← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

حَرَامٌ لِعَيْنِهِ، وَكَذَا الوَطْءُ فِي المِلكِ، وَالحُرمَةُ مُؤَبَّدَةٌ، فَإِنْ كَانَتِ الحُرمَةُ مُؤَقَّتَة فَالحُرمَةُ لِغَيْرِهِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَشْتَرِطُ أَنْ تَكُونَ الحُرمَةُ المُؤَبَّدَةُ ثَابِتَةٌ بِالإِجْمَاعِ، أو بِالحَدِيثِ المَشْهُورِ لِتَكُونَ ثَابِتَةً مِنْ غَيْرِ تَرَدُّد (وَبَيَانُهُ: أَنَّ مَنْ قَذَفَ رَجُلًا وَطِئَ جَارِيَة قوله: (وَالحُرمَةُ مُؤَبَّدَةٌ) كوطء أمته التي هي أخته من الرضاع، ولو كانت الحرمة مؤقتة، كالأمة المزوجة والأمة المجوسية ووطء أمتيه الأختين أو الوطء في حالة الحيض والنفاس ثابتة بالإجماع، كموطوءة ابنه بالنكاح أو بملك اليمين، ثم اشتراها الابن فوطئها لا يحد قاذفه؛ لأن الحرمة مؤبدة بالإجماع، فلو نظر الى فرج امرأة بشهوة أو لمسها بشهوة ثم اشترى ابنتها أو أمها أو تزوجها فوطئها حد قاذفه عند أبي حنيفة، وبه قال مالك وأحمد والشافعي. وعندهما لا يحد؛ لأن الحرمة مؤبدة، ولا اعتبار للاختلاف في ثبوت حرمة المصاهرة بالنظر واللمس، كما لو اشترى موطوءة أبيه بالزنا فوطئها يسقط إحصانه، وثبوت حرمة المصاهرة بالزنا مختلف فيه، ولا نص يدل عليه، بل أثبتنا حرمة المصاهرة بهما أخذا بالاحتياط [إقامة للسبب الداعي للوطء مقام الوطء، وبمثل هذا الاحتياط] (١) لا يثبت الإحصان الثابت بيقين. بخلاف الزنا فإن ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] والنكاح حقيقة للوطء كما عرف، فلا يعتبر اختلاف العلماء مع وجود النص، وكذا وطء الأب جارية ابنه مسقط للإحصان. الكل من المبسوط (٢). قوله: (أو بالحديث المشهور) وهو قوله ﵇: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِشُهُود» (٣).

стр. 3957

مُشتَرَكَةِ بَينَهُ وَبَينَ آخَرَ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ) لانعِدَامِ المِلكِ مِنْ وَجه (وَكَذَا إِذَا قَذَفَ امْرَأَة زَنَت فِي نَصَرَانِيَّتِهَا) لِتَحَقُّقِ الزِّنَا مِنهَا شَرعًا لانعِدَامِ المِلكِ وَلِهَذَا وَجَبَ عَلَيْهَا الحَدُّ. (وَلَو قَذَفَ رَجُلًا أَتَى أَمَتَهُ وَهِيَ مَجُوسِيَّةٌ، أَوْ امرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضُ، أَوْ مُكَاتَبَة لَهُ، فَعَلَيهِ الحَدُّ) لِأَنَّ الحُرمَةَ مَعَ قِيَامِ المِلكِ وَهِيَ مُؤَقَّتَةٌ فَكَانَتِ الحُرمَةُ لِغَيْرِ. وفي الفوائد الظهيرية: هذا حديث مشهور، ولم يعرف هذا الخلاف بين الصحابة. ومن صوره: الحرمة الثابتة بالحديث المشهور وطء أمته وهي خالته أو عمته من الرضاع؛ لأن حرمتهما ثابتة بقوله ﵇: «يَحرُمُ مِنَ الرِّضاعِ ما يَحرمُ مِنَ النِّسَبِ» (١). قوله: (لا حَدَّ عَلَيْهِ) أي: على قاذفه؛ لانعدام الملك من وجه يصير القاذف صادقًا في كلامه من وجه؛ لأنه في نصيب الشريك زان، والإحصان كما يزول بالزنا من كل وجه يزول بالزنا من وجه؛ لأن حد القذف يسقط بالشبهة، فصار الزنا من وجه شبهة مانعة من وجوب الحد، كما يصير عدم الزنا من وجه شبهة مانعة من وجوب الحد. وعند مالك يحد؛ لأن ثبوت الإحصان بكل وطء موجب للحد، كوطء المملوكة المحرمة بالرضاع أو الجارية المشتركة أو جارية الابن لا يسقط الإحصان، وكذا الوطء بالشبهة، والوطء في الصبا، ووطء الحائض والنفساء والمحرمة والصائمة لا يسقط. ذكره في الجواهر. قوله: (امْرَأَةً زَنَتْ فِي نَصْرَانِيَّتِهَا). وفي المبسوط (٢): لو قذف مسلما زنى في حال كفره في دار الحرب أو في دارنا لم يحد قاذفه؛ لأن الزنا يتحقق من الكافر وإن لم يقم عليه الحد، فيكون القاذف صادقًا، فكان التقيد بالنصرانية اتفاقيا، وعند مالك وأحمد والشافعي في وجه يحد؛ لأنه قذفه في حال كونه مسلما محصنًا؛ لعموم الآية ووجود المعنى؛ إذ الزنا في حال الكفر لا يوجب الحد فلا اعتبار له شرعًا.

стр. 3958

فَلَمْ يَكُنْ زِنَا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ وَطءَ المُكَاتَبَةِ يُسقِطُ الإِحْصَانَ، وَهُوَ قَولُ زُفَرَ، لأَنَّ المِلكَ زَائِلٌ فِي حَقِّ الوَطءِ وَلِهَذَا يَلزَمُهُ العُقرُ بِالوَطْءِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: مِلكُ الذَّاتِ بَاقِ وَالحُرمَةُ لِغَيْرِهِ إِذْ هِيَ مُؤَقَّتَةٌ. (وَلَو قَذَفَ رَجُلًا وَطِئَ أَمَتَهُ وَهِيَ أُختُهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ لَا يُحَدُّ لِأَنَّ الحُرمَةَ مُؤَبَّدَةٌ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَلَو قَذَفَ مُكَاتَبًا مَاتَ وَتَرَكَ وَفَاء، لَا حَدَّ عَلَيْهِ) لِتَمَكَّنِ الشُّبْهَةِ فِي الحُرِّيَّةِ، لِمَكَانِ اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ. وجوابه ما قلنا: إن الزنا يتحقق من الكافر إلا أنه لا يحد، فيكون قاذفه صادقًا؛ إذ الزنا حرام في كل الأديان، وإنما يرتفع بالإسلام الإثم دون حقيقة الزنا. قوله: (فَلَمْ يَكُنْ زِنًا)؛ لأن الزنا وطء لم يُلاقِ ملكه، قال تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]، وهكذا لو وطئ أمته المزوجة حد قاذفه؛ لأن الحرمة مع قيام الملك، وهي مؤقتة؛ إذ العارض على شرف الزوال. قوله: (ولهذا يلزمه العقر بالوطء) ولو بقي الملك من كل وجه، وحرم الوطء بعارض لما وجب العقد، كوطء أمته أو امرأته الحائض. قوله: (إذ هي) أي: الحرمة (مؤقتة) ووجوب العقر لا يدل على سقوط الإحصان، كالراهن إذا وطئ أمته المرهونة وهي بكر يلزمه العقر، ولا يسقط الإحصان. كذا في المبسوط (١). قوله: (وهذا هو الصحيح) احتراز عن قول الكرخي، فإنه يقول: بوطئها يسقط إحصانه، وبه قال مالك وأحمد والشافعي في وجه؛ لقيام الملك الذي هو مبيح، كوطء أمته المجوسية وامرأته الحائض أو أمته المزوجة لغيره. وجه الصحيح أن الحل والحرمة متضادان، فمن ضرورة ثبوت الحرمة المؤبدة انتفاء الحل، أو السبب إنما يوجب الحل إذا كان المحل قابلا، وإذا لم يقبل فلا يثبت ملك الحل، فكان فعله في معنى الزنا. كذا في المبسوط (٢). قوله: (لاختلاف الصحابة) فإنهم اختلفوا في موته حرا أو عبداً، فأورث

стр. 3959

(وَلَو قَذَفَ مَجُوسِيًّا تَزَوَّجَ بِأُمِّهِ ثُمَّ أَسْلَمَ، يُحَدُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: لَا حَدَّ عَلَيْهِ) وَهَذَا بِنَاء عَلَى أَنَّ تَزَوُّجَ المَجُوسِيِّ بِالمَحَارِمِ لَهُ حُكمُ الصِّحَّةِ فِيمَا بَينَهُم عِندَهُ خِلَافا لَهُمَا. وَقَدْ مَرَّ فِي النِّكَاحِ. (وَإِذَا دَخَلَ الحَربِيُّ دَارَنَا بِأَمَان فَقَذَفَ مُسلِمًا حُدَّ) لِأَنَّ فِيهِ حَقَّ العَبْدِ وَقَدْ التَزَمَ إيفَاءَ حُقُوقِ العِبَادِ، وَلِأَنَّهُ طَمِعَ فِي أَنْ لَا يُؤذَى فَيَكُونَ مُلتَزَمًا أَنْ لَا يُؤْذِيَ وَمُوجِبُ أَذَاهُ الحَدُّ (وَإِذَا حُدَّ المُسلِمُ فِي قَذف سَقَطَت شَهَادَتُهُ وَإِنْ تَابَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُقبَلُ إِذَا تَابَ وَهِيَ تُعرَفُ فِي الشَّهَادَاتِ (وَإِذَا حُدَّ الكَافِرُ فِي قَذف لَم تَجُرْ شَهَادَتُهُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ) لِأَنَّ لَهُ الشَّهَادَةَ عَلَى جِنسِهِ فَتُرَدُّ تَتِمَّة لَحَدِّهِ (فَإِنْ أَسْلَمَ قُبِلَت شَهَادَتُهُ عَلَيْهِم وَعَلَى المُسلِمِينَ) لِأَنَّ هَذِهِ شَهَادَةُ اسْتَفَادَهَا بَعدَ الإِسْلَامِ فَلَم تَدخُل تَحتَ شبهة ولا يثبت شرط إحصان القذف بالشك، ولا أعلم خلافًا. قوله: (وَقَالَا: لَا حَدَّ عَلَيْهِ) وبه قالت الأئمة الثلاثة (وقد مر في النكاح) أي: في باب نكاح أهل الشرك. قوله: (فقذف مسلما حُدَّ) أي: بإجماع الأئمة الأربعة، وقال أبو حنيفة أولا: لا يحد؛ لأن المغلب فيه حق الله تعالى، فكان بمنزلة حد الزنا، ثم رجع. وجه ظاهر الرواية؛ أن المستأمن التزم ألا يؤذي أحدًا؛ لأنه طمع ألا يُؤذَى، فكان ملتزما موجب إيذائه، وهو حد القذف، فكان فيه بمنزلة الذمي. كذا في الفوائد الظهيرية. و (إيفاء) لفظ مصدر (أوفى)، أي: كمل. قوله: (موجب أَذَاهُ) أي: ملتزما موجب أذاه، وهو حد القذف. قوله: (الشافعي: تُقبل إذا تاب) وبه قال مالك والليث وعثمان البتي، وفي الشهادات. قوله: (قبلت شهادته عليهم وعلى المسلمين) ولا أعلم فيه خلافًا. قوله: (هَذِهِ شَهَادَةُ اسْتَفَادَهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ). فإن قيل: شهادة أهل الذمة ثابتة عندنا، وكانت مردودة بالحدود، فينبغي ألا تقبل على أهل الذمة بالإسلام عندنا.

