قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى شَيْئًا مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ فَوَجَدَ بِبَعْضِهِ عَيْبًا رَدَّهُ كُلَّهُ أَوْ أَخَذَهُ كُلَّهُ) وَمُرَادُهُ بَعدَ القَبْضِ؛ لِأَنَّ المَكِيلَ إِذَا كَانَ مِنْ جِنس وَاحِدٍ فَهُوَ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ؛
فإن قيل: عدم جواز تفرق الصفقة باعتبار ضرر البائع؛ لأن عادة التجار ضم الرديء إلى الجيد، فبرد أحدهما يوجب الضرر عليه، سواء كان قبل القبض أو بعده في العيب والاستحقاق جميعا.
قلنا: يحتمل أن يكون مراد البائع الضم، ويحتمل ألا يكون مراده الضم، فعملنا بالشبهين، فقيل: يعتبر ضرره باعتبار الضم، ولا يعتبر ضرر المشتري لعدم [تمام] (١) الصفقة، يعني: أنه يلزم التفريق قبل التمام، وبعد القبض لا يعتبر ضرره؛ لاحتمال عدم إرادة الضم، مع أن الصفقة تمت. كذا في فوائد الكافي.
قوله: (ومراده بعد القبض) وإنما قيد به؛ لأنه إذا كان قبل القبض لا يتفاوت الحكم عندنا بين المكيل والموزون وغيرهما؛ في أنه لا يجوز تفريق الصفقة برد المعيب خاصة، وأما إذا كان بعد القبض؛ فيجوز تفريق الصفقة فيما عدا المكيل والموزون، وأما فيهما فلا يجوز إذا كانا في وعاء واحد، على ما هو اختيار المشايخ. وللشافعي قولان في الكل، قبل القبض وبعده على ما ذكرنا.
وقوله: (من جنس واحد) احتراز عما إذا كان المكيل من جنسين، كالحنطة والشعير؛ فإن للمشتري أن يرد المعيب خاصة.
وللشافعي قولان أيضا فيه؛ بناء على جواز تفريق الصفقة وعدمه.
(فهو)؛ أي: المكيل (كالشيء الواحد)؛ أي: حكما وتقديرا، لا تحقيقا؛ لأن المالية والتقويم في المكيلات والموزونات باعتبار الاجتماع، فإن الحبة الواحدة ليست متقومة، حتى لا يصح بيعها، فكانت القابلية للبيع باعتبار الاجتماع، فصار الكل في حق البيع كشيء واحد، والشيء الواحد لا يرد بعضه بالعيب دون البعض.
يوضحه: أنه إذا ميز المعيب ازداد عيبه، فالمعيب من الحنطة عند
стр. 4587
أَلَا يُرَى أَنَّهُ يُسَمَّى باسم وَاحِد وَهُوَ الكُرُّ وَنَحوُهُ. وَقِيلَ: هَذَا إِذَا كَانَ فِي وِعَاءِ وَاحِدٍ، فَإِذَا كَانَ فِي وِعَاءَينِ، فَهُوَ بِمَنزِلَةِ عَبدَينِ حَتَّى يَرُدَّ الوِعَاءَ الَّذِي وَجَدَ فِيهِ العَيبَ دُونَ الآخَرِ.
الاختلاط بما ليس بمعيب؛ لأنه يتبين فيه من العيب ما يتبين إذا ميز عما ليس بمعيب، والمشتري لا يتمكن من الرد بعيب أكثر مما خرج عن ضمان البائع، بخلاف العبدين؛ حيث له رد أحدهما؛ لأنهما غيران حقيقة، والتمييز بينهما لا يوجب زيادة عيب في التسليم، فكان له حق الرد. كذا في المبسوط (١).
فإن قيل: لو جعلا كشيء واحد حكما؛ ينبغي أن يثبت له حق الرد في الباقي في صورة الاستحقاق، كما في الثوب أو العبد الواحد، وليس كذلك بالإجماع.
قلنا: في استحقاق البعض بعد القبض عن أبي حنيفة روايتان، فعلى إحداهما: السؤال ساقط، وعلى الأخرى يقول: في الاستحقاق بغيره شيئًا واحدا، كما في العيب، إلا أن استحقاق بعض المكيل والموزون لا يوجب عيبًا فيما استحق ولا فيما لا يستحق؛ لأن المستحق في المالية وغير المستحق سواء، فلا يزول بسبب الاستحقاق من المالية في الباقي حتى يكون عيبًا، وكذلك لا يوجب نقصانا في الانتفاع بالباقي؛ لأنهما يقسمان، بخلاف ما لو وجد في البعض عيبًا وميزه يردّه؛ لأن تمييز المعيب من غير المعيب يوجب زيادة عيب. كذا في الجامع البرهاني، والفوائد الظهيرية.
قوله: (ونحوه) كالوسق والفرق، ولهذا جعل رؤية البعض كرؤية الكل كالثوب الواحد بمنزلة عبدين.
وفي المبسوط: بمنزلة ثوبين، والجنسين كالحنطة والشعير، فإنه يرده على الوجه الذي خرج من ضمان البائع، والأظهر في الجنس الواحد بصفة واحدة أنه كشيء واحد، سواء كان في وعائين أو في وعاء واحد، فإنه إما أن يرد الكل أو يمسك الكل (٢).
стр. 4588
(وَلو اسْتُحِقَّ بَعضُهُ فَلَا خِيَارَ لَهُ فِي رَدّ مَا بَقِيَ)؛ لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ التَّبعِيضُ، وَالاسْتِحْقَاقُ لَا يَمْنَعُ تَمَامَ الصَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ تَمَامَهَا بِرِضَا العَاقِدِ لَا بِرِضًا المَالِكِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ بَعدَ القَبْضِ، أَمَّا لَو كَانَ قَبْلَ القَبْضِ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ مَا بَقِيَ لِتَفَرُّقِ الصَّفَقَةِ قَبلَ التَّمَامِ. قَالَ: (وَإِنْ كَانَ ثَوبًا فَلَهُ الخِيَارُ)؛ لِأَنَّ التَّسْقِيصَ فِيهِ عَيبٌ وَقَدْ كَانَ وَقتَ البيع
(ولو استحق بعضه)؛ أي: بعض ما يكال أو يوزن بعد القبض (لأنه لا يضره التبعيض) والشركة في المكيلات والموزونات لا تعد عيبًا؛ باعتبار أن التبعيض لا يضرهما بعد القبض؛ لتمام الصفقة.
وقوله: (والاستحقاق) جواب إشكال، وهو أن يقال: ينبغي أن يكون له الخيار في رد ما بقي في صورة الاستحقاق؛ كيلا يلزم تفريق الصفقة قبل التمام.
فقيل له: لا يلزم ذلك؛ لأنه لو لزم ذلك للزم باعتبار الاستحقاق، وذلك لا يمنع تمام الصفقة.
وفي المبسوط: فباستحقاق البعض لا يتعيب ما بقي منه، وقد تمت الصفقة بالقبض.
(لأن تمامها)؛ أي: تمام الصفقة (برضا العاقد)؛ أي: تمام العقد يستدعي تمام الرضا من العاقد لا من المالك، وهو المستحق وقد وجد.
وفي الإيضاح: العقد حق العاقد، فتمامه يستدعي تمام الرضا منه، وبالاستحقاق ينعدم رضا المالك لا رضا العاقد، ولهذا قلنا: في الصرف ورأس مال السلم لو أجاز المستحق بعدما افترقا؛ يبقى العقد صحيحًا، فعلم أن تمام العقد يستدعي تمام رضا العاقد لا المالك.
(وهذا)؛ أي: كون الاستحقاق لا يوجب خيار الرد.
(وإن كان)؛ أي: المستحق (ثوبًا).
(لأن التشقيص فيه)؛ أي: في الثوب (عيب) عرفًا (وقد كان)؛ أي: التشقيص (وقت البيع)؛ يعني أن عيب الشركة فيه لم يحدث في يد المشتري حتى يمنع الرد، بل كان في يد البائع.
стр. 4589
حَيثُ ظَهَرَ الاستحقاق، بِخِلَافِ المَكِيلِ وَالمَوزُونِ.
قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى جَارِيَة فَوَجَدَ بِهَا قُرحًا فَدَاوَاهُ، أَوْ كَانَتْ دَابَّةٍ فَرَكِبَهَا فِي حَاجَةٍ فَهُوَ رِضًا)؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ قَصدِهِ الاستبقَاءَ بِخِلَافِ خِيَارِ الشَّرطِ؛ لِأَنَّ الخِيَارَ هُنَاكَ لِلاخْتِبَارِ
(حيث ظهر الاستحقاق) والظهور يبنى على الثبوت، فكذلك للمشتري الرد، بخلاف تمييز الجيد من الرديء في الطعام إن كان في وعاء واحد؛ فإنه عيب جديد كما مر، فافترقا.
قوله: (ومن اشترى) إلى آخره: الأصل في هذه المسائل: أن تصرف المشتري بشيء يدل على الرضا بعد العلم بالعيب يمنع الرد والأرش، نحو: العرض على البيع والإجارة واللبس والركوب لحاجته، والمداواة، والرهن والكتابة، والاستخدام مرة ثابتة؛ لأنه صار راضيًا بالعيب، والإمساك بالتصرف على ما ذكرنا في خيار الشرط. كذا في الإيضاح والكافي.
ولا خلاف لأحد فيه، غير أن الشافعي يبطل خيار الرد بتأخير الرد من غير عذر، وقال: إن الأصل في البيع اللزوم، فإذا أمكنه الرد وقصر؛ لزمه حكمه، ولا يتوقف على حضور الخصم والقضاء، ولهذا لو اطلع على العيب في الليل؛ يفسخ في الحال، ويشهد على نفسه بذلك إن أمكنه، وإن لم يكن عنده أحد يفسخ في نفسه، حتى لو أخره بطل حقه. هذا طريقة أكثر أصحابه.
وقال القفال: لا يلزمه الفسخ في الحال ولا الإشهاد، وله أن يؤخر إلى أن يأتي القاضي. وعندنا: ما لم يوجد منه تصرف يدل على استيفاء الملك؛ لا يبطل خياره.
(في حاجة)؛ أي: في حاجة نفسه لا للرد. وفي بعض النسخ: (في حاجته)؛ أي: في حاجة المشتري.
(لأن الخيار هناك)؛ أي: في خيار الشرط (للاختبار)؛ أي: الامتحان؛ لأن خيار الشرط شرع له، والركوب واللبس مرة يحتاج إليه للاختبار، فلو جعل ذلك اختيارًا للملك؛ تفوت فائدة خيار الشرط، وأما خيار العيب؛ فإنما شرع
стр. 4590
وَأَنَّهُ بِالاسْتِعْمَالِ فَلَا يَكُونُ الرُّكُوبُ مُسقِطًا (وَإِنْ رَكِبَهَا لِيَرُدَّهَا عَلَى بَائِعِهَا أَوْ لِيَسْقِيَهَا أو لِيَشتَرِيَ لَهَا عَلَفًا فَلَيسَ بِرِضًا) أَمَّا الرُّكُوبُ لِلرَّدِّ؛ فَلِأَنَّهُ سَبَبُ الرَّدِّ، وَالجَوَابُ فِي السَّقيِ وَاشْتِرَاءِ العَلَفِ مَحمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَ لَا يَجِدُ بُدًا مِنهُ، إِمَّا لِصُعُوبَتِهَا أَوْ لِعَجزِهِ أَوْ لِكَونِ العَلَفِ فِي عِدلٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ يَجِدُ بُدًّا مِنْهُ لِانْعِدَامِ مَا ذَكَرنَاهُ يَكُونُ رِضًا.
قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى عَبْدًا قَدْ سَرَقَ وَلَم يَعْلَمْ بِهِ، فَقُطِعَ عِنْدَ المُشتَرِي، لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَيَأْخُذَ الثَّمَنَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
للرد ليصل إلى رأس ماله عند عجزه عن الوصول إلى الجزء الفائت، وقد تصرف تصرفًا لا يحلُّ بلا ملك، فجعل دليل الرضا والإمساك.
(فلأنه)؛ أي: الركوب للرد (سبب للرد فإنه يحتاج في ردها إلى سوقها، وربما لا تنقاد له ما لم يركبها.
(والجواب في السقي وشراء العلف)؛ يعني: لو ركبها للسقي وشراء العلف لا يكون رضًا استحسانًا، وبه قال الشافعي في قول؛ لأنه ربما لا يجد منه بدا، إما لصعوبة الدابة؛ لكونها جموحًا، أو لعجز المشتري عن المشي؛ بأن كان مريضًا أو شيخا كبيرًا.
(في عدل واحد) قيد به؛ لأنه لو كان في عدلين وركب يكون رضا، فقد ذكر محمد في السير الكبير: لو كان الجوالق للعلف واحدًا، فركب لا يكون رضا؛ لأنه لا يمكنه حمل جوالق واحد إلا بالركوب، ولو كان الجوالق اثنين فركب يكون رضًا؛ لأن حمل العلف ممكن بدون الركوب، وقبل الركوب للرد لا يكون رضا وإن أمكنه الرد بدونه؛ لأنه مفض إلى الرد ومقر له، ولا كذلك الركوب للسقي وشراء العلف. كذا في الكافي.
