قَالَ: (وَمَنْ نَظَرَ إِلَى وَجْهِ الصُّبرَةِ، أَوْ إِلَى ظَاهِرِ الثَّوبِ مَطوِيًّا أَوْ إِلَى وَجْهِ الجَارِيَةِ أَوْ إِلَى وَجهِ الدَّابَّةِ وَكَفَلَهَا فَلَا خِيَارَ لَهُ) وَالأَصلُ فِي هَذَا: أَنَّ رُؤْيَةَ جَمِيعِ المَبِيعِ غَيْرُ مَشرُوطِ لِتَعَذُّرِهِ، فَيَكَتَفِي بِرُؤيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى العِلمِ بِالمَقْصُودِ.
وَلَو دَخَلَ فِي البَيعِ أَشْيَاءُ، فَإِنْ كَانَ لَا تَتَفَاوَتُ …
قلنا: ذاك فيما إذا أمكن العمل بحكم النص، وهذه التصرفات مبنية على الملك، وصحت هذه التصرفات بناء على قيام الملك، وبعد صحتهما لا يمكن رفعها، فيسقط الخيار ضرورة بطلان العقد، وخيار الرؤية بالشرط فيما إذا بقي حكم العقد. كذا في الذخيرة.
والمساومة: طلب البائع المشتري لبيع سلعته. كذا في الفوائد.
وفي المجتبى: لا يطالب المشتري بالثمن قبل الرؤية، ولا يتوقف الفسخ على القضاء والرضا، بل ينفسخ بمجرد قوله: رددت، سواء كان قبل قبض المشترى أو بعده، لكنه لا يصح إلا بمحضر من البائع عند أبي حنيفة ومحمد، خلافا لأبي يوسف، والخلاف فيه كالخلاف في خيار الشرط، والإجارة يصح بدونه، وليس في الدراهم والدنانير والديون خيار الرؤية.
ولو كان إناء من النقدين، أو تبرًا أو حليًّا مصاغًا؛ فله الخيار، ولو تبايعا عينا بعين؛ فلهما الخيار، ولو تبايعا عينًا بدين؛ فللمشتري العين الخيار.
قوله: (إلى وجه الجارية) ذكر الجارية وقع اتفاقا، فإن الحكم في الغلام كذلك؛ لأنه ذكر في الإيضاح: المعتبر في العبد والأمة النظر إلى الوجه؛ لأن سائر الأعضاء في العبيد والجواري تبع للوجه، ألا ترى أن القيمة تتفاوت بتفاوت الوجه مع التساوي في سائر الأعضاء.
(والأصل في هذا)؛ أي: في إسقاط خيار الرؤية.
(لتعذره)؛ أي: لتعذر رؤية الجميع على تأويل المذكور، أو كون رؤية الجميع مشروطًا؛ إذ البواطن والدقائق لا ترى، فكذا جميع الظاهر. أما في العبيد والإماء فظاهر؛ لأن رؤية صورتهما متعذرة، وأما في الثوب المطوي فيتضرر البائع بانكسار ثوبه، فيكتفي برؤية ما يدل على العلم بالمقصود.
(ولو دخل في البيع أشياء)؛ أي: من جنس واحد.
стр. 4517
آحَادُهَا كَالمَكِيلِ وَالمَوزُونِ، وَعَلَامَتُهُ أَنْ يَعْرِضَ بِالنَّمُوذَجِ يَكْتَفِي بِرُؤيَةِ وَاحِد مِنهَا، إلَّا إِذَا كَانَ البَاقِي أَردَأَ مِمَّا رَأَى، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ الخِيَارُ. وَإِنْ كَانَ تَتَفَاوَت آحَادُهَا كَالثَّيَابِ وَالدَّوَابِّ لَا بُدَّ مِنْ رُؤيَةِ كُلِّ وَاحِد مِنهَا، وَالجَوزُ وَالبَيضُ … ... … ... …
(آحاده)؛ أي: آحاد ذلك المبيع.
(وعلامته) [أي: علامة] (١) الشيء الذي لا تتفاوت آحاده كالمكيل، هذا إذا كانت الحنطة أو غيرها من نوع واحد، فإنها لا تختلف، أما إذا كانت من أنواع مختلفة؛ فالخيار باق ما لم تر من كل نوع شيئًا. كذا في شرح الأقطع.
النموذج بالفتح، والأنموذج بالضم: تعريب (نموذه) كذا في المغرب (٢).
قوله: (أردأ مما رأى فحينئذ يكون له الخيار): أطلق المصنف، ولكن ذكر في الينابيع: يثبت له خيار العيب لا خيار الرؤية، سواء كان في وعاء واحد أو في أوعية مختلفة بعد أن يتحد الكل في الجنس والصفة. كذا في شرح المجمع.
وفي الكافي: إذا كان أردأ له الخيار؛ لأنه إنما رضى بالصفة التي رآها لا بغيرها، وهذا التعليل يدل على أن له خيار الرؤية، وكذا سَوْقُ كلام المصنف، وما ذكر في المجتبى يدل على هذا أيضًا.
وفي جامع قاضي خان قالت مشايخ بلخ: برؤية أحد الوعائين لا يبطل خياره، والصحيح: أنه يبطل؛ لأن برؤية البعض يعرف حال الباقي، فإن تغير الباقي له أن يرده.
وفي الذخيرة في المكيل والموزون يكتفى برؤية البعض إذا كان في وعاء واحد، وإن كانا في وعائين يرى ما في أحدهما؛ اختلف المشايخ فيه:
قال مشايخ العراق: إذا رضي بما رأى يبطل خياره في الكل؛ إذا وجد ما في الوعاء الآخر مثل ما رأى أو فوقه، أما إذا رأى دونه فهو على خياره في الكل، ولكن لو أراد الرد يرد الكل.
стр. 4518
مِنْ هَذَا القَبِيلِ فِيمَا ذَكَرَهُ الكَرْخِيُّ، وَكَانَ يَنبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلَ الحِنطَةِ وَالشَّعِيرِ لِكَونِهَا مُتَقَارِبَة. إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: النَّظَرُ إِلَى وَجهِ الصُّبْرَةِ كَافٍ؛ لِأَنَّهُ يَعرِفُ وَصفَ البَقِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ مَكِيلٌ يُعرَضُ بِالنَّمُوذَجِ، وَكَذَا النَّظَرُ إِلَى ظَاهِرِ الثَّوبِ مِمَّا يُعلَم به البَقِيَّةُ، إِلَّا إِذَا كَانَ فِي طَيِّهِ مَا يَكُونُ مَقْصُودًا كَمَوضِعِ العَلَم، … ..
(من هذا القبيل)؛ أي: من قبيل ما يتفاوت آحاده؛ لأنه يختلف بالصغر والكير، وهو اختيار قاضي خان.
(ينبغي أن يكون)؛ أي: الجوز والبيض واللوز (مثل الحنطة)؛ لأن أحادها متقاربة، وقد صرح به في المحيط.
وقي المجرد وهو الأصح، وبه قال بعض أصحاب الشافعي.
(إذا ثبت هذا)؛ أي: ما ذكرنا من التفصيل والتقرير.
(النظر إلى وجه الصبرة كافٍ) وهو ظاهر مذهب الشافعي. وفي تتمتهم: حكي عن الشافعي أنه لا تكفي رؤية ظاهر الصبرة، بل لا بد من تقلبها ليعرف حال باطنها. والمذهب المشهور هو الأول.
قوله: (مما يعلم البقية): قال فخر الإسلام والنظر إلى مواضع الطي في الثياب إذا كانت المواضع مستوية؛ يقع على كل جزء من كل ثوب، فيعرف الكل به.
وفي المحيط: قيل: هذا في عرفهم، أما في عرفنا ما لم ير الباطن لا يسقط خياره.
وعند الشافعي: لا بد من نشره ورؤية كله في قول، وهو قول زفر؛ لأنه ليس بمثلي، فلا يعرف كله بدونه.
وقلنا: يستدل برؤية طرف منه على ما بقي؛ إذ لا تتفاوت أطراف الثوب الواحد إلا يسيرا، وذا غير معتبر.
وفي المبسوط: الجواب على ما قال زفر، إلا إذا كان في طيه (١).
وفي الكافي: قالوا هذا إذا لم [يكن] (٢) في طي الثوب ما يكون مقصودا بالنظر، كموضع العلم ووجه العمامة؛ لأن المالية تتفاوت بحسبه.
стр. 4519
وَالوَجهُ هُوَ المَقصُودُ فِي الآدَمِيّ، وَهُوَ وَالكَفَلُ فِي الدَّوَابٌ فَيُعْتَبَرُ رُؤْيَةِ المَقْصُودِ وَلَا يُعتَبَرُ رُؤيَةُ غَيْرِهِ. وَشَرَطَ بَعضُهُم رُؤْيَةَ القَوَائِمِ.
وَالأَوَّلُ: هُوَ المَروِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀.
وفي شرح المجمع: المسألة مفروضة في الثوب الذي لا يتفاوت ظاهره وباطنه، حتى لو خالف لا بد من رؤية ظاهره وباطنه.
(والوجه هو المقصود في الآدمي)؛ أي: العبد والأمة، حتى لو نظر إلى غيره لا يبطل خياره؛ لما ذكرنا أن سائر أعضائه تبع للوجه. وعند الشافعي: لا بد في العبد من رؤية الوجه والأطراف، ولا تجوز رؤية العورة.
وفي باقي البدن، ذكر في التهذيب: أنه لا بد من رؤيته في أظهر الوجهين، وفي الأمة له وجوه؛ أحدها: يعتبر رؤية ما يرى من العبد. والثاني: رؤية ما يبدو عند المهنة. والثالث: يكفي رؤية الوجه والكفين. وفي رؤية الشعر وجهان؛ أحدهما: في التهذيب: أصحهما: اشتراطه.
ولا يشترط رؤية اللسان والأسنان في أصح الوجهين. كذا في شرح الوجيز (١).
وفي الغاية: الأولى تحكيم العرف. (وهو)؛ أي: الوجه (والكفل في الدواب) ولا يعتبر رؤية غيرهما؛ لأنهما مقصودان دون غيرهما، وهو رواية بشر عن أبي يوسف.
(ولا يعتبر رؤية غيره)؛ أي: غير المقصود، حتى لو رأى سائر أعضائه دون الوجه يبقى على خياره. وفي بعض النسخ: (دون غيرها)؛ أي: غير الثلاثة، وهي الوجه في الآدمي، والوجه والكفل في الدواب، والأول أصح.
(بعضهم)؛ أي: بعض المشايخ (رؤية القوائم والأول) وهو رؤية الوجه والكفل (المروي) وهو رواية بشر عنه.
وفي المحيط: وهو الصحيح؛ لأنهما مقصودان منها.
وعنه - وهو وراية المعلى عنه -: يعتبر في الدواب عرف التجار.
стр. 4520
وَفِي شَاةِ اللَّحمِ لَا بُدَّ مِنْ الجَسٌ، لِأَنَّ المَقصُودَ وَهُوَ اللَّحْمُ يُعرَفُ بِهِ. وَفِي شَاةِ القِنيَةِ لَا بُدَّ مِنْ رُؤيَةِ الضَّرِعِ. وَفِيمَا يُطعَمُ لَا بُدَّ مِنْ الذَّوقِ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ المُعَرِّفُ لِلمَقْصُودِ.
وعند محمد: يكفي رؤية الوجه؛ اعتبارا بالعبد والأمة. وعند الشافعي: لا بد من رؤية الوجه والكفل والقوائم.
ويجب رفع السرج والإكاف والجل. وعن بعض أصحابه: أنه لا بد من أن يجري الفرس بين يديه ليعرف سيره. كذا في شرح الوجيز (١).
(لا بد من الجس)؛ ليظهر أثر الهزال والسمن.
وفي الصحاح: جسه بيده واجتسه مسه (٢). وبالفارسية (ما ليدن دست بو بست كوفسندشاه).
القنية: هي التي تحبس في البيت لأجل النتاج.
وفي المغرب: قَنَوْتُ المال جمعته قنوا وقنوة، واقتنيته: اتخذته لنفسي قنية، أي: أخذ المال للنسل لا للتجارة (٣).
وفي الصحاح: قنوت الغنم وغيرها قِنْوَةً وقُنْوَةً، وقَنَيْتُ أيضاً قِنْيَةً وقُنْيَةً إذا اقتنيتها لنفسك لا للتجارة (٤).
وفي الذخيرة: لا بد من النظر إلى ضرعها وسائر جسدها.
(لأن ذلك)؛ أي: الذوق (هو المعرف للمقصود) ولا خلاف فيه.
وفي المجتبى: في المحيط: عن أبي حنيفة: في البرذون أو الحمار أو البغل يكفي أن يرى شيئًا منه، إلا الحافر والذنب والناصية، وفيما يطعم لا بد من الذوق، وفي البساط لا بد من رؤية جميعه، وما كان له وجهان من الثياب وغيره يشترط رؤية كلا الوجهين.