стр. 3960

الرَّدُّ، بِخِلَافِ العَبدِ إِذَا حُدَّ حَدَّ القَدْفِ ثُمَّ أُعْتِقَ، حَيثُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، لِأَنَّهُ لَا شَهَادَةَ لَهُ أَصْلًا فِي حَالِ الرِّقِّ فَكَانَ رَدُّ شَهَادَتِهِ بَعدَ العِتْقِ مِنْ تَمَامِ حَدِّهِ. قلنا: بلى كذلك، إلا أن بالإسلام استفاد أهلية شهادة أهل الذمة تبعا لأهلية الشهادة على المسلمين، فكان هذا غير ما كان قبل الإسلام. كذا في جامع شمس الأئمة (١). قوله: (مِنْ تَمَامِ حَدِّهِ) أي: حد العبد. في المبسوط (٢): رد شهادته من تتمة الحد، فيتوقف ذلك على صيرورته أهلا للشهادة، وبالعتق صار من أهل الشهادة. فإن قيل: لما لم يكن أهلًا أصلاً حالة رقه لم يكن إقامة الحد ملاقيا لرد شهادته وقت الإقامة، فلم يكن الحد حال رقه موجبًا رد الشهادة، فكيف ينقلب موجبا للرد بعد ذلك؟ وينبغي ألا ينقلب كما في زنا الموجود في دار الحرب، فبالإسلام أو دخول دارنا لا ينقلب موجبًا، وكما في سقوط الاستبراء حال حدوث الملك بنكاح الغير ثم الطلاق بعد ذلك. قلنا: قال شمس الأئمة (٣): للعبد حالة إقامة الحد عدالة الإسلام، ولهذا يقبل خبره في الديانات، وقد صارت تلك العدالة مجروحة بالحد، ولم يستفد بالحرية عدالة أخرى، فلا تقبل شهادته. أما الكافر لم تكن له عدالة الإسلام، ولهذا لا نقبل خبره في الديانات، فعند الإسلام استفاد عدالة حادثة لم تصر مجروحة بالحد، فلهذا كان مقبول الشهادة، أو لأنه لما لم تكن له شهادة أصلا وقت الحد توقف الحد على حدوث الشهادة، فردت عند حدوثها، بخلاف الذمي، فإن له شهادة في جنسه، فلم يتوقف على حدوث الشهادة، بل يكمل الرد في إبطال تلك الشهادة، فلم تعمل في الحادث. كذا ذكره قاضي خان (٤).

стр. 3961

(وَإِنْ ضُرِبَ سَوطًا فِي قَذف ثُمَّ أَسْلَمَ، ثُمَّ ضُرِبَ مَا بَقِيَ جَازَتْ شَهَادَتُهُ) لِأَنَّ رَدَّ الشَّهَادَةِ مُتَمِّمُ لِلحَدِّ فَيَكُونُ صِفَة لَهُ، وَالمُقَامُ بَعدَ الإِسْلَامِ بَعضُ الحَدِّ فَلَا يَكُونُ رَدُّ الشَّهَادَةِ صِفَةٌ لَهُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ، إذ الأَقَلُّ تَابِعُ لِلأَكثَرِ، وَالأَوَّلُ أَصَحُ (*). قَالَ: (وَمَنْ قَذَفَ أَوْ زَنَى أَوْ شَرِبَ غَيْرَ مَرَّة فَحُدَّ، فَهُوَ لِذَلِكَ كُلِّهِ) أَمَّا قوله: (فلا يكون صفةً له) أي: للحد. فإن قيل: كما أن المقام بعد الإسلام بعض الحد، فكذلك المقام قبله بعض الحد أيضًا، فينبغي ألا يكون صفة له، وأيضًا جعله لما أقيم بعد الإسلام أولى؛ لما أن العلة إذا كانت ذات وصفين فالاعتبار للوصف الأخير. دليله حديث أبي بكر ﵁ حين قال لزان أقرَّ عند النبي ﷺ بالزنا: إياك والرابعة فإنها الموجبة. قلنا: النص ورد بالجلد والنهي عن القبول، وكل واحد منهما غير مرتب على الآخر نصا، فيتعلق كل واحد بما يمكن والممكن زمان النهي رد شهادة قائمة للحال، فيتقيد النهي به. كذا في الفوائد الظهيرية (١). قوله: (والأول أصح) ووجهه قد ذكرنا بأن النص ورد بالأمر بالجلد وبالنهي إلى آخر ما ذكره في الفوائد الظهيرية. قوله: (فَهُوَ لِذَلِكَ كُلِّهِ) وبقولنا قال مالك والثوري وابن أبي ليلى والشعبي والزهري والنخعي وقتادة وحماد وطاوس وأحمد في رواية والشافعي في قول إن قذف الجماعة بكلمة واحدة، أما لو قذفهم بكلمات أو لواحد مرات بزنا آخر يجب لكل قذف حد عنده، وبه قال أحمد في رواية. واحتجا في ذلك بعموم الآية، ولأنه حق الآدمي، فلا يتداخل حق الآدميين، كالديون والقصاص، بخلاف ما لو قذفهم بكلمة واحدة [أو مرارًا لواحد، فإن المقصود يحصل بواحد، وفي الجديد لا يتداخل فيما لو قذفهم بكلمة واحدة] (٢) أيضًا.

стр. 3962

الآخرانِ: فَلِأَنَّ المَقصِدَ مِنْ إِقَامَةِ الحَدِّ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى الإِنزِجَارُ، وَاحْتِمَالُ حُصُولِهِ بالأَوَّلِ قَائِمٌ فَتَتَمَكَّنُ شُبْهَةُ فَوَاتِ المَقصُودِ فِي الثَّانِي، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا زَنَى وَقَذَفَ وَسَرَقَ وَشَرِبَ، لِأَنَّ المَقصُودَ مِنْ كُلِّ جِنس غَيْرُ المَقْصُودِ مِنَ الْآخَرِ فَلَا يَتَدَاخَلُ. وَأَمَّا القَدْفُ فَالمُغَلَّبُ فِيهِ عِنْدَنَا حَقُّ اللَّهِ فَيَكُونُ مُلحَقًا بِهِمَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إن اختَلَفَ المَقذُوفُ أَوْ المَقذُوفُ بِهِ وَهُوَ الزِّنَا لَا يَتَدَاخَلُ، لِأَنَّ المُغَلَّبَ فِيهِ حَقُّ العَبْدِ عِندَهُ. (أما الآخران) أي: حد الشرب وحد الزنا، فلأن المقصود من الحد الزجر عن مباشرة سببه في المُستأنف (واحتمال حصوله) أي: حصول المقصود، وهو الانزجار، بالحد الأول قائم ثابت، فيتعطل الثاني عما هو المقصود، والحدود تدرأ بالشبهات، بخلاف ما إذا زنا فحد ثم زنا، يجب حد آخر؛ لأنا تيقنا بعدم الانزجار. قوله: (لأن المقصود من كل جنس غير المقصود من الآخر) فحد الزنا لصيانة الأنساب، وحد السرقة لصيانة الأموال، وحد الشرب لصيانة العقول، وحد القذف لصيانة الأعراض، فلا يتداخل. قوله: (ملحقًا بهما) أي: بحد الزنا والسرقة. وفي المبسوط (١): لو قذف جماعة بكلمة واحدة بأن قال: يا زناة، أو كلمات متفرقة بأن قال: يا زيد أنت زان، يا عمرو أنت زان يتداخل. قوله: (اختلف المقذوف) بأن قُذِف اثنان، أما لو كان المقذوف واحدًا والمقذوف به أيضًا واحد، بأن قذف رجلًا ثم قذفه ثانيًا بذلك الزنا يتداخل عنده أيضًا، والأصل قوله ﵇: «لا يُعاد في فِرْيَةٍ جَلْدٌ مَرَّتَيْنِ» (٢) ونقل فيه إجماع الصحابة. وفي الفوائد الظهيرية (٣): حكي عن أبي حنيفة أن ابن أبي ليلى كان قاضيا بالكوفة، فسمع رجلًا عند باب المسجد فقال: يا ابن الزانيين فأخذه وأدخله في

стр. 3963

فَصَلِّ فِي التَّعْزِيرِ المسجد فضربه حدين ثمانين ثمانين؛ لقذفه الوالدين، فأخبر أبو حنيفة ﵁ فقال: يا لله، العجب من قاضي بلدنا، أخطأ في خمسة مواضع في مسألة واحدة: الأول: أنه أخذه بدون طلب المقذوف. والثاني: أنه لو خاصم يجب حد واحد. والثالث: أنه أي: الواجب عنده حدين، ينبغي أن يتربص بين الحدين يوما أو أكثر حتى يخف أثر الضرب الأول، وهو قد والى بينهما. والرابع: أنه ضربه في المسجد. والخامس: أنه قذف والديه ينبغي أن يتعرف أنهما في الأحياء أو لا، فإن كانا حيين فالخصومة لهما، وإلا فالخصومة للابن. فصل في التعزير لما ذكر الزواجر المقدرة الثابتة بالكتاب والسنة المذكورة المشهورة؛ ذكر في هذا الفصل الزاجر الذي هو دونها في القدر، والقوة في الدليل. في المغرب (١): التعزير تأديب دون الحد، وأصله من العزر بمعنى الرد والردع، وجاء بمعنى التعظيم والتطهير، وهو المراد هنا. وفي المحيط (٢): التعزير مشروع بالكتاب، قال تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] أمر بضرب الزوجات تأديبا وتهذيبا لهن. وبالسنة، قال ﵇: «لا تَرْفَعْ عصاكَ عَنْ أَهْلِكَ» (٣) وروى أنه ﵇ «عَزَّرَ رجلًا قال لغيره: يا مُخَنَّثُ» (٤)، وعنه ﵇ قال: «رَحِمَ اللَّهُ

стр. 3964

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . من علق سوطه حيث يراه أهله» (١). وبإجماع الصحابة، وبالمعنى، وهو أن الزجر عن الجنايات وسوء الأفعال وجب تقليلا لها، والتعزير صالح للزجر، فيكون مشروعا. وذكر التمرتاشي عن السرخسي (٢): ليس فيه شيء مقدر، بل مفوض إلى رأي القاضي؛ لأن المقصود منه الزجر، وأحوال الناس مختلفة فيه، فمنهم من ينزجر بالنصيحة، ومنهم من يحتاج إلى اللطمة وإلى الضرب، ومنهم من يحتاج إلى الحبس، وبه قالت الأئمة الثلاثة. وقال الشافعي: التعزير على مراتب: تعزير أشرف الأشراف، وهم العلماء والعلوية بالإعلام، وهو أن يقول له القاضي: بلغني أنك تفعل كذا، فلا تفعل، فينزجر به. وتعزير الأشراف، وهم الأمراء والدهاقين، بالإعلام والجر إلى باب القاضي والخصومة في ذلك. وتعزير الأوساط، وهم السوقية، بالإعلام والجر والحبس. وتعزير الأخسة بهذا كله وبالضرب. وعن أبي يوسف: يجوز التعزير للسلطان بأخذ المال، وعندهما والشافعي ومالك وأحمد لا يجوز بأخذ المال. وعن التمرتاشي: يجوز إقامة التعزير الذي يجب حقا الله تعالى لكل أحد بعلة النيابة. وسئل الهندواني عمن وجد رجلا مع امرأة: أيحل له قتله؟. قال: إن كان يعلم أنه ينزجر عن الزنا بالصياح والضرب بما دون السلاح لا، وإن علم أنه لا ينزجر إلا بالقتل حل له قتله، وإن طاوعته المرأة يحل قتلها أيضا.

стр. 3965

(وَمَنْ قَذَفَ عَبْدًا أَوْ أَمَة أَوْ أُمَّ وَلَد أَوْ كَافِرًا بِالزِّنَا عُزِّرَ) لِأَنَّهُ جِنَايَةُ قَدْف، وَقَدْ امتَنَعَ وُجُوبُ الحَدِّ لِفَقدِ الإِحْصَانِ فَوَجَبَ التَّعْزِيرُ وَكَذَا إِذَا قَذَفَ مُسْلِمًا بِغَيْرِ الزِّنَا، فَقَالَ: يَا فَاسِقُ أَوْ يَا كَافِرُ أَوْ يَا خَبِيثُ أَوْ يَا سَارِقُ لِأَنَّهُ آذَاهُ وَأَلْحَقَ الشَّينَ بِهِ، وَلَا قال التمرتاشي: وهذا تنصيص على أن الضرب تعزيرا يملكه الإنسان وإن لم يكن محتسبا، وصرح في المنتقى بذلك، ولهذا يجوز للمولى أن يعزر عبده أو أمته. ثم التعزير فيما شرع فيه واجب إذا رآه الإمام، وبه قال مالك وأحمد، وقال الشافعي: ليس بواجب؛ لأن رجلا جاء إلى النبي ﷺ وقال: إني لقيت امرأة فأصبت منها ما دون أن أطأها، فقال ﵇: «أَصَلَّيْتَ مَعَنا»؟ قال: نعم، فتلا عليه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١) [هود: ١١٤]. وقال في الأنصار: «اقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وتَجاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ» (٢)، وقال رجل للنبي ﷺ في حُكْمِ حَكَمَ للزبير: أَنْ كان ابنَ عَمَّتِكَ؟ فغضب النبي ﷺ ولم يُعَزِّره على مقالته. ولنا؛ ما كان منصوصًا عليه من التعزير، كما في وطء جارية امرأته أو جارية مشتركة فيجب امتثال الأمر فيه، وما لم يكن منصوصًا عليه إذا رأى الإمام المصلحة فيه أو علم أنه لا ينزجر إلا به وجب؛ لأنه زاجر مشروع لحق الله تعالى، فوجب كالحد. قوله: (عُزِّرَ) أي: بإجماع الأئمة الأربعة وأكثر العلماء، وعن داود: يجب الحد على قاذف العبد، وعن ابن المسيب وابن أبي ليلى: يحد قاذف ذمية لها ولد مسلم. قوله: (لفقد الإحصان) لما بيَّنا من شرائط الحرية والإسلام، والكافر يتأذى بنسبته إلى الزنا؛ لأنه يعتقده حرامًا، والمسلم التزم ألا يؤذي ذميا؛ لقوله ﵇: «مَنْ آذَى ذِمِّيَّا فَكَأَنَّما آذاني». قوله: (فقال يا كافر) إلى آخره وكذا لو قال: يا يهودي، يا نصراني، يا ابن

