كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُ، وَلِأَنَّ الثَّالِثَةَ مِثلُ الأُولَى فِي كَونِهَا جِنَايَةِ بَلْ فَوقَهَا فَتَكُونُ أَدعَى إِلَى شَرعِ الحَدٌ. وَلَنَا: قَولُ عَلِيٌّ ﵁ فِيهِ: إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ لَا أَدَعَ لَهُ يَدًا يَأْكُلُ بِهَا وَيَسْتَنجِي بِهَا وَرِجلًا يَمْشِي عَلَيْهَا، وَبِهَذَا حَاجَّ بَقِيَّةَ الصَّحَابَةِ ﵃ فَحَجَّهُم فَانعَقَدَ إِجْمَاعًا،
وفي الخامسة عندهما يحبس ويعزر، وحكي عن عطاء وعمر بن عبد العزيز وعمرو بن العاص وعثمان أنه يقطع في المرة الثالثة يده اليسرى، وفي الرابعة الرجل اليمنى ويقتل في الخامسة لأن جابرًا قال: أتي النبي ﷺ بسارق فقال: «اقتلوه فقالوا يا رسول الله: إنما سرق فقال: اقطعوه» قال: فقطع ثم جيء به الثانية فقال: «اقتلوه» فقالوا: يا رسول الله إنما سرق قال: «اقطعوه» ثم جيء به الثالثة قال: «اقتلوه» فقالوا: يا رسول الله إنما سرق قال: «اقطعوه» فقطع ثم جيء به الرابعة قال: «اقتلوه» قيل: إنما سرق قال: «اقطعوه» فقطع، ثم جيء به الخامسة قال: «اقتلوه» فانطلقنا به فقتلناه وألقيناه في بئر رواه أبو داود (١).
قوله: (وَلَنَا قَوْلُ عَلِيٌّ ﵁) روى أبو سعيد قال حدثنا أبو معشر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه قال: حضرت علي بن أبي طالب ﵁ أتي برجل مقطوع اليد والرجل قد سرق فقال لأصحابه: ما ترون في هذا؟ قالوا: القطع يا أمير المؤمنين. قال قتلته إذن وما عليه القتل، بأي شيء يأكل الطعام؟ بأي شيء يغتسل من جنابته؟ فرده إلى السجن أياما، ثم أخرجه فاستشار فقالوا مثل قولهم الأول فقال لهم مثل ما قال أولا فجلده جلدا شديدا ثم أرسله.
وفي رواية عنه أنه قال: إني لأستحي من الله ألا ندع له يدا يبطش بها، ولا رجلا يمشي عليها.
(فحجهم)؛ أي غلبهم. (فانعقد إجماعا)؛ لأنه لم يحتج عليه بالنص في الباب؛ فبان أنه لا نص فيه؛ إذ لو ثبت لبلغهم؛ لأنه مبني على الشهرة ولو بلغهم لاحتجوا به.
стр. 4027
وَلِأَنَّهُ إِهْلَاكُ مَعنى لِمَا فِيهِ مِنْ تَفوِيتِ جِنسِ المَنفَعَةِ وَالحَدُّ زَاجِرٌ، وَلِأَنَّهُ نَادِرُ الوُجُودِ وَالزَّجْرُ فِيمَا يَغْلِبُ وُقُوعُهُ بِخِلَافِ القِصَاصِ، لِأَنَّهُ حَقُّ العَبدِ فَيُستَوفَى مَا أَمْكَنَ جَبَرًا لِحَقِّهِ. وَالحَدِيثُ طَعَنَ فِيهِ الطَّحَاوِيُّ ﵀ أَوْ نَحْمِلُهُ عَلَى السِّيَاسَةِ
فإن قيل: أليس أن اليد اليسرى محل بظاهر الكتاب ولا إجماع على خلاف الكتاب؟.
قلنا: لما قيد المطلق بالقراءة المشهورة خرجت اليسرى عن كونها مرادة كمن قال لآخر: أعتق عبدا من عبيدي، ثم قال: عنيت سالما فيخرج غيره، ولأن الأمر بالفعل لا يقتضي التكرار، ولأن السارق اسم فاعل يدل على المصدر لغة، وهو اسم جنس فيتناول الأدنى؛ إذ كل السرقات لم ترد إجماعا وبفعل واحد لم تقطع إلا يد واحدة، وقد تعينت اليمنى إجماعا فخرجت اليسرى عن الإرادة، ولأنها لو كانت منصوصة لقطعت في المرة الثانية؛ إذ لا يصح العدول إلى غير المنصوص، مع وجوده.
قوله: (إِهْلَاكُ مَعْنَى). وفي المبسوط (١): بقاء الشخص ببقاء منافعه، ولهذا يتعلق بقطع اليدين من العبد كل قيمة النفس، ولا يجوز إعتاق مقطوع اليدين في الكفارة فعرفنا أنه استهلاك حكمًا، وفيه شبهة الإتلاف والشبهة كالحقيقة فيما يندرى بالشبهات بخلاف القصاص؛ لأن المستحق هناك المساواة دون التحرز عن الإتلاف.
قوله: (طعن فيه الطحاوي) فقال: تتبعنا هذه فلم نجد لشيء منها أصلا إشارة إلى ما رواه الشافعي ولئن ثبت فنحمله على السياسة.
ألا ترى أنه ﵇ قال في المرة الخامسة: ﴿فإِنْ عَادَ فاقتلوه﴾، وعلى هذا يحمل ما رواه جابر.
وفي المبسوط (٢) والمحيط: الحديث في الباب غير صحيح؛ إذ لو صح لاحتج به بعضهم على بعض، ولم يحتجوا في مشاورة علي كما بينا، ولئن ثبت يحمل على الانتساخ؛ لأنه كان في الابتداء تغليظ في الحدود.
стр. 4028
(وَإِذَا كَانَ السَّارِقُ أَشَلَّ اليَدِ اليُسْرَى أَوْ أَقطَعَ أَوْ مَقطُوعَ الرِّجلِ اليُمْنَى لَم يُقطع) لِأَنَّ فِيهِ تَفوِيتَ جِنسِ المَنفَعَةِ بَطشًا أَوْ مَشيًا، وَكَذَا إِذَا كَانَتْ رِجَلُهُ اليُمْنَى شَلَّاءَ لِمَا قُلْنَا (وَكَذَا إِذَا كَانَتْ إِبهَامُهُ اليُسرَى مَقطُوعَةً، أَوْ شَلَّاءَ، أَوْ الأَصْبُعَانِ مِنهَا سِوَى الإِبْهَامِ) لِأَنَّ قِوَامَ البَطشِ بِالإِبْهَامِ فَإِنْ كَانَتْ أُصْبُعٌ وَاحِدَةٌ سِوَى الإِبْهَامِ مَقطُوعَةً أَوْ شَلَّاءَ، قُطِعَ لِأَنَّ فَوَاتَ الوَاحِدَةِ لَا يُوجِبُ خَلَلًا ظَاهِرًا فِي البَطشِ، بِخِلَافِ فَوَاتِ الأُصْبُعَينِ، لِأَنَّهُمَا يَتَنَزَّلَانِ مَنزِلَةَ الإِبْهَامِ فِي نُقصَانِ البَطشِ.
قَالَ: (وَإِذَا قَالَ الحَاكِمُ لِلحَدَّادِ: اقطع يَمِينَ هَذَا فِي سَرِقَة سَرَقَهَا، فَقَطَعَ
ألا ترى أنه قطع الأيدي والأرجل من العرنيين ثم سمل أعينهم ثم انتسخ ذلك باستقرار الحد، وأما فعل أبي بكر ﵁ وعمر عارضه قول علي وإجماع الصحابة بعده.
وعن عمر ﵁؛ أنه رجع إلى قول علي؛ لما روى أن عمر أتي برجل مقطوع اليد والرجل قد سرق فأمر عمر أن تقطع رجله فقال علي قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَسْعَوْنَ﴾ [المائدة: ٣٣] إلى آخر الآية، وقد قطعت يد هذا ورجله؛ فلا ينبغي أن تقطع رجله فتدعه ليس له قائمة يمشي عليها، إما أن تعزره وتستودعه في السجن فاستودعه السجن.
قوله: (وإن كَانَ السَّارِقُ أَشَلَّ الْيَدِ الْيُسْرَى … ) إلى آخر المسألة وبقولنا قال أحمد في رواية، وعند الشافعي ومالك وأحمد في رواية: تقطع يمينه ولا يمنع ذلك النقصان من قطع يمينه؛ لأنه سارق له بمعنى فتقطع عملا بالكتاب والسنة، ولأنه سارق له يدان فتقطع يمناه كما لو كانت المقطوعة رجله اليسرى.
وقلنا: إذا فات جنس منفعة المشي فصار كالهالك، وإذا كانت يده اليسرى مقطوعة لا تقطع اليمني؛ لأن الحد زاجر لا متلف كما ذكر في المتن.
قوله: (إذا قال الحاكم للحداد)؛ أي [الذي] (١) يقيم الحد فعال منه كالجلاد يقيم الحد كذا في المغرب (٢)، وقيد بقوله: (يمين هذا)؛ لأنه لو قال: اقطع يد هذا فقطع الحداد يساره لا يضمن بالاتفاق.
стр. 4029
يَسَارَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الخَطَأ، وَيَضمَنُ فِي العَمدِ) (*). وَقَالَ زُفَرُ ﵀: يَضمَنُ فِي الخَطَأَ أَيضًا وَهُوَ القِيَاسُ، وَالمُرَادُ بِالخَطَأ هُوَ الخَطَأُ فِي الاجْتِهَادِ، وَأَمَّا الخَطَأُ فِي مَعرِفَةِ اليَمِينِ وَاليَسَارِ لَا يُجْعَلُ عَفْوًا.
وَقِيلَ: يُجْعَلُ عُذْرًا أَيضًا. لَهُ: أَنَّهُ قَطَعَ يَدًا مَعصُومَة وَالخَطَأُ فِي حَقِّ العِبَادِ غَيْرُ مَوضُوع فَيَضمَنَا. قُلْنَا: إِنَّهُ أَخطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ، إِذْ لَيْسَ فِي النَّصِّ تَعيِينُ اليَمِينِ، وَالخَطَأُ فِي الاجْتِهَادِ مَوضُوعٌ وَلَهُمَا: أَنَّهُ قَطَعَ طَرَفا مَعصُومًا بِغَيْرِ حَقٌّ وَلَا تَأْوِيل،
قوله: (فلا شيء عليه)؛ أي على الحدّاد عند أبي حنيفة، وبه قال أحمد سواء قطعه عمدًا أو خطأ، ولكن يؤدب الحداد.
وعند أبي يوسف ومحمد: يضمن في العمد أرش اليسار.
وعند زفر: يضمن الأرش في الخطأ أيضًا.
وعند الشافعي: لو قطع الحداد عمدًا وجب القصاص عليه وبه قال مالك؛ لأنه قطع بغير حق فوجب عليه القود.
ولو قال: أخطأت وظننت أنها اليمنى أو أن اليسار فعليه الدية؛ لأن الخطأ غير موضوع في حق العباد فيضمنها، ولو بادر وقطع اليمني أو رجلاً بغير إذن الإمام فلا شيء عليه بالإجماع؛ لأنه سقطت قيمة يده بقضاء الإمام عليه بالقطع، والقاطع يقطع يدًا لا قيمة لها فلا شيء عليه، ولكن يؤدبه الإمام على ذلك؛ لأنه أساء الأدب حيث قطع بغير إذن الإمام كذا في المبسوط (١).
قوله: (والمراد هنا (الخطأ في الاجتهاد)؛ أي من الخطأ الذي لا شيء عليه في الخطا في الاجتهاد، أما إذا كان الخطأ في معرفة اليمين واليسار)؛ فلا يكون ذلك عذرا ويجب الضمان.
قوله: (والخطأ في الاجتهاد موضوع)؛ أي معفو شرعا، قال تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً﴾ الآية [الحشر: ٥].
قوله: (بغير حق)؛ لأن الحق في اليمنى، وهو أيضًا لم يقطع يسار أحد
стр. 4030
لِأَنَّهُ تَعَمَّدَ الظُّلَمَ فَلَا يُعفَى وَإِنْ كَانَ فِي المُجتَهَدَاتِ، وَكَانَ يَنبَغِي أَنْ يَجِبَ القِصَاصُ، إِلَّا أَنَّهُ امْتَنَعَ لِلشُّبَهَةِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ لَهُ: أَنَّهُ أَتْلَفَ وَأَخْلَفَ مِنْ
ليكون حق قطع اليسار قصاصا ولا تأويل لم يجمعا؛ لأن الكلام فيما إذا تعمد قطع اليسار فلا يعفى كما لو قطع رجله أو أنفه، وإن كان في المجتهدات يعني من حيث ظاهر النص لم يعتمد الظلم من حيث الإجماع، والمخطئ في المجتهد لا يعذر إذا أخطأ فيما كان الدليل ظاهرا كالحكم بحل متروك التسمية عامدا؛ فينبغي أن يجب القصاص إلا أنه امتنع للشبهة، وهي ظاهر قوله تعالى: ﴿فَأَقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، والقصاص لا يثبت بالشبهة بخلاف ضمان المال.
قوله: (أَخْلَفَ … ) إلى آخره يعني لما قطعت يساره سلم له يمينه؛ لأنه لا يقطع بعد، وبه قال أحمد والشافعي في الأصح. وقال مالك والشافعي في قول: يقطع؛ لأنه وجب قطعها فلا تسقط بالجناية على غيرها.
فإن قيل: اليمنى لم تحصل له بسبب القطع بل كان حاصلا له قبله والإتلاف بخلف إنما لا يوجب الضمان إذا حصل الخلف بسبب حصل له الإتلاف كما في مسألة الشهادة ونقصان الولادة، أما إذا حصل الخلف بسبب آخر يضمن.
قلنا: اليمنى من حيث الاعتبار حصل له بقطع اليسرى [لأنها صارت] (١) على شرف الزوال فهي كالفانية من حيث الاعتبار، ولا يلزم ما إذا جدع أنفه؛ لأنه ما أخلف عما أتلف إذ يمناه ثم تقطع.
فإن قيل: لو قطع رجله اليمنى يضمن وقد أتلف وأخلف عوضاً وهو اليمنى إذ لا يقطع حينئذ.
قلنا: لا رواية فيه فيمنع ولئن سلمنا فالتالف ليس من جنس الباقي.
