حَالٌّ وَمُؤَجَّل إِذَا كَانَ الأَجَلُ مَعلُومًا) لإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَعَنهُ ﵊: «أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ مَعلُوم وَرَهَنَهُ دِرعَهُ». وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الأَجَلُ مَعلُومًا؛ لأَنَّ الجَهَالَةَ فِيهِ مَانِعَةٌ مِنْ التَّسْلِيمِ الوَاجِبِ بِالعَقدِ، فَهَذَا يُطَالِبُهُ بِهِ فِي قَرِيبِ المُدَّةِ، وَهَذَا يُسَلِّمُهُ فِي بِعِيدِهَا.
قَالَ: (وَمَنْ أَطلَقَ الثَّمَنَ فِي البَيعِ كَانَ عَلَى غَالِبِ نَقدِ البَلَدِ)؛ لأَنَّهُ المُتَعَارَفُ،
وعن الفراء: الثمن ما ثبت في الذمة.
قال صاحب المجتبى: وهو المراد بالأثمان المطلقة هاهنا.
وفي الكامل: الأعيان التي ليست بمثلية مبيعة؛ لأنها تتعين، أما المكيل والموزون والمعدود المتقارب، إن قوبل بالنقدين [ممتنع؛ يرجح معنى الثمنية في النقدين] (١) وإن قوبل [بالنقدين] (٢) وغيرهما وعين، و [إن] (٣) لم يعين وصحبه الباء فثمن، وما لا يثبت في الذمة أصلا، أو إلا سلما ممتنع.
ولا خلاف للأئمة الأربعة أن الثمن إذا لم يكن معينا لا بد من بيان قدره ووصفه، وكذا المبيع لما ذكرنا أن الجهالة مانعة من التسليم والتسلم.
قوله: (أو مؤجل) وفي بعض النسخ: (ومؤجل) وعليه إجماع العلماء؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] يتناولهما، وللحديث المذكور في المتن، ولقوله ﵇: «من أسلم منكم … » (٤) الحديث.
ولا بد من كون الأجل معلوما؛ لأن جهالته مانعة من التسليم والتسلم، فيؤثر في صحة العقد.
وفي الكامل: ولو قال: بعتكه بألف حالا وبألفين نسيئة لا يجوز لجهالة الثمن.
قوله: (ومن أطلق الثمن) أي: عن ذكر الوصف، يعني: ذكر القدر والنوع
стр. 4412
وَفِيهِ التَّحَرِّي لِلجَوَازِ فَيُصْرَفُ إِلَيْهِ فَإِنْ كَانَتِ النُّقُودُ مُختَلِفَةً فَالبَيعُ فَاسِدٌ إِلَّا أَنْ يُبَيِّنَ أَحَدُهُمَا وَهَذَا إِذَا كَانَ الكُلُّ فِي الرَّوَاجِ سَوَاء؛ لِأَنَّ الجَهَالَةَ مُفضِيَةٌ إِلَى المُنَازَعَةِ إِلَّا أَنْ تَرتَفِعَ الجَهَالَةُ بِالبَيَانِ أَوْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَعْلَبَ وَأَروَجَ، فَحِينَئِذٍ يُصْرَفُ إِلَيْهِ تَحَرِّيًا لِلجَوَازِ، وَهَذَا إِذَا كَانَتْ مُختَلِفَة فِي المَالِيَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ سَوَاء فِيهَا كَالثَّنَائِيِّ وَالثَّلَاثِيِّ وَالنُّصْرُتِي اليَومَ بِسَمَر قَندَ وَالاخْتِلَافُ بَينَ العَدَالَى بِفَرغَانَةَ، جَازَ البَيعُ إِذَا أُطلِقَ اسْمُ الدرهم، كَذَا قَالُوا، وَيَنصَرِفُ إِلَى مَا قَدَّرَ بِهِ مِنْ أَيِّ نَوعِ كَانَ؛ لِأَنَّهُ لَا مُنَازَعَةَ وَلَا اختِلافَ فِي المَالِيَّةِ.
دون الوصف، فإنه لو لم يذكرهما كانت هذه المسألة عين الأولى، وهي قوله: (والأثمان المطلقة).
وفي البدرية: إنما أورد هذا ليبين أن تعريف الصفة كما يحصل بالتنصيص يحصل بطريق الدلالة؛ باعتبار العرف وكثرة الاستعمال.
وفي الخبازية: قوله: (أطلق) أي: عن ذكر الوصف، وعن نقد البلد المتعارف، فيكون هو الغالب.
(وفيه)؛ أي: الصرف إلى نقد البلد (التحري)؛ أي: طلب الجواز؛ إذ أمور المسلمين محمولة على الصحة ما أمكن، فإن الظاهر من حال المسلم أن يقصد الصحيح من البيع، وذلك بالصرف إلى ما جرت به العادة، فصار كأنهما نطقا بنقد البلد، إذ المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا.
(وهذا)؛ أي: فساد البيع في صورة استواء النقود (في الرواج) مع اختلافهما في المالية، كالذهب الزكني والخليفتي فإن الخليفتي أفضل في المالية من الزكني، فإنهما كانا غالب نقد البلد.
وعند الشافعي: يفسد البيع أيضًا، لكن عنده لا فرق بين البطلان والفساد كما يجيء.
وفي جمع النوازل اشترى بألف ولم يبينها، وفي البلد نقود مختلفة، فإن كانت في الرواج سواء ولا فضل لبعضها على بعض جاز البيع، وإن كان بعضها أفضل وأحدها أروج جاز بالأروج، وإن استوت في الرواج لا يجوز.
وفي جمع التفاريق: قال: بعني بهذه الدراهم فأراه، فإذا هي زيوف أو
стр. 4413
قَالَ: (وَيَجُوزُ بَيعُ الطَّعَامِ وَالحُبُوبِ مُكَايَلَة وَمُجَازَفَة)
ستوقة ولم يعلما أعطاه خيرا، ولو تصادقا على أن البائع كان يعلم وحده فكذا في الستوقة، ولو علما وكل واحد يُعلِمُ صاحبه وقع البيع على هذا.
وفي المحيط: لو وجده ستوقة فسد البيع.
والزيف: ما رده بيت المال. والستوقة: فارسي معرب، معناه: سه طاقة؛ لأنها تكون مموهة الجانبين بالفضة، ويكون وسطه [نحاسا] (١) أو رصاصا. قال برهان الأئمة: لو [قال] (٢): اشتريتها بهذه الصرة، أو بما في هذه [الصرة] (٣) من الدراهم، فوجدها خلاف نقد البلد؛ ليس له الرد. ولو قال: بما في هذه الخابية من الدراهم فله الخيار، وإن وجدها نقد البلد، ويسمى هذا خيار الكمية.
وفي فتاوى قاضي خان قال لمديونه: بعني هذا ببعض العشرة، وبعني هذا بما بقي من العشرة جاز (٤).
وفي المجرد: قال: بعتكه بقفيز حنطة أو دقيق، لا يصح حتى يقول جيد أو وسط أو رديء، وكذا بكذا ثمرة، وكذا كل ما يكال أو يوزن. فلو اشتراه بمائة مثقال فضة غير معينة أو ذهب لا يجوز حتى يصفه جيد أو رديء، ولو قال: بألف نبهرجة أو زيوفا لا يصح، إلا إذا كانت معروفة في البلد.
وفي المبسوط: النبهرج: ما بهرجه التجار - أي: أهدره -، فالمسامح المساهل منهم يتجوز، والمستقصي لا يتجوز به لغش فيه (٥).
وفي المغرب: النبهرج: الدرهم الذي فضته رديئة، وقيل: للذي الغلبة فيه [الفضة] (٦)، الثنائي ما كان اثنان منه، دانقا، والثلاثي ما كان الثلاثة منه دانقًا، والنصري بسمرقند بمنزلة الناصري ببخارى. كذا في الحميدية.
قوله: (ويجوز بيع الطعام) الطعام في عرف هذا الزمان يقع على الحنطة ودقيقها، فحينئذ لا يكون ذكر الحبوب مستدركًا، فكان المراد من الحبوب
стр. 4414
وَهَذَا إِذَا بَاعَهُ بِخِلَافِ جِنسِهِ لِقَولِهِ ﵊: «إِذَا اخْتَلَفَ النَّوعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُم بَعدَ أَنْ يَكُونَ يَدًا بِيَدِ» بِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَهُ بِجِنسِهِ مُجَازَفَةٌ، لِمَا فِيهِ مِنْ احْتِمَالِ الرِّبَا، وَلِأَنَّ الجَهَالَةَ غَيْرُ مَانِعَةٍ مِنْ التسليمِ وَالتَّسَلَّمِ فَشَابَهَ جَهَالَةَ القِيمَةِ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ بِإِنَاءٍ بِعَيْنِهِ لَا يُعرَفُ مِقْدَارُهُ، وَبِوَزْنِ حَجَرٍ بِعَيْنِهِ لَا يُعْرَفُ مِقْدَارُهُ)؛ لِأَنَّ الجَهَالَةَ لَا تُفضِي إِلَى المُنَازَعَةِ، لِمَا أَنَّهُ يَتَعَجَّلُ فِيهِ التَّسْلِيمَ فَيُندَرُ
غيره، أو اسم الطعام غلب على البر، كما جاء في حديث الفطرة: «صاعًا من طعام» (١) فكان ذكر الحبوب بعده يقع على ما يعتبر حبه، كالباقلي والحمصة، فإنهما يؤكلان حبًّا حبًّا، وألحق غيرهما بهما دلالة؛ لدخول كل منهما تحت الكيل.
المكايلة: (بالكد بكرجمانة معاملة كردن)، والمجازفة: الجزاف، فارسي معرب، وهو البيع بالحدس أو الظن بلا كيل ولا وزن. كذا في الصحاح، والمغرب (٢).
(وهذا)؛ أي: البيع مجازفة، ثم هذا القيد وهو قوله: (إذا باعه بخلاف جنسه) إنما يكون يفيد إذا كان شيئًا يدخل تحت الكيل، فأما إذا كان قليلا لا يدخل تحت الكيل فيجوز بيعه بجنسه مجازفة أيضًا. كذا في الذخيرة.
(فَشَابَهَ)؛ أي: جهالة المجازفة (جهالة القيمة) بأن اشترى شيئًا بدرهم، ولم يدر قيمته أزيد منه أو أنقص يجوز؛ لأن هذه جهالة لا تفضي إلى المنازعة وهي المانع.
قوله: (ويجوز بإناء بعينه) قالوا: هذا في إناء لا يحتمل الزيادة، كالإناء من حديد أو خشب وما أشبه ذلك، أما إذا احتمل كالزنبيل والجوالق والغرائر لا يجوز. كذا في المبسوط.
стр. 4415
هَلَاكُهُ قَبْلَهُ بِخِلَافِ السَّلَمِ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ فِيهِ مُتَأَخِّرُ وَالهَلَاكَ لَيْسَ بِنَادِر قَبْلَهُ فَتَتَحَقَّقُ المُنَازَعَةُ.
لو اشترى بهذا الإناء يدا بيد فلا بأس به؛ لأن في المعين البيع مجازفة يجوز، فبمكيال غير معروف أولى؛ وهذا لأن التسليم عقيب البيع، والقدرة عليه في الحال ثابتة بقيام المكيال الذي عينه، وهو ظاهر المذهب.
ولو باع طعاما على أن يكيله بزنبيل أو بإناء يشبه الزنبيل لا يجوز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وكذا لو اشترى وزن حجرة أو حجر لا يعرف وزنه، وكذا لو اشترط عليه وزن ثوب أو متاع أو ملء جوالق.
وفي جامع التفاريق: عن محمد: جواز الشراء بوزن هذا الحجر، وفيه الخيار. وعن أبي يوسف لا يجوز.
وفي جمع النوازل: لو اشترى بوزن هذا الحجر ذهبا ثم علم به جاز وله الخيار، وكذا لو باع عبده بما باع فلان عبده جاز.
وفي جمع العلوم: لو يعلم المشتري جاز، وبما يبيع الناس لا يجوز. وهكذا ظاهر مذهب الشافعي، وحكي عنه وجه: أنه يجوز وإن لم يعلم ما باع فلان، ووزن الحجر لإمكان الاستكشاف وإزالة الجهالة. كذا في شرح الوجيز (١).
وعن أبي جعفر: لو بعتك من هذه الحنطة مثل ما يملأ هذا البيت لا يجوز، ومثل ما يملأ هذا الطشت به يجوز. ولو باع حنطة على فرسخ أو فرسخين، ولم يسم أين هي؛ فالمشتري بالخيار إن شاء أخذها حيث كانت.
وفي حيل الخصاف: لا يجوز حتى يقول كذا مَنَّا من بذر أو حنبق كذا.
وعن أبي حنيفة: لا يجوز شراء قربة من ماء هذا النهر؛ لأن الماء ليس عنده ولا يعرف قدر القربة، وأطلق جوازه في المجرد، وكذا قربة بعينها أو راوية من ماء الفرات يوفيه من منزله، وجوزه أبو يوسف أيضا. وعنه إذا ملأه ثم تراضيا جاز وهو مجازفة.
