وَصَارَ كَالوَكِيلِ بِالبَيعِ.
وَلَهُمَا: أَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي حَقِّ الغَيرِ وَهُوَ العَقدُ بِالرَّفْعِ، وَلَا يَعرَى عَنْ المَضَرَّةِ؛ لِأَنَّهُ عَسَاهُ يَعْتَمِدُ تَمَامَ البَيعِ السَّابِقِ، فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ فَتَلزَمُهُ غَرَامَةُ القِيمَةِ بِالهَلَاكِ فِيمَا إِذَا كَانَ الخِيَارُ لِلبَائِعِ، أَوْ لَا يَطْلُبُ لِسِلعَتِهِ مُشتَرِيّا فِيمَا إِذَا كَانَ الخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي، وَهَذَا نَوعُ ضَرَر فَيَتَوَقَّفُ عَلَى عِلمِهِ وَصَارَ كَعَزلِ الوَكِيلِ، بِخِلَافِ الإِجَازَةِ لِأَنَّهُ لَا
(وصار)؛ أي: من له الخيار (كالوكيل) فإن للوكيل أن يتصرف فيما وُكِّلَ به وإن كان الموكل غائبًا؛ لأنه مسلط على البيع من جهته، فكذا هاهنا.
(ولهما: أنه)؛ أي: الفسخ (تصرف) ممن له الخيار (في حق الغير) وهو من ليس له الخيار (وهو)؛ أي: الحق (العقد بالرفع)؛ أي: يرفعه (وهو)؛ أي: الفسخ (لا يعرى)؛ أي: لا يخلو عن المضرة لأنه؛ أي: الغير الذي ليس له الخيار.
(كعزل الوكيل)؛ يعني بالفسخ يلزم حقا غيره، فلا يثبت تصرفه في حق غيره ما لم يعلم به كالوكيل إذا عزل نفسه قصدًا حال غيبته؛ لا يثبت حكم عزله ما لم يعلم به؛ كيلا يتضرر بلزوم الثمن فيما إذا كان وكيلا بالشراء، ويبطلان قوله فيما إذا كان وكيلا بالبيع. كذا في الأسرار.
تشريحه أن العقد ينعقد مع الخيار، وبالفسخ يرتفع الانعقاد في حق الآخر، وتأثيره: أن صاحبه لا يتمكن من العمل بموجب الفسخ إذا لم يعلم به، كما في خطابات الشرع، مع أن الفسخ لا يعرى عن المضرة؛ لأن الغير الذي ليس له الخيار إن كان بائعا؛ لا يطلب لسلعته مشتريًا آخر اتكالا على تمام البيع بانقضاء المدة، فيتضرر ولم يصل إلى مرامه من ثمن السلعة، وهذا ضرر يلحقه بتصرف المشتري بدون علمه والمشتري وإن كان يتضرر بامتناع الفسخ ولكن هذا ضرر يلحقه لا من جهة البائع، بل لعجز المشتري عن اتحاد صحة الفسخ، وإن كان من ليس له الخيار مشتريا والخيار للبائع، وتصرف المشتري بعد المدة بناء على أنه لزم البيع بمضيها، والحال أنه قد فسخ البائع البيع قبل مضيها من غير علم المشتري؛ يجب على المشتري القيمة حينئذ على تقدير الهلاك، ومن الجائز أن تكون القيمة أكثر من الثمن، فيتضرر بلزوم زيادة قيمة لم يلزمها.
стр. 4482
الزَامَ فِيهِ، وَلَا نَقُولُ إِنَّهُ مُسَلَّطٌ،
فإن قيل: لو لم ينفرد من له الخيار بالفسخ يتضرر هو أيضا؛ لأنه يمكن أن يخفي الذي ليس له الخيار شخصه حتى تمضي المدة فيلزم العقد، شاء من له الخيار أو أبي، فيتضرر بلزوم البيع.
قلنا: هذا الضرر إنما لزمه من جانبه بتقصيره بأخذ الكفيل لا من صاحبه، فكان ضررًا مرضياً، بخلاف ما نحن فيه. وفيه نوع تأمل.
وقيل: لا يخفى نفسه ظاهرا لأنه أمين، حيث أثبت الخيار لصاحبه، على أنا نقول: إذا اختفى من ليس له الخيار؛ يلزم الضرر على صاحب الخيار بعجزه عن إحضاره لا بالإخفاء.
قوله: (ولا نقول بأنه)؛ أي: من له الخيار (مسلط) وكيف يقال ذلك وصاحبه - وهو الذي لا خيار له - لا يملك الفسخ للزوم العقد من جانبه، فكيف يملك تسليطه عليه، وإنما يتمكن من له الخيار من الفسخ؛ لأن العقد غير لازم في حقه، وبانتفاء وصف اللزوم يتمكن من الفسخ بغير رضا صاحبه، لا بغير علمه، كما في الوكالة والمضاربات والشركات، وبهذا الحرف يتحقق الفرق بين هذا وبين الوكيل بالبيع؛ لأن الوكيل بالبيع مسلط على التصرف من الموكل؛ لأن الموكل يملك التصرف فيه بنفسه. إليه أشير في المبسوط، والفوائد الظهيرية، والإيضاح.
وأما الإجارة فلا إلزام فيها؛ إذ العقد لازم من طرف من ليس له الخيار.
فإن قيل: دلت المسائل على أن التصرف والتزام الحكم في حق الغير بدون علمه جائز، منها خيار المخيرة؛ فإنها تختار نفسها بدون علم الزوج، فينفذ ذلك عليه، ومنها الرجعة؛ فإنه ينفرد الزوج به، ويلزم حكم الرجعة عليها بدون علمها، ومنها الطلاق والعتاق والعفو عن القصاص؛ فإن حكم التصرفات يلزم بدون علم صاحبها، ومنها خيار الأمة المعتقة؛ حيث يصح اختيارها الفرقة بدون علم زوجها، ومنها خيار المالك في بيع الفضولي بدون علم المتعاقدين، ومنها العدة؛ فإنها تلزم على المرأة بدون علمها، فما الفرق بينها وبين مسألة الكتاب؟
قلنا: أما الجواب عن الأول؛ فإن لزوم حكم الطلاق على الزوج بإيجابه
стр. 4483
وَكَيْفَ يُقَالُ ذَلِكَ وَصَاحِبُهُ لَا يَمْلِكُ الفَسخَ وَلَا تَسليط فِي غَيْرِ مَا يَمْلِكُهُ المُسَلَّط، وَلَو كَانَ فَسَخَ فِي حَالِ غَيْبَةِ صَاحِبِهِ وَبَلَغَهُ فِي المُدَّةِ تَمَّ الفَسَخُ لِحُصُولِ العِلمِ بِهِ، وَلَو بَلَغَهُ بَعدَ مُضِيِّ المُدَّةِ
وهو التخيير، وذلك فوق الرضا والعلم، فكان بمنزلة ما يلزم الموكل بتصرف الوكيل، فأما هاهنا فلا إيجاب من جانب من ليس له الخيار، فبطل التسليط وصار كعزل الوكيل، فيتوقف على العلم.
وأما عن الرجعة؛ فإن الزوج بها لا يلزمها حكمًا جديدًا؛ لأن الطلاق الرجعي لا يرفع النكاح، وإنما يثبت البينونة عند انقضاء العدة بشرط عدم الردة من الزوج في مدة الرجعة، والمعلق بالشرط معدوم قبل وجوده، وكلامنا في إلزام الحكم الذي لم يكن قبل الإلزام.
وأما عن الطلاق ونحوه؛ فإنه من الإسقاطات فلا يلزم شيء من أسقطه عنه، كإسقاط الحمل عن الدابة لا يكون إلزاما عليها، إنما اللزوم في جانب من أسقط بأن ذهب ملكه، وكلامنا في الحكم الذي يلزم على الغير.
وأما خيار المعتقة فإنها لا رواية فيها، وعلى تقدير التسليم أن الخيار لها يثبت بكثرة بتخيير الشرع إياها؛ لأن للشرع ولاية عليها.
وأما مسألة بيع الفضولي، فإن العقد في حق المالك لا يوجد؛ لأنه ليس للمتعاقدين ولاية على المالك، فإذا رد فقد أعدم شرط الثبوت، فانعدم أصلا في حقه فارتفع الانعقاد حكمًا.
وأما العدة فإنها لا تجب بالطلاق قبل الدخول، بل الطلاق يقطع الملك، إلا أنه لم يقدر على قطع الملك لحقه، فبقي الحق إلى حين، فكان لزوم العدة عليها في ضمن إقدار الله تعالى للزوج على قطع ملكه بالطلاق قبل الدخول، فكان الاعتبار للمتضمن، وأما هاهنا فليس جواز الفسخ له بتسليط صاحبه لما ذكرنا، بل يثبت ابتداء باعتبار أن العقد غير لازم في جانبه، فيتوقف على علم صاحبه، كما في عزل الوكيل وفسخ عقد الشركة والمضاربة. هذا كله مما أشير إليه في الأسرار.
ثم لا بد من معرفة أسباب نفوذ هذا العقد وفسخه في فصول الخيار:
стр. 4484
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في المحيط: إذا كان الخيار للبائع؛ ينفذ بإجازته وبموته، وبمضي المدة قبل الفسخ، وبالإغماء والجنون وإن أفاق في المدة.
قال الإسبيجابي: الأصح أنه على خياره، فلو سكر من الخمر لم يبطل خياره، بخلاف السكر من البنج. ولو ارتد فعلى خياره إجماعا، فلو تصرف بحكم خياره يتوقف عند أبي حنيفة، خلافا لهما.
أما الفسخ إما بالقول أو بالفعل؛ وهو أن يتصرف البائع تصرف الملاك في مدة الخيار، كما إذا أعتقه أو دبره أو كاتبه أو علق فيها فوجد الشرط، أو باعه من غيره أو وهبه وسلمه، أو رهن أو آجر وإن لم يُسَلِّم على الأصح، وهذه التصرفات فسخ بغير علم المشتري إجماعًا، إلا رواية عن محمد.
وقبض الثمن من البائع ليس بإجازة، وكذا هبته وإنفاقه، إلا إذا استند له لغيره كالدراهم والدنانير. ولو باع جارية بعبد على أنه بالخيار في الجارية، فهبته العبد أو عرضه على البيع ليس بفسخ على الأصح، ولو أبرأه من الثمن أو اشترى منه به شيئًا أو مساومة به؛ فهو إجازة. ولو توارى المشتري في مدة الخيار بعث إليه القاضي من يعرفه، فإن ظهر وإلا أبطله، إلا أن يجيء في المدة. وإن قال الخصم: إني أعدوك إليه وأشهدت فتوارى، يقول القاضي: اشهدوا أنه زعم أنه أعدى إلى صاحبه في المدة كل يوم واختفى منه، فإن كان الأمر كما زعم فقد أبطلت عليه الخيار، فإن ظهر وأنكر فعلى المدعي البينة بالخيار والإعذار، وإذا كان الخيار للمشتري فنفاذه بما ذكرنا من الأمور في حق البائع، وبالتصرف تصرف الملاك.
والأصل فيه: أن المشتري متى باشر فيه فعلا يحتاج إليه للامتحان، ويحل في غير الملك بحال؛ لا يبطل خياره، وإلا فيبطل. فالوطء إجازة والاستخدام لا، والاستخدام ثانيا إجازة إلا إذا كان في نوع آخر، والركوب امتحانا ليس بإجازة وثانيًا إجازة، وكذا لو ركبها لحاجة أو سفر أو حمل عليها إلا علفها عند محمد، والركوب للرد والسقي والإعلاف إجازة، وقيل: إن لم يمكنه بدون الركوب فلا يكون إجازة كما في خيار العيب. ولو أمر الغلام بحمل شيء أو
стр. 4485
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حلق رأسه أو غسله، أو الجارية بالمشط والدهن واللبس فليس برضا، ولو كان المُشْتَرَى كتابا فنسخ منه لنفسه أو لغيره لا يبطل خياره، وإن قلب الأوراق بالدرس منه يبطل خياره، وقيل: على عكسه، وبه أخذ أبو الليث. وطلب الشفعة بالدار المشتراة رضًا بها، خلاف خيار الرؤية والعيب.
ولو اشتريا غلامًا بالخيار فرضي أحدهما؛ لا رد للآخر. وقالا: له رد نصيبه. ولو كان الخيار لهما فمات أحدهما لزم البيع من جهته، والآخر على خياره. ولو قال البائع بحضور المشتري: أجزته، ثم قال المشتري: قد فسخته بمحضره انفسخ، فإن هلك في يد المشتري فعليه الثمن، وإن بدأ المشتري بالفسخ ثم البائع بالإجازة ثم هلك؛ فعلى المشتري قيمته، ولو تناقضا العقد ثم هلك المبيع في يد المشتري قبل الرد؛ يبطل حكم الفسخ. الكل من المجتبى.
وفي الإيضاح: التقبيل بشهوة والمباشرة بشهوة من البائع نقض، ولو فعل المشتري يكون إجازة، ولو نظر إلى الفرج بغير شهوة لم يكن إجازة؛ لأن ذلك لا يتوقف على الملك، فإنه يحل للطبيب والقابلة النظر إليه. ولو قبلت الأمة بشهوة لزم العقد في قول أبي حنيفة، وكذلك في خيار الرؤية والعيب، وكذا المطلقة إذا فعلت ذلك كان رجعة، وهو رواية أبي يوسف. وعنه: أنها إذا فعلت اختلاسا وهو كاره؛ لم تكن رجعة ولا اختيارا في البيع.
