← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

كِتَابُ الصَّلَاةِ كِتَابُ الصَّلَاةِ الصلاة ثالثة بالإيمان، وهي الأصل في هذا الكتاب، إلا أنه قدمت الطهارة لأنها شرطها. ثم الصلاة فعلة من تحريك الصلوين لغة، وهما العظمان الناتئان عند العجيزة. وشرعًا: الأفعال المعهودة، والأذكار المعلومة، فهي من الأسماء المُغيّرة شرعًا. وقيل: إنها دعاء لغةً، قال الشاعر (١): وصَلَّى عَلَى دَنْها وارْتَسَمْ فعلى هذا من الأسماء المنقولة شرعًا لوجود المعنى اللغوي مع زيادة فيها شرعًا، وفي النقل المعنى اللغوي مرعي، وفي التغيير يكون باقيًا، ولكنه زيد

стр. 457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عليها شيء آخر. ثم ثبت فرضيتها بالكتاب والسنة، والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، أي فرضًا موقتا، وأما فرضية الخمس بقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] الآية، وهذه الآية قاطعة الدلالة على فرضية الخمس؛ لأنه تعالى فرض جمعًا من الصلوات، والصلاة الوسطى معها، وأقل جمع صحيح معه وسطي وهو الأربع دون الثلاث. وما قيل إن اللام إذا دخل على الجمع يراد به الجنس لا يستقيم هاهنا؛ لأنه إنما يراد به الجنس إذا لم يكن ثمة معهود بقرينة، وهاهنا يرجع إلى المفروضات في الشرع، ولئن سلم حمله على الجنس فلا يمكن حمله على أقل الجنس هاهنا بالإجماع، ولا على كله أيضًا بالإجماع، فعلم أن المراد أقل الجمع، وأقل الجمع الذي تصح به الوسطى خمس، على أن عند أكثر أهل اللغة لا يصير للجنس بدخول اللام يبقى جمعًا عاما في أنواع الجموع، وهو اختيار صاحب الكشاف، والمفتاح، فحينئذ لا يرد الإشكال. وقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧] أراد المغرب، والعشاء، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] أراد به الصبح، ﴿وَعَشِيًّا﴾ [الروم: ١٨] صلاة العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] الظهر، كذا في التفسير (١). وأما السنة: فقوله ﵇: «إنَّ اللهَ تعالى فرضَ عَلَى كُلِّ مُسْلم وَمُسِلمَةٍ في كلِّ يوم وليلة خمس صلوات» (٢)، وأنه من جملة الأخبار المتواترة أو المشهورة، وقوله ﵇: «من حافظ على الصلواتِ الخَمْسِ في

стр. 458

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مواقيتها كان له عهد عند الله تعالى أن يغفر له يوم القيامة»، ثم تلا قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] (١)، كذا في المبسوط (٢). وفي الروضة: سأل الفقيه أبو الليث ابن عينية فقال: لم وجبت الصلوات الخمس في الأوقات المختلفة؟ فقال ابن عينية: لأنه تعالى أظهر في كل وقت قدرة جديدة فأوجب على العبد خدمة جديدة، فعند الفجر يذهب بظلمة الليل ويحدث ضوء النهار، وعند الزوال يتم ضياء الشمس وتكثر حرارتها ليطبخ به الثمار، وعند العصر يقلل ذلك لئلا يفسد عليهم، وعند المغرب يذهب بنور النهار ويأتي بظلمة الليل، وعند العتمة يذهب بالشفق. قال الفقيه: سألت أبا الفضل فقلت: لم كانت صلاة الفجر ركعتين، والظهر والعصر والعشاء أربعًا، والمغرب ثلاثا؟ فقال: الشرع، فقلت: زدني، فقال: لأن كل صلاة صلاها نبي، فصلى الفجر آدم ﵇ حين خرج من الجنة وأظلمت (٣) عليه الدنيا وجن الليل، فلم يكن يرى قبل ذلك فخاف خوفًا شديدًا، فلما انشق الفجر صلى ركعتين شكرًا لله تعالى، الأولى شكرًا للنجاة من ظلمة الليل، والثانية شكرًا لرجوع النهار، فكان ذلك منه تطوعًا فأمرنا بذلك ليذهب عنا ظلمة المعاصي، وينور علينا نور الطاعات. وأول من صلى بعد الزوال إبراهيم ﵇ حين أمر بذبح الولد وذلك عند الزوال، فالأول شكرًا لذهاب غم الولد، والثاني لمجيء الفداء، والثالث لرضى الله تعالى حتى نودي بأن قد صدقت الرؤيا، والرابع شكرًا لصبر ولده.

стр. 459

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . على الذبح، وكان ذلك منه تطوعًا فأمرنا بذلك؛ لأنه وفقنا على إبليس كما وفقه بذبح الولد، وأنجينا من الغم كما أنجاه، وأفدينا من النار كما فداه، وأرضي عنا كما رضي عنه. وأول من صلى العصر يونس ﵇ حين أنجاه الله من أربع ظلمات وقت العصر ظلمة الزلة وظلمة الليل وظلمة الماء وظلمة بطن الحوت شكرًا، وكان ذلك منه تطوعًا فأمرنا بذلك لينجينا الله تعالى من أربع ظلمات، ظلمة الذنب كما أنجاه من ظلمة الزلة وظلمة القيامة، وظلمة القبر، وظلمة جهنم. وأول من صلى المغرب تطوعًا شكرًا عيسى ﵇ حين خاطبه الله تعالى: ﴿وَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]، وكان ذلك بعد غروب الشمس، فالأولى لنفي الإلوهية عن نفسه، والثانية لنفيها عن والدته، والثالثة لإثباتها الله تعالى، فأمرنا بذلك ليهون علينا الحساب يوم القيامة، وينجينا من النار، ويؤمنا من الفزع الأكبر. وأول من صلى العشاء موسى ﵇ حين خرج من المدائن وضل الطريق، وكان في غم المرأة وغم أخيه هارون، وغم عدوه فرعون، وغم أولاده، فلما أنجاه الله تعالى من ذلك كله ونودي من شاطئ الوادي صلى أربعًا شكرًا تطوعًا، فأمرنا بذلك ليهدينا كما هداه، ويكفينا كما كفاه، ويجمع بيننا وبين الأنبياء كما جمع بينه وبين أولاده وأخيه، ويعطينا الظفر على عدونا كما أعطاه، فلذلك كانت خمس صلوات في الأوقات المختلفة. وأما الإجماع: فإن الأمة أجمعت على فرضية الصلوات الخمس، وأعداد ركعاتها، عرف ذلك بالتواتر، ولهذا من تركها مستحلا يكفر بالإجماع، ولو تركها كسلا مع اعتقاد وجوبها يحبس حتى يصلي لو أصر على تركها عندنا. وعن مولانا حميد الدين أنه يحكى عن المحبوبي: يضرب ضربًا شديدًا حتى يسيل الدم منه، كذا في المستصفى.

стр. 460

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعند الشافعي (١)، ومالك (٢): يقتل، وقال المزني: يضرب ولا يقتل (٣)، وقال أحمد: يكفر تاركها (٤)، وهو قول بعض أصحاب الشافعي؛ لظاهر قوله ﵇: «من ترك الصلاة عمدًا فقد كَفَرَ» (٥). ثم هل تجب استتابته؟ عند الشافعي فيه قولان، ثم تضرب عنقه. واختلف أصحابه في الوقت الذي يقتل فيه، قال الإِصْطَخْرِي: يقتل إذا خاف فوت الصلاة الرابعة، وقال علي بن أبي هريرة: يقتل إذا ضاق وقت الصلاة الأولى، وهو ظاهر كلام الشافعي، وقال أبو إسحاق: يقتل إذا خاف فوت وقت الصلاة الثانية (٦). وفي شرح المجمع: للشافعي في تارك الصلاة قولان: أحدهما: أنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل حدا، وفي القديم قتل كفرًا لقوله ﵇: «من ترك الصلاة عمدًا فقد كفر» (٧)، ووجه الأول أن الصلاة دعائم الإسلام لا يدخلها النيابة بنفس، أو مال فيقتل بتركها كالشهادتين، وإنما يقتل بعد أن يؤمر بالقضاء، ويقال له: هذا عمل لا يعمله غيرك، فإن صليت وإلا استتبناك، فإن تبت وإلا قتلناك، فإن امتنع عن قضائها قتل. قال بعض أصحاب الشافعي: وفيه إشكال؛ فإن القضاء لا يجب على الفور عندهم على الأصح فلا يوجب تركه القتل، والصحيح أن يقتل بترك الصلاة الرابعة، لأن ما دون ذلك لا يعلم أن تركه للتهاون.