قال برهان الدين: باع كل حق له في هذه القربة، ولم يعلما نصيبه لم يجز،
стр. 4416
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي البَيعِ أَيضًا، وَالأَوَّلُ أَصَحُ وَأَظْهَرُ، قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ صُبَرَةَ طَعَامٍ كُلُّ قَفِيرْ بِدِرْهَم جَازَ البَيعُ فِي قَفِي وَاحِد عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، إِلَّا أَنْ يُسَمِّيَ جُملَةَ قُفَزَانِهَا وَقَالَا: يَجُوزُ فِي الوَجهَينِ) (*) لَهُ: أَنَّهُ تَعَذَّرَ الصَّرْفُ إِلَى
ولو علما جاز، ولو علم المشتري دون البائع جاز، وبه قال الشافعي، ومالك.
وعلى عكسه لا يجوز عند أبي حنيفة، وبه قال الشافعي. وقال مالك: إن بينه البائع يجوز، وإلا لا. ولو اشترى ما في يده ولم يعلما مقداره جاز، مضمونا كان أو أمانة.
وفي جمع التفاريق: قال: في يدي لك أرض خربة بمكان كذا، فبعها مني، ولا يعرف البائع الأرض ولا قيمتها؛ فعن أبي حنيفة: لا يجوز البيع حتى يعلما، وعنه جاز وإن لم يعلما، وإليه رجع أبو يوسف. الكل من المجتبى.
وعن [أبي يوسف و] (١) أبي حنيفة: يجوز في البيع، أي: في بيع المساومة أيضًا، وهو رواية الحسن عنه؛ لأن البيع في المكيلات لا يخلو إما أن يكون مكايلة أو مجازفة، وفي المجازفة لا بد أن يكون مشارًا إليه، وفي المكايلة هو القدر المسمى ولم يوجد شيء منهما؛ لأنه غير مشار إليه ولا مقدر؛ لأنه غير معلوم مقداره.
(والأول) وهو جواز بيع المساومة وعدم جواز السلم (أصح) ودليل الأصح مذكور في المتن (وأظهر) أي: بحسب الرواية والتعليل.
قوله: (يسمي جميع قفزانها) وفي بعض النسخ: (جملة قفزانها) أو كانت الصبرة في المجلس، وسلّم صح البيع ويثبت للمشتري الخيار.
(وقالا)؛ أي: أبو يوسف ومحمد (يجوز على الوجهين) وهو ما ذكر جملة القفزان وما لم يذكر، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد؛ لجهالة المبيع والثمن؛ لأن جملة القفزان غير معلوم، فيكون بإزائها غير معلوم أيضًا.
فإن قيل: سلمنا جهالتهما، ولكن جهالة لا تفضي إلى المنازعة، فينبغي ألا يفسد البيع كما في الأعواض المشار إليها؛ لأن كل قفيز بدرهم، فبعد ذلك لا
стр. 4417
الكُلُّ لِجَهَالَةِ المَبِيعِ وَالثَّمَنِ فَيُصِرَفُ إِلَى الأَقَلِّ وَهُوَ مَعْلُومٌ، وَإِلَّا أَنْ تَزُولَ الجَهَالَةُ بِتَسْمِيَةِ جَمِيعِ القُفزَانِ أَوْ بِالكَيْلِ فِي المَجْلِسِ، وَصَارَ هَذَا كَمَا لَو أَقَرَّ وَقَالَ لِفُلَان: عَلَيَّ كُلُّ دِرهم، فَعَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ بِالإِجْمَاعِ.
وَلَهُمَا: أَنَّ الجَهَالَةَ بِيَدِهِمَا إِزَالَتُهَا وَمِثْلُهَا
يتفاوت أن يكون الصبرة أمانة أو أقل أو أكثر.
قلنا: قد يفضي إلى المنازعة؛ لأن البائع يطالب المشتري الثمن أو لا، والثمن غير معلوم، فيعجز عن تسليم الثمن، وكذا البائع يعجز عن تسليم المبيع؛ لعدم عرفانه قدر المبيع، فيتنازعان.
(وهو)؛ أي: الأقل (معلوم)؛ أي: معلوم القدر والثمن، وجاز إفراده من الجملة؛ لعدم تضرر أحد، فصح فيه لصيانة كلاهما عن الإلغاء بقدر الإمكان.
(أو بالكيل في المجلس) قيد به؛ لأنه إذا كان بعد الافتراق منه لا يصح؛ لأن ساعات المجلس جعل كساعة واحدة، فالعلم فيه كالعلم في حالة العقد، أما لو افترقا تقرر الفساد فلا ينقلب جائزا.
فإن قيل: يشكل بما إذا كان الفساد بأجل مجهول، أو شرط الخيار أربعة أيام؛ فإنه ينقلب جائزا برفع المفسد بعد الافتراق عن المجلس.
قلنا: الفساد ثمة لم يتمكن في صلب العقد، فلا يتقيد رفع المفسد بالمجلس، فإن أثر الفساد هناك لا يظهر في الحال، بل يظهر عند دخول اليوم الرابع وامتداد الأجل. إليه أشير في جامع قاضي خان.
(بيديهما إزالتهما)؛ أي: إزالة الجهالة، بأن تكايلا الصبرة في المجلس، فلا تفضي إلى المنازعة.
(ومثلها)؛ أي: مثل الجهالة الغير المفضية إلى المنازعة، كبيع عبد من عبدين أو ثلاثة بالخيار.
فإن قيل: ينبغي أن يجوز البيع بالرقم عندهما؛ لأن إزالة الجهالة بيديهما، وبيع العبيد الأربعة على أن المشتري بالخيار ثلاثة أيام، والبيع بأي ثمن شاء المشتري؛ لأن الجهالة لا تفضي إلى المنازعة، والحال أن البيع في الكل باطل بالإجماع، أو فاسد.
стр. 4418
غَيْرُ مَانِعَ، وَكَمَا إِذَا بَاعَ عَبْدًا مِنْ عَبدَينِ عَلَى أَنَّ المُشتَرِيَ بِالخِيَارِ. ثُمَّ إِذَا جَازَ فِي قَفِيرٍ وَاحِدٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلِلمُشتَرِي الخِيَارُ لِتَفَرُّقِ الصَّفَقَةِ عَلَيْهِ،
قلنا: أما الجهالة في البيع بالرقم تمكنت في صلب العقد، وهو جهالة الثمن بسبب رقم لا يعلمه المشتري، فصار بمنزلة القمار؛ لأنه يحتمل أن يبين البائع قدر الرقم بعشرة أو أقل أو أكثر، ولهذا قال الحلواني: لو علم المشتري بالرقم في المجلس لا ينقلب جائزا، لكن إذا كان البائع قائما على ذلك ورضي به المشتري ينعقد البيع بينهما بالتراضي. كذا في الذخيرة.
بخلاف ما نحن فيه؛ لأنه كما يعلم بكيل البائع يعلم بكيل المشتري، فكانت إزالة الجهالة بيديهما. وفيه نوع تأمل.
وأما في أحد الأربعة لا يجوز لعدم المعقود إليه؛ لأن العقد لم يعقد في غير المعين، وهذا القياس في الثلاثة، إلا أنا جوزنا في الثلاثة استحسانا بدلالة النص كما يجيء، وكذا في الشراء بأي ثمن شاء المشتري لا يجوز لعدم الثمن؛ لأنه لا يمكن أن يجعل قدرا من الثمن ثمنا في الحال قبل مشيئته، بخلاف ما نحن فيه؛ فإن المعقود عليه والثمن مذكور، ولكن غير معلوم القدر. كذا في مبسوط أبي اليسر.
وأما جواز أبي حنيفة عن بيع عبد من عبدين، أن القياس فيه الفساد، إلا أنا جوزناه استحسانا بالنص.
وفي المبسوط: الأصل عند أبي حنيفة: أنه متى أضاف كلمة (كل) إلى ما لا يعلم نهايته؛ فإنما يتناول أدناه وهو الواحد، ضرورة صيانة الكلام عن الإلغاء، كما قال: لفلان علي كل درهم؛ يلزمه درهم واحد (١)، كذلك إذا كفل بنفقة امرأة من زوجها، فإنه يلزمه في شهر واحد، وعندهما هو كذلك فيما لا يعلم نهايته بالإشارة إليه، فأما فيما يعلم جملته بالإشارة - كما في الصبرة وغيرها من الزروع والمعدود - فيجوز، ثم إذا جاز في قفيز واحد صيانة لكلامهما عن الإلغاء، إذ الضرورة تندفع بالواحد عن المشتري الخيار.
(التفرق الصفقة عليه)؛ أي: على المشتري بخلاف البائع؛ فإنه لا خيار
стр. 4419
وَكَذَا إِذَا كِيلَ فِي المَجْلِسِ أَوْ سَمَّى جُملَةَ قُفَزَانِهَا؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ الْآنَ فَلَهُ الخِيَارُ،
له، وإن تفرقت الصفقة عليه أيضًا؛ لأن التفرق جاء من فعله وهو الامتناع عن تسمية جملة القفزان، أو الكيل في المجلس فكان راضيا به. كذا في زيادات قاضي خان.
فإن قيل: يشكل هذا بما إذا باع الرجلان عبدًا مشتركا بألف، ثم اشترى أحدهما الكل بخمسمائة قبل نقد الثمن، فإنه يجوز في نصيب الشريك، ولا يجوز في نصيبه، وله الخيار مع تفرق الصفقة عليه.
قلنا: إنما لم يجز ذلك في نصيب نفسه؛ لعدم جواز شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن عندنا، فكان ذلك الشراء واقعا على نصيب الشريك، كما لو اشترى القن بحصته ولا خيار له فيه.
فإن قيل: فعلى قياس قول أبي حنيفة ينبغي ألا يجبر المشتري؛ للزوم انصراف البيع إلى الواحد، كما في شراء القن مع المُدبَّر، والتفريق إنما يلزم أن لو وقع البيع في الكل ثم هو يقبل البعض، وليس كذلك هاهنا على قوله، وصار كأنه اشترى قفيزا من صبرة، ولو اشترى قفيزا منها لا خيار له، فكذا هذا.
قلنا: انصراف البيع إلى الواحد مجتهد فيه، والعوام لا علم لهم بأحكام المسائل المجتهد فيها، فلا ينزل عالما، فلا يكون راضيا فيخير. كذلك في الفوائد الظهيرية وغيرها. وفيه نوع تأمل.
قوله: (وكذلك إذا كيل في المجلس) إلى آخره؛ أي: يثبت الخيار للمشتري أيضًا، لكن لا للزوم تفرق الصفقة عليه، بل لمعنى آخر؛ وهو أن حال المشتري إنما انكشفت عليه في المال في مقدار الواجب عليه ثمنا؛ إذ جاز أن يكون في حدسه أن يكون أقل من الذي ظهر فقبل الكل بناء على ذلك الحدس (١) والظن، فلما ظهر أكثر مما ظن كان له الخيار؛ لأنه ربما لا يكون الثمن بمقدار لهذا الذي ظهر، ولا يمكنه أخذ ذلك الزائد بلا ثمن، ولا يمكنه أخذ ما ظنه بدون ذلك الزائد لتفرق الصفقة، فكان له الخيار، كما لو لم يره ثم
стр. 4420
كَمَا إِذَا رَآهُ وَلَم يَكُنْ رَآهُ وَقتَ البَيعِ. قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ قَطِيعَ غَنَم كُلُّ شَاءَ بِدِرْهَم: فَسَدَ البَيعُ فِي جَمِيعِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَذَلِكَ مَنْ بَاعَ ثَوبًا مُذَارَعَة كُلَّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَم وَلَم يُسَمِّ جُملَةَ الدُّرْعَانِ، وَكَذَا كُلُّ مَعدُود مُتَفَاوِت، وَعِندَهُمَا: يَجُوزُ فِي الكُلِّ (*)، وَعِندَهُ يَنصَرِفُ إِلَى الوَاحِدِ) لِمَا بَيَّنَّا غَيْرَ أَنَّ بَيعَ شَاءَ مِنْ قَطِيعِ غَنَم وَذِرَاعٍ مِنْ ثَوب لَا يَجُوزُ لِلتَّفَاوُتِ.
وَبَيعُ قَفِيرٌ مِنْ صُبرَة يَجُوزُ لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ فَلَا تُفضِي الجَهَالَةُ إِلَى المُنَازَعَةِ فِيهِ،
رآه له خيار الرؤية؛ لأنه بعد الرؤية ربما لا يعجبه، فأثبت الشارع له الخيار دفعًا للضرر، فكذا هذا إليه أشير في شروح الجامع.
قوله: (مذارعة)؛ أي: بشرط الذرع.
وفي النهاية: هذه المسألة على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يبين جملة الذرعان، وقال بعده: كل ذراع بدرهم، ولم يبين الثمن فهو جائز؛ لأن المبيع معلوم، وجملة الثمن معلومة ببيان الذرعان.
والثانية: أن يبين جملة الثمن، وسمى لكل ذراع درهما؛ صار جميع الذرعان معلوما.
والثالث: ألا يبين جملة المبيع ولا جملة الثمن، وقال بعده: كل ذراع بكذا، فهي مسألة الكتاب.
(متفاوت)؛ أي: في القيمة كالبطيخ والرمان والسفرجل، والخشب والأواني.
(لما بينا) وهو أن إزالة الجهالة بيدهما. وبقولهما: قال الشافعي ومالك وأحمد، وهو قوله: فينصرف إلى الأقل وهو معلوم.
وفي المجتبى: في النوازل: لو قال: بعت منك عنب هذا الكرم، كل وقر بكذا، فإن الوقر عندهم معروفًا، والعنب من جنس واحد، يجب أن يجوز في واحد عنده وعندهما في الكل كمنزلة الصبرة، وإن كانت أجناسا مختلفة لا يجوز عنده أصلا، وعندهما يجوز في الكل كبيع القطيع كل شاة بكذا.
