. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال ابن الأعرابي: الأحنف: الذي يمشي على ظهر قدميه، والصدف عيب؛ وهو التواء في أصل العنق، وقيل: هو ميل يكون في البدن في إقبال إحدى الرجلين إلى الأخرى، وقيل: في الركبة، وقيل: نوع من الحنف، والشدق عيب؛ وهو سعة مفرط في الفم، وفيه الحديث «نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عَنِ الشَّدَقِ في الكلام» وهذا مما يعده التجار عيبًا، وكل شيء ينقص الثمن في الرقيق والدواب عيب، وبه قال الشافعي.
وفي شرح الوجيز: قد ذكر الأصحاب تفصيلا في عيوب العبد والجواري والدواب، والضابط: أنه يثبت الرد بكل ما في المعقود عليه من منقص القيمة، أو نقصان يفوت به غرض صحيح، بشرط أن يكون الغالب في أمثال المبيع عدمه، وإنما شرطنا فوات غرض صحيح؛ لأنه لو بان قطع فلقة يسيرة من فخذه أو ساقه لا يثبت الرد به؛ لأنه لا يفوت به غرض صحيح، ولو قطع من أذن الشاة ما يمنع التضحية يثبت الرد، وإلا فلا.
وشرطنا أن يكون الغالب في أمثال المبيع عدمه؛ لأن الثيابة مثلا في الإماء معنى ينقص القيمة، لكن لا رد بها؛ لأنه لا يمكننا أن نقول الغالب فيهن عدم الثيابة.
وفي المجتبى: في جمع البخاري: اشترى هندية أو تركية لا تحسن لغتها، إن عده التجار عيبًا فعيب، وإن قبضها المشتري ولم يعلم أنه عيب ثم علم، إن كان هذا عيبا بينا لا يخفى على الناس كالعور؛ ليس له الرد.
وفي المحيط: اشترى غلامًا به ورم فقال البائع: حديث لإصابة ضربة، أو باعه على أنه حديث، أو قال: إن كان قديما فجوابه علي، ثم ظهر أنه قديم؛ ليس له الرد.
وعن المرغيناني: أنه باع فرسا به قرحة، فقال البائع: هي غير (١) الخيام، فاشتراه على ذلك، ثم ظهر أنه أثر الخيام؛ ليس له الرد.
стр. 4552
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولو ولدت الجارية فباعها وكتمها، لا يردها إذا لم تنقصها الولادة، وفي رواية: جعلها عيبًا مطلقًا، ولو اشتراها ولها قرحة، ولم يعلم أنها عيب ثم علم؛ فله الرد، والصحيح إن كان عيبًا بينا امتنع الرد، وإلا فلا.
ولو باع سويقا ملتوتا على أن فيه كذا من السمن، أو صابونا على أن فيه كذا من الدهن، أو قميصا على أنه اتخذ من عشرة أذرع، والمشتري ينظر إليه وظهر خلافه؛ فلا خيار له.
وفي جمع العلوم: التخنث والحمق، وكونها معيبة، وشرب الغلام وترك الصلاة، وغيرها من الذنوب عيب، وبه قال الشافعي. وقيل: التخنث إذا فحش أو يأتي بأفعال رديئة عيب، وإلا فلا.
وكل عيب يتمكن المشتري من إزالته بلا مشقة لا ينتقص به المبيع، كإحرام الجارية، ونجاسة الثوب، فلا خيار له. ولو وجد البقرة قليلة الأكل له الرد، وبه قال الشافعي، والعثور في الدواب عيب إن كان كثيرًا فاحشا، وإلا فلا، وكذا أكل العذرات.
ولو اشترى زوجي الخف وأحدهما أضيق، إن كان خارج العادة فله الرد، ولو كان الخف لا يسع في رجله وقد اشتراه للبس فله الرد، وإلا فلا. وقيل: عيب في الحالين.
اشترى حنطة ووجد فيها ترابًا معتادًا؛ لا يرد ولا يرجع بشيء، وإلا فله الرد، وليس له أن يميز التراب ويرجع بحصته، ولو خلط بها بعد التمييز، وانتقص الكيل والوزن بالتنقية امتنع الرد، وله نقصان العيب، وإلا فلا.
ولو وجد الجارية دميمة أو سوداء لم ترد، وإن كانت محترقة الوجه لا يعرف جمالها ولا قبحها فله الرد، ولو امتنع الرد يرجع بفضل ما بينهن قيمتها غير محترقة ومحترقة. ولو اشترى دارًا وليس لها مسيل، أو أرضا ليس لها شرب، أو مرتفعة لا تسقى إلا بالسكر؛ فله الرد، ولو صالح المشتري البائع عن حق الرد بالعيب على مال يجوز، وبه قال مالك والشافعي في وجه. وقال في وجه: لا يجوز، كالصلح عن خيار الشرط والرؤية.
стр. 4553
قَالَ: (وَإِذَا حَدَثَ عِنْدَ المُشتَرِيَ عَيبٌ فَاطَّلَعَ عَلَى عَيبٍ كَانَ عِنْدَ البَائِعِ فَلَهُ أَنْ يَرجِعَ بِالنُّقصَانِ وَلَا يَرُدُّ المَبِيعَ)؛ لِأَنَّ فِي الرَّدِّ إِصْرَارًا بِالبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ
قوله: (قال: وإذا حدث عند المشتري) إلى آخره سواء حدث بآفة سماوية أو بغيرها.
وفي المستصفى والأصل أن امتناع الرد إن كان بفعل مضمون من المشتري بطل حقه في الرجوع بالنقصان، كما لو باع المبيع أو قبله، ولو امتنع الرد لا بفعل من جهته أو بفعل غير مضمون؛ له حق الرجوع بالنقصان، ولا يرد المبيع، وبه قال الشافعي وأحمد في رواية.
[وقال مالك وأحمد في رواية] (١) وابن أبي ليلى: رد المبيع ورد معه نقصان العيب الحادث؛ لأن رد البدل عند تعذر رد العين كرد المبدل، فصار رادا على البائع كل المبيع، فيرجع بكل الثمن.
وقلنا: حق الرد يثبت للمشتري ليدفع الضرر عن نفسه على وجه لا يتضرر البائع، وبعدما تعيب لو رده لتضرر به بائعه؛ لأنه خرج عن ملكه سالما عن هذا العيب، ويعود معيبًا فامتنع الرد لدفع الضرر عن البائع، ولا بد من دفع الضرر عن المشتري، والضرر يرتفع عنه بثبوت حق الرجوع بحصة العيب من الثمن، فيصار إليه. كذا في المبسوط والكافي.
فإن قيل: ينبغي أن يرجح جانب المشتري في دفع الضرر عنه؛ لأن البائع دلس له العيب والمشتري صار مغرورا من جهته.
قلنا: المعصية الصادرة عنه لا تمنع عصمة المال، كما في الغاصب إذا عمل في الثوب المغصوب الخياطة، أو الصبغ بالحمرة؛ لأن الظالم لا يظلم، والضرر عن المشتري يندفع بإثبات حق الرجوع بحصة العيب من الثمن. إليه أشير في المبسوط.
ورد البدل كرد المبدل ضرورة، ولا ضرورة هاهنا؛ لأنه ربما لا يرضى البائع به.
стр. 4554
سَالِمًا، وَيَعُودُ مَعِيبًا فَامْتَنَعَ، وَلَا بُدَّ مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ فَتَعَيَّنَ الرُّجُوعُ بِالنُّقْصَانِ، إِلَّا أَنْ يَرضَى البَائِعُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِعَيبِهِ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِالضَّرَرِ.
قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى ثَوبًا فَقَطَعَهُ فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا رَجَعَ بِالعَيبِ)؛ لِأَنَّهُ امْتَنَعَ الرَّدُّ بِالقَطْعِ فَإِنَّهُ عَيبٌ حَادِثٌ (فَإِنْ قَالَ البَائِعُ: أَنَا أَقْبَلُهُ كَذَلِكَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ)؛ لِأَنَّ الامتِنَاعَ لِحَقِّهِ وَقَدْ رَضِيَ بِهِ (فَإِنْ بَاعَهُ المُشتَرِي لَم يَرجِع بِشَيْء)؛ لِأَنَّ الرَّدَّ غَيْرُ
قوله: (فتعين الرجوع): في الإيضاح: فإن قيل: الأوصاف لا يقابلها شيء من الثمن، فكيف يجعل لها حصة من الثمن حالة الوجود.
قلنا: أثبتنا لهذه الأوصاف حصة منه بالإخراج من الاستحقاق لضرورة جبر حقه، فصارت أصولاً في حق الإخراج، وجاز أن يصير الوصف أصلا بفعل يحله، كما لو صارت مقصودة بالإتلاف، حيث صارت لها حصة من الثمن، وسقطت حصتها منه، فكذا هاهنا.
وطريق معرفة النقصان: أن يقوم سليمًا من العيب القديم، ويقوم معيبا به، فإن كان تفاوت ما بين القيمتين العشر؛ يرجع بعشر الثمن، وإن كان نصف العشر؛ يرجع بنصف عشره فيحفظ ما نقصه العيب، وينسب إلى القيمة السليمة، فيرجع من الثمن على تلك النسبة.
(لأنه)؛ أي: البائع (رضي بالضرر) والمانع حقه، وقد زال ذلك برضاه، وإذا رضي ليس للمشتري أن يمسكه ويأخذ النقصان، وبه قال الشافعي.
قوله: (فقطعه): وفي الكافي: ولم يخطه.
(رجع بالعيب)؛ أي: بنقصانه، وبه قال الشافعي وأحمد في رواية، خلافًا لمالك وابن أبي ليلى وأحمد في رواية. والخلاف في هذه المسألة كالخلاف في المسألة الأولى حكمًا وتعليلًا.
(فإنه)؛ أي: القطع (عيب).
(لأن الامتناع لحقه)؛ أي: لحق البائع (وقد رضي به)؛ أي: بالثوب المبيع، فزال المانع.
(فإن باعه)؛ أي: بعد القطع (لم يرجع بشيء) علم به أو لا،
стр. 4555
مُمتَنِع بِرِضًا البَائِعِ فَيَصِيرُ هُوَ بِالبَيعِ حَابِسًا لِلمَبيعِ فَلَا يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ (فَإِنْ قَطَعَ الثَّوبَ وَخَاطَهُ أَوْ صَبَغَهُ أَحمَرَ، أَوْ لَنَّ السَّوِيقَ بِسَمنٍ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيبٍ رَجَعَ بِنُقصَانِهِ) لامتِنَاعِ الرَّدْ بِسَبَبِ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجهَ إِلَى الفَسخ في الأَصل بِدُونِهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَنفَكُ عَنهُ، وَلَا وَجهَ إِلَيْهِ مَعَهَا؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَيسَت بِمَبِيعَة فَامْتَنَعَ أَصْلًا
وبه قال الشافعي في الأصح؛ لأن الرد تعذر ببيع المشتري، فإن حجة البائع أن يقول: أقبله كذلك.
(فيصير هو)؛ أي: المشتري (حابسا المبيع بالبيع)؛ لأنه يمسك بدله، وإمساك البدل كإمساك المبدل، ولو كان المبدل في يده ليس له أن يمسكه ويرجع بالنقصان، فكذا هنا.
وفي الفوائد الظهيرية والمبسوط: الأصل في جنس هذه المسائل: أن في كل موضع يكون البيع قائما على ملك المشتري، ويمكنه الرد برضاء البائع، فإذا أخرجه عن ملكه لا يرجع بالنقصان، وفي كل موضع يكون المبيع قائما ولا يمكنه الرد، وإن رضي به البائع، فإذا أخرجه عن ملكه ير. يرجع بالنقصان؛ لامتناع الرد بسبب الزيادة لا بإمساك الباقي، فكان الحال بعد البيع كالحال قبله، وقبله له أن ير. يرجع بالنقصان على كل حال هاهنا.
(بدونها)؛ أي: بدون الزيادة، يعني: (الفسخ في الأصل)؛ أي: المبيع لا يمكن بدون الزيادة (لأنها لا تنفك عن الأصل ولا وجه إليه)؛ أي: إلى الفسخ (معها)؛ أي: مع الزيادة؛ لأن العقد لم يرد على الزيادة، فلا يرد الفسخ عليها ضرورة؛ إذ فسخ العقد رفعه، فلا يرد على ما لا يرد عليه العقد.
فإن قيل: يشكل بالزيادة المتصلة المتولدة من المبيع، كالسمن والجمال؛ فإنها لا تمنع الرد بالعيب في ظاهر الرواية.
قلنا: ثم فسخ العقد في الزيادة ممكن؛ لأن الزيادة تبع محض باعتبار التولد، والتفرغ منه والاتصال به، وحاصله: أن الزيادة نوعان: متصلة ومنفصلة، والمتصلة نوعان: متولدة منه كما ذكرنا، وهي تمنع الرد كما مر، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك.
стр. 4556
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومُتّصلة غير مُتولّدة منه، كالصّبْغ والخِياطة واللَّتّ والغَرس والبناء، وهي تَمنع الرّدّ بالاتّفاق.
وعند الشّافعيّ وأحمد: لا تَمنع كالسَّمْن والجَمال.
والمنفصلة نوعان: مُتولّدة منه، كالولد واللّبن والتَّمر والأرْش والعَقْر، وهي تَمنع الرّدّ؛ لتَعَذّر الفَسخ عليها تَبَعاً؛ لانقطاع التّبعيّة بالانفصال، ويكون هو بالخيار، إن شاء ردّهما جميعاً، وإن شاء رَضي بهما بجميع الثّمن قبل القبض وبعده، وردَّ المبيع خاصّة بحصّته من الثَّمن، يُقسم الثّمن على قيمته وقت العقد، وعلى قيمة الزّيادة وقت القبض.