قوله: (وعلى هذا) أي على تعليل أبي حنيفة، وهو أنه (أتلف وأخلف من
стр. 4031
جِنسِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ فَلَا يُعَدُّ إِتلَافًا، كَمَنْ شَهِدَ عَلَى غَيْرِهِ بِبَيعِ مَالِهِ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ ثُمَّ رَجَعَ، وَعَلَى هَذَا لَو قَطَعَهُ غَيْرُ الحَدَّادِ لَا يَضِمَنُ أَيضا هُوَ الصَّحِيحُ.
وَلَو أَخْرَجَ السَّارِقُ يَسَارَهُ وَقَالَ: هَذِهِ يَمِينِي لَا يَضمَنُ بِالاتِّفَاقِ، لِأَنَّ قَطعَهُ بِأَمْرِهِ. ثُمَّ فِي العَمْدِ عِندَهُ عَلَيْهِ ضَمَانُ المَالِ، لِأَنَّهُ لَم يَقَع حَدًّا. وَفِي الخَطَأَ كَذَلِكَ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وَعَلَى طَرِيقَةِ الاِجْتِهَادِ لَا يَضمَنُ وَلَا يُقْطَعُ السَّارِقُ إِلَّا أَنْ يَحْضُرَ المَسْرُوقُ مِنْهُ فَيُطَالِبُ بِالسَّرِقَةِ لِأَنَّ الخُصُومَةَ شَرطٌ لِظُهُورِهَا، وَلَا فَرقَ بَينَ
جنسه خيرا منه (لو قطعه)؛ أي يسار السارق غير الحداد لا يضمن أيضًا؛ لأنه أتلف وأخلف خيرا منه؛ لأن يمناه لا تقطع بعد ذلك سواء قطع يساره الحداد أو غيره بعد القضاء، ذكره فخر الإسلام في جامعه.
قوله: (وهو الصحيح)؛ احتراز عما ذكره في شرح الطحاوي قال: تعليل أبي حنيفة ثم قال: وهذا كله إذا قطع الحدّاد بأمر السلطان، ولو قطع يساره غيره ففي العمد القصاص وفي الخطأ الدية، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وسقط القطع عنه في اليمين؛ لأنه لو قطع يؤدي إلى الاستهلاك، وقد بينا الخلاف في سقوط القطع عنه.
قوله: (لأنه)؛ أي الحداد قطع يساره (بأمره)؛ أي بأمر السارق فلا يضمن كما لو قطع يد غيره بأمره من غير أن تكون يده مستحقة للقطع بالسرقة؛ فهذا أولى.
(ثم في العمد عنده)؛ أي عند أبي حنيفة (عليه)؛ أي على السارق (ضمان المال) المسروق (لأنه)؛ أي قطع يساره لم يقطع حدا.
قوله: (وفي الخطأ كذلك على هذه الطريقة)، وهو (أنه أتلف وأخلف) خيرا إلى آخره؛ لأنه لم يقع موقع الحد، والقطع حدا مع الضمان لا يجتمعان عندنا، وإنما خص أبا حنيفة، ثم في العمد عنده عليه ضمان المال مع أن عندهما أيضًا كذلك؛ لأنه لم يقع حدا عندهما أيضًا؛ لما أن شبهة عدم وجوب الضمان على السارق، إنما ترد على مذهبه؛ لأنه يقول بعدم وجوب الحد؛ فيظن ظانّ أن القطع وجب حدا استدلالا بعدم وجوب الضمان.
قوله: (لأن الخصومة شرط لظهورها)؛ أي ظهور السرقة وبه قال الشافعي وأحمد.
стр. 4032
الشَّهَادَةِ وَالإِقْرَارِ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِي فِي الإِقرَارِ، لِأَنَّ الجِنَايَةَ عَلَى مَالِ الغَيرِ لَا تَظْهَرُ إِلَّا بِخُصُومَتِهِ، (وَكَذَا إِذَا غَابَ عِنْدَ القَطعِ عِنْدَنَا)، لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ مِنْ القَضَاءِ فِي بَابِ الحُدُودِ (وَلِلمُستَودَعِ وَالغَاصِبِ وَصَاحِبِ الرِّبَا أَنْ يَقْطَعُوا السَّارِقَ مِنْهُم) وَلِرَبِّ الوَدِيعَةِ أَنْ يَقطَعَهُ أَيضًا، وَكَذَا المَعْصُوبُ مِنْهُ.
وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يُقطَعُ بِخُصُومَةِ الغَاصِبِ وَالمُستَودَعِ، وَعَلَى هَذَا
وقال مالك وأبو ثور وابن المنذر وابن أبي ليلى وأبو بكر الحنبلي: لا تشترط المطالبة لظهورها؛ لعموم الآية كما في حد الزنا؛ لأن القطع حق الله تعالى كالزنا.
وقلنا: السرقة جناية على ملك الغير بغير إذنه، ولن تثبت الجناية إلا بمطالبته، وذلك أن بالمطالبة تظهر عدم الإباحة؛ إذ لو [لم] (١) يحضر تمكنت فيه شبهة الإباحة بإباحة مالكه، أو وقفه على المسلمين، أو على طائفة السارق منهم إذا أذن له في دخول حرزه؛ فاعتبرت المطالبة دفعا لهذه الشبهة.
أما الزنا لا يباح بالإباحة فلا تتمكن فيه الشبهة، وعلى هذا الخلاف لو غاب المالك عند القطع لم يقطع حتى يحضر، وبه قال الشافعي وأحمد (خلافًا) لهم؛ لأن الإمضاء من باب القضاء في الحدود.
قوله: (خلافًا للشافعي في الإقرار)، وهذا وجه في قوله، والأصح عندنا أن الإقرار كالبينة.
ثم لما ثبت أن المطالبة شرط فشرع في بيان أن مطالبة نائب المالك كمطالبته فقال: (وللمستودع) بفتح الدال؛ أي الذي عنده الوديعة.
قوله: (وصاحب الربا) وفي المحيط وجامع الصدر الشهيد: يحتمل أنه أراد به: رجل باع عشرة بعشرين، وقبض العشرين فسرق العشرون منه يقطع السارق بخصومته عند علمائنا الثلاثة؛ لأن هذا المال في يده بمنزلة المغصوب فالجواب فيه كالجواب في المغصوب، ولم يذكر العاقد الآخر من عاقدي الربا؛ لما أنه بالتسليم لم يبق له ملك ولا يد، فلا يكون له ولاية الخصومة.
стр. 4033
الخِلَافُ المُستَعِيرُ وَالمُستَأجِرُ وَالمُضَارِبُ وَالمُستَبضِعُ وَالقَابِضُ عَلَى سَومِ الشِّرَاءِ وَالمُرْتَهِنُ، وَكُلُّ مَنْ لَهُ يَدٌ حَافِظَةٌ سِوَى المَالِكِ، وَيُقطَعُ بِخُصُومَةِ المَالِكِ فِي السَّرِقَةِ مِنْ هَؤُلَاءِ، إِلَّا أَنَّ الرَّاهِنَ إِنَّمَا يُقطَعُ بِخُصُومَتِهِ حَالَ قِيَامِ الرَّهِنِ بَعدَ قَضَاءِ الدِّينِ، لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي المُطَالَبَةِ بِالعَينِ بِدُونِهِ. وَالشَّافِعِيُّ بَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ: أَنْ لَا خُصُومَةً لِهَؤُلَاءِ فِي الاسْتِردَادِ عِندَهُ. وَزُفَرُ يَقُولُ: وِلَايَةُ الخُصُومَةِ فِي حَقِّ الاسْتِردَادِ ضَرُورَةُ
و (المستبضع) - بفتح الضاد - يستعمل وإن كان الصواب كسر الضاد.
قوله: (وَكُلُّ مَنْ لَهُ يَدٌ حَافِظَةٌ سِوَى الْمَالِكِ)، كمتولي الوقف والأب والوصي فيقطع السراق منهم.
قوله: (قبل قضاء الدين أو بعده) والصحيح من النسخ: (بعد قضاء الدين) بدون (قبل) لما أنه ذكر في المحيط والإيضاح (١): لو سرق من المرتهن له أن يقطعه لا للراهن؛ لأنه لا سبيل للراهن على أخذ الرهن. ثم قال: وإن قضى الدين فله أن يقطعه؛ لأن له أن يأخذ الرهن حينئذ، وقد نقل عن ابن المصنف أنه قال: كان في نسخة المصنف بعد القضاء.
وقيل: يمكن أن يكون هذا جواب القياس؛ يعني للمالك أن يسترده إلى الرهن كالمودع أن يسترده للحفظ؛ فلا يكون أدنى حالاً منه.
وقيد بقوله: (حال قيام الرهن)؛ لأنه إذا كان الرهن مستهلكا؛ فالولاية على القطع للمرتهن لا للراهن؛ لأنه قد بطل عنه الدين.
(لأنه لا مطالبة له)؛ أي للراهن (في العين) بدون قيامه؛ أي قيام الرهن على الرواية التي قبل القضاء أو بعده، وعلى رواية الصحيح بدونه أو بدون قضاء الدين.
قوله: (فالشافعي بناه على أصله) وهو أن (لا) حق في (خصومة لهؤلاء) عند جحود من في يده ما لم يحضر المالك؛ لأن المطلوب منهم الحفظ دون الخصومة.
ألا ترى أنهم لا يملكون الخصومة في الدعوى عليهم إبقاء لليد؛ فَلَأَنْ لا
стр. 4034
الحفظ، فَلَا تَظْهَرُ فِي حَقِّ القَطعِ، لِأَنَّ فِيهِ تَفوِيتَ الصِّيَانَةِ. وَلَنَا: أَنَّ السَّرِقَةَ مُوجِبَةٌ لِلقَطْعِ فِي نَفْسِهَا، وَقَدْ ظَهَرَت عِنْدَ القَاضِي بِحُجَّة شَرعِيَّة، وَهِيَ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ عَقِيبَ
يملكون الخصومة في الدعوى منهم إعادة لليد أولى، ولكن قال في الوجيز (١): يقطع بالسرقة من يد المودع والوكيل والمرتهن.
ولهذا قال في شرح المجمع: وتركت الخلاف المذكور في المنظومة، في أنه لا يقطع بالسرقة من يد المودع.
وقال مالك: يقطع بالسرقة من يد المودع والوكيل والمرتهن والمستعير، وزفر يقول: ولايتهم لأجل الحفظ فيظهر في حق الحفظ ولا يظهر في القطع؛ لأن ولايتهم بحكم النيابة والنيابة فيما فيه صيانة المال لا فيما فيه تفويت الصيانة؛ لأن القطع يسقط عصمة المال فيبطل حق المالك؛ فيعود على موضعه بالنقص فلم يقطع بخصومتهم.
ولنا: (أن السرقة موجبة للقطع … ) إلى آخره، وهذا لأن خصومتهم معتبرة؛ لأن لهم ولاية الحفظ، وذا لا يتأتى إلا بإعادة اليد، وذا لا يتأتى إلا بالخصومة فكان لهم حق الخصومة بإعادة اليد ولا اليد مقصودة كالملك؛ بل الملك بمنزلة الوسيلة إلى الوسيلة وقد أزيلت فلهم الإعادة، ولهذا لأن صاحب اليد كان أمينا لا يتمكن من أداء الأمانة إلا بيده، وإن كان ضمينا فلا يتمكن من إسقاط الضمان عن نفسه إلا بيده، وكان صاحب اليد يخاصم باعتبار حقه لا باعتبار ملك الغير.
ألا ترى أنه يستغني عن إضافة الخصومة إلى غيره ويقول: سرق مني وأزال يدي، وقصده إحياء حق المالك وحق نفسه.
فإن قيل: في صورة الإقرار لا يقطع بحضور المالك مع ظهور السرقة بإحدى الحجتين وقد مر، وكذا لو أقام وكيل المالك بينة على السرقة لا يقطع بخصومته عندنا خلافا للشافعي، وإن ظهرت السرقة بحجة شرعية لتوهم الشبهة حال غيبة المالك وتوهم الشبهة موجود في هذه الصورة مع أنه يقطع.
стр. 4035
خُصُومَة مُعتَبَرَة مُطلَقًا، إذ الاعتِبَارُ لِحَاجَتِهِم إِلَى الاسْتِردَادِ فَيَستَوفِي القَطع.
وَالمَقْصُودُ مِنْ الخُصُومَةِ إِحيَاءُ حَقِّهِ وَسُقُوطُ العِصمَةِ ضَرُورَةُ الاسْتِيفَاءِ فَلَم يُعتَبَر، وَلَا مُعتَبَرَ بِشُبَهَةٍ مَوهُومَةِ الاعْتِرَاضِ كَمَا إِذَا حَضَرَ المَالِكُ وَغَابَ المُؤتَمَنُ،
قلنا: جوابه أن المستعير والمستأجر وغيرهما أصحاب يد صحيحة كما ذكرنا، فكانوا كالمالك في حق اليد لما ذكرنا أن اليد مقصودة فكان كل منهم يخاصم باعتبار حقه بخلاف الوكيل، فإنه لا يستغني عن إضافة الخصومة إلى غيره، ولا يخاصم [باعتبار] (١) حقه، وفي فصل الإقرار شبهة زائدة، وهي جواز أن يرد المالك إقراره فيبقى المال مملوكا له فكان استيفاء القطع بدون حضوره استيفاء الحد مع الشبهة.
قوله: (وسقوط الْعِصْمَةِ … ) إلى آخر جواب تعليل زفر يعني هؤلاء بالخصومة قصدوا إحياء حق المالك لا إسقاط حقه، ولكن سقوط الضمان من ضرورة استيفاء القطع حقا الله تعالى فلا يصير المودع مسقطا للضمان.
ألا ترى أن الأب والوصي لا يملكان إبطال حق الصغير؛ لأن ولايتهما نظرية ويخاصمان في السرقة، ويجب القطع ويجب الضمان بالطريق الذي ذكرنا كذا هنا كذا في المبسوط (٢).
ولأن في استيفاء القطع بخصومته معنى الحفظ بطريق الزجر؛ لأن السارق إذا علم أنه يقطع بخصومته، امتنع من سرقة الوديعة حال غيبة المالك كذا في جامع المحبوبي.
قوله: (ولا معتبر بشبهة) يتوهم وجودها في الحال لا ما يتوهم اعتراضها في المآل فالقطع يستوفي بالإقرار، وإن توهم اعتراض رجوع المقر، وكذا لو حضر المالك وغاب المؤتمن يستوفى، وإن توهم أن يحضر المودع كالقصاص، فيقر أنه كان ضيفًا عنده أو إذنه في دخول الحرز.
فإن قيل: القطع عقوبة تسقط بالشبهة فلا تجب بخصومة المودع كالقصاص.
قلنا: القطع يجب حقا الله تعالى إجماعاً، وإنما شرطت الخصومة؛ لبيان أن
стр. 4036
فَإِنَّهُ يُقْطَعُ بِخُصُومَتِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَإِنْ كَانَتْ شُبَهَةُ الإِذْنِ فِي دُخُولِ الحِرزِ ثَابِتَة (وَإِنْ قُطِعَ سَارِقٌ بِسَرِقَة فَسُرِقَت مِنهُ لَم يَكُنْ لَهُ وَلَا لِرَبِّ السَّرِقَةِ أَنْ يَقْطَعَ السَّارِقَ
المال ليس للسارق لكن لغيره، ونحو المودع يملك هذه الخصومة؛ لما بينا فيقطع لثبوت شرطه بخلاف القصاص؛ لأنه حق العبد، والمودع قام مقام المالك في إعادة يده كانت حقا له في الوديعة، وليس في استيفاء القود إعادة اليد على الوديعة؛ بل هو تصرف آخر وهو الإتلاف ولم يثبت إليه أشار في المبسوط (١).
قوله: (في ظاهر الرواية) قيد به عما روى ابن سماعة عن محمد أنه قال: ليس للمالك أن يقطعه حال غيبة المودع هكذا ذكر في المنتقى لما ذكرنا من الشبهة.
قوله: (فَسُرِقَتْ مِنْهُ)؛ أي من السارق لم يقطع السارق الثاني وبه قال أحمد والشافعي في قول.
وقال مالك والشافعي في قول: يقطع بدعوى المالك؛ لأنه سرق نصابا من حرز مثله لا شبهة فيه سواء قطع السارق الأول أو لا. وذكر أصحاب الشافعي الخصم في قطع هذا السارق المالك لا السارق، والغاصب.
قال صاحب الحلية (٢): وعندي أن كل واحد من المالك والسارق والغاصب هو خصم.
وقلنا: إن المال غير متقوم في حق السارق؛ لعدم وجوب الضمان عليه ولا في حق المالك أيضًا لعدم وجوب الضمان له، فَيَدُ السارق الأول ليست بيد ضمان ولا يد أمانة ولا يد ملك، ولهذا لا يكون له حق الخصومة في الاسترداد لحاجته؛ لأن الرد واجب عليه، وهذا عندنا إذا قطع الأول فإن لم تقطع يد الأول تقطع بخصومته؛ لأنه كالغاصب إذا لم يسقط يقوم المال لأن سقوطه ضرورة القطع ولم يوجد ولا فرق عند أحمد بين القطع وعدمه؛ لأن يد السارق على المال، لا يد أمانة ولا يد ملك فأشبه ما لو وجده ضائعا.
стр. 4037
الثَّانِي) لِأَنَّ المَالَ غَيْرُ مُتَقَوِّم فِي حَقِّ السَّارِقِ حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ بِالهَلَاكِ فَلَم تَنعَقِد مُوجِبَةٍ فِي نَفْسِهَا، وَلِلأَوَّلِ وِلَايَةُ الخُصُومَةِ فِي الاستِردَادِ فِي رِوَايَة لِحَاجَتِهِ، إِذْ الرَّدُّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ (وَلَو سَرَقَ الثَّانِي قَبلَ أَنْ يُقطَعَ الأَوَّلُ، أَوْ بَعدَ مَا دُرِئَ الحَدُّ بِشُبهة يُقطَعُ بِخُصُومَةِ الأَوَّلِ) لِأَنَّ سُقُوطَ التَّقَوُّمِ ضَرُورَةُ القَطْعِ وَلَمْ يُوجَد فَصَارَ كَالغَاصِبِ (وَمَنْ سَرَقَ سَرِقَة فَرَدَّهَا عَلَى المَالِكِ قَبلَ الارتفاعِ إِلَى الحَاكِمِ لَم يُقطع) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يُقْطَعُ اعْتِبَارًا بِمَا إِذَا رَدَّهُ بَعدَ المُرَافَعَةِ. وَجهُ الظَّاهِرِ: أَنَّ الخُصُومَةَ شَرط لِظُهُورِ السَّرِقَةِ، لِأَنَّ البَيِّنَةَ إِنَّمَا جُعِلَت حُجَّةَ ضَرُورَةِ قَطْعِ المُنَازَعَةِ وَقَدْ انقَطَعَت الخُصُومَةُ، بِخِلَافِ مَا بَعدَ المُرَافَعَةِ لِاِنتِهَاءِ الخُصُومَةِ لِحُصُولِ مَقْصُودِهَا فَتَبقَى تَقْدِيرًا
قوله: (لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ)، وفي النهاية (١): وفي بعض النسخ بالواو، (ولأن البينة)، ولكن نسخة شيخي بلا واو، وهو الأصح؛ لأن ذلك تقرير للأول فإن الخصومة شرط لظهور السرقة، لا أن الخصومة للحد.
يؤيده ما ذكر في المحيط: أن القطع وإن كان حق الله على الخلوص إلا أن ثبوته في ضمن ثبوت حق العبد في المسروق، ولهذا لو شهدا بالسرقة والمشهود له ينكر السرقة لا يقطع؛ لما أن القطع في ضمن حق العبد، ولم يثبت؛ لأن ثبوته بالبينة بناء على خصومة صحيحة، وخصومة المسروق منه لا تثبت؛ لوصول المسروق إليه؛ فلا يثبت القطع الذي في ضمنه وإنما يدعي القطع بعد ذلك، وهو أجنبي عنه، ولا قطع بدعوى الأجنبي فكذا بدعواه.
قوله: (بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْمُرَافَعَةِ)، يعني لوردوها بعد سماع البينة والقضاء تقطع استحسانا لظهور السرقة عند القاضي بالشهادة بعد (خصومة معتبرة)، ورد المال للخصومة فالمقصود بالخصومة استرداد المال والمنتهي يكون مقررا في نفسه؛ فكانت خصومة قائمة باعتبار قيام يده على المال تقديرًا. إليه أشار في الإيضاح، والمبسوط (٢) والمحيط.
ولو رده على ولده أو ذي رحم إن لم يكن في عيال المالك يقطع؛ لعدم
стр. 4038
(وَإِذَا قُضِيَ عَلَى رَجُل بِالقَطعِ فِي سَرِقَة فَوُهِبَت لَهُ لَم يُقطَع) مَعْنَاهُ: إِذَا سُلِّمَت إِلَيْهِ (وَكَذَلِكَ إِذَا بَاعَهَا المَالِكُ إِيَّاهُ) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: يُقْطَعُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، لِأَنَّ السَّرِقَةَ قَدْ تَمَّت انعِقَادًا وَظُهُورًا، وَبِهَذَا العَارِضِ لَم يَتَبَيَّن قِيَامُ المِلكِ وَقتَ السَّرِقَةِ فَلَا شُبَهَةَ.
الوصول إليه حقيقة وحكمًا، ولهذا يضمن المودع والمستعير بالدفع إليه، وإن كان في عياله لا يقطع؛ لأن يد من في عياله كيده حكما، ولهذا لا يضمن المودع والمستعير بالدفع إليه، وكذا لو رده على امرأته أو عبده أو أجيره مشاهرة أو مشابهة.
ولو دفع إلى والده أو جده أو والدته أو جدته، وليسوا في عياله لا يقطع؛ لأن لهؤلاء شبهة الملك في ماله بالنص فتثبت شبهة الرد وشبهة الرد كالرد، ولو دفع إلى عيال هؤلاء يقطع؛ لأنه شبهة الشبهة وهي غير معتبرة، ولو دفع إلى مكاتبه لا يقطع؛ لأنه عبده، ولو سرق من المكاتب ورد إلى سيده لا يقطع، ولو سرق من العيال ورده إلى من يعولهم لا يقطع؛ لأن يده عليهم فوق أيديهم في ماله.
قوله: (وهو قول زفر والشافعي)، وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف في رواية، وبهذا العارض وهو ثبوت الملك بالهبة والشراء.
(لم يتبين قيام الملك وقت السرقة)؛ لأن الهبة والشراء يوجب ملكا حادثا فلا يمتنع به الاستيفاء كالرد على المالك، وهذا احتراز عما أقر به المالك أن المسروق للسارق.
والدليل على أن الملك الحادث لا يمنع القطع، ما روى الزهري أن صفوان بن أمية نام في المسجد وتوسد رداءه فسرق من تحت رأسه فجيء بالسارق إلى النبي ﷺ فأمر بقطعه فقال صفوان: يا رسول الله لم أرد هذا ردائي عليه صدقة فقال ﵇: «فهلا قبل أن تأتيني به»، رواه أبو داود، وابن ماجه (١)؛ فعلم أن الهبة بعد القضاء لا تمنع القطع، ولأن اعتبار العقوبة في
стр. 4039
وَلَنَا: أَنَّ الإِمْضَاءَ مِنْ القَضَاءِ فِي هَذَا البَابِ لِوُقُوعِ الاستِعْنَاءِ عَنهُ بِالاسْتِيفَاءِ، إذ القَضَاءُ لِلإِظْهَارِ وَالقَطْعُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ ظَاهِرٌ عِندَهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يُشْتَرَطُ قِيَامُ الخُصُومَةِ عِنْدَ الاسْتِيفَاءِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا مَلَكَهَا مِنْهُ قَبْلَ القَضَاءِ.
قَالَ: (وَكَذَا إِذَا نَقَصَت قِيمَتُهَا مِنْ النِّصَابِ) يَعنِي: قَبلَ الِاسْتِيفَاءِ بَعدَ القَضَاءِ. وَعَنْ مُحَمَّد: أَنَّهُ يُقْطَعُ وَهُوَ قَولُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ، اعتبارًا بِالنُّقْصَانِ فِي العَينِ، وَلَنَا: أَنَّ كَمَالَ النِّصَابِ لَمَّا كَانَ شَرحًا يُشْتَرَطُ قِيَامُهُ
الجناية حالة الجناية، كما لو زنى بجارية ثم ملكها أو بامرأة ثم تزوجها لم يسقط الحد.
(ولنا: أن الإمضاء من القضاء في هذا الباب)؛ أي باب الحدود. (لوقوع الاستغناء عنه)؛ أي عن القضاء وقد بيناه في حد الزنا.
وقد اعترض ما يوجب فقد شرطه عند ذلك وهو الخصومة فامتنع الإمضاء كما امتنع القضاء بخلاف رد المال؛ لأنه يؤكد الخصومة وينهيها، والمنتهي في حكم المتقرر فتبقى الخصومة تقديرا، فأما الهبة فتقطع الخصومة؛ لأنه ما كان يخاصم ليهب منه.
وثمة إنما خاصمه ليرد عليه، وما يفوت مقصود الشيء لا يكون منهيا له، وبخلاف الزنا؛ فإن وجوب الحد باعتبار ما استوفى من العين وذلك المستوفى متلاش، وهاهنا القطع باعتبار العين وملكه حدث في العين وهو باق.
وأما الحديث يحتمل أن يكون ذلك سياسة، ويحتمل أن قوله: لا صدقة عليه بعد الدفع إليه في ذلك، لا يكون ملكا له قبل القبض.
قوله: (وَكَذَا إن انتقصت قِيمَتُهَا)؛ أي نقصت من حيث السعر فإنه ذكر في المحيط: لو كان نقصان القيمة لنقصان في العين يقطع، وإن كان النقصان في السعر؛ لا يقطع في ظاهر الرواية.
(وعن محمد: يقطع) وبه قال زفر والشافعي ومالك وأحمد؛ قياسا على النقصان من حيث العين، سواء كان النقصان في العين سماويا أو بفعل السارق.
قوله: (يشترط قيامه) أي: قيام النصاب عند الإمضاء.
стр. 4040
عِنْدَ الإِمْضَاءِ لِمَا ذَكَرنَا، بِخِلَافِ النُّقصَانِ فِي العَينِ لِأَنَّهُ مَضمُونٌ عَلَيْهِ فَكَمُلَ النِّصَابُ عَيْنًا وَدَيْنًا، كَمَا إِذَا اسْتُهْلِكَ كُلُّهُ، أَمَّا نُقصَانُ السِّعِرِ فَغَيْرُ مَضمُون فَافْتَرَقَا.
(وَإِذَا ادَّعَى السَّارِقُ أَنَّ العَينَ المَسرُوقَةَ مِلكُهُ، سَقَطَ القَطْعُ عَنْهُ وَإِنْ لَم يُقِم بَيِّنَة) مَعْنَاهُ: بَعدَمَا شَهِدَ الشَّاهِدَانِ بِالسَّرِقَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ الدعوى، لِأَنَّهُ لَا يَعْجِزُ عَنْهُ سَارِقٌ فَيُؤَدِّي إِلَى سَدِّ بَابِ الحَدٌ. وَلَنَا: أَنَّ
(لما ذكرنا أن الإمضاء من القضاء) فكان النقصان المعترض قبل الإمضاء بدليل عمى الشهود والخرس والردة والفسق بخلاف النقصان في العين؛ لأن ما نقص في العين مضمون على السارق، والضمان قائم مقام المضمون؛ فصار كالعين قائم من كل وجه وصار كاستهلاك كله، (أما نقصان السعر غير مضمون على السارق)؛ لأنه يكون بفتور الرغبات، وذا لا يكون مضمونًا على أحد؛ فلم تكن العين قائمة حقيقة ومعنى؛ فلم يقطع.
قوله: (عَيْنًا وَدَيْنَا)؛ أي جميعا بعض عين، وبعضه دين في ذمة السارق.
قوله: (مَعْنَاهُ بَعْدَمَا شَهِدَ الشَّاهِدَانِ)، إنما قال ذلك؛ لأنه لو أقر بالسرقة ثم رجع وقال: ما سرقت ولكن المسروق ملكي لا يقطع بالإجماع.
وقال الشافعي: لا يسقط بمجرد الدعوى.
وفي المغني لابن قدامة (١): في كتب أصحاب الشافعي يحلف المسروق منه؛ فإن نكل لا قطع عليه بالإجماع، وإن حلف لا يقطع أيضًا وهو نص الشافعي.
وقال بعض أصحابه فيه وجهان: قيل: يقطع وبه قال أحمد في رواية؛ لأن سقوط القطع بمجرد دعواه، يؤدي إلى سد باب القطع؛ إذ كل سارق لا يعجز عن هذا.
وعن أحمد رواية أخرى؛ أنه إن كان السارق معروفا بالسرقة قطع؛ لأنه يعلم كذبه بدلالة الحال، وأولى الروايات أنه لا يقطع بكل حال؛ لأن الحد يدرأ بالشبهات وهي احتمال صدقه انتهى كلامه.
стр. 4041
الشُّبَهَةَ دَارِئَةٌ وَتَتَحَقَّقُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى لِلِاحْتِمَالِ، وَلَا مُعتَبَرَ بِمَا قَالَ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الرُّجُوعِ بَعدَ الإِقْرَارِ (وَإِذَا أَقَرَّ رَجُلَانِ بِسَرِقَة، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا: هُوَ مَالِي، لَم يُقطَعَا) لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَامِلٌ فِي حَقِّ الرَّاجِعِ وَمُورِثٌ لِلشَّبْهَةِ فِي حَقِّ الْآخَرِ، لِأَنَّ السَّرِقَةَ تَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِمَا عَلَى الشَّرِكَةِ فَإِنْ سَرَقَا ثُمَّ غَابَ أَحَدُهُمَا وَشَهِدَ الشَّاهِدَانِ عَلَى سَرِقَتِهِمَا قُطِعَ الْآخَرُ فِي قَولِ أَبِي حَنِيفَةَ الْآخَرِ، وَهُوَ قَولُهُمَا وَكَانَ يَقُولُ أَوَّلًا: لَا يُقْطَعُ، لِأَنَّهُ لَو حَضَرَ رُبَّمَا يَدَّعِي الشَّبْهَةَ.
وَجْهُ قَولِهِ الآخَرِ: أَنَّ الغَيْبَةَ تَمْنَعُ ثُبُوتَ السَّرِقَةِ عَلَى الغَائِبِ، فَيَبْقَى مَعْدُومًا وَالمَعدُومُ لَا يُورِثُ الشُّبَهَةَ وَلَا مُعتَبَرَ بِتَوَهُمِ حُدُوثِ الشُّبَهَةِ عَلَى مَا مَرَّ (وَإِذَا أَقَرَّ
(للاحتمال)؛ أي احتمال صدقه، (ولا معتبر بما قاله الخصم)، وهو أنه لا يعجز عنه سارق بدليل صحة الرجوع بعد الإقرار؛ فإنه يدرأ عنه، مع أن ما من مقر إلا ويتمكن من الرجوع، وصار احتمال الرجوع (شبهة دارئة) ولا ينسد باب الحد فكذا هاهنا مع أنه لا يفضي إلى ذلك عادة فكان أكثر السراق لا يعلمون هذا ولا يهتدون، وإنما يختص بعلم هذا الفقهاء الذين لا يسرقون غالبا، وسمى الشافعي ذلك السارق ظريفا.
قوله: (لم يُقطعا سواء ادعى قبل القضاء أو بعده قبل الإمضاء. وعند الأئمة الثلاثة: لم تعتبر دعواه بعد القضاء، كما لو رجع أحدهما عنها لا يسقط في حق الآخر.
قوله: (ومورث للشبهة في حق الآخر)؛ أي الشريك الآخر لاتحاد السرقة.
قوله: (وكان يقول)؛ أي أبو حنيفة (يقول أولا: لا يقطع)، وكذا في الإقرار بأن أقر بالسرقة مع فلان الغائب لم يقطع في قوله الأول وهو قول زفر، ويقطع في قوله الآخر وهو قولهما وبه قالت الأئمة الثلاثة.
قوله: (لأنه)؛ أي الغائب لو حضر ربما يدعي الشبهة)؛ فصار كقصاص بين اثنين حاضر وغائب، ليس للحاضر أن يستوفيه؛ لاحتمال عفو الغائب فكذا هذا.
قوله: (فلا معتبر بتوهم حدوث الشبهة)؛ لأنه لو اعتبر يلزم اعتبار شبهة الشبهة، وهي منحطة من حين الاعتبار.
стр. 4042
العَبدُ المَحْجُورُ عَلَيْهِ بِسَرِقَةِ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ بِعَيْنِهَا، فَإِنَّهُ يُقطَعُ، وَتُرَدُّ السَّرِقَةُ إِلَى المَسْرُوقِ مِنهُ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُقْطَعُ وَالعَشَرَةُ لِلمَولَى. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يُقْطَعُ وَالعَشَرَةُ لِلمَولَى وَهُوَ قَولُ زُفَرَ (*). وَمَعْنَاهُ: إِذَا كَذَّبَهُ المَولَى (وَلَو أَقَرَّ بِسَرِقَةِ مَالَ مُستَهلَكَ قُطِعَت يَدُهُ، وَلَو كَانَ العَبدُ مَأْذُونَا لَهُ
قوله: (على ما مر)؛ إشارة إلى قوله: (ولا معتبر لشبهة موهومة الاعتراض … .) إلى آخره بخلاف القصاص فالشبهة هناك تَوَهُم عفو موجود من الغائب في الحال، ثم إذا جاء الغائب لم يقطع بالشهادة الأولى حتى تعاد تلك البينة أو غيرها؛ فحينئذ يقطع لأن تلك البينة في حق الغائب غير معتبرة؛ لأنها قامت بغير خصم؛ إذ الحاضر لا ينتصب خصما عنه إما؛ لأن النيابة لا تجزئ في الخصومة في الحدود أو لأنه ليس من ضرورة ثبوت السرقة على الحاضر ثبوتها على الغائب كذا في المبسوط (١).
قوله: (وَإِذَا أَقَرَّ الْعَبْدُ الْمَحْجُورُ … ) إلى آخره.
وفي الكافي (٢): المسألة على وجوه؛ لأن العبد لا يخلو إما إن كان مأذونا أو محجورا، والمال قائم في يده أو هالك؛ فإن كان مأذونا يصح إقراره في حق القطع، والمال فيقطع ويرد المال على المسروق منه بالإجماع، وإن كذبه وقال: المال مالي.
قال أبو حنيفة: يقطع، والمال للمسروق منه.
وقال أبو يوسف: يقطع والمال للسيد وبه قال الشافعي في الأصح ومالك وأحمد.
وقال محمد: لا يقطع والمال للسيد. وقال زفر: لا يقطع في الوجوه كلها، والمال للمسروق منه إن كان مأذونا، وللمولى إن كان محجورا.
للشافعي أقوال: قول كما قال أبو يوسف كما ذكرنا، وفي قول كما قال أبو حنيفة، وفي قول: إن كان المال باقيا في يد العبد قبل إقراره
стр. 4043
يُقطَعُ فِي الوَجهين)
في حق المال أيضًا، وإن كان المال تالفا لم يقبل إقراره في حق المال أيضًا، وإن كان بالغا.
وقيد في الكتاب: بكون العبد محجورًا، والدراهم بعينها؛ فإنهم أجمعوا على أنه لو كان مأذونا يقطع كما ذكرنا، وكذا لو أقر بسرقة عشرة دراهم بغير عينها تقطع يده وإن كان محجورًا ذكره أبو اليسر في جامعه، ذكره في الفوائد الظهيرية.
وحاصل الاختلاف راجع إلى حرف، وهو أن القطع أصل والمال تبع أو المال أصل والقطع تبع أو كل منهما أصل.
قال أبو حنيفة: القطع أصل والمال تبع.
وقال أبو يوسف: كلاهما أصل.
وقال محمد: المال أصل والقطع تبع.
لمحمد: أنه إذا سرق ما دون العشرة لا يقطع، والخصومة شرط للقطع، ولولا أن المال أصل لوجب القطع بدون الخصومة؛ لأن القطع محض حق الله تعالى، فإذا لم يصح إقراره في حق الأصل وهو المال لم يصح في حق التبع وهو القطع.
وقال أبو يوسف: المال أصل كما قال محمد، وأما أصالة القطع بدليل أن الحر إذا أقر بسرقة مال من زيد، والمال في يد عمرو وكذبه عمرو؛ يصح إقراره في حق القطع دون المال.
وقال أبو حنيفة: القطع أصل بدليل أنه لو قال: أبغي المال ولا أبغي القطع لا يسقط القطع، وبدليل أنه يبطل بالتقادم، وإذ صح إقراره بما هو أصل صح بما هو تبع.
وعن الطحاوي: سمعت أستاذي ابن أبي عمران أن الاقاويل كلها عن أبي حنيفة فقوله الأول أخذ به محمد ثم رجع إلى قول أبي يوسف، ثم رجع إلى القول الثالث واستقر عليه، وهو نظير مسألة الحملان.
قوله: (يقطع في الوجهين)؛ أي فيما إذا كان المال قائما أو هالكا.
стр. 4044
قَالَ زُفَرُ: لَا يُقْطَعُ فِي الوُجُوهِ كُلِّهَا، لِأَنَّ الأَصلَ عِندَهُ أَنَّ إِقْرَارَ العَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ بِالحُدُودِ وَالقِصَاصِ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ يَرِدُ عَلَى نَفْسِهِ وَطَرَفِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ مَالُ المَولَى، وَالإِقْرَارُ عَلَى الغَيرِ غَيْرُ مَقبُولٍ، إِلَّا أَنَّ المَأْذُونَ لَهُ يُؤَاخَذُ بِالضَّمَانِ وَالمَالِ لِصِحَّةِ إقرَارِهِ بِهِ لِكَونِهِ مُسَلَّطًا عَلَيْهِ مِنْ جِهَتِهِ.
وَالمَحْجُورُ عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ إقرَارُهُ بِالمَالِ أَيضًا، وَنَحْنُ نَقُولُ يَصِحُ إِقْرَارُهُ مِنْ حَيثُ إِنَّهُ آدَمِيٌّ ثُمَّ يَتَعَدَّى إِلَى المَالِيَّةِ فَيَصِحُّ مِنْ حَيثُ إِنَّهُ مَالٌ، وَلِأَنَّهُ لَا تُهِمَةَ فِي هَذَا الإِقْرَارِ لِمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ الأَضرَارِ، وَمِثْلُهُ مَقبُولٌ عَلَى الغَيرِ. لِمُحَمَّد فِي المَحْجُورِ عَلَيْهِ: أَنَّ إِبْرَارَهُ بِالمَالِ بَاطِلٌ، وَلِهَذَا: لَا يَصِحُ مِنهُ الإِقْرَارُ بِالغَصْبِ فَيَبْقَى مَالُ
قوله: (في الوجوه كلها)؛ أي فيما إذا كان العبد محجورًا أو مأذونا، والمال قائم وهالك.
قوله: (لأنه)؛ أي إقراره يرد على نفسه؛ أي فيما إذا أقر بقتل الغير عمدا (وطرفه)؛ أي فيما أقر بالسرقة (وكله مال المولى والإقرار على الغير غير مقبول).
ألا ترى أنه لو أقر برقبته لغيره كان إقراره باطلا، (يؤاخذ بالضمان)؛ أي في المستهلك (والمال)؛ أي في القائم.
وقلنا: يصح إقراره من حيث إنه آدمي يخاطب لا من حيث إنه مال ونفسه حقه في حق سيده فإقراره في هذا كإقرار الحر ولهذا لا يملك المولى الإقرار عليه بذلك غير أنه متى صح إقراره على نفسه واستحق نفسه (من حيث إنه آدمي) تعدى إلى استحقاق نفسه من حيث إنه مال تبعا فقد يثبت الشيء تبعا ولا يثبت قصدا.
قوله: (ومثله)؛ أي مثل ما كان ضرر الإقرار ساريًا على المقر، وعلى الغير بطريق التبعية؛ لانعدام تهمة الكذب فيه مقبول على الغير كشهادة العبد برؤية هلال رمضان، وفي السماء؛ عله تقبل شهادته ويثبت الرمضان في حق غيره، وكذا لو أقر الحر المديون المفلس بالقتل العمد يقتص بالإجماع، وإن كان فيه إبطال ديون أرباب الديون.
قوله: (لا يصح الإقرار منه؛ أي من العبد بالغصب) فكذا لا يصح إقراره
стр. 4045
المَولَى، وَلَا قَطعَ عَلَى العَبدِ فِي سَرِقَةِ مَالِ المَولَى. يُؤَيِّدُهُ أَنَّ المَالَ أَصلُ فِيهَا وَالقَطْعُ تَابِعٌ حَتَّى تُسمَعَ الخُصُومَةُ فِيهِ بِدُونِ القَطعِ وَيَثْبُتُ المَالُ دُونَهُ، وَفِي عَكْسِهِ لَا تُسْمَعُ وَلَا يَثْبُتُ، وَإِذَا بَطَلَ فِيمَا هُوَ الأَصلُ بَطَلَ فِي التَّبَعِ، بِخِلَافِ المَأْذُونِ، لِأَنَّ إِبْرَارَهُ بِالمَالِ الَّذِي فِي يَدِهِ صَحِيحٌ فَيَصِحٌ فِي حَقِّ القَطعِ تَبَعا. وَلِأَبِي يُوسُف: أَنَّهُ أَقَرَّ بِشَيْتَينِ: بِالقَطعِ وَهُوَ عَلَى نَفْسِهِ فَيَصِحُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. وَبِالْمَالِ وَهُوَ عَلَى المَولَى فَلَا يَصِحُ فِي حَقِّهِ فِيهِ، وَالقَطعُ يُستَحَقُّ بِدُونِهِ؛ كَمَا إِذَا قَالَ الحُرُّ: الثَّوبُ الَّذِي فِي يَدِ زَيد سَرَقته مِنْ عَمرو، وَزَيدٌ يَقُولُ: هُوَ ثَوبِي، تُقْطَعُ يَدُ المُقِرِّ وَإِنْ كَانَ لَا يُصَدَّقُ فِي تَعبِينِ الثَّوبِ حَتَّى لَا يُؤخَذَ مِنْ زَيد. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الإِقْرَارَ بِالقَطْعِ قَدْ صَحَّ مِنهُ لِمَا بَيَّنَّا، فَيَصِحٌ بِالمَالِ بِنَاء عَلَيْهِ، لِأَنَّ الإِقْرَارَ يُلَاقِي حَالَةَ البَقَاءِ،
بالسرقة، وإذا لم يصح إقراره في حق المال بقي المال على ملك سيده، ولا قطع على العبد في مال حكم به لسيده؛ لأن كون المال مملوكا لغير السارق وغير مولاه شرط وجوب القطع.