قوله: (ولم يعلم به)؛ أي: المشتري لم يعلم بكون العبد سرق، ولا وقت البيع ولا وقت القبض. كذا ذكره التمرتاشي.
ويأخذ الثمن)؛ أي: كله. هكذا ذكره في عامة شروح الجامع الصغير، وهكذا في بعض روايات المبسوط.
стр. 4591
وَقَالَا: يَرْجِعُ بِمَا بَينَ قِيمَتِهِ سَارِقًا إِلَى غَيْرِ سَارِقٍ) (*) وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ إِذَا قُتِلَ بِسَبَبٍ وُجِدَ فِي يَدِ البَائِعِ.
وَالحَاصِلُ: أَنَّهُ بِمَنزِلَةِ الاستحقاقِ عِندَهُ، وَبِمَنزِلَةِ العَيبِ عِندَهُمَا. لَهُمَا: أَنَّ المَوجُودَ فِي يَدِ البَائِعِ سَبَبُ القَطعِ وَالقَتلِ، وَأَنَّهُ لَا يُنَافِي المَالِيَّةَ … ... … ... … ..
[وفي جامع التمرتاشي، وبعض روايات المبسوط:] (١) يرجع بنصف الثمن. ووجه التوفيق: أن القطع كان مستحقا بسبب كان عند البائع، واليد من الآدمي نصفه، فينقص قبض المشتري في النصف، فيكون للمشتري الخيار: إن شاء رجع بنصف الثمن، وإن شاء رد ما بقي ويرجع بجميع الثمن، كما لو قطعت يده عند البائع. وقول من قال: يرجع بكل الثمن؛ منصرف إلى اختيار رد العبد المقطوع. وقول من قال: بالنصف؛ منصرف إلى اختيار إمساكه.
(وقالا) أي: أبو يوسف ومحمد (يرجع بما بين قيمته)؛ يعني: يرجع بالنقصان، وبه قال الشافعي إن لم يمت من القطع، وإن مات منه يرجع بجميع الثمن كما قال أبو حنيفة، وهو اختيار المزني.
وعندنا: لو مات من القطع يرجع بنصف الثمن لا بكله.
(بسبب وجد في يد البائع): صورته: اشترى عبدًا مباح الدم؛ لقود أو ردة أو قطع طريق، فقتل عند المشتري؛ يرجع على البائع بكل الثمن عند أبي حنيفة، وبه قال الشافعي في قول، وهو اختيار المزني، وأبي إسحاق
المروزي.
وعندهما يقوم مباح الدم ومعصوم الدم، فيرجع بفضل ما بينهما، وبه قال الشافعي في قول، وهو اختيار ابن سريج (٢) وابن أبي هريرة من أصحابه.
وفي صحة بيع العبد الجاني له قولان، أحدهما: أنه يصح، واختاره المزني. والثاني: لا يصح، وما ذكرنا من القولين في الرجوع بكل الثمن والنقصان على قول صحة البيع. كذا في كتبهم.
قوله: (وأنه)؛ أي: سبب القطع والقتل (لا ينافي المالية) بدليل صحة البيع
стр. 4592
فَنَفَذَ العَقدُ فِيهِ، لَكِنَّهُ مُتَعَيِّبٌ فَيَرجِعُ بِنُقصَانِهِ عِنْدَ تَعَذَّرِ رَدِّهِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا اشْتَرَى جَارِيَة حَامِلًا فَمَاتَتْ فِي يَدِهِ بِالوِلَادَةِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِفَضلِ مَا بَينَ قِيمَتِهَا حَامِلًا إِلَى غَيْرِ حَامِل. وَلَهُ: أَنَّ سَبَبَ الوُجُوبِ فِي يَدِ البَائِعِ وَالوُجُوبُ يُفضِي إِلَى الوُجُودِ، فَيَكُونُ الوُجُودُ مُضَافًا إِلَى السَّبَبِ السَّابِقِ،
ونفاذ تصرفه فيه بالعتق وغيره، ولو كان لحل الدم أثر في انعدام المالية؛ لما صح البيع كما في الحر. كذا في الأسرار.
وفي المبسوط: ولهذا لو مات كان الثمن متقررًا على المشتري، وليس لولي القصاص حق في ماليته، حتى إن المشتري إذا اشتراه وولي الدم يأباه؛ يصح البيع ويملكه المشتري بخلاف المرتهن؛ فإنه لو أبي صحة بيع المرهون لا يصح بيعه؛ لتعلق حقه بالمالية، فعلم من هذا أن استحقاق العقوبة متعلق بآدميته لا بماليته، فلا يجرى استيفاء العقوبة مجرى الاستحقاق؛ لأن المستحق مستحق لماليته لا لآدميته إليه أشير في الأسرار، والمبسوط.
والحاصل أن السبب الموجود في يد البائع أوجب الفعل في الدم والحياة، لا في المالية، وإنما تذهب المالية باستيفاء القتل، وذلك فعل أنشأه المستوفي باختياره بعدما دخل المبيع في ضمان المشتري، بخلاف الاستحقاق؛ لأن المستحق هناك ما تناوله البيع فينتقض به قبضه من الأصل. كذا في الفوائد.
(عند تعذر رده) فالتعذر في صورة القتل ظاهر، وفي صورة القطع؛ لأن الاستيفاء غير الوجوب، فكان استيفاء القطع غير عيب حادث في يده، أما لو علم أنه مستحق القطع أو القتل قبل استيفائهما؛ فله أن يرده ويأخذ الثمن عندهما، وبه قال الشافعي.
(فإنه)؛ أي: المشتري (يرجع بفضل) إلى آخره وفي جامع قاضي خان: هذا إذا لم يعلم بحملها لا وقت الشراء ولا وقت القبض.
(وله)؛ أي: لأبي حنيفة أن سبب الوجوب؛ أي: وجوب القطع أو القتل.
(فيكون الوجود)؛ أي: وجود القطع أو القتل (مضافا إلى السبب السابق) وهو سرقته وقتله في يد البائع أوجب استحقاق الفعل، واستحقاقه أوجب
стр. 4593
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وجوده، ووجوده أوجب فوته، فصار فوته مضافًا إلى السبب بهذه الوسائط، فينتقض قبضه، كما لو استحقه مستحق وهلك في يد البائع.
والدليل على أن نسبة التلف إلى سبب الاستحقاق واجب، وأن المحل بحكم الاستحقاق يصير كالتالف: أنه لو حصل سبب استحقاق التلف في المغصوب في يد الغاصب، فرده على المالك ثم قتل، أو قطع بناء على ذلك السبب؛ يرجع المالك بكل القيمة أو بنصف القيمة على الغاصب. كذا في الكافي.
وفي بعض الفوائد، فكان السبب السابق بمنزلة علة العلة لفوات المالكية، فمن هذا الوجه المستحق كأنه المالية، نعم إن استحقاق النفسية في حكم الاستيفاء دون غيره، فبقي محلا لانعقاد البيع الصحيح، فإذا مات في يد المشتري؛ فلم يتم الاستحقاق في حكم الاستيفاء، فلهذا كان في ضمان المشتري، أما إذا قتل؛ فقد تم الاستحقاق وبطلت المالية، فلا يتعين أن يظهر الاستحقاق في حكم الاستيفاء دون غيره، كملك الزوج في زوجته، وملك من له القصاص، وإذا كان زوال المالية مضافًا إلى السبب السابق؛ فيرجع بالثمن، كما لو استحقه مالك أو مرتهن أو صاحب دين، وكما إذا قتل المغصوب أو قطع بجناية وحدث في يد البائع.
فإن قيل: يشكل هذا بمسائل:
منها: ما إذا اشترى جارية فوجدها محمومة، فلم يردها حتى ماتت في يده، فلا يضاف ذلك إلى السبب السابق، حتى لا يرجع بالثمن بل يرجع بالنقصان؛ وإن كان موتها بسبب الحمى التي كانت عند البائع.
وثانيها: أن البائع إذا قطع يد العبد أو قطعها غيره، ثم باعه المولى ولم يعلم به المشتري، فمات العبد من ذلك في يد المشتري؛ يرجع بالنقصان لا بالثمن.
وثالثها: ما إذا زَوَّجَ أمته البكر، ثم باعها وقبضها المشتري ولم يعلم به، ثم وطئها الزوج في يد المشتري؛ لا يرجع بنقصان البكارة؛ وإن كان زوال البكارة بسبب كان عند البائع.
стр. 4594
وَصَارَ كَمَا إِذَا قُتِلَ المَعْصُوبُ أَوْ قُطِعَ بَعدَ الرَّدِّ بِجِنَايَة وُجِدَتْ فِي يَدِ الغَاصِبِ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ المَسأَلَةِ مَمْنُوعٌ.
ورابعها: أن العبد لو زنى عند البائع، فجلد في يد المشتري فمات منه؛ لا يرجع على البائع بالثمن؛ وإن كان موته بسبب كان عند البائع.
وخامسها: أنه لو سرق في يد البائع، فقطعت في يد المشتري، فسرى القطع فمات؛ يرجع بنصف الثمن لا بِكُلِّهِ؛ وإن كان موته بسبب كان عند البائع.
قلنا: أما في المسألة الأولى؛ فإن الجارية لا تموت بمجرد الحُمَّى، بل بزيادة الآلام وترادفها، وبزيادة ضعف، وهذه الأسباب لم تكن في يد البائع، ولا كذلك فيما نحن فيه.
وأما الثانية؛ فإن البيع لما ورد على قطع البائع أو الأجنبي؛ قطع سراية القطع؛ لأن السراية حق البائع، فينقطع ببيع من له السراية، وفيما نحن [فيه] (١) السراية لغير من كان المبيع منه، فيمتنع انقطاع السراية بالبيع.
وأما الثالثة؛ فإن البكارة لا تستحق بالمبيع، حتى لو وجدها تيبا لا يتمكن من الرد.
وأما الرابعة؛ فإن المستحق هو الضرب المؤلم، واستيفاء ذلك لا ينافي المالية في المحل، وموته بذلك الضرب إنما كان لمعنى عارض عرض في يد المشتري، وهو خرق الجلاد أو ضعف المجلود، فلم تكن تلك الزيادة مستوفاة حدا.
وأما الخامسة؛ فقد ذكرنا جوانبها من المبسوط. هذا كله من المبسوط (٢)، والفوائد الظهيرية.
قوله: (وما ذكر من المسألة ممنوعة)؛ يعني عند أبي حنيفة: يرجع أيضًا بجميع الثمن، فإن الإمام قاضي خان وأبا زيد قالا: وأما مسألة الحامل فعلى قولهما، وأما على قول أبي حنيفة: يرجع بكل الثمن إذا ماتت من الولادة كما هو مذهبه ولئن سلمنا فنقول: الموجود في يد البائع الإعلاق، وأنه يوجب
стр. 4595
وَلَو سَرَقَ فِي يَدِ البَائِعِ ثُمَّ فِي يَدِ المُشتَرِي فَقُطِعَ بِهِمَا عِندَهُمَا يَرجِعُ بِالنُّقصَانِ كَمَا ذَكَرنَا.
وَعِندَهُ: لَا يَرُدُّهُ بِدُونِ رِضَا البَائِعِ لِلعَيبِ الحَادِثِ وَيَرْجِعُ بِرُبِعِ الثَّمَنِ (*)، وَإِنْ قَبِلَهُ البَائِعُ فَبِثَلَاثَةِ الأَربَاعِ؛ لِأَنَّ اليَدَ مِنَ الْآدَمِيِّ نِصْفُهُ
انفصال الولد، ولا يفضي إلى الإهلاك غالبا، بل الغالب هو السلامة عند الولادة، وهو نظير الزاني إذا جلد بخلاف ما إذا غصب جارية فحبلت في يد الغاصب، ثم ردها فولدت في يد المالك وماتت؛ يرجع على الغاصب بقيمة الجارية؛ لأن الرد لم يصح؛ لأن شرطه صحة الرد أن يردها كما أخذ، ولم يوجد، فصار كما لو هلكت في يد الغاصب، أما هاهنا الحبل لا يمنع صحة التسليم إلى المشتري. كذا في جامع العتابي، والمبسوط (١).
وفائدة الخلاف: فيما إذا اطلع على القتل أو القطع، ولم يقتل ولم يقطع، هل يجوز رده أم لا؟
فعند أبي حنيفة: لا يجوز رده؛ لأنه بالاستيفاء يكون بمنزلة الاستحقاق، وعندهما: يجوز، وبه قال الشافعي؛ لأنه بمنزلة العيب، وكونه مستحقا للقطع أو للقتل عيب، سواء استوفى أم لا.
وفي تتمتهم: وفائدة الخلاف: تظهر في أمر الكفر والدين، فعلى طريقة المروزي؛ على البائع، وعلى طريقة ابن سريج (٢)، على المشتري.
