فِي الثَّانِي، وَقَدْ قِيلَ: لَا يَجُوزُ قَبلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحٌ (وَعَلَى المُشتَرِي قَطعُهَا فِي الحَالِ) تَفْرِيقًا لَمِلكِ البَائِعِ، وَهَذَا إِذَا اشْتَرَاهَا مُطَلَقًا أَوْ بِشَرطِ القطعِ (وَإِنْ شَرَطَ تَركَهَا عَلَى النَّخِيلِ فَسَدَ البَيعُ)؛ لِأَنَّهُ شَرطٌ لَا يَقْتَضِيهِ العَقْدُ وَهُوَ شَعْلُ مِلكِ الغَيرِ أَوْ هُوَ صَفقَةٌ فِي صَفقَة وَهُوَ إعَارَةٌ أَوْ إِجَارَةٌ فِي بَيعٍ، وَكَذَا بَيعُ الزَّرعِ بِشَرطِ التَّركِ لِمَا قُلْنَا، وَكَذَا إِذَا تَنَاهَى عِظَمُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِمَا قُلْنَا، وَاسْتَحْسَنَهُ مُحَمَّدٌ ﵀ (*) لِلعَادَةِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَم يَتَنَاهَ
(وفي الثاني)؛ أي ثاني الحال. وفي بعض النسخ: (وفي المال). وقد قيل: لا يجوز.
وفي فتاوى قاضي خان: لم يُجَوِّز عامّة مشايخنا بيع الثمار قبل أن تصير منتفعة؛ لنهيه ﵇ عن بيعها قبل ظهور صلاحيتها للانتفاع، وفي الزمان الثاني وتعليله ما قال في الكتاب: لأنها منتفع بها في ثاني الحال، فيجوز بيعه كبيع الجحش ومولود ولد من ساعته ومهر صغير، فاختار صاحب الهداية قوله، بقوله: والأول أصح.
(على المشتري قطعها في الحال)؛ تفريعا لملك البائع.
(لأنه)؛ أي: شرط الترك (شرط لا يقتضيه العقد) وفيه نفع لأحدهما كما بينا.
(أو هو)؛ أي: البيع بشرط الترك (صفقة في صفقة وهو) أي: شرط الترك (إعارة) على تقدير ترك الأرض بلا أجرة، أو إجارة على تقدير تركها بأجرة، أو إعارة إن لم يجعل شيئًا من الثمن بمقابلة الترك، وإجارة إن جعل وإدخال صفقة في صفقة منهي عنه.
(لما قلنا) وهو أنه شرط لا يقتضيه العقد، واستحسنه محمد، وهو قول الشافعي ومالك وأحمد.
(للعادة)؛ أي: لتعامل الناس من غير نكير، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد فيما يبدو صلاحها؛ لأنه شرط فيه الجزاء المعدوم، فإذا شرط الترك فقد
стр. 4447
عِظَمُهَا؛ لِأَنَّهُ شَرطٌ فِيهِ الجُزْءُ المَعدُومُ وَهُوَ الَّذِي يَزِيدُ لِمَعنى مِنْ الأَرضِ أَوْ الشَّجَرِ. وَلَوِ اشْتَرَاهَا مُطلَقا وَتَرَكَهَا بِإِذنِ البَائِعِ طَابَ لَهُ الفَضْلُ، وَإِنْ تَرَكَهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ تَصَدَّقَ بِمَا زَادَ فِي ذَاتِهِ، لِحُصُولِهِ بِجِهَةٍ مَحظُورَةٍ، وَإِنْ تَرَكَهَا بَعْدَمَا تَنَاهَى عِظَمُهَا لَم يَتَصَدَّق بِشَيْء.
لِأَنَّ هَذَا تَغَيَّرُ حَالَة لَا تَحَقَّقُ زِيَادَةِ، وَإِنْ اشْتَرَاهَا مُطلَقا … ... … ...
شرط الأجزاء المعدومة، فيفسد البيع، أما لو تناهى عظمها فالبعير يكون في وصفها لا في ذاتها، فإن الشمس تنضجها بتقدير الله تعالى، ويأخذ اللون من القمر والطعم من الكواكب، فلم يبق فيه إلا عمل الشمس والقمر والكواكب، فلا يفسد بشرط الترك لعدم شرط الأجزاء المعدومة فيه.
ولأن في البيع بشرط الترك لا تتحقق الإجارة ولا الإعارة؛ لأنهما لا تتحققان في الشجر، فكان منتفعًا بإذن البائع، والاشتراط طلب الإذن منه، وبقول محمد أخذ الطحاوي؛ لعموم البلوى وعدم إنكار السلف. وذكر أبو يوسف في المنتقى مع محمد.
وفي التحفة: والصحيح قولهما؛ لأن التعامل لم يكن بشرط الترك، ولكن الإذن بلا شرط في العقد معتاد.
(ولو اشتراها)؛ أي: الثمرة التي لم يتناه عظمها (مطلقا) أي: عن شرط الترك والقطع.
(وتركها بإذن البائع طاب)؛ أي: الفضل (له) أي: للمشتري.
(تصدق بما زاد في ذاته) أي: يقوّم قبل التناهي وبعده، فيصدق بفضل ما بينهما من قيمته.
(لأن هذا) أي: ما حصل من النضج واللون (تغير حالة) أي: من النيئ إلى النضج؛ كما بينا أن الشمس تنضجه، إلى آخره.
(لا تتحقق زيادة)؛ أي: في ذاته؛ لأن الكلام فيما إذا تناهى عِظَمُها.
(وإن اشتراها)؛ أي: الثمار (مطلقًا)؛ أي: عن شرط الترك والقطع، أو اشتراها بشرط القطع إلى وقت الإدراك بأن لم تبين المدة.
стр. 4448
وَتَرَكَهَا عَلَى النَّخِيلِ وَقَدْ استَأجَرَ النَّخِيلَ إِلَى وَقتِ الإِدْرَاكِ طَابَ لَهُ الفَضلُ؛ لِأَنَّ الإِجَارَةَ بَاطِلَةٌ لِعَدَمِ التَّعَارُفِ وَالحَاجَةِ فَبَقِيَ الإِدْنُ مُعتَبَرًا، بِخِلَافِ مَا إِذَا اشْتَرَى الزَّرْعَ وَاسْتَأْجَرَ الأَرضَ إِلَى أَنْ يُدْرِكَ وَتَرَكَهُ حَيثُ لَا يَطِيبُ لَهُ الفَضلُ؛ لِأَنَّ الإِجَارَةَ فَاسِدَةٌ لِلجَهَالَةِ فَأُورَثَتْ خُبْثًا.
(لعدم التعارف)؛ أي: لم يجر عرف بين الناس باستئجار الأشجار، أو لأن الإجارة أضيفت إلى غير محلها، فإن محلها المنفعة دون العين، فلا ينعقد كبيع الحر.
(والحاجة)؛ أي: لعدم الحاجة؛ لأن الحاجة بها إنما تتعين أن لو لم يكن له مخلص سوى الاستئجار، وهاهنا يمكن أن يشتري الثمار مع أصولها، فيتركها على الأشجار.
وفي الفصول: لو أراد جواز إجارة الأشجار واللزوم؛ فالحيلة فيه: أن يكتب أن لهذا المشتري حق ترك الثمار على هذه الأشجار في مدة كذا بأمر لازم واجب، وعسى أن تكون الثمار لرجل والأشجار لآخر، وله حق الترك فيها إلى وقت الإدراك، فإذا ذكر هذا حمل على أنه بحق لازم. كذا في شروط ظهير الدين المرغيناني.
(فبقي الإذن معتبرًا)؛ أي: مقصودًا بلا قيد بشيء، فطاب له الفضل.
(للجهالة)؛ أي: لجهالة وقت الإدراك إذا لم تبين المدة، فوقت الإدراك قد يتقدم إذا تعجل الحر، وقد يتأخر إذا طال البرد. كذا في المبسوط (١).
وفي مبسوط شيخ الإسلام: الفرق أن الإجارة في مسألة الأشجار لم تنعقد فاسدًا ولا جائزا؛ لإضافتها إلى غير محلها وهو الأشجار، فإنها عين والحادث فيها عين أيضًا، ولا تربية للشجر في الثمر بل للأرض فيهما، أما الحاصل من الأرض منفعة التربية، فأما الزيادة في الحَبّ تحصل من القصيل؛ لأن القصيل للحب كالشجر للثمر، فانعقدت الإجارة، ولكن فسدت لجهالة المدة؛ لما حصل من الزيادة بسببها كان حاصلا بسبب خبيث، فكان سبيله التصدق، وحقيقة الفرق بين الإذن الثابت في ضمن الإجارة الفاسدة، والإذن الثابت في
стр. 4449
وَلَوِ اشْتَرَاهَا مُطْلَقًا فَأَثْمَرَتْ ثَمَرًا آخَرَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَسَدَ البَيعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمكِنُهُ تَسْلِيمُ المَبِيعِ لِتَعَدُّرِ التَّمييز.
وَلَو أَثْمَرَتْ بَعدَ القَبْضِ يَشتَرِكَانِ فِيهِ لِلاخْتِلَاطِ، وَالقَولُ قَولُ المُشْتَرِي … ... ..
ضمن الإجارة أن الإذن في الباطلة صار مقصودًا بنفسه؛ لأن الباطل معدوم، والمعدوم لا يتضمن شيئًا، ولا كذلك الفاسدة؛ لأنها منعقدة على ما عرف في الأصول، فأمكن جعله متضمنا للإذن، والمتضمن متى فسد؛ فسد المتضمن.
فإن قيل: بطلان المتضمن يتضمن بطلان المتضمن، فينبغي ألا يبقى الإذن، كالوكالة الثابتة في ضمن عقد الرهن يبطل ببطلان الرهن.
قلنا: الحال لا يخلو إما أن يكون أجير الشجر عالما ببطلان الإجارة أو لا، فإن كان عالمًا فظاهر؛ لأن الإذن حينئذ منفردًا عن الإجارة، وإن لم يكن عالمًا أنزل عالمًا؛ لأن الجهل في دار الإسلام ليس بعذر، فكان الإذن منفردًا عن الإجارة تقديرًا.
(لتعذر التميز)؛ أي: بين الثمر الذي خرج بعد البيع وبين ما كان خارجا قبل البيع، ولو اشترى ثمار بستان على ما هو العرف، ويقال بالفارسية (برباغ)، وبعض الثمار قد خرج وبعضها لم يخرج في ظاهر المذهب لا يجوز، وبه قال الشافعي وأحمد؛ لتعذر التمييز إذا خرج الباقي.
وكان الحلواني يفتي بجوازه في الثمار والباذنجان والبطيخ وغير ذلك، ويزعم أنه مروي عن أصحابنا، وهكذا حكي عن الفضلي، وكان يقول: الموجود في هذا العقد أصل وما يحدث بعد ذلك تبع، ولهذا شرط أن يكون الخارج أكثر، وبه قال مالك.
وقال الإمام السرخسي: والأصح أنه لا يجوز.
وفي المجتبى: وعلى قياس ما ذكر، في شراء أغصان التوت مطلقا أو بشرط القطع جاز أخذها في اليوم، وإن مضى يوم فسد البيع؛ لاختلاط غير المبيع بالمبيع، وينبغي أن تكون الثمار التي لم تدرك وفي كل ما يزداد كذلك.
قوله: (يشتركان للاختلاط): وفي الإيضاح: لو أخرج ثمرة أخرى في مدة الإدراك، سواء تركه بإذنه أو بغير إذنه فهو للبائع، فإنه تولد على أصل مملوك له، فإن حلل له البائع جاز، وإن اختلط الحادث بالموجود بحيث يتعذر التمييز،
стр. 4450
فِي مِقدَارِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ، وَكَذَا فِي البَاذِنجَانِ وَالبِطَّيخِ، وَالمُخلَصُ أَنْ يَشْتَرِيَ الأُصُولَ لِتَحْصُلَ الزِّيَادَةُ عَلَى مِلكِهِ.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَةً وَيَسْتَثْنِيَ مِنهَا أَرطَالًا مَعلُومَةً) خِلَافًا لِمَالِكِ؛ له لِأَنَّ البَاقِيَ بَعدَ الاسْتِثنَاءِ مَجْهُولٌ.
بِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَ وَاسْتَثنَى نَخلًا مُعَيَّنًا؛ لِأَنَّ البَاقِيَ مَعلُومٌ بِالمُشَاهَدَةِ.
فلو كان قبل القبض فسد البيع لتعذر التسليم، كما لو تعذر بالهلاك.
وقال المزني، وأكثر أصحاب الشافعي: في انفساخ البيع قولان، قال صاحب الحلية: أصحهما: أنه ينفسخ (١).
وفي تتمتهم: والصحيح عدم الانفساخ، ثم يقال للبائع: أترضى بأن تترك جميع الثمرة، فإن ترك يلزم البائع قبوله، حتى لا يحتاج إلى فسخ، فإن امتنعا يفسخ العقد بينهما؛ لتعذر إمضائه.
(في مقداره)؛ أي: مقدار ما حدث (لأنه)؛ أي: المبيع (في يده) أي: يد المشتري، فيكون الظاهر شاهدا له.
وقال بعض أصحاب الشافعي: لا ينفسخ البيع، [ثم] (٢) إن كان المبيع في يد المشتري القول قوله مع يمينه، وإن كان في يد البائع القول قوله مع يمينه. قال صاحب التهذيب: وهو القياس.
قوله: (والمخلص)؛ أي: الحيلة في ذلك: أن يشتري أشجار البطيخ والباذنجان والرطبة والزرع والحشيش ببعض الثمن، ويستأجر الأرض ببعض الثمن مدة معلومة؛ لتملك ما يحدث منه وليتمكن من إبقاء الأشجار. وفي [الكبرى] (٣) ثم فإذا تقدم [يقدم] (٤) الشراء على الإجارة.
