← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

الحِنْطَةِ وَالسُّكَّرِ إجمَاعًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقْطَعُ فِيهَا لِقَولِهِ ﵊: «لَا قَطعَ فِي ثَمَر وَلَا كَثَر، فَإِذَا آوَاهُ الجَرِينُ أَوْ الجِرَانُ قُطِعَ» قُلْنَا: أَخْرَجَهُ عَنْ وِفَاقِ العَادَةِ، وَالَّذِي يُؤْوِيهِ الجَرِينُ فِي عَادَتِهِم هُوَ الْيَابِسُ مِنْ الثَّمَرِ وَفِيهِ القَطْعُ. قَالَ: (وَلَا قَطعَ فِي الفَاكِهَةِ عَلَى الشَّجَرِ، وَالزَّرعِ الَّذِي لَم يُحصَد) لِعَدَمِ الإِحْرَازِ (وَلَا قَطعَ فِي الأَشْرِبَةِ المُطرِبَةِ) لِأَنَّ السَّارِقَ يَتَأَوَّلُ فِي تَنَاوُلِهَا الْإِرَاقَةَ، وجوب القطع لما روي أن النبي ﷺ قال: «لا قَطعَ في مَجَاعَةِ مُضْطَرِّ» (١)، وعن عمر ﵁ قال: لا قطع في عام سِنَةٍ. وفي المغرب (٢): الجرين؛ المربد، وهو الموضع الذي يلقى فيه الرطب ليجف، وجمعه جرن، وجران البعير؛ مقدم عنقه من مذبحه إلى منحره، والجمع جرن فجاز أن يسمى به هاهنا الجران المتخذ منه. قوله: (في الفاكهة على الشجر والزرع الذي لم يحصد)، ولا خلاف فيه للأئمة الثلاثة، وإن كان في حائط محرزا. قوله: (لَا قَطعَ فِي الْأَشْرِبَةِ الْمُطْرِبَةِ)؛ أي المُسكرة بلا خلاف، أما عند الأئمة الثلاثة كالخمر عندهم، وعندنا إن كان الشراب حلوا فهو مما يتسارع إليه الفساد وإن كان مرا فإن كان خمرا فلا قيمة لها. وإن كان غيرها فللعلماء في تقوّمها اختلاف فلم يكن في معنى ما ورد به النص؛ لأن ذا مال متقوم بالإجماع، ولأن لكل أحد تأويل أخذه للإراقة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخرَّج في الإيضاح، وجامع التمرتاشي أن المراد بالمطربة المسكرة. وفي الصحاح (٣): الطرب؛ خفة تصيب الإنسان لشدة حزن أو سرور، وفصَّلَ في الأصول السُّكْرَ بغلبة سرور فالتقيا في معنى السرور فاستعير الإطراب للإسكار، وقيّد الأشربة بالمسكرة؛ لأنه يقطع في الخل لأنه لا يتسارع إليه

стр. 3992

وَلِأَنَّ بَعْضَهَا لَيسَ بِمَال، وَفِي مَالِيَّةِ بَعضِهَا اخْتِلَافُ فَتَتَحَقَّقُ شُبْهَةُ عَدَمِ المَالِيَّةِ. قَالَ: (وَلَا فِي الطُّبُورِ) لِأَنَّهُ مِنْ المَعَازِفِ (وَلَا فِي سَرِقَةِ المُصْحَفِ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ حِلْيَةٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقطَعُ لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوَّمٌ حَتَّى يَجُوزُ بَيعُهُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مِثْلُهُ. وَعَنهُ أيضًا: أَنَّهُ يُقطَعُ إِذَا بَلَغَت الحِليَةُ نِصَابًا، لِأَنَّهَا لَيسَت مِنْ المُصْحَفِ فَتُعْتَبَرُ بِالْفِرَادِهَا. وَوَجهُ الظَّاهِرِ أَنَّ الْآخِذَ يَتَأَوَّلُ فِي أَخذِهِ القِرَاءَةَ وَالنَّظَرَ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ لَا مَالِيَّةَ لَهُ عَلَى اعتِبَارِ المَكتُوبِ وَإِحْرَازُهُ لِأَجَلِهِ لَا لِلجلدِ وَالأوراقِ وَالحِلْيَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ تَوَابِعُ وَلَا مُعتَبَرَ بِالتَّبَعِ، كَمَنْ سَرَقَ آنِيَة فِيهَا خَمْرٌ وَقِيمَةُ الْآنِيَةِ تَربُو عَلَى النِّصَابِ. الفساد، ذكره في الإيضاح (١). قوله: (وَفِي مَالِيَّةِ بَعْضِهَا اخْتِلَافٌ) كالمُنصَّف والباذق وماء الذرة والشعير؛ فإن كل مسكر حرام عند الشافعي كالخمر ولا مالية له. قوله: (وَلَا فِي الطُّنْبُورِ) وما أشبهه من الملاهي؛ إذ لا يقطع بلا خلاف للأئمة فيه لعدم تقومها حتى لا يضمن متلفها. وعند أبي حنيفة إن ثبت تقومها يضمن متلفها إلا إن أخذها بتأويل النهي عن المنكر مباح فأورث شبهة. و (المعازف) جمع المعزف، وهو آلة اللَّهْوِ. قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقْطَعُ)، وبه قال مالك وأبو ثور وابن المنذر وأحمد في رواية وأبو يوسف في رواية لعموم الآية فإنه مال متقوم محرز، ولهذا كان باضه مالاً متقوما، وقد ازدادت ماليته بما كتب فيه وبجلده ولهذا صح بيعه وشراؤه. وجه الظاهر؛ أن ظاهر الرواية - وبه قال أحمد في رواية - إن أخذه بتأويل القراءة، والنظر فيه لإزاحة إشكال وقع، والقطع لا يجب مع الشبهة. و (إنما هي)؛ أي الحلية والأوراق والجلد (توابع كمن سرق آنية) فضة (فيها خمر)؛ لأن المقصود ما فيها لا الآنية، وبه قال بعض أصحاب الشافعي وهو رد المختلف على المختلف.

стр. 3993

(وَلَا قَطْعَ فِي أَبْوَابِ المَسْجِدِ) لِعَدَمِ الإِحْرَازِ فَصَارَ كَبَابِ الدَّارِ بَلْ أُولَى، لِأَنَّهُ يُحَرَّزُ بِبَابِ الدَّارِ مَا فِيهَا، وَلَا يُحَرَّزُ بِبَابِ المَسْجِدِ مَا فِيهِ حَتَّى لَا يَجِبُ القَطْعُ بِسَرِقَةِ مَتَاعِهِ. قَالَ: (وَلَا الصَّلِيبِ مِنْ الذَّهَبِ، وَلَا الشَّطْرَنجِ، وَلَا النَّرْدِ) لِأَنَّهُ يَتَأَوَّلُ مَنْ أَخَذَهَا الكَسَرَ نَهْياً عَنْ المُنكَرِ، بِخِلَافِ الدِّرْهَمِ الَّذِي عَلَيْهِ التِّمْثَالُ، لِأَنَّهُ مَا أُعِدَّ وكذا لو سرق ثوبًا خَلقًا لا يساوي نصاب السرقة، ووجد فيه صرة دراهم، ولم يعلم السارق بها لا قطع عليه؛ لأن ما هو المقصود ليس بنصاب وإن عَلِمَ قُطِعَ. وعن أبي يوسف يقطع في الحالين؛ لأنه سرقة تمت في نصاب كامل. وقلنا: السارق قصد إخراج ما يعلم به دون ما لا يعلم كذا في المبسوط (١). قوله: (فَصَارَ كَبَابِ الدَّارِ)، وقال الشافعي وابن القاسم صاحب مالك وأبو ثور وابن المنذر: يقطع؛ لأنه سرق نصابًا محرزا تحريز مثله، وكذا لو سرق باب الدار. وبه قال أحمد في رواية وفي رواية كقولنا لعدم الإحراز؛ لأن الباب غير محرز، ولأنه لا مالك له من جهة العباد فلا يقطع فيه كحصير المسجد وقناديله. وقوله: (فصار كباب الدار)؛ رد المختلف على المختلف؛ بل الأوجه تعليل الثاني، وهو أنه لا مالك له في باب المسجد، والتعليل العام عندنا، أن الأبواب لا تكون محرزة عادة؛ لأنه يحرز به فلا يكون هو محرزا عادة، ولا يقطع؛ لأنه ليس له مالك معين فأشبه بيت المال. كذا في شرح الوجيز (٢). قوله: (ولا الصليب من الذهب)، وكذا من الفضة، (ولا الشطرنج) بكسر الشين، (ولا النرد) وإن كان من الذهب وبقولنا قال أحمد. وقال الشافعي: يقطع، وبه قال أبو الخطاب من أصحاب أحمد؛ لأنه مال محرز متقوم، ولا اعتبار للصنعة فيه. وقلنا: فيه شبهة إباحة الأخذ للكسر نهيا للمنكر.

стр. 3994

للعِبَادَةِ فَلَا تَثْبُتُ شُبهَةُ إِبَاحَةِ الكَسرِ (*). وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ الصَّلِيبُ فِي المُصَلَّى لَا يُقطَعُ لِعَدَمِ الحِرزِ، وَإِنْ كَانَ فِي بَيت آخَرَ يُقْطَعُ لِكَمَالِ المَالِيَّةِ وَالحِرزِ. (وَلَا قَطعَ عَلَى سَارِقِ الصَّبِيِّ الحُرِّ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ حُلِيٌّ) لِأَنَّ الحُرَّ لَيسَ بِمَال، وَمَا عَلَيْهِ مِنْ الحُلِيِّ تَبَعٌ لَهُ، وَلِأَنَّهُ يَتَأَوَّلُ فِي أَخذِهِ الصَّبِيَّ إِسكَاتَهُ أَوْ حَمْلَهُ إِلَى مُرضِعَتِهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُقطَعُ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ حُلِيٌّ هُوَ نِصَابٌ (*)، لِأَنَّهُ يَجِبُ القَطعُ بِسَرِقَتِهِ وَحدَهُ فَكَذَا مَعَ غَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا إِذَا سَرَقَ إِنَاءَ فِضَّةٍ فِيهِ نَبِيةٌ أَوْ ثَرِيدٌ. قوله: (إن كان الصليب في المصلى)؛ أي موضع صلاة النصارى وبه صرح في المحيط؛ لعدم الحرز فإن معبدهم غير مبني لحفظ الأموال. قوله: (الصبي الحر)؛ قيد به احترازًا عن سرقة العبد الصغير كما يجيء وإن كان عليه حلي أو ثياب نفيسة؛ لأنها تبع، والصبي يتزين بالحلي والثياب والزينة تبع لصاحبها وبه قال الشافعي وأبو ثور وأحمد والثوري وابن المنذر. وقال الحسن ومالك والشعبي: يقطع بسرقة الحُرّ الصغير؛ لأنه غير مميز فأشبه العبد. ولنا: أن الحر ليس بمال وما عليه تبع به، وعند أبي يوسف: لو كان ما عليه يبلغ النصاب يقطع وبه قال ابن المنذر وأبو الخطاب الحنبلي؛ لظاهر الآية إذ سرقته تمت في نصاب كامل. وقلنا: إنه تابع كما ذكرنا، ولأن له تأويلا في أخذه بأن يقول: كان يبكي فأخذته لأسكته أو أحمله إلى مرضعته. قوله: (وعلى هذا)؛ أي هذا الخلاف (إذا سرق إناء فضة) أو ذهب (فيه نبيذ) أو خمر (أو ثريد) أو سرق كلبًا عليه قلادة فضة فعند أبي يوسف: يقطع إذا بلغ نصابًا. وبه قال الشافعي ومالك وأحمد؛ لما ذكرنا أن سرقته تمت في نصاب كامل.

стр. 3995

وَالخِلافُ فِي الصَّبِيِّ لَا يَمْشِي وَلَا يَتَكَلَّمُ كَي لَا يَكُونَ فِي يَدِ نَفْسِهِ. (وَلَا قَطْعَ فِي سَرِقَةِ العَبدِ الكَبِيرِ) لِأَنَّهُ غَصَبٌ أَوْ خِدَاعٌ (وَيُقْطَعُ فِي سَرِقَةِ العَبدِ الصَّغِيرِ) لِتَحَقُّقِهَا بِحَدِّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ هُوَ وَالبَالِغُ سَوَاءٌ فِي اعتِبَارِ يَدِهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُقطَعُ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا لَا يَعْقِلُ وَلَا يَتَكَلَّمُ وأبو حنيفة ومحمد يقولان: إن الإناء تبع للمظروف وهو المقصود بالأخذ فإذا لم يجب القطع فيما هو الأصل فكيف يجب فيما هو التبع؟، ولأنه متى اجتمع دليلان أحدهما يقتضي القطع والآخر ينفيه، كان ذلك يورث شبهة دارئة للحد. قوله: (لا يمشي ولا يتكلم) حتى لو كان يمشي ويتكلم ويميز، لا يقطع سارقه إجماعا؛ لأنه في يد نفسه ويكون له يد على نفسه، وعلى ما هو تابع له فكان أخذه خداعًا كذا في المحيط (١). قوله: (وَيُقْطَعُ فِي سَرِقَةِ الْعَبْدِ الصَّغِيرِ). قال ابن المنذر (٢): أجمع على هذا أهل العلم فيما إذا لم يعبر عن نفسه فإن كان يعبر ويميز لا قطع فيه بالإجماع إلا أن يكون نائمًا أو مجنونا أو أعجميا لا يميز بين سيده وبين غيره في الطاعة؛ فحينئذ يقطع. ذكر الاستثناء ابن قدامة في المغني (٣)، وللشافعي في أم ولد نائمة وجهان. وعندنا: لا قطع في الآدمي الذي يعقل، سواء كان نائما أو مجنونا أو أعجميا. وفي الأسرار: لما كان يعبر عن نفسه، ويميز يكون في يد نفسه حتى لو أنكر رقه، لم يبق للسارق عليه يد، ولأنه حافظ نفسه فلا يتصور أخذه منه؛ فإن أخذه وهو نائم عاقل، كان بمنزلة ما لو سرق الحرز بما فيه كسرقة جوالق فيها متاع فلا يقطع، ولو كان يقظان فلا يأخذه إلا مغالبًا أو مخادعا وذا ليس بسرقة.