ولو نظر إلى ظهور الكاعب؛ لا يبطل خياره، ولو نظر إلى وجهها دون الصرم؛ يبطل.
стр. 4521
قَالَ: (وَإِنْ رَأَى صَحْنَ الدَّارِ فَلَا خِيَارَ لَهُ وَإِنْ لَم يُشَاهِد بُيُوتَهَا) وَكَذَلِكَ إِذَا رَأَى خَارِجَ الدَّارِ أَوْ رَأَى أَشجَارَ البُسْتَانِ مِنْ خَارِجِ. وَعِنْدَ زُفَرَ: لَا بُدَّ مِنْ دُخُولِ دَاخِلِ البُيُوتِ (*)، وَالأَصَحُ: أَنَّ جَوَابَ الكِتَابِ عَلَى وِفَاقِ عَادَتِهِم فِي الْأَبْنِيَةِ، فَإِنَّ دُورَهُم لَم تَكُنْ مُتَفَاوِتَة يَومَئِذٍ، فَأَمَّا اليَومُ فَلَا بُدَّ مِنْ الدُّخُولِ فِي دَاخِلِ الدَّارِ لِلتَّفَاوُتِ، وَالنَّظَرُ إِلَى الظَّاهِرِ لَا يُوقِعُ العِلمَ بِالدَّاخِلِ.
قلت: وينبغي أن يشترط رؤية الصرام في زماننا؛ لتفاوته وكونه مقصودا.
وفي الجبة لو رأى باطنها؛ لم يبطل خياره وإن كان على البطانة فرو، إلا إذا كانت الظهيرة حقيرة غير مقصودة. وفي الوسادة المحشوة لو رأى ظاهرها، فإن كانت محشوا مما يحشى مثلها؛ يبطل خياره، وإن كانت مما لا يحشى مثلها؛ فله الخيار.
ولو اشترى رحى بآلاتها لا بد من رؤية كلها، وكذا السرج بأداته ولبده لا بد من رؤية الكل.
قوله: (وعند زفر: لا بد من دخول داخل البيت): وعند الشافعي: لا بد مع ذلك من رؤية السقوف والسطوح والجدران خارجًا وداخلاً، ورؤية المُستَحَمّ والبالوعة، وبه قال الحسن بن زياد.
والمراد بالكتاب: القدوري.
(عادتهم)؛ أي: عادة أهل الكوفة أو أهل بغداد في زمن أبي حنيفة، فأما اليوم الذي في ديارنا لا بد من الدخول كما قال زفر؛ لتفاوت حال الدار بقلة المرافق وكثرتها، وذلك لا يصير معلوما بالنظر إلى صحتها، وهو الصحيح اليوم.
وجه الظاهر: أن النظر إلى جميع أجزائها متعذر؛ فإنه لا يمكن النظر إلى ما تحت السرر وإلى ما بين الحيطان من الجذوع والأسطوانات، وإذا تعذر رؤية الكل؛ أقمنا رؤية جزء مقصود منها مقام رؤية الجميع تيسيرا. كذا في المبسوط (١). وبه يعلم جواب قول الشافعي.
стр. 4522
قَالَ: (وَنَظَرُ الوَكِيلِ كَنَظَرِ المُشتَرِي حَتَّى لَا يَرُدَّهُ إِلَّا مِنْ عَيبٍ، وَلَا يَكُونُ نَظَرُ
وفي المحيط، والذخيرة: بعض مشايخنا قال: في الدور يعتبر رؤية ما هو المقصود، حتى كان في الدار بيتان شتويان وبيتان صيفيان، وبيت طابق؛ يشترط رؤية الكل، كما يشترط رؤية صحن الدار، ولا يشترط رؤية المطبخ والمزبلة والعلو، إلا في بلد يكون العلو مقصودا، كما في سمرقند.
وبعضهم شرط رؤية الكل، وهو الأظهر والأشبه كما قال الشافعي.
وفي البستان يسقط الخيار برؤية خارجه أو رؤوس أشجاره في ظاهر الرواية، وأنكر بعض المشايخ هذه الرواية وقال: بأن المقصود من البستان باطنه، فلا يبطل برؤية خارجه أو رؤوس أشجاره في ظاهر الرواية. كذا في شرح المجمع.
وفي جامع قاضي خان: في الكرم لا يكتفى برؤية الخارج ورؤوس الأشجار.
وفي المحيط: هذا عندهم، أما في بلادنا لا بد من رؤية ظاهر الكرم [وداخله، وفي عنب الكرم] (١) لا بد أن يرى من كل نوع شيئًا، وفي النخل كذلك، وفي الرمان من الحلو والحامض.
وعند الشافعي: في البستان لا بد من رؤية الأشجار والجدران ومسائل الماء، لا رؤية أساس البستان وعروق الأشجار ونحوها. وفي رؤية طريق الدار ومجرى الماء الذي يدور به الرحاء طريقان. كذا في شرح الوجيز (٢).
اشترى دهنا في زجاج، فنظر إلى الزجاج؛ لا يكفي ذلك حتى يصبه في كفه عند أبي حنيفة، وبه قال أصحاب الشافعي؛ لأنه لم ير الدهن حقيقة لوجود الحائل. وعن محمد: أنه يكفي؛ لأن الزجاج لا يخفي صورة الدهن. وروى هشام أن قول محمد موافق لقول أبي حنيفة.
قوله: (ونظر الوكيل) إلى آخره: يعني: نظره مكشوفًا.
وقيل: الفرق بين الرسول والوكيل؛ أن الوكيل لا يضيف العقد إلى موكله، بل يعقد بالاستبداد، والرسول لا يستغني عن الإضافة إلى المرسل، وإليه
стр. 4523
الرَّسُولُ كَنَظَرِ المُشتَرِي، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: هُمَا سَوَاءٌ، وَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ) (*) قَالَ: مَعْنَاهُ الوَكِيلُ بِالقَبْضِ، فَأَمَّا الوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ: فَرُؤيَتُهُ تُسْقِطُ الخِيَارَ بِالإِجْمَاعِ، لَهُمَا: أَنَّهُ تَوَكَّلَ بِالقَبْضِ دُونَ إِسْقَاطِ الخِيَارِ فَلَا يَمْلِكُ مَا لَم يَتَوَكَّل بِهِ وَصَارَ كَخِيَارِ العَيبِ وَالشَّرطِ وَالإِسْقَاطِ قَصدًا. وَلَهُ: أَنَّ القَبْضَ نَوعَانِ: تَامٌ وَهُوَ أَنْ يَقْبِضَهُ وَهُوَ يَرَاهُ. وَنَاقِصُ: وَهُوَ أَنْ يَقبِضَهُ مَستُورًا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ تَمَامَهُ بِتَمَامِ الصَّفَقَةِ، وَلَا تَتِمُّ مَعَ بَقَاءِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ
الإشارة في قوله ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ١٠٧] ﴿قُلْ لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلِ﴾ [الأنعام: ٦٦] نفى الوكالة وأثبت الرسالة.
وفي الفوائد: صورة التوكيل: أن يقول المشتري لغيره: كن وكيلا عني في قبض المبيع، أو وكلتك بقبضه. وصورة الرسول: أن يقول: كن رسولاً عني في قبضه، أو أمرتك بقبضه، أو قال: قل لفلان أن يدفع المبيع إليك.
وقيل: لا فرق بين الرسول والوكيل في قبض الأمر بأن قال: اقبض المبيع، فلا يسقط الخيار، وإنما قال: الوكيل بالشراء لا يسقط الخيار بالإجماع، وبه قال أصحاب الشافعي. ذكر في تتمتهم.
(لهما: [أنه]) (١) أي: الوكيل بالقبض (توكل) أي: قبل الوكالة فيما إذا (قبضه مستورًا) يعني: الوكيل بالقبض، [فيصير مستورا ثم رآه بعد القبض] (٢) وأسقط الخيار قصدًا؛ لا يسقط بالإجماع.
(هو أن يقبضه)؛ أي: الوكيل (وهو)؛ أي: الوكيل (يراه). (لأن تمامه)؛ أي: تمام القبض بتمام الصفقة، وتمام الصفقة بتمام الرضا.
(ولا تتم)؛ أي: الصفقة مع بقاء خيار الرؤية؛ لأن الرضا لا يتم معه، فيصير القبض بسقوط الخيار، بحيث لا يرد عليه النقص فيكون تاما. ولأن تفريق الصفقة بعد هذا القبض جائز، بأن يشتري شيئان وقبضهما وهو يراهما، ثم وجد بأحدهما عيبًا، فلو رده خاصة يجوز، ولا يلزم تفريق الصفقة، بخلاف ما إذا
стр. 4524
وَالمُوَكَّلُ مَلَكَهُ بِنَوعَيهِ، فَكَذَا الوَكِيلُ. وَمَتَى قَبَضَ المُوَكِّلُ وَهُوَ يَرَاهُ سَقَطَ الخِيَارُ فَكَذَا الوَكِيلُ لِإِطْلَاقِ التَّوكِيلِ.
قبضهما مستورين ثم وجد بأحدهما عيبًا لا يرد خاصة، بل يردهما لو أراد كما قبل القبض.
فإن قيل: هذا الوكيل لم يقم مقام الموكل في المسألتين، إحداهما: أن الوكيل لو رأى قبل القبض لم يسقط به خيار الرؤية، ولو قام مقامه لسقط كالموكل. والمسألة في الأسرار.
والثانية: أن الموكل إذا قبضه مستورًا ثم رآه بعد القبض، وأسقط الخيار قصدا؛ يبطل الخيار، ولو فعل ذلك الوكيل لا يسقط، فينبغي ألا يقوم مقامه في النظر عند القبض.
قلنا: فيما نحن فيه وهو إن قبضه الوكيل وهو يراه إنما يبطل خياره ضمنا لإتمام قبضه؛ لما ذكرنا أن ببقاء الخيار لا يتم القبض، فمن ضرورة إتمام قبضه سقوط الخيار، وكذلك لم يملك إسقاطه قصدا.
وفي الأسرار: يملك الوكيل إسقاطه بمقتضى تمام العقد، فينفذ بقدره، فلم يملك قصدًا، ولهذا لا يملك الوكيل بالقبض الفسخ؛ لأنه لم يؤمر به، وكذلك الإجازة قبل القبض وإن رأى بعده؛ لأنه لم يوكل به، وإنما وكل بالقبض التام، فمن ضرورته سقوط الخيار، وكذلك لو قبضه مستورًا لم يملك إسقاط الخيار قصدًا، واكتفى بالقبض الناقص؛ لوجود صورة القبض وإن كان ناقصا، فلو أسقطناه قصدًا لكان إسقاطه مقصودًا وهو لا يملك ذلك، فيبطل تصرفه فيما لا يوكل به بخلاف الموكل؛ لأنه يملكه، وبخلاف خيار العيب؛ فإنه لا يمنعه تمام الصفقة، فلا يمنعه تمام القبض، ولهذا لا يملك الرد بالعيب بعد القبض.
يوضحه: أن خيار العيب لثبوت حق المطالبة بتسليم الجزء الفائت، وذلك للموكل فلا يملك الوكيل إسقاطه؛ لأنه فوض إليه الاستيفاء دون الإسقاط. كذا في المبسوط (١).
(والموكل يملكه)؛ أي: القبض (بنوعيه) وهما التام والناقص بالناقص منه، أي: من القبض.
стр. 4525
وَإِذَا قَبَضَهُ مَسْتُورًا انتَهَى التَّوكِيلُ بِالنَّاقِصِ مِنهُ، فَلَا يَمْلِكُ إِسْقَاطَهُ قَصدًا بَعدَ ذَلِكَ، بِخِلَافِ خِيَارِ العَيبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ تَمَامَ الصَّفَقَةِ فَيَتِمُّ القَبْضُ مَعَ بَقَائِهِ، وَخِيَارُ الشَّرطِ عَلَى هَذَا الخِلَافِ. وَلَو سُلِّمَ فَالمُوَكَّلُ لَا يَمْلِكُ التَّامَّ مِنهُ فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ
فإن قيل: ينبغي ألا ينتهي؛ لأن الموكل يملك نوعيه، فكذا الوكيل لأنه نائبه.
قلنا: يملك النوعين على سبيل البدل لا الشمول؛ لأن قوله: وكلتك بالقبض مطلق لا عام، فيتناول أحدهما لا على التعيين، فإذا اختار أحدهما لا تبقى الوكالة بعد، كما لو وكل بشراء جارية تركية أو رومية أو هندية، فبشراء أحدهما لا تبقى له ولاية شراء أخرى. إليه أشير في المبسوط والكافي.
(لأنه)؛ أي: خيار العيب لا يمنع تمام الصفقة على اعتبار السلامة؛ إذ العقد ورد على التسليم ظاهرا، ولهذا لا يملك الرد بالعيب إلا بقضاء [أو رضا] (١)، وفي خيار الرؤية الشرط ينفرد بالرد بدونهما، على أن من أصحابنا من قال: إن خيار العيب على هذا الخلاف. ذكر في الفوائد للقدوري.
فإن قيل: الوكيل بعقد الكتابة لا يملك قبض بدل الكتابة، وفي قبضه إتمام العقد الذي وكل به.