стр. 3966

مَدخَلَ لِلقِيَاسِ فِي الحُدُودِ فَوَجَبَ التَّعزِيرُ، إِلَّا أَنَّهُ يَبْلُغُ بِالتَّعزِيرِ غَايَتَهُ فِي الجِنَايَةِ الأُولَى: لِأَنَّهُ مِنْ جِنسِ مَا يَجِبُ بِهِ الحَدُّ، وَفِي الثَّانِيَةِ: الرَّأْيُّ إِلَى الإِمَامِ (وَلَو قَالَ: يَا حِمَارُ أَوْ يَا خِنزِيرُ، لَم يُعَزَّر) لِأَنَّهُ مَا أُلحِقَ الشَّينُ بِهِ النصراني، أو يا لوطي يا من يعمل عمل قوم لوط، يا من يلعب بالصبيان، يا آكل الربا، يا شارب الخمر يا ديوث يا فاجر يا منافق، يا لص، ا معفوج (١)، ا مخنث، يا خائن يا ابن القحبة يا زنديق، يا قَرْطَبانُ (٢)، يا مأوى الزواني واللصوص عُزّرَ؛ لأنه آذاه بإلحاق الشين به بلا خلاف إذا لم تثبت هذه الأشياء. وفي (يا لوطي) سئل عن نيته؛ إن أراد به أنه من قوم لوط فلا شيء عليه، ولو أراد أنه يعمل عمل قوم لوط إما فاعلا أو مفعولا فعليه الحد عند أبي يوسف ومحمد وأحمد ومالك والشافعي والحسن والنخعي والزهري وأبي ثور؛ لأنه قذف بما يوجب الحد، وبه قال قتادة وعطاء، والصحيح أنه إن كان في غضب يعزره. قوله: (في الجناية الأولى) وهو القذف بالزنا. (وبالثانية) وهو قوله: يا فاسق، إلى آخره. (ولو قال: يا حمار يا خنزر لم يعزر) وكذا لو قال يا ثور، يا بقر، أو يا حية، أو يا ذئب، أو يا حجام، أو يا بغاء، أو يا مؤاجر، أو يا ولد الحرام، أو يا عيار، أو يا ناكس، أو يا منكوس، أو يا سخرة، أو يا ضحكة، أو يا كشحان، أو يا أبله، أو يا موسوس، أو يا ابن الأسود وأبوه ليس كذلك، أو رستاقي وهو ليس كذلك، أو يا مقعد لم يعزر. وقيل: يعزر، وبه قالت الأئمة الثلاثة. قال ثعلب: القَرْطَبان: الذي يُدخِل الرجال على نسائه، وقال: القرطبان والكشحان لم أرهما في كلام العرب، ومعناهما عند العامة مثل الديوث أو قريبًا منه، والديوث الذي يُدخل الرجال على امرأته، ولهذا قال أحمد في الكشحان يعزر، ولو قال: يا بليد، يا قذر يعزر.

стр. 3967

لِلتَّيَقُنِ بِنَفْيِهِ. وَقِيلَ: فِي عُرفِنَا يُعَزَّرُ، لِأَنَّهُ يُعَدُّ شَيْئًا، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ المَسبُوبُ مِنَ الأَشْرَافِ كَالفُقَهَاءِ وَالعَلَوِيَّةِ يُعَزَّرُ، لِأَنَّهُ يَلحَقُهُم الوَحشَةُ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مِنَ العَامَّةِ لَا يُعَزَّرُ، وَهَذَا أَحْسَنُ. وَالتَّعزِيرُ: أَكثَرُهُ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ سَوطًا، قوله: (لِلتَّيَقُنِ بِنَفْيِهِ) فإنه يعلم أنه آدمي وليس بحمار، وأن القاذف كاذب، وكذا لو قال: يا كلب، فلا يلحق المقذوف بهذا الكلام شين، بل يلحق الكاذب بالتيقن بكذبه، ولأن من عادة العرب إطلاق هذه الألفاظ بمعنى البلادة أو الحرص ولا يريدون به الشتمة. ألا ترون أنهم يسمون به يقولوعياض بن حمار، وسفيان الثوري، والكلبي ونحوه. قوله: (وقيل: في عرفنا يُعزّر) قاله الهندواني: لأن هذه الألفاظ تذكر للشتمة في ديارنا. قوله: (أَكْثَرُهُ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ) وبه قال الشافعي في الحر، وقال في العبد: تسعة عشر سوطا؛ لأن حد الخمر في العبد عشرون عنده فلا يبلغ حدا. وقال مالك: لا حد لأكثره، فيجوز للإمام أن يزيد التعزير على الحد إذا رأى المصلحة في ذلك؛ لما روي أن معن بن زائدة عمل خاتما على نقش بيت المال، فأخذ منه مالا، فبلغ عمره ﵁ ذلك فضربه مائة وحبسه، وكلم فيه فضربه مائة أخرى، فكلم فيه من بعد فضربه مائة ونفاه. وروى أحمد بإسناده أن عليًّا أُتِيَ بالنجاشي قد شرب خمرا في رمضان، فجلده ثمانين للشرب، وعشرين سوطًا لفطره في رمضان. ولنا قوله ﵇: «مَنْ بَلَغَ حَدًّا في غَيْرِ حَدٌ … » الحديث (١)، ولأن العقوبة على قدر الجناية، فالمعاصي المنصوص على حدودها أعظم من غيرها، فلا يجوز أن يبلغ في أهون الأمرين عقوبة أعظمها، ولأن الزنا مع عظمه وفحشه لا يجوز أن يزاد على حده، فما دونه أولى.

стр. 3968

وَأَقَلُّهُ ثَلَاثُ جَلَدَات. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَبْلُغُ بِالتَّعْزِيرِ خَمْسَة وَسَبْعِينَ سَوطًا (*). وَالأَصلُ فِيهِ قَولُهُ ﵊: «مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٌ فَهُوَ مِنْ المُعْتَدِينَ» وَإِذَا تَعَذَّرَ تَبْلِيغُهُ حَدًّا فَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ نَظَرًا إِلَى أَدنَى الحَدِّ وَهُوَ حَدُّ العَبْدِ فِي القَدْفِ فَصَرَفَاهُ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ أَرْبَعُونَ سَوطًا وحديث معن بن زائدة يحتمل أنه كانت له ذنوب كثيرة فأدب على جميعها، أو تكرر منه، أو كان ذنبه مشتملا على جنايات كثيرة أحدها: تزويره، والثاني: أخذه لبيت المال بغير حقه، والثالث: فتحه باب هذه الحيلة لغيره، وغير هذا، وأما حديث النجاشي فإن عليا ﵁ ضربه الحد لشربه، ثم عزره عشرين. قوله: (وقال أبو يوسف: تبلغ خمسة وسبعين) وهو الرواية عنه، وبه قال ابن أبي ليلى، ويدل عليه كلام أحمد، فإنه قال: لا يبلغ بكل جناية حدا مشروعًا في جنسها، ويجوز أن يبلغ ويزيد على حد غير جنسها، ولكن مذهبه أنه لا يزاد على عشر جلدات. وبه قال أصحاب الشافعي؛ لما روى أبو بردة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْواط إلا في حَدٌ مِنْ حُدودِ الله» (١). قال صاحب التقريب الحديث صحيح، وقد اشتهر عن الشافعي أنه قال: مذهبي ما صح به الحديث. وقلنا: ذكر بعض الثقات أن الحديث منسوخ، بدليل عمل الصحابة بخلافه من غير إنكار عن أحد، فإن عمر ﵁ كتب إلى أبي موسى الأشعري أن لا تَبْلُغُ بنكال أكثر من عشرين سوطًا، ويروى ثلاثين إلى أربعين. قوله: (مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٌ). في النهاية (٢): (بَلَغَ) بالتخفيف هو السماع، وهكذا ذكر في الفوائد

стр. 3969

فَنَقَصَا مِنهُ سَوطًا. وَأَبُو يُوسُفَ اعْتَبَرَ أَقَلَّ الحَدِّ فِي الأَحرَارِ، إذ الأَصلُ هُوَ الحُرِّيَّةُ ثُمَّ نَقَصَ سَوطًا فِي رِوَايَة عَنهُ، وَهُوَ قَولُ زُفَرَ وَهُوَ القِيَاسُ، وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ نَقَصَ خَمْسَةٌ وَهُوَ مَأْثُورٌ … الظهيرية، فإنه قال: بَلَغَ، بالتخفيف لا بالتشديد، من البلوغ لا من التبليغ؛ لأن المُبَلَّغَ إليه غير مذكور، وبَلَغَ بالتخفيف، أي: كما في بلغ المكان أي: أتاه، فصار تقدير الحديث من أتى حدا في موطن لا يجب الحد فهو من المعتدين، وهكذا نقل عن العلامة شمس الأئمة الكردري، وهكذا ذكر في الكافي (١). وفي المغرب (٢): التثقيل أوضح على حذف المفعول الأول، كما في قوله ﵇: «فَلْيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الغائِبَ» (٣). وقوله تعالى: ﴿بَلَغَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧] على حذف المفعول الثاني، والتقدير: مَنْ بَلَغَ التعزير حدا، وإنما حسن الحذف لدلالة قوله: «في غير حد» ولهذا قالوا: لا يجوز تبليغ غير الحد، وقيل: التخفيف أولى؛ لعدم الحاجة إلى الإضمار. وفي الفوائد الخبازية (٤): إذ بالتشديد معناه: ألا يبلغ الحد غير الحد، وهذا غير مستقيم، وفيه تأمل؛ لأن هذا على تقدير حذف المفعول الثاني، فأما على تقدير حذف المفعول الأول كما ذكر في المغرب يستقيم. قوله: (فَنَقَصْنَا مِنْهُ) أي: من حد العبد في القذف؛ لأنه بناه على حد نكرة، فيعتبر الأدنى، وهو المتيقن، وهو حد القذف على العبيد، وهو حد كامل في نفسه، لكن إذا اعتبر بحد الحر يكون نصفه، وهذا لا يكون نقصانا في ذاته، فيتناوله مطلق الحد. قوله: (وَهُوَ الْقِيَاسُ)؛ لأن الحاجة ماسة إلى إظهار التفاوت بين الحد والتعزير، وبنقص الواحد يقع التفاوت. قوله: (وَهُوَ مَأْثُورٌ) أي: مروي عن علي ﵁، فإنه قال في التعزير: خمسة

стр. 3970

عَنْ عَلِيٌّ فَقَلَّدَهُ، ثُمَّ قَدَّرَ الأَدْنَى فِي الكِتَابِ: بِثَلَاثِ جَلَدَاتِ، لِأَنَّ مَا دُونَهَا لَا يَقَعُ بِهِ الزَّجْرُ، وَذَكَرَ مَشَايِخُنَا: أَنَّ أَدْنَاهُ عَلَى مَا يَرَاهُ الإِمَامُ، فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَنزَجِرُ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ عَلَى قَدرِ عِظَمِ الجُرمِ وَصِغَرِهِ، وَعَنهُ: أَنْ يُقَرَّبَ كُلُّ نَوع مِنْ بَابِهِ؛ فَيُقَرَّبُ المَسُّ وَالقُبْلَةُ مِنْ حَدِّ الزِّنَا، وَالقَدْفُ بِغَيْرِ الزِّنَا مِنْ حَدِّ القَدْفِ. قَالَ: (وَإِنْ رَأَى الإِمَامُ أَنْ يَضُمَّ إِلَى الضَّربِ فِي التَّعزِيرِ الحَبسَ فَعَلَ) لِأَنَّهُ صَلُحَ تَعزِيرًا وَقَدْ وَرَدَ الشَّرعُ بِهِ فِي الجُملَةِ، حَتَّى جَازَ أَنْ يَكْتَفِيَ بِهِ فَجَازَ أَنْ يُضَمَّ وسبعون، ولأن أقصى حد (١) العبيد خمسون، وأقصى حد الأحرار مائة، فوجب أن يحد نصف كل واحد منهما وذلك خمسة وسبعون. وفي الكافي: قول محمد مضطرب في بعض الكتب مع أبي حنيفة، وفي بعض الكتب مع أبي يوسف. (ثم قد الأدنى في الكتاب) أي: في المختصر (بثلاث جلدات لأن ما دونها لا يقع به الزجر)، وذكر مشايخنا أن أدناه مفوض إلى رأي الإمام كما قالت الأئمة الثلاثة. قوله: (وعنه) أي: عن أبي يوسف. وفي شرح الأقطع (٢): لو شهدوا عند الإمام على أحد أنه قَبَّلَ أجنبية أو لمسها، روى ابن شجاع عن أبي يوسف أنه على قدر ما يراه الإمام في كل نوع، فالقذف بغير الزنا يقرب من حد القذف، وشرب غير الخمر يقرب من شرب الخمر، والوطء فيما دون الفرج يقرب من حد الزنا حتى يعتبر كل شيء بنوع. (لأنه) أي: لأن الحبس (يصلح تعزيرًا، ورد الشرع به) أي: بالحبس، وهو ما روي أنه ﵇ «حبس رجلًا للتعزير» (٣) ولهذا جاز الاكتفاء به في بعض المواضع، فجاز أن يضم إلى الضرب.