стр. 4421
وَتُفضِي إِلَيْهَا فِي الأَوَّلِ فَوَضَحَ الفَرقُ. قَالَ: (وَمَنْ ابْتَاعَ صُبرَةَ طَعَام عَلَى أَنَّهَا مِائَةُ قَفِيرْ بِمِائَةِ دِرْهَم فَوَجَدَهَا أَقَلَّ: كَانَ المُشتَرِي بِالخِيَارِ: إِنْ شَاءَ أَخَذَ المَوجُودَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ البَيعَ) لِتَفَرُّقِ الصَّفَقَةِ عَلَيْهِ قَبلَ التَّمَامِ، فَلَم يَتِمَّ رِضَاهُ.
وذكر أبو الليث الجواز في الكل متفقا في الوجه الأول، وفي الثاني مختلفا، وبقولهما يفتى تيسيرا على الناس.
ولو اشترى سرقينا كذا زنبيلا بزنبيل لا يعرف مقداره بالأرطال فهو فاسد، ولو اشترى قفيزا من صبرة أو مائة منّ منها جاز ولو اشترى عشرة شياه من مائة شاة، أو عشر بطيخات من وقر فالبيع باطل، وكذلك الرمان، ولو عزلها البائع وقبلها المشتري جاز استحسانا والعزل والقبول بمنزلة إيجاب وقبول.
وفي جمع التفاريق والبيض كالرمان قياسًا واستحسانا كالقفزان. وعن أبي يوسف روايتان.
ولو باع هذه الشياه المائة بهذه الشياه المائة لم يجز. ولو قال: بعتك نصيبي من هذا الطعام؛ روى الحسن عن أبي حنيفة لا يجوز وإن بينه بعد ذلك، وكذا في الدار، وهو قول زفر والشافعي وأحمد وقال مالك: إن بينه البائع يجوز.
وفي المحيط: شرط الكتاب بجواز العقد في الأغنام، والثياب عنده أن يعلم عددها في المجلس، وقد قال بعض مشايخنا: لو علم عددها في المجلس أو بعد الافتراق؛ انقلب العقد جائزا على كل حال، وذكر المجلس في الكتاب وقع اتفاقا، ولو قال: بعتك نصيبي هذا فإذا هو أكثر؛ ليس له الزيادة.
قوله: (إن شاء أخذ الموجود بحصته) إلى آخره وبه قال الشافعي ومالك وأحمد.
(لتفرق الصفقة عليه)؛ أي: على المشتري؛ لأن ما زاد على الموجود [إنما يجب على البائع تسليمه لصفقة على حدة لأن الصفقة الأولى وقعت على هذه الوجود] (١) ولم [يكن] (٢) الزائد داخلا فيها لعدمه، وقد ذكرنا أن تكرر المبيع
стр. 4422
بِالمَوجُودِ، (وَإِنْ وَجَدَهَا أَكْثَرَ فَالزِّيَادَةُ لِليَائِعِ)؛ لِأَنَّ البَيعَ وَقَعَ عَلَى مِقْدَارٍ مُعَيَّن
يوجب تفريق الصفقة، وكل واحد من المتبايعين مخير في الصفقة المستأنفة، إن شاء باشروا وإن شاء لا.
(وإن وجدها)؛ أي: الصبرة (أكثر) مما سمى (فالزيادة للبائع) لأنها ملكه وما وقع العقد عليها.
قوله: (والقدر ليس بوصف) اعلم: أن بعض المشايخ ذكر في الفرق بين القدر وهو الأصل والوصف حدودا؛ قيل: إن ما يتعيب بالتبعيض والتنقيص؛ فالزيادة والنقصان فيه وصف، وما لا يتعيب بهما؛ فالزيادة والنقصان فيه أصل. وقيل: الوصف ما لوجوده تأثير في تقوم غيره، ولعدمه تأثير في نقصان غيره، والأصل ما لا يكون بهذه المثابة. وقيل: إن ما لا ينتقص الباقي بفواته فهو أصل، وهذا القول والقول الثاني يتقاربان، فبهذا علم أن القدر في المكيلات والموزونات أصل، والذرع في المذروعات وصف؛ لأن المكيل أو الموزون لا يتعيب بالتبعيض، والمذروع يتعيب، كما أن عشرة أقفزة حنطة مثلا لو انتقص منها قفيز يشتري الباقي منها بالثمن الذي يخصها، أما لو انتقص من المذروع ذرع واحد من الثوب أو الدار انتقص، فإن الباقي لا يشترى بالثمن الذي كان يشترى معه، فإن العتابي مثلا إذا كان خمسة عشر أذرع، فالخمسة الزائدة على العشرة تزيد في قيمة العشرة، وفي قيمة الخمسة أيضًا.
وثمرة كون الذرع وصفا والقدر أصلا يظهر في مواضع، منها: ما ذكر في الكتاب؛ وهو أنه إذا وجده زائدا مما سماه البائع، ففي الأصل كانت الزيادة للبائع، وفي الوصف كان بكل الثمن، والمعنى فيه ما ذكر في الكتاب.
ومنها: أنه لا يجوز للمشتري التصرف في المبيع قبل الكيل والوزن؛ إذا كان اشتراه بشرط الكيل، وفي المذروع يجوز له التصرف قبل الذرع، سواء اشتراه مجازفة أو على أنه عشرة أذرع؛ لأنه لما [كان] (١) وصفا لا يلزم اختلاط المبيع بغيره، فيجوز التصرف له قبل الذرع؛ لأن الكل له، سواء أنقص أو أزيد مما سمى، بخلاف المكيل والموزون؛ لأن الزيادة أصل لا تبع، فيلزم
стр. 4423
وَالقَدْرُ لَيسَ بِوَصف (وَمَنِ اشْتَرَى ثَوبًا عَلَى أَنَّهُ عَشرَةُ أَدْرُعٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ أَرْضًا عَلَى أَنَّهَا مِائَةُ ذِرَاعٍ بِمِائَةِ دِرْهَم، فَوَجَدَهَا أَقَلَّ فَالمُشتَرِي بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِجُملَةِ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ)؛ لِأَنَّ الذَّرَاعَ وَصفٌ فِي الثَّوبِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ
الاختلاف، فلا يجوز التصرف قبل الكيل أو الوزن.
ومنها: أن يبيع الواحد بالاثنين لا يجوز في المكيلات والموزونات، وفي المذروعات يجوز؛ لأن الزيادة لما كانت أصلا فيها وكانت شيئًا يعتد به فلا يجوز بدون المساواة في الأموال الربوية، بخلاف الذرع، فلم تعتبر زيادته زيادة مانعة لكونه تبعا إليه أشير في شروح الجامع الصغير.
وقوله: (والقدر ليس بوصف) إشارة إلى الفرق بين مسألة الصبرة ومسألة الثوب.
وفي المجتبى: في شرح الطحاوي: وإنما يجب رد ما لا يدخل تحت الكيلين أو الوزنين، وما يدخل بينهما فلا يجب رده، ولم يمر بي قدر ما يدخل بينهما؛ قيل: نصف درهم في مائة عفو، وقيل: ما دون حبة عفو في الدينار، وفي القفيز المعتاد في زماننا نصف من.
قوله: (لأن الذراع وصف) لما بينا من ظهور أمارة الوصفية والتبعية فيه دون غيره من زيادة القيمة بزيادته ونقصانها بنقصانه، ولعدم تمكن أفراده من الجملة، حتى لو باع ذراعا من ثوب لم يجز؛ لأن المقصود من الثوب - وهو اللبس والتزين - لا يحصل بذراع، بخلاف القفيز في الصبرة.
وفي شرح الحاوي: الذرع في المذروعات جار مجرى الوصف؛ لأن إعلام المالية لا يحصل بالذرع؛ لاختلاف المذروع في نفسه وإذا كان وصفا، وزيادة الوصف في المشتري ونقصانه لا ينقص من الثمن، ويوجب الخيار كأعضاء الحيوان.
وقوله: (ألا ترى) إلى آخره: توضيح لكونه بمنزلة الوصف.
فإن قيل: الاستبدال بهذا على أن الذرع غير مستقيم، فإن الطول والعرض كما هو وصف فكذلك القلة والكثرة أيضًا وصف، يقال: شيء قليل وكثير، ولم يكن القفيز الزائد وصفا هناك.
стр. 4424
الطُّولِ وَالعَرضِ، وَالوَصفُ لَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ كَأَطرَافِ الحَيَوَانِ، فَلِهَذَا يَأْخُذُهُ بِكُلِّ الثَّمَنِ، بِخِلَافِ الفَصْلِ الأَوَّلِ؛ لِأَنَّ المِقدَارَ يُقَابِلُهُ الثَّمَنُ فَلِهَذَا يَأْخُذُهُ بِحِيَّتِهِ، إِلَّا أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ لِفَوَاتِ الوَصفِ المَذْكُورِ لِتَغَيرِ المَعْقُودِ عَلَيْهِ فَيَحْتَلُّ الرِّضَا. قَالَ: (وَإِنْ وَجَدَهَا أَكثَرَ مِنْ الذِّرَاعِ الَّذِي سَمَّاهُ فَهُوَ لِلمُشتَرِي وَلَا خِيَارَ لِلبَائِعِ)؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ، فَكَانَ بِمَنزِلَةِ مَا إِذَا بَاعَهُ مَعِيبًا، فَإِذَا هُوَ سَلِيمٌ (وَلَو قَالَ: … ... … .
قلنا: بلى، إن القلة والكثرة من حيث الكيل والوزن كان أصلا، ومن حيث الذرع كان وصفا؛ لدخولهما تحت الحدود التي ذكرنا في التفرقة بين الأصل والوصف، فإن زيادة قفيز واحد مثلا على العشرة يوجب زيادة قيمة العشرة، مع أن وصف القلة والكثرة حصل به؛ لأن الكثرة تحصل بكثرة الأصول، بخلاف الذرع؛ فإنه زيادة توجب زيادة قيمة لم تكن لها بدون ذلك الذرع، وهذا متعارف بين التجار، فكان الذرع وصفا.
قوله: (والوصف لا يقابله شيء من الثمن).
فإن قيل: لو لم يقابل الوصف شيء من الثمن؛ وجب ألا يرجع بنقصان العيب فيما إذا امتنع الرد.
قلنا: لا يقابله شيء من الثمن إلا إذا صار مقصودا بالتناول حقيقة، فيما إذا باع عبدا فقطع البائع يده قبل القبض؛ يسقط نصف الثمن؛ لأنه صار مقصودا بالقطع، وأما حكما بأن يكون امتناع الرد لحق البائع، كما إذا تعيب المبيع عند المشتري، أو لحق الشارع كما إذا خاط المبيع بأن كان ثوبا ثم وجد به عيبا، فالوصف متى صار مقصودًا بأحد هذين الوجهين يأخذ قسطا من الثمن. كذا في الفوائد الظهيرية.
(كأطراف الحيوان) فإنه إذا اشترى جارية فَاعْوَرَّتْ في يد البائع قبل التسليم؛ لا ينتقص شيء من الثمن، وكذا اشتراها فاعْوَرَّتْ في يد المشتري، ثم أراد أن يبيعها مرابحة؛ كان له ذلك بدون البيان، على ما يجيء في باب المرابحة إن شاء الله تعالى.
(باعه معيبا) باع عبدا على أنه أعمى، فوجده المشتري بصيرا سلم له.
стр. 4425
بِعتُكهَا عَلَى أَنَّهَا مِائَةُ ذِرَاعٍ بِمِائَةِ دِرْهَم كُلُّ ذِرَاعٍ بِدِرهَم، فَوَجَدَهَا نَاقِصَة، فَالمُشتَرِي بِالخِيَارِ: إِنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِحِيَّتِهَا مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ)؛ لِأَنَّ الوَصفَ وَإِنْ كَانَ تَابِعًا لَكِنَّهُ صَارَ أَصْلًا بِإِفْرَادِهِ بِذِكرِ الثَّمَنِ
وفي المجتبى: في فتاوى النسفي وأمالي قاضي خان: لا تسلم له الزيادة ديانة.
وفي شرح أبي ذر والجامع الأصغر: عن أسد وأبي حفص وأبي الليث: ليس ترد الزيادة ديانة.
وفي العمدة: لو اشترى حطبا على أنه عشرون وقرًا فوجده ثلاثين طابت له الزيادة كما في الذرعان.
(بعتكها)؛ أي: الأرض أو المذروعات أو بالثوب على تأويل الثياب.
قوله: (فالمشتري بالخيار) إلى آخره للشافعي فيه قولان، في قول: يصح العقد وله الخيار كقولنا، وفي قول: لا يصح العقد؛ لأنه أضاف العقد إلى عشرة أذرع، وبعض العشرة مفقود، فيصير كأنه جمع بين موجود ومعدوم. كذا في تتمتهم.
فإن قيل: لو وجدها أقل مما سمى وجب أن يفسد العقد عند أبي حنيفة؛ لأنه جمع بين موجود ومعدوم؛ لأنه سمى لكل ذراع ثمنا، فيفسد البيع في الموجود كما لو اشترى ثوبين هرويين فإذا أحدهما مروي يفسد البيع عنده. قلنا: الذرع وإن صار أصلا بتسمية الثمن وهو وصف بحقيقة فكان أصلا من وجه دون وجه، فمن حيث إنه أصل لا تسلم له الزيادة إلا بعوض، ومن حيث إنه وصف لا يفسد فيما إذا وجد ناقصا، كما لو فات وصف آخر، بخلاف تلك المسألة؛ لأن ثمن كل واحد من الثوبين أصل من كل وجه، وكذا مذروع وممسوح. كذا في جامع قاضي خان.
