← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الجَمَاعَةِ، وَقَدْ انْقَطَعَ السَّمَرُ قَبْلَهُ. (وَيُسْتَحَبُّ فِي الوَتْرِ لِمَنْ يَألَفُ صَلَاةَ اللَّيْلِ أَنْ يُؤَخِّرَهُ إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ، فَإِنْ لَمْ يَثِقُ بِالِانْتِبَاءِ أَوْتَرَ قَبْلَ النَّوْمِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ آخِرَ قلنا: لا نسلم سلامته عن المعارض، بل عارضه دليل أقوى وهو قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا﴾ [آل عمران: ١٣٣]، كذا قيل، وفيه تأمل. وفي القنية: كراهة التأخير إلى النصف الأخير للتحريم، وفي بعض النسخ: لمن يألف صلاة الليل آخر الليل بالنصف ليوافق رواية شرح الطحاوي، وفتاوى قاضي خان حيث ذكر فيهما بكلمة: (في)، ويوافق لفظ الحديث بعده، والنصب على الظرفية. ثم وقت الوتر من حين تصلى العشاء إلى الفجر، والأفضل تأخيرها إلى آخر الليل لحديث خارجة بن حذافة: أنه ﵇ قال: «إِنَّ اللهَ تعالى أمدَّكُم بصلاة هي خير لكم من حُمُرِ النَّعَمِ، أَلَا وَهِيَ الوتر، فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر» (١)، وقالت عائشة: " أوتر النبي ﷺ من كل الليل، من أوله، وأوسطه، وآخره، وانتهى وتره إلى السحر " (٢)، وقال ﵇: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خَشِيتَ الصّبحَ فأوتر بركعة توتِرُ لك ما قبله» (٣)، وكان أبو بكر يوتر من أول الليل، وعمر من أخره، فقال ﵇ لأبي بكر: «أخِذْتَ بالثقة»، ولعمر: «أخِذْتَ بفضل القُوَّةِ» (٤)، كذا في المبسوط (٥).

стр. 492

اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ» (فَإِذَا كَانَ يَوْمُ غَيْمٍ فَالمُسْتَحَبُّ فِي الفَجْرِ وَالظُّهْرِ وَالمَغْرِبِ تَأْخِيرُهَا، وَفِي العَصْرِ وَالعِشَاءِ تَعْجِيلُهُمَا) لِأَنَّ فِي تَأْخِيرِ العِشَاءِ تَقْلِيلَ الجَمَاعَةِ عَلَى اعْتِبَارِ المَطَرِ، وَفِي تَأْخِيرِ والاستدلال بما ذكر على أفضلية الوتر مشكل في الإيضاح: فإن كان لا يثق من نفسه بالاستيقاظ أوتر أول الليل، وإن كان يثق فالأفضل آخر الليل؛ لما روي أنه ﵇ قال لأبي بكر: «أَخَذْتَ بِالثِّقَةِ»، ولعمر: «أَخَذْتَ بِالفَضْلِ». (على اعتبار المطر)، يعني يتكاسل الناس في الخروج إلى المسجد مترخصين لقوله ﵇: «إذا ابتلتِ النِّعالُ فالصّلاةُ فِي الرحال» (١)، فكان التعجيل أولى، وإن كان سببًا إلى السمر لما أن كراهية تقليل الجماعة أبعد من كراهية السمر؛ لأنه لا يباح بوقت ما بغير عذر والسمر في هذا الوقت مباح. قال شيخ الإسلام، والطحاوي: كل صلاة فيها عين تعجل يوم الغيم كالعصر والعشاء، والباقي يؤخر كيلا يقع قبل الوقت، وبه قال مالك (٢)، وأحمد (٣)، وعن أبي حنيفة روى الحسن عنه التأخير في يوم الغيم؛ لأنه أقرب إلى الاحتياط (٤). وجه ظاهر الرواية أن التأخير في الفجر مستحب؛ لأنه لو عجل بها لم يأمن أن يقع قبل طلوع الفجر، ولأن الناس يلحقهم الحرج في التعجيل عند الظلمة بسبب الغيم فيؤخر ليكون فيه تكثير الجماعة، وكذا في الظهر يؤخر لئلا يقع قبل الوقت، وكذا في المغرب كيلا يقع قبل الغروب. وفي الإيضاح: والمراد من التأخير في المغرب قدر ما يستيقن بالغروب،

стр. 493

العَصْرِ تَوَهُمَ الوُقُوعِ فِي الوَقْتِ المَكْرُوهِ، وَلَا تَوَهُمَ فِي الفَجْرِ لِأَنَّ تِلْكَ المُدَّةَ مَدِيدَةٌ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: التَّأْخِيرُ فِي الكُلِّ لِلِاحْتِيَاطِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ الأَدَاءُ بَعْدَ الوَقْتِ لَا قَبْلَهُ. فَصْلٌ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ (لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ قِيَامِهَا فِي الظَّهِيرَةِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا) لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرِ ﵁ قَالَ: ثَلَاثَةُ أَوْقَاتٍ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ ومن تعجيل العصر قدر ما يقع عنده أنه لا يقع في الوقت المكروه، ويجوز الجمع بين الصلاتين فعلا لا وقتا عندنا لتكثير الجماعة، وهذا البحث بتمامه يجيء في باب صلاة المسافر. (فَصْلٌ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ) قوله: (لا تجوز الصلاة) إلى آخره، فإن قيل: (الصلاة) محلى باللام فيتناول الجنس الفرض والنفل، فحينئذ ينبغي أن لا يصح الشروع فيها في النفل، وقد ذكر شمس الأئمة في أصوله، والتمرتاشي في جامعه: أن الشروع في النفل فيها يصح حتى يلزمه القضاء، إلا أنه (١) ذكر قال أبو حنيفة، وأبو يوسف، وشمس الأئمة ما ذكر الخلاف. قلنا: معنى قوله: (لا تجوز)، أي: لا يجوز فعله، أما لو شرع يلزم، كما في البيع الفاسد؛ لأن النهي عن الأفعال الشرعية يقتضي المشروعية. وفي الزاد: أراد به ما سوى النفل. وفي الخبازية: لقب الفضل بالكراهة، ثم بدأ بقوله: (لا تجوز) إما لأنه اعتبر الغالب، أو لأن عدم الجواز مستلزم للكراهة، والمراد بقوله (لا تجوز) لا ينبغي أن يفعل، ولو فعل يجوز. والأوجه أن يقال: الكراهة شاملة للفرض والنفل لمعنى في الوقت،

стр. 494

نُصَلِّيَ فِيهَا وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهَا مَوْتَانَا: عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَعِنْدَ زَوَالِهَا حَتَّى تَزُولَ، وَحِينَ تَضَيَّفُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ، وَالمُرَادُ بِقَوْلِهِ: «وَأَنْ نَقْبُرَ»: صَلَاةُ والكراهة إذا كانت لمعنى في الوقت توجب نقصانا في الصلاة، ولهذا لا يجوز فيه القضاء، وينبغي أن يجوز فيه القضاء كما في الأرض المغصوبة؛ لأن النهي ورد فيهما لمعنى غير المنهي عنه، إلا أن اتصال الفعل بالزمان أكثر على ما عرف في النحو وأصول الفقه، فصار الزمان كجزء الفعل، فتؤثر الكراهة باعتبار نقصانها في نفس الصلاة لشدة الاتصال على ما عرف في الأصول. (تَضَيَّفُ)، أي تميل، يقال: ضافت الشمس، وضيفت، وتضيفت، أي مالت للغروب، حجة على الشافعي في تخصيص الفرائض ومكة، قال الشافعي: يجوز في هذه الأوقات الفرائض، ومن النوافل ما له سبب؛ كتحية المسجد، وركعتي الطواف، دون النوافل المطلقة، وفي مكة تجوز النوافل المطلقة أيضًا (١)، ومن أصحابه من قال: يختص ذلك بركعتي الطواف، وكذا في الجمعة وقت الزوال، كذا في السهيلي (٢). وعن مالك أنه يقضي الفرائض فيها، ولا يصلي النوافل، سواء كان لها سبب أو لا (٣)، وبه قال أحمد، إلا أنه أجاز ركعتي الطواف، وصلاة الجماعة مع إمام الحي لخوف الفوت (٤). واختلفت الرواية عن مالك في صلاة الكسوف، وسجود القرآن في وقت النهي. للشافعي قوله ﵇: «مَنْ نامَ عَنْ صَلاةٍ أو نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذا ذكرها فإن ذلك وقتها» (٥)، جعل وقت التذكر وقت الفائتة مطلقا. وله في جواز النفل بمكة الاستثناء الوارد في حديث عقبة: "إلا بمكة"،

стр. 495

الجِنَازَةِ، لِأَنَّ الدَّفْنَ غَيْرُ مَكْرُوهِ، وَالحَدِيثُ بِإِطْلَاقِهِ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي تَخْصِيصِ الفَرَائِضِ، وَبِمَكَّةَ فِي حَقِّ النَّوَافِلِ، وَحُجَّةٌ عَلَى أَبِي يُوسُفَ فِي إِبَاحَةِ النَّفْلِ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَقْتَ الزَّوَالِ. قَالَ: (وَلَا صَلَاةُ جِنَازَةٍ) لِمَا رَوَيْنَا (وَلَا سَجْدَةُ تِلَاوَةٍ) وفي الجمعة حديث أبي سعيد: أنه ﵇ نهى عن الصلاة في نصف النهار إلا يوم جمعة (١)، وكذا ورد هذا الاستثناء في حديث العقبة، وبه يتمسك أبو يوسف، ولأن [للناس] (٢) بلوى في تحية المسجد يوم الجمعة عند الزوال، وفي مكة قوله ﵇ أيضًا: «يا بَنِي عبد منافٍ مَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ مِنْ أمورِ النَّاسِ شيئًا فلا يمنعن أحدًا طاف بهذا البيت وصلَّى أي ساعة شاء» (٣)، كذا في السهيلي. وفي تحية المسجد وركعتي الطواف إطلاق وما ورد فيهما. ولنا ولأحمد إطلاق النهي الوارد عن الصلاة في هذه الأوقات، والجمع بين الحديثين ممكن بتخصيص التذكر خارج هذه الأوقات، وهذا الحديث خاص باعتبار الزمان المنهي عنه عن الصلاة فيه، والأول عام، فهذا مخصص، وما ورد من الاستثناء غريب لم يرد في المشاهير فلا يراد على المشهور، وفيه تأمل. أو يحمل ذلك على أنه قبل النهي. وأما في حديث عبد مناف أورده أبو داود في إباحة الدعاء فرأى معنى «صلى» دعا. وقيل: إن حديث أبي سعيد منقطع فلا يجوز التمسك به، ثم لم تجز