стр. 3971

إِلَيْهِ، وَلِهَذَا لَم يُشرَع فِي التَّعزِيرِ بِالتُّهمَةِ قَبْلَ ثُبُوتِهِ كَمَا شُرِعَ فِي الحَدِّ، لِأَنَّهُ مِنْ التعزير. قَالَ: (وَأَشَدُّ الضَّربِ التَّعزِيرُ) لِأَنَّهُ جَرَى التَّحْفِيفُ فِيهِ مِنْ حَيثُ العَدَدُ فَلَا يُخَفَّفُ مِنْ حَيثُ الوَصفُ كَي لَا يُؤَدِّيَ إِلَى فَوَاتِ المَقصُودِ، وَلِهَذَا: لَم يُخَفَّفَ مِنْ حَيثُ التَّفْرِيقُ عَلَى الأَعضَاءِ قَالَ: (ولهذا لم يشرع) أي: الحبس (في التعزير بالتهمة) أي: تهمة وجوب التعزير قبل ثبوته كما شرع في الحد (لأنه) أي: الحبس (من التعزير) فلا يجوز قبل ثبوته. قوله: (إلى فوات المقصود) وهو الزجر؛ لأن الألم لما لم يصل إليه لا ينزجر. وقال أحمد: أشد الضرب ضرب الزاني، ثم حد القذف، ثم حد الشرب، ثم التعزير. وقال مالك: كلها سواء؛ لأن المقصود من جميعها واحد، وهو الزجر، فيجب تساويها في الصفة. وأحمد يقول: إن الله تعالى خص الزنا بمزيد تأكيد، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذَكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ [النور: ٢] فاقتضى ذلك مزيد تأكيد، ولا يمكن جعل ذلك في العدد، فتعين جعله في الصفة، ثم ضرب القذف؛ لأنه يليه في العدد، وفيه حق الآدمي، ثم الضرب في الشرب؛ لأنه أخف الحدود، وفيه محض حق الله تعالى، ثم التعزير؛ لأنه لا يبلغ به الحد. قوله: (ولهذا لم يخفف أي: ضرب التعزير من حيث التفريق على الأعضاء)؛ لأنه جرى النقصان فيه من حيث العدد، فلو جرى التخفيف من حيث التفريق لفات المقصود، وهو الزجر. وذكر في المبسوط (١): ولهذا يجرد ويعزر في إزار واحد، وعند الأئمة الثلاثة حكم ضرب التعزير حكم ضرب الزنا، وقد بيناه.

стр. 3972

(ثُمَّ حَدُّ الزِّنَا) لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِالكِتَابِ، وَحَدُّ الشُّربِ ثَبَتَ بِقَولِ الصَّحَابَةِ، وَلِأَنَّهُ أَعظَمُ جِنَايَة حَتَّى شُرِعَ فِيهِ الرَّجمُ (ثُمَّ حَدُّ الشُّربِ) لِأَنَّ سَبَبَهُ مُتَيَقَّنُ بِهِ (ثُمَّ حَدُّ القَدْفِ) لِأَنَّ سَبَبَهُ مُحتَمِلُ لِاحْتِمَالِ كَونِهِ صَادِقًا، وَلِأَنَّهُ جَرَى فِيهِ التَّعْلِيظُ مِنْ حَيثُ رَدُّ الشَّهَادَةِ فَلَا يُغَلَّظُ مِنْ حَيثُ الوَصفُ. وذكر في المحيط (١): أن محمدًا ذكر في حدود الأصل (٢): التعزير يفرق على الأعضاء، ولا يضرب العضو الذي لا يضرب في حد الزنا، وذكر في أشربة الأصل (٣): يضرب التعزير في موضع واحد. وليس في المسألة روايتان، لكن موضوع ما ذكر في الحدود أنه وجب بتبليغ التعزير إلى أقصى غاياته بأن أصاب من أجنبية كل محرم غير الجماع، أو أخذ السارق بعدما جمع المتاع قبل الإخراج كانت الحالة هذه، فالإقامة في موضع واحد لا يؤدي إلى فساد ذلك الموضع، ويحصل المقصود وهو الزجر بعدم التفريق. (لأنه)؛ أي: حد الزنا (ثابت بالكتاب) مع ضرب تأكيد كما ذكرنا. قوله: (بقول الصحابة) ولا يتلى في الكتاب، وفي زمن الرسول ﷺ كان الضرب بالجريد والنعال وأطراف الثياب. (لأن سببه)؛ أي: سبب حد الشرب، وهو الشرب (متيقن) أي: مقطوع بها، فتكون جناية لا شبهة فيه. (لأن سببه)؛ أي: سبب حد القذف، وهو القذف (محتمل) في كونه جناية؛ لاحتمال كونه صادقًا، وإن كان ثابتًا بالكتاب، وإن عجز القاذف عن إقامة البينة فلا يدل على تيقن كذبه؛ لاحتمال أن شهوده غابوا أو ماتوا أو أبوا عن الشهادة. قوله: (فلا يغلظ من حيث الوصف) وهو التغليظ في الضرب؛ إذ لو جرى فيه تخفيف لا يفوت المقصود، ولأن شارب الخمر قلما يخلو عن القذف،

стр. 3973

(وَمَنْ حَدَّهُ الإِمَامُ أَوْ عَزَّرَهُ فَمَاتَ فَدَمُهُ هَدَرٌ) لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا فَعَلَ بِأَمْرِ الشَّرِعِ، فيصير كل شارب جامعًا بين الشرب والقذف، فيتحقق منه جنايتان، وهو الشرب والقذف، ومن القاذف جناية واحدة، فلهذا كان ضربه أخف من ضرب الشارب، وإن كان منصوصًا. قوله: (فدمه هَدَرٌ) وبه قال محمد ومالك إلا أن مالكًا قال: إذا ضربه تعزير مثله لا يضمن، وقال الشافعي: يضمن، وفي محل الضمان قولان: أحدهما: في بيت المال؛ لأنه عامل المسلمين، فيكون غُرْم عمله في مالهم. والثاني: على عاقلة الإمام؛ لأن أصل التعزير غير واجب عليه، والضرب غير متعين للتعزير، فيكون فعله مباحًا بشرط السلامة، ولم توجد، فتجب على عاقلته. وقلنا: الإمام مأمور بالحد والتعزير، وفعل المأمور لا يتقيد بشرط السلامة، كما في الفصاد والبزاغ؛ لأن الأمر طلب الفعل من المأمور، وهو إثباتي، والإثباتات غير قابلة للتعليق بالشرط؛ لأنه حينئذ يشبه القمار، فلهذا لا يتقيد بشرط السلامة؛ لأن المأمور يأتي بما في وسعه غير مراقب لوصف السلامة؛ لأنه قد لا يتحقق وصف السلامة، فيبقى المأمور في ضرر الوجوب. بخلاف المباحات، فإنها رفع القيد، فكان من جنس الإسقاطات، وهي قابلة للتعليق، ولأن فعل المباح في اختيار فاعله إن شاء فعل وإن شاء لا، فيتقيد بوصف السلامة؛ لأنه ضرورة في ترك وصف السلامة، كالمرور في الطريق والاصطياد، بخلاف ما لو جامع امرأته فماتت أو أفضاها حيث لا يضمن عند أبي حنيفة وأبي يوسف. ذكره في المحيط، مع أنه مباح، فينبغي أن يتقيد بشرط السلامة؛ لأنه ضمن المهر بذلك الجماع، فلو وجبت الدية يجب ضمانان بمقابلة فعل واحد أو مضمون واحد، وهو منافع البضع، ولهذا لو عزر زوجته فماتت يضمن؛ لأن ذا مباح، ومنفعته ترجع إلى الزوج لا إلى المرأة، فيتقيد بشرط السلامة، فعلى هذا

стр. 3974

وَفِعلُ المَأْمُورِ لَا يَتَقَيَّدُ بِشَرطِ السَّلَامَةِ كَالفِصَادِ وَالبِزَاءِ، بِخِلَافِ الزَّوجِ إِذَا عَزَّرَ زَوجَتَهُ لِأَنَّهُ مُطلَقٌ فِيهِ، وَالإِطْلَاقَاتُ تَتَقَيَّدُ بِشَرطِ السَّلَامَةِ كَالمُرُورِ فِي الطَّرِيقِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَجِبُ الدِّيَةُ فِي بَيْتِ المَالِ، لِأَنَّ الإِتلاف خَطَأً فِيهِ، إذ التَّعَزِيرُ لِلتَّأْدِيبِ، غَيْرَ أَنَّهُ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي بَيْتِ المَالِ، لِأَنَّ نَفعَ عَمَلِهِ يَرجِعُ عَلَى عَامَّةِ المُسلِمِينَ، فَيَكُونُ الغُرمُ فِي مَالِهِم. قُلنَا: لَمَّا اسْتَوفَى حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى بِأَمْرِهِ صَارَ كَأَنَّ اللَّهَ أَمَاتَهُ مِنْ غَيرِ وَاسِطَة فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ. ينبغي ألا يضرب امرأته على ترك الصلاة؛ لأن منفعة ذلك عائد إليها. وقد ذكر الحاكم: لا يضرب امرأته على ترك الصلاة؛ لأن منفعة ذلك عائد إليها، ويضرب ابنه على تركها. والمعلم إذا أدب الصبي فمات منه يضمن عندنا والشافعي. وقال مالك وأحمد: لا يضمن الزوج ولا المعلم في التعزير ولا الأب في التأديب، والجد والوصي إذا ضربه ضربًا شديدًا لا يضرب مثله في التأديب يضمن بإجماع المسلمين والفقهاء. ويصح في التعزير الشهادة على الشهادة، وشهادة النساء مع الرجال، والعفو والتكفل؛ لأنه من حقوق العباد، ويشهر في التعزير على حسب ما يراه الإمام.

стр. 3975

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ السَّرِقَةِ السَّرِقَةُ فِي اللُّغَةِ: أَخذُ الشَّيْءِ مِنْ الغَيرِ عَلَى سَبِيلِ الخُفْيَةِ وَالِاسْتِسَرَارِ، وَمِنهُ استِرَاقُ السَّمعِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ [الحجر: ١٨] وَقَدْ زِيدَت عَلَيْهِ أَوصَافُ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى مَا يَأْتِيكَ بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالمَعْنَى اللُّغَوِيُّ مُرَاعى فِيهَا ابْتِدَاءً وَانتِهَاءَ أَوْ ابْتِدَاءً لَا غَيْرَ، كتاب السرقة باب حد السرقة فلما قدم من الحدود والتعزير ما يرجع إلى صيانة النفوس كلا وجزءًا واتصالا؛ شرع في ذكر زواجر ترجع إلى صيانة الأموال، وهو حد السرقة؛ إذ المال تابع للنفس ووقايتها. قوله: (وَمِنْهُ اسْتَرَقَ السَّمْعَ) استمع على وجه الخفية، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ [الحجر: ١٨] أي: رام اختلاسه سرا، ومسروق الشياطين من الملائكة كلام. قوله: (وقد زيدت عليه)؛ أي: على المعنى اللغوي. قوله: (أَوِ ابْتِدَاءً لَا غَيْرُ) اعلم أن الخفية في السرقة في الابتداء أو الانتهاء أو فيهما إنما يشترط إذا كان الأخذ نهارًا، أما إذا كان ليلا فلا يشترط الخفية والاستسرار، بل يقطع. وإن أخذه من المالك جهارًا في الليل خلا أنه يشترط الاستسرار حالة الدخول حتى لو دخل عليه بسلاح وقاتله وأخذ ماله مكابرة يقطع. هكذا في المبسوط (١) والإيضاح والذخيرة والمحيط (٢)؛ لأن الغوث لا يلحقه بالليل بخلاف ما إذا كابره في المصر نهارًا وأخذ ماله لا يقطع استحسانًا.