قوله: (ويثبت المال دونه)؛ أي دون القطع كما لو شهد رجل وامرأتان.
قوله: (فلا يصح في حقه؛ أي حق المولى (فيه)؛ أي في المال، والقطع يستحق بدونه) أي بدون المال (كما إذا قال الحر … ) إلى آخره.
وفي المبسوط (١): كما لو أقر بسرقة مال مستهلك، وهذا لأنا لا نقبل إقراره لا يتعين هذا المال؛ فيبقى المسروق مستهلكا.
قوله: (لما بينا)، وهو أنه (من حيث إنه آدمي … إلى آخره (بناء عليه)؛ أي القطع لأن من ضرورة وجوب القطع كون المال مملوكا لغير مولاه كما بينا؛ فيثبت ما كان من ضرورات القطع لو باع أحد ولدي التوأم فأعتقه المشتري ثم ادعى البائع نسب الذي عنده يثبت نسب الآخر منه ويبطل عتق المشتري للضرورة فهذا مثله.
قوله: (لأن الإقرار يلاقي حالة البقاء)؛ لأن الإقرار) بالشيء إظهار أمر قد كان فلا بد من وجود المخبر قبل الإقرار.
стр. 4046
وَالمَالُ فِي حَالَةِ البَقَاءِ تَابِعٌ لِلقَطْعِ حَتَّى تَسقُطَ عِصمَةُ المَالِ بِاعْتِبَارِهِ وَيُستَوفَى القَطِعُ بعد استهلاكِهِ. بِخِلَافِ مَسأَلَةِ الحُرِّ، لِأَنَّ القَطعَ إِنَّمَا يَجِبُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ المُودَعِ.
أَمَّا لَا يَجِبُ بِسَرِقَةِ العَبدِ مَالَ المَولَى فَافْتَرَقَا وَلَو صَدَّقَهُ المَولَى يُقْطَعُ فِي الفُصُولِ كُلِّهَا لِزَوَالِ المَانِعِ.
قَالَ: (وَإِذَا قُطِعَ السَّارِقُ وَالعَينُ قَائِمَةٌ فِي يَدِهِ رُدَّت عَلَى صَاحِبِهَا) لِبَقَائِهَا عَلَى مِلْكِهِ (وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَهْلَكَةٌ لَم يَضمَن)
ألا ترى أن إقرار أحد الزوجين بالنكاح صحيح من غير شهادة، والمال في حالة البقاء تبع للقطع، ولهذا تسقط عصمة المال باعتباره ويستوفى القطع بلا هلاكه؛ فلو أبطلنا إقراره في حق القطع باعتبار المال لجعلنا المال في البقاء أصلا وهو باطل كذا في جامع البرهاني.
وقوله: (تسقط) بالرفع؛ لأن هذا ثابت فلا تكون حتى للغاية (باعتباره)؛ أي باعتبار القطع كما يجيء عندنا.
قوله: (بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْحُرّ)، وهو ما استشهد به أبو يوسف؛ لأنه ليس من ضرورة كونه مسروقا عن شخص كونه هالكا؛ لجواز أن يكون مودعا ويقطع بالسرقة من المودع.
فإن قيل: جاز أن يكون المسروق منه هنا مودعا للمولى لا يجب القطع؛ لأن العبد لا يقطع بالسرقة من مال المولى؛ فكان من ضرورة وجوب القطع عليه ألا يكون المال لمولاه، ولو صدقه المولى يقطع في كل الفصول بإجماع العلماء؛ لأن المانع زال.
قوله: (وقال الشافعي يضمن فيهما)؛ أي في الهلاك والاستهلاك، لا خلاف لأهل العلم أن المال؛ إذا كان باقيا يرد على مالكه، وكذا لو باعه السارق أو وهبه يأخذه من المشتري والموهوب له ويبطل البيع والهبة.
واختلفوا في التالفة فقال الشافعي وأحمد وأبو ثور والبتي والنخعي وحماد والحسن وإسحاق والليث: يجب على السارق رد قيمتها أو مثلها إن كان مثليا.
وقال علماؤنا والثوري: لا يجتمع الضمان مع القطع؛ فلو ضمنه المالك
стр. 4047
وَهَذَا الإِطْلَاقُ يَشْمَلُ الهَلَاكَ وَالاستهلاكَ، وَهُوَ رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ المَشْهُورُ. وَرَوَى الحَسَنُ عَنهُ: أَنَّهُ يَضمَنُ بِالاسْتِهَلَاكِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَضمَنُ فِيهِمَا، لِأَنَّهُمَا حَقَّانِ قَدْ اختَلَفَ سَبَبَاهُمَا فَلَا يَمْتَنِعَانِ، فَالقَطِعُ حَقُّ الشَّرْعِ وَسَبَبُهُ تَركُ الاِنتِهَاءِ عَمَّا نَهَى عَنهُ. وَالضَّمَانُ حَقُّ العَبدِ وَسَبَبُهُ أَخذُ المَالِ فَصَارَ كَاسَتِهلَاكِ صَيدُ مَملُوكٍ فِي الحَرَمِ أَوْ شُربِ خَمْرِ مَمْلُوكَةٍ لِذِمِّيِّ. وَلَنَا: قَولُهُ ﵊: «لَا غُرمَ عَلَى السَّارِقِ بَعدَمَا قُطِعَت يَمِينُهُ».
قبل القطع سقط القطع، وإن قطعه سقط الضمان وبه قال عطاء وابن سيرين وابن شبرمة والشعبي ومكحول.
وقال مالك: إن كان السارق معسرا فلا ضمان عليه، وإن كان موسرا يضمن نظرا للجانبين، والمسألة مستقصاة في الأصول؛ فلا يشتغل ببيان الجهة من الطرفين.
قوله: (وهذا الإطلاق)؛ أي قوله: (وإن كانت مستهلكة) يشمل الهلاك والاستهلاك ففي الهلاك أولى.
قوله: (وشَرِبَ خَمْرًا مَمْلُوكَةً لِلذَّمِّي)؛ أي على أصلكم أما عنده فلا يجب ضمان الخمر بالاستهلاك وإن كان للذمي.
ولنا؛ قوله ﵇ الحديث قال عبد الله بن صالح حدثني المفضل بن فضالة عن يونس بن يزيد قال: سمعت سعد بن إبراهيم يحدث عن أخيه المسور ابن إبراهيم يحدث المسور عن عبد الرحمن بن عوف عن رسول الله ﷺ قال: «إذا أُقيم على السارق الحد؛ فلا غُرمَ عَلَيهِ» (١).
وذكر ابن قدامة في المغني (٢): قال ابن المنذر: سعد بن إبراهيم مجهول.
وقال ابن عبد البر: الحديث ليس بقوي.
قلنا: ليس كذلك فإن الزهري يروي عن سعد بن إبراهيم هذا الحديث نقله عبد الباقي وقال عبد الباقي: هذا صحيح، وقول ابن قدامة؛ يحتمل أن المراد ليس أجرة القاطع عليه.
стр. 4048
وَلِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ يُنَافِي القَطعَ، لِأَنَّهُ يَتَمَلَّكُهُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ مُسْتَنِدًا إِلَى وَقتِ الأَخذِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى مِلْكِهِ فَيَنتَفِي القَطعُ لِلشَّبْهَةِ وَمَا يُؤَدِّي إِلَى انتِفَائِهِ فَهُوَ المُنتَفِي، وَلِأَنَّ المَحَلَّ لَا يَبقَى مَعصُوما حَقًّا لِلعَبدِ، إذ لَو بَقِيَ لَكَانَ مُبَاحًا فِي نَفْسِهِ
قلنا: إطلاق الغرم على أجرة القاطع خلاف الظاهر مع أنه نكرة في موضع النفي.
قوله: (وَلِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ … ) إلى آخره. وفي الأسرار والمبسوط (١): القطع عقوبة تندرئ بالشبهات فلا يجمع بينهما بسبب فعل واحد كالقصاص مع الدية (ولأنه)؛ أي السارق (يتملكه بأداء الضمان … ) إلى آخره.
قال ابن قدامة (٢): هذا مبني على أصلكم ولا نسلمه.
قلنا: قد دللنا على هذين الأصلين في الأصول فلا نعيده هاهنا.
قوله: (لكان مباحا في نفسه).
فإن قيل: لا نسلم أنه بقي العبد لكان مباحا في نفسه؛ لجواز أن يكون الشيء الواحد حرامًا بالنسبة إلى الغير وحرامًا في ذاته أيضًا كالزنا في رمضان حرام في ذاته وحرام أيضًا لهتك حرمة الصوم؛ فلا يلزم أن يكون مباحا في نفسه.
قلنا: ما كان حراما لغيره يصير مباحا بالنسبة إلى عدم ذلك، وإن كان حراما في نفسه فهذا المقدار يصير شبهة دارئة للحد كما بين في الأصول، مع أن هذا المال المسروق ما كان حرامًا لعينه عند وجوب القطع، وعند وجود القطع تتحول (العصمة)؛ أي تكون حراما الله تعالى ضرورة كون القطع جزاء، كما بين في الأصول.
فإن قيل: لو انتقلت العصمة قبل السرقة ففيه سبق الحكم على السبب؛ لأنه لا سبب سوى السرقة، وإن انتقلت بعدها فلا يفيد؛ لأن السبب صادف محلا معصوما للغير، وإن انتقلت معها فهو باطل أيضًا؛ لأن السرقة وقت الوجود ليست بموجبة فكيف يثبت الحكم وقت الوجود؟.
стр. 4049
ينتفي القطع للشبهة فيصير محرما حقا للشارع كالميتة ولا ضمان فيه، إلا أن العصمة لا يظهر سقوطها في حق الاستهلاك؛ لأنه فعل آخر غير السرقة ولا ضرورة في حقه، وكذا الشبهة تعتبر فيما هو السبب دون غيره.
ووجه المشهور: أن الاستهلاك إتمام المقصود فتعتبر الشبهة فيه، وكذا يظهر سقوط العصمة في حق الضمان؛ لأنه من ضرورات سقوطها في حق الهلاك لانتفاء المماثلة.
قلنا: ينتقل قبل السرقة متصلا بالسرقة شرطا؛ لضرورة الجناية على حق الله تعالى، وضرورة استيفاء القطع الذي هو حق الله كما يثبت الملك في قوله: أعتق عبدك عني بألف فقال: أعتقت ضرورة صحة العتق كما في مسألة استيلاد الأب جارية الابن فإن ما يجب لله تعالى فتمامه بالاستيفاء كما بينا فكان حكم الأخذ مراعي إلى أن يستوفى به القطع؛ فحينئذ يتبين أن حرمته في ذلك الفعل كان لله تعالى فلا يجب الضمان للعبد، إليه أشير في المبسوط (١) وكشف الأسرار لأبي جعفر.
وقوله: (إلا أن العصمة … ) إلى آخره وجه رواية الحسن؛ أنه يجب في الاستهلاك. (لأنه)؛ أي (الاستهلاك فعل آخر).
(ولا ضرورة في حقه)؛ أي في حق فعل آخر. (وكذا الشبهة)؛ أي شبهة الإباحة عند بقاء حق العبد كما ذكر في المتن: (تعتبر فيما هو السبب)؛ أي سبب القطع، وهو السرقة دون غيره وهو الاستهلاك.
قوله: (إتمام المقصود)؛ أي بالسرقة إذ السرقة للانتفاع، والانتفاع بالاستهلاك فكما لا تبقى العصمة في فعل السرقة؛ دفعا للشبهة لا يبقى فيما كان إتماما للمقصود بالسرقة.
قوله: (وكذا يظهر سقوط العصمة في حق الضمان)، في فصل الاستهلاك؛ لأن سقوط العصمة هنا من (ضرورات سقوط العصمة) في فصل الاستهلاك (لانتفاء المماثلة) بين المال المسروق وبين الضمان مال معصوم حقا للعبد في
стр. 4050
قَالَ: (وَمَنْ سَرَقَ سَرِقَات فَقُطِعَ فِي إِحدَاهَا فَهُوَ لِجَمِيعِهَا، وَلَا يَضمَنُ شَيْئًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: يَضمَنُ كُلَّهَا إِلَّا الَّتِي قُطِعَ لَهَا) (*) وَمَعْنَى المَسأَلَةِ: إِذَا حَضَرَ
حالتي الهلاك والاستهلاك، والمال المسروق معصوم حقا له في حال الاستهلاك فقط؛ فإذا انتفت المماثلة انتفى الضمان؛ لأن الضمان للعدوان مشروط بالنص.
ولهذا لا يجب الضمان عندنا بمقابلة استهلاك المنافع بالغصب؛ لانتفاء المماثلة بخلاف شرب الخمر يلزمه؛ فإن الحد ما يجعل هناك جزاء حرمة مال متقوم لغيره بدليل أنه لو شرب خمر نفسه يحد مع أنها غير متقوم؛ بل من حيث إنها جناية على عقله حرمه الله، وجعل الحرمة لنفسه وضمان الجناية باعتبار أنه جنى على مال متقوم للذمي فكانا حرمتين، وكذا قتل صيد مملوك في الإحرام زيادة على الإحرام فيوجب الكفارة وجناية على ملك الغير فيوجب الضمان، ولا كذلك هاهنا فإن الجناية على حق الله في حق القطع كذا في الأسرار والمبسوط (١).
وفي المبسوط (٢): روى هشام عن محمد: يسقط الضمان على السارق قضاء؛ لتعذر الحكم بالمماثلة، فأما ديانةً: يبقى بالضمان للحوق الخسران والنقصان للمالك من جهة السارق.
وفي الإيضاح (٣): قال أبو حنيفة: لا يحل للسارق أن ينتفع به بوجه من الوجوه؛ لأن الثوب على ملك المسروق منه، وكذا لو خاطه قميصا لا يحل له الانتفاع به؛ لأنه ملكه بوجه محظور وقد تعذر إيجاب القضاء به ولا يحل الانتفاع كمن دخل دار الحرب بأمان، وأخذ شيئا من أموالهم لم يلزمه الرد قضاء ويلزمه ديانة؛ لأن كل فعل انعقد سببا؛ لوجوب الضمان وتعذر إيجاب الضمان بعارض ظهر أثره في حق الحكم، أما ديانة يعتبر قضية السبب.
قوله: (فهو)؛ أي القطع لجميع السرقات بالاتفاق؛ لأن القطع يتداخل بالإجماع وبه قال أحمد والشافعي ومالك، وبينا بينهم الخلاف في الضمان.