(لكنه)؛ أي: الذرع صار أصلا بانفراده بذكر الثمن.
فإن قيل: ففي المسألة الأولى ينبغي أن يكون كل ذراع أصلا بنفسه، وإن لم يقل فيه كل ذراع بدرهم؛ لأنه قابل عشرة أذرع بعشرة دراهم، فمقابلة الجمع
стр. 4426
فَيَنزِلُ كُلُّ ذِرَاعٍ مَنزِلَةَ ثَوب؛ وَهَذَا لِأَنَّهُ لَو أَخَذَهُ بِكُلِّ الثَّمَنِ لَم يَكُنْ آخِذًا لِكُلِّ ذِرَاعٍ بِدِرهم (وَإِنْ وَجَدَهَا زَائِدَةً فَهُوَ بِالخِيَارِ: إِنْ شَاءَ أَخَذَ الجَمِيعَ كُلَّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ البَيعَ) لِأَنَّهُ إِنْ حَصَلَ لَهُ الزِّيَادَةُ فِي الدَّرْعِ تَلزَمُهُ زِيَادَةُ الثَّمَنِ فَكَانَ نَفْعًا
بالجمع يقتضي انقسام الآحاد على الأحاد، فيصير بسلب المقابلة كأنه أفرد كل ذرع بذكر الثمن بمقابلته.
قلنا: الذرع أصل من وجه من حيث إنه من أجزاء البيع كالقفيز، ووصف من وجه من حيث إنه لا يقابله شيء من الثمن، كالجمال والكتابة، فلو جعلناها منقسمة عند ترك ذكر كل ذراع يلزم إلغاء جهة الوصفية من كل وجه، فقلنا بالوصفية عند ترك ذكره، وبالأصلية عند ذكره عملا بالشبهين. قوله: (ينزل كل ذراع).
فإن قيل: لو صار كل ذراع بمنزلة ثوب ينبغي أن يفسد البيع إذا وجدها زائدة، كما لو قال: بعتك هذه الرزمة على أنها خمسون ثوبا، كل ثوب بعشرين درهما، فوجدها زائدة فالبيع فاسد، وكذا لو اشترى عدلا على أنه كذا ثوبا، وقد ذكر هنا أن المشتري بالخيار.
قلنا: الفرق بينهما ما بينا أن في الذرع جهة الوصفية والأصلية، فمن حيث إنه أصل لا تسلم له الزيادة بغير عوض، ومن حيث إنه وصف يكون بعض الذرعان تابعا للبعض فلا يفسد، وأما بعض الثياب لا يكون تبعا للبعض، فيبقى المبيع مجهولا جهالة تفضي إلى المنازعة؛ لأن الثياب مختلفة. كذا في جامع قاضي خان.
فإن قيل: لو كان الذراع أصلا على تقدير الأفراد بذكر الثمن، يجب أن يمتنع دخول الزيادة في العقد، كما في الصبرة، وقد جوز أخذ الجميع بحكم البيع في هذه المسألة.
قلنا: الفرق بينهما هو أن الزيادة لو لم تدخل في العقد يفسد العقد؛ لأنه يصير بعض الثوب، وأنه لا يجوز، بخلاف الصبرة لأنها لو لم تدخل لا يفسد العقد. كذا في الفوائد الظهيرية. (لأنه)؛ أي: الذرع (صار أصلا)؛ أي: من وجه دون وجه، إذ لو كانت
стр. 4427
يَشُوبُهُ ضَرَرٌ فَيَتَخَيَّرُ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الزِّيَادَةُ لِمَا بَيَّنَّا: أَنَّهُ صَارَ أَصْلًا، وَلَو أَخَذَهُ بِالأَقَلِّ لَم يَكُنْ آخِذًا بِالمَشرُوطِ.
قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى عَشَرَةَ أَدْرُع مِنْ مِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ دَارٍ أَوْ حَمَّامٍ فَالبَيعُ فَاسِدٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: هُوَ جَائِز (*)، وَإِنْ اشْتَرَى عَشَرَةَ أَسهُم مِنْ مِائَةِ سَهِم جَازَ فِي قَولِهِم جَمِيعًا) لَهُمَا: أَنَّ عَشَرَةَ أَدْرُع مِنْ مِائَةِ ذِرَاعٍ عُشْرُ الدَّارِ فَأَشِبَهَ عَشَرَةَ أَسهُم. وَلَهُ: أَنَّ الذَّرَاعَ اسْمٌ لِمَا يُدْرَعُ بِهِ، وَاسْتُعِيرَ لِمَا يَحِلُّهُ الذِّرَاعُ وَهُوَ المُعَيَّنُ دُونَ المَشَاعِ،
أصلا من كل وجه لما دخلت، كما في مسألة الصبرة لو وجدها زائدة، فكان هاهنا أصلا، مع رعاية جانب الوصفية لم يكن أخذا بالمشروط كون كل ذراع بدرهم.
(وقالا: هو جائز)؛ وبه قال الشافعي.
وفي الجامع الصغير: عندهما جائزة إذا كانت الدار مائة ذراع، ولو كانت أقل من مائة لا يجوز بالإجماع. ولكن ذكر في جامع شمس الأئمة كما في الكتاب.
اسم لما يذرع به وهو الخشب مثلا، واستعير للموضع الذي يحل ذلك الخشب فيه؛ لأن المبيع المحل لا الخشب، فكان من قبيل إطلاق اسم الحال على المحل، وما يقع عليه الذرع جزء معين، فكان المسمى في العقد جزءًا معينا، وهو غير معلوم في نفسه، فإن جوانب الدار والأرض تختلف في الجودة والمالية، فتتمكن المنازعة بهذا السبب في التسليم والتسلم، فيفسد العقد. كذا في المبسوط (١) وجامع المحبوبي.
(وهو أن ما يحله الذراع المعين دون المشاع): قال فخر الإسلام بيانه: أن الذرع فعل حسي يستدعي محلا حسيا ولا ينفعل في المحل الشرعي؛ ألا ترى أن العبد متى كان مشتركا بين اثنين فأحدهما يتمكن من بيع نصيبه وغيره من
стр. 4428
وَذَلِكَ غَيْرُ مَعلُومٍ، بِخِلافِ السَّهمِ. وَلَا فَر قَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بَينَ مَا إِذَا عَلِمَ مِنْ جُملَةِ الذِّرْعَانِ أَوْ لَم يَعلَم هُوَ الصَّحِيحُ خِلَافا لِمَا يَقُولُهُ الخَصَّافُ
التصرفات الشرعية، ولكن لا يتمكن من ضرب نصيبه باعتبار أن الملك شائع شرعي، فيكون محلا للتصرفات الشرعية لا الحسية.
(وذلك)؛ أي: الموضع الذي يحله الذراع (غير معلوم)؛ أي: مجهول موضعه، وجوانب الدار تتفاوت في القيمة كما بينا، فشراء موضع منها بغير عينه فاسد، كما لو اشترى بيتا من عشرة أبيات، بخلاف السهم لأنه مشاع، والحق المشاع في كل جزء من أجزائها، فلا يفضي إلى المنازعة. إليه أشير في المبسوط.
قوله: (خلافا لما يقوله الخصاف): فإنه ذكر في هذه المسألة: أن على قول أبي حنيفة الفساد لجهالة جملة الذرعان، أما لو عرفت يجوز، ولا تصير بمنزلة قوله: عشر الدار، كما لو باع كل شاة من القطيع بكذا، فإن كان عدد جملة الشياه معلوما يجوز عند أبي حنيفة، وإن لم يكن معلوما لا يجوز.
وذكر أبو زيد الشروطي في شرحه: فالبيع فاسد على قوله وإن علم جميع الذرعان، وهو جواب الجامع الصغير، وهذا أصح مما قاله الخصاف. كذا في المغني وجامع شمس الأئمة.
هذا الخلاف على قولهما، ثم قال: والأصح أنه يجوز عندهما؛ لأن هذه الجهالة لا تفضي إلى المنازعة، فإنه يمكن أن تذرع جميع الدار، حتى إذا كانت مائة ذراع علم أن المبيع عشرها، وإن كانت خمسين علم أن المبيع خمسها، بخلاف ما لو اشتراهما ولم يقل عن كذا سهما، حيث لا يجوز؛ لأن تلك الجهالة تفضي إلى المنازعة، ولا يمكن رفعها بسهم من سهمين نصف، ومن عشرة أسهم عشر، أما في الذراع فإزالة الجهالة ممكنة، بأن يذرع جميع الدار.
وأما قولهما: (فأشبه عشرة أسهم غير مستقيم)؛ لما أن السهم اسم للشائع من غير أن يأخذ المقدار؛ ألا ترى أن سهما من مائة سهم في مكان معين لا يسوي سهما من عشرة أسهم، وذراع من عشرة أذرع وذراع من مائة ذراع سواء.
إليه أشير في الفوائد الظهيرية.
ولو قال: بعتك ذراعا من هذه، إن عين موضعه بأن قال: من هذا
стр. 4429
لِبَقَاءِ الجَهَالَةِ.
(وَلَو اشْتَرَى عِدْلًا عَلَى أَنَّهُ عَشَرَةُ أَبْوَابٍ فَإِذَا هُوَ تِسْعَةٌ أَوْ أَحَدَ عَشَرَ فَسَدَ البَيعُ) لِجَهَالَةِ المَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ (وَلَو بَيَّنَ لِكُلِّ ثَوب ثَمَنًا جَازَ فِي فَصْلِ النُّقصَانِ بِقَدْرِهِ وَلَهُ الخِيَارُ، وَلَم يَجُرْ فِي الزِّيَادَةِ) لِجَهَالَةِ العَشَرَةِ المَبِيعَةِ.
الجانب، ألا ترى أنه لا يميزه بعد فالعقد غير نافذ، حتى لا يجبر البائع على التسليم.
وقال الشافعي في الأظهر: لا يصح البيع، وإن لم يعين فعلى قول أبي حنيفة لا يجوز، وعلى قولهما يجوز ويذرع، فإن كانت عشرة أذرع صار شريكا بمقدار عشر الدار، وبه قال الشافعي.
ولو باع سهما من دار فلم يعين موضعه، ذكر الحلواني: لا يجوز إجماعًا. وفي نسخة: ففيه اختلاف المشايخ على قولهما، والأصح: أنه يجوز. كذا في المغني.
وقوله: (لبقاء الجهالة) دليل قوله: (هو الصحيح). (لجهالة المبيع)؛ أي: في فضل الزيادة (أو الثمن)؛ أي: في فضل النقصان.
وفي المبسوط: بيانه: أنه إنما يدخل في البيع العدد المسمى من الثياب، وهو مجهول في الزيادة؛ لأنه وجب على المشتري رد الزيادة وهي مجهولة، فيصير الباقي مجهولا، وفي مثله لا يجوز البيع، ألا ترى أنه لو اشترى مما في العدل خمسين ثوبا لا يتفاوت في المالية، والمشتري يطالبه بخيار العدل، والبائع يعطيه شرار العدل، فتفضي إلى المنازعة، وفي الأقل يفسد البيع لجهالة الثمن؛ لأن المسمى (١) من الثمن بمقابلة العشرة، فيقسم ذلك على قيمة الموجود والمعدوم كيف كان جيدًا أو رديئًا أو وسطًا، وباختلاف صفته تختلف حصة الموجود، فيفسد العقد في الموجود لجهالة ثمنه (٢).
(وله الخيار)؛ أي: للمشتري فيما إذا بين لكل ثوب ثمنًا، إن شاء أخذ
стр. 4430
وَقِيلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ فِي فَصلِ النُّقصَانِ أَيضًا، وَلَيْسَ بِصَحِيح، بِخِلَافِ مَا إِذَا اشْتَرَى ثَوبَينِ عَلَى أَنَّهُمَا هَرَوِّيَّان فَإِذَا أَحَدُهُمَا مَرْوِيٌّ حَيثُ لَا يَجُوزُ فِيهِمَا، وَإِنْ بَيَّنَ ثَمَنَ كُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ القَبُولَ فِي المَرْوِيِّ شَرطًا لِجَوَازِ العَقدِ فِي الهَرَوِيِّ، وَهُوَ شَرطٌ فَاسِدٌ وَلَا قَبُولَ يُشتَرَطُ فِي المَعدُومِ فَافْتَرَقَا.
بحصته من الثمن وإن شاء ترك لما بينا.
ومن المشايخ من قال: هذا قولهما، أما عند أبي حنيفة يفسد العقد فيه أيضا؛ لأنه جمع بين الموجود والمعدوم في صفقة واحدة، فكان قبول البيع في المعدوم شرطًا لقبوله في الموجود فيفسد كما لو جمع بين حر وعبد في صفقة واحدة وسمى لكل ثمنا، لا يجوز البيع في القن، وعندهما يجوز، وكما لو اشترى هرويين فإذا أحدهما مروي؛ فإن العقد فاسد عنده، والمسألة في الزيادات، فكذا هنا.