стр. 3976

كَمَا إِذَا نَقَبَ الجِدَارَ عَلَى الاسْتِسرَارِ وَأَخَذَ المَالَ مِنْ المَالِكِ مُكَابَرَة عَلَى الجِهَارِ. وَفِي الكُبرى: أَعْنِي قَطعَ الطَّرِيقِ مُسَارَقَةُ عَينِ الإِمَامِ، لِأَنَّهُ هُوَ المُتَصَدِّي لِحِفظ الطَّرِيقِ بِأَعْوَانِهِ. وَفِي الصُّعْرَى: مُسَارَقَةُ عَينِ المَالِكِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ. قَالَ: (وَإِذَا سَرَقَ العَاقِلُ البَالِغُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ أَوْ مَا يَبْلُغُ قِيمَتُهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مَضْرُوبَة مِنْ حِرز لَا شُبهَةَ فِيهِ وَجَبَ القَطعُ) وَالأَصلُ فِيهِ قَولَه تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] الآيَةَ وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ العَقلِ وَالبُلُوغ، لِأَنَّ الجِنَايَةَ لَا تَتَحَقَّقُ دُونَهُمَا، وَالقَطعُ جَزَاءُ الجِنَايَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ التَّقْدِيرِ بِالمَالِ الخَطِيرِ، والقياس في الليل ألا يقطع في الفصلين؛ لانعدام ركن السرقة، وهو الأخذ استسرارًا وخفية، إلا أنا لو اعتبرنا السر وقت الأخذ لامتنع وجوب القطع في أكثر السرقات؛ لأن أكثر السرقات في الليل تصير مغالبة في الانتهاء؛ لأنه وقت لا يلحقه الغوث بخلاف النهار لا يصير مغالبة غالبًا؛ لأنه يلحقه غوث السلطان وغيره. ولهذا لو دخل السارق من الباب والباب مفتوح مردود بعد ما صلى الناس العتمة، ومع السلاح أو لا، وأخذ شيئاً يُقطع، وما بين العشاء والعتمة كالنهار، حتى لو علم صاحب الدار بدخول اللص بدونه، وكذا لو علم اللص وصاحب الدار لا يعلم قطع، ولو عَلِمَا لا يقطع، ولو لم يَعلَمَا يقطع. الكل من الذخيرة والمحيط (١). قوله: (أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ)؛ أي: مقام المالك، كالمودع والمستعير والمضارب والمرتهن. (وإذا سرق … ) إلى آخره، هذا شروع في بيان الأوصاف التي زيدت على المعنى اللغوي. (لأن الجناية لا تتحقق دونهما) أي: دون العقل والبلوغ؛ إذ لا جناية بلا تكليف، ولا تكليف بدونهما. قوله: (لَا بُدَّ مِنَ التَّقْدِيرِ بِالْمَالِ الْخَطِيرِ)، وهو النصاب على رأي فقهاء

стр. 3977

لِأَنَّ الرَّغَبَاتِ تَفْتُرُ فِي الحَقِيرِ، وَكَذَا أَخذُهُ لَا يَخفَى فَلَا يَتَحَقَّقُ رُكنُهُ وَلَا حِكمَةُ الزَّجرِ لِأَنَّهَا فِيمَا يَغْلِبُ، وَالتَّقْدِيرُ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ مَذهَبُنَا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: التَّقْدِيرُ بِرُبِعِ دِينَارِ. وَعِنْدَ مَالِكَ رَحمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ: بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ. لَهُمَا: أَنَّ القَطعَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا كَانَ إِلَّا فِي ثَمَنِ المِجَنِّ، وَأَقَلُّ مَا نُقِلَ فِي تَقْدِيرِهِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، الأمصار وأكثر العلماء. وقال الحسن وداود والخوارج وابن بنت الشافعي: يقطع في القليل والخطير؛ لعموم الآية، ولما روي أنه ﵇ قال: «لَعَنَ اللهُ السّارِقَ يَسْرِقُ الحَبلَ فَتُقْطَعُ يدُهُ، ويَسْرِقُ البيضة فتقطع يده» متفق عليه (١)، ولأنه سارق من حرز فتقطع يده كسارق الكثير. ولنا قوله ﵇: «لا قَطعَ إلَّا في ربع دينار فَصَاعدًا» متفق عليه (٢)، وإجماع الصحابة، وبهذا يخص عموم الآية، والحبل يحتمل أن يساوي ثمن المجن بأن يكون حبال السفن، ويحتمل أن يراد بالبيضة بيضة السلاح، هكذا روى عن علي، والمقصود من الحديث بيان إظهار حقارة السارق. وفي المبسوط (٣): وقيل: هذا في الابتداء لزيادة التغليظ والتشديد، ثم انتسخ بالآثار المشهورة في اعتبار النصاب، ولأن المال القليل تارة لا يقصد المالك إحرازه، والرغبات تفتر في أخذ القليل سرا؛ لعدم الضنة به، فلا يتحقق المنع في القليل عادة فلا يتحقق في القليل ركن السرقة. واتفق العلماء أن القطع في قدر ثمن المِجَنِّ، لكن اختلفوا في تقديره، فقال الرازي من أصحابنا: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]؛ أي: أيمانَهُما باتفاق العلماء مجملة؛ لأنه لا يجري على عمومه بالإجماع؛ لخروج مال غير محرز وثاقه، وشيء حقير لا قيمة له، فتكون السرقة اللغوية غير مرادة، بل المراد الشرعية، وهي مجملة، فقوله ﵇: «لا

стр. 3978

وَالْأَخْذُ بِالأَقَلِّ المُتَيَقَّنِ بِهِ أُولَى، غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ يَقُولُ: كَانَتْ قِيمَةُ الدِّينَارِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اثني عَشَرَ دِرهَمًا، وَالثَّلَاثَةُ رُبعُهَا. وَلَنَا: أَنَّ الأَخذَ بِالأَكثَرِ فِي هَذَا البَابِ أَولَى احتيالًا لِدَرءِ الحَدٌ. وَهَذَا لِأَنَّ فِي الأَقَلِّ شُبَهَةَ عَدَمِ الجِنَايَةِ وَهِيَ دَارِئَةٌ لِلحَدٌ، وَقَدْ تَأَيَّدَ ذَلِكَ بِقَولِهِ ﷺ : «لَا قَطعَ إِلَّا فِي دِينَارٍ، أَوْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ» يُقْطَعُ السَّارِقُ إلا في ثَمَنِ المِجَنِّ بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون، متفق عليه (١). واختلفوا في تقديره، فقال مالك وأحمد وهو ربع دينار أو ثلاثة دراهم؛ لما روي عن عائشة أنها قالت: لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدًا، ومثله عن عمر وعثمان وعلي والشافعي والأوزاعي والليث اعتبروا ربع الدينار بما روي عن عائشة وغيرها. ومالك وأحمد أيضًا ربع الدينار، لكن جعلا ثلاثة دراهم ربع الدينار؛ لأن الدينار كانت على عهد رسول الله ﷺ اثني عشر درهما، وثلاثة دراهم تكون ربعه. وقال أصحابنا والثوري وعطاء: عشرة دراهم؛ لأن المجن الذي قطعت اليد على عهد رسول الله ﷺ تساوي عشرة دراهم، رواه ابن عباس وابن عمر وأيمن الحبشي هو أيمن بن عبيد الحبشي، وهو ابن أم أيمن مولاة رسول الله ﷺ ، وهي أم أسامة بن زيد، وأيمن أخو أسامة لأم. يؤيد ذلك ما روى الحجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا قَطعَ فيما دُونَ عَشَرَةِ دراهم» ذكره ابن قانع في سننه (٢). وعن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «لا تُقطع اليد إلا في دينار أو عَشَرَةِ دراهم» (٣) فأخذنا بأكثر النُّصُبِ درءا للحد؛ إذ الروايات في قدر النصاب كثيرة،

стр. 3979

وَاسْمُ الدَّرَاهِمِ يَنْطَلِقُ عَلَى المَضرُوبَةِ عُرفًا، فَهَذَا يُبَيِّنُ لَكَ اشْتِرَاطَ المَضرُوبِ كَمَا قَالَ فِي الكِتَابِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ الأَصَحُ، رِعَايَة لِكَمَالِ الجِنَايَةِ، حَتَّى لَو فقد روي عن أبي هريرة وأبي سعيد: يقطع في أربعة دراهم فصاعدا، وبه قال عكرمة. وعن عمر ﵁: لا تقطع إلا في خمسة دراهم، وبه قال ابن أبي ليلى وابن شبرمة وسليمان بن يسار، وروى ذلك عن الحسن، وقال أنس: قطع أبو بكر ﵁ في مجنّ قيمته خمسة دراهم. وما قيل: إن حديث أرطاة ضعيف فليس بقوي؛ لأن غيره من الثقات روى حديثه، وأما حديث عائشة ﵂ فالمراد ثمن المجن، فهذا يدل على أن ثمن المجن كان عند عائشة ربع دينار. ولهذا قيل: قولها: لا قطع إلا في ربع دينار موقوف عليها، فيمكن أنها قالت ذلك بالاجتهاد، ولهذا ترك يحيى بن سعيد رفع حديثها. يؤيده ما قال الطحاوي عن يونس بن وهب أن مالكا يحدثه عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أنها قالت: ما طالَ عَلَيَّ ولا نَسِيتُ، فهذا يدل على أن الأخذ بقول أيمن وابن عباس وابن عمر في قيمة ثمن المجن أولى؛ لأنهم من جملة الغزاة، فكانوا أعرف بقيمة السلاح، وللثقات فيه كلام كثير، فالحاصل أن الأخذ بالأكثر في هذا الباب أولى درءا للحد، كما ذكر في المتن؛ إذ في الأخذ بالأكثر درء الحد لا في الأخذ بالأقل، إذ في الأقل شبهة عدم الجناية. قوله: (كما قال في الكتاب)؛ أي: القدوري، وهو قوله: (أو ما يبلغ قيمة عشرة دراهم) (١) مضروبة. وقوله: (وهو الأصح)؛ احتراز عن رواية الحسن عن أبي حنيفة أن المضروب وغير المضروب سواء. ذكره في المحيط (٢). وقوله: (رعاية لكمال الجناية) دليل الأصح يعني في شروط العقوبات

стр. 3980

سَرَقَ عَشَرَةٌ تِبْرًا قِيمَتُهَا أَنقَصُ مِنْ عَشَرَةٍ مَضْرُوبَة لَا يَجِبُ القَطْعُ، وَالمُعْتَبَرُ وَزِنُ سَبعَةِ مَثَاقِيلَ، لِأَنَّهُ هُوَ المُتَعَارَفُ فِي عَامَّةِ البِلَادِ. وَقَولُهُ: أَوْ مَا يَبْلُغُ قِيمَتُهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ غَيْرَ الدَّرَاهِمِ تُعتَبَرُ قِيمَتُهُ بِهَا وَإِنْ كَانَ ذَهَبًا، وَلَا بُدَّ مِنْ حِرز لَا شُبْهَةَ فِيهِ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ دَارِئَةٌ، وَسَنُبَيِّنَهُ مِنْ بَعدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. يراعي وجودها على صفة الكمال، والتِّبرُ أنقص من المضروب قيمة، ولهذا شرطنا الجودة، حتى لو سرق زيوفًا أو نبهرجة أو ستوقة لا يجب القطع. ذكره في شرح الطحاوي؛ لأن نقصان الوصف يوجب نقصان المالية، كنقصان القدر، فأورث شبهة، وعن أبي يوسف: يقطع إن كانت تَرُوجُ؛ لأن بالرواج صارت كالجياد. قوله: (وَالْمُعْتَبَرُ وَزْنُ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ)، وقد مر في الزكاة. وقوله (وإن كان ذهبًا) وصل، يعني وإن كان غير الدراهم ذهبًا. وفي المحيط: لو سرق دينارًا قيمته أقل من عشرة دراهم لم يقطع، والذي يروى عنه ﵇ أنه قال: «لا قطع إلا في دينار أو عشرة دراهم» (١) فالمراد الدينار المقوم بقيمة الشرع عشرة دراهم لا الدينار المقوم بقيمة الوقت؛ لأن القيمة باعتبار الوقت تختلف قد تكون عشرة، وقد تكون عشرين، وقد تصير ثمانية. نعم، وقد ورد في بعض الأخبار ذكر الدينار أو ربعه لكنه لم يبلغ في الشهرة مبلغ الدراهم مع ما ذكرنا من كلام الثقات فيه. وقالت الأئمة الثلاثة: لو سرق ربع دينار قراضة أو تبرا خالصا أو خليا ففيه القطع. وقال بعض أصحاب الشافعي: لا قطع؛ لأن الدينار اسم للمضروب، وفي غير الدراهم والدينار تعتبر قيمته بربع دينار أو ثلاثة دراهم. قوله: (وَسَنُبَيِّنَهُ)؛ أي: سنبين الحرز مع أنواعه في فصل الحرز. وبقوله: (لا شبهة فيه)، يحترز عما لو سرق من بيت قريب مَحْرَمٍ أو زوجته فإن الحرز قاصر؛ لوجود الإذن بالدخول عادة.