стр. 461

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقيل: يقتل بترك الصلاة الثانية إلا إذا صار الترك عادة له. ولنا: قوله ﵇: «لا يحلُّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاثة معان: كُفْرٌ بعد الإيمان، وزنًا بعد الإحصان، وقتل نفس بغير حَقٌّ» (١)، وهذا مؤمن لأنه مصدق بقلبه ولسانه، وما رواه محمول على الترك عن جحود؛ فإنه حينئذ يصير مرتدًا فيقتل إن لم يتب. وفي المستصفى: وما رواه متروك الظاهر؛ فإنه لا يكفر بالإجماع، ويجعل السبب مجازا عن حكمه وهو القتل. وقلنا: يعمل بحقيقته ويدرج فيه الجحود، أو نحمله على كفران النعمة، وتخصيص الصلاة للتعظيم، أو يقال: معناه ليس هذا من أعمال المسلم لقوله ﵇: «مَنْ أتى امرأة حائضًا فَقَد كَفَر بما أُنْزِلَ عَلَى مُحَمّدٍ» (٢). ثم الصلوات قسمان: لازمة كالخمس والجمعة، والعيدين. وعارضة: كصلاة الجنازة، والكسوف والاستسقاء ونحوها. واللازمة تلزم بأوقاتها، ووقت بعضها يتكرر في سنة مرة، وبعضها في الجمعة مرة، وبعضها في كل يوم خمسًا، فكان معرفة الأوقات أهم معالم الصلوات، ولأن الوقت سبب، والسبب مقدم على المسبب فلهذا بدأ المصنف ببيان المواقيت فقال:

стр. 462

بَابُ المَوَاقِيتِ (أَوَّلُ وَقْتِ الفَجْرِ: إِذَا طَلَعَ الفَجْرُ الثَّانِي، وَهُوَ البَيَاضُ المُعْتَرِضُ فِي الأُفُقِ، وَآخِرُ وَقْتِهَا مَا لَمْ تَطْلُعُ الشَّمْسُ) لِحَدِيثِ «إِمَامَةِ جِبْرِيلَ ﵇، فَإِنَّهُ أَمَّ بَابُ الْمَوَاقِيتِ وابتداء بيان وقت الفجر وكان أولى أن يبتدي ببيان وقت الظهر؛ لأنها أول صلاة أم فيها جبريل ﵇، إلا أن وقت الفجر وقت ما اختلف في أوله وآخره، ولأنه أول صلاة وجبت بعد النوم، والنوم أخ الموت، فكان ابتداؤه بأول وقت صلاة يخاطب المرء بأدائها إذ الخطاب على اليقظان لا على النائم، كذا في المبسوط (١). وقوله: (وأول وقت الفجر)، من باب حذف المضاف أي أول وقت صلاة الفجر إذا طلع الفجر الثاني. وفي الْمُجْتَبى: اختلف المشايخ في أن العبرة لأول طلوعه، أو لاستطارته وانتشاره (٢). وفي البدرية: في قوله: (ما لم تطلع الشمس) إطلاق اسم الكل على البعض؛ لأن قوله (ما لم تطلع الشمس) يتناول من أول الوقت إلى ما قبيل طلوع الشمس، والمراد منه جزء قبيل طلوع الشمس. وفي شرح التأويلات: في قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ [طه: ١٣٠] أي: صَلِّ بأمر ربك، في هذا التخصيص إشارة إلى أنه آخر الوقت وإلا لم يكن فيه فائدة. فإن قيل: قوله «ما بين هذين وقتٌ لكَ ولأمَّتِكَ» يقتضي أن لا يكون الأول والآخر وقتا لتلك الفريضة. قلنا: وجدنا البيان في حق الأول والآخر بالفعل؛ فإنه ﵇

стр. 463

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهَا فِي اليَوْمِ الأَوَّلِ حِينَ طَلَعَ الفَجْرُ، وَفِي اليَوْمِ الثَّانِي حِينَ أَسْفَرَ جِدًا، وَكَادَت الشَّمْسُ تَطْلُعُ»، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الحَدِيثِ: «مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ وَقْتُ لَكَ وَلِأُمَّتِكَ». وَلَا مُعْتَبَرَ بِالفَجْرِ الكَاذِبِ، وَهُوَ البَيَاضُ الَّذِي يَبْدُو طُولًا ثُمَّ يَعْقُبُهُ الظَّلَامُ، لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا يَغُرَّنَّكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ وَلَا الفَجْرُ المُسْتَطِيلُ، وَإِنَّمَا صلى في أوله وآخره، وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ للصلاة أولا وآخرًا، وإن أوّل وقت الفجر حين يطلع الفجر، وآخِرُهُ حين تطلُعُ الشمس» (١)، وفيه بيان في حقهما، ولأن إمامة جبريل ﵇ لم تكن لنفي ما وراء وقت الإمامة عن وقت الصلاة. ألا ترى أنه ﵇ أم في اليوم الثاني حين أسفر جدا، والوقت يبقى بعده إلى طلوع الشمس، وصلى العشاء في اليوم الثاني حين ذهب ثلث الليل، والوقت يبقى بعده إلى طلوع الفجر، وهذا جواب أبي حنيفة عن احتجاجهما بإمامة جبريل ﵇ للظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، كذا في المبسوط (٢). أو نقول هذا بيان للوقت المستحب؛ إذ الأداء في أول الوقت مما يتعسر على الناس فيؤدي إلى تقليل الجماعة، وفي التأخير إلى آخر الوقت خشية الفوات، فكان المستحب ما بينهما، مع قوله ﵇: «خير الأمور أواسطها» (٣). (قوله ﵇: «لَا يَغُرَّنَّكُمْ»)، أي لا تغتروا بأذانه لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [لقمان: ٣٣]. ولا الفجر المستطيل، أي الذي يبدو طولا كذنب السرحان، وسمي كاذبًا لأن نوره يبدو ثم يختلف ويعقبه الظلام.

стр. 464

الفَجْرُ المُسْتَطِيرُ فِي الْأُفُقِ» أَيْ: المُنْتَشِرُ فِيهِ. (وَأَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ، إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ) والفيء بالهمز بوزن الشيء، (وفيء الزوال) رجوع الظل من جانب المغرب إلى جانب المشرق. ثم عند الفقهاء الفيء الذي يكون للأشياء وقت الزوال في الزوال، قال محمد بن شجاع: إذا أردت معرفته فاغْرِزْ في مكان مستو، ثم تخط على رأس ظلها خطا فما دام الظل ينقص عن الخط تعلم أن لم يزل، وإذا سكن الظل ولم يزد ولم ينقص فذلك وقت الاستواء، وذا القدر الذي بقي من الظل في الزوال، وقد يكون ذلك في أيام الشتاء أطول وفي أيام الصيف أقصر، وإذا أخذ الظل في الزيادة علمت أن الشمس قد زالت، كذا في المبسوط (١). وفي المحيط: فإذا أخذ الظل في الزيادة فالشمس قد زالت فخط على رأس موضع الزيادة فيكون من رأس الخط إلى العود في الزوال، فإذا صار ظل العود مِثلَيْهِ منه لا إلى العود، خرج وقت الظهر عند أبي حنيفة (٢). وفي الْمُجْتَبى: زوال الشمس انحطاطها عن كبد السماء يسيرًا، وقيل: أن يأخذ الظل في الزيادة، والظل بين القصر والطول هو المسمى بفيء الزوال، ولو لم يجد ما يغرزه لمعرفة الفيء وللإمثال فليعتبره بقامته، وقامة كل إنسان ستة أقدام ونصف بقدمه، وقال الطحاوي وعامة المشايخ: سبعة أقدام، ويمكن الجمع بينهما بأن تعتبر سبعة أقدام من طرف سمت الساق، وستة ونصف من طرف الإبهام، وإليه أشار البقالي في شرح الأربعين. ثم اعلم أن لكل شيء ظل وقت الزوال إلا بمكة والمدينة، وصنعاء اليمن في أطول أيام السنة فإن الشمس فيها تأخذ الحيطان الأربعة (٣). وهو رواية عن أبي حنيفة، روى عنه الحسن بن زياد، وهو قول زفر،

стр. 465

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والشافعي (١)، والثوري، وأحمد (٢)، واختاره الطحاوي، وحكي عن مالك مثله (٣). وحكى أبو نصر عن مالك: وقت الظهر إلى أن يصير ظل الشيء مثله وقت مختار، وأما وقت الأداء فآخره إذا بقي إلى غروب الشمس قدر أربع ركعات (٤). وفي المبسوط: وقال مالك: إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر، فإذا مضى مقدار ما يصلي فيه أربع ركعات دخل وقت العصر، ولم يخرج وقت الظهر وكان الوقت مشتركًا بينهما إلى أن يصير الظل قامتين؛ لظاهر حديث إمامة جبريل عليه الإسلام، وهذا فاسد عندنا لأنه ﵇ قال: «لا يدخُلُ وقتُ صلاة حتى يخرج وقت صلاةٍ أُخرى»، وتأويل حديث إمامة جبريل ﵇ وهو أنه «صلى به الظهر في اليوم الثاني حين صار ظلُّ كلّ شيءٍ على مثلِهِ»، أي قرب، «وصلّى بي العصر في اليوم الأول حين صار ظلُّ كلّ شيء مثله»، أي تم وزاد عليه فلا اشتراك بينهما، وهو نظير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢] أي قارب بلوغ أجلهن، وقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢] أي تم انقضاء عدتهن (٥). وكذا في شرح الوجيز أيضًا، وفيه: ويروى هذا عن المزني (٦). وفي الحلية: عن جرير وعطاء أنه لا يكون بتأخر الظهر إلى صفرة الشمس مُفَرِّطًا، وعن طاووس أنه لا يفوت حتى الليل (٧). وفي مبسوط شيخ الإسلام: اختلافهم في آخر وقت الظهر اختلاف في أول

стр. 466

لِإِمَامَةِ جِبْرِيلَ ﵇ فِي اليَوْمِ الأَوَّلِ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ (وَآخِرُ وَقْتِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ سِوَى فَيْءِ الزَّوَالِ وَقَالَا: إِذَا صَارَ الظُّلُّ مِثْلَهُ) (*) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَفَيْءُ الزَّوَالِ: هُوَ الفَيْءُ الَّذِي يَكُونُ لِلْأَشْيَاءِ وَقْتَ الزَّوَالِ. لَهُمَا: إِمَامَهُ جِبْرِيلَ ﵇ فِي اليَوْمِ الأَوَّلِ فِي هَذَا الوَقْتِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَوْلُهُ ﵊: «أَبْرِدُوا بِالظَّهْرِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ»، وَأَشَدُّ الحَرِّ فِي دِيَارِهِمْ فِي هَذَا الوَقْتِ، وَإِذَا تَعَارَضَتِ الْآثَارُ لَا يَنْقَضِي الوَقْتُ بِالشَّكْ. [وقت] (١) العصر لأنه ليس بين الوقتين وقت مهمل إلا في رواية رواها علي بن جعد، وأسد بن عمرو عن أبي حنيفة، فإنهما رويا أن ما بين المثل إلى المثلين وقت مهمل، وهو الذي يسميه الناس بين الصلاتين. (ولهما إمامة جبريل ﵇ في اليوم الأول)، أي إمامته للعصر في اليوم الأول في هذا الوقت، وهو ما صار ظل كل شيء مثله، وفي بعض النسخ: (إمامته العصر في اليوم الثاني في هذا الوقت)، وفي نسخة: (إمامته الظهر في اليوم الثاني في هذا الوقت). («أبردوا بالظهر»)، أي صلوها إذا سكنت شدة الحر، وفيح جهنم شدة حرها، وأشد ما يكون من الحر في ديارهم إذا صار ظل كل شيء مثله. (تعارضت الآثار)، قال شيخ الإسلام: في بعض الروايات أم جبريل ﵇ في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه، فتعارضت الروايات. وقيل: أراد بتعارض الآثار قوله ﵇: «أبْرِدُوا»، الحديث، فإنه يعارض إمامة جبريل ﵇ فوقع الشك في خروجه، ووقت الظهر كان ثابتا بيقين فلا يزول به، وما لم يكن ثابتًا بيقين وهو وقت العصر لا يثبت بالشك.