وقال محمد: لا يكون فعلها البتة إجازة للبيع؛ لأن شرط الخيار ليختار هو لا لتختار عليه.
ولأبي حنيفة: أن حرمة المصاهرة تثبت بهذه الأشياء، فكانت ملحقة بالوطء والفعل، فإن الوطء للرجل، فصارت هذه الأشياء من حيث إنها ملحقة بالوطء والفعل، فإن الوطء كالمضاف إلى الرجل. وأما المباضعة مكرها كان أو مطاوعا اختيار، أما عند أبي حنيفة فظاهر، وأما عند محمد؛ فلأن الوطء ينتقض؛ ألا ترى أنه لو وجد من غير المشتري يمتنع الرد.
فأما في المباشرة إذا ابتدأت والزوج كاره، ثم تركها وهو يقدر على
стр. 4486
تَمَّ العَقْدُ بِمُضِيِّ المُدَّةِ قَبْلَ الفَسَخِ.
قَالَ: (وَإِذَا مَاتَ مَنْ لَهُ الخِيَارُ بَطَلَ خِيَارُهُ وَلَم يَنتَقِلْ إِلَى وَرَثَتِهِ) وَقَالَ
الامتناع؛ فهو رجعة واختيار للبيع؛ لأن البقاء عليه كالابتداء، ولو قبلها المشتري ويقول قبلتها يغير شهوة فالقول قوله؛ لأنه يتكرر سقوط الخيار. وكذا قال أبو حنيفة في الأمة إذا قبلته يغير شهوة، وإنما يلزم العقد إذا أقر المشتري أنها فعلت بشهوة؛ لأن الحكم يلزم المشتري، فيتوقف على إقراره بما يسقط الخيار، ولو حدث به عيب في خيار المشتري بطل خياره، سواء حدث بفعل البائع أو بغير فعله، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
وقال محمد: لا يلزمه العقد بجناية البائع؛ لأن البائع لا يقدر على إلزام البيع، ومتى قلنا بأنه يلزم بجنايته سلطانه على إلزام العقد، فتفوت فائدة شرط الخيار للمشتري، بخلاف ما إذا كان من أجنبي؛ لأن لزومه لا من قبله.
ولهما: أن ما انتقص بفعل البائع في ضمان يلزم العقد في ذلك القدر الذي تلف في ضمانه، وتقدرت عليه حصته من الثمن، قمتى رد الباقي كان تفريقا للصفقة على البائع قبل التمام في حق الرد، وهذا لا يجوز كما فعل الأجنبي، وإذا ثبت هذا يرجع على البائع بالأرش. ولو كان الخيار للبائع وحدث به عيب فهو على خياره؛ لأن ما انتقص بغير فعله فهو غير مضمون على البائع، ولهذا لو سقطت أطرافه لم يسقط شيء من الثمن، لكنه يتخير المشتري، فكذا هاهنا يبقى البائع على خياره. ولو حدث بفعل البائع انتقض البيع؛ لأن ما انتقص مضمون عليه، ويسقط حصته من الثمن، فلو أبقينا الخيار لتفرقت الصفقة على المشتري.
ولو قص حوافر الدابة أو أخذ من عرفها لم يكن ذلك رضًا، ولو ذبحها أو بزغها فهو رضًا، ولو حلبها أو شرب لبنها فهو رضًا، ولو سقى حرثا في الأرض أو حصده أو قصل منه شيئًا فهو رضًا، ولو سقى من نهر دوابه أو شرب هو فليس برضا، ولو طحن في الرحى فهو رضا.
(تم العقد)؛ أي: عندهما، خلافًا لأبي يوسف ومن معه.
قوله: (وإذا مات من له الخيار): وهذا بعمومه يتناول البائع والمشتري وغيرهما جمعا وتفرقا.
стр. 4487
الشَّافِعِيُّ: يُورَثُ عَنهُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَازِمٌ ثَابِتٌ فِي البَيعِ، فَيَجْرِي فِيهِ الإِرْثُ كَخِيَارِ العَيبِ وَالتَّعيِينِ. وَلَنَا: أَنَّ الخِيَارَ لَيسَ إِلَّا مَشِيئَةً وَإِرَادَةً وَلَا يُتَصَوَّرُ انتِقَالُهُ، وَالإِرْثُ فِيمَا يَقْبَلُ الانتِقَالَ.
وقيد بموت من له الخيار؛ لأنه بموت من عليه الخيار لا يبطل بالإجماع، ثم لما بطل الخيار يلزم البيع. كذا في المبسوط (١).
وقال الشافعي - وبه قال مالك -: يورث عنه. ذكره في المشاهير من كتبه.
وفي المنظومة: أنه إذا مات قبل الإجارة ينفسخ البيع عنده.
(لأنه)؛ أي: الخيار (حق لازم) حتى إن صاحبه لا يملك إبطاله، وإنما قال حق؛ لأن حق الإنسان ما يتولى إثباته وإسقاطه، والخيار بهذه المثابة.
(والتعيين)؛ أي: خيار التعيين أي: تعيين المبيع، كما إذا اشترى ثوبين على أنه بالخيار يأخذ أيهما شاء، وخيار الرؤية على أصلكم. كذا في الأسرار.
قوله: (مشيئة) نصب على أنها بدل ثمن [من] (٢) خبر ليس، أي: ليس الخيار شيئًا إلا مشيئة وإرادة.
قيل في الفرق بين المشيئة والإرادة: أن المشيئة تستلزم الوجود، والإرادة لا تستلزم؛ لأن الإرادة طلبٌ لغة، ولكن في حق الله تعالى هما بمعنى واحد، وقد مر هذا البحث في الطلاق، في قوله: (إن شئت فأنتِ طالق). وفي الأسرار: إنما قلنا: إن الخيار مشيئة؛ لأن تفسير الشاري أن يكون فاعلا عن ملك واختيار لا عن أمر وإجبار (٣)، وهو تفسير الخيار.
(انتقاله)، أي: انتقال الخيار؛ لأن مشيئة الإنسان صفته، والصفة لا تنتقل إلى غيره بل تنقطع بموته؛ لأنها لا تتصور بدون الموصوف، وإنما يورث ما يحتمل الانتقال لا ما لا يحتمل الانتقال، كملكه في منكوحته وأم ولده، وكذا العقد لا ينتقل إلى الوارث؛ لأنه إنما يورث ما كان قائما، والعقد قول قد مضى، فلا يتصور انتقاله، وإنما يملك الوارث الإقالة لقيامه مقام المورث في
стр. 4488
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ملكه، فإن الملك يثبت ولاية الإقالة؛ ألا ترى أن إقالة الموكل مع البائع صحيحة، والعاقد هو الوكيل. كذا في المبسوط (١)، والأسرار.
وفي الإيضاح: الخيار صفة العاقد، وتأثيره في استيفاء حكم العقد، فأوجب تعليقه، ونفس العقد لا يقبل التعليق، وحكمه وهو الملك يقبل، فتخير في حكمه، كما كان مُخيَّراً في الابتداء بين إيجاد العقد وعدمه، فكان هذا هو الخيرة الأصلية، والإرث لا يجري فيه، فبطل الخيار.
فإن قيل: ما ذكرتم منقوض بتوريث الأعيان؛ فإن المالكية في الأعيان صفة لمالكها وهي التمكن من التصرفات ينتقل إلى الوارث مع أنها صفة (٢).
قلنا: تنتقل العين، وفي ضمن انتقالها يثبت الملك للوارث ابتداء، لا أن مالكية المورث تنتقل إليه.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون الخيار كذلك؛ بأن ينتقل المبيع أولاً وفي ضمن انتقاله ينتقل الخيار؟
قلنا: ليس من لوازم البيع الخيار، بل الأصل عدم الخيار، فلا يلزم من انتقاله انتقال الخيار، وأما المملوكية فلا تتصور بدون المالك، فمن ضرورتها تنتقل المالكية.
فإن قيل: قد ينتقل الحق إلى الوارث بدون انتقال المحل.
قلنا: لا نسلم أنه ينتقل، بل يثبت للوارث ابتداء ليشفي صدره.
فإن قيل: قد قال ﵇: «مَنْ تَركَ مَالًا وَحقًا فَلِوَرَثَتِهِ» (٣) ذكر في الأسرار: والخيار حق فيجب أن يورث.
قلنا: المراد من الحق هنا ما يقبل الانتقال كخيار العيب والتعيين، بدليل ما ذكرنا دفعاً للتناقض. كذا في الفوائد الحميدية.
وفي الأسرار: فإن قيل: لم لا يجوز أن ينتقل أثر الخيار وهو عدم زوال
стр. 4489
بِخِلَافِ خِيَارِ العَيبِ؛ لِأَنَّ المُوَرِّثَ اسْتَحَقَّ المَبِيعِ سَلِيمًا فَكَذَا الوَارِثُ، فَأَمَّا نَفْسُ الخِيَارِ لَا يُوَرَّثُ، وَأَمَّا خِيَارُ التَّعيِينِ يَثْبُتُ لِلوَارِثِ ابْتِدَاءً لِاخْتِلَاطِ مِلْكِهِ بِمِلكِ الغَيرِ لَا أَنْ يُوَرَّثَ الخِيَارُ.
المبيع عن ملكه وعدم لزوم العقد، حتى يرى فيه رأيًا، إن رأى غبطة أمضاه، وإن رأى عيباً رده، فالوارث يقوم مقامه في هذا المعنى؛ لأن المبيع قائم في يده والعقد قائم.
قلنا: أثر الخيار إبقاء الحكم على العدم كما ذكرنا بعد وجود السبب، حتى يتأمل فيه إلى مدة معلومة، ويمضيه إن رأى المصلحة فيه وإلا رده، فإذا مات ذهب رأيه فعمل السبب. كذا في شرح القدوري.
قوله: (بخلاف خيار العيب): في المبسوط: فأما خيار العيب فلا نقول بأنه يورث، ولكن سبب الخيار يتحقق في حق الوارث؛ وهو استحقاق المطالبة بتسليم الجزء الفائت؛ لأن ذلك الجزء من المال مستحق للمشتري بالعقد، فإذا طالب البائع بتسليمه وعجز عن التسليم؛ فسخ العقد لأجله، وقد وجد المعنى في حق الوارث؛ لأنه يخلف المشتري في ملك ذلك الجزء، ألا ترى أن الخيار ثابت ابتداءً للوارث، وإن لم يكن ثابتًا للمورث بأن تعيب المبيع في يد البائع بعد موت المشتري قبل أن يقبضه الوارث، بخلاف خيار الشرط [لأن السبب وهو الشرط] (١) لَا يوجد في حق الوارث، ولا يمكن التوريث فيه (٢).
وفي تعليقات البرغري: خيار الشرط يثبت ابتداء للوارث، بدليل أنه لو مات المورث ولا خيار له، بأن كان المبيع سليمًا ثم تعيب بعد موته عند البائع؛ يثبت الخيار للوارث، فلو كان ثبوت الخيار بطريق الإرث لما ثبت هاهنا؛ لأنه لم يكن للمورث خيار عند الموت حتى ينتقل، وإنما قلنا: إن الخيار يثبت للوارث؛ لأن المشتري استحق المبيع سليمًا، فكذا من قام مقامه في استحقاق ذلك الجزء، فمتى لم يسلم يثبت له الخيار ابتداء لوجود علته.
لاختلاط ملكه؛ يعني: الخيار هاهنا يحصل في ضمن اختلاط الملكين: ملك البائع وملك المشتري.
стр. 4490
قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى شَيْئًا وَشَرَطَ الخِيَارَ لِغَيْرِهِ فَأَيُّهُمَا أَجَازَ جَازٍ وَأَيُّهُمَا نَقَضَ انتَقَضَ) وَأَصلُ هَذَا: أَنَّ اشْتِرَاطَ الخِيَارِ لِغَيْرِهِ جَائِزٌ استحسانًا، وَفِي القِيَاسِ: لَا يَجُوزُ وَهُوَ قَولُ زُفَرَ؛ لِأَنَّ الخِيَارَ مِنْ مَوَاجِبِ العَقدِ وَأَحْكَامِهِ، فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ لِغَيْرِهِ كَاشْتِرَاطِ الثَّمَنِ عَلَى غَيْرِ المُشتَرِي.
فإن قيل: الاختلاط مشترك، فلماذا يثبت الخيار للوارث دون البائع.
قلنا: حق المورث المختار من اثنين أو الثلاثة، فكذا حق الوارث، يعني: مورثه ملك أحدهما على وجه يكون له ولاية التمييز والتعيين بالشرط، فيملكه الوارث كذلك، بخلاف البائع حيث لا يكون له الملك في أحدهما بهذه الصفة، وصار هذا كفصل استحقاق المبيع سليمًا. كذا في الفوائد الظهيرية.
قوله: (ومن اشترى وشرط الخيار لغيره) إلى آخره.
فإن قيل: قوله (فأيهما أجاز) إلى آخره جملة استفهامية، لا تصلح خبرا للمبتدإ وهو قوله: (ومن اشترى) فبقي المبتدأ بلا خبر.
قلنا: في المبتدأ معنيان: أحدهما: الابتداء، والثاني: الشرطية، فيقتضي الخبر والجزاء، والجزاء هنا وقع موقع الخبر، فيكون الخبر محذوفًا وهو قوله: (جاز) ويتحقق هذا المعنى في ضمن الجزاء؛ لأنه لما جاز بالإجازة لا بد وأن يكون الاشتراط للغير جائز، كما في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] وقوله: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ لا يصلح خبرًا؛ لكونه طلبيا، وفي ضمنه خبره وهو وجوب الجلد المستفاد منه، فكان تقديره: الزانية والزاني يجب عليهما الحد فاجْلِدُوا.