(وليس بصحيح)؛ أي: عدم الجواز في فصل النقصان، وإليه مال الإمام السرخسي، فقال: لم يجعل قبول العقد في المعدوم شرطًا لقبوله في الموجود، بل قصد العقد في الموجود، إلا أنه غلط في العدد ذكره في جامع قاضي خان.
وفي الذخيرة وأكثر مشايخنا على أن ما ذكر في الكتاب قولهما، فأما على قول أبي حنيفة فالعقد فاسد في الكل؛ لأن العقد فسد في البعض بمفسد مقارن، وهو العدم في أحدهما، وهذا أصل أبي حنيفة، وقد ذكر محمد مسألة في الجامع تدل على هذا، وإليه مال الإمام الحلواني.
(مروي) بسكون الراء، وهو الهروي بفتحها، منسوب إلى هراة ومرو، وهما قريتان بخراسان. وعن شيخ الإسلام: هما على شط الفرات. كذا في المغرب (١).
(فافترقا) حاصل الفرق بينهما: هو أن الشيئين الموصوفين بوصف، إذا دخلا في عقد واحد؛ كان قبول كل واحد منهما شرطا لصحة العقد في الآخر بذلك الوصف، فإذا انعدم ذلك الوصف كان فاسدًا بالنظر إلى انعدام ذلك الوصف، وأما إذا كان أحدهما معدوما بوصفه وذاته؛ لم يكن هذا داخلا في نفس العقد، حتى يكون قبوله شرطًا لصحة العقد في الآخر.
стр. 4431
(وَلَو اشْتَرَى ثَوبًا وَاحِدًا عَلَى أَنَّهُ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ كُلُّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ فَإِذَا هُوَ عَشَرَةٌ وَنِصْفٌ أَوْ تِسْعَةٌ وَنِصْفٌ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الوَجهِ الأَوَّلِ: يَأْخُذُهُ بِعَشَرَةٍ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ، وَفِي الوَجْهِ الثَّانِي: ...................
وفي المجتبى: لو قال: بعتك هذه الرزمة على أنها عشرة أثواب بمائة درهم، كل ثوب بعشرة، فلو وجدها ناقصة جاز البيع بحصته؛ لأن ثمنه معلوم، ولو وجدها أكثر فالبيع فاسد؛ لأن المردود مجهول، كما لو باع عشرة أثواب من أحد عشر.
وفي الكفاية: لو لم يبين حصة كل ثوب فسد فيهما؛ لما مر في الزيادة وفي النقصان؛ لأن ثمن الباقي مجهول، روى الواقدي عن أبي حنيفة.
وفي المحيط: روى قاضي الحرمين أن العقد فاسد في الفصل الأول، ومسألة الجامع تدل عليه، وهو (إذا اشترى ثوبين هرويين) إلى آخره، فإذا فسد عنده بفوات الوصف، فبفوات الأصل أولى.
وفي جامع شمس الأئمة: ما ذكر في المختصر قول الكل.
وفي جامع الإسبيجابي: الأصح عندي أن عند أبي حنيفة يفسد العقد في الكل، وكذا إذا اشترى حنطة على أنها كُرّ فوجدها تنقص قفيزًا، فسد في الباقي عنده [هو] (١) الصحيح، وكذا في الجوز إذا وجد بعضها خاليًا، والبيض إذا وجد بعضها مدرة يتعدى الفساد إلى الباقي.
وفي المحيط: قال: أبيعك هذه الحنطة بكذا على أنها أقل من كُرّ، فاشتراها على ذلك، فوجدها أقل من كُرِّ؛ جاز البيع إلا رواية عن أبي يوسف، وإن وجدها كُرًا أو أكثر ففاسد، وكذا إذا قال: على أنها أكثر من كُرّ فوجدها كذلك جاز، وإن وجدها كُرًا أو دونه ففاسد، ولو قال: كُرا أو أكثر جاز كيفما كان، غير أنه يخير في الأقل، كما لو قال على أنها كُرّ. وعلى هذا إذا اشترى عنبًا في كرم معين على أنه كذا منا، وكذا في العدديات المتقاربة.
قوله: (قال أبو حنيفة: في الوجه الأول) وهو عشرة ونصف. وفي الوجه الثاني) وهو تسعة ونصف.
стр. 4432
يَأْخُذُهُ بِتِسْعَةٍ إِنْ شَاءَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي الوَجهِ الأَوَّلِ: يَأْخُذُهُ بِأَحَدَ عَشَرَ إِنْ شَاءَ، وَفِي الثَّانِي: يَأْخُذُ بِعَشَرَةٍ إِنْ شَاءَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَأْخُذُ فِي الأَوَّلِ بِعَشَرَة وَنِصْفٍ إِنْ شَاءَ، وَفِي الثَّانِي: بِتِسْعَةٍ وَنِصف وَيُخَيَّرُ) (*)؛ لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ مُقَابَلَةِ الدِّرَاعِ بِالدِّرهَمِ مُقَابَلَةُ نِصْفِهِ بِنِصْفِهِ فَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكمُهَا. وَلِأَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ لَمَّا أَفَرَدَ كُلَّ ذِرَاعٍ بِبَدَلٍ نَزَلَ كُلُّ ذِرَاعٍ مَنزِلَةَ ثَوبٍ عَلَى حِدَةٍ وَقَدْ انتَقَضَ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ الذَّرَاعَ وَصفٌ فِي الأصلِ، وَإِنَّمَا أَخَذَ حُكمَ المِقْدَارِ بِالشَّرطِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِالذَّرَاعِ، فَعِنْدَ عَدَمِهِ عَادَ الحُكمُ إِلَى الأَصلِ … ... … ... … ... … ...
(يأخذه بأحد عشر إن شاء)؛ لأن نقصان نصف ذراع من أحد عشر فوات الوصف، إذ نصف ذراع في كل ذراع وصف، فلا يسقط شيء من الثمن بمقابلته. كذا في جامع العتابي.
قوله: (يخير) وإنما يثبت له الخيار عند محمد؛ لئلا يلزم عليه من غير اختياره زيادة الثمن، كما في الوجه الأول، أو نقصان المبيع كما في الوجه الثاني.
(فيجري عليه)؛ أي: على النصف (حكم المقابلة)؛ لأنه لما قل الذراع بالدرهم، فيكون نصف الذراع بنصف الدرهم ينزل كل ذراع منزلة ثوب، والثوب إذا بيع بأنه كذا كذا ذراعًا، أو بيع الذراع فوجده أنقص أو نصف ذراع؛ لا يسقط شيء من الثمن، ولكن يثبت له الخيار، فكذا هاهنا.
فإن قيل: لو نزل كل ذراع منزلة ثوب؛ ينبغي أن يفسد البيع، كما لو باع عدلا على أنه عشرة أثواب فإذا هو أحد عشر.
قيل في الفرق بينهما: أن في صورة العدل الزيادة مفضية إلى المنازعة، فخلط المبيع بغيره، ولا كذلك هاهنا.
(وصف في الأصل)؛ كما بينا وإنما أخذ؛ أي: الذرع (حكم المقدار) وهو المكيل أو الموزون (بالشرط) بأن قال: كل ذراع بدرهم.
(وهو)؛ أي: الشرط (مقيد بالذرع) فإذا كان أقل من الذرع كاملا؛ عاد
стр. 4433
وَقِيلَ: فِي الكِربَاسِ الَّذِي لَا يَتَفَاوَتُ جَوَانِبُهُ، لَا يَطِيبُ لِلمُشتَرِي مَا زَادَ عَلَى المَشرُوطِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنزِلَةِ المَوزُونِ حَيثُ لَا يَضُرُّهُ الفَصلُ،
الحكم إلى الأصل وهو الوصف، فصارت العشرة والنصف بمنزلة العشرة الجيدة، والتسعة والنصف بمنزلة التسعة الجيدة. كذا ذكره فخر الإسلام.
وفي الذخيرة والأصح قول أبي حنيفة؛ لأن الذرع وما دونه في حكم الصفة كما مر، وإنما يعتبر أصلا بمقابلة الثمن به والمقابلة مقيدة بالذرع، فعند عدمه لم تثبت جهة الأصالة، فبقيت العشرة لكونها صفة فيتخير.
وأما الجواب عن قول محمد (بأن الدرهم لما قوبل بالذرع كان نصفه ضرورة) فإنا نقول: كون الذرع بمنزلة العين ليست بأصل، بل صار أصلا باعتبار مقابلة الأفراد بالأفراد، فاسم الدرهم لا يقع على ما دون الدرهم، وكذا اسم الذراع، فكانت المقابلة مقتصرة على موضع الأفراد وهو الذرع، فلما انعدمت المقابلة لفظًا رجع الذراع إلى أصله وهو الوصف، وهذا هو الجواب عن أبي يوسف.
قوله: (وقيل: في الكرباس الذي)؛ أي: هذه الأقوال الثلاثة في الثوب الذي يتفاوت كالقميص والسراويل والعمائم والأقبية، أما في الثوب الذي لا تتفاوت جوانبه لا يسلم له الزيادة؛ لأن هذه الكرباس في معنى المكيل والموزون وإن كان متصلا بعضه بالبعض، لكن ليس في الفصل ضرر كالموزون، فلا يتمكن فيه العيب بسبب تميز البعض عن البعض، فيعتبر كل ذراع أصلا كالقفيز.
وعلى هذا: لو باع ذراعًا من هذا الكرباس ولم يعين موضعه؛ يجوز كما في الحنطة إذا باع قفيزا منها حيث يجوز. كذا في الذخيرة.
وعند الشافعي: لو باع قفيزا من هذه الصبرة يجوز كقولنا.
وعن القفال من أصحابه: إذا لم يعلما مبلغ قفزان الصبرة لم يصح، وقد خالف نص الشافعي. كذا في الحلية (١).
(لا يضره الفصل)؛ أي: القطع والتمييز، كالقفيز من الصبرة.
стр. 4434
وَعَلَى هَذَا قَالُوا: يَجُوزُ بَيعُ ذِرَاعٍ مِنْهُ.
فَصْلٌ: [فِي بَيَانِ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ البَيْعِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِهِ]
(وَمَنْ بَاعَ دَارًا دَخَلَ بِنَاؤُهَا فِي البَيعِ وَإِنْ لَم يُسَمِّهِ)، لِأَنَّ اسْمَ الدَّارِ يَتَنَاوَلُ العَرْصَةَ وَالبِنَاءَ فِي العُرْفِ وَلِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِهَا اتِّصَالَ قَرَارٍ فَيَكُونُ تَبَعًا لَهُ.
(وَمَنْ بَاعَ أَرْضًا دَخَلَ مَا فِيهَا مِنْ النَّحْلِ وَالشَّجَرِ وَإِنْ لَم يُسَمِّهِ) لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِهَا
(بيع ذراع منه)؛ أي: من الثوب الذي لا تتفاوت جوانبه.
وعند الشافعي: يجوز إذا كان معينًا.
(الكرباس) بكسر الكاف فارسي معرب، والجمع: الكرابيس.
فصل: [في بيان ما يدخل تحت البيع من غير ذكره]
لما ذكر ما ينعقد به العقد وما لا ينعقد وما يلحقهما؛ ذكر في هذا الفصل ما يدخل البيع باسم الجملة وما لا يدخل وما يلحقهما.
قوله: (ومن باع دارًا) إلى آخره وفي المحيط الأصل أن كل ما كان في الدار من البناء أو متصلا بالبناء فتبع للدار، يدخل في بيعها كالسلم المتصل والغلق والسرب، والدرج الخشبة المتصلة به والحجر الأسفل (١) من الرَّحَى، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد.
ويدخل الحجر الأعلى عندنا استحسانا، وبه قال الشافعي في الأظهر، ولا يدخل القفل ومفتاحه والباب الموضوع بالاتفاق.
(في العرف)؛ قيد به لأنه بحسب اللغة لا يتناول البناء، وقد مر في الأيمان، ولم يدخل البناء في مسألة اليمين، حتى لو دخل العرصة بعد انهدام البناء يحنث؛ لأن البناء وصف يقال: دار معمورة ودار غير معمورة، والوصف إذا كان داعيا إلى اليمين يتقيد اليمين بذلك الوصف، وإلا فلا، وقد بيناه في الأيمان، والبناء ليس بداع إلى اليمين، بل داع إلى الدخول، فلم تتقيد الدار به إذا كانت حاضرة - أي: معرفة - فظهر الفرق.
стр. 4435
لِلقَرَارِ فَأَشبَهَ البِنَاءَ (وَلَا يَدْخُلُ الزَّرعُ فِي بَيعِ الأَرضِ إِلَّا بِالتَّسْمِيَةِ) لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِهَا لِلفَصْلِ فَشَابَهَ المَتَاعَ الَّذِي فِيهَا.
(ولا يدخل الزرع)؛ أي: بالاتفاق، إلا أن للشافعي في صحة بيع الأرض [طريقان] (١)، أصحهما: أنه يصح قولا واحدا، والثاني: أنه على القولين.
(لأنه)؛ أي: الذرع (متصل بها)؛ أي: بالأرض ذكر ضميرها على تأويل المكان.