стр. 467

(وَأَوَّلُ وَقْتِ العَصْرِ، إِذَا خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ عَلَى القَوْلَيْنِ، وَآخِرُ وَقْتِهَا مَا لَمْ تَغْرُبُ الشَّمْسُ) لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا». فإن قيل: يعارض حديث الفتح حديث زهير، عن أبي إسحاق، عن ابن وهب، عن خباب أنه قال: أتينا النبي ﵇ فشكونا إليه حر الرمضاء فلم يشكنا (١)، أي لم يُزِلْ شكوانا والهمزة للسلب كأعجمت الكتاب، أي: أزلت عجميته. قلنا: إنه منسوخ ذكره البيهقي وغيره، ولئن ثبت فحديث الإبراد محمول على إذا ما صار للتلول ظلال، لكن الرمضاء التي سجد عليها لم تبرد فشكوا ذلك فلم يُجِبْ إذ لا يزول ذلك إلا بعد اصفرار الشمس. وفي إشارات الأسرار، والمبسوط: لأبي حنيفة ما رواه ابن عمر أنه ﵇ قال «إنّما أجَلُكُم في أجَلِ مَنْ خَلَا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، إنما مثلُكُمْ ومثل اليهود والنصارى كرجل استعملَ عُمالًا فقال: من يعمل إلى نصف النهار على قيراط قيراط، فعَمِلَت اليهود إلى نصف النهار بقيراط قيراط، ثم قال: مَنْ يَعْمَلْ من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط فعملت النصارى إلى صلاة العصر على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين ألا فأنتم الذين يعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين، ألا لَكُمُ الأجرُ مرَّتين، فغَضِبَت اليهود والنصارى وقالوا: نحنُ أكثر عملًا وأقلُّ عطاءً، قال تعالى: وهل ظلمتُكُم من حَقَّكُم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فإنه فضُلُ أعطيتُهُ مَنْ أشاءُ» (٢) فهذا الحديث يدل على أن وقت الظهر أكثر امتدادًا من وقت العصر؛ لأنه جعل معيار طول العمل وقصره طول الزمان وقصره، ولو كان وقت العصر عند كون ظل الشيء مثله لانعكس الأمر، فعلم أن وقت العصر كله أقصر من وقت الظهر، فحينئذ يكون هذا الحديث معارضًا لرواية إمامة جبريل ﵇، مع أن

стр. 468

(وَأَوَّلُ وَقْتِ المَغْرِبِ، إِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَآخِرُ وَقْتِهَا، مَا لَمْ يَغِب الشَّفَقُ) الباب باب العبادة والأخذ بالاحتياط فيها أولى، وما ذهبنا إليه وقت العصر بالاتفاق. فإن قيل: حديث إمامة جبريل ﵇ نص في تقدير الأوقات مع أن كثرة العمل لا توجب كثرة الزمان، وحديث ابن عمر سيق لضرب المثل، وهو معرض للتوسع فيه والمجاز فكان العمل بالنص أولى. قلنا: معرفة بيان الأوقات لم يستقر على بيان جبريل ﵇؛ لأن فيه أنه صلى الفجر في الثاني حين أسفر، ووقت المختار يبقى إلى طلوع الشمس عند أعلام العلماء، ولا يلتفت إلى من شذ، ويدل عليه فعله ﵇ في اليوم الثاني حين كادت الشمس تطلع في بيان وقت الاختيار، مع أن حديثنا أصح لأنه في الصحيحين، وحديثهم حسنه الترمذي واحتمل، فلا يخرج وقت الظهر بالشك، مع أن ما قلنا أجود في الدين ويثبت براءة الذمة باليقين إذ تقديم الصلاة على الوقت لا يجوز بالإجماع، ويجوز التأخير وإن وقعت قضاء، فكان ما قلنا أولى وأجود. وأما قولهم: كثرة العمل إلى آخره، فقلنا: لم تذكر وأكثره عملهم إلا من أجل طول الزمان فإن اليهود عملت من أول النهار إلى انتصافه، فكانت كثرته مأخوذة من طول الزمان لا من الاجتهاد في العمل. وعلى القولين، يعني على حسب الاختلاف في آخر وقت الظهر، وهذا على ظاهر الرواية، أما على رواية الأسد وعلي بن جعد معناه: إذا خرج وقت الظهر بصيرورة الظل مثله، ولا يدخل وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه فكان بينهما وقت مهمل، فالاحتياط أن يصلي الظهر قبل أن يصير ظل كل شيء مثليه ليكون مؤديا في الوقت بيقين، والعصر حين صار ظل كل شيء مثله ليكون مؤديا بالاتفاق، كذا في المبسوطين (١). وفي الحلية: إذا صار الظل مثليه وزاد أدنى زيادة دخل وقت العصر،

стр. 469

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: مِقْدَارُ مَا يُصَلَّى فِيهِ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ، لِأَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَمَّ فِي اليَوْمَيْنِ فِي وَقْتِ وَاحِدٍ. وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «أَوَّلُ وَقْتِ المَغْرِبِ حِينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ، وَآخِرُ وَقْتِهَا حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ»، وَمَا رَوَاهُ كَانَ لِلتَّحَرُّزِ عَنِ الكَرَاهَةِ (ثُمَّ الشَّفَقُ هُوَ ووقت الاختيار إلى مصير الظل مثليه، وبعده وقت الجواز بلا كراهة إلى الاصفرار، ومنه إلى الغروب وقت الكراهة. وقال الإِصْطَخري: آخر وقت العصر إذا أصار ظل الشيء مثليه؛ لأنه لو زاد عليه لبينه جبريل ﵇ (١). وظاهر المذهب الأول لقوله ﵇: «مَنْ أدرك ركعةً مِنَ العَصرِ قَبل أَنْ تَغُرُب الشَّمسُ فقد أدرك العصر»، ذكره في الصحيحين (٢). وفي المبسوط: آخر وقت العصر عند غروب الشمس عندنا، وقال الحسن: تغير الشمس إلى الصفرة، وهو قول الشافعي في المختصر لحديث إمامة جبريل ﵇ أنه ﷺ قال: «صلى بي العصر في اليوم الثاني حين كادت الشمس تتغير» (٣). وهذا قول الإِصْطخري من أصحابه، وما ذكر في الحلية ذكر في شرح الوجيز وقال: وهو قول الشافعي في المختصر، والجواب عنه: أنه لا خلاف في دخول وقت العصر بخروج وقت الظهر، وكلام الشافعي محمول على أن خروجه لا يكاد يعرف إلا بزيادة الظل على المثل وإلا فتلك الزيادة من وقت العصر (٤). قوله: (وقال الشافعي)، وفي شرح الوجيز: وقت المغرب يدخل بالغروب ويمتد إلى غروب الشفق في قول (٥).

стр. 470

البَيَاضُ الَّذِي فِي الأُفُقِ بَعْدَ الحُمْرَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُما: هُوَ الحُمْرَةُ) (*) وفي الحلية: وبه قال أبو حنيفة، وأحمد (١). قال النواوي: وهو الصحيح، واختاره البغوي، والخطابي، والبيهقي، والغزالي من أصحابه لورود الأحاديث الصحيحة به، وعلى قول: إذا مضى بعد الغروب مقدار وضوء، وأذان وإقامة، وقدر خمس ركعات انقضى وقته (٢). وفي الحلية: قدر ثلاث ركعات وله وقت واحد، وبه قال مالك؛ لأن جبريل ﵇ أم في يومين في وقت واحد (٣). ولمالك ثلاث روايات، أحدها كقولنا، والثانية: كقول الشافعي الجديد، والثالثة: يبقى إلى طلوع الفجر (٤)، وهو قول عطاء، وطاووس، وحكي عن الشعبي أن أول وقتها إذا اشتبكت النجوم. وفي مبسوط شيخ الإسلام، والأسرار وحجتنا ما روي عن ابن عمر (٥) أنه ﵇ قال: «وقتُ المَغربِ ما لَمْ يَسقُط ثورُ الشَّفَقِ» (٦)، بالثاء المثلثة وهو ثورانه، وفي رواية أبي داود: «فورُ الشَّفق» (٧)، بالفاء وهو بمعناه، وفي رواية: «ما لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ» (٨)، إلا أن التأخير عن أول الغروب مكروه، فلذلك لم يؤخر جبريل ﵇؛ فإنه أتاه ليعلمه المباح من الأوقات. ألا ترى أنه لم يؤخر العصر إلى الغروب والوقت باق، ولا العشاء إلى ثلث الليل وبعده وقت العشاء بالإجماع، على أن المصير إلى ما روينا أولى؛ لأنه