قلنا: العقد تام وإن لم يقبض المال؛ لأنه ليس لأحد من المتعاقدين فسخه إلا برضا الآخر، أو بعجز المكاتب.
قوله: (وخيار الشرط على الخلاف: ذكره القدوري، وهو رواية الهندواني.
ووجهها: أنه لما ملك القبض بنوعيه، ومن ضرورة ملكه قبض التام أن يسقط خيار الشرط بقبض الوكيل؛ لأن التام منه لا يحصل بخيار الشرط، كما لا يحصل بخيار الرؤية. إليه أشير في الذخيرة والأسرار.
(ولئن سلم): وفي الكافي: وهو الأصح التام منه)؛ أي: من القبض، يعني: لو اشترى بشرط الخيار ليتروى فيه بعد القبض لا يسقط خياره بقبض
стр. 4526
بِقَبْضِهِ؛ لِأَنَّ الاِختِيَارَ وَهُوَ المَقْصُودُ بِالخِيَارِ يَكُونُ بَعدَهُ، فَكَذَا لَا يَمْلِكُهُ وَكِيلُهُ، وَبِخِلَافِ الرَّسُولِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا، وَإِنَّمَا إِلَيْهِ تَبْلِيعُ الرِّسَالَةِ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ القَبضَ وَالتَّسْلِيمَ إِذَا كَانَ رَسُولاً فِي البَيعِ.
قَالَ: (وَبَيعُ الأَعْمَى وَشِرَاؤُهُ جَائِزٌ، وَلَهُ الخِيَارُ إِذَا اشْتَرَى) لِأَنَّهُ اشْتَرَى مَا لَم
الموكل؛ لأن شرع خيار الشرط الاختبار، وذا بالتأمل بعد القبض، وهذا المعنى يفوت ببطلان الخيار بتقدير القبض.
(لأنه)؛ أي: الرسول (شيئًا)؛ أي: شيئًا من القبض لا التام ولا الناقص؛ لأنه لم يؤمر بالقبض، وإنما أمر بأداء الرسالة إليه بالتسليم، فيملك أداء الرسالة على أكمل الوجوه؛ ألا ترى أن البائع إذا لم يسلم إليه لا يملك الرسول الخصومة معه لما قلنا. كذا في الأسرار.
(ولهذا لا يملك)؛ أي: (الرسول القبض)؛ أي: قبض الثمن إذا كان رسولا بالبيع، أو قبض المبيع إذا كان رسولا في الشراء.
وفي بعض النسخ: (التسليم) مكان (القبض) تسليم المبيع أو الثمن باعتبار الحالتين.
وصورة الرسول بالبيع: أن يقول المرسل: قل لفلان أني اشتريت مبيعك المعين، فقال فلان: بعت من فلان بكذا، فقال الرسول: اشتريت للمرسل، ولهذا يحتاج كل واحد منهما إلى إضافة الصيغة إليه، أما الوكيل بالبيع والشراء يملك القبض.
وفي المجتبى: يصح التوكيل برؤية ما اشتراه فيلزم العقد إن رضي، ويفسخ إن شاء، وبه قال الشافعي في وجه؛ لأنه من أحكام العقد، فيصح التوكيل به كما في العقد.
وقال شيخ الإسلام: لا يصح، وبه قال الشافعي في وجه؛ لأن طريق التشهي لا تدخله النيابة، كما لو أسلم على عشرة ووكل باختيار أربعة منها؛ لا يصح التوكيل بهذا، فكذا هذا.
قوله: (وبيع الأعمى وشراؤه جائز): وبه قال مالك وأحمد والشافعي في
стр. 4527
يَرَهُ وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ (ثُمَّ يَسْقُطُ خِيَارُهُ بِجَسِّهِ المَبِيعَ إِذَا كَانَ يُعْرَفُ بِالجَسِّ، وَبِشَمِّهِ إِذَا كَانَ يُعرَفُ بِالشَّمِّ، وَبِذُوقِهِ إِذَا كَانَ يُعرَفُ بِالذَّوقِ) كَمَا فِي البَصِيرِ (وَلَا يَسْقُطُ خِيَارُهُ فِي العَقَارِ حَتَّى يُوصَفَ لَهُ) لِأَنَّ الوَصفَ يُقَامُ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ … ... … ... … ... ..
قول. وفي قول: لم يجوز بيع الغائب لم يجز بيعه وشراؤه أيضًا (١)؛ لأنه قال: إذا جوزنا بيع الغائب يثبت فيه خيار الرؤية، وهاهنا لا سبيل إليه؛ إذ لا رؤية له. والثاني: أنه يجوز؛ لأنه يمكن أن يقام وصف غيره مقام رؤيته، كما تقام الإشارة مقام النطق في حق الأخرس. هذا في شرح الوجيز (٢).
وهذا الخلاف فيمن هو أعمى وقت العقد ولم يكن بصيرا، أما إن كان بصيرا فعمي بعد ذلك؛ لا خلاف في جواز بيعه، وقد قررناه من قبل في أول الباب.
ولأن الناس تعارفوا معاملة العميان من غير نكير أحد، والتعامل بلا نكير أصل في الشرع بمنزلة إجماع المسلمين. ولأنه روي عن عمر ﵁: أن حبان بن منقد كان ضريرا. رواه الدارقطني (٣)، وما منعه النبي ﵇ من البيع والشراء، ولا غيره من العميان مثل ابن عباس والعباس، وجابر وابن عمر. ولأنهم ما امتنعوا عن البيع والشراء.
ثم من أصل الشافعي: أن من لا يملك أن يشتري بنفسه لا يملك أن يأمر غيره، فإذا احتاج الأعمى إلى مأكول ولا يتمكن من الشراء بنفسه ولا الوكالة؛ مات جوعا، وفيه من القبح ما لا يخفى. كذا في المبسوط (٤).
(حتى يوصف له): وفي جامع العتابي: الوصف في العقار: إن وقف في مكان لو كان بصيرا لرآه، ثم يذكر صفة العقار.
وفي المبسوط: المقصود دفع الغبن، وذلك يحصل بذكر الوصف إذا وصفه بأبلغ ما يمكن، وإن كان بالرؤية أتمه (٥).
стр. 4528
كَمَا فِي السَّلَم ..
(كما في السلم)؛ يعني: أن الوصف يقام مقام وجود المسلم فيه، وإن كان المسلم فيه معدومًا للعجز، والعجز في حق الأعمى ألزم؛ لأن رؤية المسلم فيه ممكن، أما رؤية الأعمى غير ممكن، فيقوم الوصف مقام الرؤية في حقه بالطريق الأولى، كتحريك الشفتين.
وفي الفوائد الظهيرية: المصير إلى التشبه عند إعواز الحقيقة واجب، كإجراء موسى على المحرم الذي لا شعر له، وتحريك الشفتين للأخرس عند القراءة.
ولو وصف له ثم أبصر؛ فلا خيار له لتمام العقد به وسقوط الخيار فلا يعود، ولو اشترى ثم عمي ينتقل الخيار إلى الوصف؛ لأن النقل من الرؤية إلى الوصف للعجز وقد تحقق. كذا في الذخيرة.
وعن أبي يوسف: أنه اعتبر الوصف في غير العقار، ولم يعتبر الشم والذوق والجس؛ لما أن الوصف يقوم مقام الرؤية كما ذكرنا.
وفي المبسوط: قال بعض مشايخنا - وهم أئمة بلخ -: يمس الحيطان والأشجار، فإذا قال: رضيت سقط خياره؛ لأن الأعمى إذا كان ذكيًا يقف على مقصوده من ذلك بالمس.
وحكي أن أعمى اشترى أرضًا فقال: قودوني إليها، فقادوه، فجعل يمس الأرض حتى انتهى إلى موضع منها فقال: أموضع كدس هذا، قالوا: لا، فقال: هذه الأرض لا تصلح؛ لأنها لا تكسو نفسها فكيف تكسوني، وكان كما قال. فإذا كان الأعمى بهذه الصفة ورضي بها بعد ما مسها سقط خياره (١).
وفي شرح القدوري: وهو رواية بشر وابن سماعة في الدار.
وفي الكامل عن محمد يعتبر اللمس في الثياب والحنطة، وفي المذوق الذوق، إلا إذا كان الثمر على النخل فوصف له؛ جاز، وفي العقار والدور يوسف له، وقيل: يمس الحيطان والبنيان.
стр. 4529
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ إِذَا وَقَفَ فِي مَكَان لَو كَانَ بَصِيرًا لَرَآهُ وَقَالَ: «قَدْ رَضِيتُ»، سَقَطَ خِيَارُهُ، لِأَنَّ التَّشَبُّهَ يُقَامُ مَقَامَ الحَقِيقَةِ فِي مَوضِعِ العَجزِ، كَتَحْرِيكِ الشَّفَتَيْنِ يُقَامُ مَقَامَ القِرَاءَةِ فِي حَقِّ الأَخرَسِ فِي الصَّلَاةِ، وَإِجْرَاءُ المُوسَى مَقَامَ الحَلَقِ فِي حَقٌّ مَنْ لَا شَعرَ لَهُ فِي الحَجِّ.
وَقَالَ الحَسَنُ: يُوَكِّلُ وَكِيلًا بِقَبْضِهِ وَهُوَ يَرَاهُ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِقَولِ أَبِي حَنِيفَةَ (*)، لِأَنَّ رُؤيَةَ الوَكِيلِ كَرُؤيَةِ المُوَكِّلِ عَلَى مَا مَرَّ آنِفًا.
(وعن أبي يوسف: لو وقف في مكان لو كان بصيرًا لرآه، فقال: رضيت؛ سقط) وهذا بعيد؛ لأنه لا يستفاد به فائدة.
وفي الجملة: ما يقف به على صفة المبيع فهو المعتبر، فحينئذ لا تختلف هذه الروايات في المعنى؛ لأن الخيار ثابت للأعمى لجهله بصفات المبيع، فإذا زال ذلك بأي وجه زال؛ سقط خياره.
(وقال الحسن بن زياد: يوكل وهذا رواية عن أبي حنيفة.
(وهذا)؛ أي: قول الحسن أشبه بقول أبي حنيفة) لجعله رؤية الوكيل كرؤيته، فيستقيم على أصله، يكون تفريقًا للصفقة، وتفريق الصفقة منهي بالإجماع؛ لما روي أنه ﵇ «نهى عن تفريق الصفقة».
فإن قيل: ينبغي أن تكون في هذه الصورة، ولأنه رد أحدهما الذي لم يره؛ لقوله ﵇: «من اشترى … » (١) الحديث.
قلنا: العمل بموجب قوله: (نهى عن تفريق الصفقة) محكم في إفادة التحريم، يعني موجبه ثابت في جميع الصور (٢)، وموجب حديث خيار الرؤية لم يكن ثابتا في جميع الصور، بدليل أنه لا يملك الرد إذا تعيب أو أعتق أو دبر أحد العبدين، فكان النهي عن النهي عن تفريق الصفقة راجحًا، وهو الجواب المنقول عن العلامة شمس الأئمة الكردري.
والثاني: أن قوله: (نهى) محرم للرد، وحديث الخيار مبيح للرد، والمحرم راجح على المبيح.
стр. 4530
قَالَ: (وَمَنْ رَأَى أَحَدَ الثَّوبَينِ فَاسْتَرَاهُمَا ثُمَّ رَأَى الْآخَرَ جَازَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُمَا) لِأَنَّ رُؤيَةَ أَحَدِهِمَا لَا تَكُونُ رُؤيَةَ الْآخَرِ لِلتَّفَاوُتِ فِي الثَّيَابِ فَبَقِيَ الخِيَارُ فِيمَا لَم يَرَهُ، ثُمَّ لَا يَرُدُّهُ وَحدَهُ بَلْ يَرُدُّهُمَا كَي لَا يَكُونَ تَفْرِيقًا لِلصَّفَقَةِ قَبلَ التَّمَامِ، وَهَذَا؛
والثالث: أن قوله: (نهى) متأخر عن المبيح، وإلا يلزم تكرار الفسخ.
والرابع: أن الرد كما كان غير ممكن؛ لأن المشترى ثوبين لا أحدهما.
وفي الفوائد الظهيرية: هذا تفريق قبل تمامها فلا يجوز؛ اعتبارًا بابتداء الصفقة، فإنه أوجب البيع في شيئين لا يملك المشتري القبول في أحدهما؛ لما فيه من الإضرار بالبائع؛ لجريان العادة بين الناس بضم الرديء إلى الجيد ترويجا للرديء بالجيد.
فإن قيل: هذا المعنى موجود في خيار العيب بعد القبض، ومع ذلك يملك التفريق وإن كان فيه إضرار بالبائع.
قلنا: التفريق قبل القبض أضر لمكان التفرد والاستبداد بالرد؛ لأنه يزيد بمجرد الرد، والتفريق بعد القبض أخف إضرارا؛ لافتقار الرد بعد القبض إلى القضاء والرضا.
قوله: (بل يردهما) وبه قال الشافعي.