وفي الذخيرة والمغني: قال أبو الليث: وفيه طريق آخر؛ وهو أن يأذن للمشتري للترك على أنه متى رجع عن الإذن كان مأذونا في الترك بإذن جديد.
قوله: (خلافا لمالك) فإن عنده يجوز كاستثناء شجرة معينة.
стр. 4451
قَالَ ﵁: قَالُوا: «هَذِهِ رِوَايَةُ الحَسَنِ»، وَهُوَ قَولُ الطَّحَاوِيِّ؛ أَمَّا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَنبَغِي أَنْ يَجُوزَ (*)؛ لِأَنَّ الأَصل
(رواية الحسن) عن أبي حنيفة، وهو قول الطحاوي والشافعي وأحمد.
وفي شرح الطحاوي: باع التمر على رؤوس النخل إلا صاعا منها يجوز؛ لأن المستثنى منها معلوم، كما إذا كان التمر مجذوذا موضوعا.
وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز في الصورتين؛ لأن الباقي بعد الاستثناء مجهول، ونهى النبي ﷺ عن المزابنة والمحاقلة، بخلاف شجرة معينة.
فإن قيل: هذه جهالة لا تفضي إلى المنازعة؛ لأنهما تراضيا على إخراج مقدار معين، ومثل هذه الجهالة لا تفسد البيع، كما لو باع قفيزا من هذه الصبرة.
قلنا: سلمنا أنهما تراضيا، لكن المشتري يطلب الأجود، والبائع لا يدفع غيره، فيفضي إلى المنازعة، مع أنه قد يحتمل ألا تكون الثمرة إلا قدر المستثنى، فيخلو العقد عن الفائدة، كما لا يصح مثل هذا في المضاربة، بأن شرط رب المال أو المضارب شيئًا معلومًا لنفسه لهذا المعنى.
فإن قيل: ينبغي أن يجوز البيع على كل حال، سواء بقي بعد الاستثناء شيء أو لم يبق؛ لأنه إن بقي فظاهر؛ إذ الباقي بعد الاستثناء معلوم لكون المستثنى معلوما، والبيع قبل الاستثناء يكون استثناء الكل من الكل، وهو باطل، فحينئذ يجوز البيع؛ لأنه صار كأنه باع ولم يستثن.
قيل في جوابه: هذا باعتبار المال، أما باعتبار الحال لا يجوز؛ لأنه لا يعرف في المال أنه هل يبقى بعد الاستثناء شيء أم لا؟، فصار مجهولا جهالة مفضية إلى المنازعة كما بينا.
وقيل: رواية الحسن والطحاوي محمولة (١) على ما إذا لم يكن التمر منتفعًا به؛ لأنه ربما يصيبه آفة ولم يبق فيه إلا قدر المستثنى، فيتطرق فيه الضرر والغرر. قوله: (لأن الأصل) إلى آخره: اعلم أن الاستثناء تصرف فيما دخل تحت اللفظ قصدًا، ولهذا لا يصح استثناء الصفة من الموصوف، كأطراف الحيوان،
стр. 4452
أَنَّ مَا يَجُوزُ إِيرَادُ العَقدِ عَلَيْهِ بِالْفِرَادِهِ يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ العَقدِ، وَبَيعُ قَفِيرٌ مِنْ صُبرَة جَائِزٌ فَكَذَا اسْتِثْنَاؤُهُ، بِخِلَافِ اسْتِثْنَاءِ الحَملِ وَأَطرَافِ الحَيَوَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيعُهُ، فَكَذَا اسْتِثْنَاؤُهُ.
(وَيَجُوزُ بَيعُ الحِنطَةِ فِي سُنبُلِهَا وَالبَاقِلَاءِ فِي قِشَرِهِ) وَكَذَا الْأَرُزُّ وَالسِّمْسِمُ. وَقَالَ
فمتى صح إفراده بالعقد كان ذلك دليلا على أنه مقصود داخل تحت اللفظ قصدًا، فيصح استثناؤه.
فإن قيل: لو قال: بعت منك هذا القطيع من الغنم إلا هذه الشاة بعينها بمائة درهم، فإنه جائز على ما ذكر من رواية شرح الطحاوي، ولو قال: بعت منك هذا القطيع من الغنم كله على أن لي هذه الشاة الواحدة بعينها لا يجوز، مع أنه استثنى في الصورتين ما يجوز إفراده، فما الفرق؟
قلنا: أصل هذا الفرق راجع إلى أن الاستثناء يقتضي أن يكون الاستثناء مقصودًا كما ذكرناه، ففي الصورة الأولى: الشاة المعينة في الاستثناء الحقيقي غير داخلة في البيع من الابتداء على ما هو الأصل؛ فإن الأصل أن الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا، بخلاف الصورة الثانية، وهي قوله: على أن هذه الشاة المعينة؛ فإنها دخلت أولا في الجملة ثم خرجت بصحتها من الثمن، وهي مجهولة فيفسد البيع في الكل.
ونظير هذا: ما لو قال: بعت منك هذا العبد إلَّا عُشْرَهُ؛ فإنه يصح في تسعة أعشاره. ولو [قال] (١): بعت بكذا على أن لي عُشْرَهُ؛ لا يصح هذا المعنى. إليه أشير في تنوع الحصائد لنجم الدين النسفي.
قوله: (وأطراف الحيوان) فإنه لا يجوز أن يبيع الشاة ويستثني منها جلدًا أو غيره، لا في حضر ولا في سفر، وبه قال الشافعي. وقال أحمد: يجوز ذلك في الرأس والأكارع؛ لعدم الإفضاء إلى المنازعة غالبًا، وتوقف في استثناء الشحم.
وعن مالك: أنه يجوز ذلك في السفر دون الحضر للضرورة فيه.
قوله: (ويجوز بيع الحنطة في سنبلها) وبه قال الشافعي في القديم.
стр. 4453
الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجُوزُ بَيعُ البَاقِلَاءِ الأَخضَرِ، وَكَذَا الجَوزُ وَاللُّوزُ وَالفُسْتُقُ فِي قِشْرِهِ الأَوَّلِ عِندَهُ. وَلَهُ فِي بَيعِ السُّنبُلَةِ قَولَانِ، وَعِنْدَنَا: يَجُوزُ ذَلِكَ كُلُّهُ. لَهُ: أَنَّ المَعقُودَ عَلَيْهِ مَستُورٌ بِمَا لَا مَنفَعَةَ لَهُ فِيهِ فَأَشبَهَ تُرَابَ الصَّاغَةِ إِذَا بِيعَ بِجِنسِهِ.
وقال الشافعي في الجديد: لا يصح، وله في بيع الباقلاء الأخضر وجهان، والمنصوص منه: أنه لا يجوز، وهو ظاهر مذهبه.
وقال الإصطخري وكثير من أصحابه: يجوز، وهو قولنا ومالك وأحمد.
(وكذا الجوز)؛ أي: الرطب منه، أما في اليابس منهما يجوز بلا خلاف.
والمختار عند الشافعي: جواز بيع الباقلاء واللوز الرطب، وبيع الأرز في قشره يجوز في المنصوص منه؛ لأنه مدخر في قشره، فيكون كالشعير والقشر على الجوز واللوز اليابس.
له: أنه ﵇ «نَهَى عَنْ بيع الغَرَرِ» (١) وهذا منه؛ لأنه لا يدري قدر الحب في السنابل، ولأنه ﵇ «نهى عن بيع الطَّعَامِ حَتَّى يُفْرَكَ» (٢).
(تراب الصاغة) وهو التراب الذي فيه ذرات الذهب حتى لو باعه بجنسه لا يجوز لاحتمال الربا، ولا يصرف إلى خلاف الجنس تحريا للجواز، كما في بيع الدرهم والدينارين بدرهمين ودينارين؛ لأن التراب ليس بمال متقوم.
وحاصل قول الشافعي: أن التراضي شرط في المعاوضة، وتمام الرضى إنما يكون بالعلم، وكونه مستورا يحل به فتكون محلا بالتراضي، ولفقد الرضا أثر في الفساد، وعلى هذا ينبغي ألا يجوز عنده في قشره الثاني، لكن باعتبار التعامل ألحق بما هو المقصود وهو المعقود عليه.
ولنا: ما روي أنه ﵇ «نهى عن بيع النخل حتّى يزهى - أي: يَحْمَرَّ أو يَصْفَرَّ - وعن بيع السنبل حتّى يبيَضَّ ويَأمَنَ العاهَةَ» أي: الآفة. رواه مسلم في صحيحه (٣).
стр. 4454
وَلَنَا: مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيعِ النَّحْلِ حَتَّى يَرْهُوَ، وَعَنْ بَيعِ السُّنبُلِ حَتَّى يَبيَضَّ وَيَأْمَنَ العَاهَةَ؛ وَلِأَنَّهُ حَبُّ مُتَفَعُ بِهِ فَيَجُوزُ بَيعُهُ فِي سُنبُلِهِ كَالشَّعِيرِ، وَالجَامِعُ كُونُهُ مَالًا مُتَقَوَّمًا، بِخِلَافِ تُرَابِ الصَّاغَةِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِجِنسِهِ لِاحْتِمَالِ الرِّبَا، حَتَّى لَو بَاعَهُ بِخِلَافِ جِنسِهِ جَازَ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَو بَاعَهُ بِجِنسِهِ لَا يَجُوزُ أَيضا لِشُبْهَةِ الرِّبَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي قَدرَ مَا فِي السَّنَابِلِ.
وَمَا رَوَاهُ علي بن معبد «أنه ﵇ أجاز بيع القمح في سُنبلِهِ إِذا أَبْيَض»، ولأنه حب منتفع؛ فإنه يدخر في سنبله، قال تعالى: ﴿فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سنبله﴾ [يوسف: ٤٧] فيكون كالشعير، وكونه منتفعًا يوجب جواز البيع؛ لأنه مال متقوم، وما لم يكن منتفعا به لا يجوز بيعه لعدم التموّل فيه.
وَمَا رَوَاهُ محمول على بيع الطير في السماء والسمك في الماء؛ لأن الغرر ما له عاقبة مستورة. هكذا ذكره في الصحاح (١) والمبسوط (٢). أو يحمل على بيعه قبل أن يشتد.
وتأويل قوله ﵇: «حتى يُفْرَكَ» أي: صار بحال يتأتى فيه الفرك، والحمل عليه أولى توفيقا بينه وبين ما روينا وجواب قياسه بتراب الصاغة مذكور في المتن.
فإن قيل: يجوز بيع النخل قبل الإزهاء عندكم.
قلنا: تأويل الحديث على هذا الإشكال بيع التمر على النخل بشرط الترك إلى أن يحمر أو يصفر، بدليل قوله ﵇: أرأيتَ لَوْ أَذهَبَ اللهُ تَعَالَى الثَّمَرَ بِمَ يَستَحِلُّ أحدكم مال أخِيهِ؟ (٣) وإنما يتوهم الإذهاب إذا اشتراه بشرط [الترك] (٤) وقبل الإدراك. كذا في زاد الفقهاء.
ولأن الإزهاء يكون في التمر لا في النخل، أو هو محمول على ما قبل الظهور عندنا، أو النهي يقتضي الجواز عندنا على ما ذكر في الأصول.
стр. 4455
(وَمَنْ بَاعَ دَارًا دَخَلَ فِي البَيعِ مَفَاتِيحُ إِعْلَاقِهَا)؛ لِأَنَّهُ يَدخُلُ فِيهِ الأَعْلَاقُ؛ لِأَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ فِيهَا لِلبَقَاءِ وَالمِفْتَاحُ يَدْخُلُ فِي بَيعِ الغَلَقَ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَة؛ لِأَنَّهُ بِمَنزِلَةِ بَعضٍ مِنْهُ إِذْ لَا يُنتَفَعُ بِهِ بِدُونِهِ.
فإن قيل: ما الفرق بين هذه المسألة وبين ما إذا باع حب قطن في قطن بعينه؛ حيث لا يجوز هناك، مع أن المبيع في الكل موجود في غلافه.
قلنا: أشار أبو يوسف إلى الفرق وقال: إن الغالب في السنبلة الحنطة؛ ألا ترى أنك تقول: هذه حنطة وهي في سنبلها، ولا تقول: هذا حب وهو في القطن، وإنما تقول: هذا قطن وكذلك النوى في التمر. كذا في الذخيرة، وفيه نوع تأمل.
وفي شرح الطحاوي: الأصل أن بيع الشيء في غلافه لا يجوز قبل الإزالة، إلا الحنطة في سنبلها أو سائر الحبوب في سنبلها، والذهب في ترابه والفضة في ترابها، بخلاف جنسه من الثمن، وما يكون في غلافه كاللبن في الضرع، واللحم والشحم في الشاة، والألية والأكارع والجلود فيها، والدقيق في الحنطة، والزيت في الزيتون، والدهن في السمسم، والعصير في العنب.
قوله: (يدخل فيه)؛ أي: في البيع (الأغلاق) وهو جمع غلق، وهو المغلاق، وهو ما يغلق به الباب. كذا في الصحاح (١).
وبالفارسية: (كليدان). (لأنها)؛ أي: الأغلاق (مركبة فيها)؛ أي: في الدار، وكذا المفتاح يدخل بلا خلاف.
وفي الفوائد الظهيرية: هذا إذا كانت الأغلاق مركبة في حيطان الدار، أما إذا كانت منفصلة لا تدخل بدون الذكر، إلا إذا كان شيئًا جرى العرف به، والعادة فيما بين الناس أن البائع لا يضن به، ولا يمنعه عن المشتري، فحينئذ يدخل وإن لم يذكر في البيع.
(لأنه)؛ أي: المفتاح (بمنزلة بعض منه)؛ أي من الغلق (إذ لا ينتفع به)؛ أي: بالغلق (بدونه)؛ أي: بدون المفتاح، ولذلك يدخل المفتاح وإن كان منفصلا من الغلق.
стр. 4456
قال: (وأجرة الكيال وناقد الثمن على البائع) أما الكيل فلا بد منه للتسليم وهو على البائع، ومعنى هذا إذا بيع مكايلة، وكذا أجرة الوزان والزراع والعداد، وأما النقد فالمذكور رواية ابن رستم عن محمد؛ لأن النقد يكون بعد التسليم؛ ألا ترى أنه يكون بعد الوزن، والبائع هو المحتاج إليه ليميز ما تعلق به حقه من غيره أو ليعرف المعيب ليرده.
وفي رواية ابن سماعة عنه على المشتري (*)؛ لأنه يحتاج إلى تسليم الجيد
فإن قيل: يلزم على هذا أن يدخل الطريق بدون الذكر في بيع الدار؛ لأن الانتفاع بالدار لا يمكن إلا بالطريق، ومع ذلك لا يدخل.
قلنا: شراء الدار قد يكون مقصودًا بدون الطريق؛ لأنه يحتمل أن يكون مراد المشتري أخذ الشفعة بسبب ملك الدار المشتراة، أما المغلاق لا يكون مقصودًا للمشتري منفردًا عن الدار، وكذا المفتاح بدون الغلق، فيدخل بدون الذكر، كما في إجارة الدار؛ فإن الطريق يدخل بلا ذكر؛ لأن الانتفاع مقصود في الإجارة، وذا لا يتصور إلا بالطريق، وقد مرت المسائل في بيع الدار.
قوله: (هذا إذا بيع مكايلة) وإنما قيد به؛ لأنه لو باع مجازفة لا يجب على البائع أجرة الكيال؛ لأنه لا يجب عليه الكيل.
(وكذا أجرة الوزان)؛ أي: وزان المبيع كالدهن والدبس يجب عليه، وهذا أيضًا إذا باع موازنة، وكذا أجرة العداد إذا كان المبيع عدديًا، كالجوز والبيض، أو باع الغنم عدًا، فأجرة العد عليه، وكذا أجرة الذراع عليه إذا باع مذارعة؛ لأن تسليم المبيع على البائع، فتكون مؤنته عليه. وبه قال الشافعي.
(ألا ترى أنه؛ أي: النقد بعد الوزن، والبائع هو المحتاج إليه)؛ أي: إلى النقد (ليميز)؛ أي: البائع (ما تعلق به حقه)؛ أي: حق البائع وهو الجيد (من غيره)؛ أي: من غير حق البائع وهو الرديء. وبه قال الشافعي في وجه.
(سماعة عنه)؛ أي: عن محمد (على المشتري) وبه كان يفتي الصدر
стр. 4457
المُقَدَّرِ، وَالجُودَةُ تُعرَفُ بِالنَّقْدِ كَمَا يُعرَفُ القَدْرُ بِالوَزْنِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ. قَالَ: (وَأُجْرَةُ وَزَّانِ الثَّمَنِ عَلَى المُشتَرِي) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ هُوَ المُحتَاجُ إلَى تَسْلِيمِ الثَّمَنِ وَبِالْوَزْنِ يَتَحَقَّقُ التسليم.
قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ سِلعَة بِثَمَن قِيلَ لِلمُشتَرِي: ادفع الثَّمَنَ أَوَّلًا)؛ لِأَنَّ حَقَّ المُشتَرِي تَعَيَّنَ فِي المَبِيعِ فَيُقَدَّمُ دَفَعُ الثَّمَنِ لِيَتَعَيَّنَ حَقُّ البَائِعِ بِالقَبْضِ لِمَا أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعيِينِ تَحقِيقا لِلمُسَاوَاةِ.
قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ سِلعَة بِسِلعَة أَوْ ثَمَنًا بِثَمَن قِيلَ لَهُمَا: سَلَّمَا مَعًا) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي
الشهيد، وبه قال الشافعي في وجه. وعن محمد: أجرة النقد على من عليه الدين، كما في الثمن أنه على المشتري باتفاق الأئمة الأربعة.
قوله: (ومن باع سلعة بثمن)؛ أي: بالدرهم أو الدينار، وغير مؤجل؛ لأنه لو باع سلعة بسلعة وبالثمن المؤجل لا يجبر المشتري على دفع الثمن أولا، وبه قال الشافعي في قول، ومالك.
وقال في الأصح: أنه يجبر البائع على تسليم المبيع أولًا، وبه قال أحمد؛ لأنه لا يخاف هلاك الثمن وملك البائع مستقر فيه، حتى ينفذ تصرفه فيه، فيتم بالحوالة والاعتياض، وملك المشتري غير مستقر حتى يقبض، فعلى البائع التسليم ليستقر.
وقال الشافعي في قول: يجبرهما الحاكم على التسليم، فيأمر كل واحد منهما إحضار ما عليه، فإذا أحضرا سلم الثمن إلى البائع والمبيع إلى المشتري.
وفي قول: لا يجبرهما ويمنعهما عن التخاصم، فإذا سلم أحدهما أجبر الآخر. كذا في شرح الوجيز (١).
(تحقيقا للمساواة)؛ أي في المالية؛ لأن الثمن دين، والدين أنقص من العين في المالية، ولأنه ﵇ قال: «ثَلاثُ لَا يُؤَخَّرْنَ: الدِّينُ إِذا وُجِدَ مَنْ يقبضُهُ … » الحديث، والثمن دين.
قوله: (سلما)؛ أي: بإجماع الأئمة الأربعة.
стр. 4458
التَّعَيُّنِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى تَقْدِيمِ أَحَدِهِمَا فِي الدَّمْعِ.
وفي المغني: لو كان المبيع غائبًا؛ فللمشتري أن يمتنع عن تسليم الثمن حتى يحضر المبيع؛ ليتمكن من قبضه عقيب تسليم الثمن.
وفي المجتبى: لا بد من معرفة كيفية التسليم والتسلم، ومكان التسليم.
فالتخلية بين المشتري وبين المبيع - من غير مانع من قبضه- قَبضُ، وبه يدخل المبيع في ضمان المشتري.
قال ابن شجاع: وهذا باتفاق أهل العلم. وقال الشافعي: القبض في الدراهم والدنانير بتناولهما بالبراجم، وفي الثياب ونحوها بنقله من مكانه، إلا الطعام مكايلة فبالكيل، وفي العقار والشجر بالتخلية؛ لنهي النبي ﵇ عن بيع الطعام في السوق حتى ينقلوه (١).
قلنا: كانوا يتبايعونها عن تلقي الجلب بظروفها، لا يشاهدونه حتى ينقلوه إلى رحالهم، فنهاهم عن بيعها قبل الرؤية.
ولنا: أن التخلية معنى يُدخِلُ التمر في ضمان المشتري على رؤوس النخل بالإجماع، فكذا العروض.
وفي شرح الوجيز: القول الجملي في القبض: أن الرجوع فيما يكون قبضًا إلى العادة، ويختلف بحسب اختلاف المال (٢).
وفي الغاية: المحكم فيه العرف، فقبضُ العقار التخلية، وقبضُ المنقول النقل إلى مكان لا يختص بالبائع، وبه قال أحمد.
وفي شرح الوجيز: لو باع الشيء مع اعتبار تقدير فيه، كما إذا اشترى ثوبا أو أرضًا مذارعة، أو متاعًا موازنة، أو صبرةً مكايلة، أو معدودًا بالعدد، فلا يكفي في القبض النقل، ولا بد مع ذلك من الذرع أو الكيل أو الوزن أو العد (٣).
стр. 4459
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي المجتبى: أمره البائع بالقبض فلم يقبضه حتى أخذ إنسان، فإن أمكنه قبضه من غير قيام صح التسليم، وإلا فلا.
وفي النظم: أمر البائع المشتري بحلق شعر العبد أو بالحجامة، أو يسقيه دواء أو يداوي جرحه ففعل؛ لا يصير قابضًا. ولو قبض المشتري فوجد به عيبًا ففعل هذه الأشياء لا يكون رضًا. ولو أمره بختان الجارية والغلام، أو الفصد أو ربط جرحه، أو قطع عرقه، أو كان ثوبًا فقطعه أو قصره أو غسله، أو نعله يحذوه، أو طعامًا يطبخه، أو جارية فأمر أن يزوجها فزوجها ودخل بها زوجها؛ يكون قبضًا، ولو لم يدخل لا يكون قبضًا. ولو فعل المشتري شيئًا من هذه الأشياء بعد وجدان العيب به يصير راضيا، ولم يكن له الرد، فيرجع بالنقصان في هذا كله؛ لأن البائع قبل المبيع قبل حصول هذه الأشياء جاز، فالعجز عن الرد من قبله، فكان عليه النقصان؛ لأن المبيع لما لم يكن مقبوضًا قصدًا فقد وجد هذه التصرفات مضافة إليه، وامتنع الرد بسببها، فكان ضمان النقصان بسببها؛ لأن البائع أمره وسلطه عن ولاية، فكانت هذه التصرفات منه.
وفي جمع النوازل: دفع المفتاح في بيع الدار تسليم، إذا تهيأ له فتحه من غير كلفة، ولو باع حنطة في بيته ودفع إليه المفتاح ليقبض، فإن قال: خليت بينك وبينها فتسليم، وإلا فلا.
سلّم الدار وهما غائبان عنها، وقال المشتري: قبضتها؛ لم يصر قابضًا حتى يكون قريبا بحيث يقدر إغلاقها.
وفي جامع شمس الأئمة: يصح القبض وإن كان العقار غائبا عند أبي حنيفة، خلافا لهما، ثم كل شيء اشتراه بعينه فجاء به البائع، وأمره المشتري أن يطرحه في الماء ففعل؛ فهو قابض.
اشترى فرسا في حظيرة (١)، فقال البائع: سلمته إليك، ففتح المشتري الباب فذهب، فإن أمكنه أخذه بيده بلا عون؛ كان تسليما، وإلا فلا، وكذا في الطير.
стр. 4460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي جامع شمس الأئمة: إن كان لا يقدر بقبضه إلا مع الحبل، وليس معه حبل؛ لا يكون قبضًا، وعلى هذا العون، لو كان معه حبل وعون فقبض، وكذا لو اشترى رمكة من الرماك في حظيرة. ولو اشترى الرماك كلها؛ فالتخلية بينه وبين الحظيرة تسليم، حتى لو غلبته وهلكن؛ هلكن من المشتري، ولو كان في البيت متاعه وإن قل أو درعه؛ يمنع التسليم.
وعن الوبري: المتاع لغير البائع لا يمنع، فلو أذن له بقبض المتاع والبيت صح، وصار المتاع وديعة عنده. ولو هلك الثوب وهو في أيديهما بعد التخلية فهو قبض عند محمد، خلافا لأبي يوسف. ولو اشترى دهنا ودفع قارورة ليزنه فيها، فوزنه فيها بحضرة المشتري فهو قبض، وكذلك يعينه على الأصح وإن كان في بيت البائع، وكذا سائر المكيلات والموزونات إذا وزنها أو كالها في وعاء المشتري بأمره، وفي جوالق بعد الاستعارة بعينها بغيبة المشتري اختلاف، وبعد القبض قبض، ولو غصب شيئًا بعينه ثم اشتراه؛ صار قابضًا بالشراء، وليس للبائع حبسه بالثمن، بخلاف الوديعة والعارية، إلا إذا وصل إليه بعد التخلية.
اعلم: أن العقد يقتضي تسليم المبيع، حيث هو وقت العقد لا في مكان العقد. وقيل: في مكان العقد، حتى لو لزم مؤنة في إحضاره يلزم البائع، وبه قال الشافعي.
ولو اشترى حنطة في السواد يجب تسليمها في السواد، ولو اشترى ثمرًا على الأشجار فجزها على المشتري. وفي الموازية: على البائع. وكذا قلع الجزر [والسلجم] (١) والبصل ونحوها على المشتري، إلا قدر الأنموذج فهو على البائع بكل حال. ولو اشترى حنطة في سفينة أو بيت أو جوالق، أو ثوبًا في جراب؛ فالإخراج على المشتري. ولو اشترى وقر حنطة في المصر؛ فحملها على البائع. ولو اشترى حنطة في سنبلها؛ فتخليصها بالكدس والتدرية على البائع، والتبن للبائع، وكذا صبها في وعاء المشتري بالعزق، وصب الماء من التربة عليه، والله أعلم.
стр. 4461
بَابُ خِيَارِ الشَّرطِ
قَالَ: (خِيَارُ الشَّرطِ جَائِزٌ فِي البَيعِ لِلبَائِعِ وَالمُشتَرِي، وَلَهُمَا الخِيَارُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَمَا دُونَهَا) وَالأَصلُ فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّ حِبَّانَ بنَ مُنقِذِ بنِ عَمرو الأَنصَارِيَّ ﵁ كَانَ
باب خيار الشرط
لما ذكر أحكام العلة التامة، وهي العلة اسمًا ومعنى وحكما وهي الأصل؛ شرع في بيان أحكام العلة الناقصة، وهي العلة اسمًا ومعنى لا حكمًا، وهي البيع بشرط الخيار.
وقدم خيار الشرط على غيره؛ لأنه يمنع ابتداء الحكم، وخيار الرؤية يمنع تمام الحكم، وخيار العيب لزوم الحكم، وكذا قدم خيار الرؤية عليه.
وقولنا: (خيار الشرط) من قبيل إضافة الحكم إلى سببه؛ لأنه يحصل بالشرط، وحقه ألا يثبت؛ لما روي أنه ﵇ «نَهَى عن بيع وشرط» (١) ولأن فيه معنى الغرر، وفيه معنى القمار، فلا يليق ذلك في الإثباتات، لكن لما ورد النص أظهرنا عمله في منع الحكم دون السبب؛ تقليلا لعمله بقدر الإمكان.
وشرط الخيار جائز بإجماع الفقهاء والعلماء، ولكن اختلفوا في مدته، ويجوز للبائع وللمشتري، أو لهما معا، أو لغيرهما، وفي غيرهما أصلان يجيء.
وقال سفيان الثوري وابن شبرمة: يجوز للمشتري لا للبائع؛ لأنه ثبت بخلاف القياس، فيقتصر على مورد النص وهو المشتري، إلا إذا كان في معناه.
وقلنا: قوله ﵇: «إذا بايَعْتَ … » (٢) يتناول البيع والشراء، فيجوز لهما، ولأن بالناس حاجة إليه لدفع الغبن بالتروي، وفيه يستوي البائع والمشتري.
ثلاثة أيام بالرفع على الابتداء، والنصب على الظرفية، أو في ثلاثة أيام.
(وحبان) بفتح الحاء والباء و (منقذ) بالذال، فإنه كان يُغْبَنُ في البياعات لمأمومة أصابت رأسه، وكان ألثغ ويقول: لا خيابة. كذا في المبسوط (٣).
(والخلابة) الخداع.
стр. 4462
يُعْبَنُ فِي البِيَاعَاتِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵊: «إِذَا بَايَعتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ وَلِيَ الخِيَارُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ».
(وَلَا يَجُوزُ أَكثَرُ مِنهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَهُوَ قَولُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ. (وَقَالَا: يَجُوزُ إِذَا سَمَّى مُدَّة مَعْلُومَة) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّهُ أَجَازَ الخِيَارَ إِلَى شَهرَينِ» (*)؛ وَلِأَنَّ الخِيَارَ إِنَّمَا شُرِعَ لِلحَاجَةِ إِلَى التَّرَوِّي لِيَندَفِعَ الغَبْنُ، وَقَدْ تَمَسُّ الحَاجَةُ إِلَى الأكثَرِ فَصَارَ كَالتَّأْجِيلِ فِي الثَّمَنِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ شَرطَ الخِيَارِ يُخَالِفُ مُقْتَضَى العَقدِ وَهُوَ اللُّزُومُ، وَإِنَّمَا جَوَّزْنَاهُ بِخِلَافِ القِيَاسِ لِمَا رَوَيْنَاهُ مِنْ النَّصِّ، فَيُقتَصَرُ عَلَى المُدَّةِ المَذْكُورَةِ فِيهِ وَانتَفَت الزِّيَادَةُ.
(وهو)؛ أي: عدم الجواز في الأكثر (قول زفر والشافعي) ومالك برواية شرح المجمع، ولكن ذكر في الحلية: وقال مالك: شرط الخيار على حسب ما تدعو إليه الحاجة، وذلك يختلف باختلاف الأموال، فإن كان المبيع مما لا يبقى أكثر من يوم كالفاكهة مثلا؛ لم يجز أن يشترط الخيار فيه أكثر من يوم، وإن كان ضيعة لا يمكن الوقوف عليها في ثلاثة أيام؛ يجوز أن يشترط أكثر من ثلاثة أيام؛ لأنه شرع للحاجة إلى التروي (١).
(وقالا)؛ أي: أبو يوسف ومحمد (يجوز في الأكثر إذا سمى مدة معلومة) طالت المدة أو قصرت وبه قال أحمد؛ لقوله ﵇: «المسلمون عند شروطهم» (٢).
(التروي) التأمل والتفكر.
(فصار)؛ أي: شرط الخيار (كالتأجيل في الثمن) فإنه يجوز في قليل المدة وكثيرها، وإن كان يخالف مقتضى العقد لأجل الحاجة، فكذا هذا.
(على المدة المذكورة) وهي الثلاثة (وانتفت الزيادة) لأن التقدير الشرعي ما
стр. 4463
(إِلَّا أَنَّهُ إِذَا أَجَازَ فِي الثَّلَاثِ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) خِلَافًا لِزُفَرِ، هُوَ يَقُولُ: إِنَّهُ انعَقَدَ فَاسِدًا فَلَا يَنْقَلِبُ جَائِزًا. وَلَهُ: أَنَّهُ أَسقَطَ المُفْسِدَ قَبلَ تَقَرُّرِهِ فَيَعُودُ جَائِزًا كَمَا إِذَا بَاعَ بِالرَّقْمِ وَأَعْلَمَهُ فِي المَجْلِسِ.
يمنع الزيادة والنقصان أو أحدهما، وهذا التقدير لا يمنع النقصان بالإجماع، فيلزم أن يمنع الزيادة، وإلا لم يبق في هذا التقدير فائدة.
وفي شرح المجمع: وإنما جاز فيما دونها ضرورة كونها من أجزاء الثلاثة، ولا تجوز في الزيادة بالباقي، أي: القياس، وهو عدم جواز البيع مع تراخي الحكم؛ للزوم تراخي المسبب عن السبب السالم عن معارض النص.
والمعنى: أن الخيار شرع لدفع الغبن، وذا يحصل بالثلاثة، فيقصر عليها.
والجواب عن حديث ابن عمر «أَنَّهُ أَجَازَ الخِيارَ»؛ أن المراد خيار الرؤية والعيب، فإنه أجاز خيار الرؤية بعد شهرين، فلا يجوز التمسك به، مع أن هذه حكاية حال ولا عموم له.
وعن قوله ﵇: «المسلمون … » الحديث؛ أن ذلك في المواعيد، أو شرط يصح شرعًا.
وعن القياس بالتأجيل؛ أن التأجيل يشترط للقدرة على الأداء، والقدرة عليه تكون بالكسب، والكسب في كل مدة لا تثبت له القدرة عليه، فلا بد من مدة طويلة. كذا في الجامع الصغير لصدر الإسلام، وشرح القدوري، والمبسوط. (خلافا لزفر) وبقوله: قال الشافعي.
(إنه)؛ أي: العقد.
(فلا ينقلب جائزا) كما إذا باع الدرهم بالدرهمين، ثم أسقط الدرهم الزائد. وكما لو نكح امرأة وتحته أربع نسوة ثم طلق الرابعة؛ لا يحكم بصحة نكاح الخامسة. وكما لو اشترى عبدًا بألف ورطل من خمر ثم أبطل الخمر؛ فإنه لا يعود إلى الجواز؛ لأن البقاء على وفق الثبوت.
(وله)؛ أي: لأبي حنيفة (أنه)؛ أي: من له الخيار (أسقط المفسد) وهو اشتراط اليوم الرابع (قبل تقرره) أي: لزومه وثبوته؛ لأن ثبوته
стр. 4464
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بمضي ثلاثة أيام، فيعود جائزا؛ لأن شرط الخيار غير مفسد للعقد بنفسه، وإنما المفسد وصل الخيار باليوم الرابع، وهو تعرض الفصل قبل مجيء اليوم الرابع، فإذا أسقطه فقد تحقق الانفصال وزال المعنى المفسد، فصار كأن لم يكن، فبقي العقد صحيحًا، أما إذا مضى جزء من اليوم الرابع؛ فقد تحقق الاتصال في ذلك الجزء على وجه لا يمكن فصله بالإسقاط؛ لأن عمل الإسقاط فيما بقي لا في ما استوفي، فلهذا لا ينقلب العقد صحيحًا باختياره، ويستوي فيما ذكرنا أن يكون الخيار للبائع أو للمشتري. كذا في جامع شمس الأئمة.
ثم اختلف مشايخنا في حكم هذا العقد في الابتداء على قول أبي حنيفة؛ فقال مشايخ العراق: ينعقد فاسدًا بحكم الظاهر، إذ الظاهر دوامها على الشرط، فحكمنا بفساد العقد، فإذا أسقطه قبل مجيء اليوم الرابع تبين الأمر على خلاف الظاهر، فينقلب صحيحًا.
وقال مشايخ خراسان والإمام السرخسي: إنه موقوف، وبالإسقاط ينعقد صحيحًا، وإذا مضى يوم من الجزء الرابع فسد العقد الآن، وهو الأوجه. كذا في الفوائد الظهيرية والذخيرة.
وذكر الكرخي نصا عن أبي حنيفة: أن البيع موقوف على إجازة المشتري، وأثبت للبائع حق الفسخ قبل الإجارة؛ لأن لكل واحد من المتعاقدين حق الفسخ في العقد الموقوف، ولو أجاز من له الخيار تم العقد. كذا في الإيضاح.
وأما الجواب عن المسائل المقيسة عليها لزفر: أن الفساد فيها في صلب العقد وهو البدل، فلم يمكن رفعه، وفي مسألتنا وقع الفساد في شرطه فأمكن رفعه. وعلى قول مشايخ خراسان: نفس الخيار غير مفسد، بل فساده موقوف إلى مضي جزء من اليوم الرابع، بخلاف تلك المسائل؛ فإن المفسد ثابت في الحال.
الرقم في الأصل: الكتابة والختم، والتاجر يرقم الثياب، أي: يُعَلِّمُها بأن ثمنها كذا. كذا في المغرب (١).
стр. 4465
وَلِأَنَّ الفَسَادَ بِاعْتِبَارِ اليَومِ الرَّابِعِ، فَإِذَا أَجَازَ قَبلَ ذَلِكَ لَم يَتَّصِلَ المُفْسِدُ بِالعَقدِ، وَلِهَذَا قِيلَ: إِنَّ العَقدَ يَفْسُدُ بِمُضِيّ جُزءٍ مِنْ اليَومِ الرَّابِعِ، وَقِيلَ: يَنعَقِدُ فَاسِدًا ثُمَّ يَرْتَفِعُ الفَسَادُ بِحَذفِ الشَّرطِ، وَهَذَا عَلَى الوَجْهِ الأَوَّلِ.
(وَلَو اشْتَرَى عَلَى أَنَّهُ إِنْ لَم يَنقُدِ الثَّمَنَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَلَا بَيعَ بَيْنَهُمَا جَازَ، وَإِلَى أَربَعَةِ أَيَّامٍ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَجُوزُ إِلَى أَربَعَةِ أَيَّامٍ
(وهذا)؛ أي: القول بانعقاده فاسدًا، ثم ارتفاع الفساد بحذف الشرط إنما يستقيم (على الوجه) أي: التعليل (الأول) وهو قوله: (أسقط المفسد) إلى آخره.
أما على التعليل الثاني وهو قوله: (لأن الفساد) إلى آخره لا يستقيم؛ لأنه لم ينعقد فاسدًا، فلم يمكن ارتفاع الفساد بحذف الشرط. وعلى هذا الخلاف: لو اشترى بأجل مجهول ثم أسقط الأجل؛ فعندنا يعود إلى الجواز، وعند زفر والشافعي: لا يعود، وقد مر الوجه.
وفي المحيط: لو شرط الخيار أبدًا أو مطلقا، أو مؤقتا بوقت مجهول؛ فسد بالإجماع، خلافًا لأحمد ومالك، وأما في أربعة أيام ونحوها؛ كذلك عند أبي حنيفة وزفر والشافعي، وهو الأصح. ولو كان الخيار إلى قدوم فلان أو إلى هبوب الريح فأسقطاه؛ لم يجز البيع عند أبي يوسف. [ولو شرط الخيار لنفسه بعد شهر؛ جاز عند أبي يوسف] (١) في الشهر، وله الخيار بعده يوما. كذا في المجتبى.
قوله: (ولو اشترى على أنه إن لم ينقد الثمن) إلى آخره: ويسمى هذا خيار النقد، والقياس يأبى جوازه، وبه أخذ زفر والشافعي ومالك وأحمد؛ لأنه شرط لا يقتضيه العقد، وهو شرط الفسخ متى لم ينقد الثمن ثلاثة أيام، فكان هذا إقالة معلقة بعدم نقد الثمن، فلا يجوز، كما لو باع بشرط الإقالة، ولأن هذا تعليق الإقالة بالشرط، فلا يجوز كتعليق البيع وليس هذا كشرط الخيار؛ فإن فيه يتم البيع بمضي المدة، وهاهنا ينفسخ البيع عند مضي المدة إذا لم ينقد الثمن، ولكنا تركنا القياس بحديث ابن عمر، فإنه باع ناقة بهذا الشرط، وقول
стр. 4466
أَوْ أَكْثَرَ (*)، فَإِنْ نَقَدَ فِي الثَّلَاثِ جَازَ فِي قَولِهِم جَمِيعًا) وَالأَصلُ فِيهِ: أَنَّ هَذَا فِي مَعنَى اشْتِرَاطِ الخِيَارِ، إذ الحَاجَةُ مَسَّت إِلَى الاِنفِسَانِ عِنْدَ عَدَمِ النَّقْدِ تَحَرُّزًا عَنْ المُمَاطَلَةِ فِي الفَسَخِ فَيَكُونُ مُلحَقًا بِهِ.
الواحد من فقهاء الصحابة مقدم على القياس، ولم يوجد عن غيره خلاف، فحَلَّ محل الإجماع.
(أَنَّ هَذَا)؛ أي: خيار النقد (في معنى اشتراط الخيار)؛ أي: خيار الشرط؛ لأنه كما يحتاج إلى التروي في الثمن، هل يصير منقودًا أم لا؟، فكان هذا مغايرا لخيار الشرط من حيث الصورة؛ لأن ثمة يحتاج إلى فسخ العقد، وهاهنا لا يحتاج إلى الفسخ، بل ينفسخ إذا لم ينقد، ولكن من حيث المعنى هما شيئان؛ لأن في باب الخيار يتعلق بثبوت الملك بمضي الثلاث، وهاهنا يتعلق الفسخ بمضي الثلاث قبل النقد، فصح الاستدلال. كذا في الإيضاح.
فإن قيل: لا نسلم أن هذا الشرط في معنى اشتراط الخيار، بل هذا على خلاف ذلك، كيف والحال أن (١) هناك لو سكت حتى مضت المدة يتم البيع، وهاهنا لو سكت حتى مضت المدة يبطل البيع، وجواز البيع مع شرط الخيار جائز بالنص على خلاف القياس، فلا يلحق به غيره إلا إذا كان في معناه من كل وجه، وبما ذكرنا علم أنه ليس في معناه من كل وجه، فلا يلحق به.
قلنا: الاعتبار في كون الشيء بمعنى شيء آخر لما هو المقصود فيهما، لا لمعنى زائد، ثم هذا الشرط من حيث المقصود كشرط الخيار؛ لأن في شرط الخيار يحتاج إلى التروي في المبيع، وهذا إلى التروي في الثمن كما ذكرنا، فيكون في معناه من كل وجه من حيث المقصود فيلحق به. إليه أشير في المبسوط، والإيضاح.
(المماطلة) المدافعة. وقوله: (في الفسخ) متعلق بالمماطلة، يعني: (أرى أي أنك احتراز كنداز دار كردن در) فسخ بيع أي: لأجل هذا المعنى مَسَّت
стр. 4467
وَقَدْ مَرَّ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَصْلِهِ فِي المُلحَقِ بِهِ، وَنَفَى الزَّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ، وَكَذَا مُحَمَّدٌ فِي تَجوِيزِ الزِّيَادَةِ. وَأَبُو يُوسُفَ أَخَذَ فِي الأَصل بِالأَثَرِ، وَفِي هَذَا بِالقِيَاسِ. وَفِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ قِيَاسٌ آخَرُ وَإِلَيْهِ مَالَ زُفَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ بَيعٌ شُرِطَ فِيهِ إِقَالَةٌ فَاسِدَةٌ لِتَعَلُّقِهَا بِالشَّرط،
الحاجة إلى الانفساخ عند عدم النقد في ثلاثة أيام، فكان في معناه من هذا الوجه.
فإن قيل: هذه الضرورة تنقضي باشتراط الخيار لنفسه؛ لأنه إن لم ينقد الثمن في ثلاثة أيام يفسخ العقد، حتى يجوز بيعه بلا خلاف أحد.
قلنا: لا يصح هذا؛ لأن الضرورة باقية، فإنه لا يملك الفسخ على قول أبي حنيفة ومحمد إلا بحضرته، وعسى لا يقدر على الفسخ بحضرته. إليه أشير في جامع صدر الإسلام.
(في الملحق به) وهو خيار الشرط (ونفى الزيادة على الثلاث) فكذا في الملحق وهو خيار النقد.
(وكذا محمد)؛ أي: من محمد في تجويز الزيادة فيهما على أصله، وأبو يوسف يحتاج إلى الفرق، وفرقه: أن القياس يأبى جواز هذه الزيادة في كلا الصورتين، إلا أن في الأصل وهو شرط الخيار جاء الأثر، وهو حديث ابن عمر.
(وفي هذا)؛ أي: في خيار النقد (بالقياس)؛ أي: أخذنا القياس، يعني: النص مقيد بالثلاث في خيار النقد، وما ورد النص في خيار النقد في الزيادة، فيلحق خيار النقد بخيار الشرط دلالة، والنص ورد في خيار الشرط في الثلاثة، والزيادة دون خيار النقد. إليه أشير في الجامع الصغير لقاضي خان والذخيرة.
وفي جامع الإسبيجابي: فأبو يوسف مضطرب في رواية مع أبي حنيفة، وفي رواية مع محمد، وروى الحسن بن مالك أنه رجع عنه وقال: يجوز، كما قال محمد.
وفي شرح المجمع والأصح: أنه يوافق الإمام.
(لتعلقها)؛ أي: لتعلق الإقالة (بالشرط) وهو عدم النقد.
стр. 4468
وَاشْتِرَاطُ الصَّحِيحِ مِنهَا فِيهِ مُفْسِدٌ لِلعَقدِ، فَاشْتِرَاطُ الفَاسِدِ أُولَى، وَوَجهُ الِاسْتِحْسَانِ مَا بَيَّنَّا.
قَالَ: (وَخِيَارُ البَائِعِ يَمْنَعُ
(الصحيح منها)؛ أي: من الإقالة (فيه)؛ أي في العقد، يعني: اشتراط الإقالة الصحيحة في البيع، بأن قال: بعتك هذا بشرط أن تقبل البيع (مفسد له) وفيما نحن بصدده البيع معلق بالإقالة المعلقة وهي فاسدة، فأولى أن يفسد البيع.
(ما بينا) وهو قوله: (إن هذا في معنى اشتراط الخيار) (١) إلى آخره.
قال القاضي الإمام ظهير الدين في فوائده هاهنا مسألة لا بد من حفظها؛ وهو أنه إذا لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام يفسد البيع ولا ينفسخ، حتى لو أعتقه المشتري وهو في يده نفذ عتقه، وإن كان في يد البائع لا ينفذ، ثم لو كان هذا الشرط للبائع؛ بأن اشترى عبدًا ونقد الثمن على أن البائع إن رد الثمن فلا بيع بينهما؛ جاز البيع بهذا الشرط، ويصير بمنزلة خيار الشرط، حتى إذا قبض المشتري المبيع يكون مضمونا عليه بالقيمة، ولو أعتقه المشتري لا ينفذ عتقه، ولو أعتقه البائع ينفذ.
وفي المجتبى: لو قال أحدهما بعد البيع: جعلتك بالخيار ثلاثة أيام؛ صح بالإجماع، ولو زاد أو أطلق؛ فسد البيع عند أبي حنيفة وزفر والشافعي، كالشرط الفاسد الملحق بالبيع الصحيح.
وقال أبو يوسف ومحمد وأحمد: يجوز كما في شرط الخيار. ولو قال البائع: خذه وانظر إليه اليوم، فإن رضيته أخذته بعشرة؛ فهو خيار.
باع بالخيار على أن له أن يغله ويستخدمه؛ جاز، وهو على خياره. وعلى أن يأكل من ثمره؛ لا يجوز؛ لأن الثمر له حصة من الثمن.
قوله: (وخيار البائع) إلى آخره في المبسوط: لا خلاف بين أصحابنا أن البدل الذي من جانب المشروط له الخيار لا يخرج عن ملكه (٢)؛ لأن العين لا
стр. 4469
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَخرُجُ عن ملكه بطريق التجارة إلا بعد تمام رضاه به، والسَّببُ بدون الشَّرطِ لا يكون عاملا في الحُكمِ، كاليَمينِ بالطلاقِ، ولهذا لو أعتقه المشتري قبل ذلك لا ينفذ عِتقُه، إلا أن السَّببَ المُنْعَقِدَ في الأصل يَسري إلى الزَّوائِدِ المتصلة والمُنْفَصِلةِ؛ لكونه محلا له، وعند وجود الشَّرطِ كما يَثْبُتُ الحكم في الأصل يَثْبُتُ في الزَّوائِدِ.
وحاصله: أن الشَّرطَ مَنَعَ الحُكْمَ لا السَّبَبَ في التَّمْليكَاتِ، فَمَنَعَ الرِّضا بخروج المبيع عن ملكه، فلا يَخْرُجُ كما في الإكراهِ، وكذا الحكم إذا كان الخيار لهما جميعًا؛ لم يَخْرُجُ المبيع عن ملك البائع، والثمن عن ملك المشتري بالإجماع.
وللشافعي فيه ثلاثة أقوال، أحدها: كقولنا، وبه قال مالك. والثاني: أنه يَنتقل الملك عنه بنفس العقد، وبه قال أحمد؛ لأن البيع قد تم بالإيجاب والقبول، وثبوت الخيار فيه لا يمنع الملك، كخيار العيب؛ إذ به يثبت حق الفسخ، وليس من ضرورته امتناع الملك. وفي الغاية: وهو الأصح.
والثالث: أنه موقوف مراعى، فإن أمضى البيع تَبيَّن أن الملك قد انتقل بنفس العقد، وإن فسخ تبين أنه لم ينتقل. ووجهه: أن البيع يقتضي إزالة الملك، إلا أنه لما شرط الخيار لم يرض بزوال ملكه، وقد صح شرطه، فجعلنا الملك موقوفًا على ظهور الحال.
ومن أصحابه من قال: ليست في المسألة ثلاثة أقوال، ولكنها على ثلاثة أحوال، فإن الخيار للبائع، وإن كان للمشتري فالملك للمشتري، وإن كان لهما فالملك موقوف. كذا في كتبهم من التتمة، والحلية، وشرح الوجيز (١).
وجه قولنا: ما نقلناه من المبسوط.
وفي الإيضاح: أُدخل الخيار في العقد وحُكم العقد، معناه: فمتى امتنع الحكم ظهر أثر الخيار في العقد، فأما الفسخ فليس من العقد في شيء، وهو
стр. 4470
خُرُوجَ المَبِيعِ عَنْ مِلْكِهِ)؛ لِأَنَّ تَمَامَ هَذَا السَّبَبِ بِالمُرَاضَاةِ وَلَا يَتِمُّ مَعَ الخِيَارِ وَلِهَذَا يَنفُذُ عِرْقُهُ.
وَلَا يَمْلِكُ المُشتَرِي التَّصَرُّفَ فِيهِ وَإِنْ قَبَضَهُ بِإِذْنِ البَائِعِ (وَلَو قَبَضَهُ المُشتَرِي وَهَلَكَ فِي يَدِهِ فِي مُدَّةِ الخِيَارِ ضَمِنَهُ بِالقِيمَةِ)؛ لِأَنَّ البَيعَ يَنفَسِخُ بِالهَلَاكِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَوْقُوفًا، وَلَا نَفَاذَ بِدُونِ المَحَلِّ فَبَقِيَ مَقبُوضًا فِي يَدِهِ عَلَى سَومِ الشِّرَاءِ وَفِيهِ القِيمَةُ،
غير مذكور، فكان إعماله في المذكور أولى [من] (١) هذا السبب، وهو البيع بالمراضاة، قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
(ولا يتم)؛ أي: المراضاة (مع الخيار).
(ضمنه بالقيمة) وبه قال الشافعي في الوجه المشهور، ومالك. وفي وجه: ضَمِنَه بالثمن، وهو قياس قول أحمد.
وقال ابن أبي ليلى: لا يضمنه؛ لأنه قبضه بإذن المالك، فيكون أمينا، فلا ضمان عليه.
وقلنا: البائع ما رضي بقبضه إلا بجهة العقد والمقبوض بجهة العقد يكون مقبوضا بالقيمة، كالمقبوض على سوم الشراء، وهذا لأن الضمان الأصلي القيمة، وإنما يتحول منه إلى الثمن عند تمام الرضا، ولم يوجد ذلك بوجود شرط الخيار للبائع، فبقي الضمان الأصلي. كذا في المبسوط (٢).
قوله: (ولهذا ينفذ عتقه) دليل عدم الخروج عن ملكه.
فإن قيل: ينبغي ألا يدخل الشرط في الحكم أيضًا ويؤثر في اللزوم، كما قال الشافعي في أحد أقواله؛ لأنه أدنى.
قلنا: الإجماع منعقد على أن الشرط يدخل على السبب أو الحكم، فلو لم يدخل على الحكم هنا لم يبق له فائدة؛ لأن عدم لزوم البيع بدونه ثابت، ولهذا يرد بالعيب بالإجماع.
(وفيه)؛ أي: في المقبوض (على سوم الشراء القيمة) إذا لم يكن مثليًّا، وإن كان مثليا يضمن مثله.
وفي التتمة: المقبوض على سوم الشراء إنما يكون مضمونا؛ إذا كان الثمن
стр. 4471
وَلَو هَلَكَ فِي يَدِ البَائِعِ انْفَسَخَ البَيعُ وَلَا شَيْءَ عَلَى المُشتَرِي اعتبارا بِالبَيعِ الصَّحِيحِ المُطلق.
قَالَ: (وَخِيَارُ المُشتَرِي لَا يَمْنَعُ خُرُوجَ المَبِيعِ عَنْ مِلكِ البَائِعِ)؛ لِأَنَّ البَيعَ فِي جَانِبِ الآخَرِ لَازِمٌ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الخِيَارَ إِنَّمَا يَمْنَعُ خُرُوجَ البَدَلِ عَنْ مِلكِ مَنْ لَهُ الخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ نَظَرًا لَهُ دُونَ الآخَرِ. قَالَ: (إِلَّا أَنَّ المُشتَرِيَ لَا يَمْلِكُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَمْلِكُهُ) (*)؛ لِأَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ عَنْ مِلكِ البَائِعِ فَلَو لَمْ يَدخُلْ فِي مِلكِ المُشتَرِي يَكُونُ زَائِلًا لَا إِلَى مَالِكِ وَلَا عَهْدَ لَنَا بِهِ … ... … ..
مُسمّى، حتى إنه إذا قال: اذهب بهذا الثوب، فإن رضيته اشتريته، فذهب به فهلك في يده لا يضمن. ولو قال: إن رضيته اشتريته بعشرة، فذهب به فهلك في يده يضمن قيمته، وعليه الفتوى.
(بالصحيح المطلق) عن الخيار، وهو بيع البات، فإن المبيع فيه لو هلك في يد البائع؛ ينفسخ البيع، فكذا في هذا.
فإن قيل: ما فائدة قيده بالصحة مع أن الحكم في الفاسد كذلك؟
قلنا: إنما قيد به؛ لأن الأصل في الصحيح، والفاسد يأخذ الحكم عنه تبعا، فذكر الأصل لهذا، أو حملا لأمر المسلم على ما هو الأليق به؛ إذ الصحيح أليق به دون الفاسد. كذا قيل.
وفي المجتبى: في المحيط: يخرج الثمن عن ملك المشتري في هذه الصورة إجماعًا، إلا أنه لا يدخل في ملك البائع عند أبي حنيفة، خلافًا لهما.
قوله: (وخيار المشتري لا يمنع) إلى آخره: وهذا بالاتفاق (لأن البيع في جانب البائع لازم)؛ لتمام الرضا منه. وللشافعي فيه ثلاثة أقوال كما ذكرنا إذا كان الخيار للبائع أو لهما.
(وقالا)؛ أي: أبو يوسف ومحمد (يملكه) وبه قال الشافعي في قول ومالك وأحمد.
(ولا عهد لنا به)؛ أي: لا علم لنا به (في الشرع)؛ يعني: غير معهود في شريعتنا، فتصير كالسائبة.
стр. 4472
فِي الشَّرعِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ لَمَّا لَم يَخرُجِ الثَّمَنُ عَنْ مِلْكِهِ، فَلَو قُلْنَا بِأَنَّهُ يَدخُلُ المَبِيعُ فِي مِلْكِهِ لَاجْتَمَعَ البَدَلَانِ فِي مِلكِ رَجُلٍ وَاحِد حكمًا لِلمُعَاوَضَةِ، وَلَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرعِ؛ لِأَنَّ المُعَاوَضَةَ تَقتَضِي المُسَاوَاةَ؛ وَلِأَنَّ الخِيَارَ شُرِعَ نَظَرًا لِلمُشتَرِي لِيَتَرَوَّى فَيَقِفَ عَلَى المَصْلَحَةِ، وَلَو ثَبَتَ المِلكُ رُبَّمَا يُعتَقُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَارِهِ بِأَنْ كَانَ قَرِيبَهُ فَيَفُوتُ النَّظَرُ.
فإن قيل: يشكل على هذا ما إذا اشترى متولي الكعبة عبدا لسدانة الكعبة وهي خدمتها، فإنه يخرج عن ملك البائع ولا يدخل في ملك المشتري. ذكره في الفوائد الظهيرية، والجامع لقاضي خان.
قلنا: قولنا: (غير معهود في الشرع) أي: في باب التجارة، وما ذكره ليس من التجارة بل هو ملحق بالأوقاف، وحكم الأوقاف كذلك.
وفي الإيضاح: الخيار يعمل فيما على المشتري، لا فيما له؛ لأن نفي الضرر في دفع ما عليه لا فيما له.
(البدلان)؛ أي: الثمن والمثمن.
وقوله: (حكما للمعاوضة) احتراز عن ضمان غصب المدبر؛ فإن الضمان يجب على الغاصب، ولا يخرج المدبر عن ملك، مولاه، فيجتمع البدلان في ملكه؛ لأن ذلك ضمان جناية لا ضمان معاوضة. وقيل: احتراز عن حكم الهبة؛ فإنه يجوز أن يجتمعا بحكم الهبة.
وأما قوله: (لا عهد لنا به في الشرع) يشكل بالتركة المستغرقة بالدين؛ فإنه يخرج عن ملك الميت، ولا يدخل في ملك الورثة ولا الغريم وبالأوقاف.
وأما قوله: (فتصير كالسائبة) فليس كذلك؛ لأن السائبة ما لا مالك له أبدًا، أما هاهنا مؤقت إلى مضي المدة ثم يصير مملوكًا لأحدهما.
فإن قيل: لو لم يثبت الملك للمشتري ينبغي ألا تكون له حق الشفعة بالإجماع.
قلنا: إنما ثبت حق الشفعة بدار السكنى؛ لأنه بشرائها صار أحق بها تصرفًا، لا لأنه ملكها، بمنزلة عبد المأذون إذا بيعت دار بجنبه؛ فإنه يستحق الشفعة بهذا المعنى وإن لم يثبت له الملك، ولهذا لو أعتقه [المشتري ينفذ
стр. 4473
قَالَ: (فَإِنْ هَلَكَ فِي يَدِهِ هَلَكَ بِالثَّمَنِ، وَكَذَا إِذَا دَخَلَهُ عَيبٌ) بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الخِيَارُ لِلبَائِعِ. وَوَجهُ الفَرقِ: أَنَّهُ إِذَا دَخَلَهُ عَيبٌ يَمْتَنِعُ الرَّدُّ، وَالهَلَاكُ لَا يَعْرَى عَنْ مُقَدِّمَةِ عَيبٍ فَيَهْلِكُ، وَالعَقْدُ قَدْ انبَرَمَ.
عتقه] (١)؛ لأنه صار أحق بالتصرف فيه، وإقدامه على الإعتاق إسقاط للخيار. كذا في المبسوط (٢).
قوله: (فإن هلك)؛ أي: المبيع (في يده)؛ أي: في يد المشتري (هلك بالثمن).
وقال زفر والشافعي في قول: يهلك بالقيمة كخيار البائع.
وقلنا: لما أشرف على الهلاك فقد عجز عن الرد، فيتم العقد وبطل خياره، فوجب الثمن كما ذكرنا في المتن.
(دخله عيب)؛ أي: دخل المبيع عيب.
(والعقد قد انبرم)؛ أي: تم؛ لأن موجب خيار المشتري الرد جبرا، ولا يبقى بعد حدوث العيب، فيتم العقد فيجب الثمن، بخلاف ما إذا كان الخيار للبائع؛ لم يسقط خياره وإن أشرف على الهلاك؛ لأنه لم يعجز عن التصرف فيه بحكم الخيار، فلو لزم البيع فيه إنما يلزم بعد موته، وذلك لا يجوز؛ لأنه لم يبق للبيع، وكذا إذا حدث عيب به في يد المشتري، فإن البائع لو رضي بالاسترداد جبرا يتمكن منه، فعلم بأن العقد موقوف كما كان فيلزمه القيمة.
وقيل في جانب أبي حنيفة: أن الخيار الثابت للمشتري هو ما كان ثابتا له قبل العقد، وإنما أضيف للشرط باعتبار أنه مستند إلى ما بعد العقد، إذ لولاه لعمل العقد عمله، وحكم العقد ثبوت الملك للمشتري مضمونًا عليه بالثمن، وهذه الجملة معدومة قبل العقد، فكذا بعده ما دام الخيار ثابتًا، وهذا كالاستثناء؛ فإن عمله الإبقاء على العدم الأصلي، وإذا ثبت ذلك لم يمكن التفضيل بين المبيع والثمن، على أن الغرض من شرط الخيار وإن كان هو الحاجة، لكن هذا الامتياز بين حكمي المبيع والثمن إنما يصح أن لو كان انتفاء
стр. 4474
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حكم العقد في جانب المشتري من الشرط ليتقدر بقدره، وأما إذا كان الانتفاء بحكم العدم الأصلي لم يمكن التمييز؛ لاستحالة انتفاء حكم العقد بالعدم الأصلي في جانبه، حتى لا يلزمه الثمن بهذا العقد في زمان لا ينتفي فيه حكمه بعينه في [جانبه، ثم] (١) هذا في عيب لا يرتفع في مدة الخيار كقطع اليد، وأما لو كان عيبا يجوز ارتفاعه كالمرض، فهو على خياره إذا زال في المدة، فله الفسخ بعد ارتفاعه، ولو لم يرتفع بعد مضي المدة لزم العقد لتعذر الرد. كذا في الإيضاح.
وعن أبي يوسف: يبطل خيار المشتري في كل عيب بأي وجه كان، إلا في خصلة، وهي أن النقصان إذا حصل في يد المشتري بفعل البائع فلا يبطل خياره، إن شاء رده، وإن شاء أجاز البيع وأخذ من البائع الأرش. وفي زيادة متصلة متولدة من المبيع، كالحُسْنِ والجَمالِ وغيرهما؛ يبطل خياره وينفذ البيع في قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن الفسخ رَدُّ البيع كما قُبِضَ، وقد عجز عن رده كما قُبِضَ، فيبطل خياره وينفذ البيع.
وقال محمد: لا يمنع الرد وهو على خياره؛ لأنه يرده كما قبض مع زيادة، فلو كانت الزيادة متصلة غير متولدة منه كالصبغ والخياطة وغيرهما لا يمنع الرد بالإجماع، ولو كانت الزيادة منفصلة متولدة منه كالولد والأرش والعقر والتمر واللبن والصوف يمنع الرد ويبطل الخيار وينفذ العقد، ولو كانت منفصلة غير متولدة كالكسب والغلة والصدقة والهبة فلا يمنع الرد وهو على خياره، إلا أنه إذا اختار البيع فالزوائد له مع الأصل، ولو اختار الرد يردُّ الأصل مع الزوائد عند أبي حنيفة. وعندهما يرد الأصل دون الزوائد، هذا إذا تعيب المبيع والخيار للمشتري، أما لو تعيب في يد المشتري والخيار للبائع؛ كان للبائع أن يلزمه البيع، وإن شاء فسخ البيع وضمنه ما انتقص؛ لأن العيب لا يمنع الفسخ في هذه الصورة لما ذكرنا، أما لو تعيب في يد البائع والخيار له فهو على خياره، وإذا
стр. 4475
فَيَلزَمُهُ الثَّمَنُ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ بِدُخُولِ العَيبِ لَا يَمْتَنِعُ الرَّدُّ حُكَمًا بِخِيَارِ البَائِعِ فَيَهْلِكُ وَالعَقْدُ مَوقُوفٌ.
قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى امْرَأَتَهُ عَلَى أَنَّهُ بِالخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَم يَفْسُد النِّكَاحُ)؛ لِأَنَّهُ
جاز البيع يخير المشتري فيه، وإن كان العيب بفعل البائع انتقض البيع فيه؛ لأن ما يحدث بفعل البائع يكون مضمونا عليه ويسقط حصته من الثمن، فلو بقينا الخيار لتفرقت الصفقة على المشتري، فيضمن بقبضه نقض العقد من هذا الوجه. كذا في الإيضاح.
وقوله: (حكما لخيار البائع) تعليل للرد لا لعدم الامتناع، بل هو داخل تحت النفي. كذا قاله شيخي ﵀، وكان يقول بالفارسية (ردي كل واحد منهما حكم باع بود ممتنع نم شود)، وهذه التفريعات المذكورة تخرج على مذهب الشافعي على أقواله الثلاثة في الخيار.
وفي شرح المجمع: تفريع على مذهبه؛ إذا تلف المبيع بآفة سماوية في زمن الخيار؛ نظر: إن كان قبل القبض يفسخ العقد وإن كان بعده، وقلنا: الملك للبائع انفسخ أيضًا، فيسترد الثمن ويغرم للبائع القيمة، وإن قلنا: الملك للمشتري أو موقوف؛ فوجهان أو قولان أحدهما: الفسخ أيضًا؛ لحصول الهلاك قبل استقرار العقد. وأصحهما: أنه لا ينفسخ لدخوله في ضمان المشتري بالقبض، ولا أثر لولاية الفسخ كما في خيار العيب، فإن قلنا بالانفساخ؛ فعلى المشتري القيمة، وإن قلنا بعدم الانفساخ، فهل ينقطع الخيار؟ وجهان: أحدهما: نعم، كما ينقطع خيار الرد بالعيب بتلف المبيع. وأصحهما: لا، كما لا يمتنع التحالف بتلف المبيع، ويخالف الرد بالرد؛ لأن الضرر ثم يندفع بالأرش، فإن قلنا بالأول؛ استقر العقد ولزم الثمن، وإن قلنا بالثاني، فإن تم العقد لزم الثمن، وإلا وجبت القيمة على المشتري واسترد الثمن، هذا تحصيله، وقد عرف مواضع الخلاف على التحقيق.
قوله: (ومن اشترى) إلى آخره لما بين الاختلاف في المسألة بوجوهه؛ شرع في بيان فائدة الخلاف.
قيد بشراء امرأته؛ لأن المشتراة إذا لم تكن امرأته؛ لا تفصيل فيه بين كونها بكرًا أو ثيبًا في أنه مختارًا للبيع بالوطء بالإجماع، سواء نقصه الوطء أو لا.
стр. 4476
لم يملكها لِمَا لَهُ مِنْ الخِيَارِ (وَإِنْ وَطِئَهَا لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا)؛ لِأَنَّ الوَطْءَ بِحُكمِ النِّكَاحِ (إِلَّا إِذَا كَانَتْ بِكرًا)؛ لِأَنَّ الوَطَاءَ يُنقِصُهَا، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (وَقَالَا: يَفْسُدُ النِّكَاحُ) (*)؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا (وَإِنْ وَطِئَهَا لَم يَرُدَّهَا)؛ لِأَنَّ وَطَأَهَا بِمِلكِ اليَمِينِ فَيَمْتَنِعُ الرَّدُّ وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا؛ وَلِهَذِهِ المَسأَلَةِ أَخَوَاتٌ كُلُّهَا تَبتَنِي عَلَى وُقُوعِ المِلكِ لِلمُشتَرِي بِشَرطِ الخِيَارِ وَعَدَمِهِ: مِنهَا عِتقُ المُشتَرَى عَلَى المُشتَرِي إِذَا كَانَ قَرِيبًا لَهُ فِي مُدَّةِ الخِيَارِ، وَمِنْهَا: عِتْقُهُ إِذَا كَانَ المُشتَرِي حَلَفَ إِنْ مَلَكتُ عَبْدًا فَهُوَ حُرٌّ.
(وإن وطئها)؛ أي: إذا كانت ثيبًا ولم ينقصها الوطء، حتى لو نقصها ليس له الرد وإن كانت ثيبا. إليه أشير في شرح الطحاوي؛ لأن الوطء ينقصها، فصار بمنزلة احتباس جزء منها.
فإن قيل: رضي بالنقصان؛ لأنه لما زوجها فقد مكنها على الوطء، وإذا ثبت الخيار فقد مكن من الرد، فيكون راضيا بالنقصان.
قلنا: لا نسلم أن الرضا باقٍ بعدما باعها، بل لا يبقى.
وللشافعي في حل وطئها وجهان؛ أحدهما: يجوز والثاني: لا يجوز وهو نصه.
وفي انفساخ نكاحها وجهان؛ أحدهما: ينفسخ والثاني: لا ينفسخ، وهو ظاهر نصه.
أما لو كان المبيع غير امرأته؛ لم يحل للمشتري وطؤها على الأقوال كلها، ويحل للبائع وطؤها على الأقوال كلها. وقال أحمد: لا يحل للبائع أيضًا.
(أخوات)؛ أي: نظائر.
(وعدمه)؛ أي: عدم الملك.
(منها)؛ أي: من الأخوات.
(قريبا له)؛ أي: للمشتري، فإن لا يعتق عبده خلافًا لهما. وعند الشافعي: يعتق إذا قال: ملكه المشتري.
стр. 4477
بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: إِنْ اشْتَرَيتُ فَهُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالمُنشِئِ لِلعِتقِ بَعدَ الشَّرَاءِ فَيَسقُطُ الخِيَارُ، وَمِنْهَا: أَنَّ حَيْضَ المُشتَرَاةِ فِي المُدَّةِ لَا يُجْتَزَأُ بِهِ عَنْ
[(إذا قال)؛ أي: المشتري] (١) (إن اشتريت) عبدا فاشتراه بالخيار، يعتق بالإجماع. أما عندهما فظاهر؛ لوجود الملك والشراء. وأما عنده؛ فإن المعلق بالشرط كالمرسل لذي الشرط، ولو أزيل العتق بعد شرائه بالخيار ينفذ عتقه، فكذا هذا. كذا في شرح الطحاوي. وهو معنى قوله: (كالمنشئ للعتق بعد الشراء).
فإن قيل: لو كان كالمنشئ ينبغي أن ينوب عن الكفارة، إذا اشترى المحلوف عليه بعتقه ناويًا عن الكفارة، وحيث لا يقع عنهما بالنية.
قلنا: إنما جعلناه كالمنشئ لتصحيح قوله: (فهو حر) وليس من ضرورة صحة تحريره وقوعه عن الكفارة، ولأن استحقاق الحرية قد ثبت له وقت اليمين، فصار كمن أعتق المدبَّر ناويًا عن الكفارة، فإنه يعتق ولا ينوب عنها؛ لثبوت استحقاق الحرية قبله، أما لو حلف وقال: إن ملكت عبدًا فهو حر فاشتراه بالخيار؛ لا يعتق عنده خلافًا لهما.
ومنها: حيض المرأة في مدة الخيار لا يجزئانه عن الاستبراء لو أجاز المشتري المبيع عنده خلافًا لهما، وهو ظاهر نص الشافعي، ولو فسخ المشتري البيع وعادت إلى البائع؛ لا يجب على البائع الاستبراء عنده، وعندهما يجب إذا فسخ بعد القبض قياسًا واستحسانًا؛ لثبوت الملك وتوهم الشغل، ولو فسخ قبل القبض وجب قياسًا لحدوث الملك، ولم يجب استحسانًا لعدم تجدد الملك من قبل، وعدم توهم الشغل. كذا في جامع قاضي خان والفوائد.
وقال الشافعي: إن قلنا: إن الملك في الخيار؛ لم يعتد بهذه الحيض من الاستبراء بعد الإجازة، وإن قلنا: إن الملك للمشتري؛ فيه وجهان: أحدهما: أنه يعتد بها من الاستبراء كما قالا، والثاني: لا يعتد، وهو ظاهر نص الشافعي. كذا في كتبهم.
стр. 4478
الاستبرَاءُ عِندَهُ، وَعِندَهُمَا يُجْتَزَأُ؛ وَلَو رُدَّتْ بِحُكمِ الخِيَارِ إِلَى البَائِعِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الاسْتِبْرَاءُ عِندَهُ، وَعِندَهُمَا: يَجِبُ إِذَا رُدَّتْ بَعدَ القَبْضِ. وَمِنْهَا: إِذَا وَلَدَتِ المُشْتَرَاةُ فِي المُدَّةِ بِالنِّكَاحِ لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَد لَهُ عِندَهُ خِلَافًا لَهُمَا.
وَمِنهَا: إِذَا قَبَضَ المُشتَرِي المَبِيعَ بِإِذنِ البَائِعِ، ثُمَّ أَودَعَهُ عِنْدَ البَائِعِ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ فِي المُدَّةِ، هَلَكَ مِنْ مَالِ البَائِعِ لِارْتِفَاعِ القَبضِ بِالرَّدِّ لِعَدَمِ المِلكِ عِندَهُ، وَعِندَهُمَا: مِنْ مَالِ المُشتَرِي لِصِحَّةِ الإِيدَاعِ بِاعْتِبَارِ قِيَامِ المِلكِ.
وَمِنهَا: لَو كَانَ المُشتَرِي عَبدا مَأذُونَا لَهُ فَأَبْرَأَهُ البَائِعُ مِنْ الثَّمَنِ فِي المُدَّةِ بَقِيَ
(ومنها: إذا ولدت المشتراة في المدة بالنكاح لا تصير أم ولد له عنده خلافا لهما) ولا يبطل خياره عنده خلافًا لهما، هذا إذا ولدت قبل القبض، فإنه ذكر في المبسوط: ولو ولدت عند المشتري ينقطع خياره؛ لأنها تعينت بالولادة (١)، وتصير أم ولده بالإجماع، فهذا دليل على أن ما ذكر في المتن مُؤوَّلٌ بما إذا كانت الولادة قبل القبض.
وعند الشافعي: تصير أم ولد له على أحد القولين.
(فهلك في يده)؛ أي: في يد البائع (في مدة الخيار) أو بعد مضيها يبطل البيع ويهلك من البائع لا من المشتري؛ لأنه لما لم يملكه ارتفع قبضه بالإيداع؛ من حيث إن البائع لا يصلح مودعًا ملك نفسه، وهلاك المبيع قبل القبض يبطل البيع، وعندهما تهلك من المشتري لصحة الإيداع، فكان هلاكه في يده كهلاكه في يد المشتري.
وعند الشافعي: كما قال أبو حنيفة، إن قال: إن الملك للبائع، وإن قال: إن الملك للمشتري؛ فكما قالا.
قوله: (عبدًا مأذونا له)؛ أي: أذن له في التجارة، فاشترى شيئًا في التجارة على أنه بالخيار، فأبرأه البائع عن الثمن قبل سقوط الخيار؛ صح الإبراء استحسانًا. وفي القياس: لا يصح إبراؤه؛ لأن الثمن لم يخرج عن ملكه، فيكون إبراء عما لا يملكه.
стр. 4479
عَلَى خِيَارِهِ عِندَهُ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ امْتِنَاعٌ عَنْ التَّمَلُّكِ وَالمَأْذُونُ لَهُ يَلِيهِ، وَعِندَهُمَا: بَطَلَ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مَلَكَهُ كَانَ الرَّدُّ مِنْهُ تَمْلِيكًا بِغَيْرِ عِوَضٍ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ.
وَمِنهَا: إِذَا اشْتَرَى ذِمِّيٌّ مِنْ ذِمِّي خَمْرًا عَلَى أَنَّهُ بِالخِيَارِ، ثُمَّ أَسْلَمَ، بَطَلَ الخِيَارُ عِندَهُمَا؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا فَلَا يَمْلِكُ رَدَّهَا وَهُوَ مُسلِمٌ. وَعِندَهُ: يَبْطُلُ البَيعُ؛ لِأَنَّهُ لَم يَمْلِكُهَا فَلَا يَتَمَلَّكُهَا بِإِسْقَاطِ الخِيَارِ بَعدَهُ وَهُوَ مُسلِمٌ.
وجه الاستحسان: أنه حصل الإبراء بعد وجود سبب الملك وهو العقد، فصار كما لو أبرأه الغاصب عن الضمان عند قيام العين، ولا يبطل خياره عنده، إن شاء أجاز البيع وأخذ المبيع بغير ثمن، وإن شاء فسخ. وعندهما: يبطل خياره؛ لأنه ملك المبيع عندهما، فلو رد على البائع لرده بغير ثمن، فيكون تبرعًا، والعبد المأذون لا يملك التبرع، فإذا امتنع الرد بطل الخيار ضرورة، وعنده لما لم يملكه كان الرد بحكم الفسخ امتناعا عن التملك، والعبد المأذون يملكه كما يملك الامتناع عن التملك.
قوله: (اشترى ذمي) إلى آخره ذكر خيار المشتري وإسلامه؛ لأنه إذا كان الخيار للبائع وأسلم البائع؛ يبطل البيع بالإجماع.
وذكر الإمام التمرتاشي مسائل على هذا الأصل منها: إذا اشترى مسلم من مسلم عصيرًا بالخيار، فتخمر في المدة؛ فسد البيع عنده، وعندهما تم.
ومنها: إذا كان للمشتري دارا وهو ساكنها بإجارة أو إعارة، فاستدام السكني بعد الشرط، قال الإمام السرخسي: لا يكون اختيارا، وابتداء السكنى اختيار؛ لأن الدار لا تمتحن بالسكنى.
وقال شيخ الإسلام خواهر زاده: استدامة السكنى اختيار عندهما؛ لأنه تملك الثمن، وعنده ليس باختيار؛ لأنه بالإجارة أو الإعارة.
ومنها: حلال اشترى ظبيا بالخيار، فقبضه ثم أحرم والظبي في يده؛ ينتقض البيع عنده ويرد إلى البائع، وقالا: يلزم المشتري. ولو كان الخيار للبائع ينتقض بالإجماع. ولو كان الخيار للمشتري فأحرم البائع؛ للمشتري أن يرده.
стр. 4480
قَالَ: (وَمَنْ شُرِطَ لَهُ الخِيَارُ فَلَهُ أَنْ يَفسَخَ فِي المُدَّةِ وَلَهُ أَنْ يُجِيزَ، فَإِنْ أَجَازَهُ بِغَيْرِ حَضرَةِ صَاحِبِهَا جَازَ، وَإِنْ فَسَخَ لَم يَجُز، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ حَاضِرًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجُوزُ) (*) وَهُوَ قَولُ الشَّافِعِيِّ: وَالشَّرِطُ هُوَ العِلمُ، وَإِنَّمَا كَنَّى بِالحَضرَةِ عَنهُ. لَهُ: أَنَّهُ مُسَلَّطٌ عَلَى الفَسَخِ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِهِ، فَلَا يُتَوَقَّفُ عَلَى عِلمِهِ كَالإِجَازَةِ، وَلِهَذَا لَا يُسْتَرَطُ رِضَاهُ.
قوله: (ومن شرط له الخيار): كلمة (من) عامة تتناول البائع والمشتري والأجنبي والكل سواء.
(وإن أجاز بغير حضرة صاحبه جاز)؛ أي: بإجماع الفقهاء.
(وإن فسخ)؛ أي: من له الخيار (لم يجز) وكذا الخلاف في خيار الرؤية، وهو قول مالك.
ولا خلاف في خيار العيب بأنه لا يملك، ثم الفسخ بأحد الأمرين: بالقول؛ بأن يقول: فسخت في المدة أو رددت البيع وغيرهما مما يدل على رد البيع، وهذا الفسخ لا يجوز إلا بحضرة صاحبه، وبحضرته لا يحتاج إلى القضاء. وأما الفسخ بالفعل؛ فهو أن يتصرف في المدة تصرف الملاك كالعتق وغيره، والوطء والبيع وما أشبه ذلك؛ فإن العقد ينفسخ حكمًا، سواء كان بحضرة صاحبه أو لا. كذا في المحيط.
وفي شرح الطحاوي: يثبت الفسخ ضمنًا لجواز تصرفه لا قصدًا.
(وهو [قول] (١) الشافعي) وزفر ومالك وأحمد أيضًا.
(بالحضرة عنه)؛ أي: عن العلم، يعني: أراد به العلم على [القولين؛ لأن الحضرة سبب العلم، فيكون من باب إطلاق السبب على] (٢) المسبب.
(له)؛ أي: لأبي يوسف (أنه)؛ أي: من له الخيار.
(من جهة صاحبه)؛ وهو الذي لا خيار له.
(على علمه)؛ أي: علم صاحبه (كالإجازة) فإن فيها لا يشترط العلم بالإجماع.
стр. 4481
وَصَارَ كَالوَكِيلِ بِالبَيعِ.
وَلَهُمَا: أَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي حَقِّ الغَيرِ وَهُوَ العَقدُ بِالرَّفْعِ، وَلَا يَعرَى عَنْ المَضَرَّةِ؛ لِأَنَّهُ عَسَاهُ يَعْتَمِدُ تَمَامَ البَيعِ السَّابِقِ، فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ فَتَلزَمُهُ غَرَامَةُ القِيمَةِ بِالهَلَاكِ فِيمَا إِذَا كَانَ الخِيَارُ لِلبَائِعِ، أَوْ لَا يَطْلُبُ لِسِلعَتِهِ مُشتَرِيّا فِيمَا إِذَا كَانَ الخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي، وَهَذَا نَوعُ ضَرَر فَيَتَوَقَّفُ عَلَى عِلمِهِ وَصَارَ كَعَزلِ الوَكِيلِ، بِخِلَافِ الإِجَازَةِ لِأَنَّهُ لَا
(وصار)؛ أي: من له الخيار (كالوكيل) فإن للوكيل أن يتصرف فيما وُكِّلَ به وإن كان الموكل غائبًا؛ لأنه مسلط على البيع من جهته، فكذا هاهنا.
(ولهما: أنه)؛ أي: الفسخ (تصرف) ممن له الخيار (في حق الغير) وهو من ليس له الخيار (وهو)؛ أي: الحق (العقد بالرفع)؛ أي: يرفعه (وهو)؛ أي: الفسخ (لا يعرى)؛ أي: لا يخلو عن المضرة لأنه؛ أي: الغير الذي ليس له الخيار.
(كعزل الوكيل)؛ يعني بالفسخ يلزم حقا غيره، فلا يثبت تصرفه في حق غيره ما لم يعلم به كالوكيل إذا عزل نفسه قصدًا حال غيبته؛ لا يثبت حكم عزله ما لم يعلم به؛ كيلا يتضرر بلزوم الثمن فيما إذا كان وكيلا بالشراء، ويبطلان قوله فيما إذا كان وكيلا بالبيع. كذا في الأسرار.
تشريحه أن العقد ينعقد مع الخيار، وبالفسخ يرتفع الانعقاد في حق الآخر، وتأثيره: أن صاحبه لا يتمكن من العمل بموجب الفسخ إذا لم يعلم به، كما في خطابات الشرع، مع أن الفسخ لا يعرى عن المضرة؛ لأن الغير الذي ليس له الخيار إن كان بائعا؛ لا يطلب لسلعته مشتريًا آخر اتكالا على تمام البيع بانقضاء المدة، فيتضرر ولم يصل إلى مرامه من ثمن السلعة، وهذا ضرر يلحقه بتصرف المشتري بدون علمه والمشتري وإن كان يتضرر بامتناع الفسخ ولكن هذا ضرر يلحقه لا من جهة البائع، بل لعجز المشتري عن اتحاد صحة الفسخ، وإن كان من ليس له الخيار مشتريا والخيار للبائع، وتصرف المشتري بعد المدة بناء على أنه لزم البيع بمضيها، والحال أنه قد فسخ البائع البيع قبل مضيها من غير علم المشتري؛ يجب على المشتري القيمة حينئذ على تقدير الهلاك، ومن الجائز أن تكون القيمة أكثر من الثمن، فيتضرر بلزوم زيادة قيمة لم يلزمها.
стр. 4482
الزَامَ فِيهِ، وَلَا نَقُولُ إِنَّهُ مُسَلَّطٌ،
فإن قيل: لو لم ينفرد من له الخيار بالفسخ يتضرر هو أيضا؛ لأنه يمكن أن يخفي الذي ليس له الخيار شخصه حتى تمضي المدة فيلزم العقد، شاء من له الخيار أو أبي، فيتضرر بلزوم البيع.
قلنا: هذا الضرر إنما لزمه من جانبه بتقصيره بأخذ الكفيل لا من صاحبه، فكان ضررًا مرضياً، بخلاف ما نحن فيه. وفيه نوع تأمل.
وقيل: لا يخفى نفسه ظاهرا لأنه أمين، حيث أثبت الخيار لصاحبه، على أنا نقول: إذا اختفى من ليس له الخيار؛ يلزم الضرر على صاحب الخيار بعجزه عن إحضاره لا بالإخفاء.
قوله: (ولا نقول بأنه)؛ أي: من له الخيار (مسلط) وكيف يقال ذلك وصاحبه - وهو الذي لا خيار له - لا يملك الفسخ للزوم العقد من جانبه، فكيف يملك تسليطه عليه، وإنما يتمكن من له الخيار من الفسخ؛ لأن العقد غير لازم في حقه، وبانتفاء وصف اللزوم يتمكن من الفسخ بغير رضا صاحبه، لا بغير علمه، كما في الوكالة والمضاربات والشركات، وبهذا الحرف يتحقق الفرق بين هذا وبين الوكيل بالبيع؛ لأن الوكيل بالبيع مسلط على التصرف من الموكل؛ لأن الموكل يملك التصرف فيه بنفسه. إليه أشير في المبسوط، والفوائد الظهيرية، والإيضاح.
وأما الإجارة فلا إلزام فيها؛ إذ العقد لازم من طرف من ليس له الخيار.
فإن قيل: دلت المسائل على أن التصرف والتزام الحكم في حق الغير بدون علمه جائز، منها خيار المخيرة؛ فإنها تختار نفسها بدون علم الزوج، فينفذ ذلك عليه، ومنها الرجعة؛ فإنه ينفرد الزوج به، ويلزم حكم الرجعة عليها بدون علمها، ومنها الطلاق والعتاق والعفو عن القصاص؛ فإن حكم التصرفات يلزم بدون علم صاحبها، ومنها خيار الأمة المعتقة؛ حيث يصح اختيارها الفرقة بدون علم زوجها، ومنها خيار المالك في بيع الفضولي بدون علم المتعاقدين، ومنها العدة؛ فإنها تلزم على المرأة بدون علمها، فما الفرق بينها وبين مسألة الكتاب؟
قلنا: أما الجواب عن الأول؛ فإن لزوم حكم الطلاق على الزوج بإيجابه
стр. 4483
وَكَيْفَ يُقَالُ ذَلِكَ وَصَاحِبُهُ لَا يَمْلِكُ الفَسخَ وَلَا تَسليط فِي غَيْرِ مَا يَمْلِكُهُ المُسَلَّط، وَلَو كَانَ فَسَخَ فِي حَالِ غَيْبَةِ صَاحِبِهِ وَبَلَغَهُ فِي المُدَّةِ تَمَّ الفَسَخُ لِحُصُولِ العِلمِ بِهِ، وَلَو بَلَغَهُ بَعدَ مُضِيِّ المُدَّةِ
وهو التخيير، وذلك فوق الرضا والعلم، فكان بمنزلة ما يلزم الموكل بتصرف الوكيل، فأما هاهنا فلا إيجاب من جانب من ليس له الخيار، فبطل التسليط وصار كعزل الوكيل، فيتوقف على العلم.
وأما عن الرجعة؛ فإن الزوج بها لا يلزمها حكمًا جديدًا؛ لأن الطلاق الرجعي لا يرفع النكاح، وإنما يثبت البينونة عند انقضاء العدة بشرط عدم الردة من الزوج في مدة الرجعة، والمعلق بالشرط معدوم قبل وجوده، وكلامنا في إلزام الحكم الذي لم يكن قبل الإلزام.
وأما عن الطلاق ونحوه؛ فإنه من الإسقاطات فلا يلزم شيء من أسقطه عنه، كإسقاط الحمل عن الدابة لا يكون إلزاما عليها، إنما اللزوم في جانب من أسقط بأن ذهب ملكه، وكلامنا في الحكم الذي يلزم على الغير.
وأما خيار المعتقة فإنها لا رواية فيها، وعلى تقدير التسليم أن الخيار لها يثبت بكثرة بتخيير الشرع إياها؛ لأن للشرع ولاية عليها.
وأما مسألة بيع الفضولي، فإن العقد في حق المالك لا يوجد؛ لأنه ليس للمتعاقدين ولاية على المالك، فإذا رد فقد أعدم شرط الثبوت، فانعدم أصلا في حقه فارتفع الانعقاد حكمًا.
وأما العدة فإنها لا تجب بالطلاق قبل الدخول، بل الطلاق يقطع الملك، إلا أنه لم يقدر على قطع الملك لحقه، فبقي الحق إلى حين، فكان لزوم العدة عليها في ضمن إقدار الله تعالى للزوج على قطع ملكه بالطلاق قبل الدخول، فكان الاعتبار للمتضمن، وأما هاهنا فليس جواز الفسخ له بتسليط صاحبه لما ذكرنا، بل يثبت ابتداء باعتبار أن العقد غير لازم في جانبه، فيتوقف على علم صاحبه، كما في عزل الوكيل وفسخ عقد الشركة والمضاربة. هذا كله مما أشير إليه في الأسرار.
ثم لا بد من معرفة أسباب نفوذ هذا العقد وفسخه في فصول الخيار:
стр. 4484
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في المحيط: إذا كان الخيار للبائع؛ ينفذ بإجازته وبموته، وبمضي المدة قبل الفسخ، وبالإغماء والجنون وإن أفاق في المدة.
قال الإسبيجابي: الأصح أنه على خياره، فلو سكر من الخمر لم يبطل خياره، بخلاف السكر من البنج. ولو ارتد فعلى خياره إجماعا، فلو تصرف بحكم خياره يتوقف عند أبي حنيفة، خلافا لهما.
أما الفسخ إما بالقول أو بالفعل؛ وهو أن يتصرف البائع تصرف الملاك في مدة الخيار، كما إذا أعتقه أو دبره أو كاتبه أو علق فيها فوجد الشرط، أو باعه من غيره أو وهبه وسلمه، أو رهن أو آجر وإن لم يُسَلِّم على الأصح، وهذه التصرفات فسخ بغير علم المشتري إجماعًا، إلا رواية عن محمد.
وقبض الثمن من البائع ليس بإجازة، وكذا هبته وإنفاقه، إلا إذا استند له لغيره كالدراهم والدنانير. ولو باع جارية بعبد على أنه بالخيار في الجارية، فهبته العبد أو عرضه على البيع ليس بفسخ على الأصح، ولو أبرأه من الثمن أو اشترى منه به شيئًا أو مساومة به؛ فهو إجازة. ولو توارى المشتري في مدة الخيار بعث إليه القاضي من يعرفه، فإن ظهر وإلا أبطله، إلا أن يجيء في المدة. وإن قال الخصم: إني أعدوك إليه وأشهدت فتوارى، يقول القاضي: اشهدوا أنه زعم أنه أعدى إلى صاحبه في المدة كل يوم واختفى منه، فإن كان الأمر كما زعم فقد أبطلت عليه الخيار، فإن ظهر وأنكر فعلى المدعي البينة بالخيار والإعذار، وإذا كان الخيار للمشتري فنفاذه بما ذكرنا من الأمور في حق البائع، وبالتصرف تصرف الملاك.
والأصل فيه: أن المشتري متى باشر فيه فعلا يحتاج إليه للامتحان، ويحل في غير الملك بحال؛ لا يبطل خياره، وإلا فيبطل. فالوطء إجازة والاستخدام لا، والاستخدام ثانيا إجازة إلا إذا كان في نوع آخر، والركوب امتحانا ليس بإجازة وثانيًا إجازة، وكذا لو ركبها لحاجة أو سفر أو حمل عليها إلا علفها عند محمد، والركوب للرد والسقي والإعلاف إجازة، وقيل: إن لم يمكنه بدون الركوب فلا يكون إجازة كما في خيار العيب. ولو أمر الغلام بحمل شيء أو
стр. 4485
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حلق رأسه أو غسله، أو الجارية بالمشط والدهن واللبس فليس برضا، ولو كان المُشْتَرَى كتابا فنسخ منه لنفسه أو لغيره لا يبطل خياره، وإن قلب الأوراق بالدرس منه يبطل خياره، وقيل: على عكسه، وبه أخذ أبو الليث. وطلب الشفعة بالدار المشتراة رضًا بها، خلاف خيار الرؤية والعيب.
ولو اشتريا غلامًا بالخيار فرضي أحدهما؛ لا رد للآخر. وقالا: له رد نصيبه. ولو كان الخيار لهما فمات أحدهما لزم البيع من جهته، والآخر على خياره. ولو قال البائع بحضور المشتري: أجزته، ثم قال المشتري: قد فسخته بمحضره انفسخ، فإن هلك في يد المشتري فعليه الثمن، وإن بدأ المشتري بالفسخ ثم البائع بالإجازة ثم هلك؛ فعلى المشتري قيمته، ولو تناقضا العقد ثم هلك المبيع في يد المشتري قبل الرد؛ يبطل حكم الفسخ. الكل من المجتبى.
وفي الإيضاح: التقبيل بشهوة والمباشرة بشهوة من البائع نقض، ولو فعل المشتري يكون إجازة، ولو نظر إلى الفرج بغير شهوة لم يكن إجازة؛ لأن ذلك لا يتوقف على الملك، فإنه يحل للطبيب والقابلة النظر إليه. ولو قبلت الأمة بشهوة لزم العقد في قول أبي حنيفة، وكذلك في خيار الرؤية والعيب، وكذا المطلقة إذا فعلت ذلك كان رجعة، وهو رواية أبي يوسف. وعنه: أنها إذا فعلت اختلاسا وهو كاره؛ لم تكن رجعة ولا اختيارا في البيع.
وقال محمد: لا يكون فعلها البتة إجازة للبيع؛ لأن شرط الخيار ليختار هو لا لتختار عليه.
ولأبي حنيفة: أن حرمة المصاهرة تثبت بهذه الأشياء، فكانت ملحقة بالوطء والفعل، فإن الوطء للرجل، فصارت هذه الأشياء من حيث إنها ملحقة بالوطء والفعل، فإن الوطء كالمضاف إلى الرجل. وأما المباضعة مكرها كان أو مطاوعا اختيار، أما عند أبي حنيفة فظاهر، وأما عند محمد؛ فلأن الوطء ينتقض؛ ألا ترى أنه لو وجد من غير المشتري يمتنع الرد.
فأما في المباشرة إذا ابتدأت والزوج كاره، ثم تركها وهو يقدر على