стр. 471

وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ لِقَوْلِهِ ﵊: «الشَّفَقُ الحُمْرَةُ» وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: قَوْلُهُ ﵊: «وَآخِرُ وَقْتِ المَغْرِبِ إِذَا اسْوَدَّ الأُفُقُ» وَمَا رَوَاهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ ﵄ ذَكَرَهُ كان بالمدينة، وما رواه كان بمكة. وفي المبسوط: يكره تأخير المغرب بعد الغروب إلا بقدر ما يستوي فيه الغروب، رواه الحسن عن أبي حنيفة؛ لقوله ﵇: «لا تَزالُ أُمتي بخير ما عجلوا المَغِرب، وأخُروا العِشاء» (١)، وأخر ابن عمر أداءها حتى رأى نجماً طالعاً أعتق رقبة، وعمر ﵁ رأى نجمين قبل أدائها أعتق رقبتين، وتأويل حديث جبريل ﵇ أنه أراد به بان وقت الاستحباب (٢). قوله: (وهو رواية عن أبي حنيفة)، رواه أسد بن عمرو عنه، وعليها الفتوى، وبه قال مالك (٣)، وأحمد (٤)، وداود (٥)، وهو أول وقت العشاء بإجماع الأئمة الأربعة، وما حكي عن أحمد أن الشفق هو البياض في الحصر فإنما قاله لأن الحمرة تواريها الحيطان فظن أنها قد غابت ولم تغب، فإذا غاب البياض تحقق مغيب الحمرة، كذا في الحلية (٦). وفي شرح الحلية: وقد نقل رجوع الإمام إليها لما ثبت عنده من حمل عامة الصحابة الشفق على الحمرة، وإثبات هذا الاسم للبياض قياس في اللغة، ولأنه لا يجوز ومذهبهما مختار الأصمعي، والخليل، وفيه تأمل لما يجيء بعد. وفي المبسوط: قال الخليل راعيت البياض ليلا بمكة فلم يذهب إلا بعد

стр. 472

مَالِكُ ﵀ فِي المُوَطَّأ، نصف الليل، وقيل: لا يذهب البياض في ليالي الصيف، بل يتفرق في الأفق، ثم يجمع عند الصبح، فلدفع الحرج جعلنا الشفق هو الحمرة (١). ولأن الطوالع ثلاث فجر كاذب، وفجر صادق، وطلوع الشمس، والغروبات ثلاث: غروب الشمس، وغروب الحمرة، وغروب البياض. ثم المعتبر لدخول وقت الفجر الوسطي من الطوالع، وهو الفجر الثاني، فكذا المعتبر لخروج وقت المغرب الوسط من الغوارب وهو الحمرة، ومذهب أبي حنيفة مختار المبرد، والفراء، وأبي بكر، وعائشة، وبه قال زفر، والمزني، وحكي عن أحمد أنه البياض في البنيان، والحمرة في الصحراء (٢). احتج أبو حنيفة ﵁ بظاهر قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] الآية، جاء في التفسير عن ابن عباس: أن الدلوك غروب الشمس (٣)، فالله تعالى مد وقت المغرب إلى غسق الليل، والغسق عبارة عن اجتماع الظلمة، والظلمة لا تجتمع إلا بعد ذهاب البياض. وبما روي عن أنس أنه قال للنبي ﵇: متى أصلي العشاء؟ قال: «متى يسودُّ الأفقُ»، واسوداده لا يكون إلا بعد ذهاب البياض أيضًا. وأيضًا أهل اللغة يطلقونه على البياض كما يطلقونه على الحمرة، هكذا جاء عن المبرد، والفراء، وأحمد بن يحيى، فحمل على البياض احتياطا، ويضرب من الاستدلال من طريق اللغة والفقه. أما اللغة: فإن الشفق عبارة عن الرقة، يقال: ثوب شفق، أي رقيق النسج، أو رَقَّ من طول ما لبس، والشفقة من رقة القلب، والبياض أولى بهذا الاسم؛ لأن أجزاءه أرق من أجزاء الحمرة.

стр. 473

وَفِيهِ اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ. وأما الفقه: فإن المغرب بمنزلة الفجر؛ لأنها تقام في ساعة إثر نور الشمس دون عينها كالفجر، ثم البياض المعترض في وقت الفجر من الحمرة فليكن كذلك في المغرب لتكون صلاتان في وضح النهار مع قيام عين الشمس، وصلاتان في إثرها، وصلاتان في غسق الليل: العشاء، والوتر. وقولهما أوسع للناس، وقول أبي حنيفة أحوط؛ لأن الأصل في الصلاة أن لا يثبت ركن منها، أو شرط إلا بما فيه يقين، كذا في مبسوط شيخ الإسلام، والأسرار، والمحيط (١). وقيل: يؤخذ في الصيف بقولهما لقصر، الليالي، وبقاء البياض إلى ثلث الليل أو نصفه، وفي الشتاء بقوله لطولها وعدم بقاء البياض إليه، كذا في التجنيس. وفي السهيلي: وما حكي عن الخليل أنه قال: (راعيت البياض إلى نصف الليل) بعيد؛ لأنه من آثار الشمس، فإذا بعدت عن الأفق لم يصح بقاء أثرها، والخليل مقبول القول في اللغة، وهو كغيره في الأشياء المحسوسة. وقيل: كان ما يراعيه بياض الجو. وفي المبسوط: الحمرة أثر الشمس، والبياض أثر النهار، فما لم يذهب ذلك كله لا يصير الليل مطلقا، وصلاة العشاء صلاة الليل كيف وقد قال ﵇: «وقت العشاء إذا أملأ الظلام الظراب»، وفي رواية: «إذا ادلهم الليل»، أي يستوي الأفق في الظلام، وإنما يكون ذلك إذا ذهب البياض كله (٢). (وفيه اختلاف)، أي في الشفق كما قلنا، يعني التمسك بالحديث فيما اختلف فيه الصحابة لا يجوز؛ لأن عدم التمسك به أو عدم القبول دليل انقطاعه، على ما عرف في الأصول، فكيف جوز التمسك بالموقوف فيه، كذا في الخبازية.

стр. 474

(وَأَوَّلُ وَقْتِ العِشَاءِ إِذَا غَابَ الشَّفَقُ، وَآخِرُ وَقْتِهَا مَا لَمْ يَطْلُعِ الفَجْرُ الثَّانِي) لِقَوْلِهِ ﵊: «وَآخِرُ وَقْتِ العِشَاءِ حِينَ يَطْلُعُ الفَجْرُ». وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي تَقْدِيرِهِ بِذَهَابِ ثُلُثِ اللَّيْلِ. قوله: (بذهاب ثلث الليل)، ثم لا خلاف للشافعي (١)، ومالك (٢)، وأحمد (٣) في أول وقت العشاء أنه إذا غاب الشفق، وهو الحمرة والخلاف في آخر وقتها. وفي الحلية: آخر وقتها المختار إلى نصف الليل في القديم، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد في رواية؛ لقوله ﵇: «لولا أن أشُقَّ على أمتي لأَخَّرْتُ العشاء إلى نصف الليل» (٤)، وفي الجديد إلى ثلث الليل، وبه قال مالك، وأحمد في رواية لحديث إمامة جبريل ﵇ فإنه ﵇ قال: «صلى بي العشاء في اليوم الثاني حينَ ذهب ثلث الليل» (٥)، ووقت الجواز إلى طلوع الفجر خلافًا للإصطخري، فإنه يقول: إذا ذهب وقت المختار على القولين ذهب وقت الجواز (٦). أما على قول الثلث لحديث جبريل ﵇ أنه قال: «الوقت ما بين هذين الوقتين» (٧)، وأما على قول النصف فلما روي أنه ﵇ قال: «وقتُ العشاء ما بينك وبين النصف» (٨)، والمذهب الأول؛ لقوله ﵇: «ليس التفريط في النوم، إنما التفريط في اليقظة أن يُؤخر الصلاة حتى يدخل وقتُ

стр. 475

(وَأَوَّلُ وَقْتِ الوَتْرِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَآخِرُهُ مَا لَمْ يَطْلُعِ الفَجْرُ) لِقَوْلِهِ ﵊ فِي الوَتْرِ: «فَصَلُّوهَا مَا بَيْنَ العِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الفَجْرِ» قَالَ ﵁: هَذَا عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَيْهِ: وَقْتُهُ وَقْتُ العِشَاءِ (*)، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ عِنْدَ التَّذَكَّرِ لِلتَّرْتِيبِ. صلاة أخرى» (١)، حصر التفريط في التأخير إلى وقت صلاة أخرى، فيكون الوقت ممتد إلى طلوع الفجر، كذا في شرح الوجيز (٢). وفي المبسوط: روى أبو هريرة أنه ﵇ قال: «آخر وقت العشاء حين طلع الفجر الثاني»، وقال ﵇: «لا يخرُجُ وقت صلاةٍ حتى يدخل وقت صلاةٍ أُخرَى»، وهذا دليل لنا إن ثبت هذا اللفظ، ولكنه شاذ، والمشهور هو الأول (٣). قيل: ما نسبه إلى الشذوذ رواه مسلم بمعناه، وما نسبه إلى الشهرة لم يعرف في كتب الحديث، ولأن صلاة العشاء صلاة الليل فيبقى وقتها ما بقي الليل، وفيه تأمل. وفي شرح الأقطع: ما قبل طلوع الفجر وقت لمن بلغ وأسلم فكان وقتًا لغيرهما، كما قيل نصف الليل، وإمامة جبريل ﵇ في الليل الثاني إلى النصف بيان لوقت الاستحباب لما أن التأخير إليه مكروه. قوله: (هذا عندهما)، أي ما ذكره القدوري أن وقت الوتر بعد العشاء عند أبي يوسف ومحمد؛ لأنها سنة عندهما، فيكون وقتها بعد العشاء كركعتي الظهر (٤). أما عند أبي حنيفة الوتر فرض عملًا فيكون وقته وقت العشاء، إلا أنها لا تقدم عليها لما أن الترتيب بين الفرائض واجب، حتى لو قدم الوتر على العشاء