فإن قيل: يشكل على هذا بيع جارية ولها حمل، أو بقرة أو شاة وفي بطنهما ولد، حيث يدخل الولد في البيع وإن كان اتصاله بالأم للفصل، مع أن بين الولد في البطن والزرع في الأرض مناسبة قوية؛ لقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
قلنا: بين الولد والأم مجانسة، ولم يقدر على فصله من أمه غير الله تعالى يجعل كالجزء من أمه، ولم يعتبر انفصاله في ثاني الحال؛ لوجود معنى الجزئية في الحال من كل وجه، ولعدم قدرة العبد على فصله، أما الزرع والشجر فليسا من جنس الأرض وهو ظاهر، فلم يمكن اعتبار معنى الجزئية حتى يكونا بتعيين، فبعد ذلك ينظر: إن كان اتصاله للقرار كان متصلا للحال وثاني الحال، فيدخل بطريق التبعية لشدة الاتصال لا بطريق الجنسية، وإن كان اتصاله للفصل في ثاني الحال يجعل منفصلا في الحال، فلا يدخل كالسلالم المنفصلة.
فإن قيل: ينبغي أن يدخل باعتبار اتصاله في الحال؛ لأنه متصل في الحال، وانفصاله في ثاني الحال معدوم في الحال، فيرجح الموجود.
قلنا: اتصاله ضعيف وضده قوي باعتبار عدم المجانسة، فيرجح الانفصال لعدم تبعيته حقيقة.
وفي المحيط: لم يفصل محمد بين الشجرة المثمرة وغيرها، والكبيرة والصغيرة، فقيل: تدخل المثمرة على كل حال دون غيرها؛ لأن غيرها يغرس
стр. 4436
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للقلع فصار كالزرع، وقيل: تدخل الكبيرة المثمرة، وغيرها لا يدخل إلا بالذكر؛ لأنه لا يغرس للقرار عادة، والأصح دخول الكل؛ لأن الكل متصل للقرار في الأصل، والشجرة اليابسة لا تدخل من غير شرط؛ لأنه غير متصل للقرار في الأصل.
وفي المجتبى: يدخل في بيع الدار المَخْرَج والمَرْبَط والمطبخ، والبئر وبكرتها دون الحبل والدلو، إلا إذا قال: بمرافقها، فيدخلان، وبه قال الشافعي.
ولا يدخل الشرب والطريق في بيع الأرض والدار إلا بذكر الحقوق ونحوها، وكذا في الإقرار والصلح والوصية وغيرها، ويدخلان في الإجارة والقسمة والرهن والوقف؛ لأنها تنعقد للانتفاع، ولا انتفاع بدونها، بخلاف البيع فإنه لملك الرقبة.
وعن أبي يوسف: يدخل الطريق في بيع الدار بلا ذكر الطريق الخاص في ملك إنسان، أما الطريق إلى الطريق الأعظم أو إلى سكة غير نافذة يدخل بلا ذكر، وكذا حق تسبيل الماء، وحق إلقاء الثلج في ملك خاص لا يدخل بلا ذكر الحقوق والمرافق، وبه قال الشافعي.
وفي المنتقى: [ولو] (١) لم يذكر الحقوق أو المرافق لا يدخل الطريق، وللمشتري أن يرد إذا قال: ظننت أن لها مفتحا إلى الطريق.
وفي فتاوى قاضي خان: والبستان الذي في الدار يدخل، وما يليها ومفتحها إليه لا يدخل، وقيل: يدخل إن صغر وإلا فلا، وقيل: بحكم الثمن، وقيل: إن كان أصغر من الدار يدخل وإلا فلا (٢).
وفي جمع البخاري: باع دارا بفنائها لم يصح، كمن جمع بين حر وعبد.
وفي المنتقى: اشترى حائطا يدخل ما تحته من الأرض، ولو اشترى بناء لا
стр. 4437
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يدخل فيهما، وقيل: والحائط والجدار سواء، وفي بيع الحانوت تدخل ألواحه وإن لم يقل بمرافقه، وقيل: الألواح والأقفال تدخل.
وفي جمع العلوم: الأقفال تدخل.
وفي جمع البخاري: قدر القصارين والصبّاغين وأجاجين الغسالين، وخوابي الزيّاتين وجباتهم ودنانهم، وجذع القصار الذي يُدَقُّ عليه المثبتة في الأرض؛ لا تدخل وإن قال بحقوقها، وقدر الحمام يدخل في بيعه دون قصاعه.
وفي جامع الإسبيجابي: الزرع إنما يدخل قبل النبات وبعد التقوّم، أما إذا نبت ولم يصر متقوّمًا يدخل، قيل: وكذا البذر العفن، وكذا الثمر يدخل في بيع الشجر إذا لم يصر لها قيمة، وقيل: بحكم الثمن، فإن كان مثل الأرض والزرع والثمن يدخل تبعًا، وإلا فلا.
وكل ما لا يكون للبقاء ولرفعه غاية معلومة، كالأشجار الصغار التي تقلع في كل ثلاث سنين، ويباع، وقوائم الخلاف وأغصان التوت، والقصب والورد، والآس والرياحين، والزعفران والقطن والكراث (١) واللفت؛ لا يدخل في البيع إلا بالذكر.
وفي جمع التفاريق: ذكر الخصاف الحطب والقصب والطرفا وأنواع الخشب أنها للمشتري.
وفي المنتقى: الشوك لمن أخذ بخلاف الحطب. والأصح: أن أصول الكرفس (٢) والكراث ونحوها المغيب في الأرض [يدخل] (٣)، ويدخل الدولاب دون الدالية وجذوعها.
стр. 4438
(وَمَنْ بَاعَ نَحْلًا أَوْ شَجَرًا فِيهِ ثَمَرٌ فَثَمَرَتُهُ لِلبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ) لِقَولِهِ ﵊: مَنِ اشْتَرَى أَرْضًا فِيهَا نَحْلٌ فَالثَّمَرَةُ لِلبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَسْتَرِطَ المُبْتَاعُ وَلِأَنَّ الاِتِّصَالَ وَإِنْ كَانَ خِلقَةٌ فَهُوَ لِلقَطْعِ لَا لِلبَقَاءِ فَصَارَ كَالزَّرعِ.
(وَيُقَالُ لِلبَائِعِ: اقطعهَا وَسَلَّم المَبِيعَ) وَكَذَا إِذَا كَانَ فِيهَا زَرع؛ لِأَنَّ مِلكَ المُشتَرِي مَشغُولٌ بِمِلكِ البَائِعِ فَكَانَ عَلَيْهِ تَفْرِيغُهُ وَتَسلِيمُهُ، كَمَا إِذَا كَانَ فِيهِ مَتَاعٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ نَظَلَهُ: يُترَكُ حَتَّى يَظْهَرَ صَلَاحُ الثَّمَرِ وَيُسْتَحصَدُ الزَّرعُ؛ لِأَنَّ الوَاجِبَ
قوله: (ومن باع نخلا) إلى آخره: قال الشافعي: لو باع شجرة فيها ثمرة، فإن كان له ثمرة تنشق كالنخل، أو نَوْرُ يتفتح كالورد والياسمين، فإن كان قد ظهر ذلك أو بعضه؛ فالجميع للبائع وإن لم يظهر منه شيء، أو لم تكن مؤبرة فهو للمشتري، وإن كانت ثمرة بارزة كالتين والعنب، أو في كمام لا يزال عنه إلا عند الأكل كالرمان والرانج؛ فهو للبائع، وإن كانت ثمرته في قشرين كاللوز والجوز فهو كالتين والرمان وبه قال مالك وأحمد؛ لِمَا روى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ باعَ نخلا قبلَ أَنْ يُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُها للبائِعِ إِلَّا أَنْ يَشتَرِطَ المُبتاع» (١) ولأن الولد بعد الظهور لا يتبع الأم.
والتأبير: التلقيح، وهو أن يشق عناقيد الكم ويذرّ فيها من طلع الفحل من النخل؛ لأن النخل فحول وإناث، وطلع الفحول لاستصلاح الإناث.
وقال ابن أبي ليلى: الثمرة للمشتري بكل حال؛ لأنها متصلة بها خلقة فتكون تبعًا.
ولنا: الحديث المذكور في المتن والدليل المعقول فيه، ولم يفصل بين المؤبّرة وغيره، وما رواه لا ينافي ما روينا؛ لأنه عنى به النخلة المثمرة، إلا أنه عبر بالإبار عن الإثمار؛ لأن الإثمار لا يكون بدون الإبار غالبا. كذا في شرح الإرشاد.
قوله: (وقال الشافعي: يترك) يعني: إذا أطلق البيع ولم يشترط القطع في الحال، وبقوله: قال مالك وأحمد.
стр. 4439
إِنَّمَا هُوَ التَّسْلِيمُ المُعتَادُ، وَالمُعتَادُ أَنْ لَا يُقطَعَ كَذَلِكَ، وَصَارَ كَمَا إِذَا انقَضَت مُدَّةُ الإِجَارَةِ وَفِي الأَرضِ زَرع. قُلْنَا: هُنَاكَ التَّسْلِيمُ وَاجِبٌ أَيضًا حَتَّى يُترَكَ بِأَجر، وتسليمُ العِوَضِ كَتَسْلِيمِ المُعَوَّضِ.
في المغرب: استحصد الزرع؛ حان أوان أن يحصد، فهو مستحصد بالكسر، والفتح خطأ (١).
(وفي العادة لا يقطع) أي: العادة في الثمار الإبقاء إلى زمان الجذاذ في النخل والقطاف في العنب.
(قلنا: هناك)؛ أي: في الزرع التسليم واجب بحكم العقد؛ لما ذكرنا أن ملك المشتري مشغول بملك البائع، فيجب تفريغه، كما لو كان فيه متاع، ولهذا ترك بأجر، وتسليم العوض وهو الأجر تسليم المعوض وهو الأرض.
فإن قيل: ينبغي أن يجوز أن يستأجر البائع الأرض والشجر من المشتري إلى وقت الإدراك؛ ليكون تسليم الأجرة كتسليم الأرض والشجر دفعا للضرر عنه.
قلنا: كان القياس في الإجارة والبيع القطع والتسليم، إلا أن في صورة البيع وجد من البائع دلالة الرضا بقطع الشجر والزرع قبل الإدراك، وهو إقدامه على بيع الأرض والشجر مع علمه أن المشتري يطالبه بتفريغ ملكه عن ملك البائع، وتسليمه إليه فارغًا عن حق الغير، فلما وجد منه دلالة الرضا بذلك لم تجب رعاية جانبه بتبقية الأرض والشجر على حكم ملكه في الإجارة، بخلاف المستأجر؛ فإنه لم يوجد منه عند انقضاء مدة الإجارة فعل يدل على الرضا بقطع الثمر والزرع، فوجبت رعاية جانبه بتبقية الأرض على حكم ملكه بالإجارة.
وأما العادة فغير مسلم، ولئن كان لمشترك فإنهم كما يتركون حتى يستحصد الزرع يبيعون بشرط القطع. كذا في تعليقات البرغري.
وفي مطلق بيع النخلة يملك المشتري عينها؛ لأن ما تحتها من الأرض عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن الأرض أصل والشجر تبع، فلا يجوز انقلاب الأرض تبعًا. وبالقياس على ما إذا اشتراها للقطع؛ فإن الأرض لا تدخل فيه
стр. 4440
وَلَا فَرقَ بَينَ مَا إِذَا كَانَ الثَّمَرُ بِحَالٍ لَهُ قِيمَةٌ أَوْ لَم يَكُنْ فِي الصَّحِيحِ، … ... …
بالإجماع. وبقولهما: قال الشافعي في الأصح، لكن قال: الأرض عارية لازمة. وعند محمد وفي رواية عن أبي حنيفة وفي قول عن الشافعي: يدخل ما تحتها بقدر غلظ ساقها.
وفي جمع النوازل والفتاوى الصغرى: هو المختار؛ لأنه اشترى النخلة والشجرة وكل اسم للمستقر على الأرض، وهي بدون ذلك جذع وحطب، فيدخل من الأرض ما يتم به حقيقة اسمها؛ لأن دخولها بحسب الضرورة، فيتقدر بقدرها قياسًا على الإقرار والقسمة، بحيث يدخل ما تحتها فيهما بالإجماع، ثم قيل: يدخل بقدر ساقها، وقيل: بقدر ظلها عند الزوال، وقيل: بقدر عروقها العظام، ولو شرط فكما شرط.
وقوله (ولا فرق) إلى آخره: كأنه رد لقول الشافعي، فإن عنده غير المؤبرة للمشتري.
وقوله: (في الصحيح) احتراز عن قول البعض: إنه لم يكن له قيمة يدخل، والصحيح: أنه لا يدخل في الحالين؛ لأن بيعه يصح في أصح الروايتين، وما يصح بيعه منفردا لا يدخل في بيع غيره، ولا يلزم عليه البناء، فإن بيعه يجوز منفردا مع أنه يدخل في بيع الأرض تبعا؛ لأن البناء للقرار، فيكون جزءًا من أجزاء المبيع، بخلاف الثمر؛ فإنه للفصل، فلم يكن كجزء من أجزائه.
وفي شرح الطحاوي: اشترى شجرًا، فإنه لا يخلو من أن يكون الثمر موجودا وقت الشراء أو أثمر بعد الشراء، فلو كان موجودًا لا يدخل في العقد إلا بالشرط، سواء اشترى الشجرة وحدها أو مع الأرض، وعلى البائع قلع الثمر، ولا يجوز تركها، فلو تركها إلى وقت الإدراك، فإن تركها بإذن المشتري كان له الفضل، وإن تركها بغير إذنه؛ ينظر: فإن تناهى عظمها ولم يبق إلا النضج فتركها حتى نضجت يطيب له ذلك؛ لأنه لم توجد الزيادة في الكيل والوزن، وإن لم يتناه عظمها فتركها بغير إذنه لا يطيب له الفضل؛ لأن جواز الإجارة بالاستحسان لتعامل الناس، ولا تعامل في الأشجار، ولا يجب الأجر ويطيب الفضل؛ لأن الترك حصل بإذن المشتري.