стр. 4051
أَحَدُهُمْ، فَإِنْ حَضَرُوا جَمِيعًا وَقُطِعَت يَدُهُ لِخُصُومَتِهِم لَا يَضمَنُ شَيْئًا بِالاتِّفَاقِ فِي السَّرِقَاتِ كُلِّهَا. لَهُمَا: أَنَّ الحَاضِرَ لَيْسَ بِنَائِب عَنْ الغَائِبِ. وَلَا بُدَّ مِنْ الخُصُومَةِ لِتَظهَرَ السَّرِقَةُ فَلَم تَظهر السَّرِقَةُ مِنْ الغَائِبَينِ فَلَم يَقَع القَطْعُ لَهَا فَبَقِيَتْ أَمْوَالُهُم مَعصُومَة. وَلَهُ: أَنَّ الوَاجِبَ بِالكُلِّ قَطعَ وَاحِدٌ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ مَبَنَى الحُدُودِ عَلَى التَّدَاخُلِ، وَالخُصُومَةُ شَرطٌ لِلظُّهُورِ عِنْدَ القَاضِي، فَإِذَا اسْتَوفَى فَالمُستَوفَى كُلُّ الوَاجِبِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ يَرجِعُ نَفْعُهُ إِلَى الكُلِّ فَيَقَعُ عَنْ الكُلِّ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ، إذَا كَانَتْ النُّصُبُ كُلُّهَا لِوَاحِد فَخَاصَمَ فِي البَعْضِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قوله: (إن الحاضر ليس بنائب عن الغائب) حتى تجعل خصومته لخصومتهم، ولهذا لو حضروا، وادعوا السرقة لا يأخذون أموالهم من السراق، وإن كانت قائمة في أيديهم قبل إقامة البينة فلو وجب الضمان عليه، لا يجتمع قطع وضمان.
(وله)؛ أي لأبي حنيفة (أن الواجب قطع واحد … ) إلى آخره يعني لما وقع القطع عن الكل سقط ضمان الكل كما لو خاصموا جميعا،، وذلك لأن القطع الواحد عند تقدم أسبابه يقع عن الكل؛ إذ لا رجحان للبعض على البعض، وكل السرقات ثابتة في علم الله تعالى إلا أن القاضي لا علم له بسائر السرقات؛ فظن القطع بإزاء الواحدة فإذا ثبتت السرقات الثابتة بالبينة، بان له أن القطع بإزاء الكل.
(والخصومة شرط لظهورها) لا لوجوبها فإذا خاصم واحد وأقام بينة، صح التكليف للقاضي بالقطع، والمستوفى يصلح للكل؛ إذ الكل واجب في الحقيقة؛ فيقع عن الكل بعود نفعه إلى الكل.
فإن قيل: الخصومة شرط ليصير الخصم باذلا للمال؛ إذ لا يصح البذل من واحد عن الكل.
قلنا: بذل المال لسقوط عصمته أمر شرعي ثبت بناء على استيفاء القطع لا باختيار العبد، ألا ترى أنه يستوفي بخصومته من ملك البدل ومن لا يملك كالأب والوصي.
стр. 4052
بَابُ مَا يُحدِثُ السَّارِقُ فِي السَّرِقَةِ
(وَمَنْ سَرَقَ ثَوبًا فَشَقَّهُ فِي الدَّارِ نِصْفَينِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ وَهُوَ يُسَاوِي عَشَرَةُ دَرَاهِمَ قُطِعَ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ (*)، لِأَنَّ لَهُ فِيهِ سَبَبَ المِلكِ وَهُوَ الخَرِقُ الفَاحِسُ، فَإِنَّهُ يُوجِبُ القِيمَةَ وَتَمَلُّكَ المَضمُونِ وَصَارَ كَالمُشتَرِي إِذَا سَرَقَ مَبِيعًا فِيهِ خِيَارٌ لِلبَائِعِ وَلَهُمَا: أَنَّ الأَخذَ وُضِعَ سَبَبًا لِلضَّمَانِ لَا لِلمِلكِ، وَإِنَّمَا المِلكُ يُثبِتُ ضَرُورَةَ أَدَاءِ الضَّمَانِ كَي لَا يَجْتَمِعَ البَدَلَانِ فِي مِلك وَاحِد، وَمِثْلُهُ لَا يُوَرِّثُ الشُّهَةَ كَنَفْسِ الأَخذِ،
باب ما يحدث للسارق من السرقة
لما ذكر أحكام السرقة وكيفية القطع شرع فيما يسقط القطع بسبب إحداث شيء يصنعه وقيد بقوله: (في الدار)؛ لأنه لو شقه خارج الدار يقطع بالإجماع سواء بلغت قيمته نصابا أو لا، ولا خلاف فيه للأئمة الثلاثة، وكذا لو بلغت قيمته نصابا بعد الشق في البيت.
قوله: (وهو)؛ أي الثوب (يساوي عشرة)؛ أي بعد الشق قائما قيد به؛ لأنه لو لم يُساو عشرة بعد الشق لا يجب القطع بالاتفاق.
قوله: (لأن له)؛ أي للسارق (فيه)؛ أي للثوب سبب الملك؛ إذ لو لم ينعقد له سبب المالك لما وجب التمليك.
يُكره من السارق إذا شاء المالك التضمين وقد يجب. ذكره في الأسرار.
(فيه)؛ أي في المبيع خيار للبائع ثم فسخ البائع البيع فإنه لا يقطع بالاتفاق كذا هاهنا، والجامع كون السرقة تمت على عين غير مملوك للسارق، ولكن ورد عليه سبب الملك.
(وَلَهُمَا أَنَّ الْأَخْذَ وُضِعَ سَبَبًا لِلضَّمَانِ)؛ لأنه عدوان محض، ولم يعتبر الأخذ شبهة فكذا الشق؛ يعني الشق ليس بسبب (للملك) حقيقة ولا شرعا كالأخذ؛ لأنه عدوان محض، وإنما صار سببا إذا اختار المالك التضمين فيثبت الملك ضرورة؛ إذ الضمان (ومثله لا يورث الشبهة كالأخذ)؛ فإنه يحتمل أيضًا أن يصير سببًا عند أداء الضمان كالشق، إليه أشار في الأسرار والمبسوط (١).
стр. 4053
وَكَمَا إِذَا سَرَقَ البَائِعُ مَعِيبًا بَاعَهُ، بِخِلَافِ مَا ذَكَرَ؛ لِأَنَّ البَيعَ مَوضُوعٌ لِإِفَادَةِ المِلكِ، وَهَذَا الخِلَافُ فِيمَا إِذَا اختَارَ تَضمِينَ النُّقصَانِ وَأَخذَ الثَّوبِ، فَإِنْ اختَارَ تَضمِينَ القِيمَةِ وَتَرْكَ الثَّوبِ عَلَيْهِ لَا يُقطَعُ بِالاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ مُسْتَنِدًا إِلَى وَقتِ الأَخذ،
(وهذا الخلاف؛ أي الخلاف بين أبي يوسف وبينهما.
وفي جامع قاضي خان: إن كان الشق يسيرا يقطع بالاتفاق لعدم سبب الملك؛ إذ ليس للمالك تضمينه؛ لأن له تضمين النقصان، وإن كان فاحشا يخير المالك بين التضمين وأخذ قيمته، وبين أخذ الثوب فإن اختار أخذه يقطع عندهما خلافا لأبي يوسف، وإن اختار أخذ القيمة لا يقطع بالاتفاق.
لأَنَّهُ مَلَكَه مستندًا إلى وقت الأخذ)، وذكر ابن سماعة الخلاف على عكس هذا والأول أصح.
فإن قيل: لو ضمن النقصان في صورة الشق اليسير، ويجب القطع بالاتفاق يجتمع القطع مع الضمان. قلنا: إنما لا يجتمعان؛ كيلا يؤدي إلى الجمع بين جزاء الفعل وبدل المحل في جناية واحدة، وهنا لا يؤدي إليه؛ لأن القطع يجب بالسرقة وضمان النقصان بالخرق، والخرق ليس من السرقة كذا في الكافي (١).
ويشكل على هذا الجواب الاستهلاك على ظاهر الرواية؛ فإنه فعل غير السرقة مع أنه لا يجب الضمان؛ لما أن عصمة المسروق تسقط بالقطع فكذا هاهنا عصمته تسقط بالقطع؛ فينبغي ألا يجب ضمان النقصان.
في الخبازية (٢): وفي الصحيح: ألا يضمن النقصان؛ كيلا يجتمع القطع مع الضمان، ولأنه لو ضمن النقصان يملك ما ضمنه فيكون هذا الثوب كالثوب المشترك بينهما؛ فلا يجب القطع ويجب بالإجماع.
قال التمرتاشي: روي في الإتلاف ألا يكون النقصان أكثر من نصف القيمة. وقيل: نقصان الفاحش أن ينقص بالخرق ربع القيمة فصاعدا وما دونه يسير، وقيل: ما لا يصح للباقي لثوب ما فهو فاحش وما يصلح، والصحيح؛ أن الفاحش ما يفوت به بعض العين وبعض المنفعة، واليسير؛ ما يفوت به شيء من المنفعة.
стр. 4054
فَصَارَ كَمَا إِذَا مَلَكَهُ بِالهِبَةِ فَأُورِثَ شُبهة، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ النُّقْصَانُ فَاحِشًا، فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا يُقطَعُ بِالاتِّفَاقِ لِانعِدَامِ سَبَبِ المِلكِ، إذ لَيْسَ لَهُ احْتِيَارُ تَضِمِينِ كُلِّ القِيمَةِ (وَإِنْ سَرَقَ شَاءَ فَذَبَحَهَا، ثُمَّ أَخرَجَهَا لَم يُقطع) لِأَنَّ السَّرِقَةَ تَمَّت عَلَى اللَّحْمِ وَلَا قَطعَ فِيهِ (وَمَنْ سَرَقَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّة يَجِبُ فِيهِ القَطعُ فَصَنَعَهُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ قُطِعَ فِيهِ وَتُرَدُّ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ إِلَى المَسرُوقِ مِنهُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا سَبِيلَ لِلمَسْرُوقِ مِنْهُ عَلَيْهِمَا) (*) وَأَصلُهُ فِي الغَصبِ فَهَذِهِ صَنعَةٌ مُتَقَوَّمَةٌ عِندَهُمَا خِلَافًا لَهُ، ثُمَّ وُجُوبُ الحَدِّ لَا يُشْكِلُ عَلَى قَولِهِ، لِأَنَّهُ لَم يَمْلِكُهُ، وَقِيلَ عَلَى قَوْلِهِمَا لَا يَجِبُ، لِأَنَّهُ مَلَكَهُ قَبلَ القَطعِ، وَقِيلَ يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِالصَّنعَةِ شَيْئًا آخَرَ فَلَم يَمْلِكُ عَيْنَهُ (فَإِنْ سَرَقَ ثَوبًا فَصَبَغَهُ أَحْمَرَ، قُطِعَ فيه لَم يُؤخَذ مِنهُ الثَّوبُ وَلَم يَضمَن قِيمَةَ الثَّوبِ، وَهَذَا
قوله: (فَذَبَحَهَا ثُمَّ أَخْرَجَهَا لَمْ يُقْطَعْ) باتفاق علمائنا.
وقالت الأئمة الثلاثة: إن بلغ اللحم النصاب يقطع؛ لأن السرقة تمت على ملك الغير. وقلنا: لا قطع في اللحم؛ لأنه مما يتسارع إليه الفساد كما بينا.
وقوله: (يجب فيه القطع) من تمام صورة المسألة وجوابها قطع قوله فيه.
(وهذا عند أبي حنيفة)؛ أي القطع عنده، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
قوله: (وأصله)؛ أي أصل الخلاف في الغصب أن بهذه الصفة لا ينقطع حق المالك في الغصب عنده خلافًا لهما فكذا في السرقة.
وجه قولهما؛ أن هذه صنعة مبدلة العين بمنزلة صنعة الحديد والنحاس والصفر من غير تفرقة بينهما.
وله؛ أن هذه الصنعة في الذهب والفضة غير متقومة حتى لا ينقطع بها حكم الربا فكانت الصنعة موجودة من وجه دون وجه، أما الذهب والفضة موجودة من كل وجه مع أن هذه الصنعة غير موجودة شرعا فلا تعتبر؛ بخلاف الحديد والنحاس فإن الصنعة فيها متقومة عرفا وشرعا كذا في جامع البزدوي.
وقيل: يقطع عندهما أيضًا؛ لأنه صار بصنعته شيئاً آخر عندهما.
قوله: (فَصَبَغَهُ أَحْمَرَ) يقطع بإجماع العلماء، وبعد القطع (لم يؤخذ منه الثوب ولم يضمن) عندهما.
стр. 4055
عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُؤخَذُ مِنهُ الثَّوبُ وَيُعْطَى مَا زَادَ الصَّبْغُ فِيهِ) (*) اعتبارًا بالغصب، وَالجَامِعُ بَيْنَهُمَا كَونُ الثَّوبِ أَصْلًا قَائِمًا وَكُونُ الصَّبِغِ تَابِعًا. وَلَهُمَا: أَنَّ الصَّبْغَ قَائِمٌ صُورَة وَمَعنى، حَتَّى لَو أَرَادَ أَخذَهُ مَصْبُوعًا يَضمَنُ مَا زَادَ الصَّبْغُ فِيهِ، وَحَقُّ المَالِكِ فِي الثَّوبِ قَائِمٌ صُورَة لَا مَعنى؛ أَلَّا تَرَى أَنَّهُ غَيْرُ مَضمُون عَلَى السَّارِقِ بِالهَلَاكِ فَرَجَحنَا جَانِبَ السَّارِقِ، بِخِلَافِ الغَصْبِ، لِأَنَّ حَقَّ كُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا قَائِمٌ صُورَة وَمَعنى، فَاسْتَوَيَا مِنْ هَذَا الوَجهِ، فَرَجَحنَا جَانِبَ المَالِكِ بِمَا ذَكَرنَا (وَإِنْ صَبَغَهُ أَسْوَدَ أُخِذَ مِنهُ فِي المَذهَبَينِ) يَعْنِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّد، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ هَذَا وَالأَوَّلُ سَوَاءٌ (**)، لِأَنَّ السَّوَادَ زِيَادَةٌ عِندَهُ كَالحُمْرَةِ، وَعِنْدَ مُحَمَّد زِيَادَةٌ أَيضًا كَالحُمْرَةِ وَلَكِنَّهُ لَا يَقْطَعُ حَقَّ المَالِكِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ السَّوَادُ نُقصَانٌ فَلَا يُوجِبُ انقِطَاعَ حَقِّ المَالِكِ.