كذا في بعض الفوائد.
والمراد من الغير هاهنا: غير العاقدين حتى يأتي خلاف زفر. وبقولنا: قال الشافعي في الأصح ومالك وأحمد، ولكن للشافعي فيه وجهان: أحدهما: أنه يصح للغير وحده، والثاني: يثبت له مع العاقد. وقال الشافعي في قول: لا يجوز كقول زفر، وفي فساد البيع له وجهان في وجه: يفسد البيع أيضًا، وفي وجه: البيع صحيح والشرط فاسد كاشتراط الثمن، واشتراط ملك المبيع لغير المشتري، أو تسليم الثمن أو المبيع على غير العاقدين.
стр. 4491
وَلَنَا: أَنَّ الخِيَارَ لِغَيرِ العَاقِدِ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ عَنِ العَاقِدِ، فَيُقَدَّرُ الخِيَارُ لَهُ اقْتِضَاءً، ثُمَّ يُجْعَلُ هُوَ نَائِبًا عَنْهُ تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهِ،.
ولأن هذا تعليق انفساخ العقد وانبرامه بفعل الغير، والمبيع لا يحتمل ذلك، واعتبر خيار الشرط بخيار العيب والرؤية؛ فإن ذلك لا يثبت لغير العاقد، فكذا هذا. كذا في المبسوط (١).
وجه الاستحسان: أن الحاجة قد تدعو إلى اشتراط الخيار للأجنبي؛ لكونه أعرف بالمبيع أو بالعقد، فكان اشتراطه له اشتراطا للعاقد معنى، فيثبت للغير بطريق النيابة عن العاقد، فيقدم ثبوت الخيار للعاقد اقتضاء. (ثم يجعل هو)؛ أي: الغير (نائبا عن العاقد تصحيحًا لتصرف العاقد) وزفر لا يقول بالاقتضاء.
فإن قيل: لو كان بطريق النيابة ينبغي أن يكون خيار العاقد أقوى وخيار الغير أضعف، فكيف يثبت الأقوى مقتضى الأضعف؟ كما لا يثبت الحرية في قوله لعبده: كَفّر يمينك بالمال؛ لأن الحرية أصل، فلا يثبت بطريق الاقتضاء.
قلنا: الأصالة تثبت لغير العاقد هنا بوجه آخر؛ وذلك أن خيار الشرط من قبيل الألفاظ، بحيث لا يثبت بدون اللفظ، وغير العاقد أصل في هذا اللفظ؛ لأنه يثبت له الخيار باللفظ قصدًا، أما الحرية ليست من خواص اللفظ؛ لأن الأصل في بني آدم الحرية، ويثبت في شراء القريب بدون اللفظ، فلا يكون جهة التبعية موجودة في الحرية، وهاهنا المنوب تبع لفظًا، والخيار أصل من حيث اللفظ، فيثبت بطريق الاقتضاء. كذا في بعض الفوائد، وفيه نوع تأمل.
فإن قيل: شرط وجوب الثمن على الأجنبي ينبغي أن يصح بطريق الكفالة؛ بأن يجب الثمن على العاقد أولا ثم على الأجنبي بطريق الكفالة.
قلنا: هذا لا يصح؛ لأن الدين لا يجب على الكفيل في الصحيح، بل هو في ذمة الأصيل، والكفالة التزام المطالبة، والمذكور هاهنا الثمن على الأجنبي، وثبوت المقتضى لتصحيح المقتضى، والكفالة لو صحت بطريق الاقتضاء لكان مبطلا للمقتضى، فيعود على موضوعه بالنقض. كذا في الخبازية.
стр. 4492
وَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا الخِيَارُ، فَأَيُّهُمَا أَجَازَ جَازَ، وَأَيُّهُمَا نَقَضَ انتَقَضَ (وَلَو أَجَازَ أَحَدُهُمَا وَفَسَخَ الآخَرُ يُعتَبَرُ السَّابِقُ) لِوُجُودِهِ فِي زَمَان لَا يُزَاحِمُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَلَو خَرَجَ الكَلَامَانِ مِنْهُمَا مَعا يُعتَبَرُ تَصَرُّفُ العَاقِدِ فِي رِوَايَة، وَتَصَرُّفُ الفَاسِخِ فِي أُخرى. وَجهُ الأَوَّلِ: أَنَّ تَصَرُّفَ العَاقِدِ أَقوَى؛ لِأَنَّ النَّائِبَ يَسْتَفِيدُ الوِلَايَةَ منه.
(وعند ذلك)؛ أي: عند ثبوت الخيار لهما يعتبر السابق عندنا. وعند الشافعي: يعتبر الفسخ في جميع الصور.
(في رواية)؛ أي: في رواية كتاب بيوع المبسوط.
(في أخرى)؛ أي: في رواية أخرى؛ وهي رواية ما دون المبسوط.
(منه)؛ أي: من العاقد.
فإن قيل: يشكل هذا بما إذا وكل رجل رجلا بطلاق امرأته للسنة، فطلقها الوكيل والموكل معا، فالواقع طلاق أحدهما لا على التعيين.
قلنا: الوكيل في باب الطلاق سفير كما في النكاح، بدليل أن الحالف بالطلاق يحنث بفعل كل واحد منهما، فكان الصادر عن كل واحد منهما صادرا عن أصالة، بخلاف الوكيل بالبيع، والمفسوخ تلحقه الإجازة.
فإن قيل: لا نسلم أن المفسوخ لا تلحقه الإجازة؛ فإنه ذكر في المبسوط: أن الفسخ بحكم الخيار محتمل للفسخ في نفسه، حتى لو تراضيا على فسخ الفسخ وعلى إعادة العقد بينهما (١)، وفسخ الفسخ ليس إلا هو إجازة البيع في المفسوخ.
قلنا: هذا لا يلزم؛ لأنا قلنا: إن الإجازة لا ترد على المنتقض، ولا إجازة فيما ذكرتم، بل هو بيع ابتداء. كذا في الفوائد الظهيرية.
وذكر الإمام قاضي خان: والصحيح ما ذكر في ما دون المبسوط؛ لأن النقض أقوى من الإجازة، فإن النقض يرد على الإجازة، والإجازة لا ترد على
стр. 4493
وَجهُ الثَّانِي: أَنَّ الفَسْخَ أَقوَى؛ لِأَنَّ المَجَازَ يَلحَقُهُ الفَسَخُ وَالمَفْسُوخُ لَا تَلحَقُهُ الإِجَازَةُ، وَلَمَّا مَلَكَ كُلُّ وَاحِد مِنْهُمَا التَّصَرُّفَ رَجَّحنَا بِحَالِ التَّصَرُّفِ. وَقِيلَ: الأَوَّلُ قَولُ مُحَمَّد، وَالثَّانِي: قَولُ أَبِي يُوسُفَ، وَاسْتِخْرَاجُ ذَلِكَ مِمَّا إِذَا بَاعَ الوَكِيلُ مِنْ رَجُل وَالمُوَكِّلُ مِنْ غَيْرِهِ مَعًا؛ فَمُحَمَّدٌ يَعتَبِرُ فِيهِ تَصَرُّفَ المُوَكِّلِ، وَأَبُو يُوسُفَ يَعْتَبِرُهُمَا.
النقض، كنكاح الحرة مع الأمة إذا اجتمعا؛ يصح نكاح الحرة؛ لأنه يرد على نكاح الأمة من غير عكس.
وفي المبسوط والأصح: أن الفسخ أولى؛ لأن الخيار مشروط للفسخ لا للإجازة، والفاسخ هاهنا يتصرف بحكم الخيار تصرفًا شرع الخيار لأجله، فكان تصرفه أولى (١).
(يعتبرهما)؛ أي: تصرف الوكيل والموكل، ويجعل العبد مشتركا بينهما بالنصف.
وفي المبسوط: هذا إذا كان العبد في يد الوكيل أو الموكل، ولو كان في يد أحد المشتريين يرجح جانبه؛ لأنه يستدل به على سبق شرائه (٢).
فإن قيل: لما اعتبر أبو يوسف تصرفهما، كيف يستخرج من ذلك أن تصرف الفسخ أولى عنده في مسألتنا.
قلنا: يعلم من ذلك أنه لم يرجح تصرف المالك كما رجحه محمد، فلما لم يرجح تصرف المالك لمالكيته، والحال أن الرجحان هنا ثابت لتصرف الفسخ في نفسه لما ذكرنا، فيكون الفسخ أولى.
وفي بعض الشروح: فإن قيل: الإجازة توجب الحرمة والفسخ الحل، فكانت الإجازة أولى.
قلنا: إن الإجازة تأثيرها في إثبات الحرمة والفسخ تأثيره مع إبقاء الحل، وكان الإبقاء أولى؛ لأن الإبقاء مع الشك أخف من الإثبات مع الشك؛ إذ الشيء يبقى مع الشك ولا يثبت مع الشك، فكان اعتبار الفسخ أولى.
стр. 4494
قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ عَبدَينِ بِأَلْفِ دِرْهَم عَلَى أَنَّهُ بِالخِيَارِ فِي أَحَدِهِمَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَالبَيعُ فَاسِدٌ، وَإِنْ بَاعَ كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا بِخَمسِمِائَة عَلَى أَنَّهُ بِالخِيَارِ فِي أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ جَازَ البَيعُ) وَالمَسْأَلَةُ عَلَى أَربَعَةِ أَوجُه: أَحَدُهَا: أَنْ لَا يُفَصِّلَ الثَّمَنَ وَلَا يُعَيِّنَ الَّذِي فِيهِ الخِيَارُ، وَهُوَ الوَجهُ الأَوَّلُ فِي الكِتَابِ، وَفَسَادُهُ لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ وَالمَبِيعِ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِيهِ الخِيَارُ كَالخَارِجِ عَنْ العَقدِ، إذ العَقْدُ مَعَ الخِيَارِ لَا يَنعَقِدُ فِي حَقِّ الحُكمِ فَبَقِيَ الدَّاخِلُ فِيهِ أَحَدُهُمَا وَهُوَ غَيْرُ مَعلُوم.
وصورة البيع المجاز: إذا اشترى وشرط الخيار لنفسه، ثم أجاز البيع فهلك المبيع في يد البائع؛ فيفسخ البيع ولا يجب الثمن، فهاهنا يرد الفسخ على المجاز.
وصورة المفسوخ لا تلحقه الإجازة: إذا اشترى شيئًا بشرط الخيار، فهلك المبيع في يد البائع، ثم أجاز المشتري لا عبرة لإجازته؛ لأن هلاك المبيع يوجب فسخ العقد، فلا أثر للإجازة بعده.
وفي المجتبى: ولو صدرا معًا فالفسخ أولى عند أبي يوسف، وعند محمد: تصرف العاقد أولى، نقضا كان أو إجازة. وقيل: الترجيح قول أبي حنيفة. وعند محمد: يصح في النصف وينفسخ في النصف، لكن لصاحبه الخيار بتفرق الصفقة عليه.
ولو أمر رجلًا ببيع عبده على أن يشترط الخيار له ثلاثة أيام، فباعه مطلقا لم يجز. ولو أمره مطلقا فباعه بشرط الخيار للآمر أو الأجنبي صح. ولو أمره بشرط الخيار للمأمور أو لنفسه أو للآمر أو للثالث صح. ولو وكله بالشراء توكيلا صحيحًا فهو على ما ذكرنا من التفاصيل، لكن العقد متى لم ينفذ على الأمر ينفذ على المأمور، بخلاف البيع.
قوله: (في الكتاب)؛ أي: الجامع الصغير.
(كالخارج)؛ لأنه يشبه الاستثناء؛ لما أن العقد غير لازم في الذي له الخيار فيه، وتعيين الذي فيه الخيار بأن يقول له: بعت كل واحد بخمسمائة على أني بالخيار في هذا المعين.
стр. 4495
وَالوَجهُ الثَّانِي: أَنْ يُفَصِّلَ الثَّمَنَ وَيُعَيِّنَ الَّذِي فِيهِ الخِيَارُ وَهُوَ المَذْكُورُ ثَانِيَا فِي الكِتَابِ، وَإِنَّمَا جَازَ؛ لِأَنَّ المَبِيعَ مَعلُومٌ وَالثَّمَنَ مَعلُومٌ، وَقَبُولُ العَقدِ فِي الَّذِي فِيهِ الخِيَارُ وَإِنْ كَانَ شَرطًا لانعِقَادِ العَقدِ فِي الْآخَرِ، وَلَكِنَّ هَذَا غَيْرُ مُفْسِدٍ لِلعَقدِ لِكُونِهِ مَحَلَّا لِلبَيعِ كَمَا إِذَا جَمَعَ بَينَ مِنْ وَمُدَبَّر.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُفَصِّلَ وَلَا يُعَيِّنَ. وَالرَّابِعُ: أَنْ يُعَيِّنَ وَلَا يُفَصِّلَ، فَالعَقْدُ فَاسِدٌ فِي الوجهين: إِمَّا لِجَهَالَةِ المَبِيعِ أَوْ لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ.