وغير متولّدة منه كالكسب، وهي لا تَمنع الرّدّ، بل يَفسخ العقد في الأصل دون الزّيادة، وتسلم الزّيادة للمشتري مجّاناً، وبه قال الشّافعيّ وأحمد، وكذا قالا في المتولّدة المنفصلة؛ لإمكان الفسخ على الأصل بدونها، والزّيادة للمشتري.
وقال مالك: إن كانت الزّيادة ولداً ردّه مع الأصل، وإن كانت ثمرة أمسكها وردّ الأصل، وكذا في سائر الزّوائد.
والفرق لنا بين الولد والكسب: أنّ الكسب لا يمنع الرّدّ؛ لأنّه ليس يَمتنع بحال؛ لأنّه تولّد من المنافع وهي غير الأعيان، والولد تولّد من المبيع، فيكون له حُكمه، فلا يجوز أن يسلّم له مجّاناً لما فيه من الرّبا؛ لأنّه يبقى في يده بلا عوض في عقد المعاوضة، والرّبا اسم لما يستحقّ بالمعاوضة بلا عوض يُقابله.
كذا في الفوائد الظّهيريّة، وشرح الطّحاويّ، وجامع قاضي خان، والكافي.
ولو هلكت الزّيادة بآفة سماويّة يثبُت له الرّدّ، كأنّها لم تكن، وبه قال الشّافعيّ قبل الحُكم بالأرْش.
وقيّد بقوله (صبغه أحمر) لتكون الزّيادة بالاتفاق، أمّا السّواد فعندهما زيادة، وعند أبي حنيفة نقصان كالقطع، وانتقاص المبيع في يد المشتري يمنع الرّدّ بأيّ سبب كان بالاتفاق، إلا أنّ النّقصان لو كان بفعل الأجنبيّ حتّى وجب الأرش؛ يرجع بالنّقصان، وليس للبائع أن يقبله كذلك؛ لأنّ امتناع الرّدّ هنا لحقّ
стр. 4557
(وَلَيْسَ لِلبَائِعِ أَنْ يَأخُذَهُ)؛ لِأَنَّ الاِمتِنَاعَ لِحَقِّ الشَّرِعِ لَا لِحَقِّهِ (فَإِنْ بَاعَهُ المُشتَرِي بَعدَمَا رَأَى العَيبَ رَجَعَ بِالنُّقصَانِ) لِأَنَّ الرَّدَّ مُمْتَنِعُ أَصْلًا قَبْلَهُ فَلَا يَكُونُ بِالبَيعِ حَابِسًا للمبيع.
وَعَنْ هَذَا قُلْنَا: (إِنَّ مَنْ اشْتَرَى ثَوبًا فَقَطَعَهُ لِبَاسًا لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَخَاطَهُ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيبِ لَا يَرْجِعُ بِالنُّقصَانِ، وَلَو كَانَ الوَلَدُ كَبِيرًا يَرجِعُ)؛ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ حَصَلَ فِي الأَوَّلِ قَبْلَ الخِيَاطَةِ، … ... ..
البائع، من حيث إن الرد إضرار به، ولِحَقِّ الشرع باعتبار الربا؛ لأن الرد في الأرش غير ممكن؛ لأن العقد لم يرد عليه، ورد المبيع بلا أرش متعذر أيضًا؛ لأن الأرش في يد المشتري بلا عوض في عقد المعاوضة، فيكون ربا، أما لو كان النقصان بفعل المشتري أو بآفة سماوية؛ للبائع أن يقبله كذلك لما ذكرنا.
قوله: (وليس للبائع أن يأخذه)؛ أي: المبيع (لأن الامتناع لحق الشرع لا لحقه)؛ أي: امتناع الرد لحق الشرع لا لحق البائع، وهو شبهة الربا؛ لما ذكرنا أن الزيادة تبقى في يد المشتري بلا عوض في عقد المعاوضة، فلا يرتفع المانع برضا البائع، بخلاف الفصل الأول؛ لأن القطع نقصان، ولهذا لو غصب ثوبا فقطعه لا ينقطع به حق المالك، فكان لحق البائع، وقد سقط حقه برضاه. كذا في جامع قاضي خان.
قوله: (فإن باعه)؛ أي: الثوب المصبوغ أو المخيط.
(قبله)؛ أي: قبل بيع المشتري للزيادة الحادثة فيه بفعل المشتري (فلا يكون)؛ أي: المشتري (حابسا) فيرجع بالنقصان، وقد نقلنا الأصل من الفوائد والمبسوط.
(وعن هذا)؛ أي: كون المشتري حابسا لا يرجع بالنقصان، ولو لم يكن حابسا وامتنع الرد بمعنى آخر يرجع به، قالوا مسألتين.
(في الأول)؛ وهو إذا قطعه لولده الصغير قبل الخياطة؛ لأنه بالقطع له يكون واهبا له، وقابضًا لأجله، فتتم الهبة بقطعه، فصار كما لو قطعه وباعه قبل الخياطة، فيصير حابسًا للمبيع، فلا يرجع بالنقصان، وبه قال الشافعي في الأصح.
стр. 4558
وَفِي الثَّانِيَ بَعْدَهَا بِالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ.
قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى عَبدًا فَأَعْتَقَهُ أَوْ مَاتَ عِندَهُ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيبٍ رَجَعَ بِنُقصَانِهِ) أَمَّا المَوتُ: فَلِأَنَّ المِلكَ يَنتَهِي بِهِ وَالامْتِنَاعُ حُكمِيٌّ لَا يَفْعَلُهُ، وَأَمَّا
(وفي الثاني)؛ أي: فيما إذا اشتراه لولده الكبير، فقطعه وخاطه لا تتم الهبة؛ لأنه كبير، فكانت الخياطة على ملكه، فامتنع الرد في ملكه بسبب الزيادة بالخياطة، ولم تتفاوت بعد ذلك إذا أخرجه عن ملكه بالبيع أو الهبة، أو لم يخرجه في جواز الرجوع بالنقصان، كما لو باع المشتري الثوب الذي خاطه لنفسه، أو صبغه بعد العلم بالبيع، فإن بيعه ذلك لا يمنع الرجوع به، فكذلك هاهنا.
وذكر الخياطة في الصورة الأولى وعدمه بمنزله؛ لأنه انقطع حق الرد بمجرد القطع قبل الخياطة، إلا [أنه] (١) ذكرها بمقابلة الصورة الثانية.
قوله: (والامتناع)؛ أي: امتناع الرد (حكمي)؛ أي: يثبت حكمًا للموت، كما في الخياطة والصبغ (لا بفعله)؛ أي: بفعل المشتري، كالبيع والقتل، وفيه إشارة إلى أن امتناع الرد لو كان بفعله يمنع الرجوع بالنقصان، كما لو باعه أو قتله.
فإن قيل: يشكل على هذا أن صبغه أحمر، حيث يرجع بالنقصان، ولا شك أن الصبغ بفعله.
قلنا: نعم ذلك بفعله، لكن امتناع الرد بسبب وجود الزيادة بسبب ذلك الفعل، فكان الامتناع لحق الشرع، وهو شبهة الربا، فالقياس فيه ألا يرجع، وهو قول زفر.
وفي الكافي: وهو قول الشافعي، ولكن ذكر في كتبهم أنه ير- يرجع، وبه قال أحمد، كما قلنا في الاستحسان.
وجه القياس: أن يقدر الرد بفعل المشتري، فصار كما لو قتله؛ وهذا لأنه لما اكتسب سبب تعذر الرد فيه؛ كان حابسًا له حكمًا، فكأنه في يده يحبسها ويريد الرجوع. كذا في المبسوط (٢).
стр. 4559
الإِعْتَاقُ: فَالقِيَاسُ فِيهِ أَنْ لَا يَرجِعَ؛ لِأَنَّ الاِمْتِنَاعَ بِفِعْلِهِ فَصَارَ كَالقَتلِ، وَفِي الاستحسَانِ: يَرجِعُ؛ لِأَنَّ العِتَقَ إنهَاءُ المِلكِ؛ لِأَنَّ الآدَمِيَّ مَا خُلِقَ فِي الأَصْلِ مَحَلًّا للملكِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ المِلكُ فِيهِ مُوَقَّتًا إِلَى الإِعْتَاقِ فَكَانَ إِنهَاء فَصَارَت كَالمَوتِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ يَتَقَرَّرُ بِانتِهَائِهِ، فَيُجْعَلُ كَأَنَّ المِلكَ بَاقِ وَالرَّدَّ مُتَعَذِّرُ. وَالتَّدْبِيرُ والاستيلادُ بِمَنزِلَتِهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ النَّقلُ مَعَ بَقَاءِ المَحَلِّ بِالأَمْرِ الحُكمِيِّ.
(وفي الاستحسان يرجع) وبه قال الشافعي وأحمد.
(إنهاء الملك)؛ أي: إتمامه.
وفي المبسوط: العتق منه للملك كالموت؛ لأن الملك في الآدمي إلى وقت العتق، يعني: يثبت الملك مع منافاة الدليل مغيًّا إلى وقت العتق، والشيء ينتهي بمضي مدته، والمنتهي متقرر في نفسه، ولهذا قلنا يثبت الولاء (١) بالعتق، والولاء أثر من آثار الملك، فبقاؤه مع بقاء الأصل، فمتى تعذر الرد مع بقاء الملك له المستفاد بالشراء حقيقة أو حكمًا رجع بالنقصان؛ لأنه استحق ذلك بصفة السلامة، كما لو تعيب في يده.
يوضحه: أن بالموت يرجع؛ لانتهاء مدة حياته بالموت، والملك في المبيع باعتبارها، فكذلك بالعتق ينتهي الرق والملك والمالية. كذا في المبسوط (٢).
(وهذا)؛ أي: جواز الرجوع بالنقصان عند الانتهاء (بمنزلة الإعتاق) فإنهما وإن كانا لا يزيلان الملك لكن المحل بهما يخرج من أن يكون قابلا للنقل من ملك إلى ملك، فقد تعذر الرد مع بقاء الملك المستفاد بالشراء حقيقة أو حكمًا، فيرجع بالنقصان؛ لأنه استحق المبيع بوصف السلامة، كما لو تعيب عنده. كذا في الكافي. وهذا معنى قول المصنف (لأنه تعذر النقل) إلى آخره.
وقوله: (مع بقاء المحل) احتراز عن الموت والإعتاق.
وقوله: (بالأمر الحكمي) احتراز عن القتل، ولا خلاف للشافعي أن الاستيلاد بمنزلة الإعتاق، حتى لا يمنع من الرجوع، ولكن التدبير يمنع الرجوع عنده؛ لأن بالتدبير قابل للنقل والرد عنده.
стр. 4560
(وَإِنْ أَعْتَقَهُ عَلَى مَالٍ لَم يَرجِع بِشَيْء) لِأَنَّهُ حَبَسَ بَدَلَهُ، وَحَبِسُ البَدَلِ كَحَبسِ المُبْدَلِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ظَلَلَهُ: أَنَّهُ يَرجِعُ؛ لِأَنَّهُ إِنهَاءُ لِلمِلكِ وَإِنْ كَانَ بِعِوَض. (*)
(فَإِنْ قَتَلَ المُشتَرِي العَبدَ أَوْ كَانَ طَعَامًا فَأَكَلَهُ لَم يَرجِع بِشَيْءٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَمَّا القَتَلُ فَالمَذْكُورُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يَرْجِعُ) (**) لِأَنَّ قَتَلَ المَولَى عَبْدَهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ دُنيَوي فَصَارَ كَالمَوتِ حَيْفَ أَنفِهِ فَيَكُونُ إِنهَاءً.
وَوَجهُ الظَّاهِرِ: أَنَّ القَتلَ لَا يُوجَدُ إِلَّا مَضمُونًا،
قوله: (وإن أعتقه على مال لم يرجع) وكذا لو كاتبه (لأنه)؛ أي: المشتري (حبس بدله)؛ أي: بدل المبيع، وأزال ملكه عنه بعوض، فصار كالبيع، وفي البيع لا يرجع، فكذا هاهنا.
(وعن أبي حنيفة) وهو قول أبي يوسف والشافعي وأحمد (أنه يرجع لأنه)؛ أي: العتق على مال (إنهاء للملك)؛ أي: منه للرق، سواء كان بعوض أو بغير عوض، ولهذا تثبت الولاية في الوجهين كذا في المبسوط والكافي.
ولو أبق ثم علم بالعيب؛ لم يرجع بالنقصان عند أبي حنيفة ما دام حيًّا، وبه قال الشافعي؛ لأن الرد موهوم، فلا يصار إلى خلفه وهو الرجوع؛ إذ المصير إلى الخلف عند الناس من الأصل.
وعن أبي يوسف: يرجع، وبه قال الشافعي في وجه؛ لتحقق العجز في الحال، والرد موهوم والموهوم لا يعارض الموجود.
قوله: (وعن أبي يوسف: أنه يرجع) ومحمد معه في رواية الينابيع، وبه قال الشافعي وأحمد.
(لا يتعلق به؛ أي: يقبل المولى (حكم دنيوي) من القصاص والدية وصار كالموت حتف أنفه لأن المقتول ميت بأجله فيكون إنهاء) للملك كالموت. كذا في المبسوط (١).
(وجه الظاهر)؛ أي: ظاهر الرواية (أن القتل فعل مضمون)؛
стр. 4561
وَإِنَّمَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ هَاهُنَا بِاعْتِبَارِ المِلكِ، فَيَصِيرُ كَالمُسْتَفِيدِ بِهِ عِوَضًا، بِخِلَافِ الإِعْتَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ لَا مَحَالَة كَإِعْتَاقِ المُعسِرِ عَبدًا مُشتَرَكًا، وَأَمَّا الأكلُ فَعَلَى الخِلَافِ، فَعِندَهُمَا يَرجِعُ، وَعِندَهُ لَا يَرجِعُ اسْتِحْسَانًا، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ إِذَا لَبِسَ الثَّوبَ حَتَّى تَخَرَّقَ (*)، لَهُمَا: أَنَّهُ صَنَعَ فِي المَبِيعِ مَا يُقصَدُ بِشِرَائِهِ وَيُعتَادُ فِعلُهُ
لقوله ﵇: «ليس في الإسلامِ دَمٌ مُفرَجٌ» أي: مبطل، ولهذا لو باشره في ملك غيره كان مضمونًا، وإذا استفاد البراءة عن الضمان هاهنا بملكه فيه، وذلك في معنى عوض سلم له، فكأنه باعها، بخلاف الإعتاق؛ لأنه ليس بفعل مضمون في ملك الغير على الإطلاق؛ لأن عتقه في ملك الغير لا ينفذ من أحد الشريكين، وإن نفذ فلا يتعلق به الضمان مطلقا، حتى إذا كان معسرا لم يضمن شيئًا، فكان بالإعتاق لم يستفد شيئًا عن ملكه حقيقة وحكمًا، فلا يمنع الرجوع، وهذا معنى قوله: (فيصير كالمستفيد به)؛ أي بملك العبد (عوضا) وهو سلامة نفسه على اعتبار العمد، وسلامة الدية للمولى على اعتبار الخطأ، فصار المشتري بقتله استفاد سلامة نفسه أو سلامة الدية، فصار كأنه أخذ عوضا بإزالة ملكه بالقتل، كما لو باع وأخذ الثمن. كذا في المبسوط (١).
(عندهما)؛ أي: عند أبي يوسف ومحمد (يرجع) وبه قال الشافعي وأحمد.
وفي الخلاصة: والفتوى على قولهما حتى يحرق، فعندهما يرجع، وبه قال الشافعي وأحمد.
(أنه)؛ أي: المشتري (صنع فيه ما يقصد بشرائه وهو الأكل ويعتاد فعله)؛ أي: الأكل واللبس يعتاد فيهما بين الناس. واحترز عن الاستهلاك والقتل؛ فإنه غير معتاد، فأشبه الإعتاق من حيث إنه إنهاء للملك فيه بفعل مقصود كالإعتاق.
وفي المبسوط: شراؤهما للأكل واللبس معتاد بين الناس، فلا يمنع الرجوع؛ لأنه يجعل وجود هذا الفعل وعدمه بمنزلة كما لو هلك من غير صنع
стр. 4562
فِيهِ فَأَشبَهَ الإعتاق. وَلَهُ: أَنَّهُ تَعَذَّرَ الرَّدُّ بِفِعلٍ مَضمُونٍ مِنهُ فِي المَبِيعِ فَأَشِبَهَ البَيعَ وَالقَتلَ، وَلَا مُعتَبَرَ بِكَونِهِ مَقصُودًا؛ أَلَا يَرَى أَنَّ البَيعَ مِمَّا يُقْصَدُ بِالشِّرَاءِ ثُمَّ هُوَ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، فَإِنْ أَكَلَ بَعضَ الطَّعَامِ ثُمَّ عَلِمَ بِالعَيبِ، فَكَذَا الجَوَابُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ فَصَارَ كَبَيعِ البَعْضِ، وَعِندَهُمَا: أَنَّهُ يَرْجِعُ بِنُقصَانِ العَيبِ فِي الكُلِّ، وَعَنهُمَا: أَنَّهُ يَرُدُّ مَا بَقِيَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ.
أحد؛ وهذا لأن الفعل في ملكه لا يوصف بالتعدي، فلا يكون سبب ضمان حتى يجعل كالمعاوضة، بخلاف الإحراق والاستهلاك والإحراق والقتل.
وأما قوله: (مضمونًا) فلأن اللبس والأكل موجبان للضمان عليه في ملك الغير، وإنما استفاد البراءة باعتبار ملكه في المحل، فذلك بمنزلة عوض سلم له فلا يرجع.
فإن قيل: يشكل هذا بالقطع والخياطة؛ فإنهما موجبان للضمان في ملك الغير، ويرجع مع ذلك بالنقصان.
قلنا: إنما امتنع الرد ثمة لحق الشرع لا بفعله، ولا كذلك هاهنا؛ لأنه امتنع بفعله لا لحق الشرع.
وقوله: (ولا معتبر بكونه)؛ أي: بكون الأكل واللبس، جواب عن قولهما: (إنه صنع فيه ما يقصد بشرائه) يعني: كما أن الأكل واللبس مقصود بالشراء، فالبيع مقصود به أيضًا، مع أنه يمنع الرجوع، فكذا الأكل. كذا في المبسوط (١).
(فكذا الجواب عند أبي حنيفة) يعني: لا يرد ما بقي، ولا يرجع بالنقصان بشيء واحد، ولهذا رؤية بعضه كرؤية كله، فصار كبيع بعضه فلا يرجع.
(وعنهما)؛ أي: عن أبي يوسف ومحمد روايتان رواية يرجع بالنقصان في الكل، وبه قال الشافعي وأحمد؛ لأن الطعام شيء واحد، فلا يرد بعضه دون البعض، وأكل الكل لا يمنع الرجوع، فكذا أكل البعض بل أولى. وفي رواية: يردّ ما بقي ويرجع بالنقصان فيما أكل؛ لأن الطعام مما لا يضره التبعيض، فكان قادرا على الرد كما قبضه. كذا في المبسوط (٢)، والكافي.
стр. 4563
قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى بَيْضًا أَوْ بِطيخًا أَوْ قِنَّاء أَوْ خِيَارًا أَوْ جَوزًا فَكَسَرَهُ فَوَجَدَهُ فَاسِدًا فَإِنْ لَم يَنتَفِع بِهِ رَجَعَ بِالثَّمَنِ كُلَّهُ)؛ لِأَنَّهُ لَيسَ بِمَالٍ فَكَانَ البَيعُ بَاطِلًا، وَلَا يُعتَبَرُ فِي الجَوزِ صَلَاحُ قِشْرِهِ عَلَى مَا قِيلَ، لِأَنَّ مَالِيَّتَهُ بِاعْتِبَارِ اللُّبِّ (وَإِنْ كَانَ يَنتَفِعُ بِهِ مَعَ فَسَادِهِ لَم يَرُدَّهُ)؛ لِأَنَّ الكَسَرَ عَيبٌ حَادِثٌ (وَلَكِنَّهُ يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ العَيبِ) دَفْعًا لِلضَّرَرِ بِقَدْرِ الإِمْكَانِ.
وفي شرح المجمع: قال أبو يوسف: يرد ما بقي إن رضي البائع؛ لأن استحقاق الرد في الكل دون البعض، فيتوقف على رضاه.
وقال محمد: يرد الباقي وإن لم يرض البائع؛ لما ذكرنا أن التبعيض لا يضره، ولا يرجع به فيما أكل؛ لتعذر رده، وبعد بيع البعض عنهما روايتان، في رواية: لا يرجع بشيء كما هو قول أبي حنيفة؛ لأن الطعام كشيء واحد، فبيع الكل كبيع البعض. وفي رواية: يرد ما بقي؛ لأنه لا يضره التبعيض، ولكن لا يرجع بالنقصان فيما باع اعتبارا للبعض بالكل. كذا في المبسوط (١).
وفي المجتبى: في جمع البخاري: أكل بعضه يرجع بالنقصان عيبه، ويرد ما بقي، وبه يفتى.
ولو أطعمه ابنه الكبير والصغير، أو امرأته أو مكاتبه أو ضيفه؛ لا يرجع بشيء. ولو أطعمه عبده أو مدبره، أو أم ولده يرجع؛ لأن ملكه باق.
اشترى دقيقا فخبز بعضه وظهر أنه مر؛ رد ما بقي ورجع بنقصان ما خبز، هو المختار. ولو كان سمنا ذائبًا فأكله، ثم أقر البائع أنه كان وقعت فيه فأرة؛ رجع بالنقصان عندهما، وبه يفتى.
وفي الكفاية: كل تصرف يسقط خيار الشرط يسقط خيار العيب؛ إذا وجد في ملكه بعد العلم بالعيب، ولا ردَّ ولا أرش؛ لأنه كالرضى به. قوله: (فإن لم ينتفع به)؛ أي: بالمبيع، كالقرع إذا وجده مرا، والبيضة إذا وجدها مدرة. كذا في جامع قاضي خان.
وفي المبسوط (٢): وكذا القرع والفاكهة إذا وجدها فاسدة بعد الكسر، فإن كان لا يساوي شيئًا يرجع بكل الثمن؛ لأنه تبين بطلان البيع لعدم المالية؛ إذ
стр. 4564
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَرُدُّهُ؛ لِأَنَّ الكَسَرَ …
المال ما ينتفع به في الحال، أو في ثاني الحال، فإذا كان لا ينتفع به أصلا لا يكون محلا للبيع، فيبطل البيع، وبه قال الشافعي، واختاره المزني وصاحب التهذيب، وهو الأظهر، وإن كان يأكله بعض الناس، أو يصلح لعلف الدواب يرجع بالنقصان.
وفي الذخيرة: قال الإمام الحلواني: يريد بما ذكر في الكتاب: أنه يرده ويرجع بجميع الثمن إذا وجده خاويا، أو منتن اللب، أو وجد البيض مدر، أما إذا وجده قليل اللُّب أو لم يكن مكتنزا فهو من باب العيب، وقد تعذر الرد بسبب الكسر، فيرجع بالنقصان، إلا أن يأخذه البائع مكسورًا برضاه، وهذا إذا كسره ولم يعلم بالعيب، أما لو كسره وهو عالم بالعيب؛ صار راضيا به، فيبطل حقه من كل وجه.
قالوا: ثم ما ذكر في الكتاب يستقيم في البيض؛ لأنه لا قيمة لقشره، وفي الجوز إنما يستقيم إذا لم يكن لقشره قيمة، أما لو كان له قيمة، بأن كان في موضع يعز الحطب؛ اختلف المشايخ فيه:
قيل: يرجع بحصة اللب، ويصح العقد في قشره بحصته من الثمن؛ لأن العقد في القشر صادف محله. وقيل: يرد القشر ويرجع بجميع الثمن؛ لأن مالية الجوز قبل الكسر باعتبار اللب دون القشر، فإذا كان اللب لا يصلح له لم يكن محل البيع موجودًا، فتبين أن العقد وقع باطلا، وإليه أشار الإمام السرخسي وصاحب الهداية، حيث قال: (ولا يعتبر في الجوز) إلى آخره، فكأنه احترز به عن قول من قال: يرجع بحصة اللب، والجواب في القثاء والبطيخ كالجواب في الجوز. كذا في الكافي.
(وقال الشافعي يرده)؛ أي: إذا كسر مقدار ما لا بد منه للعلم بالعيب.
وفي كتبهم فيه قولان، في قول: لا يردّه، وهو اختيار المزني، وقول أبي حنيفة.
وفي قول: له الرد. [وقال مالك وأحمد في رواية: ليس له الرد] (١) ولا
стр. 4565
بِتَسْلِيطِهِ. قُلْنَا: التَّسْلِيطُ عَلَى الكَسرِ فِي مِلكِ المُشتَرِي لَا فِي مِلْكِهِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا كَانَ ثَوبًا فَقَطَعَهُ، وَلَو وَجَدَ البَعضَ فَاسِدًا وَهُوَ قَلِيلٌ جَازَ البَيعُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ لَا
الأرش، كأنه ليس من البائع تلبيس، فإنه لا يعلم باطنه.
وقلنا: إن المشتري إنما بدل الثمن في مقابلة السليم، فلا يمكن أن يلزم جميع الثمن في مقابلة المعيب؛ لأنه إضرار به، ولو كان كسر زيادة على مقدار ما لا بد منه؛ للشافعي طريقان أظهرهما: أنه لا يجوز له الرد قولًا واحدًا، وهو قولنا؛ لأن الكسر عيب. والثاني: أنه على القولين، وعلى قول له الردّ، هل يغرم أرش الكسر؟ فيه قولان، أحدهما: يغرم. والثاني: لا يغرم؛ لأنه معذور؛ إذ البائع سلطه عليه. كذا في شرح الوجيز (١).
(بتسليطه)؛ أي: بتسليط البائع، فصار كأنه فعله ورضي به؛ وهذا لأنه لا يتمكن من الرد إلا بعد العلم بالعيب ولا طريق له إلى معرفته سوى الكسر، فلا يصير ذلك مانعا حقه في الرد. كذا في المبسوط (٢).
(لا في ملكه)؛ أي: ملك البائع يعنى: أن البائع رضي بالكسر في ملك نفسه لا في ملكه، فتجب رعاية الحقين، وذلك في الرجوع دون الرد.
(كما [إذا] (٣) كان ثوبا فقطعه) فإنه يرجع بالإجماع رعاية لحقهما، مع أن القطع حصل بتسليط البائع، إلا أن يرضى البائع أن يأخذه مكسورا، ولو وجده بهذه الصفة قبل الكسر رده بالإجماع لإمكانه، هذا إذا وجد كله فاسدًا، ولو وجد بعضه فاسدًا وهو قليل؛ جاز استحسانا؛ لأن الكثير من الجوز لا يخلو عن قليل فاسد، فهو كالتراب في الحنطة، فلو فسد البيع باعتباره فات بيعه عادة.
وفي القياس: يفسد؛ لأن الثمن لم يفصل ولو كان الفاسد كثيرا.
في النهاية: أراد بالكثير ما وراء الثلاثة، لا الكثير الذي هو ما زاد على النصف، فإنه ذكر في الذخيرة: اشترى مائة بيضة فوجد فيها واحدة أو اثنتين أو ثلاثة مدرة؛ لم يرجع بشيء، وجعل الثلاثة في المائة قليلا. ولو اشترى عشرة
стр. 4566
يَخلُو عَنْ قَلِيل فَاسِد. وَالقَلِيلُ مَا لَا يَخلُو عَنهُ الجَوزُ عَادَةً كَالْوَاحِدِ وَالاثْنَيْنِ فِي المِائَةِ، وَإِنْ كَانَ الفَاسِدُ كَثِيرًا لَا يَجُوزُ وَيَرجِعُ بِكُلِّ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَينَ المَالِ وَغَيْرِهِ فَصَارَ كَالجَمْعِ بَينَ الحُرِّ وَالعَبدِ.
قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا فَبَاعَهُ المُشتَرِي ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيبٍ، فَإِنْ قَبِلَ بِقَضَاءِ القَاضِي بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ أَوْ بِإِبَاءِ يَمِين، لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى بَائِعِهِ)؛ لِأَنَّهُ فَسَخٌ مِنْ الأَصْلِ … ... …
جوزة، فوجد فيها خمسة خاوية؛ اختلف المشايخ فيه، قيل: يجوز العقد في الخمسة التي فيها لب بنصف الثمن بالإجماع. وقيل: يفسد في الكل بالإجماع؛ لأن الثمن لم يفصل. وقيل: العقد فاسد في الكل عند أبي حنيفة؛ لأنه يصير كالجمع بين الحي والميت في البيع. وعندهما يصح في الخمسة التي فيها لب بنصف الثمن، وهو الأصح؛ لأن هذا بمعنى الثمن المفصل عندهما، فإن الثمن ينقسم على الأجزاء لا على القيمة.
قوله: (لأنه فسخ من الأصل)؛ أي: فسخ من كل وجه؛ لأنه تعذر اعتباره بيعًا جديدًا في حق الثالث لانتفاء الرضا، بمنزلة الرد قبل القبض، وصار كما لو وهبه ثم رجع بالقضاء وغيره، فإنه يرده على بائعه. إليه أشير في المبسوط.
وفي الإيضاح: خرج المبيع عن ملكه ثم فسخ ذلك بالرد بالعيب؛ فسخ في الأصل في حق الكل، وبعد القبض إن كان بغير قضاء فهو فسخ في حقهما، بيع جديد في حق ثالث.
والفقه فيه: أن قبل القبض له الامتناع من القبض، فكان هذا تصرف دفع وامتناع من القبض، وولاية الدفع عامة، فظهر أثره في حق الكل، ولهذا لا يتوقف على القضاء، فأما بعد القبض فموجب العقد قد تناهى في القبض، إلا أن حقه في صفة السلامة قائم، فإذا لم يسلم له ثبت له حق الفسخ، فجاء من هذا أن له حق الفسخ في باب الرد بالعيب ما ثبت أصلا؛ لأن الصفقة قد تمت وتناهت بالقبض، وإنما يثبت لغيره وهو استدراك حقه في السلامة، فلو حصل الفسخ بالقضاء ظهر أثره في حق الكل؛ لأنه ثبت بولاية عامة، ولو كان
بالتراضي ظهر الفسخ في حقهما خاصة، بخلاف الرد بخيار الرؤية وخيار
стр. 4567
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشرط؛ فإنه يكون فسخًا في حق الكل؛ لأن حقه في الفسخ ثبت أصلًا؛ لأن جهالة الوصف حال عدم الرؤية سلب وصف اللزوم عن العقد، وأثبت له حق الفسخ، وكذا خيار الشرط، وإذا كان الخيار حقًّا له كان بالفسخ مستوفيا ما كان حقًّا له، وولاية استيفاء الحق تثبت على سبيل العموم، ولهذا لا تتوقف على القضاء.
فإن قيل: ينتقض هذا الأصل؛ وهو أنه فسخ من الأصل بمسائل:
أحدها: المبيع لو كان عقارًا لا يبطل حق الشفيع في الشفعة، ولو كان الرد بالعيب بالبينة فسخا من الأصل؛ لبطل حق الشفيع لبطلان العقد من الأصل.
والثانية: ما إذا باع أمته الحبلى وسلّمها، ثم إن المشتري طعن فيها بعيب فردّها بالقضاء، ثم ولدت ولدًا ثم ادعاه أبو البائع؛ لا تصح الدعوة، ولو كان الرد فسخا من الأصل؛ لصحت دعوته، كما لو لم يبعها الابن. والثالثة: ما لو أحال غريمه بالثمن على المشتري، ثم المشتري رد العبد بالعيب بالقضاء؛ لا تبطل الحوالة، ولو كان فسخا من الأصل لبطلت الحوالة.
قلنا: قد ذكر محمد في مواضع: أن بالرجوع في الهبة؛ يعود ملك الموهوب إلى قديم ملك الواهب فيما يستقبل لا فيما مضى، وجعل كأن الدار لم تزل عن ملكه، إذا ثبت هذا الأصل تخرج عليه تلك المسائل. أما مسألة الشفعة؛ فلأن حق الشفيع كان ثابتًا قبل الرد، وحكم الرد يظهر فيما يستقبل لا فيما مضى، وكذا المسألة الثانية؛ لأن الأب إنما تصح دعوته باعتبار ولاية كانت له زمان العلوق، وأنه معنى سابق على الرد، وقد بطل قبل الرد، فلا يظهر حكم الرد.
قال شيخ الإسلام: قول القائل: الرد بالقضاء، فسخ، وجعل كأن العقد لم يكن متناقض؛ لأن العقد إذا جعل كأن لم يكن؛ جعل الفسخ كأن لم يكن؛ لأن الفسخ بدون العقد لا يتصور، فإذا انعدم العقد من الأصل انعدم الفسخ من الأصل، [فإذا انعدم الفسخ من الأصل] (١) عاد العقد؛ لانعدام ما ينافيه، ولكن يقال: العقد يجعل كأن لم يكن على التفسير الذي قلنا. كذا في الفوائد الظهيرية.
стр. 4568
فَجَعَلَ البَيعَ كَأَنْ لَم يَكُنْ غَايَةُ الأَمرِ أَنَّهُ أَنْكَرَ قِيَامَ العَيبِ لَكِنَّهُ صَارَ مُكَذِّبًا شَرعًا بالقضاء،
وقال الشافعي: إنه فسخ من حين الرد، وهو قياس مذهب مالك وأحمد، سواء قبل القبض أو بعده؛ لأن العقد لا ينعطف حكمه على ما مضى، فكذلك الفسخ، ولهذا كانت الزوائد الحاصلة من المبيع للمشتري، وجوابه ما ذكرنا.
فجعل البيع كأن لم يكن فيما يستقبل لا فيما مضى. والدليل عليه: أنه إذا وهب مالا قبل تمام الحول ثم حال الحول، ثم رجع الواهب بعد الحول؛ لا تجب الزكاة فيما مضى.
وفي الكافي: أما في الرد بالبينة؛ فلأنه فسخ في حق الكل؛ لتعذره بيعًا جديدًا لانتفاء الرضا من المشتري الأول بالفسخ والبيع الجديد لا [يصح إلا] (١) بتراضيهما، فإذا كان فسخا؛ صار الحال بعد الفسخ كالحال قبل البيع.
وقيل: ببيع المشتري الأول له الرد على البائع بالعيب القديم. كذا هاهنا.
فإن قيل: لما باشر سبب الفسخ وهو النكول أو الإقرار بالعيب يكون راضيًا بحكم السبب.
قلنا: المسألة فيما إذا أقر بالعيب وأبى القبول، ويرد عليه القاضي جبرًا، والفسخ لا يثبت بإقراره بل بالقضاء، والرد عليه جبرًا كالرد قبل القبض؛ في أنه فسخ محض، فلا يتحقق فيه معنى البيع لعدم الرضا.
قوله: (غاية الأمر أنه) أي: المشتري (أنكر قيام العيب لكنه صار مكذبًا شرعًا بالقضاء).
وفي المبسوط (٢): هذا إذا ادعى المشتري الثاني العيب عند البائع الأول، أما إذا أقام البينة أن العيب كان عند المشتري الأول؛ لم يذكر هذا الفصل في الجامع، وإنما ذكره في إقرار الأصل فقال: ليس للمشتري الأول أن يخاصم مع بائعه بالإجماع؛ لأن المشتري الأول لم يصر مكذبًا فيما أقرّ، من كون الجارية سليمة وقت شرائه من البائع الأول؛ لأن المقر إنما يصير مكذبا في
стр. 4569
وَمَعَنَى القَضَاءِ بِالإِقْرَارِ أَنَّهُ أَنْكَرَ الإِقْرَارَ. فَأُثْبِتَ بِالبَيِّنَةِ،
إقراره إذا قضى عليه بالبينة على خلاف ما أقر به، ولم يوجد هاهنا قضاء على خلاف ما أقر به، فبقي إقراره بكون الجارية سليمة، فلا تثبت له ولاية الرد.
قوله: (ومعنى القضاء بالإقرار) وإنما احتاج لهذا التأويل؛ لأنه إذا لم ينكر إقراره بعد الإقرار لا يحتاج إلى القضاء، بل يرد عليه بإقراره بالعيب.
وفي الفوائد: قال بعض مشايخنا: الجواب في فصل البينة والنكول محمول على ما إذا كان المشتري ساكتا، فإن البينة على الساكت مسموعة، والساكت يستحلف أيضًا؛ لأنه يترك منكرا، أما إذا أنكر المشتري الأول كون هذا العيب عنده، ثم كان الرد بالبينة أو النكول؛ فعلى قول محمد: ليس له أن يخاصم بائعه لمكان التناقض، وعلى قول أبي يوسف: له ذلك؛ لتكذيب القاضي إياه بالبينة.
وعامتهم قالوا: إن سبق منه جحود نصا بأن قال: بعتها وما [معها] (١) هذا العيب، وإنما حدث عندك، ثم أقر به بعد ذلك وأبى القبول، والقاضي أجبره على القبول؛ لم يكن له أن يخاصم بائعه.
وفي الكافي: قال زفر: لا يعتبر فسخا في حق البائع الأول، حتى لا يرد عليه؛ لأن القاضي مضطر إلى القضاء، وهذا الاضطرار جاء منه بإقراره أو نكوله، فانتقل فعل القاضي إليه؛ لأن فعل المكره ينتقل إلى المكره، وإذا انتقل صار كأنه باشر بنفسه.
وقلنا: فعل المكره إنما ينتقل إذا صلح آلة للمكره، كما في القتل؛ فإنه يمكنه أن يأخذه ويضربه عليه، والقاضي لا يصلح في حق القضاء بالفسخ آلة له؛ لأن الفسخ يكون بالكلام، والكلام لا ينتقل إلى المكره؛ لأن التكلم بلسان الغير لا يتصور، ولهذا قلنا: إن المكرَهِ على العتق إذا أعتق نفذ العتق منه، وكان الولاء له، وإن لم يصر القاضي في حق الفسخ منقولا إليه؛ لم يصر المشتري الأول مباشرًا للفسخ حقيقة وحكمًا.
стр. 4570
وَهَذَا بِخِلَافِ الوَكِيلِ بِالبَيعِ إِذَا رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيبٍ بِالبَيِّنَةِ، حَيثُ يَكُونُ رَدًّا عَلَى المُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ البَيعَ هُنَاكَ وَاحِدٌ وَالمَوجُودُ هَاهُنَا بَيعَانِ، فَيُفْسَخُ الثَّانِي وَالْأَوَّلُ لَا يَنفَسِخُ وَإِنْ قَبِلَ بِغَيْرِ قَضَاءِ القَاضِي لَيسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّهُ بَيعٌ جَدِيدٌ فِي حَقِّ ثَالِثٍ وَإِنْ كَانَ فَسَخًا فِي حَقِّهِمَا وَالأَوَّلُ ثَالِثُهُمَا (وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَإِنْ رُدَّ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ بِعَيبٍ لَا يَحدُثُ مِثْلُهُ لَم يَكُنْ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ الَّذِي بَاعَهُ)
وقوله: (وهذا) إشارة إلى قوله: (له أن يرده) من حيث المعنى؛ إذ تقديره: والبيع الأول قائم بنفسه، فلم ينفسخ البيع الأول بفسخ البيع الثاني، بخلاف الوكيل بالبيع، إذا رد عليه بالعيب يكون ردا على الموكل، حتى لا يحتاج الوكيل إلى الخصومة مع الموكل؛ لاتحاد العقد وتعدده هاهنا.
وبهذا صرح فخر الإسلام في جامعه وفيه له الرد بالبينة وبإباء اليمين، وبالإقرار في عيب لا يحدث مثله، أما في عيب يحدث مثله؛ يرده بالبينة وبإباء اليمين، ولا يرده المأمور مع الإقرار، وبه قال الشافعي؛ لأن إقرار المأمور لا يسمع على الأمر.
وفي الإيضاح: إن رد على الوكيل بغير قضاء يلزمه خاصة، سواء كان ذلك في عيب يحدث مثله أو لا يحدث؛ لأن هذا الفسخ عقد جديد في حق ثالث، والموكل ثالثهما.
قوله: (فإن قبل؛ أي: المشتري الأول (بغير قضاء) برضاه لا يرده على بائعه.
(لأنه)؛ أي: لأن الرد بعد القبض بالتراضي بيع جديد في حق الثالث) والبائع الأول ثالث، ولهذا يتجدد للشفيع حق الشفعة؛ لأنه ثالثهما، فصار كأن المشتري الأول اشتراه ثانيًا ما باع فلا يكون له حق الخصومة لا في الرد ولا في الرجوع بالنقصان. كذا في الكافي.
وقال الشافعي: يرده كما في الرد بالقضاء؛ لأنه زال التعذر الذي كان، وتبين أنه لم يستدرك الضرر بالظلامة، والمبيع قائم في يده بصفته، وعلى هذا لو باعه من غيره ثم اشتراه ثانيًا، ثم اطلع على عيب قديم، ولم يكن قد اطلع [عليه]؛ له الرد عنده لما ذكرنا. كذا في كتبهم.
стр. 4571
وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الجَوَابَ فِيمَا يَحدُثُ مِثْلُهُ وَفِيمَا لَا يَحدُثُ سَوَاءٌ. وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ البُيُوعِ: إِنْ كَانَ فِيمَا لَا يَحدُثُ مِثْلُهُ، يَرجِعُ بِالنُّقصَانِ لِلتَّيَقُنِ بِقِيَامِ العَيبِ عِنْدَ البَائِعِ الأَوَّلِ.
وأصله: أن الرد بالعيب يرفع العقد من أصله. نص [عليه] (١) الشافعي، فلم يتفاوت الرد بالرضا أو القضاء، ولكنا قد ذكرنا الفرق فيما مضى تأمل.
فإن قيل: يشكل هذا بمسألة ذكرها في المحيط ناقلا عن المنتقى؛ وهي أن من اشترى دينارًا بدراهم، ثم باع الدينار من آخر، ثم وجد المشتري الأخير بالدينار عيبًا ورده على المشتري بغير قضاء؛ فإنه يرده على بائعه.
قلنا: لا يشبه الصرف العروض؛ لأن الرد في العروض جعل بيعًا جديدًا في حق الثالث وهو البائع الأول، وهاهنا لا يمكن أن يجعل بيعًا جديدًا؛ لأن [البناء] (٢) لا يتعين في العقود، فكأن البيع الثاني لم يكن في [حقه] (٣). إليه أشير في فتاوى الخجندي.
وفي الكافي: البيعان هنا واحد؛ لأن المعيب ليس بمبيع، بل المبيع السليم، فيكون المعيب ملك البائع، فإذا رده على المشتري يرده على بائعه، أما هاهنا البيعان موجودان، فإذا قبل بغير قضاء؛ فقد رضي بالعيب، فلا يرد على بائعه.
قوله: (وبهذا)؛ أي: موضع الجامع الصغير، المسألة في الذي لا يحدث، كالإصبع الزائدة والسن الشاغية (يتبين لك أن الجواب فيما يحدث) كالمرض والسعال (وفيما لا يحدث سواء) في عدم الخصومة مع البائع؛ إذا قبله بغير قضاء؛ وذلك لأنه لما لم يتمكن من الرد فيما لا يحدث مع التيقن بوجوده عند البائع الأول، كان أولى أن لا يتمكن من الرد فيما يحدث مع احتمال أنه يحدث عند المشتري، فهذا هو فائدة وضع الجامع، وهو الصحيح.
(يرجع)؛ أي: يرده، سواء قبله بقضاء أو بغير قضاء؛ للتيقن لوجوده عند
стр. 4572
قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى عَبْدًا فَقَبَضَهُ فَادَّعَى عَيْبًا، لَم يُجِبَر عَلَى دَفِعِ الثَّمَنِ حَتَّى يَحلِفَ البَائِعُ، أَوْ يُقِيمَ المُشتَرِي بَيِّنَةً) لِأَنَّهُ أَنْكَرَ وُجُوبَ دَفْعِ الثَّمَنِ، حَيثُ أَنْكَرَ تَعَيَّنَ حَقِّهِ بِدَعوَى العَيبِ، وَدَفَعُ الثَّمَنِ أَوَّلا لِيَتَعَيَّنَ حَقَّهُ بِإِزَاءِ تَعَيُّنِ الْمَبِيعِ؛ وَلِأَنَّهُ لَو قُضِيَ
البائع الأول، وقد فعلا بغير قضاء ما يفعله القاضي لو رفعا الأمر إليه؛ لأن الرد متعين في هذا، فجعل فعلهما كفعل القاضي. كذا في الكافي.
قوله: (حتى يحلف البائع أو يقيم البينة): وفي الفوائد الظهيرية بعدما ذكر رواية الجامع كما ذكر هاهنا: وفي هذا التركيب نظر؛ لأنه جعل أحدهما غاية لنفي الأخبار على أداء الثمن، ونفي الأخبار لا ينتهي بإقامة البينة بل يستمر، ثم قال: وأمكن تصحيحه بتقدير الخبر المذكور ثانيًا، فيكون معناه: ويقيم المشتري البينة، فيستمر على عدم الإجبار، بل أولى أن يدرج لفظ عام يدخل تحته الغايتان فيقال: لم يجبر على دفع الثمن حتى يظهر وجه الحكم، أي: حكم الإجبار أو حكم عدم الإجبار، فحينئذ لا يحتاج إلى تقدير الخبر المذكور ثانيا، كما في قوله:
عَلَفْتُهَا تِبْنَا وَمَاءَ بَارِدًا
فإنه يمكن أن يجعل العلف في معنى فعل عام، يدخل تحته العلف والسقي وهو (أطعمتها)، فلا يحتاج إلى إدراج (وسقيتها ماءً بارِدًا) إذ الإطعام يستعمل بمعنى السقي. كذا نقل عن العلامة مولانا حافظ الملة والدين.
وقال الشيخ الإمام ركن الدين الأفشنجي: لا بد هاهنا من تأويل، فيُؤول لا يجبر فينتظر؛ لأن الانتظار لازم عدم الجبر، فيكون معناه: لا يجبر، بل ينتظر حتى يحلف أو يقيم البينة، فتعين الحلف والبينة غاية الانتظار.
وإنما قيد بالقبض؛ لأن المشتري يستبد بالفسخ قبل القبض كما ذكرنا، ولا جبر هاهنا، ولا خلاف في هذه المسألة ظاهرًا.
(لأنه)؛ أي: المشتري.
(تعين حقه في المبيع) فلا يتحقق التسليم، فيكون منكرا التسليم، فلا يجبر بدفع السلم.
стр. 4573
بِالدَّفْعِ فَلَعَلَّهُ يَظْهَرُ العَيبُ فَيُنتَقَضُ القَضَاءُ فَلَا يَقْضِي بِهِ صَونًا لِقَضَائِهِ (فَإِنْ قَالَ المُشتَرِي: شُهُودِي بِالشَّام، استُحلِفَ البَائِعُ وَدَفَعَ الثَّمَنَ) يَعْنِي: إِذَا حَلَفَ، وَلَا يُنتَظَرُ حُضُورُ الشُّهُودِ؛ لِأَنَّ فِي الانتِظَارِ ضَرَرًا بِالبَائِعِ، وَلَيْسَ فِي الدَّفِعِ كَثِيرُ ضَرَر بِهِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى حُجَّتِهِ،
فإن قيل: الموجب للجبر موجود وهو البيع مع القبض، وما ادعاه المشتري من العيب موهوم، والموهوم لا يعارض المتحقق.
قلنا: وإن كان ما ادعاه المشتري موهوما؛ لكن فيه صيانة القضاء عن النقض؛ لأنه يمكن أن يقيم المشتري البينة بعد الجبر على العيب، فيلزم بطلان القضاء، وفي عدم الجبر صون القضاء عنه، وسعي الإنسان في نقض ما تم من جهته مردود، ولهذا لو عجل زكاة ماله قبل الحول إلى الساعي لا يسترد؛ لاحتمال أنه تكون زكاة ببقاء المال في يده. كذا في فوائد الكافي.
ولأن الموجب للجبر لا يسلم أنه متحقق؛ إذ الموجب للجبر البيع مع قبض الحق، وهاهنا قبض الحق غير متعين لإنكاره.
قوله: (لأنه)؛ أي: المشتري (على حجته) حتى لو حضر شهوده كان بسبيل من إقامة البينة ورد المبيع على البائع بالحجة وهي إقامة البينة، ويبطل القضاء على أداء الثمن؛ لأن القاضي نصب ناظرا لمصالح المسلمين.
فإن قيل: ينبغي ألا يبقى المشتري على حجته بعد الجبر بأداء الثمن؛ لأن القضاء ينفذ ظاهرا وباطنا في العقود والفسوخ عند أبي حنيفة، مع أن فيه صيانة القضاء عن البطلان.
قلنا: القاضي هاهنا قد قضى بأداء الثمن إلى حين حضور الشهود لا مطلقا، فلا يلزم ما ذكرتم، وفي هذا القول دلالة على أن إقامة البينة بعد يمين المدعى عليه معتبرة.
وقد ذكر التمرتاشي في جامعه، فقال في أدب القاضي: قال رجل: لا بينة لي، فحلف خصمه ثم أتى ببينة؛ يقبل في قول أبي حنيفة. وعند محمد: لا يقبل، ولا يحفظ في هذا رواية عن أبي يوسف.
стр. 4574
أَمَّا إِذَا نَكَلَ أُلْزِمَ الْعَيْبَ؛ لِأَنَّهُ حُجَّةٌ فِيهِ.
وفي جمع النسفي: في قبول البينة عن أصحابنا روايتان، أما لو قال: ليس لي بينة حاضرة، ثم أتى ببينة؛ يقبل في الروايات كلها.
وفي روضة القضاء: قال: بينتي غائبة [لم يحلف عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف يحلف، وكذا لو قال: لي بينة حاضرة] (١) فأحلفه، فإن حلف جئت بالبينة؛ يحلف في قولهم جميعا.
وفي جامع شمس الأئمة: ولو قال: شهودي بالشام، فأمهلني حتى يحضر شهودي، أو آتيك بكتاب حكمي؛ لم يلتفت القاضي إلى كلامه، ولكنه يأمره بدفع الثمن إذا حلف البائع بعدما طلب المشتري يمينه، وإن كان فيه احتمال انتقاض القضاء؛ لأن في الانتظار ضررا بالبائع؛ لأن التأخير إلى غاية معلومة تجري مجرى الإبطال، ولا يعرف أنه صادق أم كاذب، وليس في الدفع زيادة ضرر المشتري، فإنه يبقى على حجته، والسبب الموجب لأداء الثمن موجب ثابت معلوم، وما يدعيه المشتري موهوم، والموهوم لا يعارض المعلوم. وكذا في جامع البكري.
بخلاف ما إذا قال: شهودي حضور؛ لأن الإمهال هاهنا إلى المجلس الثاني لكشف الحال ليس يبطل حق البائع، وفي صيانة القضاء عن النقض أيضا.
وفي المجتبى: لو قال: لي بينة حاضرة على العفو؛ يؤجل ثلاثة أيام كالأموال، وكذا إذا قال: غائبة؛ يؤخر استحسانا. ولو قال: بينتي في مجلس القضاء لا يحلف، ولو قال: في المصر دون المجلس؛ لا يحلف عند أبي حنيفة، خلافا لأبي يوسف.
وقول محمد مضطرب؛ قيل: الغيبة مسيرة السفر، ولو قال: أحضر بينتي إلى ثلاثة أيام؛ أجل ثلاثة أيام. وقيل: أجل مقدار ما يمكن إحضاره.
(أما إذا نكل)؛ أي: البائع.
(لأنه)؛ أي: النكول (فيه)؛ أي: في ثبوت العيب، واحترز به عن النكول
стр. 4575
قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى عَبْدًا فَادَّعَى إِبَاقًا لَم يُحَلَّف البَائِعُ حَتَّى يُقِيمَ المُشتَرِي البَيِّنَةَ
في (١) الحدود والقصاص؛ فإنه ليس بحجة فيهما بالإجماع، وفي النكول في الأشياء الستة عند أبي حنيفة؛ فإنه ليس بحجة فيها.
قوله: (لم يحلف البائع) إلى آخره: وبه قال الشافعي.
وفي الفوائد: فرق بين هذا وبين ما إذا ادعى على آخر دينا؛ فإن القاضي يأمر المدعى عليه بالجواب وإن لم يثبت قيام الدين، وكما أن السلامة عن العيب أصل والعيب عارض، فكذا سلامة الذمة عن الدين أصل والشغل به عارض.
والفرق: أنه لو شرط قيام الدين في الحال لاستماع الخصومة، لم يتوصل المدعي إلى إحياء حقه؛ لأنه ربما يتعذر عليه إقامة البينة على ثبوته، ولو شرط قيام العيب لاستماع الخصومة لا يتعذر توصل المشتري إلى حقه؛ لأن العيب مما يعرف بآثار تعاين، أو بالرجوع إلى قول الأطباء المُعَدَّلين، أو إلى قول القوابل.
فإن قيل: البينة إنما تقبل عن المدعي وليس بمدعي؛ لأن العيب في يده، بل المدعي هو الذي يدعي أن العيب في يد البائع.
قلنا: المشتري مجبور لإحياء حقه، ولا يتمكن منه إلا بإقامة البينة على أنه وجد في يده، فصار من تتمة إقامة البينة إن كان عند البائع، وإنما عين المسألة في الإباق، وكذا الحكم في الجنون والسرقة والعيوب التي لا تشاهد ليبتنى عليها مسألة التحليف؛ لأن المشتري إذا ادعى عيبًا ظاهرا في المبيع، وهو مما لا يحدث مثله كالأصبع الزائدة؛ فإن القاضي يقضي بالرد من غير تحليف إذا طلب المشتري [للقباض] (٢) بوجوده في يد البائع. كذا في الإيضاح.
وحاصل ذلك: ما ذكر الإمام قاضي خان في جامعه: [أن] (٣) المشتري [إذا ادعى] (٤) عيبا فهو على أربعة أوجه:
стр. 4576
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما يُدعى عيبًا ظاهرًا في المبيع، كالعمى والإصبع الزائدة والسن الشاغية - أي: الزائدة -. وما يدعى باطنا لا يعرفه إلا الأطباء، كوجع الكبد والطحال. أو عيبًا يطلع عليه النساء، كالرّتَقِ والقَرَنِ. أو عيبا لا يعرف إلا بالتجربة والإخبار، كالإباق والسرقة والبول في الفراش والجنون؛ ففي الأول يسمع القاضي دعوى المشتري بدون إثبات العيب؛ لأن القاضي يتيقن بوجود العيب عند البائع، فيرده إلا إذا ادعى البائع الرضى والإبراء ويقيم البينة، وإن لم يقم البينة يستحلف المشتري على الإبراء لرجاء النكول، وهذا في عيب لا يحدث مثله، فإن كان حدوثه يتصور، فإن أقر البائع بوجوده عنده يرده، إلا إذا ادعى الرضا والإبراء، ويكون هذا والوجه الأول سواء.
وإن كان العيب باطنا، فإن أقر البائع بوجوده عنده يرده، أو أقام المشتري البينة أو نكل البائع عن اليمين؛ يرده أيضًا إلا إذا ادعى الرضا أو الإبراء، ولو أنكر قيام العيب للحال يريه أهل العلم بذلك، والواحد يكفي والاثنان أحوط، يعني: يريه طبيبين مسلمين عدلين، والواحد يكفي.
ولو كان عيبًا لا يطلع عليه الرجال يُريه النساء، الواحدة تكفي والاثنان أحوط، فإن كان بعد القبض لا ترد النساء بالاتفاق، لكن يحلف البائع. وإن كان قبل القبض؛ ذكر الخصاف أن على قول أبي يوسف يرده من غير يمين. وقال محمد: يرده بحلف البائع.
وأما الوجه الرابع وهو الإباق والسرقة؛ فالقاضي لا يسمع دعواه، حيث يثبت وجود هذه العيوب عند المشتري، إلا أن في الإباق والسرقة والبول في الفراش يعتبر اتحاد الحالة بصحة الدعوى، وفي الجنون لا يشترط، فإن أقام المشتري بينة بوجودها عند البائع رده، وإن لم يكن له بينة يستحلف على البتات، إلا إذا ادعى الرضا أو الإبراء.
وفي المبسوط: يستحلف في الجنون على البتات أيضًا في ظاهر الرواية، إلا أن في الجنون يستحلف بالله لقد باعه وسلمه وما به هذا العيب قط؛ لما بينا أن الجنون في الصغر والكبر عيب لازم أبدًا. وعند بعض المتأخرين من مشايخنا
стр. 4577
أَنَّهُ أَبَقَ عِندَهُ) وَالمُرَادُ التَّحْلِيفُ عَلَى أَنَّهُ لَم يَأْبَق عِندَهُ؛ لِأَنَّ القَولَ وَإِنْ كَانَ قَولَهُ، وَلَكِنَّ إِنكَارَهُ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ بَعدَ قِيَامِ العَيبِ بِهِ فِي يَدِ المُشتَرِي وَمَعرِفَتِهِ بِالحُجَّةِ (فَإِذَا أَقَامَهَا حَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ بَاعَهُ وَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ وَمَا أَبَقَ عِندَهُ قَطُّ) كَذَا قَالَ فِي الكِتَابِ، وَإِنْ شَاءَ حَلَّفَهُ بِاللَّهِ مَا لَهُ حَقُّ الرَّدِّ عَلَيْكَ مِنْ الوَجهِ الَّذِي يَدَّعِي أَوْ بِاللَّهِ مَا أَبَقَ عِنْدَكَ قَطُّ، أَمَّا لَا يُحَلِّفُهُ بِاللَّهِ لَقَدْ بَاعَهُ وَمَا بِهِ هَذَا العَيبُ، وَلَا بِاللَّهِ لَقَدْ بَاعَهُ وَسَلَّمَهُ وَمَا بِهِ هَذَا العَيبُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَركَ النَّظَرِ لِلمُشتَرِي؛ لِأَنَّ العَيبَ قَدْ يَحدُثُ بَعدَ البَيعِ قَبلَ
من لا يشترط عود الجنون في يد المشتري لتوجه الخصومة؛ لأن أثره قائم بعد انقلابه، ويظهر ذلك في حماليق عينيه، وذلك يكفي لتوجه الخصومة، بخلاف الإباق والسرقة؛ فإن أثرهما لا يكون، فلا بد من عوده عند المشتري (١).
(أنه)؛ أي: العبد المبيع (أبق عنده)؛ أي: عند المشتري؛ لأن شرط سماع الخصومة قيام العيب في الحال في العبد.
(والمراد بالتحليف)؛ أي: تحليف البائع (على أنه لم يأبق عنده)؛ أي: عند البائع، يعني: أن المشتري إذا ادعى وقال: بعتني أبقا، لم يحلف البائع أنه لم يأبق عنده، يعني: إذا أقام المشتري بينة على وجود العيب في الحال، أو أقر البائع به.
وقوله: (لأن القول قوله)؛ أي: قول البائع؛ لأنه منكر الإباق، دليل على قوله: (لم يحلف حتى يقيم البينة) (٢).
(ولكن إنكاره)؛ أي: إنكار البائع.
(قيام العيب به)؛ أي بالعبد؛ لما ذكرنا أنه شرط سماع الخصومة قيام العيب في الحال.
(ومعرفته)؛ أي: معرفة قيام العيب. (ما له)؛ أي: للمشتري. (وما به) بالعبد.
(لأن فيه)؛ أي: في المذكور، وهو قوله: (بالله لقد باعه وما به هذا العيب) وقوله: (بالله لقد باعه وسلمه وما به هذا العيب).
стр. 4578
التسليمِ وَهُوَ مُوجِبٌ لِلرَّدِّ، وَالأَوَّلُ: ذُهُولٌ عَنهُ، وَالثَّانِي: يُوهِمُ تَعَلَّقَهُ بِالشَّرطَينِ
(والأول)؛ وهو قوله: بالله لقد باعه وما به هذا العيب (ذهول)؛ أي: غفول (عنه)؛ أي: عن العيب الحادث بعد البيع قبل التسليم، وهو موجب للرد، والبائع بقوله: (لقد باعه وما به عيب) بارّ في يمينه؛ لأن الحادث بعد المبيع قبل التسليم لا يدخل فيه.
(والثاني)؛ وهو قوله: باعه وسلّمه وما به هذا العيب (يوهم تعلقه)؛ أي: تعلق الحنث (بالشرطين) وهو قيام العيب وقت المبيع ووقت التسليم، فلا يدخل العيب الحادث بعد البيع قبل التسليم، وكان غرض البائع من هذا اليمين عدم وجود العيب في الحالين جميعًا، فإذا وجد في حالة كان بارا؛ لأن الكل ينتفي بانتفاء الجزء، فيتضرر به المشتري، فكان قوله: (يوهم) إشارة إلى تأويل البائع ذلك في يمينه، أو يقول قوله وما به هذا. قالوا: وفيه للحال، فيوهم أن يؤوّل أنه حال أحدهما لا حالهم جميعا.
وإنما قال: (يوهم) إشارة إلى أن تأويل البائع ذلك في يمينه ليس بصحيح، ولكن يوقعه في وهم الصحة؛ للوجه الذي ذكرنا.
وإنما قلنا: إن تأويله ليس بصحيح؛ لما ذكر في المبسوط في هذه المسألة قال: فإن لم يكن للمشتري بينة؛ يحلف البائع البتة بالله لقد باعه وسلّمه وما به هذا العيب، وإنما يذكر التسليم؛ لجواز أن يكون العيب حدث بعد العقد قبل التسليم، إلا أن المشايخ قالوا: النظر للمشتري ينعدم إذا استحلفه بهذه الصفة، فإن العيب لو كان حادثًا بعد العقد؛ فالأحوط أن يحلّفه بالله لقد سلمه بحكم هذا العقد إليه، ولم يكن به هذا العيب. قال: والأصح عندي الأول؛ لأن البائع ينفي العيب عند البيع والتسليم فلا يكون بارا في يمينه إذا لم يكن العيب متيقنا في الحالين (١).
فإن قيل: في دعوى الإباق والسرقة ينبغي أن يحلف على العلم؛ لأن هذا تحليف على فعل الغير لأنهما فعل العبد.
стр. 4579
فَيَتَأَوَّلُهُ فِي اليَمِينِ عِنْدَ قِيَامِهِ وَقتَ التَّسْلِيمِ دُونَ البَيعِ، وَلَو لَم يَجِد المُشتَرِي بَيِّنَهُ عَلَى قِيَامِ العَيبِ عِندَهُ وَأَرَادَ تَحلِيفَ البَائِعِ مَا يَعلَمُ أَنَّهُ أَيَقَ عِندَهُ يُحَلَّفُ عَلَى قَولِهِمَا.
قلنا: لما كان العبد في يد المولى وملكه جعل كأن فعل العبد فعل المولى، فيحلف على البتات؛ لأن الظاهر أن المولى عالم بهما. كذا في فوائد الكافي.
وقال الإمام الحلواني: لما ضمن البائع تسليم المبيع سليما، فالاستحلاف يرجع إلى ما ضمن نفسه، ولأن التحليف على فعل الغير إنما يكون على العلم؛ إذا ادعى الذي يحلف أنه لا علم له بذلك، أما إذا ادعى أن لي علما بذلك ليحلف على البتات؛ ألا ترى أن المودع إذا قال: قبض المودع الوديعة؛ فالقول له، ويحلف على البتات؛ لادعائه العلم، وكذا الوكيل ببيع العبد لو قال: قبض الموكل ثمن عبد بعته له بحكم الوكالة؛ يحلف على البتات لإدعائهما العلم، وأن القبض فعلا لغيرهما.
قال الإمام ظهير الدين: هذا لا يقوى بمسألتين:
إحداهما: باع رجلان عبدًا من آخر بصفقة واحدة، ثم مات أحدهما وورثه البائع الآخر، ثم ادعى المشتري عيبا؛ فإنه يحلف في نصيبه بالجزم، وفي نصيب مورثه بالعلم عند محمد وإن كان يدعي العلم بانتفاء العيب.
والثانية: إذا باع المتفاوضان عيدًا وغاب أحدهما، فادعى المشتري عيبا؛ يحلف الحاضر على الجزم في نصيب نفسه، وعلى العلم في نصيب الغائب وإن ادعى أن له علما بذلك.
وقال الإمام السرخسي: يحلف على البتات؛ لأنه استحلاف على فعل نفسه، وهو تسليم المعقود عليه سليمًا كما التزمه. وهذا بعينه جواب الإمام الحلواني.
(فيتأوله)؛ أي: الحالف تعلق الحنث (في اليمين عند قيامه)؛ أي: قيام العيب.
(على قيام العيب عنده)؛ أي: عند نفسه وهو المشتري.
(أبق عنده)؛ أي: عند المشتري.
стр. 4580
وَاختَلَفَ المَشَايِخُ عَلَى قَولِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ، لَهُمَا: أَنَّ الدَّعْوَى مُعتَبَرَةٌ حَتَّى يَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا البَيِّنَةُ فَكَذَا يَتَرَتَّبُ التَّحْلِيفُ.
وَلَهُ: عَلَى مَا قَالَهُ البَعضُ: أَنَّ الحَلِفَ يَتَرَتَّبُ عَلَى دَعوَى صَحِيحَة، وَلَيْسَت تَصِحُ إِلَّا مِنْ خَصْمٍ، وَلَا يَصِيرُ خَصْمًا فِيهِ إِلَّا بَعْدَ قِيَامِ العَيبِ … ... … ... … ... … ... .
(واختلف المشايخ على قول أبي حنيفة) قيل: يحلف عنده أيضًا. وقيل: لا يحلف، وهو الأصح.
(فكذا يترتب التحليف)؛ يعني: صحة التحليف يترتب على إقامة البينة، ففي كل موضع تصح إقامة البينة يصح به التحليف، وهاهنا تصح إقامة البينة من المشتري، فكذا يصح التحليف.
(وله)؛ أي: لأبي حنيفة (على ما قاله البعض)؛ أي: بعض المشايخ: أن التحليف لا يصح وإن صح إقامة البينة؛ لأن شرع التحليف لقطع الخصومة، فلا تصح إلا من خصم، والبائع ليس بخصم.
قيل: ثبوت العيب دعوى صحيحة، وهاهنا غير صحيحة؛ لأن صحتها من الخصم، ولا خصم هنا. وفي هذا إشارة إلى أنه لا يشترط لترتيب البينة على الدعوى كونها صحيحة، بل تقوم البينة فيما لا دعوى فيه أصلا كالحدود، فأولى أن تقوم البينة عند فوات صحتها، وكذا تصح إقامة البينة على أنه وكيل أو وارث فلان بلا دعوى.
(ولا يصير)؛ أي: المشتري وهو المدعي (خصما فيه)؛ أي: فيما ذكرنا (إلا بعد قيام العيب عنده)؛ أي: عند نفسه.
وفي الكافي: والأصح: أنه لا يحلف؛ لأن التحليف شرع لدفع الخصومة لا لإثباتها، ولو حلف البائع هنا لا تنقطع الخصومة، فتحدث بينهما خصومة أخرى؛ أن هذا العيب [هل] (١) كان عند البائع أو لا؟ ويحتاج إلى الاستحلاف مرة أخرى.
وعندهما: لما ادعى [عليه] (٢) معنى لو أقر به لزمه، فإذا أنكر يستحلف
стр. 4581
وَإِذَا نَكَلَ عَنْ اليَمِينِ عِندَهُمَا يَحْلِفُ ثَانِيَا لِلرَّدِّ عَلَى الوَجْهِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ.
قَالَ ﵁: إِذَا كَانَتِ الدَّعوَى فِي إِبَاقِ الكَبِيرِ، يَحْلِفُ مَا أَبَقَ مُنذُ بَلَغَ مَبْلَغَ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّ الإِبَاقَ فِي الصِّغَرِ لَا يُوجِبُ رَدَّهُ بَعدَ البُلُوغ.
رجاء النكول، كما في سائر الأموال؛ إذ النكول إقرار، لكنه يستحلف على العلم؛ لأنه على فعل الغير وهو العبد.
(وإذا نكل)؛ أي: البائع (عن هذا اليمين يستحلف ثانيا للرد على الوجه الذي ذكرنا)؛ أي: على البتات مبلغ الرجال؛ لأنه لو حلف مطلقا يضيع حق البائع؛ لأن الإباق لو كان بعد البلوغ والبيع في الصغر؛ لا يوجب الرد، والبائع لا يعلم هذا الحكم، فيمتنع عن الحلف ويرد المشتري، مع أنه ليس له الرد، فيتضرر البائع ولو أراد المشتري الرد، ولم يدع البائع عليه شيئًا؛ يسقط حق الرد، ثم يحلف المشتري عليه؛ لأن التحليف لقطع الخصومة، وفيه إنشاؤها.
وعند أبي يوسف: يحلف عليه؛ صيانة لقضائه عن النقض لو ظهر ذلك في ثاني الحال.
وفي جمع البخاري عن أبي يوسف: يُحلّفه بالله ما علم بالعيب حين اشتراه، وما رضي به ولا عرضه على البيع، وأكثر القضاة يحلف بالله ما سقط حقك في الرد بالعيب، من الوجه الذي يدعيه نصا ولا دلالة، وهو الصحيح، وأحب إلي أن يستحلفه وإن لم يَدَّعِ. ولو ادعى سقوط حق الرد؛ يحلف المشتري بالاتفاق.
وفي شرح قاضي خان: العيب إذا كان مشاهدًا وهو مما لا يحدث مثله؛ يقضي بالرد، وإن كان مما يحدث واختلفا في حدوثه؛ فالبينة للمشتري؛ لأنه يثبت الخيار، والقول للبائع؛ لإنكاره الخيار، ويحلفه على البتات، وإن كان مما لا يشاهد كالعيوب الباطنة والأفعال الرديئة؛ يسأل البائع، هل به هذا العيب الآن؟ فإن جحده فلا خصومة حتى يقيم المشتري البينة عليه. ولو استحلفه يستحلفه على العلم، فإن نكل أو أقر أو قامت بينة؛ فعلى التفصيل الذي بينا.
اشترى جارية بالغة وادعى أنها خنثى؛ يحلف البائع أنه مما لا ينظر إليه الرجال والنساء.
стр. 4582
قَالَ: (وَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَة وَتَقَابَضَا فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا فَقَالَ البَائِعُ: بِعتُكَ هَذِهِ وَأُخرَى مَعَهَا، وَقَالَ المُشتَرِي: بعتنِيهَا وَحدَهَا فَالقَولُ قَولُ المُشتَرِي)؛ لِأَنَّ الاختِلافَ فِي مِقدَارِ المَقْبُوضِ، فَيَكُونُ القَولُ لِلقَابِضِ كَمَا فِي الغَصبِ وَكَذَا إِذَا
وجد به عيبا فقال له البائع: تبيعه؟ قال: نعم يلزمه؛ لأنه عرض على البيع. ولو قال: بعه، فإن لم يشتر رده علي فعرضه فلم يشتر؛ سقط الرد. ولو وجد البائع الثمن زيوفا فقال المشتري للبائع: أنفقه فإن لم يرج رُدَّهُ علي، فلم يرج؛ رَدّه استحسانا ولو كان ثوبًا فقال: هو قصير، وقال البائع: أره الخياط، فإن قطعه وإلا ردّه، ففعل فإذا هو قصير؛ فله الرد. اشترى لميت كفنا ثم وجد به عيبا؛ لا يرده ولا يرجع بالأرش حتى يحدث به عيب مانع من الرد.
وفي القنية: لو وجده معيبًا فخاصم بائعه فيه، ثم ترك الخصومة أياما ثم عاد إليها، فقال له بائعه: لم أمسكت عن الخصومة مدة؟ فقال المشتري: لأنظر أنه يزول أم لا؛ فله الرد. كذا في المجتبى.
قوله: (وتقابضا)؛ أي: قبض كل واحد البدل، وفائدة دعوى البائع [خبر نفع] (١) تخصيص الثمن على تقدير الرد، ولهذا قال: (وتقابضا) وإن كان يكفيه قوله: (وقبضها) ولأن الثمن لو لم يكن مقبوضًا لا يبالى بتخصيص الثمن؛ لأن الدين لا يقبله. كذا قيل.
(القول للقابض)؛ لأنه منكر للزيادة، وأنه أعرف بحال المقبوض، فيكون القول له كما في الغصب؛ يعني: إذا ادعى المغصوب منه غصب غلامين، فقال الغاصب: ما غصب إلا واحدًا؛ فالقول له؛ لأنه هو القابض، فكذا هاهنا.
ولأن المنازعة بينهما في مقدار المقبوض، فالمشتري ينكر الزيادة، ثم البيع انفسخ في المردود بالرد، وذلك مسقط للثمن عن المشتري، والبائع يدعي لنفسه بعض الثمن عليه بعدما ظهر سبب المسقط، والمشتري منكر لذلك، فالقول له مع يمينه.
стр. 4583
اتَّفَقَا عَلَى مِقْدَارِ المَبِيعِ وَاختَلَفَا فِي المَقْبُوضِ لِمَا بَيَّنَّا.
قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى عَبدَينِ صَفقَة وَاحِدَة فَقَبَضَ أَحَدَهُمَا وَوَجَدَ بِالْآخَرِ عَيْبًا، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُمَا أَوْ يَدعُهُمَا)؛ لِأَنَّ الصَّفَقَةَ تَتِمُّ بِقَبْضِهِمَا فَيَكُونُ تَفْرِيقُهَا قَبلَ التَّمَامِ وَقَدْ ذَكَرنَاهُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ القَبضَ لَهُ شَبَهُ بِالعَقدِ فَالتَّفْرِيقُ فِيهِ كَالتَّفْرِيقِ فِي العَقدِ.
وَلَو وَجَدَ بِالمَقْبُوضِ عَيْبًا اختَلَفُوا فِيهِ. وَيُرْوَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحْمَةُ اللهِ: أَنَّهُ يَرُدُّهُ خَاصَّة، وَالأَصَحُ: أَنَّهُ يَأْخُذُهُمَا أَوْ يَرُدُّهُمَا؛ لِأَنَّ تَمَامَ الصَّفَقَةِ تَعَلَّقَ بِقَبضِ المَبِيعِ وَهُوَ اسمٌ لِلكُلِّ، فَصَارَ كَحَبسِ المَبِيعِ لَمَّا تَعَلَّقَ زَوَالُهُ بِاستِيفَاءِ الثَّمَنِ لَا يَزُولُ … ... .
(اتفقا على مقدار المبيع) بأن قال: المبيع جاريتين (واختلفا في المقبوض) بأن قال البائع: قبضتهما، وقال المشتري: ما قبضت إلا واحدة (لما بينا) وهو أن القول للقابض؛ لأنه منكر الزيادة.
قوله: (وقد ذكرناه)؛ أي: في باب خيار الرؤية، وقد بينا الاختلاف ثمة.
لأن القبض له؛ أي: للقبض شبه بالعقد من وجهين:
أحدهما: أن القبض يثبت ملك التصرف وملك اليد والعقد يثبت ملك الرقبة.
والثاني: أن القبض مؤكد لما أثبته العقد؛ ألا ترى أن شهود الطلاق قبل الدخول يضمنون نصف المهر إذا رجعوا؛ لأنه على شرف الزوال بتمكينها من الزوج، فالشهود أكدوا نصف المهر، فصاروا كأنهم ألزموا نصف المهر على الزوج، وحكم المشبه حكم ذلك الشيء من وجه؛ ألا ترى أن العبادة للنار حرام، والصلاة على النجاسة حرام، ولو صلّى وقبله نار وبقربه نجاسة مكروه.
(ويروى عن أبي يوسف) إلى آخره ووجهه أن الصفقة تامة في حق المقبوض، فبالنظر إليه لا يلزم التفريق؛ لأنه بعد تمام البيع. والأول هو الصحيح؛ لأن التمام تعلق بقبض المبيع، والمبيع اسم للكل.
(وصار)؛ أي: تمام الصفقة كحبس المبيع حتى يستوفي الثمن؛ اعتبارًا لجانب المبيع بجانب الثمن.
(زواله)؛ أي: زوال الحبس يعني: لما تعلق بطلان الحبس باستيفاء
стр. 4584
دُونَ قَبضِ جَمِيعِهِ (وَلَو قَبَضَهُمَا ثُمَّ وَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيبا يَرُدُّهُ خَاصَّة) (*) خِلَافًا لِزُفَرَ. هُوَ يَقُولُ: فِيهِ تَفْرِيقُ الصَّفَقَةِ وَلَا يَعرَى عَنْ ضَرَرٍ؛ لِأَنَّ العَادَةَ جَرَت بِضَمِّ الجَيِّدِ إِلَى الرَّدِيءِ فَأَشبَهَ مَا قَبلَ القَبضِ وَخِيَارَ الرُّؤيَةِ وَالشَّرطِ. وَلَنَا: أَنَّهُ تَفْرِيقُ الصَّفَقَةِ بَعدَ التَّمَامِ؛ لِأَنَّ بِالقَبضِ تَتِمُّ الصَّفَقَةُ فِي خِيَارِ العَيبِ، وَفِي خِيَارِ الرُّؤيَةِ وَالشَّرطِ لَا تَتِمُّ بِهِ عَلَى مَا مَرَّ،
الثمن؛ لا يزول الحبس (دون قبض جميعه)؛ أي: جميع الثمن، والصفقة وإن تناهت في المقبوض، لكن لم تتناه فيما لم يقبض، اختار (١) التفريق بين الجواز وعدمه، فلم يجز بالشك. كذا في الكافي.
قوله: (خلافًا لزفر) حيث قال: ليس له أن يرد أحدهما، وبه قال الشافعي في قول.
(هو)؛ أي: زفر (يقول فيه) [أي:] (٢) في رد أحدهما (تفريق الصفقة) فيتضرر البائع، فأشبه [قوله: بجامع تضرر البائع، يعني: لو وجد العيب] (٣) قبل القبض لا يرد المعيب خاصة. هكذا ذكره في المبسوط وغيره.
وذكر في المختلف ما يخالف هذا فقال: لو اشترى عبدين ووجد بأحدهما عيبًا قبل القبض؛ رد حصته من الثمن عند زفر، كما لو وجد به عيبًا بعد القبض؛ فإنه يرده خاصة. كذا في الكافي.
(ولنا: أنه)؛ أي: الرد (تفريق بعد التمام)؛ يعني: الصفقة تتم بالقبض؛ لأن العيب لا يمنع تمام الصفقة، فيرد المبيع خاصة، وبه قال الشافعي في قول، وعنده لا تفاوت بين القبض وعدمه في خيار العيب والرؤية والشرط، فإن له في الكل قولين.
(على ما مر)؛ أي: في باب خيار الرؤية، وأما تضرر البائع من الوجه الذي قاله زفر يلزم من تدليسه، فلا يعتبر في حق المشتري، وليس من ضرورة شرط الخيار له في أحدهما ثبوته في الآخر، كما لو سمى لكل واحد ثمنا وشرط
стр. 4585
وَلهَذَا لَوِ اسْتُحِقَّ أَحَدُهُمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الآخَرَ.
الخيار لنفسه في أحدهما، وهذا في شيئين يمكن إفرادهما بالانتفاع كالعبدين، أما إذا لم يمكن كالنعلين أو الخفين أو مصراعي الباب؛ فإنه يردهما أو يمسكهما بالإجماع؛ لأنهما في الصورة شيئان، وفي المعنى والمنفعة كشيء واحد؛ إذ لا يتأتى الانتفاع بأحدهما دون الآخر، والمعتبر هو المعنى.
ولأنه لو رد المعيب خاصة لعاد إلى البائع بعيب حادث؛ لأن التفريق بينهما يوجب قطع الانتفاع، وذلك عيب، فإن كان ما باع لا عيب فيه؛ ليس له أن يرد ما بقي، ولا يرجع بشيء كما في الشيء الواحد حقيقة. كذا في المبسوط (١).
وللشافعي في مثل مصراعي الباب وزوجي الخف وجهان، في وجه: يجوز رد أحدهما، كما في العبدين والثوبين. وفي وجه: لا يجوز؛ لأنه يلزم نقصان القيمة. كذا في تتمتهم.
وفي شرح الوجيز: ولا سبيل إلى رد أحدهما بدون الآخر، وارتكب بعضهم طرد القولين فيه أيضًا (٢).
وفي الإيضاح، والفوائد الظهيرية: ولهذا قال مشايخنا: لو اشترى زوجي ثور وقبضهما، ثم وجد بأحدهما عيبًا، وقد أَلِفَ أحدهما بالآخر بحيث لا يعمل بدونه؛ لا يملك رد المعيب خاصة. ولو قال المشتري: أنا أمسك المبيع المعيب، وأخذ النقصان في الذي يمكن إفراد أحدهما بالانتفاع كالعبدين والثوبين؛ ليس له ذلك؛ لأنه لما رضي بالمعيب فات حقه في وصف السلامة، فلم يكن له أن يطالبه بالنقصان، والاستحقاق وتميز العيب قبل القبض وبعده؛ لأن الاستحقاق لا يمنع تمام الصفقة بالقبض.
وقوله: (ولهذا لو استحق أحدهما)؛ أي: بعد القبض، استدلالا بأن تفريق الصفقة بعد تمامها لا يكون ممتنعًا؛ إذ لو كان ممتنعا ينبغي أن يتمكن من الرد في غير المستحق باستحقاق أحدهما في يد المشتري، وحيث لا يتمكن من الرد، أما لو استحق أحدهما قبل القبض له الخيار في الآخر؛ لتفرق الصفقة قبل التمام.
стр. 4586
قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى شَيْئًا مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ فَوَجَدَ بِبَعْضِهِ عَيْبًا رَدَّهُ كُلَّهُ أَوْ أَخَذَهُ كُلَّهُ) وَمُرَادُهُ بَعدَ القَبْضِ؛ لِأَنَّ المَكِيلَ إِذَا كَانَ مِنْ جِنس وَاحِدٍ فَهُوَ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ؛
فإن قيل: عدم جواز تفرق الصفقة باعتبار ضرر البائع؛ لأن عادة التجار ضم الرديء إلى الجيد، فبرد أحدهما يوجب الضرر عليه، سواء كان قبل القبض أو بعده في العيب والاستحقاق جميعا.
قلنا: يحتمل أن يكون مراد البائع الضم، ويحتمل ألا يكون مراده الضم، فعملنا بالشبهين، فقيل: يعتبر ضرره باعتبار الضم، ولا يعتبر ضرر المشتري لعدم [تمام] (١) الصفقة، يعني: أنه يلزم التفريق قبل التمام، وبعد القبض لا يعتبر ضرره؛ لاحتمال عدم إرادة الضم، مع أن الصفقة تمت. كذا في فوائد الكافي.
قوله: (ومراده بعد القبض) وإنما قيد به؛ لأنه إذا كان قبل القبض لا يتفاوت الحكم عندنا بين المكيل والموزون وغيرهما؛ في أنه لا يجوز تفريق الصفقة برد المعيب خاصة، وأما إذا كان بعد القبض؛ فيجوز تفريق الصفقة فيما عدا المكيل والموزون، وأما فيهما فلا يجوز إذا كانا في وعاء واحد، على ما هو اختيار المشايخ. وللشافعي قولان في الكل، قبل القبض وبعده على ما ذكرنا.
وقوله: (من جنس واحد) احتراز عما إذا كان المكيل من جنسين، كالحنطة والشعير؛ فإن للمشتري أن يرد المعيب خاصة.
وللشافعي قولان أيضا فيه؛ بناء على جواز تفريق الصفقة وعدمه.
(فهو)؛ أي: المكيل (كالشيء الواحد)؛ أي: حكما وتقديرا، لا تحقيقا؛ لأن المالية والتقويم في المكيلات والموزونات باعتبار الاجتماع، فإن الحبة الواحدة ليست متقومة، حتى لا يصح بيعها، فكانت القابلية للبيع باعتبار الاجتماع، فصار الكل في حق البيع كشيء واحد، والشيء الواحد لا يرد بعضه بالعيب دون البعض.
يوضحه: أنه إذا ميز المعيب ازداد عيبه، فالمعيب من الحنطة عند
стр. 4587
أَلَا يُرَى أَنَّهُ يُسَمَّى باسم وَاحِد وَهُوَ الكُرُّ وَنَحوُهُ. وَقِيلَ: هَذَا إِذَا كَانَ فِي وِعَاءِ وَاحِدٍ، فَإِذَا كَانَ فِي وِعَاءَينِ، فَهُوَ بِمَنزِلَةِ عَبدَينِ حَتَّى يَرُدَّ الوِعَاءَ الَّذِي وَجَدَ فِيهِ العَيبَ دُونَ الآخَرِ.
الاختلاط بما ليس بمعيب؛ لأنه يتبين فيه من العيب ما يتبين إذا ميز عما ليس بمعيب، والمشتري لا يتمكن من الرد بعيب أكثر مما خرج عن ضمان البائع، بخلاف العبدين؛ حيث له رد أحدهما؛ لأنهما غيران حقيقة، والتمييز بينهما لا يوجب زيادة عيب في التسليم، فكان له حق الرد. كذا في المبسوط (١).
فإن قيل: لو جعلا كشيء واحد حكما؛ ينبغي أن يثبت له حق الرد في الباقي في صورة الاستحقاق، كما في الثوب أو العبد الواحد، وليس كذلك بالإجماع.
قلنا: في استحقاق البعض بعد القبض عن أبي حنيفة روايتان، فعلى إحداهما: السؤال ساقط، وعلى الأخرى يقول: في الاستحقاق بغيره شيئًا واحدا، كما في العيب، إلا أن استحقاق بعض المكيل والموزون لا يوجب عيبًا فيما استحق ولا فيما لا يستحق؛ لأن المستحق في المالية وغير المستحق سواء، فلا يزول بسبب الاستحقاق من المالية في الباقي حتى يكون عيبًا، وكذلك لا يوجب نقصانا في الانتفاع بالباقي؛ لأنهما يقسمان، بخلاف ما لو وجد في البعض عيبًا وميزه يردّه؛ لأن تمييز المعيب من غير المعيب يوجب زيادة عيب. كذا في الجامع البرهاني، والفوائد الظهيرية.
قوله: (ونحوه) كالوسق والفرق، ولهذا جعل رؤية البعض كرؤية الكل كالثوب الواحد بمنزلة عبدين.
وفي المبسوط: بمنزلة ثوبين، والجنسين كالحنطة والشعير، فإنه يرده على الوجه الذي خرج من ضمان البائع، والأظهر في الجنس الواحد بصفة واحدة أنه كشيء واحد، سواء كان في وعائين أو في وعاء واحد، فإنه إما أن يرد الكل أو يمسك الكل (٢).
стр. 4588
(وَلو اسْتُحِقَّ بَعضُهُ فَلَا خِيَارَ لَهُ فِي رَدّ مَا بَقِيَ)؛ لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ التَّبعِيضُ، وَالاسْتِحْقَاقُ لَا يَمْنَعُ تَمَامَ الصَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ تَمَامَهَا بِرِضَا العَاقِدِ لَا بِرِضًا المَالِكِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ بَعدَ القَبْضِ، أَمَّا لَو كَانَ قَبْلَ القَبْضِ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ مَا بَقِيَ لِتَفَرُّقِ الصَّفَقَةِ قَبلَ التَّمَامِ. قَالَ: (وَإِنْ كَانَ ثَوبًا فَلَهُ الخِيَارُ)؛ لِأَنَّ التَّسْقِيصَ فِيهِ عَيبٌ وَقَدْ كَانَ وَقتَ البيع
(ولو استحق بعضه)؛ أي: بعض ما يكال أو يوزن بعد القبض (لأنه لا يضره التبعيض) والشركة في المكيلات والموزونات لا تعد عيبًا؛ باعتبار أن التبعيض لا يضرهما بعد القبض؛ لتمام الصفقة.
وقوله: (والاستحقاق) جواب إشكال، وهو أن يقال: ينبغي أن يكون له الخيار في رد ما بقي في صورة الاستحقاق؛ كيلا يلزم تفريق الصفقة قبل التمام.
فقيل له: لا يلزم ذلك؛ لأنه لو لزم ذلك للزم باعتبار الاستحقاق، وذلك لا يمنع تمام الصفقة.
وفي المبسوط: فباستحقاق البعض لا يتعيب ما بقي منه، وقد تمت الصفقة بالقبض.
(لأن تمامها)؛ أي: تمام الصفقة (برضا العاقد)؛ أي: تمام العقد يستدعي تمام الرضا من العاقد لا من المالك، وهو المستحق وقد وجد.
وفي الإيضاح: العقد حق العاقد، فتمامه يستدعي تمام الرضا منه، وبالاستحقاق ينعدم رضا المالك لا رضا العاقد، ولهذا قلنا: في الصرف ورأس مال السلم لو أجاز المستحق بعدما افترقا؛ يبقى العقد صحيحًا، فعلم أن تمام العقد يستدعي تمام رضا العاقد لا المالك.
(وهذا)؛ أي: كون الاستحقاق لا يوجب خيار الرد.
(وإن كان)؛ أي: المستحق (ثوبًا).
(لأن التشقيص فيه)؛ أي: في الثوب (عيب) عرفًا (وقد كان)؛ أي: التشقيص (وقت البيع)؛ يعني أن عيب الشركة فيه لم يحدث في يد المشتري حتى يمنع الرد، بل كان في يد البائع.
стр. 4589
حَيثُ ظَهَرَ الاستحقاق، بِخِلَافِ المَكِيلِ وَالمَوزُونِ.
قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى جَارِيَة فَوَجَدَ بِهَا قُرحًا فَدَاوَاهُ، أَوْ كَانَتْ دَابَّةٍ فَرَكِبَهَا فِي حَاجَةٍ فَهُوَ رِضًا)؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ قَصدِهِ الاستبقَاءَ بِخِلَافِ خِيَارِ الشَّرطِ؛ لِأَنَّ الخِيَارَ هُنَاكَ لِلاخْتِبَارِ
(حيث ظهر الاستحقاق) والظهور يبنى على الثبوت، فكذلك للمشتري الرد، بخلاف تمييز الجيد من الرديء في الطعام إن كان في وعاء واحد؛ فإنه عيب جديد كما مر، فافترقا.
قوله: (ومن اشترى) إلى آخره: الأصل في هذه المسائل: أن تصرف المشتري بشيء يدل على الرضا بعد العلم بالعيب يمنع الرد والأرش، نحو: العرض على البيع والإجارة واللبس والركوب لحاجته، والمداواة، والرهن والكتابة، والاستخدام مرة ثابتة؛ لأنه صار راضيًا بالعيب، والإمساك بالتصرف على ما ذكرنا في خيار الشرط. كذا في الإيضاح والكافي.
ولا خلاف لأحد فيه، غير أن الشافعي يبطل خيار الرد بتأخير الرد من غير عذر، وقال: إن الأصل في البيع اللزوم، فإذا أمكنه الرد وقصر؛ لزمه حكمه، ولا يتوقف على حضور الخصم والقضاء، ولهذا لو اطلع على العيب في الليل؛ يفسخ في الحال، ويشهد على نفسه بذلك إن أمكنه، وإن لم يكن عنده أحد يفسخ في نفسه، حتى لو أخره بطل حقه. هذا طريقة أكثر أصحابه.
وقال القفال: لا يلزمه الفسخ في الحال ولا الإشهاد، وله أن يؤخر إلى أن يأتي القاضي. وعندنا: ما لم يوجد منه تصرف يدل على استيفاء الملك؛ لا يبطل خياره.
(في حاجة)؛ أي: في حاجة نفسه لا للرد. وفي بعض النسخ: (في حاجته)؛ أي: في حاجة المشتري.
(لأن الخيار هناك)؛ أي: في خيار الشرط (للاختبار)؛ أي: الامتحان؛ لأن خيار الشرط شرع له، والركوب واللبس مرة يحتاج إليه للاختبار، فلو جعل ذلك اختيارًا للملك؛ تفوت فائدة خيار الشرط، وأما خيار العيب؛ فإنما شرع
стр. 4590
وَأَنَّهُ بِالاسْتِعْمَالِ فَلَا يَكُونُ الرُّكُوبُ مُسقِطًا (وَإِنْ رَكِبَهَا لِيَرُدَّهَا عَلَى بَائِعِهَا أَوْ لِيَسْقِيَهَا أو لِيَشتَرِيَ لَهَا عَلَفًا فَلَيسَ بِرِضًا) أَمَّا الرُّكُوبُ لِلرَّدِّ؛ فَلِأَنَّهُ سَبَبُ الرَّدِّ، وَالجَوَابُ فِي السَّقيِ وَاشْتِرَاءِ العَلَفِ مَحمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَ لَا يَجِدُ بُدًا مِنهُ، إِمَّا لِصُعُوبَتِهَا أَوْ لِعَجزِهِ أَوْ لِكَونِ العَلَفِ فِي عِدلٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ يَجِدُ بُدًّا مِنْهُ لِانْعِدَامِ مَا ذَكَرنَاهُ يَكُونُ رِضًا.
قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى عَبْدًا قَدْ سَرَقَ وَلَم يَعْلَمْ بِهِ، فَقُطِعَ عِنْدَ المُشتَرِي، لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَيَأْخُذَ الثَّمَنَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
للرد ليصل إلى رأس ماله عند عجزه عن الوصول إلى الجزء الفائت، وقد تصرف تصرفًا لا يحلُّ بلا ملك، فجعل دليل الرضا والإمساك.
(فلأنه)؛ أي: الركوب للرد (سبب للرد فإنه يحتاج في ردها إلى سوقها، وربما لا تنقاد له ما لم يركبها.
(والجواب في السقي وشراء العلف)؛ يعني: لو ركبها للسقي وشراء العلف لا يكون رضًا استحسانًا، وبه قال الشافعي في قول؛ لأنه ربما لا يجد منه بدا، إما لصعوبة الدابة؛ لكونها جموحًا، أو لعجز المشتري عن المشي؛ بأن كان مريضًا أو شيخا كبيرًا.
(في عدل واحد) قيد به؛ لأنه لو كان في عدلين وركب يكون رضا، فقد ذكر محمد في السير الكبير: لو كان الجوالق للعلف واحدًا، فركب لا يكون رضا؛ لأنه لا يمكنه حمل جوالق واحد إلا بالركوب، ولو كان الجوالق اثنين فركب يكون رضًا؛ لأن حمل العلف ممكن بدون الركوب، وقبل الركوب للرد لا يكون رضا وإن أمكنه الرد بدونه؛ لأنه مفض إلى الرد ومقر له، ولا كذلك الركوب للسقي وشراء العلف. كذا في الكافي.
قوله: (ولم يعلم به)؛ أي: المشتري لم يعلم بكون العبد سرق، ولا وقت البيع ولا وقت القبض. كذا ذكره التمرتاشي.
ويأخذ الثمن)؛ أي: كله. هكذا ذكره في عامة شروح الجامع الصغير، وهكذا في بعض روايات المبسوط.