стр. 3996

استحسانًا، لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ مِنْ وَجه، مَالٌ مِنْ وَجه (*)، وَلَهُمَا: أَنَّهُ مَالٌ مُطلَقٌ لِكُونِهِ مُنتَفَعًا بِهِ أَوْ بِعَرضِ أَنْ يَصِيرَ مُنتَفَعا بِهِ، إِلَّا أَنَّهُ انضَمَّ إِلَيْهِ مَعَنَى الْآدَمِيَّةِ. (وَلَا قَطعَ فِي الدَّفَاتِرِ كُلِّهَا) لِأَنَّ المَقصُودَ مَا فِيهَا، وَذَلِكَ لَيسَ بِمَالٍ إِلَّا فِي وقال أبو يوسف: لا يُقطعُ سارق العبد وإن كان صغيرا غير مميز استحسانًا؛ لأنه آدمي من وجه فلا يكون مالا، ومال من وجه فجهة كونه آدميا تمنع القطع. وفي المبسوط (١): المملوك من جنس الحر فإن الجنسية لا تبدل بالرق، وإذا كان لا يقطع لسرقة جنسه من الأحرار، يصير ذلك شبهة. وفي الأسرار: ماليته ناقصة؛ لأنه جنس الآدمي، ولهذا يلزمه أحكام الشرع، ومن حيث إنه يباع ويشترى ويوهب مال؛ فكان في المالية أنقص من الحشيش والحطب. ولهما: أن العبد الصغير (مال مطلق) يعني من حيث إنه مال لا نقصان به؛ بل هو من أعز الأموال عند الناس، وبه تعرف العزة ولكن فيه ما ليس بمال من حيث نفسه؛ فكأنه سرق ما هو مال عزيز فيما هو ليس بمال؛ فيقطع كسرقة درة في وعاء ليس بمال؛ فكانت في المالية كاملة، كذا في الأسرار. قوله: (ولا قطع في الدفاتر كلها) سواء كان فيها علم الشريعة أو الأدب أو الشعر؛ لأن المقصود ما فيها وذا ليس بمال، أما كتب الفقه والحديث والتفسير كالمصحف وقد بينا وجهه. وأما كتب الأدب اختلف المشايخ فيها فقيل: ملحقة بدفاتر الحساب. وقيل: بالفقه والتفسير والحديث؛ لأن معرفتها قد تتوقف على اللغة والشعر، والحاجة وإن قلت كفت لإيراث شبهة الإباحة، كذا في مبسوط شيخ الإسلام. وعند الشافعي ومالك وأحمد: يقطع في الدفاتر كلها سواء كانت فيها علوم الشريعة أو غيرها؛ لأنه مال متقوم تبلغ قيمته نصابًا فيدخل في عموم الآية، وقد

стр. 3997

دَفَاتِرِ الحِسَابِ) لِأَنَّ مَا فِيهَا لَا يُقصَدُ بِالأَخذِ فَكَانَ المَقْصُودُ هُوَ الكَوَاعِدَ. قَالَ: (وَلَا فِي سَرِقَةِ كَلبٍ وَلَا فَهدٍ) لِأَنَّ مِنْ جِنسِهَا يُوجَدُ مُبَاحُ الأَصْلِ غَيْرُ مَرغُوب فِيهِ، وَلِأَنَّ الاِختِلافَ بَينَ العُلَمَاءِ ظَاهِرٌ فِي مَالِيَّةِ الكَلبِ فَأُورَثَ شُبهة. (وَلَا قَطعَ فِي دُفٌ وَلَا طَبل وَلَا بَرْبَطِ وَلَا مِرْمَار) لِأَنَّ عِندَهُمَا: لَا قِيمَةَ لَهَا، ذكرنا جوابه مرة (١). وفي الفوائد البدرية: المراد بدفاتر الحساب؛ دفاتر أهل العمل والحساب الذي أمضى حسابه فكان ما فيها لا يؤخذ بالقصد؛ إذ ليس فيه أحكام الشرع فكان المقصود الكواغد؛ فيقطع إذا بلغت نصابا ذكره في المحيط. قوله: ([ولا] (٢) في سرقة كلب ولا فهد)، ولا خلاف فيه إلا لأشهب المالكي فإنه قال ذلك في المنهي عن اتخاذه؛ فأما المأذون من اتخاذه ككلب الصيد والماشية فيقطع سارقه. وقلنا: إنه مباح الأصل … إلى آخر ما ذكر في المتن. قوله: (ولا قطع في طبل ولا دُفٌ … ) إلى آخره وكذا الحكم في جميع آلات اللهو وبه قال مالك وأحمد. وقال أصحاب الشافعي: إن كانت قيمته بعد زوال تأليفه نصابًا ففيه القطع وإلا فلا، وقالوا في وجه: لا يقطع مطلقًا كقولنا، وقال ابن هريرة (٣) من أصحابه: إن أخرجه مفصلا قطع، وإن أخرجه غير مفصل لم يقطع. وفي المغرب (٤): الدّف - بالفتح والضم -: هو الذي يلعب به وهو نوعان مدوّر ومربع. وأما طبل الغزاة اختلف مشايخنا فيه، واختار الصدر الشهيد أنه لا يجب القطع بسرقته؛ لأنه كما يصلح للغزو يصلح لغيره فتتمكن الشبهة.

стр. 3998

وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: آخِذُهَا يَتَأَوَّلُ الكَسَرَ فِيهَا (*). (وَيُقْطَعُ فِي السَّاجِ وَالقَنَا وَالآبَنُوسِ وَالصَّندَلِ) لِأَنَّهَا أَمْوَالٌ مُحَرَّزَةٌ لِكَونِهَا عَزِيزَةٌ عِنْدَ النَّاسِ، وَلَا تُوجَدُ بِصُورَتِهَا مُبَاحَة فِي دَارِ الإِسْلَامِ. قَالَ: (وَيُقْطَعُ فِي الفُصُوصِ الخُضرِ وَاليَاقُوتِ وَالزَّبَرجَدِ) لِأَنَّهَا مِنْ أَعَزُّ الأَمْوَالِ وَأَنفَسِهَا، وَلَا تُوجَدُ مُبَاحَةَ الأَصل بِصُورَتِهَا فِي دَارِ الإِسْلَامِ غَيْرَ مَرغوب فِيهَا، فَصَارَت كَالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ. (وَإِذَا اتَّخَذَ مِنْ الخَشَبِ أَوَانِيَ وَأَبْوَابا قُطِعَ فِيهَا) لِأَنَّهُ بِالصَّنعَةِ التَحَقَ بِالأَمْوَالِ النَّفِيسَةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهَا تُحَرَّزُ بِخِلَافِ الحَصِيرِ، لِأَنَّ الصَّنْعَةَ فِيهِ لَم تَعْلِب عَلَى الجِنسِ وقيل: يقطع ذكره في المحيط؛ لأنه مال متقوم. (وعند أبي حنيفة آخذها يتأول الكسر) نهيًا عن المنكر وفي المبسوط (١): اعتبار القطع باعتبار المقصود. قوله: (ويقطع في الساج … ) إلى آخره ولا خلاف فيه، الساج: شجر يعظم جدا قالوا: ولا ينبتُ إلّا ببلاد الهند وألفه منقلبة عن الواو، وأصله سوج بفتحتين يقال: ساجة مسرجوة؛ أي مخروطة منحوتة الجوانب الأربعة (٢). و (القنا) بالقصر جمع قناة: وهي خشبة الرمح كذا في الديوان والمغرب (٣). والأبنوس - بفتح الباء - مسموع، وهكذا وجد بخط الزرنوجي وهو معروف، وروى هشام عن محمد في الأبنوس فإذا عُمِلَ شَيءٌ قطعه به؛ لأنه بالصنعة التحق بالأموال النفيسة. قوله: (لم تغلب) وفرق بين العمل المتصل بالخشب، وبين المتصل بالحشيش والقصب والبردي حيث لا يقطع في سرقة هذه الأشياء، وإن كانت معمولة بلغت قيمتها نصابًا.

стр. 3999

حَتَّى يُبْسَطُ فِي غَيْرِ الحِرزِ، وَفِي الحُصرِ البَغدَادِيَّةِ قَالُوا: يَجِبُ القَطِعُ فِي سَرِقَتِهَا لِغَلَبَةِ الصَّنعَةِ عَلَى الأَصلِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ القَطعُ فِي غَيْرِ الْمُرَكَّبِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ إِذَا كَانَ خَفِيفًا لَا يَثْقُلُ عَلَى الوَاحِدِ حَملُهُ، لِأَنَّ الثَّقِيلَ مِنهُ لَا يُرغَبُ فِي سَرِقَتِهِ (وَلَا قَطعَ عَلَى خَائِن وَلَا خَائِنَة) لِقُصُور فِي الحِرزِ (وَلَا مُنتَهِب وَلَا مُختَلِس) لِأَنَّهُ يُجَاهِرُ وقال: إن الصنعة في الحشيش والقصب والبردي، لا تغلب على الأصل. ألا ترى أنه لا تتضاعف قيمته بسبب الصنعة، ولا يخرج بها من كونه تافها فيما بين الناس، حتى إن الحصر منها تبسط في غير الحرز، بخلاف الخشب إذا عُمِلَ حتى إن الحصير إذا غلبت الصنعة على الأصل كما في الحصر البغدادية والمصرية (والعباداني) يُقطَعُ أيضًا وقد مر، وعند الأئمة الثلاثة؛ يقطع في المعمولة وغير المعمولة إذا بلغت نصابا وقد مر. قال: (في غير المركب)؛ أي الباب الذي غير مركّب على الجدار ومحرز في الحرز، أما المركب على الجدار لا قطع فيه عندنا. وفي المبسوط (١): سرق باب دار أو مسجد لا يُقطع؛ لأنه ظاهر غير محرز، ولأن بالباب يصير ما في البيت محرزا؛ فسارقه يصير سارقا للحرز دون المحرز؛ فصار كسرقته الحارس وسرقته ثوبًا بسط على الحائط إلى السكة فإنه غير محرز؛ إذ الحائط غير محرز؛ بل به يحرز ما في البيت. وعند الأئمة الثلاثة: يقطع في باب الدار؛ لأنه مال متقوم محرز بحرز مثله، وحرز حائط الدار يكون مبنيًا فيها إذا كانت في العمران، وكذا حرز الباب، وما كان حرزًا لغيره يكون حرزًا لنفسه. قوله: (ولا قطع على خائن … ) إلى آخره، قال الإمام بدر الدين الكردري ﵀: الخائن من يخون فيما في يده من الأمانة كالمودع، والخائنة للمؤنث، والانتهاب: أن يأخذ على وجه العلانية قهرا من بلدة أو قرية، والاختلاس: أن يأخذ من البيت سرعة جهرًا، لا قطع فيها بإجماع العلماء وفقهاء الأمصار؛ لعدم صدق السرقة عليها.

стр. 4000

بِفِعْلِهِ، كَيْفَ وَقَدْ قَالَ ﵊: «لَا قَطعَ فِي مُختَلِسٍ وَلَا مُنتَهِبٍ وَلَا خَائِنِ» (وَلَا قَطعَ عَلَى النَّبَّاشِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّد وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ: عَلَيْهِ القَطْعُ (*) لِقَولِهِ ﵊: «مَنْ نَبَشَ قَطَعْنَاهُ». والحديث المذكور في المتن رواه أبو داود، واختلفت الرواية عن أحمد في جاحد العارية في رواية عليه القطع وبه قال إسحاق لما روي عن عائشة أن امرأة كانت تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي ﷺ بقطعها (١)، وعن أحمد؛ لا قطع فيه أيضًا كقول الجمهور لما ذكرنا من حديث. وبالمعنى؛ أن السرقة أخذ مال الغير على سبيل الخفية، والجاحد غير سارق بل هو خائن وإنما قطع النبي ﵇ تلك المرأة لسرقتها لا لجحودها، بدليل قصة الحديث وهي أن أسامة كلم (٢) النبي ﷺ ، فقال ﵇: «أَلا أَرَاكَ تُكلِّمُني في حَدٌ من حدودِ اللهِ تعالى»، ثم قام ﵇ خطيبًا فقال: «إنَّما هلك من كان قبلكم بأنهم إذا سرَقَ فيهمُ الشَّريف تركوه وإذا سرق الضعيف قطعوه والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعتُ يدها»، ذكر القصة البخاري (٣). وفي حديث آخر: سرقت قطيفة والقصة واحدة وأنها سرقت فقطعت، وإنما عرفتها عائشة بجحدها للعارية؛ لكونها مشهورة بذلك، وفيه جمع بين الأحاديث والإجماع. قوله: (وقال أبو يوسف والشافعي)، ومالك وأحمد وأبو ثور والحسن والشعبي والنخعي وقتادة وحماد وعمر بن عبد العزيز. وفي المبسوط (٤): وهو مذهب عمر وعائشة وابن مسعود، وقول أبي حنيفة