قوله: (فبثلاثة الأرباع)؛ يعني: لو قتل البائع هذا العبد المقطوع من السَّرِقَتَين اللتين وجدت إحداهما في يد البائع، والثانية في يد المشتري؛ يرجع المشتري على البائع بثلاثة أرباع الثمن، أما بنصفه؛ فلرد المشتري العبد، فيرجع على البائع بنصف الثمن لذلك، [وأما النصف الثاني] (٣) فقد فات بسبب قطع اليد لأن اليد الواحدة من الآدمي نصفه إلا أن ذلك القطع [مضاف] (٤) إلى
стр. 4596
وَقَدْ تَلِفَت بِالجِنَايَتَينِ، وَفِي إِحدَاهُمَا رُجُوعٌ فَيَتَنَصَّفُ؛ وَلَو تَدَاوَلَتَهُ الأَيدِي ثُمَّ قُطِعَ فِي يَدِ الأَخِيرِ رَجَعَ البَاعَةُ بَعضُهُم عَلَى بَعض عِندَهُ كَمَا فِي الاسْتِحْقَاقِ، وَعِندَهُمَا: يَرْجِعُ الأَخِيرُ عَلَى بَائِعِهِ وَلَا يَرْجِعُ بَائِعُهُ عَلَى بَائِعِهِ (*)؛ لِأَنَّهُ بِمَنزِلَةِ العَيبِ.
السرقتين، فانقسم عليهما بنصفين، فكان نصف هذا النصف فواته بسبب كان عند البائع، فلذلك يرجع المشتري عليه بثلاثة أرباع الثمن.
فإن قيل: أليس أنه إذا حدث عند المشتري عيب، ثم اطلع على عيب كان عند البائع، ورضي البائع برده وقبله؛ يرجع المشتري هناك بجميع الثمن، فلم انتقص هاهنا ربع الثمن، مع أن هذه المسألة نظيره؟
قلنا: لا نسلم أنها نظير تلك؛ لما أن القول وهو الرجوع بثلاثة أرباع الثمن قول أبي حنيفة لا قولهما، فإن عندهما يجري هذا مجرى العيب، وعنده يجري مجرى الاستحقاق والغصب كما ذكرنا، وفي الغصب الحكم كذلك؛ فإنه إذا غصب عبدًا وسرق عنده فرده على المالك فقُطِعَ في يد المالك؛ فإن المالك يرجع على الغاصب بنصف القيمة، فكذلك هاهنا كذا في الفوائد الظهيرية.
وقوله: (لأن اليد من الآدمي نصفه) دليل قوله: (يرجع بنصف الثمن).
قوله: (ولو تداولته الأيدي)؛ أي: ما سرق في يد البائع الأول.
والباعة: جمع البائع، كالحاكة جمع الحائك، والقافة جمع القائف.
(عنده)؛ أي: عند أبي حنيفة، وبه قال بعض أصحاب الشافعي.
(يرجع الأخير)؛ أي: المشتري الأخير (على بائعه، ولا يرجع بائعه على بائعه) وبه قال أكثر أصحاب الشافعي؛ لأن المشتري الأخير لم يصر حابسا المبيع، حيث لم يبعه، ولا كذلك الآخرون؛ فإن البيع يمنع الرجوع بالنقصان؛ لما ذكر قبل في مسألة [قتل] (١) المشتري بقوله؛ ألا ترى أن البيع مما يقصد بالشراء، ثم هو يمنع الرجوع، ولو أعتقه المشتري فقطعت يده أو قتل؛ فعندهما يرجع بنقصان العيب كما في سائر العيوب، وعنده لا يرجع؛ لأن القطع والقتل
стр. 4597
وَقَولُهُ: فِي الكِتَابِ وَلَم يَعلَم المُشتَرِي، يُفِيدُ عَلَى مَذْهَبِهِمَا؛ لِأَنَّ العِلْمَ بِالعَيبِ رِضًا بِهِ، وَلَا يُفِيدُ عَلَى قَولِهِ فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ العِلمَ بِالاسْتِحْقَاقِ لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ.
قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا وَشَرَطَ البَرَاءَةَ مِنْ كُلِّ عَيبٍ، فَلَيسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بِعَيبٍ،
لم يتضمنا تفويت المالية هنا؛ لانعدام المالية يوم القطع والقتل. كذا ذكره الإمام قاضي خان.
(وقوله)؛ أي: قول محمد (في الكتاب)؛ أي: الجامع الصغير (ولم يعلم المشتري)؛ يعني: قال في أول المسألة: ولم يعلم به. هذا القيد يقيد على قولهما؛ لأن العلم بالعيب رضًا به، فلا يتمكن من الرد.
(ولا يفيد على قوله)؛ أي: على قول أبي حنيفة (في الصحيح) لأن العلم بالاستحقاق لا يمنع الرجوع بكل الثمن، كما لو اشترى ملك الغير على رجاء الإجازة ولم يجزه واستحقه؛ يرجع بكل الثمن.
وقوله: (في الصحيح) احتراز عن الرواية الأخرى عن أبي حنيفة: أنه لا يرجع كما هو قولهما؛ لأن حل الدم من وجه كالاستحقاق، ومن وجه كالعيب [حتى] (١) لا يمنع صحة البيع ونفاذه، فلشبهه بالاستحقاق يرجع بكل الثمن عند الجهل به، ولشبهه بالعيب لا يرجع عند العلم بشيء؛ عملا بالشبهين. كذا في الكافي.
ليس له أن يرده بعيب لصحة الشرط والبيع. وقال زفر: البيع صحيح، والشرط فاسد إذا كان مجهولاً، حتى لو عدد العيوب صحت البراءة أيضًا.
وفي مختلف أبي الليث: البيع باطل عنده.
وفي الإيضاح والمتن: ذكر قوله مع محمد في أن الحادث لا يدخل، وهذا الاختلاف عنه محمول على اختلاف الروايات عنه، فزفر يقول: مقتضى العقد ثبوت الملك مطلقا، سليمًا كان أو غير سليم، فلم تكن سلامة المبيع من مقتضيات العقد، بل من مقتضيات الشرط الذي يدل على ظاهر حال المشتري، حيث لا يرضى إلا بالتسليم، فإذا اشترط البراءة فقد ترك شرط السلامة، فكان
стр. 4598
وَإِنْ لَم يُسَمِّ العُيُوبَ بِعَدَدِهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَصِحُ البَرَاءَةُ بِنَاء عَلَى مَذْهَبِهِ أَنَّ
هذا الشرط مقررًا لما يقتضيه العقد، إلا أن الشرط في نفسه مجهول فيفسد، حتى لو كانت البراءة عنها معلومة صح الشرط. وفي بعض النسخ: (لم يعدها) وهو الصحيح.
قوله: (وقال الشافعي: لا تصح البراءة) عن كل عيب ما لم يسم فيقول: من عيب كذا، ومن عيب كذا. ثم اعلم أن للشافعي فيه طريقان، أشهرهما - وبه قال ابن سريج وابن الوكيل والإِصْطَخْرِي -: أنه قال على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يبرأ، وبه قال علماؤنا؛ لقوله ﵇: «المسلمون عند شروطهم» (١) ويروى ذلك عن ابن عمر وزيد بن ثابت. ولأن خيار الشرط إنما يثبت لاقتضاء العقد مطلق السلامة، فإذا صرح بالبراءة فقد ارتفع الإطلاق.
وثانيها: أنه لا يبرأ عن عيب ما؛ لأن خيار العيب ثابت بالشرع، فلا ينتفي بالشرط كسائر مقتضيات العقد، وبه قال أحمد في رواية عنه. وفي رواية: يبرأ عما لا يعلمه دون ما يعلمه.
وثالثها - وهو الأصح، ويروى عن مالك -: أنه لا يبرأ في غير الحيوان، ويبرأ في الحيوان عما لا يعلمه دون ما يعلمه؛ لما روي أن ابن عمر باع عبدًا من زيد بن ثابت بشرط البراءة، فوجد زيد به عيبًا، فأراد رده، فلم يقبله ابن عمر، فترافعا إلى عثمان بن عفان ﵁، فقال عثمان لابن عمر: أتحلف أنك لم تعلم بهذا العيب؟ فقال: لا، فرده عليه. فرق عثمان وزيد بين كون العيب معلومًا وغير معلوم، والفرق من جهة المعنى: أن كتمان المعلوم تلبيس.
وفرق الشافعي بين الحيوان وغيره فقال: الحيوان يأكل ويتغذى في حالتي صحته وسقمه، ويتحول طبعه، وقليلا ما ينفك عن عيب خفي أو ظاهر، فيحتاج البائع إلى هذا الشرط ليثق بلزوم العقد.
والطريق الثاني - وبه قال ابن خيران وأبو إسحاق -: القطع بالقول الثالث، ونصه في المختصر. كذا في شرح الوجيز (٢).
стр. 4599
الإِبْرَاءَ عَنْ الحُقُوقِ المَجْهُولَةِ لَا يَصِحُ. هُوَ يَقُولُ: إِنَّ فِي الإِبْرَاءِ مَعَنَى التَّمْلِيكِ حَتَّى يَرْتَدَّ بِالرَّدِّ، وَتَمْلِيكُ المَجْهُولِ لَا يَصِحُ. وَلَنَا: أَنَّ الجَهَالَةَ فِي الإِسْقَاطِ لَا تُفْضِي إِلَى المُنَازَعَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي ضِمنِهِ التَّمْلِيكُ لِعَدَمِ الحَاجَةِ إِلَى التَّسْلِيمِ، فَلَا تَكُونُ مُفْسِدَةٌ،
وفي تتمتهم: فالمذهب أن العقد فاسد؛ لأن شرط البراءة يتضمن رفقا بالبائع، وهو ألا يفسد عليه العقد ولا يسترد منه الثمن، وكل شرط لا يقتضيه العقد ويتضمن رفقًا بأحد المتعاقدين؛ فهو مفسد للعقد، كالبيع بشرط الأجل والرهن والضمين.
وفي الحلية: لو قلنا الشرط باطل، فهل يبطل البيع؟ فيه وجهان، أظهرهما: أنه يبطل (١).
(هو)؛ أي: الشافعي (يقول: في الإبراء معنى التمليك ولهذا يرتد بالرد) حتى إن رب الدين لو أبرأ المديون من دينه، فرد المديون إبراءه؛ لم يصح الإبراء، وكذا لا يصح تعليق الإبراء بالخطر، بأن قال: أبرأتك عن العيب أو الدين إن فعلت كذا؛ لما فيه من معنى التمليك وتمليك المجهول لا يصح كبيع شاة من قطيع.
(ولنا: أن الجهالة في الإسقاط)؛ يعني: الإبراء إسقاط، حتى يتم بلا قبول كالطلاق والعتاق، ولا يصح تمليك العين بلفظ الإبراء، والجهالة بنفسها لا تبطل التمليكات، بل لمعنى فيها؛ وهو تفويت التسليم الواجب بالعقد؛ ألا ترى أن بيع قفيز من صبرة يجوز وإن كان مجهولًا؛ لأنه لا يؤدي إلى المنازعة، وفوات التسليم وبيع شاة من قطيع لا يجوز؛ للمنازعة بسبب التفاوت، والمسقط متلاشي لا يحتاج إلى التسليم، فالجهالة فيه لا تفضي إلى النزاع.
(فلا تكون)؛ أي: الجهالة (مفسدة) وقد أجمعت الصحابة على جواز هذا البيع بهذا الشرط، وإنما اختلفوا في صحة الشرط، وقال ﵇: «المُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» (٢).
стр. 4600
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والدليل على صحة الإبراء عن الحقوق المجهولة: حديث علي حين بعثه رسول الله ﷺ ليصالح بين بني جذيمة، وذلك أنه ﵇ بعث أولا خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فقتل منهم قتلى، وقد كانوا اعتصموا بالسجود، فدفع ﵇ عليا مالا فواداهم حتى ميلغة الكلب، وبقي في يده مال، فقال: هذا لكم مما لا تعلمون أنتم ولا يعلمه رسول الله، فبلغ ذلك رسول الله فسر به (١)، فهذا دليل على جواز الصلح عن الحقوق المجهولة.
وروي أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ في مواريث درست، فقال ﵇: «اِسْتَهِمَا وَتَوخَّيَا الحَقَّ، وَلْيُحَلِّلْ كلُّ واحدٍ مِنكُما صَاحِبَهُ» (٢).
وفيه إجماع المسلمين أيضًا؛ لأن كل من حضره الموت في كافة الأعصار؛ استحل من معاملاته من غير نكير.
والمعنى الفقهي ما ذكرنا. ولأن هذا الشرط مقرر مقتضى العقد؛ إذ مقتضاه اللزوم، وبهذا الشرط يلزم العقد، سليمًا كان المبيع أو معيبًا، والبائع بهذا الشرط يمنع من التزام ما لا يقدر على تسليمه؛ لأن عند إطلاق العقد يلتزم تسليم المبيع بصفة السلامة، ولو كان معيبًا يكون عاجزا عن تسليمه سليما، وبهذا الشرط يلزم التسليم على الصفة التي عليها المبيع، وهو قادر على تسليمه بتلك الصفة، والقدرة على التسليم شرط جواز البيع، وقد وجد؛ لأنه مشار إليه معلوم بالإشارة إلى عينه أو مكانه.
وأما قوله: (يرتد بالردّ) فنعم؛ لما فيه من معنى التمليك حكمًا، وهذا الشبه لا يؤثر في فساد ما قلنا؛ لأنا قلنا: إن محض التمليك لا يبطل بجهالة لا يفوت التسليم بها؛ لعدم إفضائها إلى المنازعة، فلأن لا يمنع صحة الإسقاط [أولى] (٣)، مع أن المسقط لا يحتاج إلى التسليم؛ لأنه قد يكون متلاشيا فلا تؤثر فيه الجهالة. كذا في المبسوط (٤)، وإليه أشير في الأسرار.
стр. 4601
وَيَدْخُلُ فِي هَذِهِ البَرَاءَةِ العَيبُ المَوجُودُ وَالحَادِثُ قَبلَ القَبْضِ فِي قَولِ أَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: لَا يَدْخُلُ فِيهِ الحَادِثُ وَهُوَ قَولُ زُفَرَ ﵀ (*)؛ لِأَنَّ البَرَاءَةَ تَتَنَاوَلُ الثَّابِتَ. وَلِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّ الغَرَضَ إِلزَامُ العَقدِ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ عَنْ صِفَةِ السَّلَامَةِ، وَذَلِكَ بِالبَرَاءَةِ عَنِ المَوجُودِ وَالحَادِثِ.
مما ذكرنا يعلم جواب تمسكات زفر والشافعي بالتأمل.
قوله: (ويدخل في هذه البراءة) إلى آخره: وإنما قال (في هذه البراءة) احترازًا عن البراءة التي شرطها البائع في قوله (بعته على أني بريء من كل عيب به) أنه لا يبرأ عن الحادث بالإجماع. كذا في شرح الطحاوي والإيضاح.
(في قول أبي يوسف)؛ أي: في ظاهر الرواية عنه، وهو قول أبي حنيفة أيضًا.
(وقال محمد: لا يدخل الحادث): وبه قال الحسن وزفر والشافعي ومالك وأبو يوسف في رواية؛ لأن ذلك مجهول لا يدرى أيحدث أم لا؟ وأي مقدار يحدث؟ والبراءة تتناول الثابت فينصرف إلى الموجود عند العقد، ولو صرح بالتبري عن الذي يحدث قبل القبض يفسد العقد به فلو دخل في هذا الشرط يفسد العقد به أيضًا.
(بإسقاط حقه)؛ أي: حق المشتري (عن وصف السلامة)؛ يعني: الغرض من هذا الشرط انبرام العقد ولزومه على وجه لا يرد عليه النقض، وذا لا يحصل إلا إذا دخل الموجود والحادث قبل القبض في البراءة؛ لأن الحادث كالموجود في حق ثبوت الرد، فكذلك جعل الحادث كالموجود في حق سقوط الرد ليحصل الغرض.
فإن قيل: كيف يصح هذا القول من أبي يوسف والرواية منصوصة في شرح الطحاوي والمبسوط؛ لأنه لو باع بشرط البراءة من كل عيب وما يحدث يفسد العقد بالإجماع، ومتى فسد بتنصيصه كيف يدخل في مطلق البراءة عنده.
قلنا: ذكر في الذخيرة: أنه باع بشرط البراءة عن كل عيب، وما يحدث بعد البيع قبل القبض يصح عند أبي يوسف خلافًا لمحمد، وذكر في المبسوط في
стр. 4602
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
موضع آخر: ولا رواية عن أبي يوسف فيما إذا نصَّ على البراءة عن كل عيب حادث (١)، ثم قال: وقيل: ذلك صحيح عنده؛ باعتبار أنه يقيم السبب وهو العقد مقام العيب الموجب للرد في صحة الإسقاط، ولئن سلمنا، فالفرق: أن هاهنا ظاهر لفظه يتناول الموجود، ثم يدخل الحادث قبل القبض فيه تبعًا، وقد يدخل تبعا في التصرف ما لا يجوز أن يكون مقصودًا بذلك التصرف، كالشرب في بيع الأرض، والمنقولات في وقف القربة.
وفي المبسوط وشرح الطحاوي: لو اختلفا في العيب في أنه موجود وقت العقد أم لا؟ فقال المشتري: إنه حادث، وقال البائع: بل كان موجودًا وقت العقد، فإن شرط البراءة عن كل عيب به؛ فالقول للمشتري، وإن كان شرط البراءة عن كل عيب؛ فعلى قول محمد: القول للبائع مع يمينه على أنه حادث؛ لأن بطلان حق الفسخ للمشتري ظاهر لشرط البراءة، وثبوت حق الفسخ له لحدوث عيب باطن، فإذا ادعى المشتري باطنا ليزيل به ظاهرا؛ لم يصدق إلا بحجة.
وعند زفر: القول للمشتري؛ لأنه هو المسقط لحقه، فالقول في بيان ما أسقط قوله، كما في الفصل الأول.
مسائل تتعلق بهذا الباب
في الإيضاح: لو شرط البراءة من كل عيب به، أو خصَّ ضربًا من العيوب؛ لم ينصرف إلى الحادث بالإجماع، ولو شرط البراءة من عيب واحد، شجة أو جرح، فوجد شجتين؛ فعند أبي يوسف: الخيار للبائع من التعيين. وعند محمد: للمشتري، فيرد بأيهما شاء.
وهذا الاختلاف فيما إذا تعذر رده بموت، أو حدوث عيب آخر، ثم أراد المشتري الرجوع بالنقصان؛ فأبو يوسف يعتبر حصول نفع البراءة للبائع، فيصير كأن المشتري خيره، ولأنه برد نقصان أحدهما ضره كأن لم يكن، فبقي الآخر تحت إبرائه.
стр. 4603
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال محمد: السقوط مضاف إلى إبراء المشتري، والإجمال من جهته وجد، فكان البيان إليه.
ولو أبرأه من كل غائلة، فهي السرقة والإباق والفجور. كذا روي عن أبي يوسف؛ لأن الغائلة ما كان من فعل الإنسان، وهذه الغيول هي التي تختص بالفعل.
ولو أبرأه من كل داء؛ فعن عن أبي حنيفة: الداء ما في البطن في العادة، وما سوى ذلك يسمى مرضًا. وقال أبو يوسف: يتناول الكل لإطلاقه.
وفي جمع التفاريق: قطع الإصبع عيب، وقطع الإصبعين عيبان، والأصابع مع نصف الكف عيب واحد.
ولو قبل في البيع على أنه معيوب يبرأ من الخروق، يدخل الرقع والرفو فيها، ولو تبرأ من كل سن سوداء؛ تدخل الحمراء والخضراء، ولو تبرأ من كل قرح؛ تدخل القروح الدامية.
وفي المحيط: لو قال: أبرأتك من كل عيب بعينه، فإذا هو أعور؛ لا يبرأ؛ لأنه عدم المحل لا عيب فيه. ولو قال: أنا بريء من كل عيب إلا إباقه؛ برئ من إباقه. ولو قال: إلا الإباق؛ فله الرد بالإباق.
ولو قال: أنت بريء من كل حق لي قبلك؛ دخل العيب وهو المختار، دون الدرك. ولو قال المشتري: ليس به عيب؛ لم يكن إقرارًا بانتفاء العيوب، حتى لو وجد به عيبا رده، ولو عين فقال: ليس بابق؛ صح إقراره. ولو وجد به عيبا، فاصطلحا على أن يدفع أو يحط دينارًا؛ جاز، ولو دفعه المشتري ليرد؛ لم يجز؛ لأنه ربا، وزوال البيع يبطل الصلح، ويرد على البائع ما بدل أو حط قبل، إذا زال بعد خروجه عن ملكه لم يرد العوض.
ولو صالحه بعد الشراء من كل عيب بدرهم؛ جاز وإن لم يجد به عيبًا. ولو قال: اشتريت منك العيوب؛ لم يجز، وحذف الحروف أو بعضها، أو النقط أو الإعراب في المصحف؛ عيب. وترك خط المصحف عيب.
وجد به عيبًا، واصطلحا على أن يحط كل واحد عشرة، ويأخذه الأجنبي
стр. 4604
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما وراء المحطوط، ورضي به الأجنبي؛ جاز، وجاز حط المشتري دون البائع، وللأجنبي بما وراء العشرة من الثمن أو يترك.
ولو قصر المشتري الثوب فإذا هو متخرق وقال المشتري: لا أدري تخرق عند القصار أو عند البائع، فاصطلحوا أن يقبله المشتري ويرد عليه القصار درهما والبائع درهما؛ قيل: هذا غلط.
وتأويله: أن يضمن القصار أولا للمشتري، ثم يدفع المشتري ذلك إلى البائع.
وفي كتبهم: لو قال البائع للمشتري: أمسك المبيع وأنا أعطيك أرش العيب؛ لم يجبر على قبوله، ولو طلب المشتري ذلك؛ لم يجبر البائع على دفعه، ولو تراضيا عليه؛ ففيه وجهان: المذهب أنه لا يجوز. والثاني: أنه يصح الصلح، وهو قول أبي حنيفة ومالك.
وقال أحمد: للمشتري أن يمسك المبيع، ويطالب البائع بأرش العيب، ويجبر على دفعه إليه.
وفي المجتبى: أدخل المشتري القدوم في النار، أو حَدَّ المنشار، أو حلب الشاة أو البقرة؛ لم يردّ، سواء كان في المصر أو غيره. وفي المصر يرد بقلة اللبن عند الشافعي ومالك وأحمد وزفر ورواية عن أبي يوسف، وله الخيار إلى ثلاثة أيام. وعندنا: لا يرد، والمسألة مذكورة في الأصول.
وفي غير المُصرَّاة إذا حلب ثم وجد عيبًا؛ لا يرد عند الشافعي أيضًا، والمصراة شاة أو بقرة، أو ناقة شد ضرعها ليجمع لبنها، فيظنها المشتري غزيرة اللبن، وبعد الحلب، ليس له ردها عندنا. وهل يرجع بالنقصان؟
في رواية الكرخي: لا يرجع. وفي رواية شرح الطحاوي: يرجع لفوات وصف مرغوب فيه بعد حدوث زيادة منفصلة عن الأصل. وقيل: لو اختير هذه الرواية للفتوى لكان حسنًا؛ لغرور المشتري بالتصرية، فاغتراره بهذا الفعل كاغتراره بقول البائع: إنها حلوب، وفيه: لو تبين خلافه بعد الولادة؛ يرجع، فكذا هاهنا.
وعند الشافعي ومالك وزفر وأحمد ورواية عن أبي يوسف: التصرية عيب،
стр. 4605
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يردها مع اللبن المحلوب إن كان باقيًا، وإلا ردّها ومعها صاعًا من التمر؛ لحديث أبي هريرة أنه ﵇ قال: «مَنِ اشْتَرَى مُحَفَّلَةً» (١) الحديث.
ولنا: قوله ﵇: «المتبايعانِ بِالخِيَارِ ما لَمْ يَتَفَرِّقَا» (٢) مطلق، ولأنه وجد ما يمنع الرد؛ وهو الزيادة المنفصلة المتولدة، وقد شنعوا على أصحابنا في تركهم حديث أبي هريرة وعملهم بالقياس، ونسبوه إلى القدح في أبي هريرة، وحاشى لله؛ فإن أصحابنا في تركهم روايته تابعوا الأجلاء [من] (٣) الصحابة في ردهم رواية أبي هريرة عند مخالفة الأصول، كما في حديث: الوضوء مما مسته النار؛ فردَّه ابن عباس، وفي حديث «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْمَ لَهُ» (٤) فقالت عائشة: نحن أعلم ورده علي، وهؤلاء مقدمون على أبي هريرة في الفقه والفتوى، ولا نظن بأبي هريرة إلا الصدق في روايته، لكنه يحتمل ما رواه بالمعنى الذي وقع عنده لا بلفظ الحديث، أو أنه ﵇ أخبر عن وقوع هذه الحادثة بطريق الصلح، فسمع ما ظنه حكما فأطلقه، مع أنه يخالف الكتاب والسنة وغيره كما ذكر في الأصول.
ولأنه ربما كان ثمن الشاة قيمة صاع من تمر، فلو أوجبنا الرد به؛ يسلّم المبيع البائع، والتمر زيادة فيحمل خبره على ما يوافق الأصول؛ لأنها مقطوع بها، فلا يترك بالظن وهو خبر الواحد. كذا في شرح المجمع، والمباسيط.
وروى الطحاوي عن أبي حنيفة أنه قال: هذا الحديث منسوخ، ثم اختلف في ناسخه:
قال محمد بن شجاع: نسخه قوله ﵇: «البَيِّعَانِ بالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرِّقَا إِلَّا بَيْعَ الخِيَارِ» (٥) فلما قطع النبي ﵇ الفرقة بالخيار؛ ثبت أنه لا خيار إلا ما استثناه.
стр. 4606
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال الطحاوي: هذا ضعيف؛ لأن الخيار المجهول في المُصَرَّاةِ خيار العيب، وخيار العيب لا تقطعه الفرقة بالاتفاق.
قيل: فيما ذكره الطحاوي نظر؛ فإن في رواية الأسرار: لا يرجع بالنقصان؛ لأن اجتماع اللبن في الأصل لا يكون عيبا، فكذا جمعه، فعلم بهذا أن التصرية ليست بعيب، فلا يكون هذا الخيار خيار عيب، فيجوز أن تقطعه الفرقة.
وقال عيسى بن أبان: كأن ما روي عن النبي ﵇ من الحكم في المُصَرَّاةِ؛ في وقت كانت العقوبات تؤخذ بالأموال.
قال أبو جعفر: والذي قاله عيسى محتمل، غير أني رأيت في ذلك وجها هو أشبه عندي بنسخه؛ وذلك أن اللبن الذي احتلبه المشتري في ثلاثة أيام قد كان بعضه في ملك البائع قبل الشراء، وبعضه حدث في ملك المشتري، فكان ما في يد البائع مبيعًا، فإذا وجب نقض البيع في الشاة وجب نقضه فيه، وما حدث في ملك المشتري يملكه بسبب البيع؛ إذ حكمه حكم الشاة؛ لأنه من بدنها، وقد جعل النبي ﵇ جميع لبنها بالصاع بعد ردها، وقد تلف بعض اللبن، فكأن المشتري قد ملك صاعًا لبنًا بصاع من تمر دينا، فدخل ذلك في بيع الدين بالدين، ثم «نهيه ﵇ عن بيع الدين بالدين»، [فنسخ هذا] (١) ما كان قد تقدم في المصراة مما حكمه حكم بيع الدين بالدين. كذا في اللباب (٢).
وفي المجتبى: والوقف والمسجد يمنع الرد والرجوع بالأرش عند محمد.
وعند أبي يوسف: يرجع بالأرش.
ولو اشترى ضيعة مع غلاتها فوجدها معيبة؛ ردها في الحال؛ لأنه إن جمع غلاتها يكون رضًا، وإن تركها يزداد العيب فيمتنع الرد. ولو وجد عيبا بالدابة في طريق السفر، وهو يخاف على الحمل، حمله عليها فأمضى سفره؛ ترد وهو معذور.
стр. 4607
بَابُ البَيعِ الفَاسِدِ
باب البيع الفاسد
فلما ذكر البيع الصحيح مع توابعه شرع في الفاسد؛ لأن الصحيح هو الأصل.
ووجه مناسبته الخاصة بعد الأبواب المتقدمة: تضمنها لشرعية الفسخ.
ولقب الباب بالفاسد؛ لأنه يشمل الباطل والفاسد والمكروه، فالباطل: ما لا يكون مشروعا بأصله ووصفه لانتفاء ركنه أو محله، يقال: بطل اللحم إذا دَوَّدَ وسَوَّسَ بحيث لا يُنتفع به.
والفاسد: ما يكون مشروعا بأصله دون وصفه، ويثبت الملك به إذا اتصل به القبض، يقال: فسد اللحم إذا صار ذا نتن بحيث لا يمكن الانتفاع به.
والمكروه: ما كان مشروعًا بأصله ووصفه، لكن جاوره شيء آخر منهي عنه، فكان الفاسد شاملا للكل؛ لأن الفاسد فائت الوصف، والباطل فاسد الأصل والوصف، والمكروه فائت وصف الكمال، فيكون فوات الوصف موجودًا في الجميع؛ فلهذا لقب الباب به.
وفي الفوائد: سبب الفساد ستة: العجز عن التسليم، والجهالة، وعدم الملك، والغرور، والشرط الفاسد، والنهي.
وذكر في التحفة هذه الستة وقال: ومنها بيع ما هو مملوك له قبل القبض، ومنها بيع الأمتاع مقصودا، ومنها بيع ما اشترى بجنس الثمن بأقل مما باعه قبل نقد الثمن.
قوله: (أو كلاهما محرمان)، فإن قيل: ما فائدة قوله (أو كلاهما محرمان)؛ لأن حرمة أحدهما إذا كانت مانعة الانعقاد صحيحًا، فتكون حرمة كلاهما بالطريق الأولى ضرورة؟
قلنا: إنه أشار إلى أن وصف الحرمة وصف لا يختلف الحكم بين أن يكون مُتمكِّنا فيهما أو في إحداهما، بخلاف الإطلاق والعدم بين أن يكونا في أحدهما وبين أن يكون فيهما، أما وصف الحرمة لا يتفاوت بينهما. كذا نقل عن العلامة
стр. 4608
(وَإِذَا كَانَ أَحَدُ العِوَضَيْنِ أَوْ كِلَاهُمَا مُحَرَّمًا، فَالبَيعُ فَاسِدٌ، كَالبَيعِ بِالمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَالخِنزِيرِ وَالخَمْرِ، وَكَذَا إِذَا كَانَ غَيْرَ مَمْلُوكٍ كَالحُرٌ) قَالَ ﵁: هَذِهِ فُصُولٌ جَمَعَهَا، وَفِيهَا تَفصِيلُ نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَنَقُولُ: البَيعُ بِالمَيْتَةِ وَالدَّمِ بَاطِلٌ، وَكَذَا بِالحُرِّ
مولانا حافظ الدين.
وقيل: قوله (في أحد العوضين) يوهم أن انتفاء الحرمة فيه يستلزم الجواز، وانتفاء الحرمة فيه قد تكون بانتفاء الحرمة فيهما، وقد تكون بثبوت الحرمة فيهما، فقال: (أو كلاهما)؛ ليزول هذا الوهم، فإنه يجوز أن يكون الشيء منفرداً مانعا، ومع شيء آخر لا يكون مانعا.
(جمعها)؛ أي: صاحب القدوري الفصول في حكم واحد وهو الفساد، لكن فيها تفصيل.
(بالميتة والدم باطل)؛ أي: بإجماع الفقهاء، سواء جعلهما مُثَمَّنًا أو ثمنًا، ثم هذا يحتاج إلى التأويل عندنا، فإن البيع محلى باللام فكان ميتا، ولا جميع البياعات من بيع المسلم والكافر، ويجري على عمومه في الميت الذي مات حتف أنفه، أما في الميتة المنخنقة والموقوذة؛ فلا يجري على عمومه، فإن بيع المنخنقة والموقوذة جائز عند أهل الكفر. ذكره المصنف في التجنيس فقال: أهل الكفر إذا باعوا الميتة فيما بينهم لا يجوز؛ لأنها ليست بمال عندهم، ولو باعوا ذبيحتهم، وذبيحتهم أن يخنقوا الشاة أو يضربوها حتى تموت جاز؛ لأنها عندهم بمنزلة الذبيحة عندنا.
وفي جامع الكرخي: يجوز البيع بينهم عند أبي يوسف، خلافًا لمحمد.
لأبي يوسف: أنهم يتمولون ذبائحهم كما يتمولون الخمر، فجاز تصرفهم في ذبيحتهم كما في الخمر.
وجه قول محمد: أن أحكامهم كأحكامِنَا شرعًا، إلا ما استثنى بعد الإيمان، والذي استثنى لهم الخنزير والخمر، وما سوى ذلك على أصله.
واتفق الرواة عن أبي حنيفة: أن بيع الأشربة المحرمة يجوز إلا الخمر، ولم يُجَوِّز أبو يوسف ومحمد بيع ما حرم وشربه، والضمان على القولين فرع الاختلاف في جواز البيع.
стр. 4609
لانعِدَامِ رُكنِ البَيعِ وَهُوَ مُبَادَلَةُ المَالِ بِالمَالِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا تُعَدُّ مَالًا عِنْدَ أَحَدٍ، وَالبَيعُ بِالخَمرِ وَالخِنزِيرِ فَاسِدٌ لِوُجُودِ حَقِيقَةِ البَيعِ، وَهُوَ مُبَادَلَةُ المَالِ بِالمَالِ، فَإِنَّهُ مَالٌ عِنْدَ البَعْضِ
وفي الذخيرة: أراد بالميتة: ما مات حتف أنفه، أما التي ماتت بالسبب كالخنق والجرح في غير موضع الذبح؛ فالبيع فاسد لا باطل، وكذلك ذبائح المجوس هي مال متقوم عندهم بمنزلة الخمر.
والمراد بقوله (عند أحد) على هذا التقدير: أن يموت حتف أنفه في حق الميتة كما ذكرنا.
وقيل: المراد من (أحد) من له دِين سماوي؛ لأن الذي ليس له دين سماوي كالجماد لا يعتبر، وبيع الحر وإن كان جائزا عند البعض، وهذا لا يؤثر في الجواز؛ لأن الحرية تقتضي الخلوص، والخلوص يمنع التقوم والمالية. كذا في بعض الشروح.
(فإنه)؛ أي: الخمر (مال عند البعض).
في المبسوط (١): البيع بالخمر عقد موجب للملك بالقبض، فإن محل العقد (٢) المالية في البدلين، وبتخمر العصير لا تنعدم المالية، وإنما ينعدم التقوم شرعًا، فإن المالية يكون منتفعا بها، وقد أثبت الله تعالى ذلك في الخمر بقوله: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، ولأنها كانت العين مالاً متقوما قبل التحريم، وإنما ثبت بالنص حرمة التناول ونجاسة العين، وليس من ضرورته انعدام المالية كالدهن النجس والسرقين، إلا أنه فسد تقومها؛ لضرورة وجوب الاجتناب عنها بالنص، ولهذا تثبت مالاً متقوما في حق أهل الذمة، فانعقد العقد لوجود ركنه في محله بصفة الفساد. وهكذا ذكر في الإيضاح.
ثم بيع هذه الأشياء لا يجوز بالنص، والإجماع، والمعقول:
أما النص: فقوله ﵇: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذا حرَّمَ شيئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ» (٣) وقال:
стр. 4610
وَالبَاطِلُ لَا يُفِيدُ مِلكَ التَّصَرُّفِ.
وَلَو هَلَكَ المَبِيعُ فِي يَدِ المُشتَرِي فِيهِ يَكُونُ أَمَانَة عِنْدَ بَعْضِ المَشَايِخِ، لِأَنَّ
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المادة: ٣]، وقال ﵇: «حُرِّمَتِ الخَمْرُ لِعَيْنِهَا» (١) وقال ﵇: «لَعَنَ اللهُ الخَمْرَ وبائِعَها وَمُشْتَرِيَها» (٢)، وقال ﵇ حكاية عن الله تعالى: «ثلاثة أنا خصمهم يومَ القيامةِ، ومَنْ كنتُ خصمَهُ خَصَمتُهُ: رجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجَرَ أجيرًا فَاسْتَوْفَى عَمَلَهُ وَلَمْ يُؤَدِّهِ أَجْرَهُ، ورَجلٌ أَعطَى ثُمَّ غَدَرْ» (٣) وقال ﵇: «إِنَّ أَعْتَى الناسِ عَلَى اللهِ تَعَالَى ثلاثة: رجلٌ باعَ حُرًا فأكل ثمنه، ورجلٌ قَتلَ غير قاتله، ورجل قتل في الحرم» (٤) وقال ﵇: «لَعَنَ الله اليهودَ حُرِّمَتْ عليهِمُ الشحوم فأذابوها وباعوها وأكَلُوا ثَمَنَها، أَلَمْ يَعلَمُوا أَنّ الله تعالى إذا حرم شيئًا حرم ثمنه» (٥).
وأما الإجماع: فظاهر.
وأما المعقول: أنه فات فيها ركن البيع، وهو مبادلة مال بمال؛ لأن هذه الأشياء ليست بمال عندنا كالخمر والخنزير، أو على الإطلاق كالحر والميتة والدم.
(والباطل لا يفيد ملك التصرف)؛ أي: بالإجماع، حتى لو اشترى عبدًا بميتة فعتقه؛ لا يعتق.
(فيه)؛ أي: في البيع الباطل.
(عند بعض المشايخ) منهم: الإمام أحمد الطواويسي، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة.
стр. 4611
العقدَ غَيْرُ مُعتَبَر فَبَقِيَ القَبضُ بِإِذنِ المَالِكِ، وَعِنْدَ البَعْضِ يَكُونُ مَضمُونًا، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ أَدنَى حَالًا مِنْ المَقبُوضِ عَلَى سَومِ الشَّرَاءِ. وَقِيلَ: الأَوَّلُ قَولُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَالثَّانِي: قَولُهُمَا (*)، كَمَا فِي بَيعِ أُمِّ الوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالفَاسِدُ يُفِيدُ المِلكَ عِنْدَ اتِّصَالِ القَبْضِ بِهِ، وَيَكُونُ المَبِيعُ مَضمُونًا فِي يَدِ المُشتَرِي فِيهِ.
(وعند البعض) منهم الإمام السرخسي (يكون مضمونا)؛ أي: بالقيمة أو بالمثل، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد.
والمراد بالمقبوض على سوم الشراء: ما يكون ثمنه مقررًا عند العاقدين. كذا قال المشايخ.
(لأنه)؛ أي: المقبوض بالبيع الباطل (لا يكون أدنى حالا) لأنه وجد صورة العلة هنا، ولم يوجد في المقبوض على سوم الشراء وثمنه مضمون، فأولى أن يكون هنا مضمونا.