فإن قيل: ما الفرق بين هذا وبين مسألة الاستحقاق، فإنه لو استحق أحدهما لا يرد الباقي، وهاهنا في خيار الشرط يرد الآخر إذا رد أحدهما.
قلنا: الفرق أن في خيار الرؤية والشرط لو رد أحدهما يلزم تفريق الصفقة قبل التمام؛ لما أن الصفقة لا تتم معهما، وفي فصل الاستحقاق لم تتفرق الصفقة قبل التمام، فإن الصفقة تمت فيما كان ملك البائع، فلم يثبت في الباقي عيب الشركة، حتى لو كان المبيع عبدًا واحدًا في فصل الاستحقاق، فلو استحق بعضه كان له أن يرد الباقي أيضًا، كما في خيار الرؤية والشرط؛ لأن الشركة في الأعيان المجتمعة عيب، والمشتري لم يرض بهذا العيب، وفي فصل الاستحقاق ولاية رد الباقي لدفع ضرر يلزم المشتري، وفي خيار الرؤية والشرط لزم رد الآخر؛ لدفع ضرر يلزم البائع. إليه أشير في جامع قاضي خان.
стр. 4531
لِأَنَّ الصَّفَقَةَ لَا تَتِمُّ مَعَ خِيَارِ الرُّؤيَةِ قَبلَ القَبْضِ وَبَعدَهُ، وَلِهَذَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الرَّدِّ بِغَيْرِ قَضَاء وَلَا رِضا وَيَكُونُ فَسَخًا مِنْ الأَصل.
(وَمَنْ مَاتَ وَلَهُ خِيَارُ الرُّؤيَةِ بَطَلَ خِيَارُهُ) لِأَنَّهُ لَا يَجْرِي فِيهِ الإِرْثُ عِنْدَنَا، وَقَدْ ذَكَرنَاهُ فِي خِيَارِ الشَّرطِ (وَمَنْ رَأَى شَيْئًا ثُمَّ اسْتَرَاهُ بَعدَ مُدَّةٍ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي رَآهُ فَلَا خِيَارَ لَهُ) لِأَنَّ العِلمَ بِأَوْصَافِهِ حَاصِلٌ لَهُ بِالرُّؤْيَةِ السَّابِقَةِ، وَبِفَوَاتِهِ يَثْبُتُ الخِيَارُ، إِلَّا إِذَا كَانَ لَا يَعْلَمُهُ مَرثِيَّهُ لِعَدَمِ الرِّضَا بِهِ (وَإِنْ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا فَلَهُ الخِيَارُ) لِأَنَّ تِلكَ الرُّؤيَةَ لَم تَقَع مُعلِمَة بِأَوْصَافِهِ فَكَأَنَّهُ لَم يَرَهُ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي التَّغَيُّرِ فَالقَولُ لِلبَائِعِ، لأَنَّ التَّغَيَّرَ حَادِثٌ وَسَبَبُ اللُّزُومِ ظَاهِرُ،
(وبعده)؛ أي: بعد القبض، يعني: فيما إذا قبضه مستورا. كذا قيل، ولا حاجة إلى هذا؛ لأن خيار الرؤية يبقى إلى أن يوجد ما يبطله.
(فسخًا من الأصل) لعدم تحقق الرضا؛ لعدم العلم بصفات المعقود عليه، فلا يحتاج إلى القضاء والرضا، بخلاف خيار العيب بعد القبض؛ فإنه لا يرد إلا بالرضا أو القضاء لتمام البيع.
وعند الشافعي: في خيار العيب بعد القبض كذلك، فهو فسخ من الأصل أيضًا.
قوله: (وبفواته)؛ أي: بفوات العلم بأوصافه (يثبت له الخيار) وبه قال الشافعي في الأصح، على قول يجوز بيع الغائب.
(لا يعلمه مَرْتَيَّهُ)؛ أي: لا يعلم أنه هو الذي رآه.
وقوله: (إلا إذا كان) استثناء من قوله: (فلا خيار له).
(فالقول للبائع)؛ أي: مع يمينه، وبه قال الشافعي في وجه، فإن البيع عنده صحيح في الأصح.
وفي أظهر الوجهين عنده: القول للمشتري؛ لأن البائع يدعي عليه الاطلاع على هذه الصفة وهو ينكر، فالقول له، كما إذا ادعى الاطلاع على العيب وهو ينكر. كذا في شرح الوجيز (١).
стр. 4532
إِلَّا إِذَا بَعُدَت المُدَّةُ عَلَى مَا قَالُوا، لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لِلمُشتَرِي، بِخِلَافِ مَا إِذَا اختَلَفَا فِي الرُّؤيَةِ، لِأَنَّهَا أَمرٌ حَادِثٌ وَالمُشتَرِي يُنكِرُهُ فَيَكُونُ القَولُ قَولَهُ.
قَالَ: (وَمَنْ اشْتَرَى عِدلَ زُرِّيٌّ وَلَم يَرَهُ … ...
وفي تتمتهم: قال أصحابنا: القول للبائع؛ إذ الأصل في العقد لزومه.
وقال صاحب التفريق: القول للمشتري، وهذا يدل على أن الأظهر هو الأول، وما ذكر في المبسوط يدل أيضًا، فإنه ذكر فيه: أن القول للبائع مع يمينه؛ لأن دعواه التغيير بعد ظهور سبب لزوم العقد، وهو رؤية جزء من المعقود عليه، فصار بمنزلة دعوى العيب في المبيع (١).
وبقولنا: قال أكثر أصحاب الشافعي. وذكر بعض أصحابه: أن القول للمشتري.
وقلنا: سبب لزوم العقد وهو الرؤية السابقة، أو البيع البات الخالي عن الشروط المفسدة ظاهر، والتغير حادث فالقول لمن يتمسك بالظاهر، وما قال: إن البائع يدعي عليه الاطلاع ليس كذلك؛ لاتفاقهما على أن الاطلاع قد كان، ولكن اختلفا في التغير، والتغير حادث بعد الرؤية السابقة، فالقول لمن ينكره، والبينة لمن يدعيه.
(إلا إذا بعدت المدة على ما قالوا)؛ أي: المتأخرون، فحينئذ كان القول للمشتري؛ لأن الظاهر شهد له.
وفي المبسوط: فإن بعدت المدة، بأن رأى جارية شابة ثم اشتراها بعد عشرين سنة، وزعم البائع أنها لم تتغير؛ فالقول للمشتري (٢)، وبه يفتي الصدر الشهيد، والإمام ظهير الدين المرغيناني. كذا في الذخيرة، وبه قال الشافعي. وقوله: (بخلاف ما إذا اختلفا) متصل بقوله: (فالقول للبائع لأنها)؛ أي: الرؤية.
(القول له)؛ أي: للمشتري؛ لأنه ينكر الأمر الحادث، وبه قال الشافعي.
قوله: (ومن اشترى عدل زطي ولم يره): وفي الكافي: وقبضه ثم باع ثوبًا
стр. 4533
فَبَاعَ مِنهُ ثَوبًا أَوْ وَهَبَهُ وَسَلَّمَهُ، لَم يَرُدَّ شَيْئًا مِنهَا إِلَّا مِنْ عَيبٍ، وَكَذَلِكَ خِيَارُ الشَّرط)؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الرَّدُّ فِيمَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ، وَفِي رَدِّ مَا بَقِيَ تَفْرِيقُ الصَّفَقَةِ قَبلَ التَّمَامِ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الرُّؤيَةِ وَالشَّرطِ يَمَنَعَانِ تَمَامَهَا، بِخِلَافِ خِيَارِ العَيبِ، لِأَنَّ الصَّفَقَةَ تَتِمُّ مَعَ خِيَارِ العَيبِ بَعدَ القَبْضِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَتِمُّ قَبْلَهُ … ... …
منه، وإنما قيد بالقبض؛ لأنه لو لم يكن مقبوضا لا يصح تصرف المشتري فيه ببيع أو هبة، ولأنه لو كان قبل القبض فالخيارات سواء في عدم جواز ردّ شيء منها، فلا يصح قوله حينئذ (إلا من عيب)؛ لأنه إذا اشترى شيئين ولم يقبضهما، ثم وجد بأحدهما عيبًا؛ لا يرد المعيب خاصة، بل يردهما.
وذكر الضمير أولًا بقوله: (فباع منه) وأثبته ثانيا بقوله: (لم يرد منها شيئًا) ردا إلى لفظ العدل وإلى معناه، فإنه في معنى الثياب الزطية.
نظيره: قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤)﴾ [الأعراف: ٤].
وفي الصحاح: العدل - بالكسر - المثل، ومنه عدل المتاع. والزط: جيل من الناس (١).
وفي المغرب: جيل من الهند ينسب إليهم الثياب الزطية. وقيل: جيل من الناس بسواد العراق (٢).
(تمامها)؛ أي: تمام الصفقة؛ لما ذكرنا أن تمامها بالرضا، ولا رضا مع وجودهما، وتفريق الصفقة قبل التمام لا يجوز، كما في ابتداء الصفقة.
وقوله: (بخلاف خيار العيب) جواب عن قوله: (إلّا من عيب بعد القبض) قيد به؛ لأن قبل القبض لو وجد عيبا في ثوب منها يردهما كما ذكرنا، أما بعد القبض يرد المعيب خاصة.
(وإن كانت)؛ أي: الصفقة (لا تتم قبله)؛ أي: قبل القبض في خيار العيب أيضا كما ذكرنا.
стр. 4534
وَفِيهِ وَضعُ المَسْأَلَةِ.
فَلَو عَادَ إِلَيْهِ بِسَبَبٍ هُوَ فَسَخٌ، فَهُوَ عَلَى خِيَارِ الرُّؤْيَةِ، كَذَا ذَكَرَهُ شَمسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخسِيُّ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لَا يَعُودُ بَعدَ سُقُوطِهِ كَخِيَارِ الشَّرطِ (*)، وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ القُدُورِيُّ.
(وفيه)؛ أي: في المقبوض (وضع المسألة) وقد ذكرنا أن مع خيار العيب تتم الصفقة؛ لأنه رضي بالعقد على اختيار السلامة، والسلامة ثابتة من حيث الظاهر، ولهذا لا يرد به بعد القبض بدون القضاء أو الرضا. كذا في المبسوط (١).
وقال الشافعي: يرد بالعيب بلا قضاء ورضا بعد القبض وقبله، كما في خيار الرؤية والشرط، وقد بينا الفرق بينه وبينهما.
وفي هذه المسألة: لو وجد بأحدهما عيبًا؛ له قولان، فإن قال بجواز تفرق الصفقة؛ جاز له رد أحدهما دون الآخر، وإن قال بعدمه؛ ليس له ذلك، ولا فرق بين أن يطلع على المعيب قبل القبض أو بعده، وكذا في خيار الرؤية والشرط. كذا في تتمتهم.
(فلو عاد)؛ أي: الثوب الذي باعه (إليه)؛ أي: إلى المشتري (بسبب هو فسخ كالرد بخيار الرؤية أو الشرط، أو العيب بالقضاء أو الرجوع في الهبة (فهو)؛ أي: المشتري الأول على خياره) فجاز أن يرد الكل بخيار الرؤية؛ لارتفاع المانع من الأصل وهو تفريق الصفقة. ذكره شمس الأئمة في مبسوطه (٢).
(وعن أبي يوسف وهو رواية علي بن الجعد عنه أنه)؛ أي: خيار الرؤية (لا يعود بعد سقوطه)؛ لأن الساقط لا يعود، كخيار الشرط.
وفي فتاوى قاضي خان: وهو الصحيح (٣).
وفي المبسوط: باعه على أنه بالخيار، فإن كان بعد الرؤية فهو دليل الرضا
стр. 4535
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منه، فيسقط خياره، وإن كان قبل الرؤية فهو على خياره؛ لأنه لم يتعذر عليه رد الكل بما أحدث من التصرف، فلو أسقط خياره؛ لأسقطناه بإيجابه البيع في الثوب، وذلك لا يكون أقوى من تصريحه بإسقاطه، وبالتصريح بإسقاطه قبل الرؤية لم يسقط خياره، فكذا إذا باعه على أنه بالخيار، ولو قطع ثوبًا منه أو لبسه حتى تغير؛ فقد تعذر عليه رد هذا الثوب كما قبضه، وليس له أن يرد ما بقي منه؛ لما فيه من تفريق الصفقة قبل التمام (١).
مسائل تتعلق بهذا الباب
اشترى شيئًا معينًا في الأرض، كالجزر والفجل، والبصل والثوم، وأصول الزعفران وما أشبه ذلك؛ يجوز، وبه قال مالك، وأحمد. وقال الشافعي: لا يجوز. وله الخيار إذا رأى جميعه، ورؤية بعضه لا يبطل الخيار بكل حال عند أبي حنيفة؛ لأن هذه الأشياء تتفاوت، ففيها الصغير والكبير، والجيد والرديء، فرؤية بعضه لا تنوب عن رؤية الباقي، كما في الثياب والعبيد.