стр. 496

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الفرائض في هذه الأوقات، فلو شرع فيها ثم قهقه هل ينتقض وضوؤه؟ وفي المبسوط: لو طلعت الشمس خلال الصلاة، ثم قهقه قبل السلام فليس عليه وضوء لصلاة أخرى، أما على قول محمد فلأنه صار خارجا عن الصلاة بالطلوع، وهو رواية عن أبي حنيفة، وفي رواية أخرى: فسدت صلاته به؛ لأنه لا يجوز أداء الفرائض في هذا الوقت، فالضحك في هذه الحالة لا يجعل حدثًا، وعلى قياس قول أبي يوسف يلزمه الوضوء، خصوصًا على الرواية التي رويت عنه أنه يصبر حتى تطلع الشمس قدر رمح، ثم يتم الصلاة فيكون ضحكه صادف حرمة صلاة مطلقة فكان حدثًا (١). ثم اختلف في القدر الذي تباح فيه الصلاة بعد الطلوع، قال في الأصل: إذا ارتفعت الشمس قدر رمح أو رمحين تباح الصلاة (٢)، وقال الفضلي: ما دام الإنسان يقدر على النظر إلى قرصها فالشمس في الطلوع، ولا تباح فيه الصلاة، فإذا عجز عن النظر يباح. وقال أبو حفص السفكردري (٣): يؤتى بطست ويوضع في أرض مستوية فما دامت الشمس تطلع على حيطانه فهي في الطلوع، وإذا وقعت في وسطه فقد طلعت وحلت الصلاة كذا في المحيط (٤). وفي الْمُجْتَبى، والقنية: قال أبو شجاع: سألت الحلواني عن الكسالى أنهم يصلون الفجر وقت طلوع الشمس، أنكر عليهم؟ قال: لا، لأنهم لو منعوا يتركونها أصلا ظاهرًا، ولو صلوها عنده يجوز عند أهل الحديث، والأداء الجائز عند البعض أولى من الترك.

стр. 497

لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الصَّلَاةِ (إِلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ عِنْدَ الغُرُوبِ) لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الجُزْءُ القَائِمُ وفي فتاوى قاضي خان، والإيضاح: لو شرع في النفل في هذه الأوقات يجب أن يقطعه، ويقضيه في وقت آخر في ظاهر الرواية (١). وذكر في الإيضاح: يصل القطع ولو مضى على ذلك خرج عما وجب عليه. وفي المبسوط: يخرج، لكن القطع أفضل (٢). وفي البحر: لو قطعه وقضاه في وقت الغروب جاز لما قدمنا، وهو قوله: " وأن نقبر موتانا ". وفي المبسوط: ليس المراد به الدفن فإنه جائز بالاتفاق، بل كناية عن الصلاة على الجنازة لملازمة بينهما (٣). (لأنها)، أي سجدة التلاوة في معنى الصلاة باعتبار حصول التشبيه بعبدة الشمس، إذ التشبه يحصل بالسجود أيضا، كذا في المبسوط (٤). (إلا عصر يومه)، يعني لو صلاها عند الغروب يجوز؛ لقوله ﵇: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغيب الشمس فقد أدرك العصر» (٥)، وكذا ورد التقييد في بعض ألفاظ حديث عقبة: "نهانا عن الصلاة عند الغروب إلا عصر يومه "، ولأن هذا الوقت سبب لوجوبها، حتى لو أسلم الكافر، وبلغ الصبي في هذا الوقت يلزمهما الصلاة، ويجب أداؤها في هذا الوقت، ويستحيل أن يجب الأداء ويكون ممنوعا عنه، كذا في المبسوط (٦). وقال أبو الفضل الكرماني: إنما جاز أداء العصر لأن معنى الكراهة يظهر في حق القضاء لا الأداء؛ لأنه إنما يكون لحق الوقت القائم للحال، ألا ترى أن الكافر لو أسلم، والصبي لو بلغ، والحائض لو طهرت في هذا الوقت لزمهم

стр. 498

مِنْ الوَقْتِ، لِأَنَّهُ لَوْ تَعَلَّقَ بِالكُلِّ لَوَجَبَ الأَدَاءُ بَعْدَهُ، وَلَوْ تَعَلَّقَ بِالجُزْءِ المَاضِي فَالمُؤَدِّي فِي آخِرِ الوَقْتِ قَاضٍ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ أَدَّاهَا كَمَا وَجَبَتْ، الأداء، وإنما الكراهة في التأخير إلى هذا الوقت، ولهذا قلنا غربت الشمس في خلال الصلاة أتمها؛ لأن ما وجد قبل الغروب وقع أداء ولا كراهة في الأداء، وما بعده وقع قضاءً ولا كراهة في القضاء، بخلاف ما لو أدى ركعة من الفجر ثم طلعت الشمس حيث تفسد صلاته، إلا رواية عن أبي يوسف؛ لأن ما بعد الطلوع وقت القضاء وهو مكروه ناقص فلا يتأدى به الواجب الكامل على ما عرف في الأصول. وقال أيضًا: تأخير العصر إلى وقت التغير مكروه لا الفعل فيه كما ذكرنا. قوله: (فالمؤدي في آخر الوقت قاض)، وفي الكافي: فيه إشكال؛ فإنه غير قاض، بل مؤد باعتبار بقاء الوقت (١). وفي الخبازية: في جوابه أجزاء الوقت فارقت أجزاء خارج الوقت في كون الموجود في الوقت أداء، وفي خارجه قضاء وما المفارقة بينهما إلا لمعنى مختص بأجزاء الوقت، ولا اختصاص لها إلا بصلاحية كل جزء منها للسببية، فكانت هذه الصلاحية هي المناط لكون الموجود في الوقت أداء وخارجه قضاء. وعلى اعتبار تقرر السببية على الجزء الماضي بطلت صلاحية سائر الأجزاء لها فكانت هذه الأجزاء كما عداها في عدم الصلاحية. قلنا: إن منع بقاء الوقت لأن وقت الصلاة عندنا عبارة عن أجزاء كل منها صالح لأن يصير سببًا فينتهي الوقت بانتهاء الصلاحية ضرورة، فهذا منع مستقيم، وإن كان يتراءى مكابرة ولا يقال المفارقة ثابتة بين الوقت وخارجه باعتبار معنى آخر وهو أن الشارع عين الوقت لأداء الصلاة، وأثره على سائر الأوقات لأدائها لأنا لا نسلم أنه معنى آخر غير ما ذكرنا، بل تعينيه وإيثاره يجعل كل جزء منه صالحًا للسببية، وفيه ضعف كما ترى. وقال شيخي ﵀ في جوابه: أنه لو يعين جزء من الوقت لها ولم ينتقل

стр. 499

بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ كَامِلَةٌ فَلَا تَتَأَدَّى بِالنَّاقِصِ. قَالَ ﵁: وَالمُرَادُ بِالنَّفْيِ المَذْكُورِ فِي صَلَاةِ الجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التَّلَاوَةِ الكَرَاهَةُ، حَتَّى لَوْ صَلَّاهَا فِيهِ أَوْ تَلَا سَجْدَةً فِيهِ فَسَجَدَهَا جَازَ، لِأَنَّهَا أُدِّيَتْ نَاقِصَةٌ كَمَا وَجَبَتْ، إذ الوُجُوبُ بِحُضُورِ الجِنَازَةِ وَالتَّلَاوَةِ. إلى ما بعده، فالتأخير عنه يكون تفويتا، والأداء بعده قضاء؛ لأنه ثبت بالاستقراء في قوانين الشرع أن جزءاً من الوقت إذا تعين للسببية في العبادات المؤقتة كان التأخير عنه تفويتا؛ كالجزء الأخير من الوقت في الصلاة، والجزء الأول من اليوم في الصوم، فلو تعين الجزء الماضي لها لثبت بالقياس عليه إذا لم يرد نص بتعيينه، ولم ينعقد إجماع عليه، ولا يجوز أن يثبت التعيين في الفرع على خلاف التعيين في الأصل، فعرفنا أنه لو ثبت يكون التأخير عنه تفويتا، ولا وجه لجعله مفوتًا مع بقاء الوقت فيثبت أن السببية تنتقل من جزء إلى جزء، وأن السبب هو الجزء القائم، وقيل: فيه، وهذا أول المسألة. وقوله: (إلا عصر يومه) (١)، بالإضافة احترازًا عن قضاء عصر سابق وقت التغيير حيث لا يصح، والفرق مذكور في الأصول. (بخلاف غيرها)، أي غير عصر اليوم بالنفي المذكور وهو قوله: (ولا صلاة جنازة) إلى آخره. (بحضور الجنازة والتلاوة)، أي فيها، أما لو حضرت الجنازة، ووجبت السجدة بتلاوة في وقت غير مكروه لا يجوز أداؤهما في هذا الوقت؛ لأنها وجبت كاملة فلا يتأدى بصفة النقصان. وفي التحفة: ولو تلا آية السجدة، أو نذر أن يصلي فيها، أو شرع فيها فأداها جاز مع الكراهة، ولكن الأفضل في صلاة الجنازة أن يؤديها فيها إذا حضرت؛ لقوله ﵇: «ثلاث لا يُؤَخَّرْنَ، منها: الجنازة إذا حضرت» وفي النفل المبتدأة -، وسجدة التلاوة الأفضل أن تقطع فيؤديها في وقت آخر؛ لأن الوقت في حقها سبب الوجوب لا شرط الأداء، بل الأداء وجب مطلقا فلا يفوت عن الوقت.