стр. 4441
وَيَكُونُ فِي الحَالَينِ لِلبَائِعِ؛ لِأَنَّ بَيعَهُ يَجُوزُ فِي أَصَحُ الرِّوَايَتَينِ عَلَى مَا نُبَيِّنِ فَلَا يَدخُلُ فِي بَيعِ الشَّجَرِ مِنْ غَيرِ ذِكر.
وَأَمَّا إِذَا بِيعَت الأَرضُ وَقَدْ بَذَرَ فِيهَا صَاحِبُهَا وَلَم يَنبُتْ بَعدُ لَم يَدخُل فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُودَعٌ فِيهَا كَالمَتَاعِ.
وَلَو نَبَتَ وَلَم تَصِرْ لَهُ قِيمَةٌ فَقَد قِيلَ: لَا يَدْخُلُ فِيهِ، وَقَدْ قِيلَ: يَدْخُلُ فِيهِ، وَكَأَنَّ هَذَا بِنَاءٌ عَلَى الاخْتِلَافِ فِي جَوَازِ بَيعِهِ قَبْلَ أَنْ تَنَالَهُ المَشَافِرُ وَالمَنَاجِلُ، وَلَا يَدْخُلُ الزَّرْعُ وَالثَّمَرُ بِذِكرِ الحُقُوقِ وَالمَرَافِقِ؛
وفي الجامع الأصغر: لو استأجر البائع من المشتري الشجر ليترك الثمر لا يجوز، ولكن يعار إلى إدراك الثمر، فإن أبى المشتري، يقال للبائع: إن شئت فأبطل البيع، وإن شئت فاقطع الثمر، أما لو أثمر بعد البيع، فإن كان قبل القبض فالثمر للمشتري؛ لأنه نَمَا بملكه، ولو هلك بآفة سماوية قبل التسليم لا يطرح من الثمن شيء وصار كأن لم يكن، ولا خيار للمشتري، فلو أكله البائع طرح حصته من الثمن ولا خيار له في قول أبي حنيفة، وعندهما: له الخيار، إن شاء أخذ الشجر بحصته [من] (١) الثمن، وإن شاء ترك، كما لو كان الثمر موجودًا وقت البيع فأكله البائع أن له الخيار بالإجماع.
(لم يدخل فيه)؛ أي: في البيع (لأنه)؛ أي: البذر (مودع في الأرض) وفيه اتفاق الأئمة الأربعة، لكن إذا علم المشتري بالبذر فيها بعد البيع له الخيار عند الشافعي.
وفي الذخيرة: هذا إذا لم يفسد البذر في الأرض، فلو فسد وعفن فهو للمشتري؛ لأن العفن لا يجوز بيعه على الانفراد، فصار بمنزلة جزء من أجزاء الأرض، فيدخل في بيع الأرض.
واختار الفقيه أبو الليث أنه لا يدخل بكل حال، إلا إذا بيع مع الأرض نصا أو دلالةً، وهو قول الشافعي.
وفي شرح القدوري وشرح الإسبيجابي: أن الزرع إنما لا يدخل في بيعها
стр. 4442
لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْهُمَا. وَلَو قَالَ: بِكُلِّ قَلِيلٌ وَكَثِير هُوَ لَهُ فِيهَا وَمِنْهَا مِنْ حُقُوقِهَا أَوْ قَالَ: مِنْ مَرَافِقِهَا لَم يَدْخُلَا فِيهِ لِمَا قُلنَا، وَإِنْ لَم يَقُل مِنْ حُقُوقِهَا أَوْ مِنْ مَرَافِقِهَا دَخَلَا فِيهِ. وَأَمَّا الثَّمَرُ المَجذُوذُ وَالزَّرعُ المَحصُودُ فَهُوَ بِمَنزِلَةِ المَتَاعِ لَا يَدْخُلُ إِلَّا بِالتَّصْرِيحِ بِهِ. قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ ثَمَرَة لَم يَبْدُ صَلَاحُهَا أَوْ قَدْ بَدَا جَازَ البَيعُ)؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ،
من غير ذكر إذا لم تنبت بعد، أو نبتت وصارت له قيمة، أما لو نبت ولم تصر له قيمة بعد يدخل، وقيل: لا يدخل، والأول أصح.
وفي فتاوى الفضلي: ولو عين البذر في الأرض فهو للمشتري، وإلا فهو للبائع، ولو سقاه المشتري حتى نبت ولم يكن عفن عند البيع؛ فهو للبائع، والمشتري متطوع فيما فعل، وكذا إذا نبت ولم يتقوم بعد.
المشافر: جمع مشفر البعير شفته والمناجل: جمع منجل؛ وهو ما يحصد به الزرع.
(لأنهما)؛ أي: الزرع والثمر (ليسا منهما)؛ أي: من الحقوق، والمرافق أحق في العادة بذكر فيما هو تبع للمبيع، ولا بد للمبيع منه، ولا يكون مقصودًا بنفسه، بل لأجل المبيع كالطريق والشرب للأرض.
والمرافق: ما يرتفق به، ويختص بالتوابع كمسيل الماء، والمقصود من الأرض والشجر: الثمر والزرع، فلا يكونان من حقوقهما.
وقوله: (بكل قليل وكثير): يذكر على وجه المبالغة في إسقاط حق البائع عن المبيع وما يتصل بالمبيع.
وقوله: (وإن لم يقل من حقوقهما) متصل بقوله: (ولو قال: كل قليل وكثير) يعني: قال لكل قليل وكثير، ولم يقل من حقوقها دخلا، أي: الزرع والثمر، وهكذا ذكر في المبسوط والذخيرة.
وحاصل ذلك: أن الألفاظ ثلاثة: أحدها: إن باع أرضًا مطلقا من غير ذكر شيء منها، والثاني: إن باع أرضًا بكل قليل وكثير مع ذكر الحقوق والمرافق، ففي هذين الوجهين لا يدخل الزرع والثمر، والثالث: إن باع أرضًا بكل قليل وكثير منها أو فيها بدون ذكر الحقوق والمرافق يدخلان فيه.
قوله: (ومن باع ثمرة لم يبد صلاحها) إلى آخره: لا خلاف للعلماء في بيع الثمار بعد بدو الصلاح، لكن الخلاف في تفسير بُدُوّ الصلاح، فعندنا: هو أن
стр. 4443
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يأمن العاهة والفساد. ذكره في المبسوط (١).
وعند الشافعي: بدو الصلاح بظهور النضج ومبادي الحلاوة.
أما قبل بدو الصلاح إذا اشتراها مطلقا يجوز عندنا، وعند الشافعي ومالك وأحمد: لا يجوز. والبيع بشرط القطع قبل بدو الصلاح يجوز فيما ينتفع به بالإجماع، وبشرط الترك لا يجوز به بالإجماع. وبيع الثمار قبل الظهور لا يجوز بالإجماع، وبعد الظهور على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يبيعها قبل صيرورتها منتفعا بها، فإن لم يصلح لتناول بني آدم وعلف الدواب؛ فقال شيخ الإسلام: لا يجوز، وذكر القدوري في شرحه والإسبيجابي: أنه يجوز، وإليه أشار محمد في كتاب الزكاة في باب العشر والخراج في الجامع، وهو الصحيح.
والحيلة في ذلك: أن يبيعه مع أوراقه، بأن يبيع الكمثرى في أول ما يخرج من زهوه مع أوراقه، فيجوز في الكمثرى تبعًا للأوراق، ويجعل كأنه ورق كله، فيجوز عند الكل.
والثاني: ما إذا باعه بعد ما صار منتفعًا به، إلا أنه لم يتناه عظمه، فالبيع جائز إذا باع مطلقا أو بشرط القطع، ولو باعه بشرط الترك فالبيع فاسد؛ لأنه شرط لا يقتضيه العقد، وفيه نفع لأحد المتعاقدين.
والثالث: إذا باعه بعدما تناهى عظمه، فالبيع جائز عند الكل إذا باعه مطلقا أو بشرط القطع، ولو باعه بشرط الترك لا يجوز في القياس، وهو قولهما، ويجوز في الاستحسان، وهو قول محمد والشافعي ومالك وأحمد.
ولهم: «نهى النبي ﷺ عن بيع الثمار حتى يبدو صَلاحُها» رواه ابن عمر (٢)، وفي رواية: «حتى يَزْهَى» رواه أنس (٣).
стр. 4444
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي رواية: «حَتَّى تُؤْمَنُ العاهَةُ» (١) وفي رواية: «حَتَّى تَنجُوَ مِنَ العَاهَةِ» (٢) والحديث مذكور في الصحيحين.
ولأن الثمار قبل بدو الصلاح غير منتفع بها، فلا تكون مالا، فلا يرد العقد عليها، ولو كان منتفعا بوجه قبل بدو الصلاح كالحصرم - وهو أول العنب - جاز لكن بشرط القطع.
ولنا: قوله ﵇: «مَنِ اشْتَرى نخلًا قَدْ أُبْرَ فثمرتُهُ للبائع» (٣) وفي رواية: «قد أثمر إلا إن شرط المبتاع» أي: المشتري، فجعله للمشتري بالشرط، فدل على جواز بيعه.
وفي الموطا عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: ابتاع رجل ثمرة حائط في زمن النبي ﷺ فعالجه، فقام حتى تبين له النقصان، فسأل رب الحائط أن يضع له أو يقيله، فحلف ألا يفعل، فأتى النبي ﵊ فقال: «هو له» (٤) ولولا صحة البيع لم يرتب الإقالة عليه، ولأنها ثمرة يجوز بيعها بشرط القطع بالإجماع، فجاز مطلقا، كما لو احمرت أو اصفرت.
وتأويل حديث ابن عمر: أن ذلك في البيع بشرط الترك، أو المراد به النهي عن بيعها، بدليل [قوله] (٥) ﵇: «أرأيتَ لَوْ أذهب الله الثمرة فَبِمَ يَسْتَحِلُّ أَحدُكُمْ مالَ أَخِيهِ؟» (٦) وإنما يتوهم هذا إذا اشتراه بشرط الترك أو سلمًا.
стр. 4445
إِمَّا لِكَونِهِ مُنتَفَعًا بِهِ فِي الحَالِ أَوْ … ... … ... …
أو المراد ببدو الصلاح: صيرورته صالحًا لمنفعة، ما روي أنه ﵇ «نَهَى عن بيع الثمار حتّى تَحمَرَّ وتَصفَرَّ» (١) ويحمل غاية الاحمرار والاصفرار على بعض الثمار الذي لا يبدو صلاحه إلا بالاحمرار والاصفرار، كالتين فإنه لا يصير منتفعا به قبل الاحمرار والاصفرار، والعنب والمشمش يصير منتفعًا قبلهما، فيكون المراد ببدو الصلاح فيهما كونهما صالحين للانتفاع، وفي هذا عملا بقدر الإمكان. كذا في المبسوط.
وفي شرح المجمع: ما رواه ابن عمر دليل لنا؛ لأنه ﵇ علق جواز البيع إلى غاية، ومن حكم الغاية أن يخالف ما بعدها ما قبلها، ومعلوم أن البيع قبل بدو الصلاح يجوز بشرط القطع بالاتفاق، فقد تركتم حكم الغاية المنصوصة عليها عادلين إلى أن الغاية بشرط القطع.
فأما على قولنا فمعناه: نهي عن بيعها مدرة قبل الإدراك، ومحمرة قبل الاحمرار، ورُطَبًا قبل البلوغ؛ لأن العادة أن الناس يبيعون الثمرة قبل أن تقطع، فنهى النبي ﵇ عن ذلك، أي: البيع حتى توجد الصفة المذكورة، فالظاهر معنى من وجهين:
أحدهما: تبقية ظاهر الغاية من غير تخصيص.
والثاني: أنا حملنا الخبر على أمر معتاد ببينة؛ أنه ﵇ «نَهَى عن بَيعِ العِنَبِ حتَّى يَسْوَدَّ» (٢) والعنب لا يكون عنبا قبل الاسوداد، فدل أنه نهى عن بيعه عنبًا مسودا وهو حصرم.
يؤيده قوله ﵇: «أرأيتَ إِنْ مَنَعَ اللهُ الثمرة بِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أخِيهِ؟» (٣) وهذا لا يكون إلا والعقد وقع على الثمرة قبل بدو الصلاح؛ ليتصور أن يمنعها الله تعالى من التمام والكمال، وقد روي عدم الجواز قبل بدو الصلاح، والأول أظهر.
стр. 4446
فِي الثَّانِي، وَقَدْ قِيلَ: لَا يَجُوزُ قَبلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحٌ (وَعَلَى المُشتَرِي قَطعُهَا فِي الحَالِ) تَفْرِيقًا لَمِلكِ البَائِعِ، وَهَذَا إِذَا اشْتَرَاهَا مُطَلَقًا أَوْ بِشَرطِ القطعِ (وَإِنْ شَرَطَ تَركَهَا عَلَى النَّخِيلِ فَسَدَ البَيعُ)؛ لِأَنَّهُ شَرطٌ لَا يَقْتَضِيهِ العَقْدُ وَهُوَ شَعْلُ مِلكِ الغَيرِ أَوْ هُوَ صَفقَةٌ فِي صَفقَة وَهُوَ إعَارَةٌ أَوْ إِجَارَةٌ فِي بَيعٍ، وَكَذَا بَيعُ الزَّرعِ بِشَرطِ التَّركِ لِمَا قُلْنَا، وَكَذَا إِذَا تَنَاهَى عِظَمُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِمَا قُلْنَا، وَاسْتَحْسَنَهُ مُحَمَّدٌ ﵀ (*) لِلعَادَةِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَم يَتَنَاهَ
(وفي الثاني)؛ أي ثاني الحال. وفي بعض النسخ: (وفي المال). وقد قيل: لا يجوز.