وقال أبو يوسف ومحمد: رؤية بعضها كرؤية كلها، وجعلاها كالمكيل والموزون والعددي المتقارب؛ لأن ببعضها يستدل في العادة على الجميع.
وروى بشر عن أبي يوسف: أنه إن كان المقلوع قدر من الكيل أو الوزن؛ فحينئذ ينوب عن رؤية الباقي؛ لأنه إن كان كذلك فهو مقصود، فكان رؤيته معتبرة، وإن لم يكن له قدر لم يعتد به؛ لأنه غير مقصود، فبقي خياره بحاله، وهذا فيما إذا قلعه المشتري برضا البائع، أو قلعه البائع بنفسه، فحينئذ يكون الحكم عندهم على ما بينا، أما إذا قلعه بغير إذن البائع بطل خياره؛ لأن ذلك تعيب، وتعيب بعض المبيع يسقط الخيار.
ولو اختلفا فقال المشتري: أخاف أن أقلعه لا يصلح لي، فلا أقدر على رده، وقال البائع: أخاف أن أقلعه بغير رضا المشتري لا يقبله؛ فإنه يقال لهما: من تطوع منكما بالقلع، فإن تراضيا عليه تم الأمر، وإن لم يتراضيا فسخ القاضي
стр. 4536
بَابُ خِيَارِ العَيبِ
العقد؛ لأنه لا سبيل إلى إجبار واحد منهما على القلع؛ لتضرر كل واحد منهما بالقلع، فتعذر إمضاء البيع بينهما، فكان القاضي يقطع الخصومة بالفسخ. روي ذلك عن أبي يوسف.
وعند الشافعي في الجديد: لا يجوز بيع ما لم يرَ. وقال في القديم: يصح بشرط بيان الجنس، ولكن له الخيار إذا رأى، وهو قول مالك وأحمد وقولنا. كذا في تتمتهم.
وفي شرح الوجيز: قال العبادي: الفقاع يفتح رأسه وينظر إليه بقدر الإمكان، وفي الإحياء أطلق المسامحة به (١).
وفي المحيط: ولو باع المغيب بعد ما ثبت، ولكن لا يعلم وجوده تحت الأرض؛ لا يجوز، وبعدما علم جاز، ولو قلع البائع أو المشتري بإذنه بعضه، فكان المبيع مما يباع كيلاً ووزناً، ورضي به؛ بطل خياره عندهما، وعليه الفتوى. وعند أبي حنيفة: لا يبطل.
ولو قلع بغير إذن البائع، فإن كان المقلوع شيئاً له ثمن؛ بطل خياره، وإن كان لا ثمن له مقدار الأنموذج، فإذا رضيه المشتري كان عليه القلع، والله أعلم.
باب خيار العيب
وقد ذكرنا وجه تأخيره عن خيار الرؤية، وإضافة الخيار إلى العيب من قبيل إضافة الشيء إلى سببه.
وفي الصحاح: العيب والعيبة والعاب بمعنى واحد، يقال: عاب المتاع؛ أي: صار ذا عيب، وعبته أنا يتعدَّى ولا يتعدَّى، فهو معيب ومعيوب أيضاً على الأصل (٢).
وفي المبسوط: العيب: ما يخلو عنه أصل الفطرة السليمة (٣).
стр. 4537
(وَإِذَا اطَّلَعَ المُشتَرِي عَلَى عَيب فِي المَبِيعِ فَهُوَ بِالخِيَارِ: إِنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ) لِأَنَّ مُطلَقَ العَقدِ يَقْتَضِي وَصفَ السَّلَامَةِ، فَعِنْدَ فَوتِهِ يَتَخَيَّرُ كَي
وفي التحفة: العيوب الموجبة للرد فهو على نوعين: ما يوجب فوات جزء من المبيع أو بغيره من حيث الظاهر دون الباطن، كالعمى والعور، والشلل والزمانة، والإصبع الناقصة والسن الشاغية (١)، أو الساقطة أو السوداء أو غيرها. والثاني: ما يوجب النقصان من حيث المعنى دون الصورة، كالسعال القديم وارتفاع الحيض، والزنا في الجارية وغيرها.
قوله: (لأن مطلق العقد يقتضي السلامة)؛ لما روي أن النبي ﷺ اشترى من العداء بن خالد بن هوذة عبدًا، وكتب في صكه: «هذا ما اشترى مُحمدٌ رسولُ اللهِ مِنَ العَدّاءِ بن خالد بن هوذة عبدًا، لا داء فيه ولا غائلة ولا خبثة بيع المُسلِمِ مِنَ المُسلِمِ» (٢) ففي هذا تنصيص على أن البيع يقتضي سلامة المبيع عن العيب.
وتفسير الداء فيما رواه الحسن عن أبي حنيفة: المرض في الجوف والكبد والرئة، وفيما روي عن أبي يوسف قال: الداء: المرض، والغائلة: ما يكون من قبيل الأفعال، كالإباق والسرقة، والخبثة: هو الاستحقاق، وقيل: هي الجنون. كذا في المبسوط (٣).
وفي المغرب: الصحيح أن المشتري كان العداء، والبائع هو رسول الله ﷺ (٤).
стр. 4538
لَا يَتَضَرَّرَ بِلُزُومِ مَا لَا يَرْضَى بِهِ، (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُمْسِكَهُ وَيَأْخُذَ النُّقصَانَ)؛ لِأَنَّ الأوصَافَ لَا يُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ فِي مُجَرَّدِ العَقدِ؛
وفي فوائد الكافي: الله تعالى خلق الأشياء سليما عن هذه العوارض، فيقع العقد على ما هو الأصل؛ لأنه صار من العاقلين يأبى كل واحد أن يغبن أو يُغبن، فيقتضي أن يكون المبيع موجودًا من كل وجه، والنقصان عدم من وجه، فلا يقع العقد على الناقص.
ولأنه ﵇ مبعوث لبيان الأحكام، فكان المراد من قوله: «لا غائلة ولا خبثة» نصب الحكم لا بيان رفع الغائلة والخبثة (١)؛ لأنهما يوجدان حسا، فعلم أنهما لا يعتبران في مطلق العقد في البياعات.
قوله: (وليس له أن يمسكه ويأخذ النقصان)؛ أي: قيمته أو أرشه، وبه قال الشافعي ومالك.
وقال أحمد: أخذ الأرش؛ لأنه حقه؛ لأن الأوصاف لا يقابلها شيء من الثمن؛ لأن الثمن عين، فيكون مقابلاً بالعين دون الوصف؛ لأنه غير متقوم، فأنى يقابله غير متقوم!
ولأن الثمن لا يخلو إما أن يقابل بالوصف والأصل، وفيه تسوية بين البيع والأصل، أو بالوصف فقط، وهو ترجيح البيع على الأصل، أو بالأصل فقط وهو المرام. كذا في الكافي.
وقوله: (في مجرد العقد) احتراز عما إذا كانت الأوصاف مقصودة بالتناول، كما إذا ضرب الدابة فاعورت أو صارت معيبة، أو قطع البائع يد المبيع قبل القبض؛ فإنه يسقط نصف الثمن؛ لأنه صار مقصودًا بالتناول، أو حكمًا بأن يمتنع الرد لحق البائع بالتعيب، أو لحق الشرع بالجناية؛ فإن لها قسطا من الثمن حينئذ، وعن هذا قلنا: إن من اشترى شاة أو بقرة فحلبها وشرب لبنها، ثم علم بعيبها؛ لا يردها بالعيب بجميع الثمن.
ولكن ذكر في كتبهم: أن الشافعي قال في القديم: يثبت له الرد. وقال في الجديد: لا يثبت الرد، وهذا أقيس.
стр. 4539
وَلِأَنَّهُ لَم يَرْضَ بِزَوَالِهِ عَنْ مِلْكِهِ بِأَقَلَّ مِنْ المُسَمَّى فَيَتَضَرَّرُ بِهِ، وَدَفَعُ الضَّرَرِ عَنْ المُشتَرِي مُمكِنُ بِالرَّدِّ بِدُونِ تَضَرُّرِهِ، وَالمُرَادُ: عَيبٌ كَانَ عِنْدَ البَائِعِ وَلَم يَرَهُ المُشتَرِي عِنْدَ البَيعِ وَلَا عِنْدَ القَبْضِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ رِضًا بِهِ.
قَالَ: (وَكُلُّ مَا أَوجَبَ نُقصَانَ الثَّمَنِ فِي عَادَةِ التَّجَّارِ فَهُوَ عَيبٌ)؛ لِأَنَّ التَّضَرُّرَ بِنُقصَانِ المَالِيَّةِ، وَذَلِكَ بِانتِقَاصِ القِيمَةِ، وَالمَرْجِعُ فِي مَعرِفَتِهِ عُرفُ أَهْلِهِ.
وَالإِبَاقُ وَالبَولُ فِي الفِرَاشِ وَالسَّرِقَةُ فِي الصَّغِيرِ عَيبٌ مَا لَم يَبْلُعْ، فَإِذَا بَلَغَ
(ولأنه)؛ أي: البائع (لم يرض بزواله)؛ أي: بزوال المبيع (عن ملكه) بأقل من المسمى.
فإن قيل: يشكل هذا بما إذا باع عبدًا معيبًا فإذا هو سليم؛ لا خيار للبائع وإن كان البائع لا يرضى بثمن المبيع في السليم، فكذلك هاهنا ينبغي ألا يثبت الخيار للمشتري إذا كان المبيع معيبًا.
قلنا: البائع أنزل عالما بطول ممارسته مع المبيع، فالظاهر أنه يرضى بذلك، أما المشتري ما رأى المبيع أصلا، فلو قلنا بلزوم العقد مع العيب؛ يتضرر من غير علم حصل له فيثبت له الخيار كذا في النهاية والكافي.
(لأن التضرر بنقصان المالية)؛ لأن المقصود من المبيع الاسترباح، وذلك بالمالية، فما ينقص المالية فهو يمكن خللا في المقصود، فذلك عيب يرد به.
كذا في المبسوط (١).
وفي الذخيرة: ففي كل شيء يرجع إلى أهل تلك الصنعة، فما يعدونه عيبًا فهو عيب؛ وإن لم يوجب نقصانا في العين ولا في منافعها؛ لأن عندهم عيبًا يوجب نقص ثمنه.
نظيره: الظفر الأسود إن كان ينقص ثمنا فهو عيب كما في الأتراك، أما في الحبش فلا، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد.
قوله: (والإباق) إلى آخره هذا شروع في بيان العيوب تفصيلا، فقال: (والإباق) إلى آخره.
стр. 4540
فَلَيْسَ ذَلِكَ بِعَيبٍ حَتَّى يُعَاوِدَهُ بَعدَ البُلُوغِ وَمَعْنَاهُ: إِذَا ظَهَرَتْ عِنْدَ البَائِعِ فِي صِغَرِهِ … ثُمَّ حَدَثَتْ عِنْدَ المُشتَرِي فِي صِغَرِهِ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّهُ عَينُ ذَلِكَ،
فليس ذلك الماضي؛ أي: كل واحد من الثلاثة (يعاوده)؛ أي: عند البائع، ثم يتبعه فيعاوده في يد المشتري. كذا في الكافي ونص عليه في المحيط وشرح الطحاوي.
وفي الكفاية، وشرح قاضي خان: المعاودة في يد البائع ليس بشرط للرد، فإنه قال: هذه الأفعال من عادة الصبيان، فإذا امتنع عنها بالبلوغ لم يكن ما سبق عيبًا، ولا يرد به، فإن عاوده تبين أنه كان يفعله طبعًا لا عادة، وذلك عيب فيرد به.
وقال الشافعي: الإباق عيب أيضًا إن كان في يد البائع، وإن لم يأبق في يد المشتري، وكذا السرقة، ولم يشترط المعاودة. وأما البول في الفراش؛ فالأظهر اعتبار الاعتياد إذا كان في غير أوانه، أما في الصغر فلا. وقدره في التهذيب بما دون سبع سنين. كذا في شرح الوجيز (١).
وهو ظاهر قول مالك وأحمد، وعندنا الكل عيب عند اتحاد الحالتين في المعاودة، سواء كان ذلك قبل البلوغ أو بعده.
(ومعناه)؛ أي: معنى قوله: (فإذا بلغ) إلى آخره.
(لأنه)؛ أي: كل واحد من الثلاثة (عين ذلك)؛ لأن شرط استحقاق الرد وجوب العيب الواحد عند البائع والمشتري، فأما الذي في يد البائع؛ فلا يوجب الرد للمشتري بعيب حدث في يده، واتحاد الحال دليل اتحاد السبب، واختلاف [الحال] (٢) دليل اختلافه، واختلاف الأسباب دليل اختلاف المسببات إلا في الباطن، أي: الآفة في الآلة الماسكة لجلب الفعل (٣).