стр. 500

(وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ بَعْدَ الفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ ذَلِكَ. (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُصَلِّيَ فِي هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ الفَوَائِتَ، أما لو تلا آية السجدة في غيرها، أو نذر مطلقا، أو في غيرها فأداها فيها لا يجوز (١)، وفيه تأمل لما روي أنه ﵇ نهى عن ذلك. في المبسوط: عن ابن عباس ﵁ أنه قال: شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عمر، أنه ﵇ نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغيب الشمس (٢)، وكذا يرويه أبو سعيد الخدري، ومعاذ ابن عفراء، وجماعة كذلك في الأسرار. والحديث في الصحيحين، والنهي في التطوع خاصة، أما تجوز الفرائض وصلاة الجنازة، وسجدة التلاوة بلا كراهة فبالإجماع، وبإطلاق قوله ﵇: «من نام عن صلاة»، الحديث. (كالمشغول به)، أي: بالفرض، والفرض التقديري أقوى من النفل؛ لأن ثواب الفرض أعظم من ثوابه، ولا تمنع الفرائض لأن التحقيقي أقوى من التقديري، لا لمعنى في الوقت بل لشغل الوقت بالأولى وحق الفرض، فلا يوجب نقصا في المؤدى، كمن رأى أعمى يسقط في البئر ينهى عن الاشتغال بالصلاة، لكن لو أتى بها يجوز، ولهذا لو ابتدأ العصر في أول الوقت ومده إلى الغروب لا يكره بالاتفاق، فلو كانت الكراهة لمعنى في الوقت لكان هذا مكروها، كذا ذكره قاضي [خان] (٣)، عنى في حق الفرائض، وكذا الوتر عند أبي حنيفة لأنه فرض عملاً عنده. وقوله: (حتى تطلع الشمس) مُؤَوَّل، ومراده حتى تتغير، فإنه قال بعد ذلك: (ولا بأس بأن يصلي في هذين الوقتين الفوائت)، وقضاؤها لا يجوز بعد تغير

стр. 501

وَيَسْجُدَ لِلتَّلَاوَةِ، وَيُصَلِّيَ عَلَى الجِنَازَةِ ولا يُصلِّي ركعتي الطوافِ) لِأَنَّ الكَرَاهَةَ كَانَتْ لِحَقِّ الفَرْضِ، لِيَصِيرَ الوَقْتُ كَالمَشْغُولِ بِهِ لَا لِمَعْنَى فِي الوَقْتِ، فَلَمْ تَظْهَرْ فِي حَقِّ الفَرَائِضِ، وَفِيمَا وَجَبَ لِعَيْنِهِ كَسَجْدَةِ التَّلَاوَةِ، وَظَهَرَتْ فِي حَقِّ المَنْذُورِ، لِأَنَّهُ الشمس؛ لما عرف أن الكامل لا يتأدى بالناقص، وقد صرح بذلك في المبسوط بعد صلاة العصر قبل تغير الشمس، وبعد الفجر قبل طلوع الشمس (١). قوله: (وفيما وجب لعينه) إلى آخره، فإن قيل: قد ذكر في الأصول أن سجدة التلاوة ليست بقربة مقصودة حتى جاز إقامة الركوع مقامها، بخلاف سجود الصلاة، وهذا يوهم أنها واجبة لغيرها. قلنا: أراد بما وجب لعينه هاهنا ما شرع واجبًا ابتداء، لا أنه شرع نفلًا في الأصل ثم صار واجبًا بعارض كالمنذور، ثم هذا الواجب قد يكون قربة مقصودة بذاتها، وقد لا يكون؛ كالصلاة، والصوم، فسجدة التلاوة من حيث إنها وجبت ابتداءً كانت واجبة لعينها، فمن حيث إنها وجبت موافقة للأبرار ومخالفة للكفار لم يكن مقصودًا بنفسه فكانت واجبة لعينها، غير مقصودة بنفسها لعدم التنافي. ألا ترى أن صلاة الجنازة عُدَّت من هذا القبيل مع أنها وجبت لغيرها، وهو قضاء حق الميت، ولكنها لما شرعت ابتداءً صح جعلها واجبة لعينها من هذا الوجه، فكذا هذا، كذا قرره شيخي ﵀. وفي الْمُجْتَبى: الأصل أن ما يتوقف وجوبه على فعله كالمنذور، وقضاء التطوع أفسده، وركعتي الطواف، وسجدة السهو ونحوها لا يجوز، وما لا يتوقف عليه كسجدة التلاوة، وصلاة الجنازة يجوز". (٢) وعن أبي يوسف: لا يكره المنذور لأنه واجب بالنذر كسجدة التلاوة، وكذا في التحفة (٣). ولا أثر لإيجاب العبد؛ فإنه لا تكره سجدة التلاوة وإن وجبت بواسطة

стр. 502

تَعَلَّقَ وُجُوبُهُ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ، وَفِي حَقِّ رَكْعَتَي الطَّوَافِ، وَفِي الَّذِي شَرَعَ فِيهِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ، لِأَنَّ الوُجُوبَ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ خَتْمُ الطَّوَافِ وَصِيَانَةُ المُؤَدَّى عَنِ الْبُطْلَانِ. تلاوة العبد. وقلنا: النهي باعتبار كون الوقت مشغولاً بالفرض والمنذور، ولا يخرج عن النفلية نظرًا إلى الأصل فيما يرجع إلى الوقت بخلاف الواجب لعينه فإنه الأهم، والفرض والواجب لغيره لا يساويه، ولا يجوز قضاء ركعتي الفجر بعده. وعن الفضلي وإسماعيل الزاهد: إذا خشي فوت الجماعة في الفجر يشرع في السنة ثم يقطعها، ويقضيها بعد الفجر قبل الطلوع. قيل: في هذا نوع خطأ وهو إفساد العمل قصدًا، لكن الأحسن أن يشرع، ثم يكبر للفجر فيصير منتقلا من النفل إلى الفرض، لا مفسد قصدًا (١). وقال الإمام السَّرَخْسِي: هذا ليس بقوي؛ لأن ما وجب بالشروع لا يكون أقوى مما وجب بالنذر (٢). وقد نص محمد أن المنذور لا يؤدى بعد الفجر قبل الطلوع كذا ذكره التمرتاشي. (من جهته)، أي من جهة الناذر ويجوز رجع الضمير إليه من غير سبق ذكره؛ لما أن المنذور يدل عليه لما كان من جهته لا من جهة الشارع جعل كالتطوع المبتدأ من حيث إن كلا منهما من جهة العبد. قوله: (وفي حق ركعتي الطواف)، وفي المبسوط: كراهة ركعتي الطواف بالأثر وهو ما روي أن عمر ﵁ طاف بالبيت أسبوعاً بعد صلاة الفجر، ثم خرج من مكة حتى كان بذي طوى - اسم موضع ينصرف ولا ينصرف - فطلعت الشمس فصلى ركعتين، فقال: ركعتين مقام ركعتين (٣)، فقد أخر ركعتي الطواف إلى ما بعد الطلوع، وفيه تأمل.

стр. 503

(وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَي الفَجْرِ) لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وقال الشافعي: يجوز في هذين الوقتين ركعتي الطواف، وتحية المسجد، وكل نفل له سبب؛ كركعتي الوضوء، وسنن الرواتب والمنذور؛ لقوله ﵇: «إذا دخل أحدكم المسجد فليُحَيّهِ برَكعتين» (١)، مطلقا، ولما روي أنه ﵇ دخل بيت أم سلمة بعد العصر فصلى ركعتين، فسألته عنهما فقال: «أتاني ناس من عبد القيس فَشَغلوني عَنِ الرّكعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان» (٢)، وما روي أنه ﵇ رأى قيس بن فهد أنه يصلي بعد الصبح فقال: «ما هاتان الركعتان؟» فقال: إني لم أكن صليت ركعتي الفجر، فسكت ﵇ ولم ينكر عليه (٣). وقلنا: ذاك منسوخ بحديث النهي؛ فإن الصحابة رووه في آخر الدهر، كذا في المبسوط. وروى الطحاوي: أن عمر ﵁ كان يضرب الرجل إذا رآه يصلي بعد العصر حتى ينصرف من صلاته (٤)، مع حرصه فالترك مع الحرص على إحراز فضيلة النفل دليل الكراهة. وفي الْمُجْتَبى: ويخفف القراءة في ركعتي الفجر؛ لقول ابن عمر ﵁: سمعت النبي ﷺ يقرأ فيهما بـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] (٥). وفي مبسوط شيخ الإسلام: والنهي عما سوى ركعتي الفجر فيه لحق ركعتي الفجر لا لخلل في الوقت، وهو متعين لركعتي الفجر، حتى لو نوى تطوعًا كان

стр. 504

وَالسَّلَامُ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِمَا مَعَ حِرْصِهِ عَلَى الصَّلَاةِ (وَلَا يَتَنَفَّلُ بَعْدَ الغُرُوبِ قَبْلَ الفَرْضِ) منهما بخلاف الفرض؛ لأنه فوقه فجاز أن يصرف الوقت إليه. وفي التجنيس للمصنف: تطوع آخر الليل، فلما صلى ركعة طلع الفجر كان الإتمام أفضل؛ لأنه وقع في التطوع بعد الفجر لا عن قصد. قوله: (ولا يتنفل بعد الغروب)؛ لقوله ﵇: «بين كل أذانين صلاة، إن شاء» (١) إلا المغرب، قال الخطابي: يعني الأذان، والإقامة (٢). وعن عمر رضي عنه ﵁ أنه صلى المغرب فرأى كوكبًا عتق نسمة، كذا في الْمُجْتَبى (٣). وعند بعض أصحاب الشافعي يستحب ركعتين قبل المغرب، كما يجيء في باب النوافل (٤). وفي فتاوى قاضي خان: الأوقات التي لا تجوز فيه الصلاة اثنا عشر، فثلاثة تكره فيها الصلاة لمعنى الوقت وهي: وقت الطلوع، والغروب، والاستواء، فلذلك يكره فيها جنس الصلاة فرضًا ونفلا، والبواقي لمعنى في غير الوقت فلذلك أثر في النوافل، وما في معناها لا في الفرائض، والبواقي تسعة، وهي: بعد طلوع الفجر، وبعد فرضه قبل التطوع، وبعد صلاة العصر قبل التغيير، وبعد الغروب قبل المغرب، وعند الخطبة، وعند الإقامة يوم الجمعة، وعند خطبة العيدين، وعند خطبة الكسوف، وخطبة الاستسقاء، كذا في التحفة، ولكن لفظها بالكراهة، وفيها ومنها قبل صلاة العيد (٥). وفي صَلَاةِ الْجَلَّابِيِّ: لا يتنفل بعد صلاتي الجمع بعرفات والمزدلفة، كذا في الْمُجْتَبى.