стр. 3981

قَالَ، وَالعَبدُ وَالحُرُّ فِي القَطعِ سَوَاءٌ لِأَنَّ النَّصَّ لَم يُفَصِّلُ، وَلِأَنَّ التَّنصِيفَ مُتَعَذِّرٌ فَيَتَكَامَلُ صِيَانَةٌ لِأَمْوَالِ النَّاسِ. وَيَجِبُ القَطْعُ بِإِقْرَارِهِ مَرَّة وَاحِدَة، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُقْطَعُ إِلَّا بِالإِقرَارِ مَرَّتَيْنِ وَرُوِيَ عَنهُ: أَنَّهُمَا فِي مَجْلِسَينِ مُختَلِفِينِ، لِأَنَّهُ إحدى الحُجَّتَينِ، فَيُعتَبَرُ بِالأُخرَى، وَهِيَ البَيِّنَةُ كَذَلِكَ اعْتَبَرنَا فِي الزِّنَا. وَلَهُمَا: أَنَّ السَّرِقَةَ قَدْ ظَهَرَت بِالإِقْرَارِ مَرَّة فَيُكتَفَى بِهِ كَمَا فِي القِصَاصِ وَحَدٌ القَدْفِ وَلَا اعْتِبَارَ بِالشَّهَادَةِ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تُفِيدُ فِيهَا تَقْلِيلَ تُهمَةِ الكَذِبِ وَلَا تُفِيدُ فِي الإِقْرَارِ شَيْئًا، لِأَنَّهُ لَا تُهمَةَ. قوله: (بإقراره مرة واحة، وهذا عندهما)؛ أي: عند أبي حنيفة ومحمد، وبه قال أكثر العلماء. وقال أبو يوسف: لا يقطع إلا بالإقرار مرتين في مجلسين مختلفين. وذكر بشر رجوع أبي يوسف إلى قولهما، ولأنه روى أبو داود عن أبي أمية المخزومي أنه ﵇ أُتِيَ بلص قد اعترف فقال له: «ما إِخَالُكَ سَرَقْتَ» قال: بلى، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا فقُطِعَ (١). وكذا روي عن علي أنه أُتِيَ بلص فأقر بالسرقة فرده، وفي لفظ: انتهره، وفي لفظ: طرده، ثم عاد بعد ذلك، فقال: شهدت على نفسك مرتين، وفي رواية: قد أقررت على نفسك مرتين، فأمر به فقطع. قوله: (ولهما: أن السرقة ظهرت بالإقرار مرة، فيكتفى به، كما في القصاص وحد القذف، ولا اعتبار بالشهادة) إلى آخر ما ذكر في المتن. (لا تهمة) أي: في الإقرار، فلا يفيد التكرار شيئًا؛ لأن الإقرار إن وقع صادقا فلا يزداد صدقا بالثاني، وإن وقع كذبًا فلا ينقلب صدقا بالتكرار.

стр. 3982

وَبَابُ الرُّجُوعِ فِي حَقِّ الحَدِّ لَا يَنسَدُّ بِالتَّكرَارِ، وَالرُّجُوعُ فِي حَقِّ المَالِ لَا يَصِحُ أَصلا، لِأَنَّ صَاحِبَ المَالِ يُكَذِّبُهُ، وَاشْتِرَاطُ الزِّيَادَةِ فِي الزِّنَا بِخِلَافِ القِيَاسِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَورِدِ الشَّرع. قَالَ: (وَيَجِبُ بِشَهَادَةِ شَاهِدَينِ) لِتَحَقُّقِ الظُّهُورِ كَمَا فِي سَائِرِ الحُقُوقِ، وَيَنبَغِي أَنْ يَسأَلَهُمَا الإِمَامُ عَنْ كَيْفِيَّةِ السَّرِقَةِ. فإن قيل: يحتمل أن يرجع المقر عن إقراره، ويحتمل أن يثبت عليه، فأكد بالتكرار لينقطع الاحتمال، فأجاب عنه وقال: (وباب الرجوع في حق الحد لا ينسد بالتكرار)، أما بالرجوع في حق المال لا يصح؛ لأن رب المال يكذبه، فلا يعتبر رجوعه في حقه. قوله: (بخلاف القياس). وفي المحيط والمبسوط (١): والقياس في الزنا أن يكتفى بالإقرار مرة فيه، فاشتراط التكرار فيه على خلاف القياس بالنص، (فيقتصر على مورد الشرع)، والنص الوارد في الزنا لا يكون واردا في باب السرقة؛ لأن في السرقة ورد نص آخر أنه ﵇ «قطعَ سارقًا بالإقرارِ مرَّةً» (٢). وأما حديث المخزومي لا يدل على اشتراطه مرتين، بل دل على أنه ﵇ احتاط في درئه أو على حثه على الرجوع، وهو مستحب، أو على جواز تلقين الرجوع وكذا حديث علي بدليل قوله: شهدت على نفسك مرتين. قوله: (ويجب) القطع بشهادة شاهدين مع شرائط الشهادة، ولا خلاف لأهل العلم إذا ثبتت السرقة بشهادة شاهدين عدلين ووصفا ما يوجب القطع. قوله: (عن كيفية السرقة)؛ لأن سرقة المال في بعض الوجوه لا توجب

стр. 3983

وَمَاهِيَّتُهَا وَزَمَانِهَا وَمَكَانِهَا، لِزِيَادَةِ الاحتِيَاطِ كَمَا مَرَّ فِي الحُدُودِ، وَيَحْبِسُهُ إِلَى أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الشُّهُودِ لِلتَّهمَةِ. القطع؛ لجواز أن يخرج من الحرز ما دون النصاب، ثم عاد وأخرج باقيه، أو أن ينفيه ثم أدخل يده وأخرج المتاع، فعند أبي حنيفة ومحمد؛ لا قطع عليه. قوله: (وماهيتها) أي: وماهية السرقة؛ لأنها تنطلق على أشياء، فإن من يستمع كلام الغير سرا يسمى سارقا، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ [الحجر: ١٨]، ومن لا يعتدل في الركوع والسجود يسمى سارقا، قال ﵇: «إن أسوأ الناس من يَسْرِقُ مِنْ صَلاتِهِ» (١). (وزمانها)؛ لأن القطع لا يقام بتقادم العهد عندنا، وهذا إذا ثبتت السرقة بالبينة، أما إذا ظهرت السرقة بالإقرار لا يحتاج الإمام عن السؤال عن الزمان؛ لأن تقادم العهد لا يمنع صحة الإقرار. ذكره في المبسوط (٢) والمحيط. فإن قيل: ينبغي أن التقادم غير مانع هاهنا، كما أن الشاهد في التأخير غير متهم، ولا تقبل شهادة بدون دعوى المالك، كما في حد القذف لا يمنع بشرطية الدعوى. قلنا: قدم جوابه في باب الزنا. ذكره في الإيضاح (٣). قوله: (ومكانها)؛ لأنه لا يقام على من باشر في دار الحرب أو من غير الحرز، ويسأل عن المسروق أيضًا. ذكره في الإيضاح والمحيط (٤) [١/ ٥٩١]؛ إذ سرقة كل مال لا توجب القطع، وعن قدره لاشتراط النصاب عند الجمهور، وعن المسروق منه؛ لجواز أن يكون المسروق منه ذا رحم محرم أو أحد الزوجين. وفي المبسوط (٥): لم يذكر محمد السؤال عن المسروق منه؛ لأن المسروق

стр. 3984

قَالَ: (وَإِذَا اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي سَرِقَة، فَأَصَابَ كُلَّ وَاحِد مِنهُم عَشَرَةُ دَرَاهِمَ قُطِعَ، وَإِنْ أَصَابَهُ أَقَلُّ لَا يُقطَعُ) لِأَنَّ المُوجِبَ سَرِقَةُ النِّصَابِ، وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِد مِنهُم بِجِنَايَتِهِ، فَيُعتَبَرُ كَمَالُ النِّصَابِ فِي حَقِّهِ. بَابُ مَا يُقْطَعُ فِيهِ وَمَا لَا يُقْطَعُ منه حاضر يخاصم والشهود يشهدون بالسرقة منه، فلا حاجة إلى السؤال عنه، وإنما يسأل عن الكل احتيالا للدرء كما في الحدود، فإذا بينوا ذلك ولا يعرف القاضي حال الشاهدين حبسه حتى يسأل عنهما؛ لأنه صار متهما بارتكاب جريمة، ولا يمكن التوثيق بالتكفيل؛ إذ لا كفالة في حد، ولا يتمكن من القضاء قبل ظهور عدالتهما؛ لتعذر تلافي القطع عند وقوع الغلط في القضاء، ويشترط أيضًا أن يذكر في إقراره شروط السرقة من النصاب والحرز وغيره مما ذكرنا في الشاهد ولا خلاف. قوله: (وإن أصابه أقل من عشرة)؛ أي من نصاب السرقة لا يقطع وبه قال الشافعي والثوري وابن ماجشون المالكي، ونقل عن ابن ماجشون يقطعون بكل حال. وقال مالك وأحمد وأبو ثور: يقطع الكل؛ لأن سرقة النصاب فعل يوجب القطع فيستوي فيه الواحد والجماعة كالقصاص، وكما لو هتكوا الحرز وأخرجوا المتاع فدخلوا تحت النص. وقلنا: كل واحد يقطع بجنايته، والجناية الموجبة للقطع سرقة النصاب ولم يوجد بخلاف القصاص فإن فعل كل واحد جناية موجبة للقصاص؛ لأن جرح كل واحد صالح؛ لزهوق الروح، وبخلاف ما لو هتكوا الحرز وأخرجوا المتاع؛ لأنهم هتكوا الحرز وأخرجوا فلزمهم القطع كما لو كان ثقيلا فحملوه، وكذا لو أخرج متاع؛ لأن الإخراج عن الكل معنى للمعاونة كما يجيء. باب ما يقطع فيه وما لا يقطع لما ذكر تفسير السرقة وشروطها، شرع في تعداد المسروق الذي يوجب القطع وما لا يوجب.

стр. 3985

(وَلَا قَطْعَ فِيمَا يُوجَدُ تَافِهًا مُبَاحًا فِي دَارِ الإِسْلَامِ، كَالخَشَبِ وَالحَشِيشِ وَالقَصَبِ وَالسَّمَكِ وَالطَّيرِ وَالصَّيدِ وَالزِّرْنِيخِ وَالمَغَرَةِ وَالنُّورَةِ) وَالأَصلُ فِيهِ حَدِيثُ قوله: (فِيمَا يُوجَدُ تَافِها … ) إلى آخره في المغرب (١): شيء تافه وتفه: حقير وخسيس من باب لبس. هذا عندنا. وقال الشافعي ومالك وأحمد وأبو ثور: يتعلق القطع بسرقة ما يبلغ قيمته نصابًا إلا التراب، والسرقين، وهو رواية عن أبي يوسف؛ لأنه سرق مالا متقوما من حرز لا شبهة فيه، وبكون جنسه (مباحًا) (٢) لا تتمكن شبهة فيه بعد الإحراز، كالذهب والفضة واللؤلؤ والفيروزج فيدخل تحت النص. ولنا: ظاهر قوله ﵇: «الناسُ شركاء في الثلاث … » الحديث (٣) فقد أثبت الشركة العامة في الأشياء المباحة، وذلك شبهة في المنع من وجوب القطع وإن انقطعت الشركة بالإحراز. وهذا معنى قول الشيخ: (وكذا الشركة العامة التي كانت فيه)؛ أي في كل واحد من الصيد والطير والحصير في أصله بقوله ﵇: «الصَّيدُ لمَنْ أَخَذَهُ» (٤). قوله: (والأصل فيه)؛ أي في عدم القطع في التافه، وما يوجد مباحًا في