وفي المبسوط: الإباق في الصغر سببه سوء الأدب وحب اللعب، وبعد البلوغ سببه التمرد وقلة المبالاة بالمولى، والسرقة قبل البلوغ لقلة التأمل في
стр. 4541
وَإِنْ حَدَثَتْ بَعدَ بُلُوغِهِ لَم يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُهُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ سَبَبَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يَخْتَلِفُ بِالصِّغَرِ وَالكِبَرِ، فَالبَولُ فِي الفِرَاشِ فِي الصِّغَرِ لِضَعفِ المَثَانَةِ، وَبَعدَ الكِبَرِ لِدَاء فِي بَاطِنِهِ، وَالإِبَاقُ فِي الصِّغَرِ لِحُبِّ اللَّعِبِ، وَالسَّرِقَةُ لِقِلَّةِ المُبَالَاةِ، وَهُمَا بَعْدَ الكِبَرِ لِخُبثِ فِي البَاطِنِ، وَالمُرَادُ مِنْ الصَّغِيرِ مَنْ يَعْقِلُ، فَأَمَّا الَّذِي لَا يَعْقِلُ فَهُوَ ضَالٌ لَا ابِقٌ فَلَا يَتَحَقَّقُ عَيْبًا.
عواقب الأمور، وبعد البلوغ سببها التمرد، ولهذا يجب على البالغ ما لا يجب على الصبي. والمراد من الصغير من يعقل (١).
وفي الإيضاح: السرقة والبول في الفراش قبل أن يأكل وحده ويشرب وحده ليس بعيب؛ لأنه لا يعقل ما يفعل، وبعد ذلك عيب ما دام صغيرا، وكذا الإباق، وكذا روى أبو يوسف في الأمالي عن أبي حنيفة، وفي بعض المواضع: ويستنجي وحده. ذكره في جامع المحبوبي.
وفي الذخيرة: السرقة إن كانت أقل من عشرة عيب؛ لأنها إنما كانت عيبًا لأن الإنسان لا يأمن السارق على مال نفسه، وفي ذلك العشرة وما دونها سواء.
وقيل: ما دون الدرهم وهو فلس أو فلسين ليس بعيب، ولا يختلف الحال بين أن تكون السرقة من المولى أو غيره، إلا في المأكولات فإنها لا تعدّ عيبا من المولى، ومن غيره تعدّ عيبًا.
وسرقة ما يؤكل لأجل البيع من المولى وغيره عيب، ولو نقب البيت ولم يختلس شيئًا فهو عيب، وإباق ما دون السفر عيب باتفاق المشايخ كإباق مدة السفر، لكن تكلموا في أنه هل يشترط الخروج من البلد؟
فقيل: شرط، حتى لو أبق من محلة إلى محلة لا يكون عيبا، ومن القرية إلى المصر إباق، وكذا على العكس، والبول في الفراش إنما يكون عيبًا إذا كان صغيرا ابن خمس سنين.
وفي نوادر بشر عن أبي يوسف: الإباق من الغاصب إلى المولى ليس بعيب، ولو أبق من الغاصب ولم يرجع إلى المولى ولا إلى الغاصب، فإن كان
стр. 4542
قَالَ: (وَالجُنُونُ فِي الصَّغَرِ عَيبٌ أَبَدًا) وَمَعْنَاهُ: إِذَا جُنَّ فِي الصِّغَرِ فِي يَدِ البَائِعِ
يعرف منزل مولاه ويقوى على الرجوع إليه فهو عيب، وإن لم يعرف أو لا يقدر لا.
وفي الفوائد الظهيرية: وهاهنا مسألة عجيبة؛ وهي أن من اشترى عبدًا صغيرا فوجده يبول في الفراش كان له الرد، ولو تعيب بعيب آخر ولم يتمكن من الرد؛ كان له أن ير- يرجع بنقصان العيب، فإذا رجع بالنقصان ثم كبر العبد، هل للبائع أن يسترد ما أعطى للنقصان لزوال ذلك العيب بالبلوغ؟
لا رواية لهذه المسألة، ثم قال: كان والدي يقول: ينبغي أن يسترد استدلالاً بمسألتين: إحداهما: أن الرجل إذا اشترى جارية فوجدها ذات زوج؛ له ردها، ولو تعيب بعيب آخر رجع بالنقصان فإذا رجع به ثم أبانها الزوج؛ كان للبائع أن يسترد النقصان لزوال ذلك العيب، فكذا الذي نحن فيه.
والثانية: ما إذا اشترى عبدًا فوجده مريضًا كان له الرد، ولو تعيب بعيب آخر يرجع بالنقصان، فإذا رجع ثم برأ من مرضه، هل للبائع أن يسترد النقصان؟ إن كان برأ بالمداواة فينبغي أن يسترد.
قوله: (والجنون في الصغر عيب أبدًا): وفي المبسوط: إذا وجده مرة فهو عيب لازم أبدا، سواء وجد في حالة الصغر أو بعد البلوغ (١)، يعني به وجد في يد البائع في حالة الصغر أو الكبر، فلا يشترط المعاودة في يد المشتري.
والفرق بينه وبين الإباق والبول في الفراش والسرقة: أن هذه الأشياء تختلف باعتبار الحالتين، أما الجنون فلا يختلف بالصغر والكبر؛ لأنه آفة في العقل باعتبار آفة متمكنة في الدماغ، فيكون عيبًا. وقيل: معدن العقل القلب، وشعاعه إلى الدماغ، فيكون عيبًا.
وقيل: الجنون انقطاع ذلك الشعاع بيبس الدماغ؛ استدلالًا بما ذكره محمد بقوله: (والجنون في الصغر عيب أبدًا) ولم يرد به أن عين الجنون لا يزول، بل أراد أن سببه وهو الفساد المتمكن، فيكون عيبا أبدًا.
стр. 4543
ثُمَّ عَاوَدَهُ فِي يَدِ المُشتَرِي فِيهِ أَوْ فِي الكِبَرِ يَرُدُّهُ؛ لِأَنَّهُ عَينُ الْأَوَّلِ، إذ السَّبَبُ فِي الحَالَينِ مُتَّحِدٌ وَهُوَ فَسَادُ البَاطِنِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ المُعَاوَدَةَ فِي يَدِ المُشتَرِي؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى إِزَالَتِهِ وَإِنْ كَانَ قَلَّمَا يَزُولُ فَلَا بُدَّ مِنْ المُعَاوَدَةِ للرد.
قَالَ: (وَالبَخَرُ وَالدَّفَرُ عَيبٌ فِي الجَارِيَةِ)؛ لِأَنَّ المَقْصُودَ قَدْ يَكُونُ الاسْتِفْرَاشَ
وإليه أشار النبي ﵇ بقوله: «مَنْ جُنَّ ساعةً لمْ يَفِقْ أبدًا»، وإليه مال الحلواني وشيخ الإسلام خواهر زاده، وهو رواية المنتقى، وقول بعض مشايخنا، وظاهر مذهب الشافعي ومالك وأحمد.
وقال بعض مشايخنا: ليس [له] (١) الرد بجنون كان عند البائع، حتى يعاوده في يد المشتري؛ لأن سببه آفة تحل بالدماغ، وهذا مما يمكن أن يزول وإن بقي له أثر، ولكن ما بقي من الأثر بعد زواله ظاهر لا يعدُّ عيبًا؛ لأنه لا يُفَوِّت شيئًا من المنفعة، فلا يكون له حق الرد ما لم يعاود في يد المشتري وإن بقي سببه.
وفي الكافي: الجمهور أن المعاودة شرط، وهو الصحيح، وهو المذكور في الأصل والجامع الكبير، وبه أخذ الإسبيجابي؛ لأن الله تعالى قادر على إزالة تلك الآفة كسائر العلل، فلم يكن من ضرورة وجودها يوما وجودها دائما.
(وليس معناه)؛ أي معنى قول محمد (أبدًا) في المبسوط، ثم تأويل ما ذكر محمد أن الجنون عيب لازم يعني: إذا وجد في يد البائع مرة، ثم وجد في يد المشتري مرة، فإن الثاني عين الأول وإن اختلفت الحالة، بخلاف البول في الفراش، والإباق والسرقة.
وفي المحيط: تكلموا في مقدار الجنون، قيل: ساعة عيب، وقيل: أكثر من يوم وليلة، وقيل: المطبق دون غيره.
قال الإسبيجابي: ظاهر الجواب أنه لا يشترط المعاودة في يد المشتري، وقيل: يشترط، ولا خلاف بين المشايخ كذا في عامة الروايات.
قوله: (والبخر والدفر) مصدر دفر إذا خبث رائحته، أما الذفر بالذال
стр. 4544
وَطَلَبَ الوَلَدِ وَهُمَا يُخِلَّانِ بِهِ، وَلَيْسَ بِعَيبٍ فِي الغُلَامِ؛ لِأَنَّ المَقصُودَ الاستخدام وَلَا يُخِلَّانِ بِهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ دَاءٍ؛ لِأَنَّ الدَّاءَ عَيبٌ (وَالزِّنَا وَوَلَدُ الزِّنَا عَيبٌ فِي الجَارِيَةِ دُونَ الغُلَامِ)؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالمَقصُودِ فِي الجَارِيَةِ وَهُوَ الِاسْتِفْرَاسُ وَطَلَبُ الوَلَدِ، وَلَا يُخِلُّ بِالمَقصُودِ فِي الغُلَامِ … .
المعجمة فبالتحريك لا غير؛ وهو حدة الرائحة أينما كانت، ومنه المسك الأدفر، وهو مراد الفقهاء عن قولهم: والدفر عيب، وهكذا الرواية والسماع بالدال غير المعجمة.
وفي المبسوط: البخر نتن رائحة الفم (١)، وهكذا في الصحاح (٢)، والذفر رائحة مؤذية تحت الإبط والبجر بالجيم عيب؛ وهو انتفاخ تحت السرة، وبه سمي بعض الناس أبجر، وهكذا يكون لداء في البدن، ويعده التجار عيبًا. وكذا الأدر؛ وهو عظم الخصيتين، والأدن عيب؛ وهو الذي يسيل الماء من منخريه.
وعند الشافعي: البخر والدفر عيبان في الغلام أيضًا، والمراد من البخر الذي هو عيب؛ هو الناشيء عن تغير المعدة دون ما يكون لقلح في الأسنان، فإن ذلك يزول بتنظيف. كذا في شرح الوجيز (٣).
وفيه وفي تتمتهم: الصنان وهو الذفر، إن كان من عرق واجتماع وسخ، أو حركة عنيفة ليس بعيب، وإن كان دائما لا من اجتماع الوسخ والعرق؛ فحكمه حكم البخر، فيكون عيبًا فيهما.
(ولا يخلان)؛ أي: البخر والذفر (به)؛ أي بالاستخدام، إلا أن يكون فاحشا لا يكون في الناس مثله؛ لأن ذا يدل على داء في البدن، والداء نفسه عيب. كذا في المبسوط (٤).
قوله: (وطلب الولد)؛ يعني كون الجارية ولد الزنا يخل بمقصود المولى وهو الاستيلاد، فإن الولد يُعيّر بأمه إذا كانت ولد الزنا.
стр. 4545
وَهُوَ الِاسْتِحْدَامُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الزِّنَا عَادَة لَهُ عَلَى مَا قَالُوا؛ لِأَنَّ اتَّبَاعَهُنَّ يُخِلُّ بالخدمة.
(وهو الاستخدام)؛ لأن استخدام الغلام عادة يكون في أمور خارج البيت، وزناه وكونه ولد الزنا لا يخل به.
(على ما قالوا)؛ أي: المشايخ؛ لأن ابتياعهن يخل بالخدمة؛ لأن سيده كلما وجهه في حاجة يذهب إلى متابعة هواه، وكان كالسرقة؛ فإنها تخل بالاستخدام كما ذكرنا.
وقال قاضي خان: لو كان الزنا مرارًا منه يكون عيبا؛ لأن بذلك يعجز عن بعض الأعمال ويضعفه، وترادف الحدود يوجب نقصانا في عينه.
وقال الشافعي: نفس الزنا عيب فيهما؛ كالسرقة أو فوقه، ولهذا كل منهما في الجارية عيب فكذا في الغلام، وقد ذكرنا الفرق.
وفي المحيط: والزنا عند البائع عيب وإن لم يزن عند المشتري، ولو كان أبوها أو جدها لغير رشدة فهو عيب. وعن محمد: ذلك في الجواري التي يتخذن أمهات الأولاد، وفي غيرهن يعتبر عادة النخاسين.
وفي المحيط: كثرة الأكل في الجواري عيب خلافا للشافعي.
وفي المبسوط: كون العبد ولد الزنا لا يخل بالمقصود وهو الاستخدام، فإن أكثر المماليك بهذه الصفة لا تعرف أنسابهم، فأما الجارية إذا كانت ولد الزنا فيعتبر، وكذا المولى منها بأمة فيكون عيبًا، وعلى هذا إذا لم يكن الغلام مجنونًا أو الجارية مخفوضة، ففي الجلب من دار الحرب لا يكون عيبًا؛ لأنهم لا يفعلون ذلك (١)، وبه قال الشافعي.