стр. 505

لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْخِيرِ الْمَغْرِبِ (وَلَا إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ لِلْخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِلَى أَنْ يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الاشْتِغَالِ عَنْ اسْتِمَاعِ الخُطْبَةِ. بَابُ الْأَذَانِ وفيه: ويصل بهذا كراهة الكلام، ويكره الكلام بعد انشقاق الفجر إلى أن يصلي الفجر إلا بخير، وبعد الصلاة لا بأس به، وبالمشي في حاجته ومعاشه، وقيل: يكره إلى طلوع الشمس، وقيل: إلى ارتفاعها، والتحدث بعد العشاء أباحه قوم، وحظره قوم (١)، والكلام ثلاثة محظور؛ فلا يباح في كل وقت، وما فيه قربة؛ فمباح في كل وقت، ومباح؛ وهو منهي في هذه الأوقات، كذا في الْمُجْتَبى (٢). بَابُ الْأَذَانِ لما ذكر الأوقات وهي أسباب في الحقيقة أعلام لما عرف في الأصول، ذكر الأذان الذي هو إعلام لتلك الأعلام، وقدَّم الأوقات لما فيها من معنى السببية، والسبب مقدم على العلامة، ولأنها أعلام في حق الخواص وهي العلماء، والأذان في حق العوام، فقدم ما اختص به لزيادة مرتبتهم. ثم الكلام هاهنا في تفسيره شريعة، ولغة، وسببه، ووصفه، وكيفية ومحل شرع فيه، ووقته، وفيما يجب على سامعه. أما لغةً: فالأذان إعلام، قال تعالى: ﴿وَأَذَانُ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣]، أي إعلام. وشريعة: إعلام مخصوص، في وقت مخصوص. وأما ثبوته: ما ذكر في المبسوط: روى أبو حنيفة، عن علقمة بن مرثد، عن أبي بردة، عن أبيه قال: مرَّ أنصاري بالنبي ﷺ فرآه حزينًا، وكان الرجل ذا طعام، فرجع إلى بيته واهتم لحزنه ﵇، فلم يتناول الطعام فنام، فأتاه

стр. 506

(الأَذَانُ سُنَّةٌ لِلصَّلَوَاتِ الخَمْسِ وَالجُمُعَةِ دُونَ مَا سِوَاهَا) لِلنَّقْلِ المُتَوَاتِرِ. (وَصِفَةُ الأَذَانِ مَعْرُوفَةٌ) وَهُوَ كَمَا أَذَّنَ المَلَكُ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ. (وَلَا تَرْجِيعَ فِيهِ) وَهُوَ: أَنْ يَرْجِعَ فَيَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ بَعْدَ مَا خَفَضَ بِهِمَا. آت فقال: أتعلم حزن النبي ﵇ مِمَّاذا؟ وهو من هذا الناقوس، فمره فليعلم بلالا الأذان، ثم ذكره إلى آخره. والمشهور في سببه أنه ﵇ لما قدم المدينة كان يؤخر الصلاة تارة، ويعجلها أخرى، فشاور الصحابة بأن ينصبوا علامةً يعرفون بها وقت أذانه كيلا تفوتهم الجماعة، فقال بعضهم: ننصب رايةً إذا رآها الناس آذن بعضهم بعضًا، فلم يعجبه ذلك، وأشار بعضهم بضرب الناقوس، فكرهه لأجل النصارى، وبعضهم بالنفخ في الشبور فكرهه لأجل اليهود، وبعضهم بإيقاد النار، فكرهه لأجل المجوس، فتفرقوا قبل أن يجتمعوا على شيء. قال عبد الله بن زيد الأنصاري - صاحب الأذان لا صاحب الوضوء -: لا يأخذني النوم، وكنت بين النائم واليقظان إذ رأيت شخصا نزل من السماء وعليه ثوبان أخضران، وبيده شبه الناقوس، فقلت: أتبيعني هذا الناقوس؟ قال: ما تصنع به؟ فقلت: أذهب به إلى النبي ﷺ ليضرب به لوقت صلاتنا، فقال: ألا أدلك على ما هو خير من هذا؟ فقلت: نعم، فقام على حزم حائط - أي أصله - مستقبل القبلة فأذن ثم مكث هنيهة، ثم قال مثل ذلك، وزاد في آخره: قد قامت الصلاة، مرتين. فأتيت النبي ﷺ وأخبرته بذلك، فقال ﵇: «رُؤْيا صدقٍ أو حَقٌّ، أَلقها على بلال فإنه أندَى صوتًا مِنْكَ، ومُره ينادي به»، فألقيتها على بلال فقام على أرملة كان أعلى سطوح المدينة وجعل يؤذن، فلما سمع عمر ﵁ خرج في إزار يهرول ويقول: طاف بي الليلة ما طاف بعبد الله، إلا أنه سبقني، فقال ﵇: «هذا أثبت». وروي أن سبعة من أصحابه رأوا تلك الرؤيا في ليلة واحدة، كذا في

стр. 507

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المبسوطين (١). ومحمد ابن الحنفية، وقيل: زين العابدين ينكر ويقول: تعمدون إلى ما هو من معالم الدين فتقولون ثبت الرؤيا، وإنما طريقه الوحي والعلم دون النوم والظن، بل بعث الله تعالى ملكًا ليلة أسري بالنبي ﵇، وجمع له النبيون: أن أذن وأقام. وقلنا: ثبت الأذان بأمره ﵇، لا بالمنام وحده. وقيل: نزل به جبريل ﵇، على النبي ﵊، حتى قال كثير بن مرة: أذن جبريل في السماء فسمعه عمر ﵁، ولا منافاة بين هذه الأسباب فليجعل كل ذلك كان، كذا في المبسوط (٢). قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن: ليلة أسري به كان بمكة، وقد صلى ﵇ بالمدينة بغير أذان، واستشار أصحابه فيما يجمعهم به، ولو كان كما ذكر محمد ابن الحنفية لتقدم أمر الأذان، ولما استشار النبي ﵇ فيه (٣). وأما سببه: دخول الوقت المكتوبة. وأما وصفه: فقال جميع الفقهاء أنه سُنة، وقال بعض مشايخنا: أنه واجب؛ لما روي عن محمد: لو اجتمع أهل بلدة على تركه لقاتلناهم، وإنما يقاتلون على ترك الواجب. وقال عامة مشايخنا: إنهما سنتان مؤكدتان، وكلا القولين متقاربان؛ لأن السنة المؤكدة بمنزلة الواجب في لحوق الإثم بالترك، وإنما يقاتل على تركه لأنه من شعائر الإسلام وخصائص الدين، وعند أبي يوسف لا يقاتلون ولكن يؤمرون ويضربون، وعن المكحول أنهما من سنن الهدى، وتركهما ضلالة، يقاتلون على الضلال، كذا في المحيط (٤).

стр. 508

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعند الإصطخري وأبي إسحاق من أصحاب الشافعي هما فرضا كفاية (١)، وبه قال أحمد، ويقاتلون على تركه (٢)، ولا يقاتلون على الأصح. وقال ابن خيران من أصحابه: هما فرضا كفاية في الجمعة، سنتان في غيرها؛ لأن الجمعة اختصت بوجوب الجماعة، واختصت بوجوب الدعاء إليها (٣). وجه قول الإصطخري قوله ﵇: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» (٤)، وظاهر الأمر للوجوب؛ ولأنه من شعائر الإسلام فليؤكد بالفرضية. وقلنا أنه ﵇ جمع بين الصلاتين فأسقط الأذان في الثانية، فلو كان واجبًا لما تركه لسنة كذا في شرح الوجيز (٥). وقال داود: هما واجبان، وتصح الصلاة مع تركهما، وقال الأوزاعي: إن نسي الأذان وصلى أعاد الصلاة في الوقت، وقال عطاء: إن نسي الإقامة أعادها، كذا في الحلية (٦). ثم جاز أن يكون تخصيص الجمعة لإزالة وهم من يهم بأن الأذان لها كصلاة العيدين بجامع أنهما متعلقان بالإمام والمصر الجامع، وإلا فهي داخلة في الخمس، أو لنفي قول بعض أصحاب الشافعي كما قلنا. وأما بيان كيفيته فمعروفة، وهي المتواترة بلا زيادة ولا نقصان عند عامة العلماء، ونقص مالك تكبيرتين من أوله (٧)، وهو رواية الحسن عن أبي يوسف،

стр. 509

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: فِيهِ ذَلِكَ لِحَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ قال أبو الحسن: رجع أبو يوسف عن هذا. لمالك حديث أبي محذورة في رواية مسلم أنه ﵇ علمه الأذان: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، إلى آخره (١). وقلنا أخرج النسائي عن إسحاق بن إبراهيم شيخ مسلم بسنده، وذكر التكبير مربعًا (٢)، وبذلك يصح كون الأذان تسع عشر كلمة، أو سبع عشرة، وقد وقع في بعض روايات كتاب مسلم هذا الحديث فيه التكبير مربع، وقد صححه البيهقي لكثرة رواته. ثم في آخره: «لا إله إلا الله»، وعند أهل المدينة: «لا إله إلا الله، والله أكبر»، واعتبروا آخره بأوله، ويروون فيه حديثًا شاذا ولا يعمل به فيما تعم به البلوى، كذا في المبسوط (٣). وقيل: الحكمة في تكرار كلماته تعظيم شأن الصلاة في أنفس السامعين، ورجاء الثواب من الله تعالى بالتكلم به. قوله: (وقال الشافعي فيه ذلك)، أي في الأذان الترجيع (٤)، وبه قال مالك، إلا أنه قال: لا يؤتي بالتكبير في أوله إلا مرتين (٥)، وقال أحمد: إن رجع فلا بأس به، وإن لم يرجع فلا بأس به (٦)، وقال أبو إسحاق من أصحاب الشافعي: قد ثبت أذان بلال، وأذان أبي محذورة، فلو ترك الترجيع فالمذهب أن يعتدّ به، وحكى بعض أصحابنا عن الشافعي ﵁ أنه لا يعتد به كما لو ترك سائر كلماته، وفيه نظر، كذا في الحلية (٧). وفي شرح الوجيز والأصح إن ترك الترجيع لم يضر؛ لأن المقصود منه

