العامة قذف والظاهر هو الأول؛ للعادة. قوله: (إِذْ هِيَ) أي: كلمة (بل) (كلمة عطف يُستدرك بها الغلط) والعطف إذا لم يكن له خبر يجعل خبر الأول خبرًا له فيصير كأنه قال: غلطت، لا بل أنت زان.

стр. 3952

لِأَنَّهُمَا قَاذِفَانِ وَقَدْفُهُ يُوجِبُ اللّعَانَ وَقَدْفُهَا الحَدَّ، وَفِي البُدَاءَةِ بِالحَدِّ إِبْطَالُ اللَّعَانِ؛ لِأَنَّ المَحدُودَ فِي القَدْفِ لَيْسَ بِأَهْل لَهُ وَلَا إِبطَالَ فِي عَكسِهِ أَصلا فَيُحتَالُ لِلدَّرءِ، إذ اللَّعَانُ فِي مَعنَى الحَدِّ (وَلَو قَالَتْ: زَنَيْتُ بِكَ، فَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ) مَعْنَاهُ: قَالَتْ بَعدَمَا قَالَ لَهَا: يَا زَانِيَةُ لِوُقُوعِ الشَّكٍّ فِي كُلِّ وَاحِد مِنهُمَا، لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا أَرَادَت الزِّنَا قَبلَ النِّكَاحِ، فَيَجِبُ الحَدُّ دُونَ اللعَانِ لِتَصدِيقِهَا إِيَّاهُ وَانعِدَامِهِ مِنْهُ، وَيَحْتَمِلُ قوله: (وَلَا إِبْطَالَ فِي عَكْسِهِ) يعني لو قدمنا اللعان لا يبطل حد القذف عن المرأة؛ إذ حد القذف يجري عن الملاعنة، فقدمنا الحد عليها درءا للعان؛ لأنه في معنى الحد. فإن قيل: قد دل الدليل على البداية باللعان؛ لما أن الزوج بدأ بالقذف، وقذفه لها موجب. قلنا: لا اعتبار للسبق فإنه إذا شتم غيرها للزنا فقال: ذلك الغير لا بل أنت يحدان، ولم يقل فيه: إن السابق للقذف أولى. ونظير هذه المسألة ما ذكر في المبسوط: لو قال لامرأته: يا زانية بنت الزانية صار قاذفا لها ولأمها، وقذفها يوجب اللعان، وقذف أمها يوجب الحد، فإذا طلبته هي وأمها بدئ بالحد؛ لما في البداية من إسقاط اللعان؛ لما قلنا، وقال الشافعي: يجب حدان أن يبدأ بحد البنت في وجه، والمذهب أن يبدأ بحد الأم. قوله: (فَلَا حَدَّ) أي: على الرجل (ولا لعان) لأنها صدقته من وجه؛ لأن قولها: زنيت بك يحتمل أنها أرادت به قبل النكاح، فيكون تصديقا، فيجب حد الزنا عليها؛ لأنها أقرت بالزنا على نفسها. ذكره قاضي خان. (وانعدامه) أي: انعدام التصديق (منه). وفي الفوائد الظهيرية (١): وكان ينبغي أن تحد؛ لأنها قذفت زوجها، وهو لم يصدقها فيه، وبه قال مالك. وقال أشهب: إلا أن تقول: قلت ذلك مجاوبةً ولم أرد قذفا ولا إقرارًا، فلا حد عليها.