وفي المولد لا يكون عيبًا أيضًا في الصغير، وبه قال الشافعي، ويكون عيبًا بعد البلوغ؛ لأن المولد في دار الإسلام لا يترك كذلك حتى يبلغ، والتجار يعدون ذلك عيبا في المولد، وبه قال الشافعي، أما في الجارية الغير المخفوضة لا خيار له أصلا عنده.
стр. 4546
قَالَ: (وَالكُفْرُ عَيبٌ فِيهِمَا)؛ لِأَنَّ طَبعَ المُسلِمِ يَنفِرُ عَنْ صُحبَتِهِ؛ وَلِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ صَرِفُهُ فِي بَعْضِ الكَفَّارَاتِ فَتَحْتَلُّ الرَّعْبَةُ، فَلَو اشْتَرَاهُ عَلَى أَنَّهُ كَافِرٌ فَوَجَدَهُ مُسْلِمًا لَا يَرُدُّهُ؛ لِأَنَّهُ زَوَالُ العَيبِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيّ: يَرُدُّهُ؛ لِأَنَّ الكَافِرَ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا لَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ المُسلِمُ، وَفَوَاتُ الشَّرطِ بِمَنزِلَةِ العَيبِ.
قوله: (والكفر عيب فيهما)؛ أي: في الغلام والجارية؛ لأن طبع المسلم ينفر عن صحبته للعداوة الدينية، ولا يقدر على استخدامه في الأمور الدينية، كاتخاذ الماء للوضوء، وحمل المصحف إليه، ولا يقدر على تحريره في كفارة القتل.
وقال الشافعي: لو أطلق العقد فبيان الكفر لا خيار له؛ لأن ظاهر الحال لا يدل على الكفر والإسلام، كما لو ظن العدل فبان الفسق.
وقال أصحابه: هذا إذا كان كفرًا يقر عليه، فإن كانت الجارية مرتدة أو وثنية له الخيار، وهذا هو الاختيار. كذا في حلية المؤمن.
وفي شرح الوجيز: لو وجدها كتابية، أو وجد العبد كافرًا، أي كُفر كانَ؛ فلا رد إن كان قريبًا من بلاد الكفر، بحيث لا تقل فيه الرغبات، وإن كان في بلاد الإسلام حيث تقل الرغبات وتنتقص قيمته فله الرد (١).
(لأنه)؛ أي: الإسلام (زوال) العيب فصار كما لو اشتراه معيباً فإذا هو سليم فلا يرده، وبه قال المزني. وقال الشافعي وأحمد: يثبت له الخيار؛ لأنه وجده بخلاف شرطه، وله في هذا الشرط غرض، فربما قصد أن يستخدمه في المحقرات من الأمور، ولا يستجيز من نفسه أن يستخدم المسلم في مثله، ولأن الكافر يشتريه المسلم والكافر، والمسلم لا يشتريه إلا المسلم على أصله فتقل فيه الرغبات.
وأصحابنا قالوا: الكفر عيب فذكره في العقد لا يكون على وجه الشرط، بل على وجه التبري عن العيب فكأنه اشتراه معيبا فإذا هو سليم، فكان أزيد مما شرط، وثبوت حق الرد لدفع الضرر عن نفسه، فإذا وجده أزيد فلا حاجة إلى دفع الضرر بإثبات حق الرد. كذا في المبسوط (٢).
стр. 4547
قَالَ: (فَلَو كَانَتِ الجَارِيَةُ بَالِغَة لَا تَحِيضُ أَوْ هِيَ مُسْتَحَاضَةٌ فَهُوَ عَيبٌ)؛ لِأَنَّ ارْتِفَاعَ الدَّمِ وَاسْتِمَرَارَهُ عَلَامَةُ الدَّاءِ، وَيُعتَبَرُ فِي الارْتِفَاعِ أَقْصَى غَايَةِ البُلُوغِ، وَهُوَ سَيعَ عَشَرَةَ سَنَة فِيهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (*)، … ...
وما قال: إن الكافر يشتريه المسلم والكافر إلى آخره؛ يلزم على أصله لا على أصلنا.
وفي المحيط: والنكاح أو الدين عيب فيهما، وعند الشافعي: لو كان عليه دين، بأن اشترى شيئًا بغير إذن المولى أو استقرض؛ لا خيار له؛ لأنه يتأخر إلى ما بعد العتق، ولو كان الدين في رقبته، بأن جنى في يد البائع ولم يفده؛ له الخيار، وفي النكاح له الخيار.
قوله: (بالغة) قيد به؛ لأن عدم الحيض في الصغيرة ليس بعيب بإجماع الفقهاء، ولو كانت كبيرة قد بلغت سن الإياس فهو عيب بإجماع الفقهاء، أما لو كنت شابة ومثلها تحيض في العادة فوجدها لا تحيض له [الخيار]، وكذا في كتبهم أيضًا.
وفي الذخيرة، وفتاوى الفضلي، والتتمة: لو ادعى المشتري الانقطاع في مدة كثيرة؛ ينبغي أن يدعي بأحد الشيئين: إما بالداء أو بالحبل حتى تسمع دعواه؛ لأن الارتفاع بدونهما لا يعد عيبًا، فالمرجع إلى الحبل قول النساء، والمرجع إلى الداء قول الأطباء، ثم العيب لا يثبت في حق سماع الخصومة بقول الأطباء ما لم يتفق عدلان منهم علامة الداء.
قال شيخ الإسلام: الحيض مركب في بنات آدم، فإذا لم تحض في أوانه؛ فالظاهر أنه إنما لا تحيض لداء فيها، فكذلك الداء يكون عيبا منها لا عدم الحيض، ولهذا لا تسمع دعوى المشتري ما لم يدع الارتفاع بأحد الشيئين كما ذكرنا، وكذا الاستحاضة لداء حل في عروقها، إليه أشار النبي ﵇، حيث قال لتلك المرأة: «ذَاكِ دَمُ عِرْقٍ» (١) عند أبي عائد، أو قال: انفجر.
стр. 4548
وَيُعرَفُ ذَلِكَ بِقَولِ الأَمَةِ، فَتُرَدُّ إِذَا انضَمَّ إِلَيْهِ نُكُولُ البَائِعِ قَبْلَ القَبْضِ وَبَعدَهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
ثم سيلان الدم لو كان مستدامًا ربما يضناها ويقتلها، والتي يرتفع حيضها زمانا فهو عيب؛ لأن ذلك لا يكون إلا لداء في البدن، ومنه سوء (١) الأمراض، فإن الرطوبة إذا كانت تسيل منها في وقتها تكون صحيحة البدن، وإلا اصفر لونها، ولأنها إذا لم تحض لا تحبل، فتخل بالمقصود.
(ويعرف ذلك)؛ أي: الارتفاع (بقول الأمة) لأنه لا طريق له إلا هذا (فترد)؛ أي: الأمة إذا انضم إليه؛ أي: إلى قول الأمة (نكول البائع) يعني: يستحلف البائع مع هذا إن كان بعد القبض، وإن كان قبل القبض فيرد بلا قضاء ولا رضا، ففسخ العقد الضعيف بحجة ضعيفة. قالوا: هذا قول محمد، أما في ظاهر الرواية لا قول للأمة في ذلك.
ثم اعلم أن المشتري إذا ادعى انقطاع الحيض فالقاضي يسأله عن مدة الانقطاع، فإن ادعاه في مدة قصيرة لا تسمع دعواه، وإن ادعاه في مدة مديدة تسمع دعواه، والمديدة مقدرة بثلاثة أشهر عند أبي يوسف، وعند محمد أربعة أشهر، وعند أبي حنيفة وزفر بسنتين، فإذا عرفت المديدة فما دونها قصيرة، ثم بعد ذلك إن كان القاضي مجتهدا يقضي بما أدى إليه اجتهاده، وإن لم يكن مجتهدا يأخذ بما اتفق عليه أصحابنا وهو سنتان.
وفي الفوائد الظهيرية: لو شهد للمشتري شهود لا تقبل شهادتهم على الانقطاع، بخلاف الاستحاضة حيث تقبل عليها؛ لأنها مما يمكن الاطلاع عليها، وانقطاع الدم على وجه يعدّ عيبًا لا يمكن الاطلاع عليه.
ولو أنكر البائع الانقطاع في الحال، هل يستحلف عند أبي حنيفة؟ لا، وعندهما يستحلف.
وقوله: (هو الصحيح) احتراز عن قول أبي يوسف، فإن عنده يرد بقول الأمة قبل القبض وشهادة القابلة، وعما روي عن محمد أنه قال: إن كانت
стр. 4549
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخصومة قبل القبض يفسخ العقد بقول النساء كما بينا.
ودليل الصحيح: أن شهادتهن حجة ضعيفة، فلا يحكم ما لم يتأبد بمؤبد، وذلك نكول البائع. كذا في المبسوط (١).
وفيه، وفي الكافي: وَالنُّؤْلُولُ عيب، وكذا الخال إن فتحا بأن كانا ينقصان الثمن بأن كثرا، والصهوبة وهي حمرة في الشعر عيب إذا فحشت، بحيث تضرب إلى البياض، وكذلك الشمط وهو اختلاط البياض بالسواد في الشعر؛ لأنه في غير أوانه دليل الداء، وفي أوانه دليل الكبر.
والعشى عيب وهو ضعف في البصر، حيث لا تبصر في الليل، والسن الساقط عيب، ضرسًا كان أو غيره؛ لأنه يشينه وينقص من الثمن، وكذا السواد والظفر الأسود عيب إذا كان ينقص الثمن، والعسر عيب وهو أن يعمل بيساره ولا يستطيع أن يعمل بيمينه، إلا أن يكون أعسر يسر؛ وهو الأضبط الذي [يعمل] (٢) باليدين، وقد كان عمر ﵁ بهذه الصفة، فحينئذ هو زيادة.
والعشم عيب؛ وهو يبوسة وتشنج في الأعضاء، منه أصل العرج، والكي عيب إذا كان من داء، وإلا لا كما في الحبشة، والقروح عيب، والحرن على وجه لا يستقر ولا ينقاد للراكب عند العطف والسير عيب، وهو نوع من الجمح، والجمح عيب؛ وهو ألا يلين عند اللجام.
وخلع الرأس من العذار عيب إذا كان جِبلّته؛ لأنه يخل بالمقصود، وربما يضل بسببه، فتستوي المالية، وبَلُّ المخلاة عيب إذا كان ينقص الثمن؛ وهو أن يسيل لعاب الفرس على وجه تبتل المخلاة به إذا جعل على رأسه وفيه علفه. وقيل: أن يأخذ المخلاة فيرمي به، وهذا نوع من الجمح، والغرب عيب وهو ورم في المآقي وربما يسيل منه شيء، حتى قال محمد: إذا كان سائلا فصاحبه في حكم الطهارة كصاحب الجرح السائل.
والشتر عيب وهو انقلاب في الأجفان، وبه كان يسمى الأشتر، وهذا
стр. 4550
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يمكن ضعفا في البصر، والحول في العين عيب، والخوص عيب؛ وهو نوع من الحول، وكذا القبل، حتى إذا كان في إنسان العين يسمى قبلا، وإذا كان في الجانب الآخر فهو الخوص، والظفر عيب وهو بياض يبدو في إنسان العين، ويسمى بالفارسية (ناخته) وكل ذلك يمكن ضعفًا في البصر، وربما يمنع البصر أصلا.
والشعر في جوف العين عيب؛ لأنه يضعف البصر، والجرب في العين عيب؛ لأنه يضعف البصر، وفي غير العين عيب أيضًا، وكذا ريح السبل يضعف البصر بهما، وربما يذهب بهما البصر، والسعال القديم عيب إذا كان من داء، فأما القدر المعتاد منه لا يعد عيبًا، والعزل عيب؛ وهو أن يعزل ذنبه في أحد الجانبين.
والمشش عيب؛ وهو ورم في الدابة [لها صلابة دون صلابة] (١) العظم، والقدح عيب؛ وهو اعوجاج في مفاصل الرجل، والفجج عيب؛ وهو تباعد ما بين القدمين، والصكك عيب؛ وهو أن تصطك إحدى ركبتيه على الأخرى، والحبل في بنات آدم عيب؛ لأنه ينقص المالية، وفي البهائم ليس بعيب؛ لأنه يزيد المالية.
والقرن عيب؛ وهو عظم في المأتى يمنع الوصول إليها، والرتق عيب؛ وهو لحم في المأتى (٢)، والعقل عيب؛ وهو أن يكون المأتى منها شبه الكيس لا يتلذذ الواطئ بوطئها، فالكل يخل بالمقصود، والبرص عيب، والجذام عيب؛ وهو ريح في المثانة، وربما يهيج بالمرء فيقتله، ولا يكون ذلك إلا لداء في البطن.
والسلعة عيب؛ وهو القروح التي تكون على العنق، يسمى بالفارسية (خوك)، وقيل: السلعة في الرأس يتناثر منه شعر الرأس، ويسمى بالفارسية (فلناج)، وقيل: هو غدة تحت الجلد تبدو بين اللحم والجلد، والدحس عيب؛ وهو ورم يكون في أطراف حافر الفرس والحمار، والحنف عيب؛ وهو إقبال كل واحد من الإبهامين إلى صاحبه، وذلك ينقص من قوة المشي.