стр. 510

بِالتَّرْجِيعِ». وَلَنَا: أَنَّهُ لَا تَرْجِيعَ فِي المَشَاهِيرِ وَكَانَ مَا رَوَاهُ تَعْلِيمًا فَظَنَّهُ تَرْجِيعًا. الإعلام والإبلاغ، والذي يأتي به الصوت خفض لا يسمعه إلا من حوله فلا يتعلق به الإبلاغ؛ لحديث أبي محذورة (١). روى أبو محذورة أن النبي ﵇ ألقى علي التأذين بنفسه فقال: «قُلْ: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسولُ الله، أشهد أن محمدا رسول الله»، ثم قال: «ارْجِعْ فَمُدَّ بِها صَوْتَكَ» (٢). ولنا: حديث عبد الله بن زيد الأنصاري وهو الأصل فيه، وليس فيه ذكر الترجيع والروايات متفقة على أن بلالا لم يكن يرجع، ولأن المقصود من الأذان قوله: «حَيَّ عَلَى الصّلاةِ، حيَّ على الفلاح»، ولا ترجيع فيهما، ففيما سواهما أولى. وأما حديث أبي محذورة إنما أمره بالتكرار حالة التعليم ليحسن تعليمه، وهو كان عادة النبي ﵇ في التعليم، فظن أنه أمره بالترجيع. وفي الأسرار: أنه ﵇ أمره به لحكمة رويت في قصته، وهي أن أبا محذورة كان يبغض النبي ﵇ قبل الإسلام أشد البغض، فلما أسلم أمره النبي ﵇ بالأذان، فلما بلغ الشهادة خفض صوته حياءً من قومه، فدعاه النبي ﵇ وعرك أذنه وقال: «ارْجِعْ وامدُدُ بها صَوْتَكَ»، إما ليعلمه أن لا حياء من الحق، أو ليزيده محبة للنبي ﵇ بتكرار كلمة الشهادة (٣). وفي شرح المجمع والتأويل الأول أشبه؛ فإن أبا محذورة كان أخلص في

стр. 511

(وَيَزِيدُ فِي أَذَانِ الفَجْرِ بَعْدَ الفَلَاحِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ) لِأَنَّ إيمانه من أن يبقى معه حياء من قومه، أو كراهة، لكن ذكر مسلم في حديثه: ثم قال لي رسول الله ﷺ : «قُمْ فَأَذَّنْ بِالصَّلاةِ»، فقمت ولا شيء أكره إليَّ من رسول الله ﷺ ، ولا بما يأمرني به (١). قال أبو بكر الرازي: القصة تشهد بصحة هذا التأويل، فقد روي أن أبا محذورة كان في جماعة من مشركي مكة بعد فتحها فشردوا في الجبال، فسمعوا منادي رسول الله ﷺ بالصلاة فطفقوا يحكونه ويستهزئون به، فأرسل ﵇ في طلبهم فأتي بهم، فقال ﵇: «أَيُّكُم الذي سَمِعَ صوتَهُ؟» فأشاروا إلى أبي محذورة، فأطاعه وحبه، ثم قال: «قُمْ فَأَذَّنْ»، فذكر الحديث، وإنما أمر بالرفع بالشهادتين لأنهما كانا موجبتين للكراهة؛ لأن أهل مكة مُقِرُّونَ بالتكبير دون الشهادتين. فإن قيل: أذان بلال بعد فتح مكة، وحديث عبد الله بن زيد في أول شرع

стр. 512

بِلَالًا ﵁ قَالَ: «الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ» مَرَّتَيْنِ حِينَ وَجَدَ النَّبِيَّ ﵊ رَاقِدًا، فَقَالَ ﵊: مَا أَحْسَنَ هَذَا يَا بِلَالُ اجْعَلْهُ فِي أَذَانِكَ وَخُصَّ الفَجْرُ بِهِ لِأَنَّهُ وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ. الأذان فيكون منسوخا. قلنا: قد رجع النبي ﵇ إلى المدينة، وبلال يؤذن معه بها إلى أن توفي بالمدينة بلا ترجيع وأمره النبي ﵇ بأذان عبد الله بن زيد، حتى قيل لأحمد بن حنبل: تأخذ بأذان بلال؟ أليس أذان أبي محذورة بعد أذانه، وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمره ﵇؟ فقال أحمد: أليس لما عاد إلى المدينة أقر بلالًا على أذانه (١)؟. ولأن ما يخفض به صوته [لا يحصل به] (٢) فائدة الأذان وهو الإعلام فلا يعتبر. (وجد النبي ﵇ راقدًا)، روي أن بلالا أذن لصلاة الفجر، ثم جاء إلى باب حجرة عائشة فقال: الصلاة يا رسول الله، فقالت عائشة: الرسول نائم، فقال بلال: الصلاة خير من النوم، فلما انتبه النبي ﵇ أخبرته عائشة بذلك فاستحسنه، وقال له: «اِجْعَلُه فِي أذانِكَ»، كذا في المبسوطين (٣). ثم هو حجة على الشافعي حيث قال: الأذان مثنى مثنى، والإقامة فرادى فرادى، إلا لفظ الإقامة (٤)، وبه قال أحمد (٥). وقال الشافعي في القديم: لفظ الإقامة أيضًا مرةً، وبه قال مالك (٦)؛ لما روي عن أبي محذورة أنه ﵇ قال: «الأذانُ مَثْنَى مَثْنَى، والإقامة فُرادَى

стр. 513

(وَالإِقَامَةُ مِثْلُ الأَذَانِ، إِلَّا أَنَّهُ يَزِيدُ فِيهَا بَعْدَ الفَلَاحِ «قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ» مَرَّتَيْنِ) هَكَذَا فَعَلَ المَلَكُ النَّازِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَهُوَ المَشْهُورُ، ثُمَّ هُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهَا فُرَادَى فُرَادَى إِلَّا قَوْلَهُ: «قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ» مرتين. فرادى» (١)، وعن ابن عمر أنه قال: كان الأذان في عهد النبي ﵇ مرتين، والإقامة فرادى فرادى (٢). ولما روي: أنه ﵇ أمر بلالا أن يَشْفَعَ فيه، ويؤتر في الإقامة (٣)، ولأن المقصود بالأذان الإعلام ومع التكرار أبلغ، والمقصود منها إقامة الصلاة، وبالإفراد أعجل لإقامتها. ولنا حديث عبد الله بن زيد، ومشاهير أحاديث كبار الصحابة، وحديث أبي محذورة أنه قال: علمني النبي ﵇ الإقامة سبع عشرة كلمة (٤)، وإنما يكون سبعة عشر إذا كانت مَثْنَى مَثْنَى، وما رواه محمول على الجمع بين الكلمتين في الإقامة، والتفريق بينهما في الأذان، وعلى الإيثار قولا بحيث لا ينقطع الصوت؛ لما روي أن علياً ﵁ مرَّ بمؤذن أوتر الإقامة فقال له: اشفعها لا أم لك، [كذا] (٥) في المحيط (٦). وفي المبسوط: أمر بلالا أن يؤذن بصوتين، ويقيم بصوت واحد (٧)، يعني على سبيل التعجيل. وما ذكروا أن الإقامة فرادى أسرع إلى الشروع منقوض بـ: «قد قامت»،

стр. 514

(وَيَتَرَسَّلُ فِي الْأَذَانِ، وَيَحْدُرُ فِي الإِقَامَةِ) لِقَوْلِهِ ﵊ لِبِلَالٍ: وروى عن النخعي أنه قال: أول من أفردها معاوية، وقال مجاهد: كانت الإقامة في عهد النبي ﵇ مثنى مثنى حتى استحقه (١) بعض أمراء الجور لحاجة لهم. وقال مالك: الإقامة تُفْرَدُ أيضًا، ويروي فيه حديثا عن سعد القرظ نائب بلال في المدينة بعد وفاة النبي ﵇، إلا أنه شاذ، والشاذ في مثله لا يكون حجة. قوله: (ويترسل)، هذا بيان صفته، وفي فتاوى الظهيرية: الترسل أن يفصل بين كلمتين بسكتة، والحدر أن يصل ولا يفصل بينهما، يقال: ترسل في قراءته إذا تمهل فيها، والحدر السرعة. روى جابر أنه ﵇ قال لبلال: «إذا أذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ»، الحديث، رواه أبو داود (٢)، ولأن المقصود من الأذان الإعلام والترسل فيه أبلغ، والمقصود من الإقامة إقامة الصلاة فالحدر فيه أبلغ، ولو ترسل فيهما، أو حدر فيهما، أو ترسل الإقامة وحدر الأذان جاز؛ لأنه قد حصل، فترك السنة لا يمنع الجواز، كذا في المبسوط (٣). وفي الْمُجْتَبى: وقيل: ولكن يكره لمخالفته السنة (٤).

стр. 515

«إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ» وَهَذَا بَيَانُ الاسْتِحْبَابِ (وَيَسْتَقْبِلُ بِهِمَا القِبْلَةَ). وفي الكاثي: ما ذكره في المتن يشير إلى عدم الكراهة حيث قال: (وهذا بيان الاستحباب). وفي الْمُجْتَبى: المد في أول التكبير كفر، وفي آخره خطأ، ولا بأس بالتطريب في الأذان، وهو تحسين الصوت من غير تغيير، فإن تغير بلحن أو مد يكره، وعن الجلابي (١): إنما يكره التلحين في الثناء دون الصلاة والفلاح، وإنما يكره التلحين في الأذان، وهو قول مالك؛ لأن ابن عمر قال لمؤذن حين قال المؤذن له أحبك في الله: أبغضك في الله، قال: لم، قال: بلغني أنك تغني في أذانك، يعني التلحين (٢). ولا بأس بالتفخيم فيه لأنه إحدى اللغتين، كذا في المبسوط (٣). وفي الْمُجْتَبى: وإذا كره التلحين في الأذان ففي قراءة القرآن أولى (٤). قوله: (ويستقبل بهما)، أي بالأذان والإقامة، أي بإجماع الأمة؛ لأن كل واحد يشتمل على الثناء والدعاء، والشهادة بالوحدانية، وبالرسالة، وأحسن أحوال الداعين والذاكرين استقبال القبلة، ولأنهما تبعاً للصلاة فيستقبل بهما القبلة كما فيها، وجاز أن يكونا تبعًا وهو مقدم؛ كسنة الظهر، وحجاب الملوك فيواجههم. قال بدر الدين خواهر زاده: أول الأذان مناجاة، وآخره مناجاة، وأوسطه مناداة، ففي المناجاة يستقبل، وفي المناداة تحوّل، كالصلاة فإنه يستقبل في موضع الأذكار، ويحول وجهه يمينا وشمالا في السلام (٥). وذكر البزدوي أنه في الحقيقة هما الحيعلتان، ومعناهما: أسرعوا إلى الصلاة والفلاح، فكان سبيله أن يواجه به المسلمين، ولهذا قلنا في الذي يجيب