стр. 4001

وَلِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوَّمٌ مُحرَزٌ يُحرَزُ مِثْلُهُ فَيُقطَعُ فِيهِ. وَلَهُمَا: قَولُهُ ﵊: ومحمد مذهب ابن عباس والثوري والأوزاعي ومكحول والزهري، واتفق من بقي من الصحابة، وكانوا متواترين في عهد مروان على عدم القطع، وبه قال الشافعي في القديم واختاره ابن خيران. ثم الكفن الذي يقطع به ما كان مشروعًا فإن كان أكثر من كفن السُّنَّةِ، أو تركه في تابوت فسُرِق التابوت، أو ترك معه طيبًا مجموعا أو ذهبًا أو فضة أو جوهرا؛ لم يأخذ شيء من ذلك؛ لأنه ليس بكفن مشروع فتركه فيه تضييع وسفه؛ فلا يكون محرزا فلا يقطع سارقه. وفي الوجيز (١): لا قطع على النباش في بَرِّية ضائعة، ويقطع إذا سرق من قبر محرز محروس، وفي مقابر البلاد وجهان، وفي الزيادة على العدد الشرعي وجهان، ثم الكفن للوارث فهو الخصم في السرقة، وإن كفنه أجنبي فهو الخصم، والطلب له. وبه قال أحمد في وجه، وقال في وجه: لا يفتقر إلى الطلب؛ لأن طلب السرقة من الأحياء شرع؛ كيلا يكون المسروق ملكًا للسارق وقد آيس من ذلك هاهنا. قوله ﵇: «وَمَنْ نَبَشَ قَطَعْناهُ» أول الحديث: «مَنْ غَرِقَ غَرِّقْنَاهُ وَمَنْ … حَرَقَ حَرَقْناهُ ومَن نَبِشَ قَطَعْناهُ» (٢). (ولأنه مال متقوم)، وبإلباس الميت لا تختل صفته؛ أي صفة المالية فيه محرز لما أن القبر حرز مثله كالإسطبل للدواب، ولأن القبر حرز للميت فيكون حرزا لثيابه تبعًا له. ألا ترى أنه ﵇ سمى القبر بيتًا في حديث عبادة بن الصامت عن أبي ذر أنه قال قال ﵇: «كيف إذا أصابَ النَّاسَ موت يكون البيتُ فيهِ بالوصيف؟» يعني القبر قلت: الله ورسوله أعلم قال ﵇: «عليك

стр. 4002

«لَا قَطْعَ عَلَى المُختَفِي» وَهُوَ النَّبَّاشُ بِلُغَةِ أَهلِ المَدِينَةِ، وَلِأَنَّ الشُّبَهَةَ تَمَكَّنَت فِي المِلكِ، لِأَنَّهُ لَا مِلكَ لِلمَيِّتِ حَقِيقَة وَلَا لِلوَارِثِ لِتَقَدُّمِ حَاجَةِ المَيِّتِ، وَقَدْ تَمَكَّنَ بالصبر» (١). ولهذا لا يضمن الأب والوصي؛ إذا كَفَّنَا صبيا من ماله ولو لم يكن محرزا يكون تضييعا فيضمنان، وحرز كل شيء ما يليق به، وهو المكان الذي يعتاد حفظه فيه. ألا ترى أن حرز الدرة الصندوق والحقة، حتى لو سرق درة من إصطبل لا يقطع، وحرز الدابة الإصطبل، وحرز الشاة الحظيرة حتى لو سرق من الحظيرة الثياب النفيسة لا يقطع، وقد وجد هاهنا حرز مثله؛ لأن الموضع الذي أعد لحرز الميت والكفن القبر، فثبت أن النبش غير السرقة، يؤيده ما روت عائشة أنه قال ﵇: «سارِقُ أَمْواتِنا كَسَارِقِ أَحْيائِنا» (٢). ولنا قوله ﵇: «لا قطع على المختفي … .» الحديث (٣)، ولأن الخلل ممكن في السرقة والمملوكية والمالية والحرز والمقصود، وكل واحد منها يمنع القطع. أما الأول؛ فلأن السرقة أخذ المال على وجه المسارقة عين حافظ قصد حفظه، لكنه انقطع حفظه بعارض نوم والنباش لا يسارق عين الميت؛ إذ لا يتصور منه الحفظ، وإنما يسارق عين من لعله يهجم عليه، وهو لذا غير حافظ ولا قاصد لئلا يقف على فعله القبيح كالزاني وشارب الخمر. وأما الثاني؛ فإن المملوك لا يكون بلا مالك، والكفن غير مملوك للوارث؛ لأنه إنما يملك ما فضل عن حاجة الميت ولا للميت؛ لأن الموت ينافي المالكية؛ لأنها عبارة عن القدرة والاستيلاء، وذا يكون بالحياة. نعم يقطع لسرقة التركة المستغرقة؛ لأنها مملوكة للغريم حتى كان له أن يأخذها بحقه.

стр. 4003

الخَلَلُ فِي المَقْصُودِ وَهُوَ الاِنزِجَارُ، لِأَنَّ الجِنَايَةَ فِي نَفْسِهَا نَادِرَةُ الوُجُودِ وَمَا رَوَاهُ وأما الثالث؛ فلأن المال غير الآدمي خلق لمصلحة الآدمي، ويجري فيه الشح والضنة، والطباع السليمة لا تضن به بل يتنفر عنه. وأما الرابع؛ فلأنه لا يخلو؛ إما أن يكون محرزًا بالميت وهو لا يحفظ نفسه فكيف يحفظ غيره؟ أو بالقبر؛ وهو حفرة بالصحراء فلا يكون حرزًا، ألا ترى أنه لو دفن فيه مال آخر سوى الكفن لا يقطع بسرقته. وأما الخامس؛ فلأن المقصود من الحدود الزجر، والزجر فيما يكثر لا فيما يقل وجوده، وهذه جناية يقل وجودها، فلا حاجة إلى شرع الزاجر. وما رواه أي الشافعي غير مرفوع بل هو من كلام زياد ألا ترى أنه قال في آخره: «مَنْ قَتل عبده قتلناهُ ومَن جَدَعَ أَنْفَهُ جَدَعْنَاهُ» (١)، ولَئِنْ صح فهو محمول على أنه كان ذلك بطريق السياسة فيمن اعتاد ذلك، وللإمام ذلك إذا اعتاد سياسة، ويدل عليه أول الحديث حيث قال: «مَنْ حَرَقَ حَرَقْناهُ ومن غَرَّقَ غرقناه». والمراد منه السياسة؛ لأنه ما أضافه إلى نفسه بل أضافه إلى الولي، ودليل آخر عليه أنه ﵇ علق القطع بمجرد النبش، والقطع حدا لا يستحق بمجرد النبش بدون أخذ المال كذا في الطريقة العلانية والإسرار. وتسميته بيتًا في حديث عبادة بطريق المجاز تشبيها بالمبني على وجه الأرض. ألا ترى أنه تعالى سمى المسجد بيتًا مع أنه لو سرق منه لم يقطع إذا لم يكن له حافظ، ولهذا لو دفن فيه مال آخر سوى الكفن لم يقطع كما بينا؛ فعلم أنه سماه بيتًا مجازا، ولا نقول إنه مضيع؛ لأنه صرفه إلى حاجة الميت، وصرف الشيء إلى الحاجة لا يكون تضييعا ولا إحرازا كأكل الطعام، وأما حديث عائشة فالمراد في الإثم لا في الحد.

стр. 4004

غَيْرُ مَرفُوعِ أَوْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى السِّيَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ القَبْرُ فِي بَيت مُقفَل فَهُوَ عَلَى الخِلَافِ فِي الصَّحِيحِ لِمَا قُلْنَا. وَكَذَا: إِذَا سَرَقَ مِنْ تَابُوتِ فِي القَافِلَةِ وَفِيهِ المَيِّتُ لِمَا بَيَّنَّاهُ. (وَلَا يُقْطَعُ السَّارِقُ مِنْ بَيْتِ المَالِ) لِأَنَّهُ مَالُ العَامَّةِ وَهُوَ مِنهُم. (وَلَا مِنْ مَالِ لِلسَّارِقِ فِيهِ شَرِكَةٌ) لِمَا قُلْنَا. قوله: (فِي بَيْتٍ مُقْفَل) بسكون القاف يقال: أقفل الباب وقفل الأبواب مثل أغلق وغلق ذكره في الصحاح (١). قوله: (في الصحيح)؛ احتراز عما قال بعض المشايخ في أنه يقطع إذا نبش من بيت مقفل. قال الإمام السرخسي في مبسوطه (٢): والأصح عندي أنه لا يجب القطع سواء نبش الكفن أو أخذ مالا آخر من ذلك البيت؛ لأن بوضع القبر فيه يختل الحرز؛ إذ لكل أحد تأويل في دخوله للزيارة، وصفة الكمال معتبرة في شرائط القطع. قوله: (لما بيناه)، وهو اختلال صفة المالية والمملوكية في الكفن قوله: (وَلَا يُقْطَعُ السَّارِقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) وبه قال الشافعي وأحمد والنخعي والحكم. وقال مالك وحماد وابن المنذر: يقطع لظاهر الكتاب؛ لأنه سرق مالا محرزا ولا حق له فيها قبل الحاجة. ولنا ما روى ابن ماجه عن ابن عباس: أن عبدًا من رقيق الخمس سرق من الخُمس فرُفِعَ إلى النبي ﷺ فلم يقطعه وقال: «مالُ الله سرق بعضه بعضا» (٣)، وعن عمر ﵁ مثله.

стр. 4005

(وَمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ دَرَاهِمُ فَسَرَقَ مِنْهُ مِثْلَهَا لَم يُقطع) لِأَنَّهُ اسْتِيفَاءُ لِحَقِّهِ، وَالحَالُ وَالمُؤَجَّلُ فِيهِ سَوَاءٌ اسْتِحْسَانًا، لِأَنَّ التَّأْجِيلَ لِتَأْخِيرِ المُطَالَبَةِ، وَكَذَا إِذَا سَرَقَ زِيَادَة. وعن ابن مسعود فيمن سرق من بيت المال قال: أرسله فما من أحد إلا وله في هذا المال حق، وعن علي مثله؛ لما قلنا أن للسارق فيه حق. صورته لو سرق أحد الشريكين من حرز الآخر مالا مشتركا بينهما لا يقطع عندنا وبه قال الشافعي في الأصح وأحمد. وقال في قول: إذا سرق من نصيب الشريك قدر النصاب، يعني زيادة على حقه ففيه القطع، وبه قال مالك؛ لأنه أخذ مال الغير عن حرزه؛ فيدخل تحت عموم الآية. وقلنا: ما أخذ من شيء إلا وله حق فيه؛ فينهض شبهة دافعة للحد. قوله: (وَالْحَالُّ وَالْمُؤَجَّلُ فِيهِ سَوَاءٌ)؛ أي في عدم القطع، والقياس أن يقطع في المؤجل؛ لأنه لا يباح له أخذه قبل الأجل فصار كمن لا دين له، ولا يقطع استحسانًا؛ لأن كون المأخوذ من جنس حقه يبيح له الأخذ، ولئن لم تثبت ولاية الأخذ للأجل؛ لأنه لتأخير المطالبة تتحقق الشبهة باعتبار قيام سبب الحق، وهي كافية للدرء. وقال الشافعي: لا قطع لمستحق الدين من مال المديون سواء كان من جنس حقه أو غير جنسه، أو كان المديون مماطلا أو لا، وبإطلاقه أخذ بعض أصحابه؛ لأن له شبهة فيه. وفي شرح الوجيز (١): والأظهر أن يفصل فإن كان المديون جاحداً أو مماطلا، وأخذ من جنس حقه أو غير جنسه، وبقدر حقه فلا قطع عليه وبه قال مالك وأحمد في رواية. (وقال في وجه؛ إذا بلغت الزيادة على حقه نصابا يقطع وبه قال مالك وأحمد في رواية) (٢)، وله في اختلاف جنسه وجهان في وجه يقطع وبه قال أحمد ومالك، والأظهر أنه لا يقطع.

стр. 4006

عَلَى حَقِّهِ، لِأَنَّهُ بِمِقْدَارِ حَقِّهِ يَصِيرُ شَرِيكًا فِيهِ (وَإِنْ سَرَقَ مِنْهُ عُرُوضًا قُطِعَ) لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الاسْتِيفَاءِ مِنْهُ إِلَّا بَيعًا بِالتَّرَاضِي وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ عِنْدَ بَعضِ العُلَمَاءِ قَضَاء مِنْ حَقِّهِ أَوْ رَهنا بِحَقِّهِ. قُلْنَا: هَذَا قَولٌ لَا يَسْتَنِدُ إلَى دَلِيل ظَاهِر، فَلَا يُعتَبَرُ بِدُونِ اتِّصَالِ الدَّعَوَى بِهِ، حَتَّى لَوِ ادَّعَى ذَلِكَ دُرِئَ عَنهُ الحَدُّ، لِأَنَّهُ ظَنِّ فِي مَوضِعِ الخِلَافِ، وَلَو كَانَ حَقَّهُ دَرَاهِمَ فَسَرَقَ مِنهُ دَنَانِيرَ قِيلَ: يُقطَعُ، لِأَنَّهُ لَيسَ لَهُ حَقُّ الأَخذِ، وَقِيلَ: لَا يُقْطَعُ لِأَنَّ النُّقُودَ جِنسُ وَاحِدٌ (وَمَنْ سَرَقَ عَيْنا فَقُطِعَ فِيهَا فَرَدَّهَا، ثُمَّ عَادَ فَسَرَقَهَا وَهِيَ بِحَالِهَا، لَم يُقطع) وَالقِيَاسُ، أَنْ يُقطَعَ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ قَولُ الشَّافِعِيِّ - لِقَولِهِ ﵊: «فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوهُ» مِنْ غَيْرِ فَصلٍ، وَلِأَنَّ الثَّانِيَةَ مُتَكَامِلَةٌ كَالأُولَى بَلْ أَقْبَحُ لِتَقَدُّمِ الزَّاجِرِ، وقلنا: لما ثبت له ولاية الأخذ في مال المديون من جنس حقه يبيح له الأخذ؛ فتصير شبهة دارئة للحد سواء كان مماطلا أو لا، وفي الزيادة يصير شريكا في ذلك المال بمقدار حقه. قوله: (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَا يُقْطَعُ) وبه قال الشافعي في وجه؛ لأن له أن يأخذه عند بعض العلماء وهو ابن أبي ليلى لوجود المجانسة باعتبار صفة المالية. ومن العلماء من يقول له أن يأخذه رهنا بحقه فيحصل فعله في موضع الاجتهاد فلا ينفك عن شبهة، وإن كان مخطئًا في ذلك التأويل عندنا وصوابه مذكور في المتن (قيل) وبه قال الشافعي في وجه، ومالك وأحمد في رواية. (وقيل: لا يقطع) وفي المحيط والمبسوط: وهو الصحيح وبه قال الشافعي في الأظهر؛ لأن النقود في حكم (جنس واحد) كما في الزكاة والشفعة، ولهذا قال أبو حنيفة: للإمام أن يبادل أحد النقدين بالأخرى من غير رضاء المديون بحقه لقضاء حقه. قوله: (وهو)؛ أي قول أبي يوسف قول الشافعي ومالك وأحمد. (ولأن الثانية)؛ أي السرقة الثانية أقبح وأفحش لأن الإقدام عليها مع سبق (الزاجر

стр. 4007

وَصَارَ كَمَا إِذَا بَاعَهُ المَالِكُ مِنْ السَّارِقِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنهُ ثُمَّ كَانَتِ السَّرِقَةُ. وَلَنَا: أَنَّ القَطعَ أَوجَبَ سُقُوطَ عِصمَةِ المَحَلِّ عَلَى مَا يُعرَفُ مِنْ بَعدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبِالرَّدِّ إِلَى المَالِكِ إِنْ عَادَت حَقِيقَةُ العِصمَةِ بَقِيَت شُبهَةُ السُّقُوطِ نَظَرًا إِلَى اتِّحَادِ المِلكِ وَالمَحَلِّ، وَقِيَامُ المُوجِبِ وَهُوَ القَطعُ فِيهِ، بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ، لِأَنَّ المِلكَ قَدْ اختَلَفَ بِاخْتِلَافِ سَبَبِهِ، وَلِأَنَّ تَكرَارَ الجِنَايَةِ مِنْهُ نَادِرٌ لِتَحَوُّلِهِ مَشَقَّةَ الزَّاجِرِ، فَتُعَرَّى الإِقَامَةُ عَنْ المَقصُودِ وَهُوَ تَقلِيلُ الجِنَايَةِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا قَذَفَ المَحدُودُ فِي قَذف المَقْذُوفَ الأَوَّلَ. قَالَ: (فَإِنْ تَغَيَّرَت عَنْ حَالِهَا مِثْلُ أَنْ يَكُونَ غَزِلًا فَسَرَقَهُ وَقُطِعَ فَرَدَّهُ أقبح فكانت أحق بإيجاب القطع. وقوله: (ما يعرف من بعد)، إشارة إلى قوله بعد في قوله: (ولا غرم على سارق بعدما قطعت يمينه … ) إلى آخره. وقوله: (نظرًا إلى اتحاد الملك) احتراز عما لو تبدل الملك في ذلك العين وهو قوله: (كما إذا باعه المالك من السارق … ) إلى آخره. قوله: (والمحل) احتراز عما لو تبدل المحل كما في صورة العزل كما يجيء (وقيام الموجب)؛ أي موجب سقوط العصمة، وبهذه القيود خرج الجواب عما أوردوا من تبدل الملك وتغير الحال، وما كان قبل القطع من المقيس عليه مع أن عند بعض مشايخ العراق لا يقطع في صورة تبدل الملك بالشراء فمنعها. وعند مشايخنا؛ يقطع لتبدل العين حكما؛ لأن اختلاف الأسباب ينزل منزلة اختلاف الأعيان أصله قصة بريرة. فإن قيل: في صورة تبدل العين بالسبب العين باقية بلا تغير، وفي صورة تبدلها بالصنعة تبدل اسمه وصورته. قلنا: المتمكن قبل التبدل شبهة سقوط العصمة؛ فكان التمكن بعد التبدل شبهة الشبهة فلا يعتبر. قوله: (كما إذا قذف المقذوف … ) إلى آخره. وفي البرغرية: هذا إذا قذفه بعين ذلك الزنا، أما لو نسبه إلى غير ذلك الزنا يحد ثانيًا، وقد مر في حد القذف. فإن قيل: حد السرقة خالص حق الله تعالى كحد الزنا، وحد الزنا يتكرر بتكرر الفعل في محل واحد، حتى لو زنا بامرأة فحد ثم زنا ثانيا بتلك المرأة

стр. 4008

ثُمَّ نُسِجَ فَعَادَ فَسَرَقَهُ، قُطِعَ لِأَنَّ العَينَ قَدْ تَبَدَّلَت، وَلِهَذَا يَمْلِكُهُ الغَاصِبُ بِهِ، وَهَذَا هُوَ عَلَامَةُ التَّبَدُّلِ فِي كُلِّ مَحَلٌ، وَإِذَا تَبَدَّلَت انتَفَت الشُّبَهَةُ النَّاشِئَةُ مِنَ اتِّحَادِ المَحَلِّ، وَالقَطْعُ فِيهِ فَوَجَبَ القَطْعُ ثَانِيَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. فَصَلِّ فِي الحِرزِ وَالْأَحْذِ مِنْهُ يحد؛ فينبغي أن يكون حد السرقة كذلك بخلاف حد القذف؛ فإن فيه حق العبد وقد حصل المقصود، وهو إظهار كذب القاذف، ودفع العار عن المقذوف بالمرة الأولى فلا يحتاج إليه ثانيا. قلنا: في حد الزنا يجب؛ باعتبار أن حرمة المحل لا تسقط في حقه باستيفاء الحد منه في المرة الأولى، بخلاف المالية والتقوم الذي هو حق الملك في العين فإنه سقط اعتباره باستيفاء القطع من السارق، ولأن هذا حق لا يستوفى إلا بخصومة المالك أو نائبه، ولا تتكرر الخصومة في محل واحد كحد القذف بخلاف حد الزنا؛ فإنه لا يعتبر فيه الخصومة كذا في المبسوط (١). وقوله: (والقطع فيه) بالجر عطفا على قوله: (من اتحاد)؛ أي انتفت الشبهة الناشئة من اتحاد المحل ومن وجود القطع (فيه)؛ أي في المحل. فصل في الحرز والأخذ منه لما احتاجت السرقة إلى وجود المالية وإلى الحرز عند العامة، شرع في بانه بعد بيان مالية المسروق، وقدم بيان المالية؛ لأن ذلك شرط في نفس المسروق والحرز شرط خارج المسروق، ثم الإخراج من الحرز شرط القطع عند عامة أهل العلم. وحكي عن عائشة والحسن والنخعي فيمن جمع المال، ولم يخرج به من الحرز عليه القطع، وعن الحسن مثل قول الجماعة. وحكي عن داود أنه لا يعتبر الحرز لإطلاق الآية وهذه أقوال شاذة غير ثابتة عما نقلت إليه.

стр. 4009

قَالَ: (وَمَنْ سَرَقَ مِنْ أَبَوَيْهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ ذِي رَحِم مَّحرَم مِنهُ لَم يُقطَع) فَالأَوَّلُ: وَهُوَ الوِلادُ لِلبُسُوطَةِ فِي المَالِ وَفِي الدُّخُولِ فِي الحِرز. قال ابن المنذر (١): ليس فيه خبر ثابت، ولا مقال لأهل العلم إلا ما ذكرناه فهو كالإجماع. وروى أبو داود وابن ماجه وغيرهما أنه: «لا قَطْعَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ المِجَنِّ (٢) وَلَا قَطْعَ في حَرِيسَةِ جَبَلٍ» (٣)، وهذه الأخبار تخصص الآية، ثم الحرز ما عُدَّ حرزًا في العرف؛ لأن اعتباره ثبت شرعًا من غير تنصيص على بيانه علم أنه رد ذلك إلى أهل العرف لأنه لا طريق إلى معرفته إلا من جهته فرجع إليه والعرف يتفاوت كما يجيء في أثناء المسائل. قوله: (ومن سرق من أبويه)، وإن علا لا يقطع وبه قال الشافعي والثوري وأحمد وإسحاق. وقال مالك وأبو ثور وابن المنذر والخرقي من أصحاب أحمد: يقطع لظاهر النص ولأنه لا حق للولد في مال أبويه، ولهذا يحد بالزنا بجاريتهما ويقتل بقتلهما فصار كالأجنبي. وقلنا: البعضية توجب (للمبسوطة فِي الْمَالِ وَالْإِذْنَ فِي الدُّخُولِ فِي الْحِرْزِ)، ولهذا يمنع الولاد قبول شهادة أحدهما لصاحبه فصار كالأب لا كالأجنبي، ولهذا يستحق النفقة في مال أبويه إذا كان فقيرا. ولو سرق الأب والجد وإن علا والأم والجدة وإن علت من مال الولد وإن سفل لا يقطع بالإجماع فكذا الولد. وعند أبي ثور وابن المنذر يقطع في هذه الصور أيضًا لظاهر النص، وقلنا

стр. 4010

وَالثَّانِي: لِلمَعنَى الثَّانِي، وَلِهَذَا أَبَاحَ الشَّرعُ النَّظَرَ إِلَى مَوَاضِعِ الزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ مِنهَا، بِخِلَافِ الصَّدِيقَينِ، لِأَنَّهُ عَادَاهُ بِالسَّرِقَةِ. وَفِي الثَّانِي: خِلَافُ الشَّافِعِيِّ ﵀، لِأَنَّهُ النص مخصوص بالإجماع فتخص هذه الصور بالحديث وهو قوله: «أنت ومالك لأبيك» (١)، وبالمعنى الذي من المبسوط (٢) والإذن في الدخول. قوله: (وَالثَّانِي لِلْمَعْنَى الثَّانِي)؛ أي عدم القطع في السرقة من ذي الرحم المُحرّم للمعنى الثاني، وهو كونه مأمونًا في الدخول في حرزه بدون الإذن، أما عدم القطع في الأول؛ للمعنيين البسوطة والدخول في الإذن. قوله: (أي في ذي الرحم المُحرّم) خلافًا للشافعي فإنه يقطع بسرقته ماله عنده وبقوله قال مالك وأحمد. قوله: (وقد بيناه في العتاق) في أن بملك ذي الرحم يعتق عندنا، وعنده لا فإن الشافعي ألحق هذه القرابة بقرابة بني الأعمام؛ فلا يعتق ولا تجب نفقته. وعندنا بالولاد في وجوب الصّون عن القطيعة (والقطع في السرقة يفضي إلى القطيعة) (٣)، فوجب صونها بدرء الحد، ولأن الدخول على هؤلاء بلا إذن جائز عادة للزيارة وصلة الرحم. ولهذا يثبت حل النظر إلى مواضع الزينة الظاهرة والباطنة بهذه القرابة، والمراد من الظاهرة الوجه والكف، ومن الباطنة العنق والرأس والعضد والظاهرة مشتركة بين الأجنبي والقريب؛ فلا بد من إلحاق الباطنة ليتم الكلام فصار لقرابة الولاد فاختل الحرز. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ بُيُوتِ خَلَاتِكُمْ﴾ [النور: ٦١]؛ فظاهره يقتضى الإباحة، وهو أنه ترك لقيام الدليل بنفي شبهة، ولا يلزم قوله تعالى في آخر الآية ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾؛ لأنه إذا قصد السرقة فقد عاداه ولم يبق صديقا له؛ فلعدم الصداقة عند السرقة انتفت الشبهة فأما الأخوة وما يضاهيها؛ فتبقى مع السرقة كالأبوة فتبقى الشبهة.

стр. 4011

أَلحَقَهَا بِالقَرَابَةِ البَعِيدَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي العَتَاقِ (وَلَو سَرَقَ مِنْ بَيْتِ ذِي رَحِم مُحرَّمِ مَتَاعَ غَيْرِهِ، يَنبَغِي أَنْ لَا يُقطَعَ، وَلَو سَرَقَ مَالَهُ مِنْ بَيْتِ غَيْرِهِ يُقْطَعُ) اعتبارا للحرزِ وَعَدَمِهِ (وَإِنْ سَرَقَ مِنْ أُمِّهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ قُطِعَ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّهُ لَا يُقطَعُ، لِأَنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِعْذَانِ وَحِسْمَة، بِخِلَافِ الأُختِ مِنْ الرَّضَاعِ لانعِدَامِ هَذَا المَعنَى فِيهَا عَادَة. وَجهُ الظَّاهِرِ: أَنَّهُ لَا قَرَابَةَ، وَالمَحرَمِيَّةُ بِدُونِهَا لَا تُحتَرَمُ، كَمَا إِذَا ثَبَتَت بِالزِّنَا وَالتَّقْبِيلِ عَنْ شَهْوَةِ، وَأَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الأُختُ مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ الرَّضَاعَ قَلَّمَا يَسْتَهِرُ فَلَا بُسُوطَةَ تَحَرُّزًا عَنْ مَوقِفِ التَّهَمَةِ بِخِلَافِ النَّسَبِ. (وَإِذَا سَرَقَ أَحَدُ الزَّوجَينِ مِنْ الآخَرِ، أَوْ العَبْدُ مِنْ سَيِّدِهِ، أَوْ مِنْ امْرَأَةِ سَيِّدِهِ، أَوْ مِنْ زَوجِ سَيِّدَتِهِ، لَم يُقطع) لِوُجُودِ الإِذْنِ بِالدُّخُولِ عَادَةِ، وَإِنْ سَرَقَ أَحَدُ الزَّوجَينِ من حرز الآخَرِ خَاصَّة لَا يَسْكُنَانِ فِيهِ، فَكَذَلِكَ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ لِبُسُوطَةٍ قوله: (اعْتِبَارًا لِلْحِرْزِ وَعَدَمِهِ)؛ أي لعدم الحرز في المسألة الثانية، وهو ما إذا سرق مال غيره من بيته، ووجود الحرز في المسألة الأولى، وهو ما إذا سرق مال ذي الرحم من بيت غيره، وفي المسألتين يقطع عند الأئمة الثلاثة لما ذكرنا. قوله: (وَإِنْ سَرَقَ مِنْ أُمِّهِ مِنَ الرَّضَاعِ قُطِعَ)، وبه قال أكثر أهل العلم، وعن أبي يوسف لا يقطع لدخوله عليها بلا استئذان عادة بخلاف أخته من الرضاع. قوله: (وَالْمَحْرَمِيَّةُ بِدُونِهَا)؛ أي بدون القرابة. قوله: (وأقرب من ذلك)؛ أي من المحرمية بالزنا، وتقبيل الأخت من الرضاع؛ لأن إلحاق الرضاع بالرضاع أولى من إلحاق الرضاع بالزنا. وفي المبسوط (١): قول أبي يوسف بعيد فإن الأمية من الرضاع لو كانت مؤثرة كما في النسب في إسقاط القطع؛ لكانت الأجنبية من الرضاع مؤثرة كما في النسب. قوله: (خلافًا للشافعي) له فيه ثلاثة أقوال:

стр. 4012

بَيْنَهُمَا فِي الأَمْوَالِ عَادَة وَدَلَالَة وَهُوَ نَظِيرُ الخِلَافِ فِي الشَّهَادَةِ. (وَلَو سَرَقَ المَولَى مِنْ مُكَاتَبِهِ لَم يُقطع) لِأَنَّ لَهُ فِي أَحْسَابِهِ حَقًّا وَكَذَلِكَ في قول يقطع وبه قال مالك وأحمد. والثاني: لا يقطع وهو قولنا وأحمد في رواية. والثالث: يقطع الزوج بسرقة مال زوجته، ولا تقطع المرأة بسرقة مال الزوج؛ لأن لها النفقة في ماله فكان لها حق في ماله، ولا حق له في مالها، والخلاف في القطع كالخلاف في قبول الشهادة. فقلنا: بسوطة اليد لكل واحد منهما في مال الآخر، وثبوت الاتحاد بينهما نفسًا؛ لتحقيق الوصلة والسكن والازدواج، مانع من القطع والقبول كما في الولاد، وأحمد يمنع قبول الشهادة كقولنا. قوله: (ودلالة)، وهي أنها لما بذلت نفسها، وهي أنفس من الأموال فلأن تبذل المال أولى، ولأن بينهما شيئًا يوجب التوارث من غير حجب كالوالدين والولد. قوله: (مِنْ مُكَاتَبِهِ لَمْ يُقْطَعْ) هذا بلا خلاف. أما لو سرق العبد من سيده أو من سيدته أو من زوج سيده أو من زوج سيدته، لا قطع عليه عند أكثر أهل العلم. وقال أبو ثور ومالك وابن المنذر: يقطع لسرقة مال ما عدا سيده لعدم استحقاقه النفقة في ماله بخلاف السيد، وقال داود بمال السيد أيضًا لعموم الآية. ولنا ما روى السائب بن (١) يزيد قال: شهدت عمر وقد جاء عبد الله بن عمرو بن الحضرمي بغلام له فقال: إن غلامي هذا سرق فاقطعه فقال عمر ﵁: ما سرق؟ قال: مرآة امرأتي قيمتها ستون درهما، قال عمر: أرسله لا قطع عليه خادمكم، وعن ابن مسعود مثله. وهذه قضايا مشهورة، ولم يخالفها أحد من الصحابة؛ فيكون إجماعًا فيخص عموم الآية به، ولا اعتبار بخلاف الإجماع.

стр. 4013

السَّارِقُ مِنْ المَعْنَمِ) لِأَنَّ لَهُ فِيهِ نَصِيبًا، وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ عَلِيٌّ ﵁ دَرءًا وَتَعلِيلًا. قَالَ: (وَالحِرزُ عَلَى نَوعَينِ: حِرزٌ لِمَعنى فِيهِ كَالبُيُوتِ وَالدُّورِ. وَحِرْزُ بِالحَافِظِ) قَالَ العَبدُ الضَّعِيفُ: الحِرزُ لَا بُدَّ مِنهُ، لِأَنَّ الاِسْتِسرَارَ لَا يَتَحَقَّقُ دُونَهُ، ثُمَّ هُوَ قَدْ يَكُونُ بِالمَكَانِ وَهُوَ المَكَانُ المُعَدُّ لِإِحْرَازِ الأَمتِعَةِ كَالدُّورِ وَالبُيُوتِ وَالصُّندوقِ وَالحَانُوتِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالحَافِظِ كَمَنْ جَلَسَ فِي الطَّرِيقِ أَوْ فِي المَسجِدِ وَعِندَهُ مَتَاعُهُ فَهُوَ مُحَرَّزٌ بِهِ، وَقَدْ «قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ سَرَقَ رِدَاءَ صَفْوَانَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ وَهُوَ نَائِمُ فِي المَسجِدِ» (وَفِي المُحَرَّزِ بِالمَكَانِ لَا يُعتَبَرُ الإِحْرَازُ بِالحَافِظِ، هُوَ الصَّحِيحُ) قوله: (من المغنم)؛ أي مجمع الغنيمة؛ أي لا قطع عليه وبه قال الشافعي وأحمد. وقال مالك وابن المنذر: يقطع كما في بيت المال لظاهر النص، وقد مر التفصيل على مذهب مالك وجواب دليله أيضًا في مسألة بيت المال. قوله: (دَرْءًا وَتَعْلِيلًا) فقد روي عن علي أنه أتي برجل سرق من المغنم فقال: لا قطع عليه؛ لأن له نصيبا فيه أو حقًا ومثله عن عمر وابن مسعود. قوله: (وَالْحِرْزُ عَلَى نَوْعَيْنِ: أحدهما … ) إلى آخره. الحرز لغة: المكان الحصين، والمراد هاهنا ما يكون حصنًا للمال ومانعًا وصول يد الغير إليه؛ ففي هذا لا يتفاوت بين أن يكون ذلك الشيء بناءً أو حافظا، غير أن الحرز إذا كان بالبناء لا يقطع إلا بالإخراج منه بالإجماع، وإذا كان بالحافظ يقطع بمجرد الأخذ. قوله: (كالدور … ) إلى قوله: (والحانوت) وكذا الخيام والخركاة، وكل موضع أُعد لحفظ الأموال عادة. قوله: (لَا يُعْتَبَرُ الْإِحْرَازُ بِالْحَافِظِ). وفي المحيط: الحرز بالحافظ بدل عن الحفظ بالبناء، وما يقوم مقامه؛ لأن الحرز في الحقيقة: ما يمنع وصول اليد إلى المال، ويصير المال مختفيا به؛ فللاختفاء أثر في منع وصول اليد إليه وذلك بالبناء أو بالحافظ، إن صار المال ممنوعًا من أخذ الغير، لكن لا يصير مختفيا به فكان ناقصا في معنى الحرز به؛

стр. 4014

لِأَنَّهُ مُحَرَّزٌ بِدُونِهِ وَهُوَ البَيْتُ وَإِنْ لَم يَكُنْ لَهُ بَابٌ أَوْ كَانَ وَهُوَ مَفْتُوحٌ حَتَّى يُقطَعَ السَّارِقُ مِنهُ، لِأَنَّ البِنَاءَ لِقَصدِ الإِحْرَازِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ القَطْعُ إِلَّا بِالإِحْرَاجِ مِنْهُ لِقِيَامِ يَدِهِ فِيهِ قَبلَهُ بِخِلَافِ المُحَرَّزِ بِالحَافِظِ حَيثُ يَجِبُ القَطِعُ فِيهِ، كَمَا أُخِذَ لِزَوَالِ يَدِ المَالِكِ بِمُجَرَّدِ الأَخذِ فَتَتِمُ السَّرِقَةُ، وَلَا فَرقَ بَينَ أَنْ يَكُونَ الحَافِظُ مُسْتَيقِظًا أَوْ نَائِمًا وَالمَتَاعُ تَحتَهُ أَوْ عِندَهُ، هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّهُ يُعَدُّ النَّائِمُ عِنْدَ مَتَاعِهِ حَافِظا لَهُ فِي العَادَةِ. فكان كالبدل عنه فلا يكون له غيره مع وجود البناء، والحمام حرز، ولهذا لو سرق منه في وقت لا يؤذن بالدخول يقطع، وهكذا قال شمس الأئمة وقاضي خان. وقوله: (وهو الصحيح) احتراز عما ذكر في العيون على قول أبي حنيفة: يقطع السارق من الحمام في وقت الإذن؛ إذا كان ثمة حافظ. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يقطع وبه أخذ أبو الليث والصدر الشهيد. وفي الكافي (١): وعليه الفتوى، وهو ظاهر المذهب، وفي المسجد يعتبر الحافظ؛ لأن المسجد ما بني لحفظ الأموال، ولهذا لا يقطع في حصيره وقناديله. وقال الشافعي ومالك وأحمد في رواية وأبو ثور وابن المنذر: يقطع بالسرقة من الحمام إذا كان فيه حافظ، وقال أحمد في رواية: لا يقطع مع وجود الحافظ أيضًا كقولنا. قوله: (وهو محرز بدونه)؛ أي بدون الحافظ وهو البيت؛ لما ذكر أنه لو سرق من الحمام في وقت لا يؤذن يقطع، وإن لم يكن له أي للبيت باب أو كان وهو مفتوح لما أن بناءه لقصد الإحراز؛ فلا يبطل معنى الحرز بفتح الباب. قوله: (لقيام يده)؛ أي يد المالك قبله أي قبل الإخراج، وقوله: (هو الصحيح) احتراز عن قول بعض مشايخنا حيث قالوا: إنما يكون المال محرزا بنومه في الصحراء؛ إذا جعل تحت رأسه أو تحت جنبه، أما إذا كان موضوعًا بين يديه لا يكون محرزا في حال نومه، وبه قال الشافعي.

стр. 4015

وَعَلَى هَذَا لَا يَضمَنُ المُودَعُ وَالمُستَعِيرُ بِمِثْلِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَضييع، بِخِلَافِ مَا اختَارَهُ فِي الفَتَاوَى. قَالَ: (وَمَنْ سَرَقَ شَيْئًا مِنْ حِرز أو مِنْ غَيْرِ حِرز وَصَاحِبُهُ عِندَهُ يَحفَظُهُ قُطِعَ) لِأَنَّهُ سَرَقَ مَالًا مُحْرَزًا بِأَحَدِ الحِرزَينِ (وَلَا قَطعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مَالًا مِنْ حَمَّامٍ، أَوْ مِنْ بَيت أُذِنَ لِلنَّاسِ فِي دُخُولِهِ) لِوُجُودِ الإِذْنِ عَادَة أَوْ حَقِيقَة فِي الدُّخُولِ، فَاحْتَلَّ الحِرزُ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ حَوَانِيتُ التَّجَّارِ وَالخَانَاتُ، إِلَّا إِذَا سَرَقَ مِنهَا لَيْلًا لِأَنَّهَا بُنِيَت لِإِحْرَازِ الأَمْوَالِ، وَإِنَّمَا الإِدْنُ يَختَصُّ بِالنَّهَارِ وَمَنْ سَرَقَ مِنْ المَسْجِدِ مَتَاعًا وَصَاحِبُهُ عِندَهُ قُطِعَ لِأَنَّهُ مُحَرَّزُ بِالحَافِظِ، لِأَنَّ المَسجِدَ مَا بُنِيَ لِإِحْرَازِ الأَمْوَالِ فَلَم يَكُنْ المَالُ مُحْرزًا بِالمَكَانِ، بِخِلَافِ الحَمَّامِ وَالبَيتِ الَّذِي أُذِنَ لِلنَّاسِ فِي دُخُولِهِ واستدلوا بما قال محمد في الأصل: المسافر ينزل في الصحراء، ويجمع متاعه ويبيت عليه فسرق منه، قطع. فقد أشار إنما صار صاحب المتاع محرزًا له إذا بات عليه. وقال السرخسي (١): الصحيح أنه يقطع بكل حال؛ لأن المعتبر الإحراز، وقد حصل فإن الناس يعدون النائم عند متاعه حافظًا، وإن كان بين يديه، وبه قالت الأئمة الثلاثة. ألا ترى أن المودع والمستعير لا يضمنان بمثل هذا، وهما يضمنان بالتضييع، وما لا يكون محرزا يكون تضييعا، ويدل عليه ما ذكره في المختصر: ومن سرق من حرز وغير حرز، وصاحبه عنده يقطع. وفي فتاوى الظهيرية (٢): إنما لا يجب الضمان على المودع فيما إذا وضع الوديعة بين يديه فيما إذا نام قاعدا، أما إذا نام مضطجعا فعليه الضمان، وهذا إذا كان في الحضر أما في السفر لا ضمان عليه، نام قاعدا أو مضطجعا. قوله: (وَلَا قَطعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مَالًا مِنْ حَمَّامٍ)؛ أي في الوقت الذي أذن للناس بالدخول فيه كما ذكرنا.

стр. 4016

حَيثُ لَا يُقْطَعُ، لِأَنَّهُ بُنِي لِلإِحْرَازِ فَكَانَ المَكَانُ حِرزا فَلَا يُعتَبَرُ الْإِحْرَازُ بِالحَافِظِ (*). (وَلَا قَطعَ عَلَى الضَّيفِ إِذَا سَرَقَ مِمَّنْ أَضَافَهُ) لِأَنَّ البَيْتَ لَم يَبْقَ حِرْزًا فِي حَقِّهِ لِكَونِهِ مَأْذُونَا فِي دُخُولِهِ، وَلِأَنَّهُ بِمَنزِلَةِ أَهْلِ الدَّارِ فَيَكُونُ فِعْلُهُ خِيَانَة لَا سَرِقَة. (وَمَنْ سَرَقَ سَرِقَة فَلَم يُخرِجهَا مِنْ الدَّارِ لَم يُقطع) لِأَنَّ الدَّارَ كُلَّهَا حِرزٌ وَاحِدٌ فَلَا بُدَّ مِنْ الإِخراجِ مِنهَا، وَلِأَنَّ الدَّارَ وَمَا فِيهَا فِي يَدِ صَاحِبِهَا مَعنى، فَتَتَمَكَّنُ شُبَهَةُ عَدَمِ الأَخذِ فَإِنْ كَانَتْ دَارٌ فِيهَا مَقَاصِيرُ، فَأَخْرَجَهَا مِنْ المَقْصُورَةِ إِلَى صَحنِ الدَّارِ قُطِعَ لِأَنَّ كُلَّ مَقصُورَة بِاعْتِبَارِ سَاكِنِهَا حِرزٌ عَلَى حِدَة (وَإِنْ أَغَارَ إِنسَانُ مِنْ أَهلِ قوله: (ولأنه)؛ أي الضيف (بمنزله أهل الدار)؛ أي في الإذن بالدخول فيها وبه قال أحمد. وعند الشافعي ومالك وأحمد في رواية: إن سرق من الموضع الذي أنزل فيه أو موضع؛ لم يُحرز عنه لا يقطع، وإن كان من موضع محرز عنه قطع. قوله: (سرق سرقة)؛ أي مالا. وفي المغرب (١): سمى الشيء المسروق سرقة مجازًا، ومنها قول محمد: إذا كانت السرقة مصحفًا. قوله: (فلا بد من الإخراج منها)؛ أي من الدار، وهذا بإجماع الأئمة الثلاثة. قوله: (فيها مقاصير)؛ أي حجرات وبيوت، والمقصورة؛ الحجرة بلسان أهل الكوفة قالوا: إذا كانت الدار كبيرة وفيها حجرات ومنازل، وفي كل مقصورة سكان، ويستغني أهل المنازل عن الانتفاع بصحن الدار، وإنما ينتفعون بالصحن انتفاع السكة نحو دار عتاب ودار بكار، أما إذا كانت الدار صغيرة بحيث لا يستغني أهل المنازل من الانتفاع بصحنها؛ بل ينتفعون بها انتفاع المنازل فهي بمنزلة دار واحدة فلا يقطع كذا في جامع قاضي خان وفخر الإسلام وبه قالت الأئمة الثلاثة. قوله: (وإن أغار)؛ أي أخذ بسرعة على غرة يقال: أغار الفرس والثعلب في العدو إذا أسرع كذا في المغرب (٢).

стр. 4017

المَقَاصِيرِ عَلَى مَقصُورَة فَسَرَقَ مِنهَا قُطِعَ لِمَا بَيَّنَّا. (وَإِذَا نَقَبَ اللصُّ البَيتَ فَدَخَلَ وَأَخَذَ المَالَ وَنَاوَلَهُ آخَرَ خَارِجَ البَيتِ، فَلَا قَطعَ عَلَيْهِمَا) لِأَنَّ الأَوَّلَ لَم يُوجَد مِنهُ الإِخْرَاجُ لِاعْتِرَاضِ يَد مُعتَبَرَة عَلَى المَالِ قَبلَ خُرُوجِهِ. وَالثَّانِي: لَم يُوجَد مِنهُ هَتكُ الحِرزِ، فَلَم تَتِمَّ السَّرِقَةُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: إِنْ أَخْرَجَ الدَّاخِلُ يَدَهُ وَنَاوَلَهَا الخَارِجَ فَالقَطِعُ عَلَى الدَّاخِلِ، وَإِنْ أَدخَلَ الخَارِجُ يَدَهُ فَتَنَاوَلَهَا مِنْ يَدِ الدَّاخِلِ فَعَلَيْهِمَا القَطعُ (*). وَهِيَ بِنَاء عَلَى مَسْأَلَة تَأْتِي بَعدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَإِنْ أَلْقَاهُ فِي الطَّرِيقِ وَخَرَجَ فَأَخَذَهُ قُطِعَ) وَقَالَ زُفَرُ ﵀: لَا يُقْطَعُ، لِأَنَّ الإِلقَاءَ غَيْرُ مُوجِب لِلقَطْعِ، كَمَا لَو خَرَجَ وَلَم يَأخُذ، وَكَذَا الْأَخِذُ مِنْ السِّكَّةِ كَمَا لَو وقوله: (فسرق منها) تفسير قوله: (أغار). قوله: (لا قطع عليهما)؛ أي على الداخل والخارج الآخذ. وقال مالك: إذا كانا متعاونين قطعا، وإن انفرد كل واحد بفعله دون اتفاق بينهما لم يقطعا. وقال الشافعي: تفرد الخارج بالأخذ يقطع وبه قال أحمد. (وهي)؛ أي هذه المسألة بناء على مسألة تأتي بعد هذا، وهي نقب البيت وإلقاؤه في الطريق، ولو وضع الداخل المال عند النقب ثم خرج وأخذه لم يذكره محمد، والصحيح أنه لا يقطع، وعند الأئمة الثلاثة يقطع. ولو كان في الدار نهر جار فرمى بالمتاع في النهر، ثم خرج وأخذه إن خرج بقوة الماء لا يقطع؛ لأنه لم يخرجه ذكره التمرتاشي. وعند الأئمة الثلاثة: قطع؛ لأنه هو المخرج حقيقة إما بنفسه وإما بالته. وفي المبسوط (١) للسَّرَخْسِي: وهو الأصح؛ لأن جري الماء كان سبب إلقائه، ولو كان الماء راكدًا وخرج بتحريكه، أو جاريًا ضعيفًا وجرى بتحريكه يقطع بالإجماع. قوله: (وكذا أخذه من السكة)؛ أي أخذ السارق المال من السكة، حيث لا يقطع عند زفر كما أخذه غيره من السكة.

стр. 4018

أَخَذَهُ غَيْرُهُ. وَلَنَا: أَنَّ الرَّميَ حِيلَةٌ يَعتَادُهَا السُّرَّاقُ لِتَعَذَّرِ الخُرُوجِ مَعَ المَتَاعِ، أَوْ لِيَتَفَرَّغَ لِقِتَالِ صَاحِبِ الدَّارِ أَوْ لِلفِرَارِ، وَلَم تَعتَرِض عَلَيْهِ يَدٌ مُعتَبَرَةٌ، فَاعْتُبِرَ الكُلُّ فعلًا وَاحِدًا، فَإِذَا خَرَجَ وَلَم يَأْخُذهُ فَهُوَ مُضَيِّعٌ لَا سَارِقٌ. قَالَ: (وَكَذَلِكَ إِنْ حَمَلَهُ عَلَى حِمَارِ فَسَاقَهُ وَأَخْرَجَهُ) لِأَنَّ سَيرَهُ مُضَافٌ إِلَيْهِ لِسَوقِهِ. (وَإِذَا دَخَلَ الحِرزَ جَمَاعَةٌ فَتَوَلَّى بَعضُهُم الأخذَ قُطِعُوا جَمِيعًا) قَالَ العَبدُ وقلنا: الرمي حيلة معتادة بين السراق؛ ليمكنه بذلك استدفاع رب الدار والفرار منه فإذا تبعه وأخذه ولم تعترض عليه يد أخرى، علمنا أن الرمي كان لإتمام الأخذ وبقولنا قالت الأئمة الثلاثة. وقوله: (ولم تعترض عليه يد معتبرة) جواب عن قوله: (كما إذا أخذه غيره) فإن هناك اعترض عليه يد معتبرة فأوجب سقوط اليد الحكمية للسارق. وحاصله أن يد السارق تثبت عليه بالأخذ، ثم بالرمي إلى الطريق لم تزل يده حكما لعدم اعتراض يد أخرى على يده. ألا ترى أن من سقط منه مال، وأخذه إنسان ليرده على صاحبه، ثم رده إلى موضعه لم يضمن؛ لأنه في ذلك في يد صاحبه حكما؛ فرده إليه بمنزلة رده على صاحبه بخلاف ما لو أخذه غيره فإن يده حيث اعترض عليه يد معتبرة فأوجب سقوط اليد الحكمية. قوله: (وَكَذَلِكَ إِنْ حَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ فَسَاقَهُ وَأَخْرَجَهُ) يُقطع، وبه قالت الأئمة الثلاثة. وفي مبسوط أبي اليسر: وكذا لو علقه على عنق كلب فزجره يقطع، ولو خرج من غير زجر؛ لأن للبهيمة اختيارًا لنفسها. وبه قال الشافعي في وجه واحد وقال: لو وضع المتاع على ظهر الدابة فخرجت به يقطع كما في الماء، وبه قال الشافعي في وجه. وقلنا: جري الماء طبيعي، وسير الدابة اختياري؛ لما ذكرنا أن لها اختيارا. قوله: (وَإِذَا دَخَلَ الْحِرْزَ جَمَاعَةٌ … ) إلى قوله: (قطعوا) وإنما وضع المسألة في دخول جميعهم؛ لأنهم إذا دخل الحرز واحد، ولكن اشتركوا

стр. 4019

الضَّعِيفُ: هَذَا اسْتِحْسَانُ، وَالقِيَاسُ: أَنْ يُقطَعَ الحَامِلُ وَحدَهُ وَهُوَ قَولُ زُفَرَ ﵀؛ لِأَنَّ الإِحْرَاجَ وُجِدَ مِنْهُ فَتَمَّت السَّرِقَةُ بِهِ. وَلَنَا: أَنَّ الإِخْرَاجَ مِنْ الكُلِّ مَعنى لِلْمُعَاوَنَةِ كَمَا فِي السَّرِقَةِ الكُبْرَى، وَهَذَا لِأَنَّ المُعتَادَ فِيمَا بَينَهُم أَنْ يَحْمِلَ البَعضُ المَتَاعَ في فعل السرقة فالقطع على الداخل المخرج إن عرف بعينه؛ وإن لم يعرف فعليهم التعزير ولا يقطع واحد منهم غير الداخل، وإن كان غيره فعاونوه كما في مسألة الكتاب غير الحامل يعاون الحامل كذا في المبسوط (١). قوله: (وهو)؛ أي القياس (قول زفر) وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لأن فعل السرقة لا يتم إلا بالأخذ والإخراج، وفعل الغير لا يكون أخذا ولا إخراجا لا حقيقة وهي ظاهر، ولا حكما؛ فإنهم لو نازعوا الآخذ الذي هو الحامل في ذلك المال المحمول، كان القول للحامل لا قولهم؛ فلما لم يوجد منهم الأخذ والإخراج حقيقة وحكما كيف يقطعون. وقلنا: القياس هكذا ولكنا استحسنا؛ لأنهم لما اشتركوا في هتك الحرز صار المال مخرجا بمعاونتهم، وهذه زيادة حيلة معروفة بين السراق، وهو أن يباشر حمل المتاع واحد منهم، والباقي يعاونه من ورائه مستعدين لدفع صاحب البيت عنه وعن أنفسهم؛ فلا يجوز أن يكون ذلك مسقطا للحد عنهم، بخلاف ما لو دخل واحد وأخرج بمعاونتهم والباقي لم يدخل؛ حيث يقطع الداخل خاصة؛ لأنهم لما لم يدخلوا لم تتأكد معاونتهم بهتك الحرز بالدخول فلم يعتبر اشتراكهم؛ لما أن كمال هتك الحرز بالدخول كذا في المبسوط (٢). قالوا: هذا إذا كان الآخذ الحامل من أهل القطع عند الانفراد، أما إذا كان صبيا أو مجنونًا لا قطع عليهم بالإجماع؛ لأن فعل غير الحامل تبع لفعل الحامل فلما لم يجب على الحامل وهو الأصل لم يجب على التبع، ولو كان الحامل بالغًا ولكن فيهم صبي أو مجنون لم يجب القطع عليهم أيضًا عند أبي حنيفة ومحمد؛ لتمكن الشبهة في فعل واحد منهم فلا يجب على الباقين. وعند أبي حنيفة: يجب القطع على الحامل وغير الصبي والمجنون كذا في

стр. 4020

وَيَتَشَمَّرَ البَاقُونَ لِلدَّفْعِ، فَلَو امتَنَعَ القَطْعُ لَأَدَّى إِلَى سَدِّ بَابِ الحَدِّ. (وَمَنْ نَقَبَ البَيتَ وَأَدخَلَ يَدَهُ فِيهِ وَأَخَذَ شَيْئًا لَم يُقطع) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ «فِي الإِمْلَاءِ»: أَنَّهُ يُقْطَعُ، لِأَنَّهُ أَخْرَجَ المَالَ مِنْ الحِرزِ وَهُوَ المَقْصُودُ فَلَا يُشْتَرَطُ الدُّخُولُ فِيهِ، كَمَا إِذَا أَدخَلَ يَدَهُ فِي صُندوقِ الصَّيرَفِي فَأَخْرَجَ الغِطَرِيفِيَّ. وَلَنَا: أَنَّ هَتكَ الحِرزِ يُشْتَرَطُ فِيهِ الكَمَالُ تَحَرُّزًا عَنْ شُبْهَةِ العَدَمِ وَالكَمَالِ فِي الدُّخُولِ، وَقَدْ أَمْكَنَ اعْتِبَارُهُ وَالدُّخُولُ هُوَ المُعتَادُ بِخِلَافِ الصُّندوقِ لِأَنَّ المُمكِنَ فِيهِ إدخالُ اليَدِ دُونَ الدُّخُولِ، وَبِخِلَافِ مَا الذخيرة (١)، والمحيط. وقالت الأئمة الثلاثة وزفر: على الحامل خاصة كما ذكرنا. وفي جامع البزدوي: والشبهة المتمكنة في الفعل المعهود عفو؛ لأنها إن اعتبرت صارت ناسخة للحد والشبهة للدرء لا للنسخ وهذا معنى قوله: (فلو امتنع القطع)؛ أي في هذه الصورة باعتبار الشبهة؛ (أدى إلى سد باب الحد)، وفيه نوع تأمل. قوله: (وعن أبي يوسف أنه يقطع) وبه قالت الأئمة الثلاثة. (الغِطْرِيفِي): درهم منسوب إلى غطريف بن عطاء الكندي أمير خراسان أيام الرشيد، والدراهم الغِطْرِيفِي كانت أعَزُّ الدراهم ببخارى كذا في المغرب (٢). وجه قول أبي يوسف أن السرقة قد تحقق بالأخذ خفية، وهذا؛ لأن المقصود أخذ المال لا الدخول في الحرز؛ بل هو وسيلة إليه فمهما تحقق بدونها كان أقوى. ولنا: ما روي عن علي ﷺ : اللص إذا كان ظريفا لا يقطع وفسره بهذا، ولأن السرقة هتك الستر على الكمال وإخراج المال؛ إذ هتك الحرز شرط الحد فيراعي وجوده بأكمل الجهات؛ لأن الناقص سببه العدم، والكمال في هتك حرز البيوت أن يدخلها بخلاف إخراج الشيء من الصندوق أو الجيب أو الكم؛ (لأن الممكن فيه إدخال اليد دون الدخول) فيتم هتك الحرز بإدخال اليد والإخراج منه.

стр. 4021

تَقَدَّمَ مِنْ حَملِ البَعْضِ المَتَاعَ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ المُعتَادُ. (وَإِنْ طَرَّ صُرَّة خَارِجَة مِنْ الكُمِّ لَم يُقطع، وَإِنْ أَدخَلَ يَدَهُ فِي الكُمِّ يُقطَعُ) لِأَنَّ فِي الوَجهِ الأَوَّلِ: الرِّبَاطَ مِنْ خَارِج، فَبِالطَّرِّ يَتَحَقَّقُ الأَخِذُ مِنْ الظَّاهِرِ، فَلَا يُوجَدُ هَتكُ الحِرزِ. وَفِي الثَّانِي: الرِّبَاطُ مِنْ دَاخِل، فَبِالطَّرِّ يَتَحَقَّقُ الأَخذُ مِنْ الحِرزِ وَهُوَ الكُمُّ، وَلَو كَانَ مَكَانَ الطَّرِّ حَلُّ الرِّبَاطِ، ثُمَّ الأَخذُ فِي الوَجْهَيْنِ يَنعَكِسُ الجَوَابُ لِاِنعِكَاسِ العِلَّةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ يُقْطَعُ عَلَى كُلِّ حَال (*)، لِأَنَّهُ مُحَرَّزٌ إِمَّا بِالكُمِّ أَوْ بِصَاحِبِهِ. قُلْنَا: الحِرزُ هُوَ الكُمُّ، لِأَنَّهُ يَعْتَمِدُهُ، وَإِنَّمَا قَصْدُهُ قَطعُ المَسَافَةِ أَوْ الاسْتِرَاحَةِ فَأَشْبَهَ الجُوَالِقَ. وأما قوله: (إن الأخذ هو المقصود). فقلنا: كما أن الأخذ مقصود فدخول الحرز أيضًا مقصود. ألا ترى أن من الجهال من يقصد ذلك إظهارا للجلادة من نفسه، واستخفافا لصاحب الحرز، وإن لم يكن له قصد إلى أخذ ماله كذا في المبسوط (١). قوله: (ومن طَرَّ صُرَّةً)، الطَّرُّ؛ الشَّقُّ وَمِنْهُ الطَّرَّارُ، وَالصُّرَّةُ الْهِمْيَانُ، وَالْمُرَادُ مِنَ الصُّرَّةِ هُنَا نَفْسُ الْكُمِّ الْمَشْدُودِ فِيهِ الدَّرَاهِمُ. وقوله: (خارجة من الكم لم يقطع) دليل إنما ذكر في الأصول، أن الطرار يُقطع ليس على إطلاقه أو هو محمول على قول أبي يوسف فإنه يقطع الطرار في الصور كلها، وبه قالت الأئمة الثلاثة. قوله: (ينعكس الجواب) [يعني] (٢) فيما إذا كان الرباط خارج الكم يقطع؛ لأنه يأخذ الدراهم من داخل الكم لوقوعها في الكم، ولو كان (الرباط داخل) الكم لا يقطع؛ لأنه لما حل الرباط من داخل الكم فكان أخذها من خارج الكم فلا يقطع؛ لأنه لم يهتك الحرز ولم يأخذ منه شيئا وهذا معنى قوله: (لانعكاس العلة). قوله: (أي المال محرزا، إما بالكم)؛ أي في صورة طرها داخل الكم؛ بل

стр. 4022

(وَإِنْ سَرَقَ مِنْ القِطَارِ بَعِيرًا أَوْ حِملًا لَم يُقطع) لِأَنَّهُ لَيسَ بِمُحَرَّز مَقصُودًا فَتَتَمَكَّنُ شُبَهَةُ العَدَمِ، وَهَذَا لِأَنَّ السَّائِقَ وَالقَائِدَ وَالرَّاكِبَ يَقْصِدُونَ قَطَعَ المَسَافَةِ وَنَقلَ المال محرز بصاحبه، والكم تبع. قلنا: (الحرز هو الكم لأنه)؛ أي صاحب المال يعتمد الكم أو الجيب لا قيام نفسه فصار كالصندوق والجوالق، وذلك لأنه لا يخلو؛ إما أن يكون صاحب المال في حالة المشي أو في غير حالة المشي فإن كان الأول؛ فمقصوده قطع المسافة لا حفظ المال، وإن كان الثاني فمقصوده الاستراحة لا حفظ المال، والمقصود هو المعتبر في هذا الباب. ألا ترى أن من شق الجوالق الذي على إبل تسير فأخذ المال منه يُقطع؛ لأن صاحب المال اعتمد الجوالق فكان السارق منه هاتكا للستر والحرز فيقطع، ولو أخذ الجوالق بما فيه لا يقطع. وكذا لو سرق الغنم من المرعى ومعها الراعي لا يُقطع؛ لأن الراعي لا يقصد بالرعي الحفظ، وإنما يقصد به الرعي، والحفظ تبع فلم يصلح بخلاف ما لو كانت الغنم في حظيرة بُنِيَ لها، وعليها باب مغلق فأخرجها منه قطع؛ لأنها بنيت لأجل حفظ الغنم كذا في المحيط (١) وجامع البزدوي. وعند الأئمة الثلاثة: إذا كان الراعي بحيث يراها تكون محرزة فيقطع، وما غاب عن نظره وإن كان نائما أو مشغولا فليست بمحرزة، وعندهم لو أخذ الجوالق بما فيه من الجمال المقنطرة يقطع. قوله: (وإن سرق من القطار … ) إلى آخره، قطرغ الماء تقطيراً صبته، والقطار للإبل يقطر على نسق واحد، والجمع قطر، ومنه تقاطر القوم؛ إذا جاؤوا أرسالا؛ أي قطيعا قطيعا كذا في الصحاح (٢) والمغرب (٣). وعند الأئمة الثلاثة: لو سرق واحدًا من الجمال أو واحدا من الأحمال أو شق وأخذ شيئا يقطع في الكل؛ لأن الكل محرز بالحافظ وهو القائد أو السائق، أو الراكب إذا لم يكن نائما فإن كان نائما عليه لم يقطع.

стр. 4023

الأَمْتِعَةِ دُونَ الحفظ. حَتَّى لَو كَانَ مَعَ الأَحْمَالِ مَنْ يَتبَعُهَا لِلحِفْظِ قَالُوا: يُقْطَعُ وَإِنْ شَقَّ الحِملَ وَأَخَذَ مِنهُ قُطِعَ لِأَنَّ الجُوَالِقَ فِي مِثْلِ هَذَا حِرزٌ، لِأَنَّهُ يَقْصِدُ بِوَضِعِ الأَمْتِعَةِ فِيهِ صِيَانَتَهَا كَالكُمْ فَوُجِدَ الأَخذُ مِنْ الحِرزِ فَيُقْطَعُ وَإِنْ سَرَقَ جُوَالِقًا فِيهِ مَتَاعٌ وَصَاحِبُهُ يَحفَظُهُ أَوْ نَائِمٌ عَلَيْهِ قُطِعَ وَمَعْنَاهُ: إِنْ كَانَ الجُوَالِقُ فِي مَوضِع هُوَ لَيسَ بِحِرز كَالطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ، حَتَّى يَكُونَ مُحَرَّزًا بِصَاحِبِهِ لِكُونِهِ مُتَرَصِّدًا لِحِفْظِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ المُعتَبَرَ هُوَ الحِفظُ المُعتَادُ وَالجُلُوسُ عِندَهُ وَالنَّومُ عَلَيْهِ يُعَدُّ حِفظا عَادَةٍ وَكَذَا النَّومُ بِقُرب مِنْهُ عَلَى مَا اختَرنَاهُ مِنْ قَبْلُ. وَذُكِرَ فِي بَعضِ النُّسَخِ، وَصَاحِبُهُ نَائِمٌ عَلَيْهِ أَوْ حَيثُ يَكُونُ حَافِظًا لَهُ، وَهَذَا يُؤَكِّدُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ القَولِ المُختَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. فصلٌ فِي كَيْفِيَّةِ القَطْعِ وَإِثْبَاتِهِ قَالَ: (وَيُقْطَعُ يَمِينُ السَّارِقِ مِنْ الزَّندِ وَيُحسَمُ) فَالقَطِعُ لِمَا تَلُونَاهُ مِنْ قَبْلُ، قوله: (وهذا يؤكد ما قدمناه من القول المختار) وهو قوله: (ولا فرق بين أن يكون الحافظ مستيقظا أو نائما … إلى قوله وهو الصحيح)، والقائد حافظ للجمل الذي زمامه في يده فقط عندنا وعندهم إذا كان بحيث يراها إذا إليها (١) حافظ للكل؛ فيكون الكل محرزه عندهم بقوده. فصل في كيفية القطع وإثباته لما ذكر ثبوت القطع لا بد من بيان كيفيته فشرع فيه. قوله: (يُقْطَعُ يَمِينُ السَّارِقِ مِنَ الزَّنْدِ)، وقالت الخوارج: من المنكب لظاهر النص إذ اليد من المنكب. وقال بعض الناس: تقطع الأصابع فقط؛ لأنها آلة البطش ومحل الجناية. وقلنا: هذا مخالف للنص، والمنصوص قطع اليد لا الأصابع، واليد قد تكون من المنكب، وقد تكون من المرفق، وقد تكون من الرسغ باستعمال العرب واللغة والشرع، ولكن زال هذا الإبهام ببيان رسول الله ﷺ وعمله وعمل

стр. 4024

وَاليَمِينُ بِقِرَاءَةِ عَبدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَمِنْ الزَّندِ، لِأَنَّ الإِسمَ يَتَنَاوَلُ اليَدَ إِلَى الإبِطِ، وَهَذَا المَفْصِلُ: أَعْنِي الرُّسغَ مُتَيَقَّنٌ بِهِ، كَيْفَ وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَمَرَ بِقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ مِنْ الزَّندِ، وَالحَسمُ لِقَوْلِهِ ﵊: «فَاقْطَعُوهُ وَاحْسِمُوهُ» وَلِأَنَّهُ لَو لَم يُحسَم يُفضِي إِلَى التَّلَفِ وَالحَدُّ زَاجِرٌ لَا مُتَلِفٌ فَإِنْ سَرَقَ ثَانِيًا الصحابة، وإجماعهم؛ لأن هذا القدر هو المتيقن به، والمراد باليد اليمنى بقراءة ابن مسعود: فاقطعوا أيمانهما وهي مشهورة فيقيد النص به. ولا يقال: على هذه القراءة ينبغي أن يقطع الرّجل اليمنى؛ لأنه ذكرت بلفظ الجمع؛ لأن الأصل أن يذكر أن ما يوجد من خلق الإنسان بتثنيته بعبارة الجمع كما قال تعالى: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] ويقال: ضربت ظهورهما. وقد روى عن أبي وعمر ﵄ قالا: اقطعوا يمينه من الكوع ولا مخالف لهما من الصحابة؛ فصار كالإجماع. قوله: الحسم: الكي ليقطع الدم ويقال: حسم العرق إذا كواه بحديدة محماة. وفي الطلبة (١) والمغرب (٢) والمغني (٣) لابن قدامة الحنبلي: وهو أن يغمس في الدهن الذي أغلي. وقال ﵇: «اقْطَعوهُ ثمّ احْسِموهُ» (٤) فكان الزيت على بيت المال؛ لأنه ﵇ أمر القاطع بالحسم، وذلك يقتضي أن يكون من بيت المال. وبه قال الشافعي في وجه، وعندنا على السارق وبه قال الشافعي في وجه، ويستحب للمقطوع حسم نفسه؛ فإن لم يفعل لم يأثم عند أحمد والشافعي. ويسنّ تعليق يده في عنقه؛ لأنه ﵇ أمر به، رواه أبو داود، وابن ماجه (٥)، وفعل ذلك علي ﵁ أيضًا، وعندنا الرأي إلى الإمام، وبه قال الشافعي.

стр. 4025

قُطِعَت رِجلُهُ اليُسرَى، فَإِنْ سَرَقَ ثَالِثَا لَم يُقطَع وَخُلْدَ فِي السِّجْنِ حَتَّى يَتُوبَ وَهَذَا استحسَانٌ وَيُعَزِّرُ أَيضًا، ذَكَرَهُ المَشَايِخُ ﵏. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: فِي الثَّالِثَةِ تُقطَعُ يَدُهُ اليُسرَى، وَفِي الرَّابِعَةِ تُقطَعُ رِجلُهُ اليُمْنَى لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوهُ» وَيُرْوَى مُفَسَّرًا قوله: (قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى)، لما روي أنه ﵇ قال: «إذا سَرقَ السّارِقُ فاقطعوا يدَهُ ثمّ إن سَرقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ»، ولأن في المحاربة الموجبة قطع عضوين يده ورجله، ولا تقطع يداه فهذه جناية موجبة قطع عضوين فكانا رجلًا ويدا كالمحاربة، ولأن في قطع يده تفويت منفعة الجنس فيصير كالهالك؛ فكان قطع الرجل أولى. وإذا ثبت هذا تقطع رجله اليسرى من الكعب عند أكثر أهل العلم وفعل عمر ﵁ ذلك. وقال أبو ثور والرافضة: يقطع من نصف القدم من معقد الشراك؛ لأن عليا ﵁ كان يفعل ذلك، ويترك له عقبا يمشي عليها. قوله: (وَيُرْوَى مُفَسَّرًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُ)؛ أي مذهب الشافعي وبقوله قال مالك روى أبو هريرة أنه ﵇ قال في المرة الأولى: «قطع اليمنى»، وفي الثانية: «الرجل اليسرى»، وفي الثالثة: «اليد اليسرى» وفي الرابعة: «الرجل اليمنى» (١) وهكذا روى جابر، وروي هكذا فعل أبي بكر وعمر ﵄

стр. 4026

كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُ، وَلِأَنَّ الثَّالِثَةَ مِثلُ الأُولَى فِي كَونِهَا جِنَايَةِ بَلْ فَوقَهَا فَتَكُونُ أَدعَى إِلَى شَرعِ الحَدٌ. وَلَنَا: قَولُ عَلِيٌّ ﵁ فِيهِ: إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ لَا أَدَعَ لَهُ يَدًا يَأْكُلُ بِهَا وَيَسْتَنجِي بِهَا وَرِجلًا يَمْشِي عَلَيْهَا، وَبِهَذَا حَاجَّ بَقِيَّةَ الصَّحَابَةِ ﵃ فَحَجَّهُم فَانعَقَدَ إِجْمَاعًا، وفي الخامسة عندهما يحبس ويعزر، وحكي عن عطاء وعمر بن عبد العزيز وعمرو بن العاص وعثمان أنه يقطع في المرة الثالثة يده اليسرى، وفي الرابعة الرجل اليمنى ويقتل في الخامسة لأن جابرًا قال: أتي النبي ﷺ بسارق فقال: «اقتلوه فقالوا يا رسول الله: إنما سرق فقال: اقطعوه» قال: فقطع ثم جيء به الثانية فقال: «اقتلوه» فقالوا: يا رسول الله إنما سرق قال: «اقطعوه» ثم جيء به الثالثة قال: «اقتلوه» فقالوا: يا رسول الله إنما سرق قال: «اقطعوه» فقطع ثم جيء به الرابعة قال: «اقتلوه» قيل: إنما سرق قال: «اقطعوه» فقطع، ثم جيء به الخامسة قال: «اقتلوه» فانطلقنا به فقتلناه وألقيناه في بئر رواه أبو داود (١). قوله: (وَلَنَا قَوْلُ عَلِيٌّ ﵁) روى أبو سعيد قال حدثنا أبو معشر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه قال: حضرت علي بن أبي طالب ﵁ أتي برجل مقطوع اليد والرجل قد سرق فقال لأصحابه: ما ترون في هذا؟ قالوا: القطع يا أمير المؤمنين. قال قتلته إذن وما عليه القتل، بأي شيء يأكل الطعام؟ بأي شيء يغتسل من جنابته؟ فرده إلى السجن أياما، ثم أخرجه فاستشار فقالوا مثل قولهم الأول فقال لهم مثل ما قال أولا فجلده جلدا شديدا ثم أرسله. وفي رواية عنه أنه قال: إني لأستحي من الله ألا ندع له يدا يبطش بها، ولا رجلا يمشي عليها. (فحجهم)؛ أي غلبهم. (فانعقد إجماعا)؛ لأنه لم يحتج عليه بالنص في الباب؛ فبان أنه لا نص فيه؛ إذ لو ثبت لبلغهم؛ لأنه مبني على الشهرة ولو بلغهم لاحتجوا به.

стр. 4027

وَلِأَنَّهُ إِهْلَاكُ مَعنى لِمَا فِيهِ مِنْ تَفوِيتِ جِنسِ المَنفَعَةِ وَالحَدُّ زَاجِرٌ، وَلِأَنَّهُ نَادِرُ الوُجُودِ وَالزَّجْرُ فِيمَا يَغْلِبُ وُقُوعُهُ بِخِلَافِ القِصَاصِ، لِأَنَّهُ حَقُّ العَبدِ فَيُستَوفَى مَا أَمْكَنَ جَبَرًا لِحَقِّهِ. وَالحَدِيثُ طَعَنَ فِيهِ الطَّحَاوِيُّ ﵀ أَوْ نَحْمِلُهُ عَلَى السِّيَاسَةِ فإن قيل: أليس أن اليد اليسرى محل بظاهر الكتاب ولا إجماع على خلاف الكتاب؟. قلنا: لما قيد المطلق بالقراءة المشهورة خرجت اليسرى عن كونها مرادة كمن قال لآخر: أعتق عبدا من عبيدي، ثم قال: عنيت سالما فيخرج غيره، ولأن الأمر بالفعل لا يقتضي التكرار، ولأن السارق اسم فاعل يدل على المصدر لغة، وهو اسم جنس فيتناول الأدنى؛ إذ كل السرقات لم ترد إجماعا وبفعل واحد لم تقطع إلا يد واحدة، وقد تعينت اليمنى إجماعا فخرجت اليسرى عن الإرادة، ولأنها لو كانت منصوصة لقطعت في المرة الثانية؛ إذ لا يصح العدول إلى غير المنصوص، مع وجوده. قوله: (إِهْلَاكُ مَعْنَى). وفي المبسوط (١): بقاء الشخص ببقاء منافعه، ولهذا يتعلق بقطع اليدين من العبد كل قيمة النفس، ولا يجوز إعتاق مقطوع اليدين في الكفارة فعرفنا أنه استهلاك حكمًا، وفيه شبهة الإتلاف والشبهة كالحقيقة فيما يندرى بالشبهات بخلاف القصاص؛ لأن المستحق هناك المساواة دون التحرز عن الإتلاف. قوله: (طعن فيه الطحاوي) فقال: تتبعنا هذه فلم نجد لشيء منها أصلا إشارة إلى ما رواه الشافعي ولئن ثبت فنحمله على السياسة. ألا ترى أنه ﵇ قال في المرة الخامسة: ﴿فإِنْ عَادَ فاقتلوه﴾، وعلى هذا يحمل ما رواه جابر. وفي المبسوط (٢) والمحيط: الحديث في الباب غير صحيح؛ إذ لو صح لاحتج به بعضهم على بعض، ولم يحتجوا في مشاورة علي كما بينا، ولئن ثبت يحمل على الانتساخ؛ لأنه كان في الابتداء تغليظ في الحدود.

стр. 4028

(وَإِذَا كَانَ السَّارِقُ أَشَلَّ اليَدِ اليُسْرَى أَوْ أَقطَعَ أَوْ مَقطُوعَ الرِّجلِ اليُمْنَى لَم يُقطع) لِأَنَّ فِيهِ تَفوِيتَ جِنسِ المَنفَعَةِ بَطشًا أَوْ مَشيًا، وَكَذَا إِذَا كَانَتْ رِجَلُهُ اليُمْنَى شَلَّاءَ لِمَا قُلْنَا (وَكَذَا إِذَا كَانَتْ إِبهَامُهُ اليُسرَى مَقطُوعَةً، أَوْ شَلَّاءَ، أَوْ الأَصْبُعَانِ مِنهَا سِوَى الإِبْهَامِ) لِأَنَّ قِوَامَ البَطشِ بِالإِبْهَامِ فَإِنْ كَانَتْ أُصْبُعٌ وَاحِدَةٌ سِوَى الإِبْهَامِ مَقطُوعَةً أَوْ شَلَّاءَ، قُطِعَ لِأَنَّ فَوَاتَ الوَاحِدَةِ لَا يُوجِبُ خَلَلًا ظَاهِرًا فِي البَطشِ، بِخِلَافِ فَوَاتِ الأُصْبُعَينِ، لِأَنَّهُمَا يَتَنَزَّلَانِ مَنزِلَةَ الإِبْهَامِ فِي نُقصَانِ البَطشِ. قَالَ: (وَإِذَا قَالَ الحَاكِمُ لِلحَدَّادِ: اقطع يَمِينَ هَذَا فِي سَرِقَة سَرَقَهَا، فَقَطَعَ ألا ترى أنه قطع الأيدي والأرجل من العرنيين ثم سمل أعينهم ثم انتسخ ذلك باستقرار الحد، وأما فعل أبي بكر ﵁ وعمر عارضه قول علي وإجماع الصحابة بعده. وعن عمر ﵁؛ أنه رجع إلى قول علي؛ لما روى أن عمر أتي برجل مقطوع اليد والرجل قد سرق فأمر عمر أن تقطع رجله فقال علي قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَسْعَوْنَ﴾ [المائدة: ٣٣] إلى آخر الآية، وقد قطعت يد هذا ورجله؛ فلا ينبغي أن تقطع رجله فتدعه ليس له قائمة يمشي عليها، إما أن تعزره وتستودعه في السجن فاستودعه السجن. قوله: (وإن كَانَ السَّارِقُ أَشَلَّ الْيَدِ الْيُسْرَى … ) إلى آخر المسألة وبقولنا قال أحمد في رواية، وعند الشافعي ومالك وأحمد في رواية: تقطع يمينه ولا يمنع ذلك النقصان من قطع يمينه؛ لأنه سارق له بمعنى فتقطع عملا بالكتاب والسنة، ولأنه سارق له يدان فتقطع يمناه كما لو كانت المقطوعة رجله اليسرى. وقلنا: إذا فات جنس منفعة المشي فصار كالهالك، وإذا كانت يده اليسرى مقطوعة لا تقطع اليمني؛ لأن الحد زاجر لا متلف كما ذكر في المتن. قوله: (إذا قال الحاكم للحداد)؛ أي [الذي] (١) يقيم الحد فعال منه كالجلاد يقيم الحد كذا في المغرب (٢)، وقيد بقوله: (يمين هذا)؛ لأنه لو قال: اقطع يد هذا فقطع الحداد يساره لا يضمن بالاتفاق.

стр. 4029

يَسَارَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الخَطَأ، وَيَضمَنُ فِي العَمدِ) (*). وَقَالَ زُفَرُ ﵀: يَضمَنُ فِي الخَطَأَ أَيضًا وَهُوَ القِيَاسُ، وَالمُرَادُ بِالخَطَأ هُوَ الخَطَأُ فِي الاجْتِهَادِ، وَأَمَّا الخَطَأُ فِي مَعرِفَةِ اليَمِينِ وَاليَسَارِ لَا يُجْعَلُ عَفْوًا. وَقِيلَ: يُجْعَلُ عُذْرًا أَيضًا. لَهُ: أَنَّهُ قَطَعَ يَدًا مَعصُومَة وَالخَطَأُ فِي حَقِّ العِبَادِ غَيْرُ مَوضُوع فَيَضمَنَا. قُلْنَا: إِنَّهُ أَخطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ، إِذْ لَيْسَ فِي النَّصِّ تَعيِينُ اليَمِينِ، وَالخَطَأُ فِي الاجْتِهَادِ مَوضُوعٌ وَلَهُمَا: أَنَّهُ قَطَعَ طَرَفا مَعصُومًا بِغَيْرِ حَقٌّ وَلَا تَأْوِيل، قوله: (فلا شيء عليه)؛ أي على الحدّاد عند أبي حنيفة، وبه قال أحمد سواء قطعه عمدًا أو خطأ، ولكن يؤدب الحداد. وعند أبي يوسف ومحمد: يضمن في العمد أرش اليسار. وعند زفر: يضمن الأرش في الخطأ أيضًا. وعند الشافعي: لو قطع الحداد عمدًا وجب القصاص عليه وبه قال مالك؛ لأنه قطع بغير حق فوجب عليه القود. ولو قال: أخطأت وظننت أنها اليمنى أو أن اليسار فعليه الدية؛ لأن الخطأ غير موضوع في حق العباد فيضمنها، ولو بادر وقطع اليمني أو رجلاً بغير إذن الإمام فلا شيء عليه بالإجماع؛ لأنه سقطت قيمة يده بقضاء الإمام عليه بالقطع، والقاطع يقطع يدًا لا قيمة لها فلا شيء عليه، ولكن يؤدبه الإمام على ذلك؛ لأنه أساء الأدب حيث قطع بغير إذن الإمام كذا في المبسوط (١). قوله: (والمراد هنا (الخطأ في الاجتهاد)؛ أي من الخطأ الذي لا شيء عليه في الخطا في الاجتهاد، أما إذا كان الخطأ في معرفة اليمين واليسار)؛ فلا يكون ذلك عذرا ويجب الضمان. قوله: (والخطأ في الاجتهاد موضوع)؛ أي معفو شرعا، قال تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً﴾ الآية [الحشر: ٥]. قوله: (بغير حق)؛ لأن الحق في اليمنى، وهو أيضًا لم يقطع يسار أحد

стр. 4030

لِأَنَّهُ تَعَمَّدَ الظُّلَمَ فَلَا يُعفَى وَإِنْ كَانَ فِي المُجتَهَدَاتِ، وَكَانَ يَنبَغِي أَنْ يَجِبَ القِصَاصُ، إِلَّا أَنَّهُ امْتَنَعَ لِلشُّبَهَةِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ لَهُ: أَنَّهُ أَتْلَفَ وَأَخْلَفَ مِنْ ليكون حق قطع اليسار قصاصا ولا تأويل لم يجمعا؛ لأن الكلام فيما إذا تعمد قطع اليسار فلا يعفى كما لو قطع رجله أو أنفه، وإن كان في المجتهدات يعني من حيث ظاهر النص لم يعتمد الظلم من حيث الإجماع، والمخطئ في المجتهد لا يعذر إذا أخطأ فيما كان الدليل ظاهرا كالحكم بحل متروك التسمية عامدا؛ فينبغي أن يجب القصاص إلا أنه امتنع للشبهة، وهي ظاهر قوله تعالى: ﴿فَأَقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، والقصاص لا يثبت بالشبهة بخلاف ضمان المال. قوله: (أَخْلَفَ … ) إلى آخره يعني لما قطعت يساره سلم له يمينه؛ لأنه لا يقطع بعد، وبه قال أحمد والشافعي في الأصح. وقال مالك والشافعي في قول: يقطع؛ لأنه وجب قطعها فلا تسقط بالجناية على غيرها. فإن قيل: اليمنى لم تحصل له بسبب القطع بل كان حاصلا له قبله والإتلاف بخلف إنما لا يوجب الضمان إذا حصل الخلف بسبب حصل له الإتلاف كما في مسألة الشهادة ونقصان الولادة، أما إذا حصل الخلف بسبب آخر يضمن. قلنا: اليمنى من حيث الاعتبار حصل له بقطع اليسرى [لأنها صارت] (١) على شرف الزوال فهي كالفانية من حيث الاعتبار، ولا يلزم ما إذا جدع أنفه؛ لأنه ما أخلف عما أتلف إذ يمناه ثم تقطع. فإن قيل: لو قطع رجله اليمنى يضمن وقد أتلف وأخلف عوضاً وهو اليمنى إذ لا يقطع حينئذ. قلنا: لا رواية فيه فيمنع ولئن سلمنا فالتالف ليس من جنس الباقي. قوله: (وعلى هذا) أي على تعليل أبي حنيفة، وهو أنه (أتلف وأخلف من
следующие страницы →