(اتصال القبض به)؛ أي: بالبيع الفاسد، يعني: إذا كان القيض بإذن المالك؛ باتفاق الروايات يملكه ويصير مضمونًا عليه بالقيمة أو بالمثل، وكذا لو قبضه في مجلس العقد استحسانا، وهو الصحيح.
ولو قبضه بغير إذنه في غير مجلس العقد، هل يملكه؟ وستجيء هذه المسائل بتمامها في فصل أحكام البيع الفاسد.
قال مشايخ العراق: إن المشتري شراء فاسدًا يملك التصرف فيه؛ باعتبار تسليط البائع على ذلك، لا باعتبار تملك العين، بدليل عدم جواز الوطء لجارية مشتراة شراء فاسدًا، وكذا لا شفعة في الدار المشتراة شراء فاسدًا، وكذا لا يحل أكل طعام اشتراه شراءً فاسدًا إذا بيع بجنبها دار، وكذا لو رد المشتري الجارية المشتراة شراء فاسدًا؛ يجب على البائع استبراؤها، ولو أعتق المشتري العبد المشترى شراءً فاسدًا من الأب أو الوصي؛ جاز عتقه، وكذا لو كان على وجه التسليط لما جاز؛ لأن عتقهما وتسليطهما عليه لا يجوز.
стр. 4612
وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَسَنُبَيِّنُهُ بَعدَ هَذَا.
وَكَذَا بَيعُ المَيتَةِ وَالدَّمِ وَالحُرِّ بَاطِلٌ، لِأَنَّهَا لَيسَت أَمْوَالًا، فَلَا تَكُونُ مَحِلًا للبيع.
وَأَمَّا بَيعُ الخَمْرِ وَالخِنزِيرِ، إِنْ كَانَ قُوبِلَ بِالدِّينِ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَالبَيعُ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ قُوبِلَ بِعَينِ فَالبَيعُ فَاسِدٌ حَتَّى يَمْلِكَ مَا يُقَابِلُهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُ عَينَ الخَمْرِ وَالخِنزير.
وَوَجهُ الفَرقِ:
وإنما لا يحل وطء الجارية المشتراة شراء فاسدًا؛ لأن الوطء إعراض عن الرد، فلا يجوز، وكذا في الأخذ بالشفعة بالقضاء تأكيد الفساد وتقرره.
وعن الحلواني: يكره الوطء ولا يحرم ذكره في التتمة، وكذا لا يحل الأكل؛ لما فيه إعراض عن الرد. كذا في فتاوى قاضي خان.
(وفيه)؛ أي: في ثبوت الملك بالقبض في البيع الفاسد (خلاف الشافعي) ومالك وأحمد أيضًا.
(وسنبينه بعد)؛ [أي] (١): في فصل أحكام البيع الفاسد.
قوله: (ووجه الفرق): حاصل ذلك الفرق: أن المبيع لو وقع خمرا يكون البيع فاسدًا، ففي الصورة الأولى يكون البيع باطلا، وسواء أدخل التاء التي هي حرف الإلصاق، ويدخل في الأثمان كما ذكر في الأصول، في الخمر أو في الدراهم؛ لأن الدراهم خلقت ثمنًا، فيكون المبيع الخمر، فيبطل البيع، وفي الصورة الثانية يكون البيع فاسدًا، سواء أدخل الباء [في] (٢) الثوب أو الخمر لما سيجيئ، فهنا يحتاج إلى معرفة المبيع والثمن.
في الذخيرة: قال القدوري: ما يتعين في العقد فهو مبيع، وما لا يتعين بالعقد فهو متبع، وما لا يتعين فهو ثمن، إلا أن يقع عليه لفظ العين، فالدراهم والدنانير أثمان أبدًا؛ لأنها خلقت ثمنًا في الأصل؛ إذ هي وسيلة، قال الله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] الآية.
стр. 4613
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الفراء: الثمن: ما يكون في الذمة، والأعيان ليست من ذوات الأمثال، كغير المكيلات والموزونات مبيعة أبدا، وهما والعدديات المتقاربة مبيع وثمن، فإن قابلها بالدراهم أو الدنانير؛ فهي مبيعة وثمن، وليس أحدهما بأولى من أن يجعل مبيعًا، فجعلنا كل واحد ثمنا من وجه، مبيعًا من وجه، فإن كانت المكيلات والموزونات غير معينة، فإن استعملت استعمال الأثمان؛ بأن أدخل الباء فيها فهو ثمن.
وقال شيخ الإسلام خواهر زاده: المكيل والموزون إذا لم يكن معينا فهو ثمن، دخل عليه الباء أو لا؛ لأنهما من ذوات الأمثال، فصار نظير الدراهم والدنانير، والفلوس بمنزلتهما في أنهما لا تتعين بالتعيين، وكذا إذا باع الخمر بالثوب، أن يكون البيع فاسدًا لا باطلا، وإن دخل الباء في الثوب؛ لما ذكرنا أن المكيلات والموزونات إذا كانت معينة فهي معينة وثمن، والكلام فيما إذا كان الخمر والثوب متعينين، فيكون بيع مقايضة، وفي بيع المقايضة يكون كل واحد من العوضين ثمنا ومُثمّنًا، فرجحنا جانب الفساد على جانب البطلان؛ صونا لتصرف العاقلين المسلمين عن البطلان بقدر الإمكان.
والمقايضة: هي بيع العرض بالعرض، وسمي بها لتساوي العينين في العينية يقال: هما قيضان، أي: متساويان. كذا وجد بخط الإمام الزرنوجي.
فإن قيل: في هذا تغيير للعقد؛ لأن العاقد جعل الخمر مبيعًا بدلالة حرف الباء في الثوب، وفي هذا يصير ثمنا فيكون تغييرا.
قلنا: التغيير أهون من البطلان، فلو لم يجعل كذلك يبطل، مع أن في المقايضة يصلح كل واحد ثمنا ومثمنًا، فلا يلزم التغيير أيضًا.
قال شيخ الإسلام: اتفقت الروايات على أن ثمن الخمر والميتة غير مملوك، وإنما اختلفت أنها أمانة أو مضمونة.
وفي بعض نسخ الجامع الكبير: أنه إذا اتفق ثمن الخمر والميتة لا يلزمه القضاء؛ لأن المشتري سلطه على ما شاء من التصرف فيه، فكأن إنفاقه بإذنه.
стр. 4614
أَنَّ الخَمْرَ مَالٌ وَكَذَا الخِنزِيرُ مَالٌ عِنْدَ أَهلِ الذُّمَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُتَقَوْمٍ، لِمَا أَنَّ الشَّرِعَ أَمَرَ بِإِهَانَتِهِ وَتَركِ إِعْزَازِهِ، وَفِي تَمَتَّكِهِ بِالعَقدِ مَقصُودًا إِعْزَازُ لَهُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ مَتَى اشتَرَاهُمَا بِالدَّرَاهِمِ فَالدَّرَاهِمُ غَيْرُ مَقصُودَة؛ لِكُونِهَا وَسِيلَة لِمَا أَنَّهَا تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ، وَإِنَّمَا المَقْصُودُ الخَمْرُ فَسَقَطَ التَّقَوُّمُ أَصلا، بِخِلَافِ مَا إِذَا اشْتَرَى الثَّوبَ بِالخَمرِ، لِأَنَّ المُشتَرِي لِلثَّوبِ إِنَّمَا يَعْصِدُ تَمَلُّكَ الثَّوبِ بِالخَمرِ. وَفِيهِ إِعْزَازُ لِلثَّوبِ دُونَ الخَمرِ، فَبَقِيَ ذِكرُ الخَمرِ مُعتَبَرًا فِي تَمَلُّكِ الثَّوبِ لَا فِي حَقِّ نَفْسِ الخَمرِ حَتَّى فَسَدَت التَّسْمِيَةُ وَوَجَبَت قِيمَةُ الثَّوبِ دُونَ الخَمرِ، وَكَذَا إِذَا بَاعَ الخَمْرَ بِالثَّوبِ، لِأَنَّهُ لَا يُعتَبَرُ شِرَاءُ الثَّوبِ بِالخَمْرِ لِكَونِهِ مُقَايَضَة.
قَالَ: (وَبَيعُ أُمِّ الوَلَدِ وَالمُدَبَّرِ وَالمُكَاتَبِ فَاسِدٌ) وَمَعْنَاهُ: بَاطِلٌ، لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ العتقِ قَدْ ثَبَتَ لِأُمِّ الوَلَدِ لِقَولِهِ ﵊: «أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا»
قوله: (ومعناه باطل)؛ أي: لا يملك عند اتصال القبض.
فإن قيل: لو كان بيع هؤلاء باطلا؛ لكان بيعهم وبيع الحر سواء، فحينئذ يجب أن يفسد البيع في القن إذا ضم مع هؤلاء في البيع، كما يفسد بيعه إذا ضم مع الحر، وليس كذلك.
قلنا: المراد بالطلاق هنا ألا يملك هؤلاء مع القبض كما يملك في البيع الفاسد؛ لعدم قابليته انتقال الملك، لا أنهم لا يكونون محلا للبيع، فإنهم يدخلون في البيع باعتبار الصلاحية في الجملة، ثم يخرجون من حكم البيع بعد الدخول؛ لاستحقاقهم نوع حرية.
قوله: («أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا»): هذا اللفظ بظاهره يوجب الإعتاق الحقيقي، لكن حمل على حق العتق؛ لما ذكرنا في باب الاستيلاد.
وفي شرح المجمع والمجاز مراد من هذا اللفظ بالإجماع والدليل، أما الدليل فهو المؤثر في الحرية، إنما هو الحرية التي بين الوالد وولده، وهو أقوى من الحرية بين المولى وأم الولد؛ لأنها بواسطة الولد، وتلك بلا واسطة، فلذلك أثر الأقوى في تنجيز عتق الولد في الحال، وأثر الأضعف في تأخير
стр. 4615
وَسَبَبُ الحُرِّيَّةِ انعَقَدَ فِي المُدَبَّرِ فِي الحَالِ لِبُطَلَانِ الأَهْلِيَّةِ بَعدَ المَوتِ، وَالمُكَاتَبُ
عتقها إلى ما بعد الموت؛ لئلا يؤدي ذلك إلى الاستواء في الحكم مع التساوي في الدليل.
ولا خلاف للفقهاء في أن بيع أم الولد لا يجوز. وقال داود: يجوز، ويروى عن علي وابن عباس. ثم عند محمد: لو حكم ببيع أم الولد حاكم؛ لم ينفذ حكمه ولم تصر ملكا للمشتري.
وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: ينفذ؛ لأنه مجتهد فيه.
وجه قول محمد - وهو ظاهر الرواية عن أصحابنا - قضاء: انعقد الإجماع على خلافه؛ فلا ينفذ لثبوت رجوع القائلين بصحته من الصحابة، أما لو أنفذ هذا القضاء قضاء آخر؛ نفذ حكمه وصار ملكًا للمشتري، وعليه الفتوى، وهذا بناء على أن الاتفاق اللاحق يرفع الخلاف السابق أم لا؟، والمسألة مذكورة في الأصول، فمن قال بذلك؛ قال: إن القضاء الأول في مجتهد فيه، فاحتاج نفاذه إلى تنفيذ قاض آخر.
قوله: (وسبب الحرية العقد في حق المدبر) واعتبرنا التدبير سببًا في الحال على خلاف سائر التعليقات، فإن فيها الشرط مانعا لانعقاده سببًا في الحال؛ لأن ما بعد الموت حال بطلان الأهلية، فمتى قلنا: إنه ينعقد سببًا بعد الموت؛ احتجنا إلى بقاء الأهلية والموت ينافي الأهلية، فدعت الضرورة إلى القول بانعقاده سببا في الحال للخلاف، وتأخر الحكم إلى ما بعد الموت، فصار طريقه بطريق الوصايا، فإن الوصية تنعقد سببًا في الحال، فتأخر الحكم إلى ما بعد الموت كالقرابة، وإذا ثبت القول بانعقاده سببًا في الحال امتنع البيع فيه. كذا في الإيضاح.
فإن قيل: أهلية المُعَلِّقِ عند وجود الشرط حقيقة ليس بشرط، بدليل أن المُعَلِّقَ إذا جُنَّ بعد التعليق عند وجود الشرط يقع الطلاق المُعلَّق.
قلنا: الفرق بين الجنون والموت ظاهر؛ لأن الجنون عارض، فأنزل أهلا عند وجود الشرط، أما الموت كائن لا محالة، فكانت الأهلية بطلت بالكلية، أما حقيقة فظاهر، وأما حكمًا؛ فلأن الشرع يجعل المعدوم موجودا حكما إذا أمكن وجوده حقيقة، ولا يمكن أن يعتبره الشرع حيًّا بعد الموت؛ لأنه مرتب
стр. 4616
اسْتَحَقَّ يَدًا عَلَى نَفْسِهِ لَازِمَة فِي حَقِّ المَولَى، وَلَو ثَبَتَ المِلكُ بِالبَيعِ لَبَطَلَ ذَلِكَ كُلُّهُ فَلَا يَجُوزُ، وَلَو رَضِيَ المُكَاتَبُ بِالبَيعِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَالأَظْهَرُ: الجَوَازُ، وَالمُرَادُ: المُدَبَّرُ المُطلَقُ دُونَ المُقَيَّدِ، وَفِي المُطلَقِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ ﵀، وَقَدْ ذَكَرنَاهُ فِي العتاق.
قَالَ: (وَإِنْ مَاتَت أُمُّ الوَلَدِ أَوْ المُدَبَّرُ فِي يَدِ المُشتَرِي، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: عَلَيْهِ قِيمَتُهُمَا) (*) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنهُ، … ... .
الأحكام على حكمه بموته فيتناقض، فإذا امتنع انعقاده سببًا بعد الموت تعين انعقاده في حال وجوده، كما في البيع بالشرط، ومتى وجد سبب العتق امتنع التصرف فيه بتمليك؛ لتضمنه إبطال حق الحرية، وحق الحرية ملحق بحقيقة الحرية.
(لازمة في حق المولى)؛ أي: يدًا لازمة، بدليل أن المولى لا يملك فسخ الكتابة بدون رضاء المكاتب، وغير لازمة في حق المكاتب؛ لقدرته على فسخ الكتابة بتعجيز نفسه.
(لبطل ذلك)؛ أي: استحقاق اليد اللازمة، وأنه لا يجوز، ولهذا لو حلف لا يبيع فباع هؤلاء؛ لم يحنث. ذكره في جامع المحبوبي.
وللشافعي في بيع المكاتب قولان أصحهما: أنه لا يجوز، وهو قولنا ومالك وأحمد.
وقال في القديم: يجوز.
(وفي المطلق)؛ أي: المُدبّر. المطلق: هو الذي علق عتقه بالموت، من غر تعرض بصفة، كقوله: أنت حر بعد موتي، أو إن مِتُّ فأنتَ حرّ، وقد مرَّ الوجه من الجانبين في باب الإعتاق.
(وهو رواية عنه)؛ أي: عن أبي حنيفة في حق المدبر لا في أم الولد؛ لأنه تضمن أم الولد باتفاق الروايات عنه؛ لأنه لا يقوم لأم الولد عنده، أما المدبر يضمن قيمته بالبيع كما يضمن بالغصب، وهو رواية المعلى عنه.
стр. 4617
لَهُمَا: أَنَّهُ مَقْبُوضٌ بِجِهَةِ البَيعِ فَيَكُونُ مَضمُونًا عَلَيْهِ كَسَائِرِ الأَمْوَالِ، وَهَذَا لِأَنَّ المُدَبَّرُ وَأُمَّ الوَلَدِ يَدخُلَانِ تَحتَ البَيعِ حَتَّى يَمْلِكَ مَا يُضَمُّ إِلَيْهِمَا فِي البَيعِ، بِخِلَافِ المُكَاتَبِ، لِأَنَّهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ فَلَا يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّهِ القَبْضُ وَهَذَا الضَّمَانُ بِهِ. وَلَهُ: أَنَّ جِهَةَ البَيعِ إِنَّمَا تَلْحَقُ بِحَقِيقَةٍ فِي مَحِلٌ يَقبَلُ الحَقِيقَةَ، وَهُمَا لَا يَقبَلَانِ حَقِيقَةَ البَيعِ، فَصَارَا كَالمُكَاتَبِ، وَلَيْسَ دُخُولُهُمَا فِي البَيعِ فِي حَقِّ أَنفُسِهِمَا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِيَثْبُتَ حُكمُ البَيعِ فِيمَا ضُمَّ إِلَيْهِمَا، فَصَارَ كَمَالِ المُشتَرِي لَا يَدْخُلُ فِي حُكْمِ عَقدِهِ بانفِرَادِهِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حُكمُ الدُّخُولِ فِيمَا ضَمَّهُ إِلَيْهِ، كَذَا هَذَا.
لَهُمَا: أنه؛ أي: المُدبَّر أو أم الولد مقبوض بجهة البيع وهو أن يقبض شيئًا ليشتري بعض القبض إن وافقه كذا في مختلفات القاضي الغني.
(فيكون مضمونًا عليه؛ أي: على المشتري القابض (كسائر الأموال)؛ يعني: إذا قبض على سوم الشراء (وهذا)؛ أي: كونهما مضمونين بالقبض باعتبار أن المُدبّر وأم الولد يدخلان تحت البيع، حتى يملك ما يضم إليهما من القن، بخلاف المكاتب؛ فإنه لا يضمن المشتري وإن دخل تحت المبيع إذا ضم بالقن؛ لأنه في يد نفسه؛ لأنه حرّ يدًا، فلا يتحقق القبض في حقه، وهذا الضمان باعتبار القبض.
(وهما)؛ أي: أم الولد والمدبر لا يقبلان حقيقة البيع)؛ أي: حقيقة حكم البيع وهو الملك؛ لأن ضمان القيمة في الأصل مقابل بملك المبيع، ولا فساد في البيع إلا من جهة الثمن، حتى أوجبنا ضمان القيمة عليه، وهاهنا لو قلنا بالضمان لا يكون مقابلا بملك المبيع، فصار عدوانًا محضا. كذا في جامع البزدوي.
(فصار كمال المشتري)؛ يعني: لو اشترى مال نفسه لا يجوز ولو ضمنه مع عبد البائع صفقةً واحدة، فإن عبده يدخل في شرائه ليثبت الملك في حق البائع؛ وهذا لأنهما مالان حقيقة، وحُرَّانِ من وجه، فدخلا تحت البيع في حق انعقاد العقد على غيرهما، ولم يدخلا في حق انعقاده على نفسهما؛ عملا بالدليلين، بخلاف الحُرِّ؛ لأنه ليس بمال بوجه، وهذا معنى قول المصنف (وإنما يثبت حكم الدخول فيما ضم إليه، كذا هذا).
стр. 4618
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ بَيعُ السَّمَكِ قَبلَ أَنْ يُصْطَادَ)؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَا لَا يَمْلِكُهُ (وَلَا فِي حَظِيرَةِ إِذَا كَانَ لَا يُؤْخَذُ إِلَّا بِصَيدٍ)؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقدُورِ التَّسْلِيمِ، وَمَعْنَاهُ: إِذَا أَخَذَهُ ثُمَّ
وفي المحيط: هذا إذا باع هؤلاء، أما لو باع عينًا بمدبر وأم ولد ومكاتب؛ ينعقد البيع، أما معتق البعض فلا يجوز بيع باقيه عند أبي حنيفة؛ لأنه كالمكاتب عنده، وعندهما حُرّ.
وقال الشافعي: إن كان المعتق مُعسِرًا يجوز بيع باقيه؛ لتحقق الرقبة فيه.
وقلنا: إنه مكاتب أو حرّ؛ لما مرَّ في العتاق، فلا يجوز بيعه. والأولاد المولودون من هؤلاء حكمهم في البيع حكم هؤلاء؛ لأن الصفة القارة تسري إلى الولد.
وفي المجتبى: في جمع البخاري وغيره: بيع الخمر أو الميتة، وذبيحة المجوس والمُحرِمِ، ومتروك التسمية عامدًا، وبيع الصبي الذي لا يعقل والمجنون، وبيع هوام الأرض، وما يسكن في الماء إلا السمك؛ باطل، وكذا لو باع مالا متقوما بهذه الأشياء باطل، إلا الخمر والخنزير.
لو باع ثوبًا على أنه هروي [فإذا هو مروي] (١)؛ قيل: هو باطل لا يملك بالقبض.
وقال الكرخي: فاسد. أو على أنه ياقوت فإذا هو زجاج، أو على أنه غلام فإذا هو جارية، أو بدين عليه وهما يعلمان أن لا دين عليه، وبيع الكلأ في أرضه قبل القطع، والماء في الحوض أو البئر؛ باطل.
واختلف في بيع الوفاء؛ فأكثر المشايخ على أنه حكمه حكم الرهن، والصحيح: أن العقد إذا كان بلفظ البيع لا يكون رهنا، وإن ذكرا شرط الفسخ في البيع فسد البيع، وإن عقدا من غير شرط ثم ذكر الشرط على وجه المواعدة جاز، ويلزمه الوفاء بالوعد؛ لأن المواعيد قد تكون لازمة، فتجعل لازمة لحاجة الناس.
قوله: (ولا يجوز بيع السمك قبل أن يُصطاد،
стр. 4619
أَلْقَاهُ فِيهَا لَو كَانَ يُؤْخَذُ مِنْ غَيْرِ حِيلَةٍ جَازَ، إِلَّا إِذَا اجْتَمَعَت فِيهَا بِأَنفُسِهَا وَلَم يَسُدَّ عَلَيْهَا المَدخَلَ لِعَدَمِ المِلكِ. قَالَ: (وَلَا بَيعُ الطَّيرِ فِي الْهَوَاءِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ قَبْلَ الأَخذ، وَكَذَا
ولا بيع الطير في الهواء)؛ لما روي عن ابن مسعود وابن عمر أنهما قالا: "لا تبيعوا السمك في الماء؛ فإنه غرر " ولا خلاف للأئمة الأربعة فيه.
(ثم ألقاه فيها)؛ أي: في الحظيرة كالحوض والبركة؛ لأنه لا يقدر على تسليمه إلا باكتساب سبب الملك به ابتداء، وهو الاصطياد.
وفي قوله: (غير مقدور التسليم) إشارة إلى أنه لو كانت الحظيرة صغيرة يمكن أخذها بلا اصطياد؛ يجوز، أما لو كانت كبيرة لا يمكن أخذها إلا [بتكلف واحتيال؛ لا يجوز؛ لأنه باع مملوكًا لا يقدر على تسليمه، فكان كبيع الآبق والفرس الغاير الذي لا يمكن أخذه إلا] (١) بحيلة. كذا في جامع قاضي خان. وبه قال الشافعي.
(لم يَسُدّ عليها المدخل) قيد به؛ لأنه لو سدَّ موضع الدخول، حتى صار بحيث لا يقدر على الخروج؛ فقد صار آخذا له، بمنزلة ما لو وقع في شبكته فيجوز بيعه، وإن لم يفعل ذلك لم يجز بيعه. كذا في المبسوط (٢).
وفي الكافي: لو سدَّ موضع دخول الماء أو الكوة، وصار بحال لا يستطيع الخروج عنها؛ لا يصح البيع؛ لأن هذا القدر ليس بإحراز، فصار كطير طار في بيت إنسان فسدَّ الباب والكوة لا يصير محرزا بهذا القدر ما لم يأخذه.
وقيل: يصح البيع إن أمكن أخذه بلا اصطياد؛ لأنه لما فعل صار آخذا له حكما، فصار حكما له، كما لو وقع في شبكته.
وهذا الخلاف فيما إذا لم تتهيأ الحظيرة للاصطياد، أما إذا هيأها له؛ ملكه بلا خلاف.
وفي الحلية: وحكي عن عمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى جواز بيع
стр. 4620
لَو أَرسَلَهُ مِنْ يَدِهِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقدُورِ التَّسْلِيمِ
السمكة في بركة عظيمة، وإن احتيج إلى مؤنة كثيرة، وحكاه أبو العباس قولا آخر من الشافعي (١).
قال شيخ الإسلام وغيره باع سمكة في حظيرة لا يستطيع الخروج منها، ولا تؤخذ إلا بحيلة؛ لم يجز، وإن قدر عليها بلا صيد؛ جاز للمشتري الخيار إذا رآها على الأصح؛ لأن الرؤية لا تتم في الماء.
وقال الشافعي: إذا كان الماء صافيًا بحيث يرى ما فيه؛ لا خيار له، وهذا إذا أخذها وألقاها فيها، أو أدخلها باحتياله، أو سد موضع الخروج منها، أما إذا اجتمعت بأنفسها؛ فبيعها باطل كيفما كان؛ لعدم الملك، كصيدٍ أَفْرَخَتْ أو باضَتْ أو تنكست (٢)، أو تكسرت في أرض إنسان؛ لا يملكها ولا فرخها ولا بيضها ما لم يأخذها، وكذا من نصب خيمة أو شبكة للجفاف فتعلق بها صيد؛ لا يملكه إلا أن يأخذه، بخلاف ما إذا نصبها للصيد، وهكذا كمن وقع السُّكَّرُ أو الدراهم المنثورة في حجره؛ لا تكون له إلا إذا هيأ حجره أو بسطه لذلك.
ومن أعد أرضه لفراخ الصيد ففرخت ففيها؛ عن محمد: أنه له؛ لأنه أخذ حكمًا، كناصب الشبكة للصيد، وكذا من هيأ مكانًا للسرقين؛ فله ما وقع فيه عند البعض. أما النحل إذا عَسَّلَ في أرضه؛ فله بكل حال؛ لأن العسل ليس بصيد، بل هو قائم بأرضه كالشجر والزرع الذي ينبت بها. كذا في المجتبى.
وفي فتاوى الفضلي: أهل السكة كانوا يرمون بالرماد والتراب والسرقين في ساحة هي ملك لرجل؛ أن ذلك لمن سبق بالرفع، سواء هيأ المكان له أو لا.
قوله: (ولو أرسله من يده): ذكر التمرتاشي: لو باع طيرا يذهب ويجيء كالحمام؛ فالظاهر أنه لا يجوز.
وفي فتاوى الكبرى: باع فرسًا في حظيرة، فقال البائع: سلمته إليك، ففتح المشتري فذهب [الفرس] (٣)، إن أمكنه أخذه [بيده] (٤) من غير عون كان
стр. 4621
(وَلَا بَيعُ الحَمْلِ وَلَا النّتَاجِ) «لِنَهيِ النَّبِيِّ ﵊ عَنْ بَيعِ الحَبَلِ وَحَبَلِ الحَبَلَةِ» وَلِأَنَّ فِيهِ غَرَرًا.
تسليما، وإلا فلا؛ لأنه لو مد يده لا يمكنه الأخذ.
قوله: (ولا بيع الحَمْلِ) بسكون الميم وهو الجنين؛ أي: لا يجوز بيعه.
([والنتاج]) (١) يعني: نتاج الحمل؛ وهو حبل الحبلة. ولا بيع المضامين والملاقيح، ولا خلاف فيه لأحد.
النتاج: مصدر نتجت الناقة - بالضم -، وأريد به هاهنا: المنتوج.
والحبل: مصدر حبلت المرأة حبلا، فهي حبلى، فيسمى به المحمول كما سمى بالحمل. وإنما أدخلت التاء عليه للإشعار بمعنى الأنوثة فيه. كذا في الصحاح (٢)، والمغرب (٣).
وفي المبسوط (٤): منهم من يروي بالفتح، فيكون المراد: بيع من تحمل هذا الحمل، بأن ولدت الناقة ثم حبلت ولدها، والمراد: بيع حمل ولدها، وقد كانوا يعتادون ذلك، فأبطله رسول الله ﷺ بنهيه عن بيع المضامين والملاقيح، وعن بيع حبل الحبلة.
والمضامين: ما تضمنته الأصلاب. والملاقيح: ما تضمنته الأرحام. وقيل: ما يكون مستور العاقبة. وعن علي: الغرر عمل ما لا يؤمن معه غرور.
وقال الأزهري: يدخل في الغرر: البيوع المجهولة التي لا يحيط بها علم المتعاقدين، وفسر الغرر بالخطر، والخطر: ما فيه تردد بين أن يكون وبين [ألا] (٥) يكون.
стр. 4622
(وَلَا اللَّبَنُ فِي الضَّرِعِ لِلغَرَرِ) فَعَسَاهُ انتِفَاخُ، وَلِأَنَّهُ يُنَازَعُ فِي كَيْفِيَّةِ الحَلَبِ، وَرُبَّمَا يَزْدَادُ فَيَخْتَلِطُ المَبِيعُ بِغَيْرِهِ.
قَالَ: (وَلَا الصُّوفُ عَلَى ظَهرِ الغَنَمِ) لِأَنَّهُ مِنْ أَوصَافِ الحَيَوَانِ، وَلِأَنَّهُ يَنبُتُ
قوله: (ولا: اللبن): يجوز بالرفع والجر في حذف المضاف، وإبقائه تقديرا، أي: لا يجوز بيع اللبن في الضرع، وبه قال الشافعي وأحمد.
وقال مالك: يجوز أيامًا معلومة إذا عرف قدر حلابها، ويكون التسليم بالتخلية، كالثمار على رؤوس الأشجار. وقال الحسن البصري: يجوز في الزمان اليسير؛ لإمكان تسليمه.
وكذا الصوف على ظهر الغنم لا يجوز عندنا، وبه قال الشافعي وأحمد.
وقال مالك والليث بن سعد: يجوز بشرط الجز؛ لإمكان تسليمه.
ولنا: ما روى ابن عباس أنه ﵇ «نَهَى أن يُباع صوفٌ على ظهر، أو لبن في ضرع، أو سَمْنٍ في لَبَنٍ» (١) ولأن اللبن في الضرع قد لا يكون، فإنه لا يدري ما في الضرع لبن أو ريح، فلا يجوز للغرر.
(ينازع في كيفية الحلب)؛ يعني: يحلب البائع قليلا ويقول: لم يبق بعد، ويقول المشتري: احلب أشدَّ وأقوى، فلا يحصل التسليم، وهذا جواب عن قول مالك والحسن.
(فيختلط)؛ أي: يختلط (المبيع بغيره) على وجه يتعذر التمييز؛ لأن اللبن يزداد ساعة فساعة، وتلك الزيادة لم يتناولها البيع، فيختلط المبيع بغيره.
وبيع اللؤلؤ في الصدف كبيع الحمل واللبن في الضرع؛ فقال أبو يوسف: يجوز، ويخير إذا رآه؛ لأنه مقدور التسليم، كما اشتراه بلا ضرر.
(لأنه)؛ أي: الصوف من أوصاف الحيوان لقيامه به. والمقصود من شراء الشاة اللحم لا الصوف، فيكون بمنزلة الوصف، والوصف لا يجعل مقصودا بإفراد البيع، فلا يجوز.
стр. 4623
مِنْ أَسفَلُ فَيَخْتَلِطُ المَبِيعُ بِغَيْرِهِ، بِخِلَافِ القَوَائِمِ؛ لِأَنَّهَا تَزِيدُ مِنْ أَعلَى، وَبِخِلَافِ
(من أسفل) بالضم على البناء؛ لأنه من الجهات الست (فيختلط المبيع بغير المبيع) على وجه يتعذر (بخلاف القوائم)؛ أي: قوائم الخلاف، والقوائم بالفارسية (جادها) فإنه وإن كان يختلط المبيع بغيره، لكن لا على وجه يتعذر التمييز.
(لأنها تزيد من أعلى) فيكون موضع القطع مُعيَّنًا، فلا يؤدي إلى جهالة المبيع. ولأنه يزيد على ملك المشتري فيكون له.
وعن الإمام الفضلي: الصحيح عندي: أن بيع قوائم الخلاف لا يجوز؛ لأنه وإن كان ينمو من أعلاه؛ فموضع القطع مجهول، فهو كمن اشترى على أن يقطعها؛ لا يجوز لجهالة موضع القطع.
وبيع الكراث يجوز وإن كان ينمو من أسفله للتعامل. كذا في التتمة.
وفي المبسوط: وإنما يظهر كون الصوف يظهر من أسفل بنوع امتحان؛ وهو أن يجعل على موضع القطع علامة، فإذا مضى زمان فإن العلامة تعلو، وفي القوائم لا تعلو.
وفي شرح الطحاوي: الأصل في جنس هذه المسائل: أن بيع الشيء في غلافه لا يجوز، إلا الحنطة في سنبلها، وسائر الحبوب في سنابلها، والذهب والفضة في ترابهما، بخلاف جنسه من الثمن. أما اللبن في الضرع، واللحم في الشاة وأليتها وأكارعها، والدقيق في الحنطة والسمن في اللبن، وما أشبه ذلك من الأشياء التي في خلقتها كذلك، بحيث لا يمكن أخذها إلا بإفساد الخلقة؛ فلا يجوز.
وبخلاف القصيل؛ وهو الزرع الرطب في الأرض؛ فإنه يجوز بيعه لأنه يقطع، فلا يؤدي إلى النزاع، والقلع في الصوف متعذر، فتعين القطع، و [موضع] (١) القطع غير معلوم، فيتنازعان في ذلك، وعند التنازع لم يبق مقدور التسليم.
стр. 4624
القَصِيلِ لِأَنَّهُ يُمكِنُ قَلعُهُ، وَالقَطعُ فِي الصُّوفِ مُتَعَيِّنٌ فَيَقَعُ التَّنَازُعُ فِي مَوضِعِ القَطْعِ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ بَيعِ الصُّوفِ عَلَى ظَهْرِ الغَنَمِ، وَعَنْ لَبَنِ فِي ضَرع، وَعَنْ سَمنٍ فِي لَبَنٍ وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي يُوسُفَ ﵀ فِي هَذَا الصُّوفِ حَيثُ جَوَّزَ بَيعَهُ فِيمَا يُرْوَى عَنْهُ.
قَالَ: (وَجِدْعٌ فِي سَقفٍ، وَذِرَاعٌ مِنْ ثَوبٍ ذَكَرَا القَطعَ أَوْ لَم يَذكُرَاهُ) … ... … .
(وهو)؛ أي: الحديث (حجة على أبي يوسف في هذا الصوف) وهو الصوف على ظهر الغنم، لا مطلق الصوف فيما يروى عنه عن أبي يوسف.
ووجهه: أنه باع مالا منتفعا به، مقدور التسليم في الحال، فيجوز كبيع قوائم الخلاف.
وفي الإيضاح: عن أبي يوسف: أنه يجوز بيعه على ظهر الغنم.
وذكر محمد في الصلح: لو صالح على صوف على ظهر الغنم جاز؛ لأنه يستباح الأخذ منه قبل الذبح، فجاز بيعه، والصلح عليه كالقصيل في الأرض.
وقد بينا الفرق بينهما في ظاهر الرواية؛ وهو أن النمو في القوائم والقصيل من أعلى، وفي الصوف من أسفل.
قوله: (وجذع في سقف، وذراع من ثوب)؛ أي: لا يجوز بيعهما.
المراد: ثوب يضره القطع كالعمامة، أما في الثوب الذي لا يضره القطع؛ يجوز بيع ذراع منه كالكرباس، كما يجوز بيع قفير من صبرة. كذا ذكره الإمام العتابي وغيره.
وفي الإيضاح: وكذا لو باع حلية من سيف؛ لأنه لا يتخلص إلا بضرر، أو نصف زرع لم يدرك؛ لأنه لا يمكنه تسليمه إلا بقطع جميعه، وكذا لو باع ما يصيبه من ثوب مشترك من غير شريكه، و [كذا] (١) لو باع ذراعا من خشبة.
стр. 4625
لِأَنَّهُ لَا يُمكِنُ التَّسْلِيمُ إِلَّا بِضَرَر، بِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مِنْ نُقرَة فِضَّة، لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي تَبعِيضِهِ، وَلَو لَم يَكُنْ مُعَيَّنَا لَا يَجُوزُ لِمَا ذَكَرنَا وَلِلجَهَالَةِ أَيضًا، وَلَو قَطَعَ البَائِعُ الذِّرَاعَ أَوْ قَلَعَ الجِدْعَ قَبلَ أَنْ يَفسَخَ المُشتَرِي يَعُودُ صَحِيحًا لِزَوَالِ المُفْسِدِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَ النَّوَى فِي التَّمْرِ أَوْ البَدْرَ فِي البِطيخ، حَيثُ لَا يَكُونُ صحيحًا. وَإِنْ شَقَّهُمَا وَأَخْرَجَ المَبِيعَ لِأَنَّ فِي وُجُودِهِمَا احْتِمَالًا، … ... … ... … ... … ...
(لأنه)؛ أي: الجذع (لا يمكن تسليمه إلا بضرر)؛ أي: بضرر يلحق البائع. فإن قيل: يلزم هذا الضرر البائع برضاه؛ حيث التزم ذلك.
قلنا: إنه التزم العقد، والعقد لم يوجب عليه ضررًا، فكان فيه إضاعة بلا ضرورة. كذا قيل، وفيه نوع تأمل. وفي الفوائد: العقد مشروع والضرر غير مشروع، فالعقد الذي فيه ضرر لا يكون مشروعًا ولا تلزم المحاباة؛ لأنه ليس فيه تفويت باستهلاك المال، ولا بيع الحباب في الدار إذا لم يمكن إخراجها إلا بقلع الباب؛ لأنه ممنوع على ما اختاره البعض، وبعد التسليم المبيع هاهنا يتعيب عينه أيضًا، وفي الحباب إنما يتعيب إلينا دون الحباب.
وفيما إذا اشترى نخلا أو شجرًا على أن يقطعه المشتري، أو زرعا على أن يحصده؛ قالوا: يجب أن يجوز؛ لأنه أمكن تسليمه من غير ضرر بالأرض. وفي هذا التعليل إشارة على أن التعويل على ضرر يلزم في غير المبيع. وشراء الشجر بشرط القلع لا يجوز عند البعض؛ لأنه لا يمكن القلع إلا بحفر الأرض. وعند البعض: يجوز للتعامل، فصار كبيع الكراث يجوز للتعامل، وإن كان القياس يأباه؛ لأنه ينمو من أسفله.
(ولو لم يكن)؛ أي: الذراع والجذع (معينًا لا يجوز لما ذكرنا) وهو أنه لا يمكن تسليمه إلا بضرر (وللجهالة أيضًا)؛ أي: لجهالة المبيع. ولا خلاف لأحد أن جهالة المبيع تمنع الجواز.
(لأن في وجودهما)؛ أي: وجود النوى في التمر والبزر في البطيخ (احتمالا)؛ يعني: يجوز أن يكون، ويجوز ألا يكون.
وفي الإيضاح: وأما بزر البطيخ ونوى التمر؛ فذلك متصل به خلقة، فكان