وقوله: (وقبول العقد) إلى آخره: جواب شبهة، وهي أن يقال: ينبغي أن يفسد العقد في هذا أيضًا؛ لوجود المفسد وهو قبول العقد في الذي لم يدخل في العقد؛ لأن العبد الذي فيه الخيار غير داخل حكمًا، كما إذا جمع بين قن وحرّ؛ فإنه لا يجوز العقد في القِنّ وإن فصل الثمن؛ لما أنه جعل قبول العقد في الحُرِّ شرطًا لصحة العقد في القنّ، فقال: ليس كذلك؛ فإن الحر غير داخل في العقد لا انعقادًا ولا حكمًا؛ لأنه ليس بمحل للبيع أصلا، فكان القبول فيه شرطا مفسدا، بخلاف ما نحن فيه؛ فإنه محل البيع، ويدخل في البيع انعقادًا وإن لم يكن داخلا حكمًا، فكان نظير الجمع بين قن ومدبر، فإنه يصح البيع في القن بحصته من الثمن وإن تعلق صحة البيع فيه بقبول العقد في المدبر؛ لأن المدبر داخل تحت البيع، حتى لو قضى القاضي بجواز بيعه نفذ، فكان قبوله شرطًا صحيحًا، هذا إذا كان الخيار للمشتري. كذا ذكره الإمام التمرتاشي.
(والثالث: أن يفصل الثمن) بأن يقول: بعت كل واحد بكذا ولي الخيار في أحدهما.
(والرابع: أن يعين ولا يفصل) بأن يقول: لي الخيار في هذا، ولا يقول كل واحد بكذا.
فإن قيل: ما الفرق بين الوجه الأول والرابع، وبين عبدين أحدهما مدبر أو مكاتب أو أم ولد؛ فإن العقد ينعقد صحيحًا في القن بالحصة، خلافًا لزفر، وإن لم يكن فيه تفضيل الثمن؛ لما أن البيع لا ينعقد في حق هؤلاء، حتى لو حلف لا يبيع فباع هو لا يحنث، وفي البيع بشرط الخيار يحنث، فكان أولى أن يكون قرآن هؤلاء مفسدا لبيع القن.
قلنا: من مشايخنا من لم يشتغل بالفرق، وقال: قياس ما ذكره هاهنا أن لا
стр. 4496
قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى ثَوبَينِ عَلَى أَنْ يَأخُذَ أَيُّهُمَا شَاءَ بِعَشَرَةٍ وَهُوَ بِالخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَهُوَ جَائِنٌ، وَكَذَا الثَّلَاثَةُ، فَإِنْ كَانَتْ أَربَعَةَ أَثْوَابِ فَالبَيعُ فَاسِدٌ) وَالْقِيَاسُ: أَنْ يَفْسُدَ البَيعُ فِي الكُلِّ لِجَهَالَةِ المَبِيعِ، وَهُوَ قَولُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ (*).
وَجهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ شَرعَ الخِيَارِ لِلحَاجَةِ إِلَى دَفع الغَينِ لِيَختَارَ مَا هُوَ الأَرفَقُ وَالأَوفَقُ، وَالحَاجَةُ إِلَى هَذَا النَّوعِ مِنْ البَيعِ مُتَحَقِّقَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى احْتِيَارِ مَنْ يَثِقُ
يجوز العقد في القن، ومنهم من اشتغل به وهو الصحيح. والفرق: أن المانع من حكم العقد فيما نحن فيه مقترن بالعقد لفظًا ومعنى فأثر المفسد، وفي بيع القن مع هؤلاء، المانع مقترن بالعقد معنى لا لفظا؛ لدخولهم في البيع، حتى لو قضى القاضي به يجوز لكن لم يثبت الحكم لحق محترم واجب الصيانة، فلم يؤثر المفسد. كذا في الذخيرة والفوائد الظهيرية.
قوله: (وهو) أي: المشتري (بالخيار) بعدما عين المأخوذ، ويسمى هذا خيار التعيين.
(وكذلك الثلاثة)؛ أي: في ثلاثة الأثواب جائز كما في الثوبين.
(في الكل)؛ أي: في الثوبين والثلاثة والأربعة.
(وهو)؛ أي: القياس (قول زفر والشافعي).
(أن شرع الخيار)؛ يعني جواز البيع بشرط الخيار شرع لمساس الحاجة إلى دفع الغبن، وقد تحققت الحاجة هاهنا، والنظر إلى ثوبين والثلاثة لاختيار الأوفق؛ أي: بحاله.
(والأرفق)؛ أي: بالنظر إلى الثمن؛ ليختار الأجود طريقا لدفع الغبن،
فالشرع الوارد ثم يكون واردا هاهنا.
قوله: (والحاجة إلى هذا النوع) إلى آخره يعني: الإنسان قد يشتري شيئًا لعياله ولا يعجبه استصحاب العيال مع نفسه إلى السوق، والبائع لا يسمح بالرفع إليه إلا أن يبتاعه، والذي يعجب عياله من هذا النوع لا يدري ما هو، فتمس الحاجة إلى البيع على هذا الوجه.
стр. 4497
بِهِ أَوْ اختِيَارِ مَنْ يَشتَرِيهِ لِأَجَلِهِ، وَلَا يُمَكِّنُهُ البَائِعُ مِنْ الحَملِ إِلَيْهِ إِلَّا بِالبَيعِ فَكَانَ فِي مَعنَى مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرِعُ، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الحَاجَةَ تَندَفِعُ بِالثَّلَاثِ لِوُجُودِ الجَيِّدِ وَالوَسَطِ وَالرَّدِيءِ فِيهَا، وَالجَهَالَةُ لَا تُفضِي إِلَى المُنَازَعَةِ فِي الثَّلَاثَةِ لِتَعيِينِ مَنْ لَهُ الخِيَارُ، وَكَذَا فِي الأَربَعِ، إِلَّا أَنَّ الحَاجَةَ إِلَيْهَا غَيْرُ مُتَحَقِّقَة وَالرُّحْصَةُ ثُبُوتُهَا بِالحَاجَةِ وَكُونُ
(ولا يمكنه)؛ أي: المشتري.
(إليه)؛ أي: إلى من يثق أو من يشتريه لأجله.
(ما ورد به الشرع)؛ وهو شرط الخيار ثلاثة أيام. كذا في الفوائد الظهيرية، وجامع قاضي خان.
(لوجود الجيد)؛ يعني: الحاجة إلى الاختيار لاختلاف الأوصاف، وهي ثلاثة: جيد ووسط ورديء، وجميعها يوجد في الثلاث.
وقوله: (والجهالة لا تفضي إلى المنازعة) جواب عما قال زفر والشافعي من [جواب] (١) الجهالة في وجه القياس.
وإنما لا تفضي؛ لأن شرط الخيار لنفسه، وبحكم خياره يَسْتَنِدُ بالتعيين، فإذا لم تفض لا يمنع صحة البيع، كما لو اشترى قفيزا من صبرة، بخلاف ما لم يشترط الخيار لنفسه، أو لم يسم الثمن لكل ثوب؛ حيث يفسد البيع لإفضاء الجهالة إلى المنازعة، أو لجهالة الثمن. كذا في المبسوط (٢).
(إلا أن الحاجة إليها)؛ أي: الأربع (غير متحققة) لما ذكرنا أن جميع الأوصاف توجد في الثلاث، ولأن في الأربعة قد يتفق ثوبان على صفة (٣) واحدة، فيحتاج إلى خيار (٤) آخر، فتكثر الجهالة.
(والرخصة)؛ يعني: جواز البيع مع الشرط رخصة (وثبوتها بالحاجة) وقد انعدمت في الأربع.
(وكون) بالجر، يعني: تثبت الرخصة بوصفين وهما الحاجة، وعدم إفضاء الجهالة إلى المنازعة.
стр. 4498
الجَهَالَةِ غَيْرَ مُفضِيَةٍ إِلَى المُنَازَعَةِ فَلَا تَثْبُتُ بِأَحَدِهِمَا. ثُمَّ قِيلَ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي هَذَا العَقدِ خِيَارُ الشَّرطِ مَعَ خِيَارِ التَّعيِينِ، وَهُوَ المَذْكُورُ فِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ.
(ثم قيل: يشترط): وفي جامع قاضي خان: وضع محمد المسألة هاهنا - أي: في الجامع الصغير - فيما إذا بين مدة الخيار فقال: يأخذ أيهما شاء بعشرة، وهو بالخيار ثلاثة أيام.
وهكذا ذكر في المأذون ووضعها في الجامع الكبير وغيره: على أن يأخذ أيهما شاء بكذا، ولم يذكر الزيادة، فاختلف المشايخ فيه؛ قال بعضهم: يصح العقد وإن لم يذكر الزيادة؛ لأن خيار التعيين مما لا يتوقف، فلا يتعلق جواز العقد بتلك الزيادة.
وذكر هذه الزيادة في الكتاب - أي: الجامع الصغير - وقع اتفاقا.
قال فخر الإسلام في جامعه: والصحيح عندنا أنه ليس بشرط، وهو قول محمد بن شجاع البلخي. وقال أكثر المشايخ: لا يصح العقد ما لم يذكر خيار الشرط لنفسه مدة معلومة ثلاثة أيام عنده، وزيادة على ذلك على قولهما.
قال شمس الأئمة في جامعه: وهو الصحيح، وهو قول الكرخي؛ لأن القياس يأبى جواز هذا العقد؛ لجهالة المبيع وجهالة وقت لزوم العقد، وإنما جاز استحسانا بطريق الإلحاق بموضع السنة وهو شرط الخيار، فلا يصح بدونه، فإن شرط ذلك يثبت له خيار الشرط مع خيار التعيين، فإن ردهما بخيار الشرط في الأيام الثلاثة، أو رد أحدهما بخيار التعيين؛ كان له ذلك، وإذا مضت الأيام الثلاثة يبطل خيار الشرط ويبقى خيار التعيين للوارث، فلا يردهما الوارث، وله أن يعين أحدهما ويرد الآخر. كذا في جامع قاضي خان.
وفي الذخيرة: هذا إذا كان الخيار للمشتري، فإن كان الخيار للبائع بأن قال: بعتك هذين الثوبين على أني بالخيار أُعَيِّنُ البيع في أحدهما، لم يذكر محمد هذه المسألة في بيوع الأصل ولا في الجامع الصغير.
وذكر الكرخي في مختصره: أنه يجوز استحسانًا لا قياسًا؛ لأن هذا بيع يجوز مع خيار المشتري، فكذا يجوز مع خيار البائع قياسًا على خيار الشرط.
стр. 4499
وَقِيلَ: لَا يُشتَرَطُ وَهُوَ المَدْكُورُ فِي الجَامِعِ الكَبِيرِ، فَيَكُونُ ذِكرُهُ عَلَى هَذَا الاعتِبَارِ وِفَاقا لَا شَرطًا؛ وَإِذَا لَم يَذكُر خِيَارَ الشَّرطِ لَا بُدَّ مِنْ تَوقِيتِ خِيَارِ التَّعْبِينِ بِالثَّلَاثِ عِندَهُ وَبِمُدَّة مَعْلُومَةٍ أَيَّتُهَا كَانَتْ عِندَهُمَا.
ثُمَّ ذُكِرَ فِي بَعضِ النُّسَخِ: اشْتَرَى ثَوبَينِ وَفِي بَعْضِهَا اشْتَرَى أَحَدَ الثَّوبَينِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ المَبِيعَ فِي الحَقِيقَةِ أَحَدُهُمَا وَالآخَرُ أَمَانَةٌ، وَالْأَوَّلُ: تَجَوُّزُ وَاسْتِعَارَةٌ. وَلَو هَلَكَ أَحَدُهُمَا أَوْ تَعَيَّبَ، لَزِمَهُ البَيعُ فِيهِ بِثَمَنِهِ
وذكر في المجرد أنه لا يجوز؛ لأنه إنما يجوز مع خيار المشتري بخلاف القياس؛ باعتبار الحاجة إلى اختيار الأرفق والأوفق بحضرة من يقع الشراء له، وهذا المعنى لا يتأتى في جانب البائع؛ لأنه لا حاجة له إلى اختيار الأرفق والأوفق؛ لأن المبيع كان معه قبل البيع، فيرد جانبه إلى ما يقتضيه القياس.
(أنها) (١) أي: المدة كانت زائدة على الثلاث أو غير زائدة بعد أن كانت معلومة.
فإن قيل: ينبغي ألا يجوز في الزائد على الثلاث عند أبي يوسف؛ لأنه أخذ بالقياس في خيار النقد، حتى لم يُجَوِّز الزيادة على الثلاث، فينبغي أن يكون كذلك هاهنا.
قلنا: قوله في خيار النقد: إن لم ينقد الثمن إلى أربعة أيام تعليق، فلا يلحق بخيار الشرط، فلا يكون الأثر واردا في حقه، وأما خيار التعيين من جنس خيار الشرط من حيث إنه لم يكن فيهما حرف التعليق، فكان الأثر واردا في حقهما معنى. كذا قيل.
والأول وهو اشترى ثوبين يجوز أي: مجاز؛ لأن المشترى أحد الثوبين لا الثوبين، فكان من قبيل إطلاق الكل على البعض.
وقال فخر الإسلام: إنما قال ثوبين مجازا؛ لاحتمال أن يكون كل واحد منهما هو المبيع.
(لزم البيع فيه)؛ أي: في الكل أو المعيب.
стр. 4500
وَتَعَيَّنَ الآخَرُ لِلأَمَانَةِ لِامْتِنَاعِ الرَّدُ بِالتَّعَيُّبِ،
فإن قيل: التعيب في الأمانة غير مانع للرد، فلماذا رجحت جانب البيع فيه؟.
قلنا: العمل بالفسخ عمل بالدليل الحادث وهو البيع؛ لأنه سبب لإيجاب الضمان، وعدم وجوب الضمان على الأمين باستصحاب الحال، فإذا تعذر الجمع بينهما رجحنا جانب الفسخ؛ لأنه أقوى؛ لأنه عمل بالدليل الحادث، فتعين المعين معيبًا. كذا في مختلفات القاضي الغني.
(وتعين الآخر للأمانة)؛ يعني: إذا هلك لا يلزمه شيء.
فإن قيل: لا يكون الآخر هنا أقل من المقبوض على سوم الشراء، وهناك تجب القيمة، فينبغي أن يكون هنا كذلك.
قلنا: إن قبض أحدهما حصل على حقيقة البيع ولا على جهته؛ لأنه لم يقبض الآخر ليشتريه حتى يكون قابضًا بجهة العقد، فكان قبضه قبض أمانة، فلا يلزمه شيء بهلاكه. كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
فإن قيل: ما الفرق بين هذه المسألة، وبين ما إذا طلق إحدى امرأتيه أو أعتق [أحد] (١) عبديه؛ حيث لو مات أحدهما يتعين الباقي للعتق والطلاق، وفي مسألتنا يتعين الهالك للبيع والباقي للرد.
قلنا: الفرق: أن العبد لما أشرف على الهلاك خرج من أن يكون محلا للرد؛ لأنه عجز عن رد ما قبض كما قبض، فتعين العقد فيه، وتعين الباقي للرد ضرورة، وأما في الطلاق والعتاق فحين أشرف على الهلاك لم يبق محلا لوقوع الطلاق والعتاق، فلو وقعا إنما يقعا بعد الموت، وهما لا يقعان بعد الموت، فتعين الباقي لهما، وهذا بخلاف ما إذا اشترى بشرط الخيار فهلك أحدهما عنده فإنه لا يرد الباقي؛ لأن العقد تناولهما؛ ألا ترى أنه يملك إتمام العقد فيهما، فبعدما تعذر عليه رد أحدهما لا يتمكن من رد الآخر؛ لما فيه من تفريق الصفقة على البائع قبل التمام، وهاهنا العقد تناول أحدهما؛ ألا ترى أنه لا يملك إتمام
стр. 4501
وَلَو هَلَكَا جَمِيعًا مَعا يَلزَمُهُ نِصفُ ثَمَنِ كُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا لِشُيُوعِ البَيعِ وَالأَمَانَةِ فِيهِمَا. وَلَو كَانَ فِيهِ خِيَارُ الشَّرطِ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُمَا جَمِيعًا.
العقد فيهما، فبعد ما هلك أحدهما أو تعيب كان له رد الباقي. كذا في المبسوط (١).
(ولو [هلكوا] (٢) جميعا معًا): قيد بقوله: (معًا) [لما] (٣) أنهما لو هلكا على التعاقب يتعين الأول للبيع إذا علم السابق، [ولو لم يدر السابق] (٤) لزمه نصف ثمن كل واحد منهما، كما لو هلكا معًا، ولو هلكا أو تعيبا على التعاقب وثمنهما على التفاوت، فقال البائع: هلك أولا الذي قيمته عشرون، وقال المشتري: الذي قيمته عشرة؛ كان أبو يوسف يقول أولا يتحالفان، فأيهما [نكل] (٥) لزمه دعوى الآخر، وإن حلفا يجعل كأنهما هلكا معا، ثم رجع وقال: القول للمشتري، وهو قول محمد، فإن أقاما البينة قضى ببينة البائع لإثباتها الزيادة، ولو تغيبا معا بطل خيار الشرط، فليس له ردهما، والتعيين بحاله يمسك أيهما شاء بثمنه ويرد الآخر، ولا يغرم من قيمته عيب المردود شيئًا استحسانًا. كذا ذكره التمرتاشي.
وفي المبسوط: وجه الاستحسان: أن المعيب محل لابتداء البيع أيضًا، بخلاف الهالك فإنه ليس بمحل لابتداء البيع، فلا يكون محلا لتعيبه (٦).
(ولو كان فيه؛ أي: في هذا البيع خيار الشرط له أن يردهما جميعا)؛ لأنه أمين في أحدهما، فيرده بحكم الأمانة، وفي الآخر مشترط الخيار فيتمكن من رده. كذا في المبسوط (٧)، والإيضاح.
وإن كان البيع فاسدًا فقبضهما، فأحدهما مضمون عليه لقيمته، والآخر أمانة. ولو مات جميعا ضمن نصف قيمة كل واحد والحكم في الفاسد كالحكم في الصحيح، إلا أن الفاسد مضمون والصحيح بالثمن، ولو تم قبضهما في
стр. 4502
وَلَو مَاتَ مَنْ لَهُ الخِيَارُ فَلِوَارِثِهِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدَهُمَا؛ لِأَنَّ البَاقِيَ خِيَارُ التَّعْبِينِ للاختِلاطِ، وَلِهَذَا لَا يَتَوَقَّفُ فِي حَقِّ الوَارِثِ. وَأَمَّا خِيَارُ الشَّرطِ لَا يُورَثُ وَقَدْ ذَكَرنَاهُ مِنْ قَبْلُ.
قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى دَارًا عَلَى أَنَّهُ بِالخِيَارِ فَبِيعَت دَارٌ أُخرَى بِجَنبِهَا فَأَخَذَهَا بِالشُّفَعَةِ فَهُوَ رِضًا)؛ لِأَنَّ طَلَبَ الشَّفَعَةِ يَدُلُّ عَلَى اخْتِيَارِهِ المِلكَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ مَا ثَبَتَ إِلَّا لِدَفْعِ ضَرَرِ الجِوَارِ، وَذَلِكَ بِالاسْتِدَامَةِ فَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ سُقُوطَ الخِيَارِ سَابِقًا عَلَيْهِ فَيَثْبُتُ المِلكُ مِنْ وَقتِ الشَّرَاءِ، فَيَتَبَيَّنُ أَنَّ الجِوَارَ كَانَ ثَابِتًا، وَهَذَا التَّقْرِيرُ يُحتَاجُ إِلَيْهِ لِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ خَاصَّة.
الصحيح فمات أحدهما؛ فهو بالخيار في الباقي. وكذا لو حدث بأحدهما عيب؛ لأن المبيع لم يدخل في ضمانه، فتبين أن الجواز كان ثابتا.
فإن قيل: لو كان هذا بطريق الاستناد لصح الأخذ للمشتري إذا كان الخيار للبائع.
قلنا في خيار المشتري: له ولاية إثبات الملك لنفسه بالإجازة، ولا يتوقف على فعل غيره، وفي خيار البائع: لا يثبت له ذلك واعتبره بالإعتاق، فإنه ينفذ من المشتري إذا كان الخيار له، ولا ينفذ إذا كان الخيار للبائع وإن أجاز البيع.
قوله: (خاصةً): إنما قال: خاصة؛ لأن عندهما يدخل البيع في ملك المشتري، فلا يحتاج إلى التقدير الذي يؤدي إلى اختيار الملك.
قال الإمام السرخسي: وجوب الشفعة على مذهبهما ظاهر، وأما عند أبي حنيفة؛ فلأنه صار أحق بالتصرف فيها، وذلك يكفيه لاستحقاق الشفعة بها، كالمأذون المستغرق بالدين، والمكاتب، فإنهما يستحقان الشفعة وإن لم يملكا رقبة الدار، بخلاف ما إذا كان الخيار للبائع، فالمشتري هناك لم يصر أحق بالتصرف فيها.
وفي جامع قاضي خان: وأما على قولهما فالأخذ بالشفعة دلالة استيفاء الملك؛ لأنها شرعت لدفع ضرر التغيظ (١)، والإنسان لا يدفع ضرر الجار من نفسه في دار يريد رَدَّهُ.
стр. 4503
قَالَ: (وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلَانِ عَبْدًا عَلَى أَنَّهُمَا بِالخِيَارِ فَرَضِيَ أَحَدُهُمَا فَلَيسَ لِلآخَرِ أَنْ يَرُدَّهُ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ (*)، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ: خِيَارُ العَيبِ وَخِيَارُ الرُّؤيَةِ، لَهُمَا: أَنَّ إِثْبَاتَ الخِيَارِ لَهُمَا إِثْبَاتُهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَا يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِ صَاحِبِهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّهِ. وَلَهُ: أَنَّ المَبِيعَ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ غَيْرَ مَعِيبٍ بِعَيبِ الشَّرِكَةِ، فَلَو رَدَّهُ أَحَدُهُمَا رَدَّهُ مَعِيبًا بِهِ وَفِيهِ إِلزَامُ ضَرَر زَائِدَ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ إِثْبَاتِ الخِيَارِ لَهُمَا الرِّضَا بِرَدٌ أَحَدِهِمَا لِتَصَوُّرِ اجْتِمَاعِهِمَا عَلَى الرَّدِّ.
(وقالا)؛ أي: أبو يوسف ومحمد (له)؛ أي: للآخر (أن يرد نصيبه خاصة معيبا به) أي: بعيب الشركة، إذ الشركة في الأعيان المجتمعة عيب، وذلك لأن البائع بتقدير الرد لا يتمكن من الانتفاع إلا بطريق التهايؤ، وكان قبل البيع متمكنا في الانتفاع متى شاء، والخيار يثبت ليختار من له الخيار ما هو الأرفق على وجه لا يلحق الضرر بغيره.
(وفيه)؛ أي: في الرد (إلزام) ضرر (زائد) وإنما وصف هذا الضرر بالزيادة وإن كان في ذلك الجانب ضرر أيضًا؛ لأن هذا ضرر يلحقه من الغير، وذلك يلحقه من نفسه، والضرر الحاصل من الغير أفجع وأقطع من الضرر الحاصل من نفسه.
(لتصور اجتماعهما)؛ أي: اجتماع المشتريين.
وعن أبي حنيفة في غير رواية الأصول: أنه لو رد أحدهما يؤمر الآخر برده؛ لأنه لو امتنع عن الرد كان فيه إبطال حق الغير، وليس له ذلك؛ لأن الخيار بشرط الرد، وقد اشترطا كذا في جامع الإسبيجابي.
فإن قيل: لما باع منهما بالخيار رضي بالتبعيض.
قلنا: إنما رضي في ملكهما لا في ملكه. كذا ذكره المرغيناني والتمرتاشي.
وقوله: (ليس من ضرورة إثبات الخيار) إلى آخره جواب عن هذا السؤال.
وفي المبسوط: فإن قيل: في امتناع الرد ضرر على الراد أيضًا.
قلنا: إن هذا ضرر يلحقه بعجزه عن إيجاد شرط الرد لا يتصرف من الغير (١).
стр. 4504
قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ خَبَّانٌ أَوْ كَاتِبٌ وَكَانَ بِخِلَافِهِ فَالْمُشْتَرِي بِالخِيَارِ:
فإن قيل: إن هذا العيب حدث في ملك البائع؛ لأن تفرق الملك يثبت بالعقد قبل القبض.
قلنا: إنما حدث بفعل المشتري، والمشتري إذا عيب المعقود عليه لم يكن له أن يرده بحكم الخيار. كذا قيل.
قوله: (على أنه خباز)؛ أي: عبد حرفته هذا؛ لأنه لو فعل هذا الفعل أحيانا لا يسمى خبازا، فالمشتري بالخيار. وبه قال الشافعي، فإنه ذكر في تتمتهم: كل صفة توجب في العين زيادة وفضيلة، وتزاد بها الرغبات والقيمة؛ فاشتراطه لا يفسد العقد ويثبت الخيار.
فإن قيل: ما الفرق بين هذا الوصف وبين بيع الشاة أو الناقة على أنها حامل، أو على أنها تحلب كذا، فإن البيع فيه وفي أمثاله فاسد عندنا، وبه قال الشافعي في قول. وقال في الأصح: لا يفسد؛ لأنه صفة مرغوب.
قلنا: الفرق أن الحبلَ في البهائم زيادة مجهولة، لا يدرى أن انتفاخ بطنها من ريح أو ولد حي أو ميت، والمجهول إذا ضم إلى المعلوم يصير الكل مجهولا، وكذا شرط على أنها تحلب كذا؛ لأنه اشتراط مقدار من المبيع ليس في وسع البائع تحصيله، ولا طريق له إلى معرفته، فكان شرطا مجهولا، حتى لو اشترط على أنها حلوب أو لبون؛ ذكر الطحاوي: لا يفسد به العقد، وبه قال الشافعي؛ لأنه وصف مرغوب، بخلاف قوله: (على أنه خباز) فإنه وصف مرغوب فيه، ولمعرفته سبيل للبائع، كما إذا اشترى فرسا على أنه هملاج، أو اشترى كلبا على أنه صائد، فإنه يجوز، كذا هاهنا. كذا في المبسوط (١).
وفي الذخيرة: قال محمد في الزيادات: فإن قبضه المشتري ووجده كاتبا أو خبازا على أدنى ما ينطلق عليه الاسم؛ لا يكون له حق الرد، وبه قال الشافعي؛ لوجود الشرط، فإن الشرط أدنى ما ينطلق عليه الاسم، لا النهاية في الجودة، كما في وصف السلامة.
стр. 4505
إِنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ)؛ لِأَنَّ هَذَا وَصِفٌ مَرغُوبٌ فِيهِ فَيُسْتَحَقُّ فِي العَقدِ بِالشَّرطِ، ثُمَّ فَوَاتُهُ يُوجِبُ التَّحْيِيرَ؛ لِأَنَّهُ مَا رَضِيَ بِهِ دُونَهُ، وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى اختِلافِ النَّوعِ لِقِلَّةِ التَّفَاوُتِ فِي الأَعْرَاضِ، فَلَا يَفْسُدُ العَقْدُ بِعَدَمِهِ بِمَنزِلَةِ وَصفِ الذُّكُورَةِ وَالأُنُوثَةِ فِي الحَيَوَانَاتِ، وَصَارَ كَفَوَاتِ وَصفِ السَّلَامَةِ، وَإِذَا أَخَذَهُ أَخَذَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الأَوصَافَ لَا يُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ، لِكَونِهَا تَابِعَة فِي العَقدِ عَلَى مَا عُرِفَ.
ومعنى أدنى ما ينطلق عليه الاسم: أن يفعل من ذلك ما يسمى به الفاعل خبازا أو كاتبا؛ لأن كل واحد لا يعجز في العادة من أن يكتب على وجه تستبين حروفه، وأن يخبز مقدار ما يدفع الهلاك عن نفسه، وبذلك لا يسمى خبازا ولا كاتبًا. وإليه أشير في الكتاب.
(فإن وجده لا يحسن الكتابة والخبز)؛ أي: لا يعرف مقدار ما يسمى به الفاعل كاتبًا أو خبازا، وقيد بكون الوصف مرغوبا يستحق بالعقد، حتى لو لم يكن الوصف مرغوبا لا يستحق بالعقد، كما لو اشترى على أنه معيب فإذا هو سليم لا يثبت له الخيار؛ لأن هذا الوصف غير مرغوب.
وحاصله: أن الوصف المرغوب فيه يرجع إلى صفة المثمن أو الثمن، فيكون ملائما للعقد، فلا يفسد به البيع كشرط كونه ذكرًا أو أنثى، وشرط كون الثمن مرهونا بذا ومكفولا به.
(لأنه)؛ أي: المشتري (ما) رضي به؛ أي بالبيع (دونه)؛ أي: دون الوصف المرغوب.
(وهذا)؛ أي: كون الوصف مرغوبًا (يرجع إلى اختلاف النوع) في الحيوانات. قيد بها؛ لأن في بني آدم يورث اختلاف الجنس لفحش التفاوت، لما مر في باب المهر في النكاح.
وفي الذخيرة: لو امتنع الرد بسبب من الأسباب؛ رجع المشتري على البائع بحصته من الثمن، فيقوم العبد كاتبا وغير كاتب وينظر إلى تفاوت ما بين ذلك، فإن كان مثل العشر يرجع بعشر الثمن.
стр. 4506
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه لا يرجع هاهنا بشيء؛ لأن ثبوت الخيار للمشتري إنما كان بالشرط لا بالعقد، وتعذر الرد في خيار الشرط لا يوجب الرجوع على البائع، فكذا هذا.
ولكن ما ذكر في ظاهر الرواية أصح، وبه قال الشافعي؛ لأن البائع عجز عن تسليم وصف السلامة كما في العيب. ولو وقع الاختلاف بين المشتري والبائع في هذه الصور بعدما مضى حين من وقت البيع، فقال المشتري: لم أجده كاتبا، وقال البائع: أني سلمته إليك كذلك ولكنه شيء (١) عندك، وقد ينسى ذلك في تلك المدة؛ فالقول للمشتري؛ لأن الاختلاف وقع في وصف عارض؛ إذ الأصل عدم الكتابة والخبازة، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨].
وفي النوازل: اشترى جارية على أنها عذراء، فعلم أنها ليست كذلك، فإن علم بالوطء، فإن زايلها عند علمه بلا لبث لم يلزمه، وإلا لزمته.
ولو اشترى بقرة على أنها حبلى، فولدت عنده فشرب اللبن وأنفق عليها؛ فإنه يردها والولد وما شرب من اللبن، ولا شيء له بما أنفق؛ لأن البيع وقع فاسدا، فكانت في ضمانه والنفقة عليه.
ولو اشترى شاة على أنها نعجة فإذا هو معز؛ يجوز له البيع وله الخيار؛ لأن حكمها واحد في الصدقات. وكذا لو اشترى بقرة فإذا هي جاموس.
وفي المجتبى: في جمع البخاري: الأصل فيه: أن الإشارة مع التسمية إذا اجتمعا، فإن كان المشار إليه من خلاف جنس المسمى فالعقد فاسد، وإن كان من جنسه فالعقد جائز، ثم إن كان المشار إليه دون المسمى كان الخيار للمشتري، وإلا فلا.
والثياب أجناس، والذكر مع الأنثى في بني آدم جنسان حكما، وفي سائر الحيوانات جنس واحد، وإذا كان المشار إليه من خلاف جنس المسمى؛ فإنما
стр. 4507
بَابُ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ
يتعلق العقد بالمسمى إذا لم يعلم المشتري به، أما إذا علم به فالعقد يتعلق بالمشار إليه، كمن قال: بعتك هذا الحمار، وأشار إلى العبد يصح.
اشترى ثوبا على أنه هروي، فإذا [هو] (١) بلخي؛ فالبيع فاسد عندنا. وكذا على أنه كتان فإذا هو قطن، أو أبيض فإذا هو مصبوغ، أو مصبوغ بعصفر فإذا هو بزعفران، أو دارًا على أنها بناء آجُرّ فإذا هو لبن، أو على أن لا بناء أو لا نخل فيها فإذا فيها بناء أو نخل، أو أرضا على أشجارها كلها مثمرة فإذا واحدة منها غير مثمرة؛ فسد البيع فيها.
ولو اشترى جارية على أنها مولودة الكوفة فإذا هي مولودة بغداد، أو غلاما على أنه تاجر أو كاتب أو غيره فإذا هو لا يحسنه، أو على أنه فحل فإذا هو خصي، أو على عكسه، أو على أنها بغلة فإذا هو بغل، أو على أنها ناقة فإذا هو فحل، أو على أنه لحم معز فوجده لحم ضأن، أو على عكسه، أو على أن هذا الحيوان حامل فوجدها غير حامل؛ جاز البيع فيها وأمثالها وله الخيار.
ولو اشترى على أنه بغل فإذا هي بغلة، أو حمارًا أو بعيرا فإذا هو أتان، أو ناقة أو جارية على أنها رتقاء أو حبلى أو ثيب فوجدها بخلافه إلى خير؛ جاز البيع ولا خيار له فيه وأمثاله إذا وجده على صفة خير من المشروطة.
ولو باع دارًا بما هو فيها من الجذوع والأبواب والخشب والنخيل فإذا ليس فيها شيء من ذلك؛ لا خيار للمشتري.
وفي المحيط: اشترى شاة أو ناقة أو بقرة على أنها حامل؛ فسد البيع إلا في رواية الحسن، والأصح في الأمة جوازه، وعلى أنها حلوب أو لبون، وعلى أنها تحلب كذا وتوضع بعد شهر؛ يفسد، والله أعلم.
باب خيار الرؤية
قدمه على خيار العيب؛ لما أنه يمنع تمام الحكم، وخيار العيب يمنع لزوم الحكم، والإضافة من قبيل إضافة الشيء إلى شرطه.
стр. 4508
قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى شَيْئًا ...........
قوله: (ومن اشترى شيئًا) إلى آخره في المبسوط: اشترى جرابًا هَرَوِيًّا، أو زيتا في زق، أو حنطة في جوالق، فلم يره؛ فله الخيار إذا رآه (١).
وفي الذخيرة: صورة المسألة: أن يقول: بعت منك الثوب الذي في كمي هذا وصفته كذا، أو الدرة التي في كفي هذه وصفتها كذا، ولم يذكر الصفة، أو يقول: بعت هذه الجارية المتنقبة، أما إذا قال: بعت منك ما في كمي، أو ما في كممي هذه من شيء، هل يجوز البيع؟
لم يذكره في المبسوط. قال عامة مشايخنا: إطلاق الجواب يدل على جوازه عندنا، وبعضهم قال: لا يجوز لجهالة المبيع.
وفي المبسوط: الإشارة إليه أو إلى مكانه شرط الجواز، حتى لو لم يشر إليه ولا إلى مكانه لا يجوز بالإجماع (٢).
وفي الأسرار: صورته: عبد أو أمة منتقبة مشار إليها حاضرة؛ له الخيار إذا كشفت.
ثم خيار الرؤية لا يثبت إلا في أربعة الأشياء في الشراء، والإجارة، والقسمة، والصلح في دعوى المال على شيء بعينه.
وقال الشافعي: لا يصح العقد أصلا، وعنده: إن كان جنس المبيع معلومًا بأن قال: بعتك ما في هذا الجراب من الثياب؛ فله قولان. وإن لم يكن معلوما للمشتري بأن قال: بعت ما في هذا الجوالق؛ فالبيع باطل عنده قولا واحدا.
وفي الغاية وشرحه، وشرح الوجيز، والحلية بيع ما لم يره البائع والمشتري يصح في القديم، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد، ولا يصح في الجديد؛ لأن المبيع مجهول.
وفي شرح الوجيز: ويسمى القول الأول بالقديم، والثاني بالجديد.
واختلفوا في محلها على طريقين، أصحهما عند ابن الصباغ وصاحب التتمة وغيرهما: أن القولين مُطَّردان في المبيع الذي لم يره المتبايعان، أو لم يره أحدهما.
стр. 4509
لَم يَرَهُ فَالبَيعُ جَائِزٌ، وَلَهُ الخِيَارُ إِذَا رَآهُ، إِنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَصِحُ العَقدُ أَصلا؛ لِأَنَّ المَبِيعَ مَجْهُولٌ. وَلَنَا: قَولُهُ ﵊: «مَنِ اشْتَرَى شَيْئًا لَم يَرَهُ فَلَهُ الخِيَارُ إِذَا رَآهُ»؛ وَلِأَنَّ الجَهَالَةَ بِعَدَمِ الرُّؤْيَةِ لَا تُفضِي إِلَى المُنَازَعَةِ، لِأَنَّهُ لَو لَم يُوَافِقهُ يَرُدُّهُ، فَصَارَ كَجَهَالَةِ الوَصفِ فِي المُعَايِنِ المُشَارِ إِلَيْهِ.
والثاني: أن القولين فيما إذا شاهد البائع دون المشتري، أما إذا لم يشاهد البائع فالبيع باطل قولا واحدا (١).
وفي حلية المؤمن: يجوز بيع الغائب في القول المختار، وهو قول عثمان وطلحة، واختاره القفال وكثير من أصحابنا، وعلى هذا لا بد من ذكر الجنس والنوع والصفة التي يخرج بها من الجهالة، ثم إذا رآه له الخيار في المجلس، سواء رآه على الصفة التي ذكرها أو على خلافها؛ لقوله ﵇: «مَنِ اشْتَرَى شَيْئًا … » (٢) الحديث.
(لأن المبيع مجهول)؛ لأنه لم يعرف من المعقود إلا الاسم، فلا يجوز البيع، كما إذا قال: بعتك عبدًا من عبيدي، ولم يشر إليه ولا إلى مكانه. ولأن جهالة الوصف بمنزلة انعدام المالية؛ إذ المقصود معرفة مقدار المالية، ولا يصير ذلك معلومًا إلا بالرؤية، فالجهل بمقدارها بمنزلة انعدام المالية، فصار كبيع الآبق.
ولأن الاستقصاء في وصف المبيع بحيث يفيد الإحاطة بالمقاصد لم يكف [في] (٣) العلم بالصفة التي تحصل بالرؤية؛ إذ الرؤية تطلع على دقائق لا تفي العبارة بها، وإليه أشار قوله ﵇: «ليسَ الخَبَرُ كالمُعاينة» (٤) ولأنه بيع غرر وهو منهي عنه.
стр. 4510
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وراوي حديثكم عمر بن إبراهيم هو متهم بين المحدثين، فلا يجوز التمسك بروايته، وقيل: ابن مريم رواه؛ فقال الدارقطني: ابن مريم ضعفه أحمد ويحيى وأبو حاتم وأبو زرعة؛ لعدم العلم بعدالته. كذا في شرح الغاية؛ لأنه ﵇ «نَهَى عن بيع ما ليس عند الإنسان» (١) فيدل على عدم بيع الغائب.
ولنا: قوله ﵇: «مَنِ اشْتَرَى شيئًا … » الحديث (٢)، وهو حديث رواه ابن عباس، والحسن البصري، وسلمة المحبق مرسلا بشهرته.
ذكر في المبسوط: ورواه أبو حنيفة ومحمد بإسنادهما، وقد عمل به كثير من العلماء مثل مالك وأحمد بن حنبل وغيرهما، وهو مذكور في كتب أصحاب الشافعي أيضًا، والحديث إذا كان أحد رواته متهما لا يترك مع رواية العلماء المشهورة بالعدالة، مع أن الاتهام غير مُسلَّم، والطعن المتهم لا يقبل، ويحمل الغرر المنهي عنه على ما له عاقبة مستورة عملا بالأحاديث.
والمراد من قوله: «مَا لَيْسَ عِنْدَ الإنسان» عدم الملك، بدليل قصة الحديث، فإن حكيم بن حزام قال: يا رسول الله إن الرجل يطلب مني سلعة وليست عندي، أفأشتريها وأسلمها؟ فقال ﵇: «لَا تَبِعْ ما ليسَ عِنْدَكَ» (٣) كذا في المبسوط (٤).
وأما الجهالة التي ذكرها الخصم لا تؤدي إلى المنازعة؛ لما ذكر في المتن، كجهالة الوصف في المعاين المشار، بأن اشترى ثوبا مشارًا إليه غير معلوم عدد ذرعانه، فإنه يجوز؛ لأن هذه الجهالة لا تفضي إلى المنازعة، فكذا هذا. كذا في المبسوط (٥).
стр. 4511
(وَكَذَا إِذَا قَالَ: رَضِيت، ثُمَّ رَآهُ، لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ)
أو اشترى عبدا على أنه خباز أو كاتب ولا يعلم ثبوته.
وفي الإيضاح: ولا خلاف أن المعقود عليه مجهول الوصف، لكن جهالة الوصف عنده أثر في صلب العقد؛ لأن الوصف مقصود، فجهالته تمكن غررا في العقد، وصون العقد واجب عن الجهالة، وعندنا المعقود عليه الذات باعتبار المالية، وهذا الذات إنما صار محلا للبيع باعتبار أصل المالية، لا باعتبار قدر منها، فجهالة القدر لا تؤثر في صلب العقد، وإنما تؤثر في صفة اللزوم، وهذا لأنه إذا كان مجهولا بوصفه اختل الرضا، فيثبت له الخيار.
قوله: (إذا قال: رضيت)؛ يعني: بعد تمام البيع يقول المشتري: رضيت بذلك المبيع على أي وصف كان.
(ثم رآه له أن يرده) وهو ظاهر مذهب الشافعي، وحكي في تتمتهم وجه آخر: أنه ينفذ، كما إذا اشترى بشرط أن لا خيار.
(فلا يثبت)؛ أي: الخيار (قبله)؛ أي: قبل الرؤية على تأويل المذكور.
فإن قيل: المذهب عندنا أن المعلق بالشرط يوجد عند وجوده، ولا يلزم عدمه عند عدمه، لجواز أن يوجد بعلة أخرى، فكيف يصح قوله: (فلا يثبت قبلها)؛ لأنه دعوى بلا دليل.
قلنا: هذه قضية متلقاة من جهة صاحب الشرع، فننتهي إلى ما أنهانا إليه، والشرع أثبت الخيار بالرؤية، فلا يثبت قبلها، ولو ثبت إنما يثبت بدليل آخر، فمن ادعاه فعليه البيان. كذا قيل.
فإن قيل: يشكل بخيار العيب، فإنه إذا قال: رضيت به قبل أن أراه فلا خيار له.
قلنا: سبب الخيار هناك العيب، وهو موجود قبل العلم، فيكون الخيار ثابتا، ولا كذلك هاهنا كما بينا، فافترقا.
стр. 4512
لِأَنَّ الخِيَارَ مُعَلَّقٌ بِالرُّؤيَةِ لِمَا رَوَينَا فَلَا يَثْبُتُ قَبلَهَا، وَحَقُّ الفَسَخِ قَبلَ الرُّؤْيَةِ بِحُكمِ أَنَّهُ عَقدٌ غَيْرُ لَازم، لَا بِمُقْتَضَى الحَدِيثِ، وَلِأَنَّ الرِّضَا بِالشَّيْءِ قَبلَ العِلمِ بِأَوْصَافِهِ لَا يَتَحَقَّقُ فَلَا يُعتَبَرُ قَولُهُ رَضِيت قَبْلَ الرُّؤْيَةِ بِخِلَافِ قَولِهِ رَدَدْتُ.
وقوله: (وحق الفسخ) إلى آخره جواب سؤال مقدر يرد على قوله: (لأن الخيار معلق بالرؤية فلا يثبت قبله) بأن يقال: لما لم يثبت الخيار قبل الرؤية كما اقتضاه الحديث، وهو عبارة عن حق الفسخ، والإمضاء ينبغي ألا يتمكن من الفسخ قبل الرؤية عندنا، وبه قال الشافعي في الأصح.
فأجاب عنه وقال: حق الفسخ يعني: يمكنه من الفسخ باعتبار وقوع العقد غير لازم لا للبناء على الخيار الذي اقتضاه الحديث، ألا ترى أن كل واحد من العاقدين في عقد الوديعة والعارية والوكالة يملك الفسخ باعتبار عدم لزوم العقد، وإن لم يكن خيار ثابت لا شرطًا ولا شرعًا.
وفي المبسوط: الرضا قبل الرؤية إبطال حكم النص؛ وهو الخيار عند الرؤية؛ لأن المشتري يراه بعد ذلك ولا خيار له، وليس في الفسخ ذلك؛ لأن المعقود عليه بالفسخ يخرج من أن يكون معقودًا عليه، فلا يلزم كون المعقود عليه خاليًا عن الخيار (١).
قوله: (ولأن الرضا) إلى آخره وحقيقة الفرق: أن حق الفسخ لعدم الرضا، وعدم الرؤية لا ينافي عدم الرضا، وحق الإمضاء للرضا، والرضا لا يتحقق بدون الرؤية؛ لأن الرضا استحسان الشيء وامتلاء الاختيار، وعدم الرؤية ينافيه؛ لأن بالرؤية يتطلع على دقائق لا تحصل بالإخبار والعبارة، ولأنه لو لم يكن له حق الفسخ قبل الرؤية لصار العقد لازمًا، فيلزم امتناع الخيار بتقدير الرؤية والخيار ثابت بتقديرها بالنص. وفيه نوع تأمل.
وقيل: لا رواية في الفسخ قبل الرؤية، واختلف المشايخ فيه، فقيل: لا يملك الفسخ كالإجازة، وهو أحد قولي الشافعي، فحينئذ لا يحتاج إلى الفرق، والفرق المذكور في المتن على ظاهر مذهب أصحابنا وظاهر مذهب الشافعي.
стр. 4513
قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ مَا لَمْ يَرَهُ فَلَا خِيَارَ لَهُ) وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ أَوَّلًا: لَهُ الخِيَارُ اعْتِبَارًا بِخِيَارِ العَيْبِ وَخِيَارِ الشَّرطِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ لُزُومَ العَقدِ بِتَمَامِ الرِّضَا زَوَالًا وَثُبُوتًا وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إِلَّا بِالعِلمِ بِأَوْصَافِ المَبِيعِ، وَذَلِكَ بِالرُّؤْيَةِ فَلَم يَكُنِ البَائِعُ رَاضِيًا بِالزَّوَالِ. وَوَجهُ القَولِ المَرجُوعِ إِلَيْهِ: أَنَّهُ مُعَلَّقٌ بِالشِّرَاءِ لِمَا رَوَينَا فَلَا يَثْبُتُ دُونَهُ.
قوله: (ومن باع ما لم يره) إلى آخره: صورته: ورث شيئًا فباعه قبل الرؤية. وبقولنا: قال الشافعي في الأصح إذا قال بانعقاد بيعه، ومالك، وأحمد.
(يقول أولا له الخيار): وبه قال الشافعي في وجه. وقال في وجه: لا ينعقد بيعه قولا واحدًا.
(اعتبارا)؛ أي: قياسًا (بِخِيَارِ العَيْبِ) وصورته: أن يجد البائع في الثمن عيبا.
(وهذا)؛ أي: ثبوت الخيار له.
(زوالاً)؛ أي: في جانب البائع، فإنه لا يزول ملكه عنه إلا برضاه.
(وثبوتا)؛ أي: في جانب المشتري، فإن المالك فيه لا يثبت له بدون رضاه.
أو زوالاً في حق المشتري؛ فإن ملكه في الثمن لا يزول بدون رضاه، وثبوتا في حق البائع؛ فإن الملك في الثمن لا يثبت له بدون رضاه. (ولا يتحقق ذلك)؛ أي: الرضا.
(وذلك)؛ أي: العلم بأوصاف المبيع يثبت (بالرؤية) لما ذكرنا أن الرؤية تتطلع على دقائق لا تحصل بالعبارة.
(دونه)؛ أي: دون الشراء، يعني: معلق بالشراء ورؤية المشترى.
فإن قيل: المعلق يجوز أن يوجد قبل وجود الشرط بسبب آخر، وهاهنا وجد القياس.
قلنا: لا يمكن إلحاق البائع بالمشتري فيه قياسًا ولا دلالة؛ لأنه ليس في معناه من كل وجه، ولا نظيره؛ لأن المشتري إنما يرده باعتبار أنه ظنه خيرًا،
стр. 4514
وَرُوِيَ: أَنَّ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ بَاعَ أَرْضًا لَهُ بِالبَصَرَةِ مِنْ طَلْحَةَ بنِ عُبَيدِ اللَّهِ فَقِيلَ لطَلحَةَ: إِنَّكَ قَدْ غُبِنْتَ، فَقَالَ: لِي الخِيَارُ؛ لِأَنِّي اشْتَرَيْت مَا لَم أَرَهُ. وَقِيلَ لِعُثْمَانَ: إِنَّكَ قَدْ غُبِنْتَ، فَقَالَ: لِي الخِيَارُ؛ لِأَنِّي بِعتُ مَا لَم أَرَهُ. فَحَكَمَا بَيْنَهُمَا جُبَيرَ بنَ مُطعِم. فَقَضَى بِالخِيَارِ لِطَلحَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃.
ثُمَّ خِيَارُ الرُّؤيَةِ غَيْرُ مُؤَقَّت، بَلْ يَبقَى إِلَى أَنْ يُوجَدَ مَا يُبْطِلُهُ، وَمَا يُبْطِلُ خِيَارَ الشَّرطِ مِنْ تَعَيُّبٍ أَوْ تَصَرُّفٍ يُبْطِلُ خِيَارَ الرُّؤيَةِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ تَصَرُّفًا لَا يُمكِنُ رَفعُهُ
ولم يجده كذلك، فيرده لفوات وصف مرغوب فيه عنده، أما البائع فلو رد بحكم عدم الرؤية؛ فإنما رد باعتبار أن المبيع أزيد مما ظن، وهذا لا يوجب الخيار، كما لو باع عبدًا على أنه معيب فإذا هو سليم؛ لم يثبت له الخيار بالإجماع. كذا في الإيضاح.
على أنا نقول: هذا القياس مخالف لإجماع الصحابة؛ لما روي أن جبير بن مطعم قضى بعدم ثبوت الخيار للبائع بمحضر من الصحابة، ولم ينكر عليه أحد منهم، فكان إجماعًا منهم، والقصة مذكورة في المتن، ولهذا رجع أبو حنيفة حين بلغه الحديث.
قوله: (ثم خيار الرؤية غير مؤقت) سواء قبضه مستورا أو لا.
وقيل: بأنه مؤقت بوقت إمكان الفسخ بعد الرؤية، وبه قال بعض أصحاب الشافعي، حتى إذا وقع بصره عليه ولم يفسخه سقط حقه؛ لأنه خيار تعلق بالاطلاع على حال المبيع، فأشبه الرد بالعيب.
وقال صاحب التهذيب وبعض أصحابه: يمتد إلى آخر مجلس الرؤية، وهذا أصح. كذا في شرح الوجيز (١)؛ لأنه خيار يثبت شرعًا للتروي، فصار كخيار المجلس. والأصح أن هذا الخيار باق ما لم يوجد ما يبطله؛ لأنه ثبت حكمًا لانعدام الرضا، فيبقى إلى أن يوجد ما يبطل عدم الرضا.
قوله: (وما يبطل خيار الشرط) إلى آخره.
стр. 4515
كَالإِعْتَاقِ وَالتَّدْبِيرِ أَوْ تَصَرُّفًا يُوجِبُ حَقًّا لِلغَيرِ كَالبَيعِ المُطَلَقِ وَالرَّهِنِ وَالْإِجَارَةِ يُبْطِلُهُ قَبلَ الرُّؤيَةِ وَبَعدَهَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَزِمَ تَعَزُّرُ الفَسَخِ فَبَطَلَ الخِيَارُ، وَإِنْ كَانَ تَصَرُّقًا لَا يُوجِبُ حَقًّا لِلغَيرِ كَالبَيعِ بِشَرطِ الخِيَارِ، وَالمُسَاوَمَةُ وَالهِبَةُ مِنْ غَيْرِ تَسلِيم لَا يُبْطِلُهُ قَبلَ الرُّؤيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْبُو عَلَى صَرِيحِ الرِّضَا وَيُبْطِلُهُ بَعدَ الرُّؤْيَةِ لِوُجُودِ دَلَالَةِ الرِّضَا.
فإن قيل: يشكل على هذا الكلي مسألتان إحداهما: ما لو اشترى دارا لم يرها، فبيعت بجنبها دار فأخذها بالشفعة؛ لا يبطل خيار الرؤية في ظاهر الرؤية، ويبطل خيار الشرط.
والثانية: ما إذا عرض المشتري المبيع على البيع؛ بطل خيار الشرط ولا يبطل خيار الرؤية والمسألتان في فتاوى قاضي خان.
قلنا: الأصل فيهما أن خيار الرؤية لا يبطل بصريح الرضا قبل الرؤية، فلا يبطل أيضًا، بدليل الرضا قبل الرؤية بالطريق الأولى؛ لأنه دونه، والأخذ بالشفعة والعرض على البيع دليل الرضا، فلا يعملان فيه بالإبطال.
وفي الذخيرة: اشترى جارية على أنه بالخيار، فاستخدمها مرة لا يبطل خياره؛ لأن الاستخدام يحتاج إلى الامتحان، وأنه يحل بدون الملك في الجملة، فلم يكن الاشتغال به مرة دليل الاختيار، بدليل ما لو وطئها؛ حيث يبطل خياره وإن كان الوطء محتاجا إليه للبيان؛ لأنه لا يعلم كونها صالحة بالنظر إليها، وإنما يبطل؛ لأن الوطء لا يحل بدون الملك، بخلاف الاستخدام؛ فإنه يحل بدونه، فكان الوطء اختيارًا للملك؛ لأن ذلك في ذلك النوع غير محتاج إليه للامتحان، والعرض على البيع والتقبيل واللمس بشهوة، ولبس الثوب مرة أخرى، وركوب الدابة مرة أخرى، كل ذلك يسقطه؛ لما أنه غر محتاج إليه للامتحان، أو لا يحل في غير الملك.