وقال محمد: يؤخذ الثوب منه وبه قالت الأئمة الثلاثة ويعطى ما زاد الصبغ فيه اعتبارا بالغصب؛ فإنه لو غصب ثوبا وصبغه أحمر لا ينقطع به حق المالك في الاسترداد فكذا من السارق؛ لأن الثوب أصل والصبغ تابع.
قوله: (قَائِمُ صُورَةً) وهي ظاهرة (ومعنى)؛ أي من حيث القيمة فإن المالك لو أخذ المصبوغ يجب عليه قيمة الصبغ. (وحق المالك قائم صورة لا معنى) حتى لو هلك أو استهلك عند السارق لا يضمن؛ فكان حق السارق أحق بالترجيح، كالموهوب إذا صُبغ ينقطع حق الواهب في الرجوع لما ذكرنا.
قوله: (لما ذكرنا)؛ إشارة إلى قوله: (أن الثوب أصل والصبغ تبع).
قوله: (أخذ منه)؛ أي في مذهب أبي حنيفة ومحمد لما أن السواد عند أبي حنيفة نقصان، وإذا انتقص المسروق عند السارق لا ينقطع حق المالك بالاتفاق، ومحمد مر على أصله، وأبو يوسف أيضًا؛ لأن عنده السواد كالحمرة فيوجب الزيادة؛ فلا سبيل له عليه.
стр. 4056
بَابُ قَطْعِ الطَّرِيقِ
باب قطع الطريق
قدم السرقة الصغرى على الكبرى لما أن التَّرَقِّي يكون من الأصغر إلى الأكبر ولأن الصغرى أكثر وقوعًا من الكبرى فقدّم لما أن الكبرى في الغالب في السفر فكان قليل الوقوع وأيضًا يتأخر بيانه.
وفي المحيط: سمى قطع الطريق السرقة الكبرى؛ لأن ضرره (١) على أصحاب الأموال، وعلى عامة المسلمين بانقطاع الطريق، أما الصغرى تختص بالملاك ولهذا غلظ الحد في حقه.
ثم اعلم أن لقطع الطريق شرائط:
أحدها: أن يكون لهم شوكة وقوة بحيث لا يمكن للمارة المقاومة معهم وقطعوا الطريق سواء كان معهم بالسلاح أو بالعصا الكبير أو الحجر وغيرها.
والثاني: أن يكون ذلك خارج المصر بعيدًا عنه أما في المصر أو بقرب منه أو بين قريتين لا يكون قطع الطريق خلافًا لأبي يوسف والشافعي ومالك وأحمد توقف في ذلك، وفي الحلية عن مالك في المصر روايتان.
والثالث: أن يكون في دار الإسلام.
والرابع: أن يكون المأخوذ قدر النصاب، وبه قال الشافعي وأحمد، وقال مالك وأبو ثور وابن المنذر: لا يعتبر النصاب لعموم الآية.
ولنا قوله ﵇: «لا قطع في أقل من عشرة دراهم أو ربع دينار» (٢) ولم يُفضّل، وأن يكون القطاع كلهم أجانب في حق أصحاب الأموال، ومن أهل وجوب القطع حتى إذا كان ذا رحم مُحرّم منهم أو صبيا أو مجنونا لا يجب عليهم القطع خلافًا لأبي يوسف والأئمة الثلاثة.
وإذا كانت فيهم امرأة ففيه روايتان في رواية تقطع وبه قالت الأئمة الثلاثة، والأصح أنها لا تقطع.
стр. 4057
قَالَ: (وَإِذَا خَرَجَ جَمَاعَةٌ مُمتَنِعِينَ، أَوْ وَاحِدٌ يَقْدِرُ عَلَى الامْتِنَاعِ فَقَصَدُوا قَطَعَ الطَّرِيقِ فَأُخِذُوا قَبْلَ أَنْ يَأخُذُوا مَالًا وَيَقْتُلُوا نَفْسًا، حَبَسَهُم الإِمَامُ حَتَّى يُحدِثُوا تَوبَة، وَإِنْ أَخَذُوا مَالَ مُسلِم أَوْ ذِمِّيّ، وَالمَأخُوذُ إِذَا قُسِّمَ عَلَى جَمَاعَتِهِم أَصَابَ كُلُّ وَاحِد مِنْهُم عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا، أَوْ مَا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ ذَلِكَ، قَطَعَ الإِمَامُ أَيْدِيَهُم وَأَرْجُلَهُم مِنْ خِلَافٍ، وَإِنْ قَتَلُوا وَلَم يَأخُذُوا مَا لا قَتَلَهُم الإِمَامُ حَدًّا) وَالأَصلُ فِيهِ قَوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] الآيَةَ.
وَالمُرَادُ مِنهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ: التَّوزِيعُ عَلَى الأَحْوَالِ، وَهِيَ أَربَعَةٌ: هَذِهِ الثَّلَاثَةُ
والخامس: إن أُخذوا قبل التوبة حتى لو أُخِذوا بعد التوبة، ورد المال سقط عنهم الحد لا خلاف فيه، ولكن لا يسقط القصاص وضمان المال القائم والهالك كما يجيء.
قوله: (والأصل فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]): أي أولياء الله على حذف المضاف؛ لأن أحدًا لا يحارب الله، ولأن المسافر في البراري في أمان الله وحفظه متوكّلا عليه فالمعترض له، كأنه يحارب الله تعالى.
قوله: (والمراد منه)؛ أي من قوله تعالى التوزيع على الأحوال وبه قال الشافعي والليث وإسحاق وحماد وقتادة وأبو مجلز وأصحاب أحمد، ومثل هذا روي عن ابن عباس.
وقال ابن المسيب وعطاء ومجاهد والحسن والضحاك والنخعي وأبو ثور وداود: الإمام مخير فيه لظاهر النص.
وعن ابن عباس: ما كان في القرآن أو فصاحبه بالخيار.
وقال مالك: الإمام إذا رأى القاطع جَلْدًا ذَا رَأَي قَتَلَهُ، وإِن كان جَلْدًا لَا رَأْيَ لَهُ قَطَعَهُ، ولم يَعْتَبر (١) فعله.
ولنا قوله ﵇: «من أخَذَ المالَ قُطِعْ، ومَنْ قَتَلَ قُتِلْ، ومن أَخَذَ المال وَقَتَلَ صُلِبْ» (٢)، ولأن هذه الأحوال ذكرت على سبيل المقابلة
стр. 4058
المَذْكُورَةُ، وَالرَّابِعَةُ نَذكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلِأَنَّ الجِنَايَاتِ تَتَفَاوَتُ عَلَى الأحوالِ فَاللَّائِقُ تَغَلُّظ الحُكمِ بِتَغَلُّظِهَا. أَمَّا الحَبسُ فِي الأُولَى فَلِأَنَّهُ المُرَادُ بِالنَّفْيِ
والمجازية، وهي معلومة بأنواعها عادة بتخويف أو أخذ مال أو قتل أو قتل وأخذ، فاستغنى عن بيانها، واكتفى بإطلاقها بدلالة أنواع الجزاء بمقابلة أنواع المحاربة.
والمسألة مستقصاة في الأصول؛ إذ يستحيل أن يعاقب بأخف الأنواع عند غلظ الجناية، وبأغلظها عند أخفها، والأحوال أربعة والأجزية كذلك كذا في الكافي (١).
وذكر التمرتاشي (٢): والأحوال خمس: تخويف لا غير وهنا عزروا أدنى التعزير وحبسوا حتى يتوبوا.
والثانية: أخذ المال فهاهنا إذا تابوا قبل الأخذ سقط الحد وضمنوا المال قائما وهالكا، ولو أخذوا قبل التوبة قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، يعني اليد اليمنى والرجل اليسرى، ورَدّوا المال القائم فلم يضمنوا الهالك عندنا خلافا للأئمة الثلاثة.
والثالثة: جَرَحُوا لا غير، وفيه القصاص فيما يجري فيه القصاص والأرش فيما لا، والاستيفاء إلى صاحب الحق.
والرابعة: أخذوا المال وجَرَحوا يقطع من خلاف، وبطل حكم الجراحات عندنا خلافا للأئمة الثلاثة؛ لأن حكم ما دون النفس حكم المال فسقط الضمان.
والخامسة: أخذوا المال وقتلوا أو قتل أحدهم رجلا بسلاح أو غيره؛ فالإمام هنا مخير على ما ذكره في المتن.
قوله: (أما الحبس بالأولى)؛ أي الحالة الأولى وبه قال الشافعي.
وقال النخعي وقتادة وعطاء وأحمد النفي وتشريدهم عن الأمصار؛ لأن
стр. 4059
المَذْكُورِ، لِأَنَّهُ نَفِيَّ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ بِدَفْعِ شَرِّهِم عَنْ أَهْلِهَا، وَيُعَزَّرُونَ أَيضًا لِمُبَاشَرَتِهِم مُنكَرَ الإِخَافَةِ. وَشَرطُ القُدرَةِ عَلَى الامْتِنَاعِ؛ لِأَنَّ المُحَارَبَةَ لَا تَتَحَقَّقُ إِلَّا بِالمَنَعَةِ. وَالحَالَةُ الثَّانِيَةُ كَمَا بَيَّنَّاهَا لِمَا تَلُونَاهُ. وَشَرَطَ أَنْ يَكُونَ المَأْخُوذُ مَالَ مُسلِم أَوْ ذِمِّي لِتَكُونَ العِصْمَةُ مُؤَهَّدَة، وَلِهَذَا لَو قَطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى المُستَأْمَنِ لَا يَجِبُ القَطْعُ.
النفي يستعمل في الطرد والإبعاد والحبس ينافيه، ويروى نحو هذا عن الحسن والزهري.
وعن ابن عباس؛ أنه ينفى من بلده إلى بلد غيره، وبه قال طائفة من أهل العلم.
وقال مالك: يحبس في البلد الذي ينفى إليه كقوله في الزاني، وبه قال ابن شريح (١) من أصحاب الشافعي؛ لأن تشريدهم بدون الحبس إخراج لهم إلى مكان يقطعون الطريق ويؤذون الناس.
وقلنا: ظاهر الآية يدل على النفي من وجه الأرض، ولا يمكن أن ينفى من جميع وجه الأرض؛ لأن ذا لا يتحقق ما دام حيًّا، أو المراد عن بلده، وهو بعضها، وبه لا يحصل المقصود وهو أذاه عن الناس (٢)، أو دار الإسلام إلى دار الحرب، وفيه تعريضه على الردة وصيرورته حربيًا لنا فعلم أن المراد بنفيه عن جميع الأرض بدفع شره إلا مكان الحبس إذ المحبوس يسمى خارجا من الدنيا.
قال الشاعر: [البحر الطويل]
خَرَجْنا من الدنيا ونَحْنُ مِنَ أَهْلِها … فَلَسْنَا مِنَ الأَحْيَاء فيها ولا المَوْتَى
إذا جاءنا السجان يومًا لِحَاجَةٍ … عَجِبْنا وقلنا جاء هَذَا مِنَ الدُّنيا (٣)
وما قاله مالك من الحبس في بلد النفي فلا فائدة فيه؛ لأنه لما كان المقصود دفع شرهم وذلك بالحبس فلا يتفاوت الحبس في أي موضع كان، ولهذا لو قطع الطريق على المستأمن لا يجب القطع؛ لأن العصمة في مال
стр. 4060
وَشَرطُ كَمَالِ النِّصَابِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِد كَي لَا يُسْتَبَاحَ طَرَفُهُ إِلَّا بِتَنَاوُلِهِ مَا لَهُ خَطَرٌ، وَالمُرَادُ قَطَعُ اليَدِ اليُمْنَى وَالرِّجلِ اليُسْرَى كَي لَا يُؤَدِّيَ إِلَى تَفوِيتِ جِنسِ المَنفَعَةِ.
المستأمن غير مؤبدة فيكون السبب المبيح لماله، وهو كونه حربيا قائم، وإن تأخر ذلك إلى رجوعه إلى دار الحرب.
قوله: (في حق كل واحد)، وبه قال الشافعي وأحمد.
وعند مالك؛ لا يشترط النصاب كما لا يشترط الحرز وبه قال ابن المنذر وأبو ثور وقد بينا.
وقال الشافعي: في قول كقول مالك.
وفي شرح الوجيز والمذهب المذكور المشهور الأول، ولأن قطع الطرفين فيها، وفي السرقة الصغرى قطع طرف، وفيها يشترط النصاب ففي قطع الطرفين أولى، والمراد قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى ولا خلاف لأهل العلم فيه، ولأن هذه الجناية لتفاحشها صارت كالسرقتين والحكم في الشرقتين هكذا.
فإن قيل: ينبغي أن يكون نصاب كل واحد عشرين لأنه كالسرقتين.
قلنا: تغلظ الحد هنا باعتبار تغلظ فعلهم بمحاربة الله ورسوله لا بكثرة المال (١).
قوله: (أي تفويت جنس المنفعة)، وبه قال أحمد في رواية.
وقال الشافعي في اليد الشلاء: في قطعها روايتان كما في السارق، ولو كانت يده اليمنى مقطوعة قطعت رجله اليسرى، ولو كانت يداه صحيحتين ورجله اليسرى مقطوعة قطعت يده اليمنى فقط، ولا خلاف فيه لأنه أي الحد حق الشرع فلا يدخله عفو، وعليه أجمع أهل العلم ذكره ابن قدامة في المغني (٢).
وفي شرح الوجيز: قتل بمقابلة قتل، وفيه معنى الحد فلا يصح عفوه، ولكن ذكر في الكافي: وعند الشافعي الواجب قصاص؛ لأنه قتل بإزاء قتل، وهذا لا يدل على جواز العفو فإن أصحابه اختلفوا فيه فقالوا فيه: معنى الحد والقصاص، وخرجوا عليه مسائل، ولكن ما قال أحد منهم بجواز العفو.
стр. 4061
وَالحَالَةُ الثَّالِثَةُ كَمَا بَيَّنَّاهَا لِمَا تَلَونَاهُ وَيُقْتَلُونَ حَدًّا، حَتَّى لَو عَفَا الأَوْلِيَاءُ عَنهُم لَا يُلتفت إِلَى عَفْوِهِم لِأَنَّهُ حَقُّ الشَّرعِ.