وفي فتاوى قاضي خان: لم يُجَوِّز عامّة مشايخنا بيع الثمار قبل أن تصير منتفعة؛ لنهيه ﵇ عن بيعها قبل ظهور صلاحيتها للانتفاع، وفي الزمان الثاني وتعليله ما قال في الكتاب: لأنها منتفع بها في ثاني الحال، فيجوز بيعه كبيع الجحش ومولود ولد من ساعته ومهر صغير، فاختار صاحب الهداية قوله، بقوله: والأول أصح.
(على المشتري قطعها في الحال)؛ تفريعا لملك البائع.
(لأنه)؛ أي: شرط الترك (شرط لا يقتضيه العقد) وفيه نفع لأحدهما كما بينا.
(أو هو)؛ أي: البيع بشرط الترك (صفقة في صفقة وهو) أي: شرط الترك (إعارة) على تقدير ترك الأرض بلا أجرة، أو إجارة على تقدير تركها بأجرة، أو إعارة إن لم يجعل شيئًا من الثمن بمقابلة الترك، وإجارة إن جعل وإدخال صفقة في صفقة منهي عنه.
(لما قلنا) وهو أنه شرط لا يقتضيه العقد، واستحسنه محمد، وهو قول الشافعي ومالك وأحمد.
(للعادة)؛ أي: لتعامل الناس من غير نكير، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد فيما يبدو صلاحها؛ لأنه شرط فيه الجزاء المعدوم، فإذا شرط الترك فقد
стр. 4447
عِظَمُهَا؛ لِأَنَّهُ شَرطٌ فِيهِ الجُزْءُ المَعدُومُ وَهُوَ الَّذِي يَزِيدُ لِمَعنى مِنْ الأَرضِ أَوْ الشَّجَرِ. وَلَوِ اشْتَرَاهَا مُطلَقا وَتَرَكَهَا بِإِذنِ البَائِعِ طَابَ لَهُ الفَضْلُ، وَإِنْ تَرَكَهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ تَصَدَّقَ بِمَا زَادَ فِي ذَاتِهِ، لِحُصُولِهِ بِجِهَةٍ مَحظُورَةٍ، وَإِنْ تَرَكَهَا بَعْدَمَا تَنَاهَى عِظَمُهَا لَم يَتَصَدَّق بِشَيْء.
لِأَنَّ هَذَا تَغَيَّرُ حَالَة لَا تَحَقَّقُ زِيَادَةِ، وَإِنْ اشْتَرَاهَا مُطلَقا … ... … ...
شرط الأجزاء المعدومة، فيفسد البيع، أما لو تناهى عظمها فالبعير يكون في وصفها لا في ذاتها، فإن الشمس تنضجها بتقدير الله تعالى، ويأخذ اللون من القمر والطعم من الكواكب، فلم يبق فيه إلا عمل الشمس والقمر والكواكب، فلا يفسد بشرط الترك لعدم شرط الأجزاء المعدومة فيه.
ولأن في البيع بشرط الترك لا تتحقق الإجارة ولا الإعارة؛ لأنهما لا تتحققان في الشجر، فكان منتفعًا بإذن البائع، والاشتراط طلب الإذن منه، وبقول محمد أخذ الطحاوي؛ لعموم البلوى وعدم إنكار السلف. وذكر أبو يوسف في المنتقى مع محمد.
وفي التحفة: والصحيح قولهما؛ لأن التعامل لم يكن بشرط الترك، ولكن الإذن بلا شرط في العقد معتاد.
(ولو اشتراها)؛ أي: الثمرة التي لم يتناه عظمها (مطلقا) أي: عن شرط الترك والقطع.
(وتركها بإذن البائع طاب)؛ أي: الفضل (له) أي: للمشتري.
(تصدق بما زاد في ذاته) أي: يقوّم قبل التناهي وبعده، فيصدق بفضل ما بينهما من قيمته.
(لأن هذا) أي: ما حصل من النضج واللون (تغير حالة) أي: من النيئ إلى النضج؛ كما بينا أن الشمس تنضجه، إلى آخره.
(لا تتحقق زيادة)؛ أي: في ذاته؛ لأن الكلام فيما إذا تناهى عِظَمُها.
(وإن اشتراها)؛ أي: الثمار (مطلقًا)؛ أي: عن شرط الترك والقطع، أو اشتراها بشرط القطع إلى وقت الإدراك بأن لم تبين المدة.
стр. 4448
وَتَرَكَهَا عَلَى النَّخِيلِ وَقَدْ استَأجَرَ النَّخِيلَ إِلَى وَقتِ الإِدْرَاكِ طَابَ لَهُ الفَضلُ؛ لِأَنَّ الإِجَارَةَ بَاطِلَةٌ لِعَدَمِ التَّعَارُفِ وَالحَاجَةِ فَبَقِيَ الإِدْنُ مُعتَبَرًا، بِخِلَافِ مَا إِذَا اشْتَرَى الزَّرْعَ وَاسْتَأْجَرَ الأَرضَ إِلَى أَنْ يُدْرِكَ وَتَرَكَهُ حَيثُ لَا يَطِيبُ لَهُ الفَضلُ؛ لِأَنَّ الإِجَارَةَ فَاسِدَةٌ لِلجَهَالَةِ فَأُورَثَتْ خُبْثًا.
(لعدم التعارف)؛ أي: لم يجر عرف بين الناس باستئجار الأشجار، أو لأن الإجارة أضيفت إلى غير محلها، فإن محلها المنفعة دون العين، فلا ينعقد كبيع الحر.
(والحاجة)؛ أي: لعدم الحاجة؛ لأن الحاجة بها إنما تتعين أن لو لم يكن له مخلص سوى الاستئجار، وهاهنا يمكن أن يشتري الثمار مع أصولها، فيتركها على الأشجار.
وفي الفصول: لو أراد جواز إجارة الأشجار واللزوم؛ فالحيلة فيه: أن يكتب أن لهذا المشتري حق ترك الثمار على هذه الأشجار في مدة كذا بأمر لازم واجب، وعسى أن تكون الثمار لرجل والأشجار لآخر، وله حق الترك فيها إلى وقت الإدراك، فإذا ذكر هذا حمل على أنه بحق لازم. كذا في شروط ظهير الدين المرغيناني.
(فبقي الإذن معتبرًا)؛ أي: مقصودًا بلا قيد بشيء، فطاب له الفضل.
(للجهالة)؛ أي: لجهالة وقت الإدراك إذا لم تبين المدة، فوقت الإدراك قد يتقدم إذا تعجل الحر، وقد يتأخر إذا طال البرد. كذا في المبسوط (١).
وفي مبسوط شيخ الإسلام: الفرق أن الإجارة في مسألة الأشجار لم تنعقد فاسدًا ولا جائزا؛ لإضافتها إلى غير محلها وهو الأشجار، فإنها عين والحادث فيها عين أيضًا، ولا تربية للشجر في الثمر بل للأرض فيهما، أما الحاصل من الأرض منفعة التربية، فأما الزيادة في الحَبّ تحصل من القصيل؛ لأن القصيل للحب كالشجر للثمر، فانعقدت الإجارة، ولكن فسدت لجهالة المدة؛ لما حصل من الزيادة بسببها كان حاصلا بسبب خبيث، فكان سبيله التصدق، وحقيقة الفرق بين الإذن الثابت في ضمن الإجارة الفاسدة، والإذن الثابت في
стр. 4449
وَلَوِ اشْتَرَاهَا مُطْلَقًا فَأَثْمَرَتْ ثَمَرًا آخَرَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَسَدَ البَيعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمكِنُهُ تَسْلِيمُ المَبِيعِ لِتَعَدُّرِ التَّمييز.
وَلَو أَثْمَرَتْ بَعدَ القَبْضِ يَشتَرِكَانِ فِيهِ لِلاخْتِلَاطِ، وَالقَولُ قَولُ المُشْتَرِي … ... ..
ضمن الإجارة أن الإذن في الباطلة صار مقصودًا بنفسه؛ لأن الباطل معدوم، والمعدوم لا يتضمن شيئًا، ولا كذلك الفاسدة؛ لأنها منعقدة على ما عرف في الأصول، فأمكن جعله متضمنا للإذن، والمتضمن متى فسد؛ فسد المتضمن.
فإن قيل: بطلان المتضمن يتضمن بطلان المتضمن، فينبغي ألا يبقى الإذن، كالوكالة الثابتة في ضمن عقد الرهن يبطل ببطلان الرهن.
قلنا: الحال لا يخلو إما أن يكون أجير الشجر عالما ببطلان الإجارة أو لا، فإن كان عالمًا فظاهر؛ لأن الإذن حينئذ منفردًا عن الإجارة، وإن لم يكن عالمًا أنزل عالمًا؛ لأن الجهل في دار الإسلام ليس بعذر، فكان الإذن منفردًا عن الإجارة تقديرًا.
(لتعذر التميز)؛ أي: بين الثمر الذي خرج بعد البيع وبين ما كان خارجا قبل البيع، ولو اشترى ثمار بستان على ما هو العرف، ويقال بالفارسية (برباغ)، وبعض الثمار قد خرج وبعضها لم يخرج في ظاهر المذهب لا يجوز، وبه قال الشافعي وأحمد؛ لتعذر التمييز إذا خرج الباقي.
وكان الحلواني يفتي بجوازه في الثمار والباذنجان والبطيخ وغير ذلك، ويزعم أنه مروي عن أصحابنا، وهكذا حكي عن الفضلي، وكان يقول: الموجود في هذا العقد أصل وما يحدث بعد ذلك تبع، ولهذا شرط أن يكون الخارج أكثر، وبه قال مالك.
وقال الإمام السرخسي: والأصح أنه لا يجوز.
وفي المجتبى: وعلى قياس ما ذكر، في شراء أغصان التوت مطلقا أو بشرط القطع جاز أخذها في اليوم، وإن مضى يوم فسد البيع؛ لاختلاط غير المبيع بالمبيع، وينبغي أن تكون الثمار التي لم تدرك وفي كل ما يزداد كذلك.
قوله: (يشتركان للاختلاط): وفي الإيضاح: لو أخرج ثمرة أخرى في مدة الإدراك، سواء تركه بإذنه أو بغير إذنه فهو للبائع، فإنه تولد على أصل مملوك له، فإن حلل له البائع جاز، وإن اختلط الحادث بالموجود بحيث يتعذر التمييز،
стр. 4450
فِي مِقدَارِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ، وَكَذَا فِي البَاذِنجَانِ وَالبِطَّيخِ، وَالمُخلَصُ أَنْ يَشْتَرِيَ الأُصُولَ لِتَحْصُلَ الزِّيَادَةُ عَلَى مِلكِهِ.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَةً وَيَسْتَثْنِيَ مِنهَا أَرطَالًا مَعلُومَةً) خِلَافًا لِمَالِكِ؛ له لِأَنَّ البَاقِيَ بَعدَ الاسْتِثنَاءِ مَجْهُولٌ.
بِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَ وَاسْتَثنَى نَخلًا مُعَيَّنًا؛ لِأَنَّ البَاقِيَ مَعلُومٌ بِالمُشَاهَدَةِ.
فلو كان قبل القبض فسد البيع لتعذر التسليم، كما لو تعذر بالهلاك.
وقال المزني، وأكثر أصحاب الشافعي: في انفساخ البيع قولان، قال صاحب الحلية: أصحهما: أنه ينفسخ (١).
وفي تتمتهم: والصحيح عدم الانفساخ، ثم يقال للبائع: أترضى بأن تترك جميع الثمرة، فإن ترك يلزم البائع قبوله، حتى لا يحتاج إلى فسخ، فإن امتنعا يفسخ العقد بينهما؛ لتعذر إمضائه.
(في مقداره)؛ أي: مقدار ما حدث (لأنه)؛ أي: المبيع (في يده) أي: يد المشتري، فيكون الظاهر شاهدا له.
وقال بعض أصحاب الشافعي: لا ينفسخ البيع، [ثم] (٢) إن كان المبيع في يد المشتري القول قوله مع يمينه، وإن كان في يد البائع القول قوله مع يمينه. قال صاحب التهذيب: وهو القياس.
قوله: (والمخلص)؛ أي: الحيلة في ذلك: أن يشتري أشجار البطيخ والباذنجان والرطبة والزرع والحشيش ببعض الثمن، ويستأجر الأرض ببعض الثمن مدة معلومة؛ لتملك ما يحدث منه وليتمكن من إبقاء الأشجار. وفي [الكبرى] (٣) ثم فإذا تقدم [يقدم] (٤) الشراء على الإجارة.
وفي الذخيرة والمغني: قال أبو الليث: وفيه طريق آخر؛ وهو أن يأذن للمشتري للترك على أنه متى رجع عن الإذن كان مأذونا في الترك بإذن جديد.
قوله: (خلافا لمالك) فإن عنده يجوز كاستثناء شجرة معينة.