стр. 476

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عمدًا تلزمه الإعادة عنده، أما لو قدمه ناسيًا، أو صلى العشاء على غير وضوء، ثم نام وقام وتوضأ وصلى الوتر، ثم تذكر أنه صلى العشاء بغير وضوء فعنده لا يعيد الوتر، وعندهما يعيده في الحالين؛ لأنه سنة، كذا في مبسوط شيخ الإسلام (١). وفيمن لا يحد وقت العشاء كما في بلاد بلغار حيث يطلع الفجر فيها قبل غيبوبة الشفق أفتى البقالي والمرغيناني بعدم وجوب العشاء، وأفتى الحلواني بقضائها، فبلغه جواب البقالي فأرسل من يسأله في عامته في جامع خوارزم: ما تقول فيمن أسقط من الصلوات الخمس واحدة هل يكفر؟ فقال البقالي في جوابه: ما تقول فيمن قطع يداه مع المرافق، أو رجلاه مع الكعبين كم فرائض وضوئه لقال ثلاث؛ لفوات محل الرابع، قال: فكذلك الصلاة الخامسة. فبلغ جوابه الحلواني فاستحسنه ووافقه فيه، كذا في الْمُجْتَبى (٢). وفي المحيط: أفتى الإمام البرهاني الكبير بوجوب صلاة العشاء، والصحيح أنه لا ينوي القضاء لفقد وقت الأداء (٣). وفي تتمة أصحاب الشافعي: في بلاد لا يغيب الشفق عندهم أول وقت العشاء في حقهم أن يمضي من الزمان بعد غروب الشمس قدر ما يغيب الشفق في مثله في أقرب البلاد إليهم، كما في الفطرة إذا لم يكن لهم قوت معلوم معهود يلزمهم قوت أقرب بلاد إليهم، يؤيده ما روى نواس بن سمعان قال: ذكر الدجال رسول الله ﷺ ، قلنا: ما لُبْتُهُ في الأرض؟ قال: «أربعون يومًا، يوم كسَنَةٍ، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم»، فقيل: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنةٍ أيكفينا صلاة يوم؟ قال: «لا، اقدروا له قدره»، رواه مسلم في صحيحه (٤).

стр. 477

فصل: [بيان الأوقات التي تُسْتَحَبُّ فيها الصلوات] (وَيُسْتَحَبُّ الإِسْفَارُ بِالفَجْرِ) (فَصْلٌ) لما ذكر أصل الأوقات استدعى ذلك ذكر ما هو الكامل فيه وهو الوقت المستحب فقال: (ويستحب الإسفار بالفجر)، يقال: أسفر الصبح إذا أضاء، ومنه أسفر بالصلاة إذا صلاها بالإسفار والباء للتعدية، ثم يبدأ بالإسفار ويختم به في ظاهر الرواية. وفي شرح الإرشاد: يستحب أن يدخل فيها بالتغليس، ويخرج منها بالإسفار، هكذا وقته محمد، وقال الطحاوي: إذا أراد تطويل القراءة يبدأ بالغلس ويختم به فهذا الذي ذكرنا في الحضر والسفر إلا الفجر بمزدلفة للحاج فإن التغليس بها أفضل، ولا ينبغي أن لا يؤخر تأخيرا يقع الشك في طلوع الشمس؛ لأن في ذلك فساد صلاته، كذا في شرح الطحاوي (١). وفي الْمُجْتَبى: حد التنوير ما قاله الحلواني والنسفي أنه شرع بعد انتشار البياض في وقت لو صلاها بقراءة مستوية مع ترتيل، ثم ظهر له سهو يمكنه إعادة الوضوء والصلاة جميعًا على وجه السنة قبل طلوع الشمس (٢)، وكذا في فتاوى قاضي خان. وفي القنية: لو ظهر أنه صلى جنبًا أو مُحدِثًا أمكنه أن يتطهر ويصلي بقراءة مستوية. وقيل: حد التنوير أن يرى بعضهم بعضًا، وفي الكافي: حد الإسفار أن يرى مواقع النبل، وفي الأسرار: قال ﵇ لبلال: «نَوِّرْ بالفجر» (٣)، حتى ينظر الناس إلى مواقع نبلهم. وقال الشافعي: يستحب التعجيل في كل صلاة (٤).

стр. 478

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي شرح الوجيز: الأفضل عندنا تعجيل الصلوات وفضيلة الأولية بأن يشتغل بأسباب الصلاة كما دخل الوقت، وقيل: تتمادى الفضيلة إلى نصف الوقت للاختيار، ويستحب تأخير العشاء على أحد القولين، ويستحب الإبراد بالظهر في شدة الحر (١). وفي الحلية: الأفضل تقديم الفجر في أول وقتها، وبه قال مالك، وأبو ثور، وداود، ومحمد، والحسن في رواية (٢). احتج الشافعي بقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وفيما قلنا إظهار المسارعة، وبقوله ﵇: «أول الوقتِ رِضْوانُ الله، وآخِرُ الوقتِ عَفْوُ اللهِ» (٣)، فقال الشافعي: الرضوان للمحبين، والعفو يشبه أن يكون للمُقصِّرين، يؤيده قول أبي بكر ﵁: رضوان الله أحب إليَّ من عفوه. وبقوله ﵇: «أفضل الأعمال الصلاة لأول وقتها» (٤)، ولقول عائشة قالت: "كانت النساء ينصرفن من الصلاة مع رسول الله ﷺ متلفعات (٥) بمروطهن (٦) لا يعرفن من شدة الغلس (٧). ويروى: ملفقات، والمعنى متقارب.

стр. 479

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وبحديث أنس أنه قال: كان النبي ﷺ يصلي الفجر ولا يعرف أحدنا من إلى جنبه من الغلس، وبحديث أسامة بن زيد الليثي، عن الزهري بسنده، وفيه: أنه ﵇ صلى الصبح بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات لم يعد إلى أن يسفر، رواه أبو داود (١)، قال الخطابي: حديث صحيح الإسناد. ولنا الحديث المذكور في المتن رواية رافع بن خديج، أخرجه أبو داود، والنسائي، وأحمد، وابن ماجه، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح (٢)، ذكره في المغني لابن قدامة (٣)، وفي شرح المهذب للنواوي (٤). وفي شهاب الأخبار: «نَوِّروا الفجر»، مكان: «أَسْفِروا»، هكذا رواه الطحاوي بإسناده (٥)، ولأن المكث في مكان الصلاة مندوب إليه، قال ﵇: «من صلى الفجر ومكث حتى تطلع الشمس فكأنما أعتق أربع رقاب من ولد إسماعيلَ ﵇» (٦)، فإذا أسفر يتمكن من إحراز هذه الفضيلة، وعند التغليس قلما يتمكن منه، ولأنه وقت نوم وغفلة وفيه تقليل

стр. 480

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الجماعة وهو مكروه، مع أنه في التغليس بعض الحرج، وفي التنوير تكثيرها. مع أن التأخير يشتمل على أجران فضيلة الانتظار، قال ﵇: «المُنتَظِرُ للصَّلاةِ في الصَّلاةِ ما دامَ يَنتَظِرُها» (١)، ولأن أصحاب النبي ﵇ ما اجتمع على شيء كاجتماعهم على تنوير الفجر، وتأخير العصر، رواه محمد بن خزيمة في صحيحه عن الأعمش، [عن] (٢) إبراهيم هكذا، وهكذا رواه أبو جعفر الطحاوي (٣). والأصل في الدلائل الجمع والتوفيق، فحمل حديث عائشة على الابتداء حين يحضر النساء الجماعة، ثم انتسخ ذلك حين أمرن بالقرار في البيوت، كذا في المبسوطين (٤). وكذا حديث أنس مع أنه لا حجة لهم فيه لأول الوقت، لما أن التلفع والتلفق مع تغطية الرأس يستعمل، قال ابن حبيب: الالتفاع لا يكون إلا بها، فكانت علة عدم معرفتهن التستر بالمروط لا الغلس. ولأنهم كانوا يصلون بمسجد النبي ﵇ ولم يكن لهم مصابيح وقت صلاة الصبح، إذ لو كانت لعرف الرجل جليسه في نصف الليل، والغلس يستمر إلى وقت الإسفار في الأبنية، يقال: هذا بيت غلس في النهار إذا كان فيه غلسة وظلمة يسيرة، وحمل قوله ﵇: «لِأَوَّلِ وَقتِها» على بعض الأوقات كما في الشتاء، مع أنه مضطرب ضعيف؛ لأنه يرويه قاسم بن غنام الأنصاري وهو سيء الحفظ، ضعيف النقل، ومع ذلك منقطع السند؛ لأنه يرويه عن فروة بنت أبي قحافة أخت أبي بكر لأبيه ﵁، وهو لم يدركها.