стр. 3986

عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَتِ اليَدُ لَا تُقطَعُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ فِي دار الإسلام حديث عائشة، وذلك أن أسباب الحدود لا تعرف قياسا؛ بل تعرف بالنص أو بدلالة أو بالإجماع، ولم يوجد واحد منها في هذه الأشياء، أما الإجماع والنص فظاهران. وكذا دلالته؛ لأن النص إنما ورد في الأشياء المقدرة بثمن المجن، وهي أموال نفيسة لا توجد مباح الأصل في دار الإسلام؛ إذ كل ما يوجد مباح الأصل في دار الإسلام حقير عرفًا، ولهذا بعد الضّنَّة، وإظهار الرغبة من باب الخساسة، ولا يوجد أخذه بكره من مالكه غالبا؛ فلا يحتاج فيه إلى شرع (الزاجر) وشرعية الحدود للزجر. ولأنه لما كان مباح الأصل تافها جنسًا يقل خطره وقلة الخطر تمنع القطع كالتافه قدرًا وهو ما دون النصاب، ولأن (الخشب يلقى) (١) في القوارع، وإنما يدخل في البيوت لإصلاحها (لا للإحراز) (٢) فاختل إحرازه. أما الذهب والفضة واللؤلؤ والجوهر فقد روى هشام عن محمد؛ إذا سرقها على الصورة التي توجد مباحة وهو المختلط بالحجر والتراب لا يقطع. وفي ظاهر المذهب يقطع؛ لأنه ليس بتافه جنسًا فإن كل من يتمكن من أخذه لا يتركه، ويتم إحرازه عادة بخلاف ما ذكرنا من الأشياء فإن من يتمكن من أخذها لا يرغب فيها، ولا يتم إحرازها، ألا ترى أن الناس لا يحرزون الزرنيخ والنورة والجص والقصب والحشيش ونحوها؛ بل يلقونها على الأبواب. ولا يقال: عدم الإحراز والمبالغة فيه ناشئة عن كثرتها، لا لمعنى في نفسها راجع في ذاتها؛ لأنا نقول زوال الخطر عن العين تارة يكون لقلتها كما في دون النصاب، وتارة يكون لحقارته في الطباع لا أن يكون كثير الوجود

стр. 3987

الشَّيْءُ التَّافِهِ، أَي الحَقِيرِ، وَمَا يُوجَدُ جِنْسُهُ مُبَاحًا، فِي الأَصل بِصُورَتِهِ غَيْرُ مَرغُوب فِيهِ حَقِيرٌ تَقِلُّ الرَّغَبَاتُ فِيهِ وَالطَّبَاعُ لَا تَضِنُّ بِهِ، فَقَلَّمَا يُوجَدُ أَخذُهُ عَلَى كُرِهِ مِنْ المَالِكِ فإن الأشياء النفيسة، وإن كثرت توجد المبالغة في إحرازها، وقيد (بدار الإسلام) (١)؛ لأن الأموال كلها على الإباحة في دار الحرب. المُغْرَةُ: الطين الأحمر وقد تسكن الغين ذكره في الصحاح (٢). قوله: (بصورته)؛ احتراز عن الأبواب والأواني المتخذة من الخشب والحصر البغدادية فإن فيها القطع؛ لتغيرها عن الصورة الأصلية بالصنعة المتقومة. قوله: (غير مرغوب فيه … ) إلى آخره؛ احتراز عن الذهب والفضة واللؤلؤ والجوهر؛ لأنه مرغوب فيها ولا تقل الرغبة فيها ويضن. فإن قيل: ما فائدة هذه التأكيدات ويكفي قوله: (غير مرغوب فيه)؟. قلنا: مثل هذه التأكيدات تجيء في كلام الله تعالى مع أنه متعال عن السهو والغلط كما في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]؛ فأولى أن يجيء في كلام الآدميين الذي هو مظنة السهو، ولإزاحة ما يوهم السامع من وقوع السهو كذا في النهاية (٣). ويمكن أن يقال: في هذه التأكيدات؛ إشارة إلى نفي أوصاف موجبة؛ لعدم القطع في الذهب والفضة فإن كل وصف من هذه الأوصاف يوجب عدم القطع فقال: كلها منفية في الذهب والفضة. ثم قوله: (غير مرغوب فيه) بالنصب صفة لقوله: (مباحًا). وقوله: (حقير) بالرفع؛ أي هو حقير. وقوله: (لا تضن) -بفتح الضاد وكسرها - من باب علم وضرب، والأصل هو الفتح فالضن والضنانة بالشيء؛ البخل به. قوله: (فقلَّ ما يوجد أخذه على كره من المالك)؛ أي قليل وجود لحوق

стр. 3988

فَلَا حَاجَةَ إِلَى شَرعِ الزَّاجِرِ، وَلِهَذَا لَم يَجِب القطعُ فِي سَرِقَةِ مَا دُونَ النِّصَابِ وَلِأَنَّ الحِرزَ فِيهَا نَاقِصُ؛ أَلَا يُرَى أَنَّ الخَشَبَ يُلقَى عَلَى الأَبْوَابِ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِي الدَّارِ لِلعِمَارَةِ لَا لِلإِحْرَازِ، وَالطَّيرُ يَطِيرُ وَالصَّيدُ يَفِرُّ وَكَذَا الشَّرِكَةُ العَامَّةُ الَّتِي كَانَتْ فِيهِ، وَهُوَ عَلَى تِلكَ الصِّفَةِ تُورِثُ الشُّبَهَةَ، وَالحَدُّ يَندَرِئُ بِهَا. وَيَدْخُلُ فِي السَّمَكِ المَالِحُ المشقة بالمالك عند أخذ الآخذ لهذه الأشياء منه؛ بل برضا الآخذ توقيًا عن لحوق سمة خساسة الهمة به، وتفاديًا أن ينسبه الناس إلى دناءة الهمة إذا ضنت همته بهذه الأشياء المحقرة؛ فحينئذ لا يحتاج إلى شرع الزاجر في مثل هذه الأشياء. يؤيده ما قال في الإيضاح (١): وتفاهة هذه الأشياء أو خساستها تعرف بالرجوع إلى العرف؛ فإن الضنة بها تعد من باب الخساسة، ويعد إظهار الرغبة فيه أيضًا من باب الخساسة، وتفاهيته من هذه الوجوه تخل بخطره، وقلة الخطر يمنع وجوب القطع كسرقة ما دون النصاب. قوله: (وَالطَّيْرُ يَطِيرُ وَالصَّيْدُ يَفِرُّ)؛ يعني لما كان الأمر كذلك تقل الرغبة فيها فلا يشرع الزاجر في مثله. (وكذا الشركة العامة التي كانت فيه)؛ أي في الصيد يعني مباح للعامة لقوله ﵇: «الصَّيْدُ لِمَنْ أَخَذَهُ» (٢) فكان كَمالِ بيت المال والمغانم والحشيش والخشب فلا قطع فيها فكذا في الصيد لمن أخذه ذكره في شرح الطحاوي (٣). قوله: (وهو)؛ أي الخشب على تلك الصفة، احتراز عن الأواني والأبواب المتخذة فإن فيها القطع كما بينا. قوله: (ويدخل في السَّمَك) المذكور في أول الباب (المالح) المقدد الذي فيه الملح. وفي المغرب (٤) يقال: ماء ملح وسمك مليح ومملوح ولا يقال مالح إلا في

стр. 3989

وَالطَّرِيُّ، وَفِي الطَّيرِ الدَّجَاجُ وَالبَطُّ وَالحَمَامُ لِمَا ذَكَرنَا، وَلِإِطْلَاقِ قَولِهِ ﵊: «لَا قَطعَ فِي الطَّيرِ» وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يَجِبُ القَطْعُ فِي كُلِّ شَيْء، إِلَّا الطِّينَ وَالتُّرَابَ وَالسِّرقِينَ، وَهُوَ قَولُ الشَّافِعِيِّ، وَالحُجَّةُ عَلَيْهِمَا مَا ذَكَرنَا. قَالَ: (وَلَا قَطعَ فِيمَا يَتَسَارَعُ إِلَيْهِ الفَسَادُ، كَاللَّبَنِ وَاللَّحْمِ وَالفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ) لِقَولِهِ ﵊: «لَا قَطعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا فِي كَثَر» لغة رديئة. وفي اللولوالجي: الصنعة التي حدثت في السمك لم توجب زيادة على قيمته قبل الصنعة؛ فلم تكن للصنعة عبرة. (وفي الطير)؛ أي الطير المذكور في أول الباب (الدجاج والبط والحمام لما ذكرنا أن الطير يطير) فتقل الرغبة فيه. وفي جامع المحبوبي (١): روي أن رجلا سرق دجاجة فاختصما إلى عثمان ﵁ فقال: لا قطع في الطير، وهكذا قال علي ﵁ من غير خلاف من أحد من الصحابة، وأيضًا تافه مباح الأصل؛ فأشبه الحشيش والحطب كذا في أحكام القرآن للرازي (٢). وفي المحيط: قال بعض مشايخنا ينبغي أن يجب القطع في البط والدجاج؛ لأنها ليست بصيد، وشبهة الإباحة في مثل هذه الصورة للصيد به. قوله: (والفواكه الرطبة) كالبطيخ والفواكه على الشجر والزرع الذي لم يحصد وفيه خلاف الشافعي ومالك وأحمد والأصل فيه قوله ﵇: «لا قَطعَ في ثَمرٍ ولا كَثَرٍ» رواه أبو داود والنسائي (٣). وما قال الشافعي: إنه مرسل ليس كذلك؛ لأنه أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه موصولا كذا في سنن أبو داود، مع أن العلماء تلقته بالقبول فيكون حجة بالإجماع إلا أن الخصم يقول في الثمر المعلق لما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه ﵇ سئل عن الثمر المعلق فذكر الحديث ثم قال: «فإذا آوَاهُ الجَرِينُ أو الجِرانُ فبلغ ثمن المِجَنِّ؛ ففيه القطع» (٤).

стр. 3990

وَالكَثَرُ الجُمَّارُ، وَقِيلَ: الوَدِيُّ. وَقَالَ ﵊: «لَا قَطعَ فِي الطَّعَامِ» وَالمُرَادُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ: مَا يَتَسَارَعُ إِلَيْهِ الفَسَادُ كَالمُهَيَّا لِلأَكلِ مِنْهُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ كَاللَّحْمِ وَالثَّمَرِ، لِأَنَّهُ يُقطَعُ فِي وقلنا: ما يؤويه الجران في عادتهم يابس التمر وفيه القطع، وهذا لأن ثمار المدينة لا يؤوى إلا يابسه فيكون مما يبقى بعد الإيواء على عادتهم، وكذا عندنا لا يقطع إذا صارت ثمرا على رؤوس الأشجار. قوله: (وَالْكَثَرُ الْجُمَّارُ): وهو شحم النخل وهو شيء أبيض يؤكل مثل لسان الثور كذا ذكره الزرنوجي وكذا في المغرب (١). وفي المبسوط (٢) وأحكام القرآن (٣): الكثر؛ الودي وهو صغار النخيل، فيكون دليلا على عدم القطع في الخشب. وفي المغرب (٤) من قال: الجمار الودي وهو التافه من النخل فقد أخطأ. وروى الحسن البصري أنه ﵇ قال: «لا قَطعَ في الطعام إلا ما لا يتسارع إليهِ الفَسادُ» (٥) خرج من الحديث بالإجماع، ولا إجماع فيما يتسارع إليه الفساد فبقى داخلا تحت ظاهر الحديث. قوله: (كَالْمُهَيَّأَ لِلْأَكْلِ فيه)؛ أي: من الطعام كالخبز واللحم ذكره في الإيضاح وشرح الطحاوي (٦). قوله: (لأنه)؛ أي السارق يُقطع في الحنطة إجماعًا، وهذا في غير سنة قحط فإنه ذكر في المبسوط (٧) والمحيط والمنتقى: إذا سرق الثمر أو الطعام ما يتسارع إليه الفساد أو لا سواء كان محرزا أو لا، لا قطع عليه؛ لأنه سرق عن ضرورة وجوع، والضرورة تبيح التناول من مال الغير بقدر الحاجة فمنع ذلك

стр. 3991

الحِنْطَةِ وَالسُّكَّرِ إجمَاعًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقْطَعُ فِيهَا لِقَولِهِ ﵊: «لَا قَطعَ فِي ثَمَر وَلَا كَثَر، فَإِذَا آوَاهُ الجَرِينُ أَوْ الجِرَانُ قُطِعَ» قُلْنَا: أَخْرَجَهُ عَنْ وِفَاقِ العَادَةِ، وَالَّذِي يُؤْوِيهِ الجَرِينُ فِي عَادَتِهِم هُوَ الْيَابِسُ مِنْ الثَّمَرِ وَفِيهِ القَطْعُ. قَالَ: (وَلَا قَطعَ فِي الفَاكِهَةِ عَلَى الشَّجَرِ، وَالزَّرعِ الَّذِي لَم يُحصَد) لِعَدَمِ الإِحْرَازِ (وَلَا قَطعَ فِي الأَشْرِبَةِ المُطرِبَةِ) لِأَنَّ السَّارِقَ يَتَأَوَّلُ فِي تَنَاوُلِهَا الْإِرَاقَةَ، وجوب القطع لما روي أن النبي ﷺ قال: «لا قَطعَ في مَجَاعَةِ مُضْطَرِّ» (١)، وعن عمر ﵁ قال: لا قطع في عام سِنَةٍ. وفي المغرب (٢): الجرين؛ المربد، وهو الموضع الذي يلقى فيه الرطب ليجف، وجمعه جرن، وجران البعير؛ مقدم عنقه من مذبحه إلى منحره، والجمع جرن فجاز أن يسمى به هاهنا الجران المتخذ منه. قوله: (في الفاكهة على الشجر والزرع الذي لم يحصد)، ولا خلاف فيه للأئمة الثلاثة، وإن كان في حائط محرزا. قوله: (لَا قَطعَ فِي الْأَشْرِبَةِ الْمُطْرِبَةِ)؛ أي المُسكرة بلا خلاف، أما عند الأئمة الثلاثة كالخمر عندهم، وعندنا إن كان الشراب حلوا فهو مما يتسارع إليه الفساد وإن كان مرا فإن كان خمرا فلا قيمة لها. وإن كان غيرها فللعلماء في تقوّمها اختلاف فلم يكن في معنى ما ورد به النص؛ لأن ذا مال متقوم بالإجماع، ولأن لكل أحد تأويل أخذه للإراقة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخرَّج في الإيضاح، وجامع التمرتاشي أن المراد بالمطربة المسكرة. وفي الصحاح (٣): الطرب؛ خفة تصيب الإنسان لشدة حزن أو سرور، وفصَّلَ في الأصول السُّكْرَ بغلبة سرور فالتقيا في معنى السرور فاستعير الإطراب للإسكار، وقيّد الأشربة بالمسكرة؛ لأنه يقطع في الخل لأنه لا يتسارع إليه