(وَ) الرَّابِعَةُ (إِذَا قَتَلُوا وَأَخذُو المَالَ فَالإِمَامُ بِالخِيَارِ: إِنْ شَاءَ قَطَعَ أَيْدِيَهُم وَأَرْجُلَهُم مِنْ خِلَاف وَقَتَلَهُم وَصَلَبَهُم، وَإِنْ شَاءَ قَتَلَهُم، وَإِنْ شَاءَ صَلَبَهُم، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَقْتُلُ أَوْ يَصْلُبُ وَلَا يُقْطَعُ) (*) لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ فَلَا تُوجِبُ حَدَّينِ، وَلِأَنَّ مَا دُونَ النَّفْسِ يَدخُلُ فِي النَّفْسِ فِي بَابِ الحَدِّ كَحَدٌ السَّرِقَةِ وَالرَّحِمِ. وَلَهُمَا: أَنَّ هَذِهِ عُقُوبَةٌ وَاحِدَةٌ تَغَلَّظَت لِتَغَلَّظِ سَبَبِهَا، وَهُوَ تَفوِيتُ الأَمنِ عَلَى التَّنَاهِي بِالقَتلِ وَأَحْذِ
قوله: (وإن شاء قتلهم وقطعهم وصلبهم)، وفي جامع البزدوي: أو صلبهم وإن شاء قتلهم من غير قطع، وإن شاء صلبهم، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وبه قال أحمد في رواية.
قوله: (وقال محمد … ) إلى آخره، وفي عامة الروايات من المباسيط وشروح الجامع أبو يوسف مع محمد وبه قال الشافعي وأحمد في رواية ومالك، إن كان ذا رأي؛ لأن القتل حد على حده، والقطع كذلك بالنص؛ فلا يجمع بينهما بجناية واحدة أعني قطع الطريق، ولأنه اجتمع عليه العقوبة في النفس، وما دونها حقا الله تعالى فيدخل ما دون النفس في النفس، كما لو اجتمع حد الشرب والسرقة والرجم فإنه يكتفى بالرجم، ويترك ما عداه.
ولأبي حنيفة؛ إن وجد موجب القطع، وهو أخذ المال وموجب القتل، وهو القتل فالكل حد واحدٌ؛ لاتحاد سببه، وإنما غلظ لتغليظ سببه، وهو قطع الطريق؛ لأن ما يقطع به الطريق متفاوت فإذا تناهي تفويت الأمن بأخذ المال والقتل تغلّظ حكمه، وصار كقطع اليد والرجل فإنه حدان في الصغرى حد واحد في الكبرى، ولا تداخل في حدّ واحد كجلدات الزنا، وإنما التداخل في الحدود.
ولا يلزم أن للإمام أن يقتله ويدع القطع فلو كان حدا واحدًا، ينبغي ألا يكون ترك أحدهما؛ لأنا نقول: ليس هذا من التداخل؛ بل باعتبار أنه ليس عليه رعاية الترتيب في أخذ حدّ واحد؛ فله أن يبدأ بالقتل فإذا قتله لا يفيد القطع
стр. 4062
المَالِ، وَلِهَذَا كَانَ قَطعُ اليَدِ وَالرِّجلِ مَعا فِي الكُبْرَى حَدًّا وَاحِدًا وَإِنْ كَانَا فِي الصُّعْرَى حَدَّينِ، وَالتَّدَاخُلُ فِي الحُدُودِ لَا فِي حَدٌ وَاحِد. ثُمَّ ذَكَرَ فِي الكِتَابِ: التَّحْيِيرَ بَين الصَّلبِ وَتَركِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لَا يَتْرُكُهُ لِأَنَّهُ مَنصُوصٌ عَلَيْهِ، وَالمَقْصُودُ التَشهِيرُ لِيَعتَبِرَ بِهِ غَيْرُهُ. وَنَحْنُ نَقُولُ أَصلُ التَّسْهِيرِ بِالقَتْلِ وَالمُبَالَغَةِ بِالصَّلْبِ فَيُخَيَّرُ فِيهِ. ثُمَّ قَالَ: (وَيُصْلَبُ حَيًّا وَيُبْعَجُ بَطْنُهُ بِرُمحٍ إِلَى أَنْ يَمُوتَ) وَمِثْلُهُ عَنْ الكَرخِيّ. وَعَنْ الطَّحَاوِيِّ: أَنَّهُ يُقتَلُ ثُمَّ يُصْلَبُ تَوَفّيًا عَنْ المُثَلَةِ.
وَجهُ الأَوَّلِ: وَهُوَ الأَصَحُ: أَنَّ الصَّلبَ عَلَى هَذَا الوَجْهِ أَبْلَغُ فِي الرَّاعِ وَهُوَ
بعده، كالزاني إذا ضرب خمسين جلدة فمات ترك ما بقي؛ لأنه لا فائدة في إقامته كذا في المبسوط (١)، وجعل في الأسرار قول محمد أصح.
قوله: (وعن أبي يوسف أنه؛ أي الإمام لا يتركه الصلب لأنه)؛ أي الصلب منصوص عليه وبه قال الشافعي وأحمد، ولأنه شرع حدا فلا يجوز تركه كالقتل وسائر الحدود.
وقلنا: إن معنى الزجر والتشهير يتم بالقتل، ولم ينقل أنه ﵇ ولا غره صلب أحدًا، ألا ترى أنه ﵇ لم يفعله بالعرنيين كذا في المبسوط (٢).
قوله: (وَعَنِ الطَّحَاوِي أَنَّهُ يُقْتَلُ ثُمَّ يُصْلَبُ تَوَفّيًا عَنِ الْمُثْلَةِ). وقد نهى النبي ﵇ عن المثلة ولو بالكلب العقور (٣) وبه قال الشافعي وأحمد لأن المقصود منه التشهير وذا يحصل بالصلب بعد القتل فلا حاجة إلى تعذيب الحيوان بلا فائدة.
قوله: (وجه الأول) وهو قول الكرخي أصح لأن المقصود الزجر وإنما
стр. 4063
المَقْصُودُ بِهِ. قَالَ: (وَلَا يُصْلَبُ أَكثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) لِأَنَّهُ يَتَغَيَّرُ بَعدَهَا فَيَتَأَذَّى النَّاسُ بِهِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يُتَرَكُ عَلَى خَشَبَة حَتَّى يَتَقَطَّعَ فَيَسْقُطَ لِيَعْتَبِرَ بِهِ غَيْرُهُ.
قُلْنَا: حَصَلَ الِاعْتِبَارُ بِمَا ذَكَرنَاهُ وَالنَّهَايَةُ غَيْرُ مَطْلُوبَة.
قَالَ: (وَإِذَا قَتَلَ القَاطِعُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي مَال أَخَذَهُ) اعْتِبَارًا بِالسَّرِقَةِ الصُّغَرَى وَقَدْ بَيَّنَّاهُ (فَإِنْ بَاشَرَ القَتلَ أَحَدُهُمْ أُجْرِيَ الحَدَّ عَلَيْهِم بِأَجْمَعِهِم) لِأَنَّهُ جَزَاءُ
يحصل بالحي لا للميت، وهذا يكفي في التشهير والردع ولأنه حد فيشرع في الحياة كسائر الحدود وبه قال مالك والليث والشافعي في قول والأوزاعي.
(البعج)؛ الشَّقُّ من حدِّ مَنَعَ.
قوله: (أكثر من ثلاثة أيام) وبه قال الشافعي في الأصح.
وعن أحمد؛ أنه لم يؤقت في الصلب. وقال أصحابه: الصحيح أنه يؤقت بما حصل به التشهير، والتوقيت بثلاثة أيام بغير دليل ذكره ابن قدامة في المغني (١).
وليس كذلك فإن التشهير لا يحصل بالزمان القليل عادة، فنعتبره بالثلاث كما في مدة الخيار ومهلة الرد وغيرهما.
قوله: (وعن أبي يوسف أنه يُترك إلى أن يتقطع) وبه قال الشافعي في وجه ليكون أبلغ في الاعتبار.
قلنا: حصل الاعتبار بما ذكرنا فلا يشترط نهايته، وفي الترك على هذا الوجه، يتغير ويتأذى الناس به.
قوله: (وقد بيناه)؛ أي الضمان مع الخلافات في السرقة الصغرى.
قوله: (أَجْرَى الْحَدَّ عَلَيْهِمْ بِأَجْمَعِهِمْ) وبه قال مالك وأحمد.
стр. 4064
المُحَارَبَةِ، وَهِيَ تَتَحَقَّقُ بِأَنْ يَكُونَ البَعضُ رِدْءًا لِلبَعضِ، حَتَّى إِذَا زَلَّت أَقْدَامُهُم انحَازُوا إِلَيهِم، وَإِنَّمَا الشَّرطُ القَتلُ مِنْ وَاحِد مِنهُم وَقَدْ تَحَقَّقَ. قَالَ: (وَالْقَتْلُ وَإِنْ كَانَ بِعَصًا أَوْ بِحَجَرٍ أَوْ بِسَيْفٍ فَهُوَ سَوَاءٌ) لِأَنَّهُ يَقَعُ قَطعًا لِلطَّرِيقِ بِقَطْعِ المَارَّةِ (وَإِنْ لَم يَقتُل القَاطِعُ وَلَم يَأخُذ مَالًا، وَقَدْ جَرَحَ، أقتُصَّ مِنْهُ فِيمَا فِيهِ القِصَاصُ، وَأُخِذَ الأَرسُ مِنْهُ فِيمَا فِيهِ الأَرسُ وَذَلِكَ إِلَى الأَولِيَاءِ) لِأَنَّهُ لَا حَدَّ فِي هَذِهِ الجِنَايَةِ فَظَهَرَ حَقُّ العَبْدِ وَهُوَ مَا ذَكَرنَاهُ فَيَستَوفِيهِ الوَلِيُّ (وَإِنْ أَخَذَ مَالًا ثُمَّ جَرَحَ، قُطِعَت يَدُهُ وَرَجلُهُ وَبَطَلَت الجِرَاحَاتُ) لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ الحَدُّ حَقًّا لِلَّهِ سَقَطَت عِصْمَةُ النَّفْسِ حَقًّا لِلعَبدِ كَمَا تَسْقُطُ عِصْمَةُ المَالِ وَإِنْ أُخِذَ بَعدَ مَا تَابَ وَقَدْ قَتَلَ عَمدًا، فَإِنْ شَاءَ الأَوْلِيَاءُ
وقال الشافعي: يحدُّ المباشِرُ لَا الرّدْءُ؛ لأنه جزاء الفعل كحد الزنا فلا يجب على غير المباشر.
وقلنا: حد يتعلق بالمحاربة فيستوي فيه الرِّدْءُ والمباشر، كاستحقاق السهم في الغنيمة، والرِّدْءُ باشر السبب، وهو المحاربة، وقطع الطريق يكون هكذا عادة؛ بأن يباشر البعض ويترصد البعض للدفع فيحصل قطع الطريق بالكل؛ إذ لو اشتغل الكل بالقتال؛ لتعذر عليهم أخذ المال فيكون كلهم قاطع الطريق.
قوله: (انحازوا)؛ أي انضموا.
وفي الصحاح (١): انحاز القوم؛ أي انضموا تركوا مركزهم إلى آخر.
قوله: (فيستوفيه)؛ أي القصاص (الولي) أو أخذ الأرش؛ لأنه ما جاء نص في حده، فصار كما لو كان الجرح في غير قطع، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
قوله: (فبطلت الجراحات كلها)؛ لأنه لما أقيم الحد بطلت عصمة النفس والمال؛ لأن القطع مع الضمان يجتمعان عندهم وقد مر.
قوله: (بَعْدَ مَا تَابَ) ورد المال أيضًا، وبه صرح في المبسوط، ويسقط حد المحاربة بالنص قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآية [المائدة: ٣٤]، ولا خلاف فيه.
وفي المبسوط (٢) والمحيط: رد المال من تمام توبتهم لتنقطع به خصومة
стр. 4065
قَتَلُوهُ وَإِنْ شَاؤُوا عَفَوا عَنهُ) لِأَنَّ الحَدَّ فِي هَذِهِ الجِنَايَةِ لَا يُقَامُ بَعدَ التَّوْبَةِ لِلاسْتِثْنَاءِ المَذْكُورِ فِي النَّص، وَلِأَنَّ التَّوبَةَ تَتَوَقَّفُ عَلَى رَدِّ المَالِ وَلَا قَطعَ فِي مِثْلِهِ، فَظَهَرَ حَقٌّ
صاحب المال، وقد انقطعت خصومته برد المال إليه قبل ظهور الجريمة عند الإمام فيسقط الحد.
أما إذا تابوا ولم يردّوا المال، لم يذكره في الكتاب نصا فقد اختلف المتأخرون فيه.
قيل: لا يسقط الحد قاسه على سائر الحدود فإنها لا تسقط بنفس التوبة. وقيل: يسقط وإليه أشار محمد في الأصل؛ لما أن التوبة مسقط للحد في السرقة الكبرى، للاستثناء في النص ولا استثناء في غيره، وسائر الحدود غير حد القذف لا يسقط بالتوبة عندنا ومالك وأحمد في رواية، والشافعي في قول.
وقال أحمد في رواية والشافعي في قول؛ سقط لقوله تعالى: ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَقَاذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: ١٦] الآية، وقال تعالى في حد السرقة: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ، وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٣٩]، وقال ﵇ في ماعز لما أخبر بهربه: «هلا تركتموه يتوب فيتوب اللهُ عليهِ» (١)، ولأنه حق الله تعالى فيسقط بالتوبة كحد المحارب.
قلنا: قوله: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢]، ﴿فَأَقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨] عام في التائب وغيره والنبي ﵇ رجم ماعزا والغامدية، وقطع الذي أقر بالسرقة، وقد جاؤوا تائبين يطلبون التطهير، وعلم النبي ﵇ توبتهم فأقام الحد، ولأن الحد كفارة فلم يسقط بالتوبة ككفارة اليمين والقتل، ولأنه يقدر عليه كل أحد فينسد باب الحد.
وأما الآية منسوخة، وكان ذلك في بدء الإسلام كما ذكرنا. والآية الثانية تدل على أن بالحد لم يستحق المغفرة، وأما حد القطاع فيسقط بالإجماع بالنص، ولم يجئ نص في غيره.