стр. 481

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والصَّحيحُ حديثُ ابنِ مَسعودٍ أنَّهُ قال: «الصَّلاةُ لِوَقْتِها»، رِوايةُ البُخاريِّ ومُسلمٍ (١)، ويُحمَلُ قوله ﵇: «آخِرُ الوَقْتِ عَفْوُ اللهِ» على فضلِهِ، فإنَّ العَفْوَ مُشتَرَكٌ يَحمِلُ العَفْوَ عن الذَّنبِ، ويَحتَمِلُ الفَضلَ، قال تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] أي الفضلَ، ولا يجوزُ حملهُ هاهُنا على التَّجاوُزِ عن التَّقصيرِ بدليلِ إمامةِ جِبريلَ في أواخرِ الأوقاتِ في اليومِ الثاني، ولهذا أمَّ جبريلُ ﵇ المَغرِبَ في اليومينِ في أوَّلِ الوَقتِ لمَّا كان التَّأخيرُ مَكروهاً، وما كان النَّبيُّ ﵇ يقصدُ إلى شيءٍ فيهِ تقصيرٌ، كذا في المَبسوطِ (٢). قال أبو حاتمٍ: حديثُ: «عَفْوُ اللهِ» حديثُ أبي مَحْذورةَ، وفيهِ إبراهيمُ بنُ زكريَّا وهو مجهولٌ، وحديثُهُ مُنكرٌ، وقال ابنُ عديٍّ: يُحدِّثُ عن الثِّقاتِ الأباطيلَ، قال أحمدُ: هذا لا يَثبتُ، ويرويهِ يعقوبُ بنُ الوَليدِ، عن ابنِ عُمرَ، وهو ضعيفٌ أيضاً، قال أحمدُ: هو من الكذَّابين الكِبار يَضَعُ الأحاديثَ، وقال النسائيُّ: متروكُ الحديثِ، وقال أحمدُ: لا أعرفُ شيئاً يثبتُ في أوقاتِ الصَّلاةِ أولَها وآخرَها، يعني العَفوَ والرِّضوانَ. وأمَّا حديثُ اللَّيثيِّ، فقال أحمدُ: ليسَ بشيءٍ، وقال النسائيُّ، والدَّارقطنيُّ: ليسَ بالقويِّ. قال الطحاويُّ: التَّغليسُ مَنسوخٌ بما رويَ عن الصَّحابةِ (٣). وأمَّا المُسارعةُ فمعناها تهيئةُ أسبابِ العِبادةِ وهو المُختارُ عندنا؛ فإنَّ الأفضلَ أن يُقدِّمَ طهارةَ البدنِ والمكانِ والثَّوبِ والوُضوءَ، ويُقدِّمَ الجلوسَ مستقبلَ القبلةِ مُنتظرَ الصَّلاةِ. وفي المَبسوطِ: قُلنا: المُسارعةُ إلى المَغفرةِ إنما تكونُ في المُسارعةِ إلى الشيءِ الذي هو أفضلُ عندَ اللهِ تعالى من غيرِهِ وذلك في تكثيرِ الجماعةِ لا في

стр. 482

لِقَوْلِهِ ﵊: «أَسْفِرُوا بِالفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُسْتَحَبُّ التَّعْجِيلُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، وَالحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَاهُ وَمَا نَرْوِيهِ. تقليلها وذلك لا يكون إلا في التنوير فكان فيه مسارعة إلى المغفرة لا في التغليس (١). على أن الآية عامة فنحملها على بعض الصلوات بدليل ما روينا عن الأوزاعي. وعن مشايخنا: للمرأة أن تصلي الفجر بغلس؛ لأنه أقرب إلى الستر، وفي سائر الصلوات ينتظر حتى يفرغ الرجال من الجماعة. وقيل: الأفضل لها في الصلوات كلها أن تنتظر فراغ جماعة الرجال، كذا في القنية. وقوله: (ما رويناه)، إشارة إلى قوله ﵇: «أسفروا بالفجر»، وما يرويه إشارة إلى قول أنس: " وإذا كان بالصيف أبردوا ". وفي شرح الوجيز: أما الظهر فيجب تعجيلها إلا إذا اشتد الحر فظاهر المذهب أنه يستحب إبرادها لقوله ﵇: «أَبْرِدُوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم»، ثم الإبراد المستحب أن يؤخر إقامة الجماعة في مسجد يأتيه الناس من بعيد بقدر ما يقع للحيطان ظل يمشي فيه الساعون إلى الجماعة، ولا ينبغي أن يؤخر عن نصف الأول من الوقت، ولو كان منازل القوم قريبة من المسجد، أو حضر جمع في موضع ولا يأتيهم غيرهم فلا يبردون بالظهر، وهل تلحق صلاة الجمعة بالظهر في الإبراد؟ فيه وجهان، أحدهما: نعم كالظهر في سائر الأيام، والثاني: لا، لشدة الخطر في فواتها، فإنها إذا أخرت ربما يتكاسلون فيها، وهذا أظهر (٢). وعندنا تؤخر في الصيف مطلقا (٣)، وقال مالك: يؤخر الظهر في الشتاء حتى يصير الفيء قدر ذراع (٤).

стр. 483

قَالَ: (وَالإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي الصَّيْفِ، وَتَقْدِيمُهُ فِي الشَّتَاءِ) لِمَا رَوَيْنَا، وَلِرِوَايَةِ أَنَسِ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ فِي الشَّتَاءِ بَكَّرَ بِالظُّهْرِ، وَإِذَا كَانَ فِي الصَّيْفِ أَبْرَدَ بِهَا» (وَتَأخِيرُ العَصْرِ مَا لَمْ تَتَغَيَّر الشَّمْسُ فِي الشَّتَاءِ وَالصَّيْفِ) وفي قول: إذا كان يصلي في بيته فلا إبراد (١). وفي المبسوط: احتج الشافعي بحديث خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ حَرَّ الرمضاء في جباهنا فلم يشكنا، فدل أنه كان يعجل الظهر، ولنا قوله ﵇: «أبرِدُوا»، الحديث، وفي حديث أبي هريرة قال: كان النبي ﵇ في سفر، فلما زالت الشمس جاء بلال ليؤذن، فقال له: «أَبْرِدْ»، هكذا مرارًا، فلما صار للتلول فيء قال: «أَذَّنْ إِذَا» (٢)، ولأن في التعجيل في الصيف تقليل الجماعة وإضرارًا بالناس فإن الحر يؤذيهم، وتأويل حديث خباب أنهم طلبوا ترك الجماعة بدليل أنهم إذا دخلوا المسجد لا يؤذيهم حر الرمضاء على أنه يحتمل أن يكون معنى قوله: " فلم يشكنا ": لم يدعنا في الشكاية، بل أزال شكوانا بالأمر بالإبراد، وقد مر جوابان آخران، أما في الشتاء فيستحب تعجيلها لحديث أنس، ولقوله ﵇ لمعاذ حين وجهه إلى اليمن: «إذا كان الصيف فأبرد بالظهر فإنّ الناسَ يَقيلونَ، فَأَمْهِلْهُمْ حتى يُدركوا، وإذا كان الشتاء فصَلِّ الظهر حين تزول الشمسُ فإنّ الليالي طوال» (٣). قوله: (وتأخير العصر)، إلى آخره، وبقولنا قال ابن مسعود، وأبو هريرة، وأبو قلابة، وإبراهيم النخعي، والثوري وابن شبرمة، وأحمد في رواية (٤). قال الشافعي أنه يستحب تعجيلها (٥)، وهو ظاهر قول أحمد، وبه قال

стр. 484

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الليث، والأوزاعي لحديث عائشة: كان النبي ﷺ يصلي العصر والشمس طالعة في حجرتي (١)، ولحديث أنس: كان النبي ﵇ يصلي العصر فيذهب الذاهب إلى العوالي، وينحر الجزور ويطبخ ويؤكل قبل غروب الشمس، والعوالي أربعة أميال من المدينة (٢). وقيل: ستة أميال، وعند مالك يستحب تأخير العصر قليلًا (٣). ولنا ظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفِي النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤]، وحديث رافع بن خديج: " أنه ﵇ كان يأمرنا بتأخير العصر"، رواه الدارقطني وغيره (٤)، وحديث ابن مسعود: " أنه ﵇ كان يصلي العصر والشمس بيضاء نقية "، رواه أبو داود (٥)، وهذا منه بيان تأخيره للعصر. وقالت أم سلمة: أنتم أشد تأخيرًا للظهر من رسول الله ﷺ ، والنبي ﵇ أشد تأخيرا للعصر منكم، رواه الترمذي (٦). وعن أبي قلابة، وطاووس: إنما سمي العصر عصرًا لأنها تعصر، أي تأخر.

стр. 485

لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْثِيرِ النَّوَافِلِ لِكَرَاهَتِهَا بَعْدَهُ، وَالمُعْتَبَرُ تَغَيَّرُ القُرْصِ، وَهُوَ أَنْ يَصِيرَ بِحَالٍ لَا تَحَارُ فِيهِ الْأَعْيُنُ، هُوَ الصَّحِيحُ، وَالتَّأْخِيرُ إِلَيْهِ مَكْرُوهُ. قال الطحاوي: قد تواترت الآثار عن النبي ﵇ وعن أصحابه بالتأخير ما لم تتغير الشمس، وقد كتب عمر ﵁ إلى عماله وهم أصحاب النبي ﵇ يأمرهم أن يصلوا العصر والشمس بيضاء مرتفعة (١). ولأن في تأخيرها تكثير النوافل؛ لأن أداء النوافل بعدها مكروه وتكثيرها أفضل، ولأن المكث بعدها إلى غروب الشمس في موضع الصلاة مندوب إليه، قال ﵇: «من صلى العصر ومكث في المسجد إلى غروب الشمس فكأنما أعتق ثمانيًا من ولد إسماعيل»، وإذا أخر العصر تمكن من إحراز هذه الفضيلة. وأما حديث عائشة فقد كانت حيطان حجرتها قصيرة فتبقى الشمس طالعة فيها إلى أن تتغير الشمس، وحديث أنس فقد كان ذلك في وقت الصيف، ويتأتي مثله للمستعجل، أو كان ذلك في وقت مخصوص لعذر، كذا في المبسوط (٢). (لا تحار فيه الأعين)، أي ذهب ضوؤها فلا يتحير فيه البصر، كذا في المغرب (٣). وقوله: (وهو الصحيح)، احتراز عما روي عن سفيان الثوري، والنخعي حيث اعتبرا تغير الضوء الذي يقع في الجدران، وبه أخذ الحاكم الشهيد. قال شمس الأئمة: أخذنا بقول الشعبي وهو اعتبار تغير القرص - وهو رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف في النوادر - لأن تغير الضوء يحصل بعد الزوال (٤). وفي المحيط: وبه أخذ مشايخ بلخ والفضلي.