стр. 3992

وَلِأَنَّ بَعْضَهَا لَيسَ بِمَال، وَفِي مَالِيَّةِ بَعضِهَا اخْتِلَافُ فَتَتَحَقَّقُ شُبْهَةُ عَدَمِ المَالِيَّةِ. قَالَ: (وَلَا فِي الطُّبُورِ) لِأَنَّهُ مِنْ المَعَازِفِ (وَلَا فِي سَرِقَةِ المُصْحَفِ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ حِلْيَةٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقطَعُ لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوَّمٌ حَتَّى يَجُوزُ بَيعُهُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مِثْلُهُ. وَعَنهُ أيضًا: أَنَّهُ يُقطَعُ إِذَا بَلَغَت الحِليَةُ نِصَابًا، لِأَنَّهَا لَيسَت مِنْ المُصْحَفِ فَتُعْتَبَرُ بِالْفِرَادِهَا. وَوَجهُ الظَّاهِرِ أَنَّ الْآخِذَ يَتَأَوَّلُ فِي أَخذِهِ القِرَاءَةَ وَالنَّظَرَ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ لَا مَالِيَّةَ لَهُ عَلَى اعتِبَارِ المَكتُوبِ وَإِحْرَازُهُ لِأَجَلِهِ لَا لِلجلدِ وَالأوراقِ وَالحِلْيَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ تَوَابِعُ وَلَا مُعتَبَرَ بِالتَّبَعِ، كَمَنْ سَرَقَ آنِيَة فِيهَا خَمْرٌ وَقِيمَةُ الْآنِيَةِ تَربُو عَلَى النِّصَابِ. الفساد، ذكره في الإيضاح (١). قوله: (وَفِي مَالِيَّةِ بَعْضِهَا اخْتِلَافٌ) كالمُنصَّف والباذق وماء الذرة والشعير؛ فإن كل مسكر حرام عند الشافعي كالخمر ولا مالية له. قوله: (وَلَا فِي الطُّنْبُورِ) وما أشبهه من الملاهي؛ إذ لا يقطع بلا خلاف للأئمة فيه لعدم تقومها حتى لا يضمن متلفها. وعند أبي حنيفة إن ثبت تقومها يضمن متلفها إلا إن أخذها بتأويل النهي عن المنكر مباح فأورث شبهة. و (المعازف) جمع المعزف، وهو آلة اللَّهْوِ. قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقْطَعُ)، وبه قال مالك وأبو ثور وابن المنذر وأحمد في رواية وأبو يوسف في رواية لعموم الآية فإنه مال متقوم محرز، ولهذا كان باضه مالاً متقوما، وقد ازدادت ماليته بما كتب فيه وبجلده ولهذا صح بيعه وشراؤه. وجه الظاهر؛ أن ظاهر الرواية - وبه قال أحمد في رواية - إن أخذه بتأويل القراءة، والنظر فيه لإزاحة إشكال وقع، والقطع لا يجب مع الشبهة. و (إنما هي)؛ أي الحلية والأوراق والجلد (توابع كمن سرق آنية) فضة (فيها خمر)؛ لأن المقصود ما فيها لا الآنية، وبه قال بعض أصحاب الشافعي وهو رد المختلف على المختلف.

стр. 3993

(وَلَا قَطْعَ فِي أَبْوَابِ المَسْجِدِ) لِعَدَمِ الإِحْرَازِ فَصَارَ كَبَابِ الدَّارِ بَلْ أُولَى، لِأَنَّهُ يُحَرَّزُ بِبَابِ الدَّارِ مَا فِيهَا، وَلَا يُحَرَّزُ بِبَابِ المَسْجِدِ مَا فِيهِ حَتَّى لَا يَجِبُ القَطْعُ بِسَرِقَةِ مَتَاعِهِ. قَالَ: (وَلَا الصَّلِيبِ مِنْ الذَّهَبِ، وَلَا الشَّطْرَنجِ، وَلَا النَّرْدِ) لِأَنَّهُ يَتَأَوَّلُ مَنْ أَخَذَهَا الكَسَرَ نَهْياً عَنْ المُنكَرِ، بِخِلَافِ الدِّرْهَمِ الَّذِي عَلَيْهِ التِّمْثَالُ، لِأَنَّهُ مَا أُعِدَّ وكذا لو سرق ثوبًا خَلقًا لا يساوي نصاب السرقة، ووجد فيه صرة دراهم، ولم يعلم السارق بها لا قطع عليه؛ لأن ما هو المقصود ليس بنصاب وإن عَلِمَ قُطِعَ. وعن أبي يوسف يقطع في الحالين؛ لأنه سرقة تمت في نصاب كامل. وقلنا: السارق قصد إخراج ما يعلم به دون ما لا يعلم كذا في المبسوط (١). قوله: (فَصَارَ كَبَابِ الدَّارِ)، وقال الشافعي وابن القاسم صاحب مالك وأبو ثور وابن المنذر: يقطع؛ لأنه سرق نصابًا محرزا تحريز مثله، وكذا لو سرق باب الدار. وبه قال أحمد في رواية وفي رواية كقولنا لعدم الإحراز؛ لأن الباب غير محرز، ولأنه لا مالك له من جهة العباد فلا يقطع فيه كحصير المسجد وقناديله. وقوله: (فصار كباب الدار)؛ رد المختلف على المختلف؛ بل الأوجه تعليل الثاني، وهو أنه لا مالك له في باب المسجد، والتعليل العام عندنا، أن الأبواب لا تكون محرزة عادة؛ لأنه يحرز به فلا يكون هو محرزا عادة، ولا يقطع؛ لأنه ليس له مالك معين فأشبه بيت المال. كذا في شرح الوجيز (٢). قوله: (ولا الصليب من الذهب)، وكذا من الفضة، (ولا الشطرنج) بكسر الشين، (ولا النرد) وإن كان من الذهب وبقولنا قال أحمد. وقال الشافعي: يقطع، وبه قال أبو الخطاب من أصحاب أحمد؛ لأنه مال محرز متقوم، ولا اعتبار للصنعة فيه. وقلنا: فيه شبهة إباحة الأخذ للكسر نهيا للمنكر.

стр. 3994

للعِبَادَةِ فَلَا تَثْبُتُ شُبهَةُ إِبَاحَةِ الكَسرِ (*). وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ الصَّلِيبُ فِي المُصَلَّى لَا يُقطَعُ لِعَدَمِ الحِرزِ، وَإِنْ كَانَ فِي بَيت آخَرَ يُقْطَعُ لِكَمَالِ المَالِيَّةِ وَالحِرزِ. (وَلَا قَطعَ عَلَى سَارِقِ الصَّبِيِّ الحُرِّ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ حُلِيٌّ) لِأَنَّ الحُرَّ لَيسَ بِمَال، وَمَا عَلَيْهِ مِنْ الحُلِيِّ تَبَعٌ لَهُ، وَلِأَنَّهُ يَتَأَوَّلُ فِي أَخذِهِ الصَّبِيَّ إِسكَاتَهُ أَوْ حَمْلَهُ إِلَى مُرضِعَتِهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُقطَعُ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ حُلِيٌّ هُوَ نِصَابٌ (*)، لِأَنَّهُ يَجِبُ القَطعُ بِسَرِقَتِهِ وَحدَهُ فَكَذَا مَعَ غَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا إِذَا سَرَقَ إِنَاءَ فِضَّةٍ فِيهِ نَبِيةٌ أَوْ ثَرِيدٌ. قوله: (إن كان الصليب في المصلى)؛ أي موضع صلاة النصارى وبه صرح في المحيط؛ لعدم الحرز فإن معبدهم غير مبني لحفظ الأموال. قوله: (الصبي الحر)؛ قيد به احترازًا عن سرقة العبد الصغير كما يجيء وإن كان عليه حلي أو ثياب نفيسة؛ لأنها تبع، والصبي يتزين بالحلي والثياب والزينة تبع لصاحبها وبه قال الشافعي وأبو ثور وأحمد والثوري وابن المنذر. وقال الحسن ومالك والشعبي: يقطع بسرقة الحُرّ الصغير؛ لأنه غير مميز فأشبه العبد. ولنا: أن الحر ليس بمال وما عليه تبع به، وعند أبي يوسف: لو كان ما عليه يبلغ النصاب يقطع وبه قال ابن المنذر وأبو الخطاب الحنبلي؛ لظاهر الآية إذ سرقته تمت في نصاب كامل. وقلنا: إنه تابع كما ذكرنا، ولأن له تأويلا في أخذه بأن يقول: كان يبكي فأخذته لأسكته أو أحمله إلى مرضعته. قوله: (وعلى هذا)؛ أي هذا الخلاف (إذا سرق إناء فضة) أو ذهب (فيه نبيذ) أو خمر (أو ثريد) أو سرق كلبًا عليه قلادة فضة فعند أبي يوسف: يقطع إذا بلغ نصابًا. وبه قال الشافعي ومالك وأحمد؛ لما ذكرنا أن سرقته تمت في نصاب كامل.

стр. 3995

وَالخِلافُ فِي الصَّبِيِّ لَا يَمْشِي وَلَا يَتَكَلَّمُ كَي لَا يَكُونَ فِي يَدِ نَفْسِهِ. (وَلَا قَطْعَ فِي سَرِقَةِ العَبدِ الكَبِيرِ) لِأَنَّهُ غَصَبٌ أَوْ خِدَاعٌ (وَيُقْطَعُ فِي سَرِقَةِ العَبدِ الصَّغِيرِ) لِتَحَقُّقِهَا بِحَدِّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ هُوَ وَالبَالِغُ سَوَاءٌ فِي اعتِبَارِ يَدِهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُقطَعُ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا لَا يَعْقِلُ وَلَا يَتَكَلَّمُ وأبو حنيفة ومحمد يقولان: إن الإناء تبع للمظروف وهو المقصود بالأخذ فإذا لم يجب القطع فيما هو الأصل فكيف يجب فيما هو التبع؟، ولأنه متى اجتمع دليلان أحدهما يقتضي القطع والآخر ينفيه، كان ذلك يورث شبهة دارئة للحد. قوله: (لا يمشي ولا يتكلم) حتى لو كان يمشي ويتكلم ويميز، لا يقطع سارقه إجماعا؛ لأنه في يد نفسه ويكون له يد على نفسه، وعلى ما هو تابع له فكان أخذه خداعًا كذا في المحيط (١). قوله: (وَيُقْطَعُ فِي سَرِقَةِ الْعَبْدِ الصَّغِيرِ). قال ابن المنذر (٢): أجمع على هذا أهل العلم فيما إذا لم يعبر عن نفسه فإن كان يعبر ويميز لا قطع فيه بالإجماع إلا أن يكون نائمًا أو مجنونا أو أعجميا لا يميز بين سيده وبين غيره في الطاعة؛ فحينئذ يقطع. ذكر الاستثناء ابن قدامة في المغني (٣)، وللشافعي في أم ولد نائمة وجهان. وعندنا: لا قطع في الآدمي الذي يعقل، سواء كان نائما أو مجنونا أو أعجميا. وفي الأسرار: لما كان يعبر عن نفسه، ويميز يكون في يد نفسه حتى لو أنكر رقه، لم يبق للسارق عليه يد، ولأنه حافظ نفسه فلا يتصور أخذه منه؛ فإن أخذه وهو نائم عاقل، كان بمنزلة ما لو سرق الحرز بما فيه كسرقة جوالق فيها متاع فلا يقطع، ولو كان يقظان فلا يأخذه إلا مغالبًا أو مخادعا وذا ليس بسرقة.
следующие страницы →