قوله: (قبل الرؤية وبعدها) وفي شرح الأقطع: لو عاد إلى ملكه بسبب، كالرد بقضاء أو بفك الرهن أو بفسخ الإجارة؛ لم يرد بخيار الرؤية؛ لأنه بطل بعقده، فلا يعود بسب ملكه.
فإن قيل: بطلان الخيار قبل الرؤية مخالف لحكم النص؛ لأنه أثبت الخيار إذا رآه.
стр. 4516
قَالَ: (وَمَنْ نَظَرَ إِلَى وَجْهِ الصُّبرَةِ، أَوْ إِلَى ظَاهِرِ الثَّوبِ مَطوِيًّا أَوْ إِلَى وَجْهِ الجَارِيَةِ أَوْ إِلَى وَجهِ الدَّابَّةِ وَكَفَلَهَا فَلَا خِيَارَ لَهُ) وَالأَصلُ فِي هَذَا: أَنَّ رُؤْيَةَ جَمِيعِ المَبِيعِ غَيْرُ مَشرُوطِ لِتَعَذُّرِهِ، فَيَكَتَفِي بِرُؤيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى العِلمِ بِالمَقْصُودِ.
وَلَو دَخَلَ فِي البَيعِ أَشْيَاءُ، فَإِنْ كَانَ لَا تَتَفَاوَتُ …
قلنا: ذاك فيما إذا أمكن العمل بحكم النص، وهذه التصرفات مبنية على الملك، وصحت هذه التصرفات بناء على قيام الملك، وبعد صحتهما لا يمكن رفعها، فيسقط الخيار ضرورة بطلان العقد، وخيار الرؤية بالشرط فيما إذا بقي حكم العقد. كذا في الذخيرة.
والمساومة: طلب البائع المشتري لبيع سلعته. كذا في الفوائد.
وفي المجتبى: لا يطالب المشتري بالثمن قبل الرؤية، ولا يتوقف الفسخ على القضاء والرضا، بل ينفسخ بمجرد قوله: رددت، سواء كان قبل قبض المشترى أو بعده، لكنه لا يصح إلا بمحضر من البائع عند أبي حنيفة ومحمد، خلافا لأبي يوسف، والخلاف فيه كالخلاف في خيار الشرط، والإجارة يصح بدونه، وليس في الدراهم والدنانير والديون خيار الرؤية.
ولو كان إناء من النقدين، أو تبرًا أو حليًّا مصاغًا؛ فله الخيار، ولو تبايعا عينا بعين؛ فلهما الخيار، ولو تبايعا عينًا بدين؛ فللمشتري العين الخيار.
قوله: (إلى وجه الجارية) ذكر الجارية وقع اتفاقا، فإن الحكم في الغلام كذلك؛ لأنه ذكر في الإيضاح: المعتبر في العبد والأمة النظر إلى الوجه؛ لأن سائر الأعضاء في العبيد والجواري تبع للوجه، ألا ترى أن القيمة تتفاوت بتفاوت الوجه مع التساوي في سائر الأعضاء.
(والأصل في هذا)؛ أي: في إسقاط خيار الرؤية.
(لتعذره)؛ أي: لتعذر رؤية الجميع على تأويل المذكور، أو كون رؤية الجميع مشروطًا؛ إذ البواطن والدقائق لا ترى، فكذا جميع الظاهر. أما في العبيد والإماء فظاهر؛ لأن رؤية صورتهما متعذرة، وأما في الثوب المطوي فيتضرر البائع بانكسار ثوبه، فيكتفي برؤية ما يدل على العلم بالمقصود.
(ولو دخل في البيع أشياء)؛ أي: من جنس واحد.
стр. 4517
آحَادُهَا كَالمَكِيلِ وَالمَوزُونِ، وَعَلَامَتُهُ أَنْ يَعْرِضَ بِالنَّمُوذَجِ يَكْتَفِي بِرُؤيَةِ وَاحِد مِنهَا، إلَّا إِذَا كَانَ البَاقِي أَردَأَ مِمَّا رَأَى، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ الخِيَارُ. وَإِنْ كَانَ تَتَفَاوَت آحَادُهَا كَالثَّيَابِ وَالدَّوَابِّ لَا بُدَّ مِنْ رُؤيَةِ كُلِّ وَاحِد مِنهَا، وَالجَوزُ وَالبَيضُ … ... … ... …
(آحاده)؛ أي: آحاد ذلك المبيع.
(وعلامته) [أي: علامة] (١) الشيء الذي لا تتفاوت آحاده كالمكيل، هذا إذا كانت الحنطة أو غيرها من نوع واحد، فإنها لا تختلف، أما إذا كانت من أنواع مختلفة؛ فالخيار باق ما لم تر من كل نوع شيئًا. كذا في شرح الأقطع.
النموذج بالفتح، والأنموذج بالضم: تعريب (نموذه) كذا في المغرب (٢).
قوله: (أردأ مما رأى فحينئذ يكون له الخيار): أطلق المصنف، ولكن ذكر في الينابيع: يثبت له خيار العيب لا خيار الرؤية، سواء كان في وعاء واحد أو في أوعية مختلفة بعد أن يتحد الكل في الجنس والصفة. كذا في شرح المجمع.
وفي الكافي: إذا كان أردأ له الخيار؛ لأنه إنما رضى بالصفة التي رآها لا بغيرها، وهذا التعليل يدل على أن له خيار الرؤية، وكذا سَوْقُ كلام المصنف، وما ذكر في المجتبى يدل على هذا أيضًا.
وفي جامع قاضي خان قالت مشايخ بلخ: برؤية أحد الوعائين لا يبطل خياره، والصحيح: أنه يبطل؛ لأن برؤية البعض يعرف حال الباقي، فإن تغير الباقي له أن يرده.
وفي الذخيرة في المكيل والموزون يكتفى برؤية البعض إذا كان في وعاء واحد، وإن كانا في وعائين يرى ما في أحدهما؛ اختلف المشايخ فيه:
قال مشايخ العراق: إذا رضي بما رأى يبطل خياره في الكل؛ إذا وجد ما في الوعاء الآخر مثل ما رأى أو فوقه، أما إذا رأى دونه فهو على خياره في الكل، ولكن لو أراد الرد يرد الكل.
стр. 4518
مِنْ هَذَا القَبِيلِ فِيمَا ذَكَرَهُ الكَرْخِيُّ، وَكَانَ يَنبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلَ الحِنطَةِ وَالشَّعِيرِ لِكَونِهَا مُتَقَارِبَة. إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: النَّظَرُ إِلَى وَجهِ الصُّبْرَةِ كَافٍ؛ لِأَنَّهُ يَعرِفُ وَصفَ البَقِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ مَكِيلٌ يُعرَضُ بِالنَّمُوذَجِ، وَكَذَا النَّظَرُ إِلَى ظَاهِرِ الثَّوبِ مِمَّا يُعلَم به البَقِيَّةُ، إِلَّا إِذَا كَانَ فِي طَيِّهِ مَا يَكُونُ مَقْصُودًا كَمَوضِعِ العَلَم، … ..
(من هذا القبيل)؛ أي: من قبيل ما يتفاوت آحاده؛ لأنه يختلف بالصغر والكير، وهو اختيار قاضي خان.
(ينبغي أن يكون)؛ أي: الجوز والبيض واللوز (مثل الحنطة)؛ لأن أحادها متقاربة، وقد صرح به في المحيط.
وقي المجرد وهو الأصح، وبه قال بعض أصحاب الشافعي.
(إذا ثبت هذا)؛ أي: ما ذكرنا من التفصيل والتقرير.
(النظر إلى وجه الصبرة كافٍ) وهو ظاهر مذهب الشافعي. وفي تتمتهم: حكي عن الشافعي أنه لا تكفي رؤية ظاهر الصبرة، بل لا بد من تقلبها ليعرف حال باطنها. والمذهب المشهور هو الأول.
قوله: (مما يعلم البقية): قال فخر الإسلام والنظر إلى مواضع الطي في الثياب إذا كانت المواضع مستوية؛ يقع على كل جزء من كل ثوب، فيعرف الكل به.
وفي المحيط: قيل: هذا في عرفهم، أما في عرفنا ما لم ير الباطن لا يسقط خياره.
وعند الشافعي: لا بد من نشره ورؤية كله في قول، وهو قول زفر؛ لأنه ليس بمثلي، فلا يعرف كله بدونه.
وقلنا: يستدل برؤية طرف منه على ما بقي؛ إذ لا تتفاوت أطراف الثوب الواحد إلا يسيرا، وذا غير معتبر.
وفي المبسوط: الجواب على ما قال زفر، إلا إذا كان في طيه (١).
وفي الكافي: قالوا هذا إذا لم [يكن] (٢) في طي الثوب ما يكون مقصودا بالنظر، كموضع العلم ووجه العمامة؛ لأن المالية تتفاوت بحسبه.
стр. 4519
وَالوَجهُ هُوَ المَقصُودُ فِي الآدَمِيّ، وَهُوَ وَالكَفَلُ فِي الدَّوَابٌ فَيُعْتَبَرُ رُؤْيَةِ المَقْصُودِ وَلَا يُعتَبَرُ رُؤيَةُ غَيْرِهِ. وَشَرَطَ بَعضُهُم رُؤْيَةَ القَوَائِمِ.
وَالأَوَّلُ: هُوَ المَروِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀.
وفي شرح المجمع: المسألة مفروضة في الثوب الذي لا يتفاوت ظاهره وباطنه، حتى لو خالف لا بد من رؤية ظاهره وباطنه.
(والوجه هو المقصود في الآدمي)؛ أي: العبد والأمة، حتى لو نظر إلى غيره لا يبطل خياره؛ لما ذكرنا أن سائر أعضائه تبع للوجه. وعند الشافعي: لا بد في العبد من رؤية الوجه والأطراف، ولا تجوز رؤية العورة.
وفي باقي البدن، ذكر في التهذيب: أنه لا بد من رؤيته في أظهر الوجهين، وفي الأمة له وجوه؛ أحدها: يعتبر رؤية ما يرى من العبد. والثاني: رؤية ما يبدو عند المهنة. والثالث: يكفي رؤية الوجه والكفين. وفي رؤية الشعر وجهان؛ أحدهما: في التهذيب: أصحهما: اشتراطه.
ولا يشترط رؤية اللسان والأسنان في أصح الوجهين. كذا في شرح الوجيز (١).
وفي الغاية: الأولى تحكيم العرف. (وهو)؛ أي: الوجه (والكفل في الدواب) ولا يعتبر رؤية غيرهما؛ لأنهما مقصودان دون غيرهما، وهو رواية بشر عن أبي يوسف.
(ولا يعتبر رؤية غيره)؛ أي: غير المقصود، حتى لو رأى سائر أعضائه دون الوجه يبقى على خياره. وفي بعض النسخ: (دون غيرها)؛ أي: غير الثلاثة، وهي الوجه في الآدمي، والوجه والكفل في الدواب، والأول أصح.
(بعضهم)؛ أي: بعض المشايخ (رؤية القوائم والأول) وهو رؤية الوجه والكفل (المروي) وهو رواية بشر عنه.
وفي المحيط: وهو الصحيح؛ لأنهما مقصودان منها.
وعنه - وهو وراية المعلى عنه -: يعتبر في الدواب عرف التجار.
стр. 4520
وَفِي شَاةِ اللَّحمِ لَا بُدَّ مِنْ الجَسٌ، لِأَنَّ المَقصُودَ وَهُوَ اللَّحْمُ يُعرَفُ بِهِ. وَفِي شَاةِ القِنيَةِ لَا بُدَّ مِنْ رُؤيَةِ الضَّرِعِ. وَفِيمَا يُطعَمُ لَا بُدَّ مِنْ الذَّوقِ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ المُعَرِّفُ لِلمَقْصُودِ.
وعند محمد: يكفي رؤية الوجه؛ اعتبارا بالعبد والأمة. وعند الشافعي: لا بد من رؤية الوجه والكفل والقوائم.
ويجب رفع السرج والإكاف والجل. وعن بعض أصحابه: أنه لا بد من أن يجري الفرس بين يديه ليعرف سيره. كذا في شرح الوجيز (١).
(لا بد من الجس)؛ ليظهر أثر الهزال والسمن.
وفي الصحاح: جسه بيده واجتسه مسه (٢). وبالفارسية (ما ليدن دست بو بست كوفسندشاه).
القنية: هي التي تحبس في البيت لأجل النتاج.
وفي المغرب: قَنَوْتُ المال جمعته قنوا وقنوة، واقتنيته: اتخذته لنفسي قنية، أي: أخذ المال للنسل لا للتجارة (٣).
وفي الصحاح: قنوت الغنم وغيرها قِنْوَةً وقُنْوَةً، وقَنَيْتُ أيضاً قِنْيَةً وقُنْيَةً إذا اقتنيتها لنفسك لا للتجارة (٤).
وفي الذخيرة: لا بد من النظر إلى ضرعها وسائر جسدها.
(لأن ذلك)؛ أي: الذوق (هو المعرف للمقصود) ولا خلاف فيه.
وفي المجتبى: في المحيط: عن أبي حنيفة: في البرذون أو الحمار أو البغل يكفي أن يرى شيئًا منه، إلا الحافر والذنب والناصية، وفيما يطعم لا بد من الذوق، وفي البساط لا بد من رؤية جميعه، وما كان له وجهان من الثياب وغيره يشترط رؤية كلا الوجهين.
ولو نظر إلى ظهور الكاعب؛ لا يبطل خياره، ولو نظر إلى وجهها دون الصرم؛ يبطل.