стр. 486

(وَ) يُسْتَحَبُّ (تَعْجِيلُ المَغْرِبِ) لِأَنَّ تَأْخِيرَهَا مَكْرُوهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِاليَهُودِ. ثم قال: تكلموا في معرفة التغير، فقال بعضهم: إذا قامت الشمس قدر رمح أو رمحين لم تتغير، وإذا صار أقل من ذلك تغيرت، وقال بعضهم: يوضع طست ماء في الصحراء وينظر فيه، فإن كان القرص يبدو للناظر فقد تغيرت، وإلا فلا (١). فكان تفسير الكتاب احترازًا عن هذين التفسيرين. (والتأخير إليه)، أي إلى تغير الشمس مكروه. وفي الْمُجْتَبى: قول المصنف (ما لم تتغير الشمس) مبهم لابد من بيانه، وعن أصحابنا إنما يكره التأخير إليه لا الفعل (٢)؛ لأن الفعل فيه مأمور به، ولا يستقيم إثبات الكراهية مع الأمر، كذا في الإيضاح، والمحيط (٣)؛ لما روي عن أنس أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تلك صلاة المنافقين - ثلاثا - يجلس أحدكم حتى اصفرت الشمس وكانَتْ بين قَرْنَي الشيطان ينقر كنقرِ الدِّيكِ لا يذكر الله إلا قليلا» (٤)، كذا في السهيلي. وفي القنية: هذه الكراهة كراهة التحريم. قوله: (لأن تأخيرها مكروه)، في القنية: إلا أن يكون التأخير قليلا. وفي المنية: لا يكره في السفر والمائدة، أو كان يوم غيم كما يجيء (٥). وفي القنية: لو أخره بتطويل القراءة فيه خلاف، وروى الحسن، عن أبي حنيفة أنه لا يكره تأخيره ما لم يغب الشفق. وفي المبسوط: كان عيسى بن أبان يقول: الأولى تعجيلها للآثار، ولكن لا يكره التأخير مطلقا، ألا ترى أن بعذر المرض والسفر تؤخر المغرب ليجمع بينها وبين العشاء فعلا، فلو كان المذهب التأخير مطلقا لما أبيح ذلك لعذر السفر،

стр. 487

وَقَالَ ﵊: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرِ مَا عَجَّلُوا المَغْرِبَ وَأَخَّرُوا العِشَاءَ». والمرض، كما لا يباح تأخير العصر إلى تغير الشمس بهما. واستدل فيه بما روي أنه ﵇ قرأ سورة الأعراف في صلاة المغرب ليلة (١)، وبما روي أنه ﵇ أخر المغرب إلى اشتباك النجوم، وإنما يحمل ذلك على بيان امتداد الوقت، وإباحة التأخير (٢). وذكر شمس الأئمة في المبسوط قوله مع دليله ولم يرده. فإن قيل (٣): لا يلزم من انتفاء الكراهة بترك التأخير استحباب التعجيل لأن بينهما واسطة وهي الإباحة، ألا ترى أنه لا يلزم من ترك تأخير العشاء إلى النصف الأخير الذي كان تأخيره إليه يوجب الكراهة بثبوت الاستحباب حيث أبيح التأخير إلى نصف الليل، ولا يثبت الاستحباب منه على ما يجيء. قلنا: يلزم من انتفاء الكراهة إثبات استحباب التعجيل فيما لا واسطة بينهما، وهاهنا كذلك؛ لأن وقت المغرب ينقسم على تعجيل وتأخير فيثبت في أحدهما الاستحباب، وفي الآخر الكراهة؛ لقيام الدليل فيصح الاستدلال، كذا قيل. («ما عجَّلوا»)، «ما» هاهنا توقيت للفعل بمعنى المصدر، أي زمان تعجيلهم، كذا في المغرب لما فيه من التشبه، قال ﵇: «عَجِّلوا بالمغرب ولا تتشبّهوا باليهود». وفي الإيضاح والنافع تمسك بقوله ﵇: «لا تزال أمتي بخير ما لم

стр. 488

قَالَ: (وَتَأْخِيرُ العِشَاءِ إِلَى مَا قَبْلَ ثُلُثِ اللَّيْلِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «لَوْلَا يؤخروا المغرب إلى اشتباك النجوم» (١)، واشتباكها كثرتها، وروي: «إلى طلوعها»، رواه أبو داود. وجه التمسك أن التأخير لما كان سببا لزوال الخير كان التعجيل سببا لاستجلاب الخير فيكون مستحبا. قوله: (إلى ما قبل ثلث الليل)، وفي القدوري: (إلى نصف الليل) (٢). وعن الطحاوي: التأخير إلى ثلث الليل مستحب (٣)، وبه قال مالك (٤)، وأحمد (٥)، وأكثر الصحابة والتابعين ومن بعدهم قاله الترمذي (٦). وإلى النصف مباح، وما بعده مكروه. وقال الشافعي في القديم: تقديمها أفضل، وهو الأصح كسائر الصلوات. وفي الجديد: تأخيرها أفضل ما لم تجاوز وقت الاختيار؛ لقوله ﵇: «لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى ثلث الليل، أو نصفه» (٧)، كذا في شرح الوجيز (٨).

стр. 489

أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَّرْت العِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَلِأَنَّ فِيهِ قَطْعَ السَّمَرِ المَنْهِيِّ عَنْهُ وفي المبسوط: تمسك الشافعي بحديث نعمان بن بشير أنه ﵇ يصلي العشاء حين سقط القمر الليلة الثالثة، وذلك عند غيبوبة الشفق يكون، ولأن في تعجيلها تكثير الجماعة خصوصا في زمان الصيف. ولنا ما روي أنه ﵇ أخر العشاء إلى هذا الوقت فوجد أصحابه في المسجد ينتظرونه، فقال: «أما إنهُ لا يَنتظِرُ هذه الصلاة في هذا الوقت أحد غيركم، ولولا سقمُ السّقيم وضعف الضعيف لأخرتُ العِشاء إلى هذا الوقت» (١)، وفي حديث آخر: لولا أن أشُقَّ على أمتي الحديث، وفي رواية: «إلى ما قبل ثلث الليل». وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: أن صَلِّ العشاء حين يذهب ثلث الليل، فإن أبيت فإلى نصف الليل، فإن نمت فلا نامت عيناك، وفي رواية: فلا تكن من الغافلين (٢). فإن قيل: كيف يثبت الاستحباب هاهنا والسنة في السواك مع أن «لولا» فيهما على نسق واحد. قلنا: لا نسلم أنهما على نسق واحد؛ لأن الممتنع في السواك الأمر «لولا» المشقة، ولو أمر كان واجبًا، فلما لم يكن الأمر بوجوبها يلزم ثبوت ما دون مقتضى الأمر وهو السنة، والممتنع هنا التأخير، فلو أخر لكان سنة؛ لأن مطلق أحواله محمول على السنة فلما لم يؤخر ثبت ما دونها وهو الاستحباب. على أن ذلك لم يرد على المصنف؛ لأنه لم يتمسك في سنية السواك بذلك الحديث، بل تمسك بمواظبته ﵇، ولولا مواظبته لقلنا بالاستحباب أيضًا، ولو لم توجد المواظبة هاهنا لما ذكرنا. (السمر) كلام لأجل المؤانسة، كذا في المغني.

стр. 490

بَعْدَهُ، وَقِيلَ: فِي الصَّيْفِ تُعَجَّلُ كَيْ لَا تَتَقَلَّلَ الجَمَاعَةُ، وَالتَّأْخِيرُ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ مُبَاحٌ لِأَنَّ دَلِيلَ الكَرَاهَةِ، وَهُوَ تَقْلِيلُ الجَمَاعَةِ، عَارَضَهُ دَلِيلُ النَّدْبِ، وَهُوَ قَطْعُ السَّمَرِ بِوَاحِدَةٍ، فَتَثْبُتُ الإِبَاحَةُ، وَإِلَى النِّصْفِ الأَخِيرِ مَكْرُوهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْلِيلِ والسمر منهي لقوله ﵇: «لا سَمَرَ بعد العشاء» (١)، والمعنى فيه أن يكون اختتام الصحيفة بالعبادة كما جعل ابتداؤها بها لتمحي ما حصل من الزلات فيما بين ذلك على ما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، كذا ذكره شيخ الإسلام. وقيل: في الصيف يعجل. وفي فتاوى قاضي خان: يؤخر العشاء في الشتاء إلى ثلث الليل؛ لقوله ﵇ لمعاذ: «أخر العشاء في الشتاء فإنّ الليل فيه طويل، وعَجِّل في الصيف لأن الليل فيه قصير» (٢). قوله: (بواحد)، أي: بواحد من الناس، وهذا عبارة عن المبالغة في قطع السمر؛ لأنه لما انقطع بواحد كان منقطعا باثنين وما فوقه أيضًا، وفي بعض النسخ: (بواحدة) بالتاء، أي بمرة واحدة، يعني بالكلية. (وقد انقطع السمر) يعني علم دليل الكراهة، وهو تقليل الجماعة، عن معارضة دليل الندب وهو قطع السمر؛ لأنه ليس في هذا التأخير قطع السمر؛ لأنه لا يتصور السمر في النصف الأخير غالبًا. فإن قيل: يشكل على هذا تعجيل الفجر في أول الوقت حيث هو مباح - ذكره في مبسوط شيخ الإسلام - وإن كان فيه دليل الكراهة وهو تقليل الجماعة سالمًا عن معارضة دليل الندب.

стр. 491

الجَمَاعَةِ، وَقَدْ انْقَطَعَ السَّمَرُ قَبْلَهُ. (وَيُسْتَحَبُّ فِي الوَتْرِ لِمَنْ يَألَفُ صَلَاةَ اللَّيْلِ أَنْ يُؤَخِّرَهُ إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ، فَإِنْ لَمْ يَثِقُ بِالِانْتِبَاءِ أَوْتَرَ قَبْلَ النَّوْمِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ آخِرَ قلنا: لا نسلم سلامته عن المعارض، بل عارضه دليل أقوى وهو قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا﴾ [آل عمران: ١٣٣]، كذا قيل، وفيه تأمل. وفي القنية: كراهة التأخير إلى النصف الأخير للتحريم، وفي بعض النسخ: لمن يألف صلاة الليل آخر الليل بالنصف ليوافق رواية شرح الطحاوي، وفتاوى قاضي خان حيث ذكر فيهما بكلمة: (في)، ويوافق لفظ الحديث بعده، والنصب على الظرفية. ثم وقت الوتر من حين تصلى العشاء إلى الفجر، والأفضل تأخيرها إلى آخر الليل لحديث خارجة بن حذافة: أنه ﵇ قال: «إِنَّ اللهَ تعالى أمدَّكُم بصلاة هي خير لكم من حُمُرِ النَّعَمِ، أَلَا وَهِيَ الوتر، فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر» (١)، وقالت عائشة: " أوتر النبي ﷺ من كل الليل، من أوله، وأوسطه، وآخره، وانتهى وتره إلى السحر " (٢)، وقال ﵇: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خَشِيتَ الصّبحَ فأوتر بركعة توتِرُ لك ما قبله» (٣)، وكان أبو بكر يوتر من أول الليل، وعمر من أخره، فقال ﵇ لأبي بكر: «أخِذْتَ بالثقة»، ولعمر: «أخِذْتَ بفضل القُوَّةِ» (٤)، كذا في المبسوط (٥).

стр. 492

اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ» (فَإِذَا كَانَ يَوْمُ غَيْمٍ فَالمُسْتَحَبُّ فِي الفَجْرِ وَالظُّهْرِ وَالمَغْرِبِ تَأْخِيرُهَا، وَفِي العَصْرِ وَالعِشَاءِ تَعْجِيلُهُمَا) لِأَنَّ فِي تَأْخِيرِ العِشَاءِ تَقْلِيلَ الجَمَاعَةِ عَلَى اعْتِبَارِ المَطَرِ، وَفِي تَأْخِيرِ والاستدلال بما ذكر على أفضلية الوتر مشكل في الإيضاح: فإن كان لا يثق من نفسه بالاستيقاظ أوتر أول الليل، وإن كان يثق فالأفضل آخر الليل؛ لما روي أنه ﵇ قال لأبي بكر: «أَخَذْتَ بِالثِّقَةِ»، ولعمر: «أَخَذْتَ بِالفَضْلِ». (على اعتبار المطر)، يعني يتكاسل الناس في الخروج إلى المسجد مترخصين لقوله ﵇: «إذا ابتلتِ النِّعالُ فالصّلاةُ فِي الرحال» (١)، فكان التعجيل أولى، وإن كان سببًا إلى السمر لما أن كراهية تقليل الجماعة أبعد من كراهية السمر؛ لأنه لا يباح بوقت ما بغير عذر والسمر في هذا الوقت مباح. قال شيخ الإسلام، والطحاوي: كل صلاة فيها عين تعجل يوم الغيم كالعصر والعشاء، والباقي يؤخر كيلا يقع قبل الوقت، وبه قال مالك (٢)، وأحمد (٣)، وعن أبي حنيفة روى الحسن عنه التأخير في يوم الغيم؛ لأنه أقرب إلى الاحتياط (٤). وجه ظاهر الرواية أن التأخير في الفجر مستحب؛ لأنه لو عجل بها لم يأمن أن يقع قبل طلوع الفجر، ولأن الناس يلحقهم الحرج في التعجيل عند الظلمة بسبب الغيم فيؤخر ليكون فيه تكثير الجماعة، وكذا في الظهر يؤخر لئلا يقع قبل الوقت، وكذا في المغرب كيلا يقع قبل الغروب. وفي الإيضاح: والمراد من التأخير في المغرب قدر ما يستيقن بالغروب،

стр. 493

العَصْرِ تَوَهُمَ الوُقُوعِ فِي الوَقْتِ المَكْرُوهِ، وَلَا تَوَهُمَ فِي الفَجْرِ لِأَنَّ تِلْكَ المُدَّةَ مَدِيدَةٌ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: التَّأْخِيرُ فِي الكُلِّ لِلِاحْتِيَاطِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ الأَدَاءُ بَعْدَ الوَقْتِ لَا قَبْلَهُ. فَصْلٌ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ (لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ قِيَامِهَا فِي الظَّهِيرَةِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا) لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرِ ﵁ قَالَ: ثَلَاثَةُ أَوْقَاتٍ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ ومن تعجيل العصر قدر ما يقع عنده أنه لا يقع في الوقت المكروه، ويجوز الجمع بين الصلاتين فعلا لا وقتا عندنا لتكثير الجماعة، وهذا البحث بتمامه يجيء في باب صلاة المسافر. (فَصْلٌ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ) قوله: (لا تجوز الصلاة) إلى آخره، فإن قيل: (الصلاة) محلى باللام فيتناول الجنس الفرض والنفل، فحينئذ ينبغي أن لا يصح الشروع فيها في النفل، وقد ذكر شمس الأئمة في أصوله، والتمرتاشي في جامعه: أن الشروع في النفل فيها يصح حتى يلزمه القضاء، إلا أنه (١) ذكر قال أبو حنيفة، وأبو يوسف، وشمس الأئمة ما ذكر الخلاف. قلنا: معنى قوله: (لا تجوز)، أي: لا يجوز فعله، أما لو شرع يلزم، كما في البيع الفاسد؛ لأن النهي عن الأفعال الشرعية يقتضي المشروعية. وفي الزاد: أراد به ما سوى النفل. وفي الخبازية: لقب الفضل بالكراهة، ثم بدأ بقوله: (لا تجوز) إما لأنه اعتبر الغالب، أو لأن عدم الجواز مستلزم للكراهة، والمراد بقوله (لا تجوز) لا ينبغي أن يفعل، ولو فعل يجوز. والأوجه أن يقال: الكراهة شاملة للفرض والنفل لمعنى في الوقت،

стр. 494

نُصَلِّيَ فِيهَا وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهَا مَوْتَانَا: عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَعِنْدَ زَوَالِهَا حَتَّى تَزُولَ، وَحِينَ تَضَيَّفُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ، وَالمُرَادُ بِقَوْلِهِ: «وَأَنْ نَقْبُرَ»: صَلَاةُ والكراهة إذا كانت لمعنى في الوقت توجب نقصانا في الصلاة، ولهذا لا يجوز فيه القضاء، وينبغي أن يجوز فيه القضاء كما في الأرض المغصوبة؛ لأن النهي ورد فيهما لمعنى غير المنهي عنه، إلا أن اتصال الفعل بالزمان أكثر على ما عرف في النحو وأصول الفقه، فصار الزمان كجزء الفعل، فتؤثر الكراهة باعتبار نقصانها في نفس الصلاة لشدة الاتصال على ما عرف في الأصول. (تَضَيَّفُ)، أي تميل، يقال: ضافت الشمس، وضيفت، وتضيفت، أي مالت للغروب، حجة على الشافعي في تخصيص الفرائض ومكة، قال الشافعي: يجوز في هذه الأوقات الفرائض، ومن النوافل ما له سبب؛ كتحية المسجد، وركعتي الطواف، دون النوافل المطلقة، وفي مكة تجوز النوافل المطلقة أيضًا (١)، ومن أصحابه من قال: يختص ذلك بركعتي الطواف، وكذا في الجمعة وقت الزوال، كذا في السهيلي (٢). وعن مالك أنه يقضي الفرائض فيها، ولا يصلي النوافل، سواء كان لها سبب أو لا (٣)، وبه قال أحمد، إلا أنه أجاز ركعتي الطواف، وصلاة الجماعة مع إمام الحي لخوف الفوت (٤). واختلفت الرواية عن مالك في صلاة الكسوف، وسجود القرآن في وقت النهي. للشافعي قوله ﵇: «مَنْ نامَ عَنْ صَلاةٍ أو نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذا ذكرها فإن ذلك وقتها» (٥)، جعل وقت التذكر وقت الفائتة مطلقا. وله في جواز النفل بمكة الاستثناء الوارد في حديث عقبة: "إلا بمكة"،

стр. 495

الجِنَازَةِ، لِأَنَّ الدَّفْنَ غَيْرُ مَكْرُوهِ، وَالحَدِيثُ بِإِطْلَاقِهِ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي تَخْصِيصِ الفَرَائِضِ، وَبِمَكَّةَ فِي حَقِّ النَّوَافِلِ، وَحُجَّةٌ عَلَى أَبِي يُوسُفَ فِي إِبَاحَةِ النَّفْلِ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَقْتَ الزَّوَالِ. قَالَ: (وَلَا صَلَاةُ جِنَازَةٍ) لِمَا رَوَيْنَا (وَلَا سَجْدَةُ تِلَاوَةٍ) وفي الجمعة حديث أبي سعيد: أنه ﵇ نهى عن الصلاة في نصف النهار إلا يوم جمعة (١)، وكذا ورد هذا الاستثناء في حديث العقبة، وبه يتمسك أبو يوسف، ولأن [للناس] (٢) بلوى في تحية المسجد يوم الجمعة عند الزوال، وفي مكة قوله ﵇ أيضًا: «يا بَنِي عبد منافٍ مَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ مِنْ أمورِ النَّاسِ شيئًا فلا يمنعن أحدًا طاف بهذا البيت وصلَّى أي ساعة شاء» (٣)، كذا في السهيلي. وفي تحية المسجد وركعتي الطواف إطلاق وما ورد فيهما. ولنا ولأحمد إطلاق النهي الوارد عن الصلاة في هذه الأوقات، والجمع بين الحديثين ممكن بتخصيص التذكر خارج هذه الأوقات، وهذا الحديث خاص باعتبار الزمان المنهي عنه عن الصلاة فيه، والأول عام، فهذا مخصص، وما ورد من الاستثناء غريب لم يرد في المشاهير فلا يراد على المشهور، وفيه تأمل. أو يحمل ذلك على أنه قبل النهي. وأما في حديث عبد مناف أورده أبو داود في إباحة الدعاء فرأى معنى «صلى» دعا. وقيل: إن حديث أبي سعيد منقطع فلا يجوز التمسك به، ثم لم تجز
следующие страницы →