стр. 3953

أَنَّهَا أَرَادَت: زِنَايَ مَا كَانَ مَعَكَ بَعدَ النِّكَاحِ لِأَنِّي مَا مَكَّنت أَحَدًا غَيْرَكَ. وَهُوَ المُرَادُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الحَالَةِ، وَعَلَى هَذَا الاعتِبَارِ يَجِبُ اللَّعَانُ دُونَ الحَدِّ عَلَى المَرأَةِ، لِوُجُودِ القَدْفِ مِنْهُ وَعَدَمِهِ مِنهَا فَجَاءَ مَا قُلنَا. وعند الشافعي حلفت أنها لم ترد الإقرار بالزنا، وأنها لم ترد قذفه بالزنا، وتكتفي بيمين واحدة في وجه، وعليه الحد دونها؛ لأن هذا ليس بإقرار صحيح بالزنا منها، وقال أحمد كقولنا. ثم قال في الفوائد: ولا معنى لما قال في الكتاب؛ لأنه يحتمل أنها أرادت بذلك بعد النكاح؛ لأن الوطء بعد النكاح لا يكون، زنا، ومطلق القذف بالزنا محمول على الزنا حقيقة. والجواب عنه أن الزوج بقوله إياها: يا زانية أغضبها وآذاها، وهي بقولها: زنيتُ بك أغضبته وآذته متمسكة بقوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانِ﴾ [النور: ٣] فعلى هذا الاعتبار يجب اللعان لوجود القذف منه، ولا يجب الحد عليها؛ لأنها ما قذفته بالزنا، ولكن سمت الوطء بعد النكاح زنا مجازا بطريق المشاكلة، كما في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] و ﴿وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةُ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. قوله: (فَجَاءَ مَا قُلْنَا) أي: لا حد ولا لعان؛ لوقوع الشك في كل واحد منهما من الحد واللعان؛ إذ يجب كل واحد في حال دون حال كما بينا. إليه الإشارة في قاضي خان. وفي المبسوط (١): وكذا لو قالت لزوجها ابتداء: زنيتُ بك، ثم قذفها الزوج بعد ذلك لم يكن عليه حد ولا لعان؛ لوجود الإقرار منها بالزنا بقولها: زنيتُ بِكَ. ولو قال لأجنبية: يا زانية، فقالت: زنيت بك لا يحد الرجل؛ لتصديقها إياه، والمقذوف متى صدق القاذف فيما رماه به لا يجب حد القذف، ولكن تحد المرأة؛ لأنها قذفته بالزنا، وتحد بإقرارها بالزنا مرة عند مالك والشافعي حد الزنا، وقد بينا الخلاف فيها.

стр. 3954

(وَمَنْ أَقَرَّ بِوَلَد، ثُمَّ نَفَاهُ، فَإِنَّهُ يُلَاعِنُ) لِأَنَّ النَّسَبَ لَزِمَهُ بِإِقْرَارِهِ، وَبِالنَّفْيِ بَعدَهُ صَارَ قَاذِفًا فَيُلَاعِنُ (وَإِنْ نَفَاهُ ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ حُدَّ) لِأَنَّهُ لَمَّا أَكذَبَ نَفْسَهُ بَطَلَ اللَّعَانُ، لِأَنَّهُ حَدٌّ ضَرُورِيٌّ صُيِّرَ إِلَيْهِ ضَرُورَةَ التَّكَاذُبِ، وَالأَصلُ فِيهِ حَدُّ القَدْفِ. فَإِذَا بَطَلَ التَّكَاذُبُ يُصَارُ إِلَى الأَصلِ، (وَالوَلَدُ وَلَدُهُ) فِي الوَجْهَينِ: لِإِقْرَارِهِ بِهِ سَابِقًا أَوْ لَاحِقًا، وَاللَّعَانُ يَصِحُ بِدُونِ قَطْعِ النَّسَبِ كَمَا يَصِحُ بِدُونِ الوَلَدِ وَإِنْ قَالَ: لَيسَ بِابَنِي وَلَا بِابْنِكَ، فَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ الوِلَادَةَ وَبِهِ لَا يَصِيرُ قَاذِفًا. (وَمَنْ قَذَفَ امْرَأَة وَمَعَهَا أَولَادٌ لَم يُعرَف لَهُمْ أَبٌ، أَوْ قَذَفَ المُلَاعَنَةَ بِوَلَد قوله: (وَمَنْ أَقَرَّ بِوَلَدٍ) يعني له امرأة فولدت فأقر أنه ابنه (ثم نفاه) بأن قال: ليس ولدي. قوله: (لأنه)؛ أي: لأن اللعان (حد ضروري صُيّر إليه) عند (التكاذب)، والحد الأصلي حد القذف، فإذا بطل التكاذب بطل اللعان، فيصار إلى الأصل، وهو الحد. (والولد ولده)؛ أي: يثبت نسبه في الوجهين فيما إذا أقر أولا ثم نفاه، أو نفاه أولا ثم أقر، ونظيرها ما مر في آخر باب اللعان فيما إذا أقر بأول التوأمين، ونفى الثاني يثبت نسبهما مع اللعان … إلى آخره. وقوله: (واللعان يصح … ) إلى آخره، جواب سؤال مقدر، وهو أن يقال: إن سبب اللعان كان نفي الولد، فلما لم يَنْتَفِ الولد كيف يجب اللعان؟ فقال: ليس من ضرورة اللعان قطع النسب؛ لأنه ينفك عنه وجودًا وعدمًا، فاللعان شرع بلا ولد. ألا ترى إذا تطاولت المدة من حين الولادة ثم نفى يلاعن بينهما، ولا ينقطع نسب الولد، ولو نفى ولد امرأته الأمة ينتفي النسب، ولا يجري اللعان بينهما. إليه أشار البزدوي. قوله: (وبه)؛ أي: بإنكار الولادة (لا يصير قاذفًا)؛ لأنه إنكار للزنا، فلم يجب، ولا لعان. قوله: (أو قذف الملاعنة) - بفتح العين؛ التي لاعنت بولد. وقد صرح بهذا في الكافي.

стр. 3955

وَالوَلَدُ حَيٌّ، أَوْ قَذَفَهَا بَعدَ مَوتِ الوَلَدِ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ) لِقِيَامِ أَمَارَةِ الزِّنَا مِنهَا وَهِيَ وِلَادَةُ وَلَد لَا أَبَ لَهُ، فَفَاتَت العِفَّةُ نَظَرًا إِلَيْهَا وَهِيَ شَرطُ الإِحْصَانِ وَلَو قَذَفَ امْرَأَة لَا عَنَت بِغَيْرِ وَلَد فَعَلَيْهِ الحَدُّ لِاِنعِدَامِ أَمَارَةِ الزِّنَا. قَالَ: (وَمَنْ وَطِئَ وَطئًا حَرَامًا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ، لَم يُحَدَّ قَاذِفُهُ) لِفَوَاتِ العِفَّةِ، وَهِيَ شَرطُ الإِحْصَانِ، وَلِأَنَّ القَاذِفَ صَادِقٌ، وَالأَصلُ فِيهِ: أَنَّ مَنْ وَطِئَ وَطئًا حَرَامًا لِعَيْنِهِ لَا يَجِبُ الحَدُّ بِقَدْفِهِ؛ لِأَنَّ الزِّنَا هُوَ الوَطءُ المُحَرَّمُ لِعَينِهِ، وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا لِغَيْرِهِ يُحَدُّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزِنا، فَالوَطءُ فِي غَيْرِ المِلكِ مِنْ كُلِّ وَجهِ أَوْ مِنْ وَجه قوله: (نظرًا إليها)؛ أي: إلى الأمارة (وهي) أي: العفة (شرط) وجوب حد القذف وهي فائتة، فلا يجب الحد. قوله: (لاعنت بغير ولد). وذكر التمرتاشي: وكذا لو لاعنت بولد ثم أكذب الزوج نفسه، ولزمه الولد، ثم قاذفها قاذف حُدَّ القاذف؛ لزوال التهمة، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد وجمهور العلماء، ولا أعلم فيه خلافًا. (لانعدام أمارة الزنا) واللعان قائم مقام حد القذف في جانب الزوج؛ فصار مؤكدًا للعفة بخلاف ما لو لاعنت بالولد؛ لأن بطلان الإحصان يقطع النسب بعد اللعان. فإن قيل: اللعان في جانبها قائم مقام حد الزنا، فكانت محدودة في الزنا، فوجب ألا يحد قاذفها. قلنا: اللعان في جانبها قائم مقام حد الزنا بالنسبة إلى الزوج لا بالنسبة إلى غيره، فكانت محصنة في حق الغير، ألا ترى أن اللعان قائم مقام حد القذف في حقه بالنسبة إليها لا بالنسبة إلى غيرها حتى قبلنا شهادته، ولا نعلم فيه خلافًا، إلا أن الشافعي قال في وجه: إذا قذفها أجنبي بذلك الزنا التي لاعنت فيه لا يحد. قوله: (فالوطء في غير الملك من كل وجه) كالأجنبية وأمة الغير، أو من أمة كالأمة المشتركة.

стр. 3956

حَرَامٌ لِعَيْنِهِ، وَكَذَا الوَطْءُ فِي المِلكِ، وَالحُرمَةُ مُؤَبَّدَةٌ، فَإِنْ كَانَتِ الحُرمَةُ مُؤَقَّتَة فَالحُرمَةُ لِغَيْرِهِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَشْتَرِطُ أَنْ تَكُونَ الحُرمَةُ المُؤَبَّدَةُ ثَابِتَةٌ بِالإِجْمَاعِ، أو بِالحَدِيثِ المَشْهُورِ لِتَكُونَ ثَابِتَةً مِنْ غَيْرِ تَرَدُّد (وَبَيَانُهُ: أَنَّ مَنْ قَذَفَ رَجُلًا وَطِئَ جَارِيَة قوله: (وَالحُرمَةُ مُؤَبَّدَةٌ) كوطء أمته التي هي أخته من الرضاع، ولو كانت الحرمة مؤقتة، كالأمة المزوجة والأمة المجوسية ووطء أمتيه الأختين أو الوطء في حالة الحيض والنفاس ثابتة بالإجماع، كموطوءة ابنه بالنكاح أو بملك اليمين، ثم اشتراها الابن فوطئها لا يحد قاذفه؛ لأن الحرمة مؤبدة بالإجماع، فلو نظر الى فرج امرأة بشهوة أو لمسها بشهوة ثم اشترى ابنتها أو أمها أو تزوجها فوطئها حد قاذفه عند أبي حنيفة، وبه قال مالك وأحمد والشافعي. وعندهما لا يحد؛ لأن الحرمة مؤبدة، ولا اعتبار للاختلاف في ثبوت حرمة المصاهرة بالنظر واللمس، كما لو اشترى موطوءة أبيه بالزنا فوطئها يسقط إحصانه، وثبوت حرمة المصاهرة بالزنا مختلف فيه، ولا نص يدل عليه، بل أثبتنا حرمة المصاهرة بهما أخذا بالاحتياط [إقامة للسبب الداعي للوطء مقام الوطء، وبمثل هذا الاحتياط] (١) لا يثبت الإحصان الثابت بيقين. بخلاف الزنا فإن ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] والنكاح حقيقة للوطء كما عرف، فلا يعتبر اختلاف العلماء مع وجود النص، وكذا وطء الأب جارية ابنه مسقط للإحصان. الكل من المبسوط (٢). قوله: (أو بالحديث المشهور) وهو قوله ﵇: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِشُهُود» (٣).

стр. 3957

مُشتَرَكَةِ بَينَهُ وَبَينَ آخَرَ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ) لانعِدَامِ المِلكِ مِنْ وَجه (وَكَذَا إِذَا قَذَفَ امْرَأَة زَنَت فِي نَصَرَانِيَّتِهَا) لِتَحَقُّقِ الزِّنَا مِنهَا شَرعًا لانعِدَامِ المِلكِ وَلِهَذَا وَجَبَ عَلَيْهَا الحَدُّ. (وَلَو قَذَفَ رَجُلًا أَتَى أَمَتَهُ وَهِيَ مَجُوسِيَّةٌ، أَوْ امرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضُ، أَوْ مُكَاتَبَة لَهُ، فَعَلَيهِ الحَدُّ) لِأَنَّ الحُرمَةَ مَعَ قِيَامِ المِلكِ وَهِيَ مُؤَقَّتَةٌ فَكَانَتِ الحُرمَةُ لِغَيْرِ. وفي الفوائد الظهيرية: هذا حديث مشهور، ولم يعرف هذا الخلاف بين الصحابة. ومن صوره: الحرمة الثابتة بالحديث المشهور وطء أمته وهي خالته أو عمته من الرضاع؛ لأن حرمتهما ثابتة بقوله ﵇: «يَحرُمُ مِنَ الرِّضاعِ ما يَحرمُ مِنَ النِّسَبِ» (١). قوله: (لا حَدَّ عَلَيْهِ) أي: على قاذفه؛ لانعدام الملك من وجه يصير القاذف صادقًا في كلامه من وجه؛ لأنه في نصيب الشريك زان، والإحصان كما يزول بالزنا من كل وجه يزول بالزنا من وجه؛ لأن حد القذف يسقط بالشبهة، فصار الزنا من وجه شبهة مانعة من وجوب الحد، كما يصير عدم الزنا من وجه شبهة مانعة من وجوب الحد. وعند مالك يحد؛ لأن ثبوت الإحصان بكل وطء موجب للحد، كوطء المملوكة المحرمة بالرضاع أو الجارية المشتركة أو جارية الابن لا يسقط الإحصان، وكذا الوطء بالشبهة، والوطء في الصبا، ووطء الحائض والنفساء والمحرمة والصائمة لا يسقط. ذكره في الجواهر. قوله: (امْرَأَةً زَنَتْ فِي نَصْرَانِيَّتِهَا). وفي المبسوط (٢): لو قذف مسلما زنى في حال كفره في دار الحرب أو في دارنا لم يحد قاذفه؛ لأن الزنا يتحقق من الكافر وإن لم يقم عليه الحد، فيكون القاذف صادقًا، فكان التقيد بالنصرانية اتفاقيا، وعند مالك وأحمد والشافعي في وجه يحد؛ لأنه قذفه في حال كونه مسلما محصنًا؛ لعموم الآية ووجود المعنى؛ إذ الزنا في حال الكفر لا يوجب الحد فلا اعتبار له شرعًا.

стр. 3958

فَلَمْ يَكُنْ زِنَا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ وَطءَ المُكَاتَبَةِ يُسقِطُ الإِحْصَانَ، وَهُوَ قَولُ زُفَرَ، لأَنَّ المِلكَ زَائِلٌ فِي حَقِّ الوَطءِ وَلِهَذَا يَلزَمُهُ العُقرُ بِالوَطْءِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: مِلكُ الذَّاتِ بَاقِ وَالحُرمَةُ لِغَيْرِهِ إِذْ هِيَ مُؤَقَّتَةٌ. (وَلَو قَذَفَ رَجُلًا وَطِئَ أَمَتَهُ وَهِيَ أُختُهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ لَا يُحَدُّ لِأَنَّ الحُرمَةَ مُؤَبَّدَةٌ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَلَو قَذَفَ مُكَاتَبًا مَاتَ وَتَرَكَ وَفَاء، لَا حَدَّ عَلَيْهِ) لِتَمَكَّنِ الشُّبْهَةِ فِي الحُرِّيَّةِ، لِمَكَانِ اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ. وجوابه ما قلنا: إن الزنا يتحقق من الكافر إلا أنه لا يحد، فيكون قاذفه صادقًا؛ إذ الزنا حرام في كل الأديان، وإنما يرتفع بالإسلام الإثم دون حقيقة الزنا. قوله: (فَلَمْ يَكُنْ زِنًا)؛ لأن الزنا وطء لم يُلاقِ ملكه، قال تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]، وهكذا لو وطئ أمته المزوجة حد قاذفه؛ لأن الحرمة مع قيام الملك، وهي مؤقتة؛ إذ العارض على شرف الزوال. قوله: (ولهذا يلزمه العقر بالوطء) ولو بقي الملك من كل وجه، وحرم الوطء بعارض لما وجب العقد، كوطء أمته أو امرأته الحائض. قوله: (إذ هي) أي: الحرمة (مؤقتة) ووجوب العقر لا يدل على سقوط الإحصان، كالراهن إذا وطئ أمته المرهونة وهي بكر يلزمه العقر، ولا يسقط الإحصان. كذا في المبسوط (١). قوله: (وهذا هو الصحيح) احتراز عن قول الكرخي، فإنه يقول: بوطئها يسقط إحصانه، وبه قال مالك وأحمد والشافعي في وجه؛ لقيام الملك الذي هو مبيح، كوطء أمته المجوسية وامرأته الحائض أو أمته المزوجة لغيره. وجه الصحيح أن الحل والحرمة متضادان، فمن ضرورة ثبوت الحرمة المؤبدة انتفاء الحل، أو السبب إنما يوجب الحل إذا كان المحل قابلا، وإذا لم يقبل فلا يثبت ملك الحل، فكان فعله في معنى الزنا. كذا في المبسوط (٢). قوله: (لاختلاف الصحابة) فإنهم اختلفوا في موته حرا أو عبداً، فأورث

стр. 3959

(وَلَو قَذَفَ مَجُوسِيًّا تَزَوَّجَ بِأُمِّهِ ثُمَّ أَسْلَمَ، يُحَدُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: لَا حَدَّ عَلَيْهِ) وَهَذَا بِنَاء عَلَى أَنَّ تَزَوُّجَ المَجُوسِيِّ بِالمَحَارِمِ لَهُ حُكمُ الصِّحَّةِ فِيمَا بَينَهُم عِندَهُ خِلَافا لَهُمَا. وَقَدْ مَرَّ فِي النِّكَاحِ. (وَإِذَا دَخَلَ الحَربِيُّ دَارَنَا بِأَمَان فَقَذَفَ مُسلِمًا حُدَّ) لِأَنَّ فِيهِ حَقَّ العَبْدِ وَقَدْ التَزَمَ إيفَاءَ حُقُوقِ العِبَادِ، وَلِأَنَّهُ طَمِعَ فِي أَنْ لَا يُؤذَى فَيَكُونَ مُلتَزَمًا أَنْ لَا يُؤْذِيَ وَمُوجِبُ أَذَاهُ الحَدُّ (وَإِذَا حُدَّ المُسلِمُ فِي قَذف سَقَطَت شَهَادَتُهُ وَإِنْ تَابَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُقبَلُ إِذَا تَابَ وَهِيَ تُعرَفُ فِي الشَّهَادَاتِ (وَإِذَا حُدَّ الكَافِرُ فِي قَذف لَم تَجُرْ شَهَادَتُهُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ) لِأَنَّ لَهُ الشَّهَادَةَ عَلَى جِنسِهِ فَتُرَدُّ تَتِمَّة لَحَدِّهِ (فَإِنْ أَسْلَمَ قُبِلَت شَهَادَتُهُ عَلَيْهِم وَعَلَى المُسلِمِينَ) لِأَنَّ هَذِهِ شَهَادَةُ اسْتَفَادَهَا بَعدَ الإِسْلَامِ فَلَم تَدخُل تَحتَ شبهة ولا يثبت شرط إحصان القذف بالشك، ولا أعلم خلافًا. قوله: (وَقَالَا: لَا حَدَّ عَلَيْهِ) وبه قالت الأئمة الثلاثة (وقد مر في النكاح) أي: في باب نكاح أهل الشرك. قوله: (فقذف مسلما حُدَّ) أي: بإجماع الأئمة الأربعة، وقال أبو حنيفة أولا: لا يحد؛ لأن المغلب فيه حق الله تعالى، فكان بمنزلة حد الزنا، ثم رجع. وجه ظاهر الرواية؛ أن المستأمن التزم ألا يؤذي أحدًا؛ لأنه طمع ألا يُؤذَى، فكان ملتزما موجب إيذائه، وهو حد القذف، فكان فيه بمنزلة الذمي. كذا في الفوائد الظهيرية. و (إيفاء) لفظ مصدر (أوفى)، أي: كمل. قوله: (موجب أَذَاهُ) أي: ملتزما موجب أذاه، وهو حد القذف. قوله: (الشافعي: تُقبل إذا تاب) وبه قال مالك والليث وعثمان البتي، وفي الشهادات. قوله: (قبلت شهادته عليهم وعلى المسلمين) ولا أعلم فيه خلافًا. قوله: (هَذِهِ شَهَادَةُ اسْتَفَادَهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ). فإن قيل: شهادة أهل الذمة ثابتة عندنا، وكانت مردودة بالحدود، فينبغي ألا تقبل على أهل الذمة بالإسلام عندنا.

стр. 3960

الرَّدُّ، بِخِلَافِ العَبدِ إِذَا حُدَّ حَدَّ القَدْفِ ثُمَّ أُعْتِقَ، حَيثُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، لِأَنَّهُ لَا شَهَادَةَ لَهُ أَصْلًا فِي حَالِ الرِّقِّ فَكَانَ رَدُّ شَهَادَتِهِ بَعدَ العِتْقِ مِنْ تَمَامِ حَدِّهِ. قلنا: بلى كذلك، إلا أن بالإسلام استفاد أهلية شهادة أهل الذمة تبعا لأهلية الشهادة على المسلمين، فكان هذا غير ما كان قبل الإسلام. كذا في جامع شمس الأئمة (١). قوله: (مِنْ تَمَامِ حَدِّهِ) أي: حد العبد. في المبسوط (٢): رد شهادته من تتمة الحد، فيتوقف ذلك على صيرورته أهلا للشهادة، وبالعتق صار من أهل الشهادة. فإن قيل: لما لم يكن أهلًا أصلاً حالة رقه لم يكن إقامة الحد ملاقيا لرد شهادته وقت الإقامة، فلم يكن الحد حال رقه موجبًا رد الشهادة، فكيف ينقلب موجبا للرد بعد ذلك؟ وينبغي ألا ينقلب كما في زنا الموجود في دار الحرب، فبالإسلام أو دخول دارنا لا ينقلب موجبًا، وكما في سقوط الاستبراء حال حدوث الملك بنكاح الغير ثم الطلاق بعد ذلك. قلنا: قال شمس الأئمة (٣): للعبد حالة إقامة الحد عدالة الإسلام، ولهذا يقبل خبره في الديانات، وقد صارت تلك العدالة مجروحة بالحد، ولم يستفد بالحرية عدالة أخرى، فلا تقبل شهادته. أما الكافر لم تكن له عدالة الإسلام، ولهذا لا نقبل خبره في الديانات، فعند الإسلام استفاد عدالة حادثة لم تصر مجروحة بالحد، فلهذا كان مقبول الشهادة، أو لأنه لما لم تكن له شهادة أصلا وقت الحد توقف الحد على حدوث الشهادة، فردت عند حدوثها، بخلاف الذمي، فإن له شهادة في جنسه، فلم يتوقف على حدوث الشهادة، بل يكمل الرد في إبطال تلك الشهادة، فلم تعمل في الحادث. كذا ذكره قاضي خان (٤).
следующие страницы →