стр. 516

لِأَنَّ المَلَكَ النَّازِلَ مِنَ السَّمَاءِ أَذَّنَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، وَلَوْ تَرَكَ الاسْتِقْبَالَ جَازَ لِحُصُولِ المَقْصُودِ، وَيُكْرَهُ لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ (وَيُحَوِّلُ وَجْهَهُ بِالصَّلَاةِ وَالفَلَاحِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً) لِأَنَّهُ الأذان أنه يقول مثلما قال المؤذن إلا في الصلاة والفلاح فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، أو: ما شاء الله كان؛ لأنه خطاب خالص فسبيل الطاعة سؤال الحول والقوة لا إعادته لئلا يصير عبثًا. (يَمْنَةً، وَيَسْرَةً)، أي الصلاة في اليمين والفلاح في اليسار، ويكون فيه صنعة اللف والنشر. وقيل: الصلاة يمنة ويسرة، بأن يبتدئ بـ «حَيَّ على الصلاة» من يمينه، ويختم من يساره، وكذا في الفلاح. وفي المستصفى وتتمة أصحاب الشافعي: والأول أصح (١). واختار في شرح المجمع، والكافي الثاني، فقال: يبتدئ بـ «حَيَّ عَلَى الصلاة» من يمينه، ويختم من يساره، وكذا في الفلاح، ولا يلازم جهة؛ لأنه يكون تخصيصا بلا مخصص، مع أن الخطاب بهما للكل، وكذا روي ذلك عن بلال، وبه قال القفال من أصحابه. وفي الحلية: قوله غير صحيح، ولا أصل في الشرع (٢)، وفيه تأمل. فإن قيل: لو كان التحويل لأجل الخطاب لحول وراءه أيضاً لأن القوم يكونون في الوراء أيضاً. قلنا: لا يجوز وراءه؛ لأن فيه استدبار القبلة بلا ضرورة لحصول ضرب من الإعلام، كذا في الفوائد الظهيرية. وعن الجلابي (٣): لو صلى وحده وأذن لا يُحوّل، والصحيح أنه يُحَوِّل؛ لأنه صار سنة فيأتي بها على كل حال، حتى قالوا: لو أذن لمولود يحول وجهه يمنة ويسرة، كذا في المحيط (٤).

стр. 517

خِطَابٌ لِلْقَوْمِ فَيُوَاجِهُهُمْ بِهِ وَإِنْ اسْتَدَارَ فِي صَوْمَعَتِهِ فَحَسَنٌ مُرَادُهُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ تَحْوِيلَ الوَجْهِ يَمِينًا وَشِمَالًا مَعَ ثَبَاتِ قَدَمَيْهِ مَكَانَهُمَا كَمَا هُوَ السُّنَّةُ بِأَنْ كَانَتْ الصَّوْمَعَةُ مُتَسَعَةٌ، فَأَمَّا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فَلَا. وَالْأَفْضَلُ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَجْعَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ بِذَلِكَ أَمَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِلالا ﵁، وَلِأَنَّهُ أَبْلُغُ فِي الإِعْلَامِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَحَسَنُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِسُنَّةٍ أَصْلِيَّةٍ وفي البستان لا يُحوّل في الإقامة إلا لأناس ينتظرون ذكره التمرتاشي. (مع ثبات قدميه)؛ لأن الانحراف لضرورة الخطاب، ولا ضرورة في القدمين والصدر، كذا ذكره البزدوي. (فإن لم يفعل فحسن)، أي الأذان حسن لا ترك الفعل؛ لأنه أمر به النبي ﵇ بلالًا فلا يليق أن يوصف تركه بالحسن، لكن لم يكن من السنن الأصلية ولم يؤثر زواله في زوال حسن الأذان، فكان معناه أن الأذان به حسن، وبتركه حسن. وفي المبسوط: فالمقصود وهو الإعلام الحاصل بدونه (١). وفي الخبازية: إنما أمر النبي ﵇ بلالًا بذلك شفقة عليه؛ لأن صوته يدخل في صماخه، فربما يضعفه، فإن كان الرجل ممن لا يؤثر ذلك فيه يجوز تركه لفوات الداعي أصلا؛ كقبلة الصائم لا بأس بها من لم يؤثر ذلك في عاقبته. وقوله: (ليست بِسُنَّةٍ أصلية)، يحتمل وجهين، يعني لم يكن في أذان الملك النازل، والثاني: أنه شرعت للإعلام، وجعل الإصبع في الأذنين مبالغة في ذلك، فلا يخل تركه فيه، فلا يزيل حسن الأذان فيكون من السنن الزوائد فلا بأس بتركه. وعن أبي يوسف: لو جعل إحدى يديه على أذنه فحسن، ولو جعل يديه

стр. 518

(وَالتَّشْوِيبُ فِي الفَجْرِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، مَرَّتَيْنِ بَيْنَ الْأَذَانِ على أذنيه فحسن؛ لأن في حديث أبي محذورة ضم أصابعه الأربعة ووضعها على أذنيه، رواه أحمد، ومثله عن ابن عمر (١). وفي الجملة في وضع الإصبعين فائدتان، أحدهما: أنه أندى للصوت كما جاء في الحديث. والثاني: أن يستدل الأصم أو من بعد بحيث لا يسمع الصوت بذلك على أنه يؤذن. قوله: (والتثويب)، وفي المبسوط: التثويب لغة الرجوع، ومنه الثواب؛ لأن منفعة عمله تعود إليه فهو عود إلى الإعلام بعد الإعلام (٢). قال محمد في الجامع الصغير: التثويب الذي يثوب الناس في الفجر بين الأذان والإقامة: حي على الصلاة، حي على الفلاح، مرتين حسن، وهذا هو التثويب المحدث (٣)، ولم يبين التثويب القديم. وذكر في الأصل: كان التثويب في صلاة الفجر بعد الأذان: الصلاة خير من النوم، مرتين (٤)، وروي عن أبي حنيفة هكذا، كذا في المحيط (٥). وقال الطحاوي: التثويب القديم في نفس الأذان وهو المأخوذ عند القدوري، وعليه عمل الناس اليوم كذا في الإيضاح، وشرح الأقطع. وفي شرح الوجيز وهو قول القديم للشافعي، والمسألة مما يفتي على القديم، وبه قال مالك، وأحمد (٦). ووجهه ما روي عن أبي محذورة أنه قال: قلت: يا رسول الله علمني سنة الأذان، فذكر الأذان، إلى أن قال: «فإن كان في صلاة الصبح قُلْ: الصَّلَاةُ

стр. 519

وَالإِقَامَةِ حَسَنٌ) لِأَنَّهُ وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ (وَكُرِهَ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ) وَمَعْنَاهُ العَوْدُ إِلَى خير من النوم»، وما روي أنه ﵇ قال لبلال: «اِجْعَلْهُ في أذانِكَ». وفي الإيضاح: فإذا ذكر فيه خرج من أن يكون تثويبا، وقال الشافعي في الجديد إنه بين الأذان والإقامة (١)، وهو المروي عن أبي حنيفة، ومحمد (٢). ووجهه أن عبد الله بن زيد وبلالًا حَكَيًا الأذان ولم يذكرا التثويب، وكذا أبو محذورة في أكثر الروايات والمراد بما رووا التثويب بينهما. قوله: (وكره)، أي التثويب في سائر الصلوات. وفي الحلية ولا يستحب في قول الشافعي في غير أذان الصبح (٣)؛ لما روي عن بلال أنه قال: قال النبي ﵇: «لا تثويب في شَيْءٍ مِنَ الصلواتِ إِلَّا في صَلاةِ الفَجْرِ (٤). وفي الإيضاح: أنه ﵇ قال لبلال: ثوب في الفجر، ولا تثوب في العشاء». وفي المبسوط: روي أن عليا ﵁ رأى مؤذنا يُثَوِّبُ في العشاء، فقال:

стр. 520

الإِعْلَامِ بَعْدَ الإِعْلَامِ، وَهُوَ عَلَى حَسَبِ مَا تَعَارَفُوهُ، وَهَذَا التَّشْوِيبُ أَحْدَثَهُ عُلَمَاءُ الكُوفَةِ بَعْدَ عَهْدِ الصَّحَابَةِ ﵃ لِتَغَيُّرِ أَحْوَالِ النَّاسِ، وَخَصُّوا الفَجْرَ بِهِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَالمُتَأَخِّرُونَ اسْتَحْسَنُوهُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا، لِظُهُورِ التَّوَانِي فِي الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ. أخرجوا هذا المبتدع من المسجد، وقال مجاهد: دخلت مع ابن عمر مسجدًا يصلي الظهر فسمع المؤذن يُثوّب فغضب وقال: قم حتى نخرج من عند هذا المبتدع، وما كان التثويب على عهد النبي ﵇ إلا في صلاة الفجر. ولأن الفجر في حال النوم والغفلة فخصت بالتثويب لئلا يفوت الناس الجماعة، ولهذا خصت بتطويل القراءة، وهذا المعنى لا يوجد في غيرها، على حسب ما تعارفوه، إما بالتنحنح، أو بقوله: الصلاة الصلاة، أو قامت قامت، وأهل سمرقند يقولون: الصلاة الصلاة، وأهل بخار قامت قامت؛ لأنه للمبالغة في الإعلام، وذا يحصل بما يتعارفونه -، كذا في المبسوط (١). (علماء الكوفة)، أي التابعين استحسنوا أي التثويب المحدث والصلاة والصلاة والفلاح لكن لم يشترطوا عين ذلك اللفظ، بل ذكروا ما تعارفوه فعلى هذا استحسان المتأخرين إحداث بعد إحداث قال ﵇: «ما رَآهُ المسلمون حسنًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ» (٢). وفي جامع البرهاني: نزل سائر الأوقات في زماننا منزلة وقت الفجر في زمان النبي ﵇؛ لظهور التواني في الأمور الدينية، وإليه أشير في المبسوط (٣).

стр. 521

(وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَقُولَ المُؤَذِّنُ لِلْأَمِيرِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الأَمِيرُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، الصَّلَاةَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ)، وَاسْتَبْعَدَهُ مُحَمَّدٌ ﵀، لِأَنَّ النَّاسَ سَوَاسِيَةٌ فِي أَمْرِ الجَمَاعَةِ، وَأَبُو يُوسُفَ ﵀ خَصَّهُمْ بِذَلِكَ لِزِيَادَةِ اشْتِغَالِهِمْ بِأُمُورِ المُسْلِمِينَ كَيْ لَا تَفُوتَهُم الجَمَاعَةُ، وَعَلَى هَذَا القَاضِي وَالمُفْتِي. (لا أرى بأسا)، في المبسوط: عن أبي يوسف أنه قال: لا بأس للمؤذن أن يخص الأمير بالتثويب، فيأتي بابه فيقول: السلام عليك أيها الأمير، الصلاة يرحمك الله - وإنما قال: السلام عليك أولا تمسكا بقوله ﵇: «السلام قبل الكلام» (١) - لما روي أن عمر ﵁ لما كثر اشتغاله نصب من يحفظ عليه صلاته، إلا أن محمدا كره ذلك وقال: أف لأبي يوسف حين خص الأمراء بالتثويب، يعني مال إليهم، فإن عمر ﵁ حين حج أتاه مؤذن مكة يؤذنه بالصلاة فانتهره، وقال: ألم يكن في آذانك ما يكفينا ذلك (٢). فعلى هذا قالوا: لا ينبغي أن يقول أحد لمن فوقه في العلم والجاه: حان وقت الصلاة، سوى المؤذن؛ لأنه استغفال، كذا ذكره التمرتاشي. (سواسية)، أي سواء في أمر الجماعة، والحضور إلى خدمة المعبود الواحد. وقيل: قول أبي يوسف مقبول ونعم ما قاله، ولكن استبعده محمد لما بينهما من الثقل، يؤيد هذا ما قال في الجامع الصغير: محمد، عن يعقوب، ولم يقل: عن أبي يوسف، ولكن لا يظن أنه لقي الله وهو كما كان، بل تاب ورجع، والبشر لا يخلو عن هذه الحالات، كذا في الحميدية. وفي جامع قاضي خان ما قاله أبو يوسف في أمراء زمانه لا في أمراء

стр. 522

(وَيَجْلِسُ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ إِلَّا فِي المَغْرِبِ، زماننا؛ لأنهم مشغولون بالظلم لا بأمور المسلمين. قوله: (ويجلس)، إلى آخره ذكر التمرتاشي في جامعه أنه يقعد مقدار ركعتين، أو أربع، أو مقدار ما يفرغ الآكل من أكله، والشارب من شربه؛ لقوله ﵇ لبلال: «إذا أذَّنْتَ فأمهل الناس مقدار ما يفرغ الآكل من أكله، والشَّارِبُ من شُربه، والمعتصر - أي الحاقن - من قضاء حاجَتِهِ» (١)، كذا في المبسوط (٢). وقيل: مقدار ما يقرأ عشر آيات، ثم يُثَوِّبُ، ثم يقيم. وفي المجتبى: في شرح الطحاوي: يفصل بين الأذان والإقامة مقدار ركعتين، أو أربع، يقرأ في كل ركعة نحوا من عشر آيات، وفي المغرب يمكث بينهما بقدر ثلاث آيات، وقيل: بقدر سورة الإخلاص، وينتظر المؤذن الناس، ويقيم للضعيف المستعجل، ولا ينتظر رئيس المحلة وكبيرها، ولا يؤذن إلا في فناء المسجد أو مئذنته، ويتم الإقامة في مكانها إن كان المؤذن غير الإمام، وإن كان الإمام أتمها ماشيئًا بعد قوله: «قد قامت الصلاة»، وقيل: يسكت، وقيل: يخير في الإتمام ماشيًا إماما كان أو غيره. وإن قدم بعض الكلمات يراعي الترتيب، ولو أذن مكان الإقامة أعاد، وإن علم في وسطه يتم الأذان ويقيم، وعلى عكسه يتمه أذانا، وإن علم بعد قوله:

стр. 523

وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: يَجْلِسُ فِي المَغْرِبِ أَيْضًا جَلْسَةٌ خَفِيفَةً) (*) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الفَصْلِ، إذ الوَصْلُ مَكْرُوهٌ، وَلَا يَقَعُ الفَصْلُ بِالسَّكْتَةِ لِوُجُودِهِمَا بَيْنَ كَلِمَاتِ الأَذَانِ، فَيَفْصِلُ بِالجَلْسَةِ كَمَا بَيْنَ الخُطْبَتَيْنِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ: أَنَّ التَّأْخِيرَ مَكْرُوهُ، فَيُكْتَفَى بِأَدْنَى الفَصْلِ احْتِرَازًا عَنْهُ، وَالمَكَانُ فِي مَسْأَلَتِنَا مُخْتَلِفٌ، وَكَذَا النَّعْمَةُ فَيَقَعُ «قد قامت الصلاة» يعود فيقول: «حي على الصلاة» مرتين، «حي على الفلاح» مرتين، «الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله» (١). (وهذا)، أي الاستثناء عند أبي حنيفة، وإنما استثنى المغرب لأن تأخيره مكروه بالاتفاق، والوصل بين الأذان والإقامة مكروه بالاتفاق، فيقع الفصل بالسكتة. ثم قدر السكتة الفارقة عنده مقدار ثلاث آيات قصار أو آية طويلة. وعن أبي حنيفة مقدار ثلاث خطوات أو أربع، كذا في جامعي قاضي خان، والتمرتاشي، والحقائق. (والمكان)، أي مكان الأذان والإقامة اعتبارًا بسائر الصلوات، والجامع أن هذا فصل مشروع في صلاة مكتوبة بينهما فوجب أن يجوز بالصلاة كما في سائر الصلوات، ويجيء التفصيل في التنفل بعد الغروب على مذهبه في باب النوافل. وفي المبسوط: ويستحب للمؤذن أن يتطوع بين الأذان والإقامة، إذ جاء في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا﴾ [فصلت: ٣٣] إلى قوله ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] أنه المؤذن يدعو الناس بأذانه، ويتطوع قبلها، والفرق قد ذكرناه وهو أن تأخير المغرب مكروه فيفيد ما قلنا، وهو أن عنده لا يجلس بينهما في المغرب (٢). وفي جامع الكردري: وهذا يدل على أن الأولى أن يكون المفتي هو المؤذن؛ لأنه أعلم بالسنة.

стр. 524

الفَضْلُ بِالسَّكْتَةِ، وَلَا كَذَلِكَ الخُطْبَةُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَفْصِلُ بِرَكْعَتَيْنِ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَالفَرْقُ قَدْ ذَكَرْنَاهُ (قَالَ يَعْقُوبُ: رَأَيْت أَبَا حَنِيفَةَ يُؤَذِّنُ فِي المَغْرِبِ وَيُقِيمُ وَلَا يَجْلِسُ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ) وَهَذَا يُفِيدُ مَا قُلْنَا، وَأَنَّ المُسْتَحَبَّ كَوْنُ وفي فتاوى العتابي: عن خلف أنه إذا لم يكن بصيرا بأوقات الصلاة ليس له أجر المؤذنين، وكذلك الأعمى؛ لأنه لا يستقبل القبلة، ولا يعلم أوقات الصلاة. وفي التحفة: ينبغي أن يكون المؤذن عاقلا صالحًا تقيا، عالماً بالسنة وأوقات الصلاة، وأذان الصبي العاقل صحيح بلا كراهة، ولكن البالغ أفضل (١). وأما أذان الصبي غير العاقل، والمجنون، والسكران، والمعتوه لا يجوز؛ لأن الصلحاء لا يعتمدون على أذانهم ويعاد، وهكذا في المحيط (٢). وفي الإيضاح: ما لا يكون عن عقل لا يعتد به كصوت الطيور (٣). وفي الوجيز: ولا يصح أذان الكافر، والمجنون، والسكران المخبط، ويصح أذان الصبي المميز الذي تصح صلاته (٤)، وقال داود: لا يعتد أذانه للبالغين. (عالما بالسنة)، أي بالأحكام الشرعية. وفي المبسوط: الأذان ذكر معظم فيختار له من يكون محترما في الناس يتبرك به (٥). أول الحديث: «يؤمكُم أقرؤُكم، ويُؤَذِّنُ لكُم خياركم» (٦). وفي الفائق: قال عمر: لو أطيق الأذان مع الخليفي - أي مع الخلافة - لأذنت. وقال المحبوبي ناقلا عن السَّرَخْسِي: أن في قوله: (رأيت أبا حنيفة) إشارة إلى أنه كان يباشر الأذان بنفسه، والأحسن أن يكون المؤذن عالمًا

стр. 525

اَلْمُؤَذِّنُ عَالِمًا بِالسُّنَّةِ لِقَوْلِهِ ﵊: «يُؤَذِّنُ لَكُمْ خِيَارُكُمْ». إماما في الصلاة، بخلاف ما قال بعض المتأخرين أنه ﵇ ما كان يباشر الأذان والإقامة بنفسه، وقد كان إماما لهم في الصلاة. فقال السرخسي: هذا في حقنا؛ لأن المؤذن يدعو إلى الله ممن يكون أعلى درجة منا فهو أولى به، وقد روي عن عقبة بن عامر أنه قال: كنت مع النبي ﵇ في سفر، فلما زالت الشمس أذن وأقام، وصلى الظهر (١)، وهو حجة على الشافعي. قال شيخ الإسلام: هذا أحد قولي الشافعي. وفي شرح الوجيز: في الفائتة ثلاثة أقوال، في الجديد: لا يؤذن؛ لما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب هويا من الليل، فدعا النبي ﵇ بلالا فأقام للظهر فصلاها، ثم أقام للعصر فصلاها، ثم أقام للمغرب فصلاها، ثم أقام للعشاء فصلاها (٢)، ولم يؤذن لها مع الإقامة. ولأن الأذان للإعلام بدخول الوقت، أو للدعاء إلى الاجتماع، وكلا الأمرين لا يحتاج في الفائتة. وفي القديم: يؤذن لها (٣)، وبه قال أبو حنيفة (٤)، ومالك (٥)، وأحمد (٦)، وفي قول: إن أمل اجتماع قوم يصلون معه أذن، وإلا فلا (٧)؛ لأن الأذان سنة الجماعة. ولنا: ما روي من حديث ليلة التعريس، وما روى أصحاب الإملاء عن أبي

стр. 526

(وَيُؤَذِّنُ لِلْفَائِتَةِ وَيُقِيمُ) لِأَنَّهُ ﵊ قَضَى الفَجْرَ غَدَاةَ لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ بِأَذَانِ وَإِقَامَةِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي اكْتِفَائِهِ بِالْإِقَامَةِ (فَإِنْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ أَذَّنَ لِلْأُولَى وَأَقَامَ) لَمَا رَوَيْنَا (وَكَانَ مُخَيَّرًا فِي البَاقِي إِنْ شَاءَ أَذَّنَ وَأَقَامَ) لِيَكُونَ القَضَاءُ عَلَى حَسَبِ الأَدَاءِ وَإِنْ شَاءَ اقْتَصَرَ عَلَى الإِقَامَةِ لِأَنَّ الْأَذَانَ لِلاسْتِحْضَارِ وَهُمْ حُضُورٌ. قَالَ ﵁: وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ يُقِيمُ لِمَا بَعْدَهَا وَلَا يُؤَذِّنُ، قَالُوا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا. يوسف بإسناده إلى النبي ﵇ أنه حين شغلهم الكفار يوم الخندق قضاهن بأذان وإقامة، وفي رواية: بأذان وإقامة للأولى، وإقامة لكل واحدة من البواقي، ولاختلاف الروايتين خيرنا في ذلك. وأما قوله: شرع لكذا، قلنا بلى، ولتحصيل الثواب أيضًا بهذه الكلمات، وفي هذا لا يتفاوت بين أن يكون واحدا أو جماعة. وأما رواية أبي سعيد يحتمل أنه ما كان حاضرًا وقت الأذان، وما روينا مثبت فكان أولى من نفيه، وكان مخيرا في الباقي. فإن قيل: قد عرف في الأصول أن الرفق إذا كان متعينا في أحد الجانبين لا يخير بينهما، كما في قصر صلاة المسافر، وهاهنا الرفق متعين في الإقامة، فكيف يثبت التخيير؟ قلنا: ذاك في الواجبين لا في السنن والتطوعات. (قالوا)، أي المشايخ، عن أبي بكر الرازي: يجوز أن يكون ما قاله محمد قولهم جميعًا، والمذكور في كتاب محمول على الصلاة الواحدة فيرتفع الخلاف بين أصحابنا. وفي الْمُجْتَبى: قوم ذكروا فساد صلاتهم في المسجد في الوقت قضوها بجماعة فيه لا يعيدون الأذان والإقامة، وإن قضوها بعد الوقت قضوها في غير ذلك المسجد بأذان وإقامة (١).

стр. 527

(وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ عَلَى طُهْرٍ، فَإِنْ أَذَّنَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ جَازَ) لِأَنَّهُ ذِكْرٌ وَلَيْسَ بِصَلَاةٍ فَكَانَ الوُضُوءُ فِيهِ اسْتِحْبَابًا كَمَا فِي القِرَاءَةِ وَيُكْرَهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الفَصْلِ بَيْنَ الإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ، وَيُرْوَى أَنَّهُ لَا تُكْرَهُ الإِقَامَةُ أَيْضًا ووجه الفرق بين عدم كراهة الأذان بغير وضوء، وكراهته بالجنابة، فإن على رواية كراهة الأذان بغير وضوء فلا حاجة إلى الفرق. وفي المحيط: أوضح الفرق وقال: إنما لم يعكس لأنا لو اعتبرنا في الحدث جانب الشبه يلزمنا اعتباره في الجنابة بالطريق الأولى لأنها أغلظ الحدثين، فحينئذ يبطل جانب الحقيقة (١). وأما وجه مشابهته بالصلاة فمن حيث إن جوازهما متعلق بالوقت واستقبال القبلة شرط فيهما. وأما وجه كراهة الأذان بغير وضوء - وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة -: فهو أن المؤذن يدعو الناس إلى التأهب للصلاة، فإذا لم يكن متأهبا دخل تحت قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ [البقرة: ٤٤] الآية. ثم الطهارة غير شرط لجواز الأذان والإقامة عندنا، والشافعي (٢)، وأحمد (٣)، وعامة أهل العلم، وعن مالك أنها شرط في الإقامة دون الأذان (٤). وقال الأوزاعي، وعطاء، وبعض أصحاب الشافعي: شرط فيهما (٥)؛ لقوله ﵇" «لا يؤذِّنُ إِلَّا مُتوضّى» (٦)

стр. 528

لِأَنَّهَا أَحَدُ الأَذَانَيْنِ، وَيُرْوَى أَنَّهُ يُكْرَهُ الأَذَانُ أَيْضًا، لِأَنَّهُ يَصِيرُ دَاعِيًا إِلَى مَا لَا يُجِيبُ بِنَفْسِهِ (وَيُكْرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ وَهُوَ جُنُبٌ) رِوَايَةٌ وَاحِدَةً. وَوَجْهُ الفَرْقِ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ: أَنَّ لِلْأَذَانِ شَبَهَا بِالصَّلَاةِ فَتُشترط الطَّهَارَةُ عَنْ أَغْلَظِ الحَدَثَيْنِ دُونَ أَخَفِّهِمَا عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ. وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: إِذَا أَذَّنَ وَأَقَامَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ لَا يُعِيدُ، وَالجُنُبُ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُعِيدَ، وَلَوْ لَمْ يُعِدْ أَجْزَأَهُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِخِفَّةِ الحَدَثِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَفِي الإِعَادَةِ بِسَبَبِ الجَنَابَةِ رِوَايَتَانِ، وَالأَشْبَهُ أَنْ يُعَادَ ولنا: قوله ﵇: «حَقُّ - أو سُنّةٌ - أن لا يؤذِّنَ الرجلُ إلا وهو طاهر» (١)، وهذا يقتضي الاستحباب. ولأن الأذان ذكر فكان الوضوء فيه مستحبا كما في قراءة القرآن، مع أن القراءة أشرف الأذكار، وهذا لا يدل على عدم الكراهة كما في القراءة، وما قاله ﵇ بيان الأولى، مع أنه لم يكن مشهورًا. (وأما الأول)، وهو قوله: (لا يعيد). (وأما الثاني)، وهو قوله: (وأحب إليّ أن يعيد)، وفي شرح الطحاوي: يستحب إعادة أذان أربعة: الجنب، والمرأة، والسكران، والمجنون (٢). قال المحبوبي: إنما يكره أذان المرأة لأن المؤذن يندب أن يشهر نفسه ويرفع صوته، حتى يستحب له أن يعلو المنارة، أو أعلى موضع عند الأذان، والمرأة منهية عن الكل، فلهذا يستحب إعادة أذانها حين وقع لا على وجه السنة.

стр. 529

الأَذَانُ دُونَ الإِقَامَةِ لِأَنَّ تَكْرَارَ الْأَذَانِ مَشْرُوعٌ دُونَ الْإِقَامَةِ. وَقَوْلُهُ: «وَلَوْ لَمْ يُعِدْ أَجْزَاهُ»: يَعْنِي الصَّلَاةَ، لِأَنَّهَا جَائِزَةٌ بِدُونِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ المَرْأَةُ تُؤَذِّنُ مَعْنَاهُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُعَادَ لِيَقَعَ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ (وَلَا يُؤَذِّنُ وفي المبسوط: وليس على النساء أذان وإقامة - وبه قال مالك (١)، وأحمد (٢)، وأبو ثور وجملة من التابعين -؛ لأنهما سنتا الجماعة وجماعتهن منسوخة، وكذا لو صلين بجماعة لحديث رايطة - بالياء - قالت: كنا جماعة من النساء أمتنا عائشة بلا أذان وإقامة (٣). أما لو أذنت المرأة للرجال يجوز لحصول المقصود، ولكن يكره لأن أذانها من المحدثات لم يكن في السلف، وكل محدثة بدعة. وللشافعي في جماعة النساء ثلاثة أقوال أصحها وهو نصه في الأم (٤): أنه يستحب لهن الإقامة دون الأذان؛ لما روي عن عمر أنه قال: ليس على النساء الأذان (٥)، ولأنه للإعلام ولا يحصل ذلك إلا برفع الصوت، وفي رفع صوتهن خوف الفتنة. وأما الإقامة فمستحب؛ لأنها لاستفتاح الصلاة، واستنهاض الحاضرين فيستوي فيه الرجال والنساء. والثاني: أنه لا أذان ولا إقامة؛ فلما ذكرنا أنها تبع الأذان فلا تكون بدون متبوعها. والثالث: أنه يستحب الأذان والإقامة؛ لما روي عن عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم، ولا يختص هذا الخلاف فيما إذا صلين بجماعة أو وحدهن، كذا في

стр. 530

لِصَلَاةٍ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا وَيُعَادُ فِي الوَقْتِ) لِأَنَّ الأَذَانَ لِلْإِعْلَامِ وَقَبْلَ الوَقْتِ تَجْهِيلٌ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ يَجُوزُ لِلْفَجْرِ فِي النِّصْفِ الأَخِيرِ مِنْ شرح الوجيز (١). ولنا: ما روي عن النبي ﵇ أنه قال: «ليس على النساء أذان وإقامة»، كذا في الإيضاح. وآخر الحديث: «ولا جمعة، ولا يتقدمُهُنَّ إمامُهُنَّ، ولكن يقوم وسطهُنَّ»، رواية أسماء (٢). ولأنهما سنتا الجماعة، وجماعتهن منسوخة كما ذكرنا، والرواية عن عائشة مختلفة، والإقامة لإعلام الحاضرين وهن حضور. وفي المبسوط: لو صلين بهما جازت صلاتهن على الإساءة فهي مخالفة السنة والتعرض للفتنة (٣). (وهو قول الشافعي) (٤)،، وبه قال مالك (٥)، وأحمد (٦)، وداود (٧)؛ لما روي أن بلالا كان يؤذن على عهد النبي ﵇ بالليل (٨)، فدل أنه لا بأس به، ولأن الفجر وقت نوم وغفلة والحاجة ماسة إلى التأهب للصلاة قبل الوقت بالاغتسال، والوضوء ليتمكن المكلف من شغل الوقت كله بالسنة والفرض؛ فيجوز ذلك إحرازاً لهذه الفضيلة. ولنا: أن الأذان موضوع للإعلام بدخول الوقت، ألا ترى أنه نداء إلى
следующие страницы →