стр. 4551
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال ابن الأعرابي: الأحنف: الذي يمشي على ظهر قدميه، والصدف عيب؛ وهو التواء في أصل العنق، وقيل: هو ميل يكون في البدن في إقبال إحدى الرجلين إلى الأخرى، وقيل: في الركبة، وقيل: نوع من الحنف، والشدق عيب؛ وهو سعة مفرط في الفم، وفيه الحديث «نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عَنِ الشَّدَقِ في الكلام» وهذا مما يعده التجار عيبًا، وكل شيء ينقص الثمن في الرقيق والدواب عيب، وبه قال الشافعي.
وفي شرح الوجيز: قد ذكر الأصحاب تفصيلا في عيوب العبد والجواري والدواب، والضابط: أنه يثبت الرد بكل ما في المعقود عليه من منقص القيمة، أو نقصان يفوت به غرض صحيح، بشرط أن يكون الغالب في أمثال المبيع عدمه، وإنما شرطنا فوات غرض صحيح؛ لأنه لو بان قطع فلقة يسيرة من فخذه أو ساقه لا يثبت الرد به؛ لأنه لا يفوت به غرض صحيح، ولو قطع من أذن الشاة ما يمنع التضحية يثبت الرد، وإلا فلا.
وشرطنا أن يكون الغالب في أمثال المبيع عدمه؛ لأن الثيابة مثلا في الإماء معنى ينقص القيمة، لكن لا رد بها؛ لأنه لا يمكننا أن نقول الغالب فيهن عدم الثيابة.
وفي المجتبى: في جمع البخاري: اشترى هندية أو تركية لا تحسن لغتها، إن عده التجار عيبًا فعيب، وإن قبضها المشتري ولم يعلم أنه عيب ثم علم، إن كان هذا عيبا بينا لا يخفى على الناس كالعور؛ ليس له الرد.
وفي المحيط: اشترى غلامًا به ورم فقال البائع: حديث لإصابة ضربة، أو باعه على أنه حديث، أو قال: إن كان قديما فجوابه علي، ثم ظهر أنه قديم؛ ليس له الرد.
وعن المرغيناني: أنه باع فرسا به قرحة، فقال البائع: هي غير (١) الخيام، فاشتراه على ذلك، ثم ظهر أنه أثر الخيام؛ ليس له الرد.
стр. 4552
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولو ولدت الجارية فباعها وكتمها، لا يردها إذا لم تنقصها الولادة، وفي رواية: جعلها عيبًا مطلقًا، ولو اشتراها ولها قرحة، ولم يعلم أنها عيب ثم علم؛ فله الرد، والصحيح إن كان عيبًا بينا امتنع الرد، وإلا فلا.
ولو باع سويقا ملتوتا على أن فيه كذا من السمن، أو صابونا على أن فيه كذا من الدهن، أو قميصا على أنه اتخذ من عشرة أذرع، والمشتري ينظر إليه وظهر خلافه؛ فلا خيار له.
وفي جمع العلوم: التخنث والحمق، وكونها معيبة، وشرب الغلام وترك الصلاة، وغيرها من الذنوب عيب، وبه قال الشافعي. وقيل: التخنث إذا فحش أو يأتي بأفعال رديئة عيب، وإلا فلا.
وكل عيب يتمكن المشتري من إزالته بلا مشقة لا ينتقص به المبيع، كإحرام الجارية، ونجاسة الثوب، فلا خيار له. ولو وجد البقرة قليلة الأكل له الرد، وبه قال الشافعي، والعثور في الدواب عيب إن كان كثيرًا فاحشا، وإلا فلا، وكذا أكل العذرات.
ولو اشترى زوجي الخف وأحدهما أضيق، إن كان خارج العادة فله الرد، ولو كان الخف لا يسع في رجله وقد اشتراه للبس فله الرد، وإلا فلا. وقيل: عيب في الحالين.
اشترى حنطة ووجد فيها ترابًا معتادًا؛ لا يرد ولا يرجع بشيء، وإلا فله الرد، وليس له أن يميز التراب ويرجع بحصته، ولو خلط بها بعد التمييز، وانتقص الكيل والوزن بالتنقية امتنع الرد، وله نقصان العيب، وإلا فلا.
ولو وجد الجارية دميمة أو سوداء لم ترد، وإن كانت محترقة الوجه لا يعرف جمالها ولا قبحها فله الرد، ولو امتنع الرد يرجع بفضل ما بينهن قيمتها غير محترقة ومحترقة. ولو اشترى دارًا وليس لها مسيل، أو أرضا ليس لها شرب، أو مرتفعة لا تسقى إلا بالسكر؛ فله الرد، ولو صالح المشتري البائع عن حق الرد بالعيب على مال يجوز، وبه قال مالك والشافعي في وجه. وقال في وجه: لا يجوز، كالصلح عن خيار الشرط والرؤية.
стр. 4553
قَالَ: (وَإِذَا حَدَثَ عِنْدَ المُشتَرِيَ عَيبٌ فَاطَّلَعَ عَلَى عَيبٍ كَانَ عِنْدَ البَائِعِ فَلَهُ أَنْ يَرجِعَ بِالنُّقصَانِ وَلَا يَرُدُّ المَبِيعَ)؛ لِأَنَّ فِي الرَّدِّ إِصْرَارًا بِالبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ
قوله: (قال: وإذا حدث عند المشتري) إلى آخره سواء حدث بآفة سماوية أو بغيرها.
وفي المستصفى والأصل أن امتناع الرد إن كان بفعل مضمون من المشتري بطل حقه في الرجوع بالنقصان، كما لو باع المبيع أو قبله، ولو امتنع الرد لا بفعل من جهته أو بفعل غير مضمون؛ له حق الرجوع بالنقصان، ولا يرد المبيع، وبه قال الشافعي وأحمد في رواية.
[وقال مالك وأحمد في رواية] (١) وابن أبي ليلى: رد المبيع ورد معه نقصان العيب الحادث؛ لأن رد البدل عند تعذر رد العين كرد المبدل، فصار رادا على البائع كل المبيع، فيرجع بكل الثمن.
وقلنا: حق الرد يثبت للمشتري ليدفع الضرر عن نفسه على وجه لا يتضرر البائع، وبعدما تعيب لو رده لتضرر به بائعه؛ لأنه خرج عن ملكه سالما عن هذا العيب، ويعود معيبًا فامتنع الرد لدفع الضرر عن البائع، ولا بد من دفع الضرر عن المشتري، والضرر يرتفع عنه بثبوت حق الرجوع بحصة العيب من الثمن، فيصار إليه. كذا في المبسوط والكافي.
فإن قيل: ينبغي أن يرجح جانب المشتري في دفع الضرر عنه؛ لأن البائع دلس له العيب والمشتري صار مغرورا من جهته.
قلنا: المعصية الصادرة عنه لا تمنع عصمة المال، كما في الغاصب إذا عمل في الثوب المغصوب الخياطة، أو الصبغ بالحمرة؛ لأن الظالم لا يظلم، والضرر عن المشتري يندفع بإثبات حق الرجوع بحصة العيب من الثمن. إليه أشير في المبسوط.
ورد البدل كرد المبدل ضرورة، ولا ضرورة هاهنا؛ لأنه ربما لا يرضى البائع به.
стр. 4554
سَالِمًا، وَيَعُودُ مَعِيبًا فَامْتَنَعَ، وَلَا بُدَّ مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ فَتَعَيَّنَ الرُّجُوعُ بِالنُّقْصَانِ، إِلَّا أَنْ يَرضَى البَائِعُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِعَيبِهِ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِالضَّرَرِ.
قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى ثَوبًا فَقَطَعَهُ فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا رَجَعَ بِالعَيبِ)؛ لِأَنَّهُ امْتَنَعَ الرَّدُّ بِالقَطْعِ فَإِنَّهُ عَيبٌ حَادِثٌ (فَإِنْ قَالَ البَائِعُ: أَنَا أَقْبَلُهُ كَذَلِكَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ)؛ لِأَنَّ الامتِنَاعَ لِحَقِّهِ وَقَدْ رَضِيَ بِهِ (فَإِنْ بَاعَهُ المُشتَرِي لَم يَرجِع بِشَيْء)؛ لِأَنَّ الرَّدَّ غَيْرُ
قوله: (فتعين الرجوع): في الإيضاح: فإن قيل: الأوصاف لا يقابلها شيء من الثمن، فكيف يجعل لها حصة من الثمن حالة الوجود.
قلنا: أثبتنا لهذه الأوصاف حصة منه بالإخراج من الاستحقاق لضرورة جبر حقه، فصارت أصولاً في حق الإخراج، وجاز أن يصير الوصف أصلا بفعل يحله، كما لو صارت مقصودة بالإتلاف، حيث صارت لها حصة من الثمن، وسقطت حصتها منه، فكذا هاهنا.
وطريق معرفة النقصان: أن يقوم سليمًا من العيب القديم، ويقوم معيبا به، فإن كان تفاوت ما بين القيمتين العشر؛ يرجع بعشر الثمن، وإن كان نصف العشر؛ يرجع بنصف عشره فيحفظ ما نقصه العيب، وينسب إلى القيمة السليمة، فيرجع من الثمن على تلك النسبة.
(لأنه)؛ أي: البائع (رضي بالضرر) والمانع حقه، وقد زال ذلك برضاه، وإذا رضي ليس للمشتري أن يمسكه ويأخذ النقصان، وبه قال الشافعي.
قوله: (فقطعه): وفي الكافي: ولم يخطه.
(رجع بالعيب)؛ أي: بنقصانه، وبه قال الشافعي وأحمد في رواية، خلافًا لمالك وابن أبي ليلى وأحمد في رواية. والخلاف في هذه المسألة كالخلاف في المسألة الأولى حكمًا وتعليلًا.
(فإنه)؛ أي: القطع (عيب).
(لأن الامتناع لحقه)؛ أي: لحق البائع (وقد رضي به)؛ أي: بالثوب المبيع، فزال المانع.
(فإن باعه)؛ أي: بعد القطع (لم يرجع بشيء) علم به أو لا،
стр. 4555
مُمتَنِع بِرِضًا البَائِعِ فَيَصِيرُ هُوَ بِالبَيعِ حَابِسًا لِلمَبيعِ فَلَا يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ (فَإِنْ قَطَعَ الثَّوبَ وَخَاطَهُ أَوْ صَبَغَهُ أَحمَرَ، أَوْ لَنَّ السَّوِيقَ بِسَمنٍ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيبٍ رَجَعَ بِنُقصَانِهِ) لامتِنَاعِ الرَّدْ بِسَبَبِ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجهَ إِلَى الفَسخ في الأَصل بِدُونِهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَنفَكُ عَنهُ، وَلَا وَجهَ إِلَيْهِ مَعَهَا؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَيسَت بِمَبِيعَة فَامْتَنَعَ أَصْلًا
وبه قال الشافعي في الأصح؛ لأن الرد تعذر ببيع المشتري، فإن حجة البائع أن يقول: أقبله كذلك.
(فيصير هو)؛ أي: المشتري (حابسا المبيع بالبيع)؛ لأنه يمسك بدله، وإمساك البدل كإمساك المبدل، ولو كان المبدل في يده ليس له أن يمسكه ويرجع بالنقصان، فكذا هنا.
وفي الفوائد الظهيرية والمبسوط: الأصل في جنس هذه المسائل: أن في كل موضع يكون البيع قائما على ملك المشتري، ويمكنه الرد برضاء البائع، فإذا أخرجه عن ملكه لا يرجع بالنقصان، وفي كل موضع يكون المبيع قائما ولا يمكنه الرد، وإن رضي به البائع، فإذا أخرجه عن ملكه ير. يرجع بالنقصان؛ لامتناع الرد بسبب الزيادة لا بإمساك الباقي، فكان الحال بعد البيع كالحال قبله، وقبله له أن ير. يرجع بالنقصان على كل حال هاهنا.
(بدونها)؛ أي: بدون الزيادة، يعني: (الفسخ في الأصل)؛ أي: المبيع لا يمكن بدون الزيادة (لأنها لا تنفك عن الأصل ولا وجه إليه)؛ أي: إلى الفسخ (معها)؛ أي: مع الزيادة؛ لأن العقد لم يرد على الزيادة، فلا يرد الفسخ عليها ضرورة؛ إذ فسخ العقد رفعه، فلا يرد على ما لا يرد عليه العقد.
فإن قيل: يشكل بالزيادة المتصلة المتولدة من المبيع، كالسمن والجمال؛ فإنها لا تمنع الرد بالعيب في ظاهر الرواية.
قلنا: ثم فسخ العقد في الزيادة ممكن؛ لأن الزيادة تبع محض باعتبار التولد، والتفرغ منه والاتصال به، وحاصله: أن الزيادة نوعان: متصلة ومنفصلة، والمتصلة نوعان: متولدة منه كما ذكرنا، وهي تمنع الرد كما مر، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك.