نَقدَينِ؛ فَإِنْ كَانَتِ الحِنْطَةُ نَسِيئَة جَازَ أَيضًا، وَإِنْ كَانَ الخُبْزُ نَسِيئَة يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀: وَعَلَيْهِ الفَتوَى، وَكَذَا السَّلَمُ فِي الخُبْزِ جَائِزٌ فِي الصَّحِيحِ، وَلَا خَيْرَ فِي
وقال أحمد (١): يجوز متماثلا إذا كانا رطبين، ولو كانا يابسين مدقوقين؛ ففيه قولان: أحدهما: يجوز؛ لأنه حالة ادخار، وفي قول لا يجوز؛ لأنه خالطه الملح، فقد يكون في أحدهما أكثر مما في الآخر. ولو كانا يابسين غير مدقوقين لا يجوز؛ لجهالة التماثل، كما لو كانا رطبين أو أحدهما (٢). كذا في تتمتهم (٣). وجوابه ما قلنا: أنه إما عددي أو وزني.
(جَائِزُ في الصحيح) إذا شرط وزنًا معلومًا وضربًا معلومًا، واحترز بقوله: (في الصحيح) عما رُوي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يجوز (٤).
وفي المبسوط: وأما السلم في الخبز فلا يجوز عند أبي حنيفة، ولا يحفظ عنهما خلاف ذلك، ومن أصحابنا من يقول: يجوز عندهما على قياس السلم في اللحم، ومنهم من يقول: لا يجوز (٥)؛ لما عَلَّل له في النوادر أنه قال: لأنه لا يُوقف على حده معناه: أنه يتفاوت بالعجن والنضج عند الخبز، ويكون منه الثقيل والخفيف.
ثم لهذه العلة أفسد أبو حنيفة استقراضه؛ لأن السلم أوسع بابًا من القرض حتى يجوز السلم في الثياب، ولا يجوز الاستقراض عنها، فإذا لم يجز السلم في الخبز لهذا المعنى فَلَأَنْ لا يجوز الاستقراض أولى.
وفي الذخيرة محالًا إلى شيخ الإسلام خواهر زاده: لا يجوز السلم في الخبز (٦) عند أبي حنيفة ومحمد لا وزنًا ولا عددًا، وقال أبو يوسف: يجوز
стр. 4832
استقرَاضِهِ عَدَدًا أو وزنًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، لِأَنَّهُ يَتَفَاوَتُ بِالخُبْزِ وَالخَبَّازِ وَالتَّنُّورِ وَالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ.
وَعِنْدَ مُحَمَّد ﵀: يَجُوزُ بِهِمَا لِلتَّعَامُلِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀: يَجُوزُ وَزْنًا وَلَا يَجُوزُ عَدَدًا لِلتَّفَاوُتِ فِي آحَادِهِ (*).
وزنًا (١) واختار المشايخ للفتوى قول أبي يوسف إذا أتى بشرائطه؛ لحاجة الناس، لكن يجب أن يحتاط وقت القبض.
وقال الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤): يجوز السلم في كل مال يمكن ضبط صفته ويجوز بيعه.
وفي شرح الوجيز للشافعي وجهان في السَّلَم في الخبز في وجه لا يجوز؛ لاختلاف الغرض بتأثير النار، وتعذر الضبط بتأثير النار. وفي وجه يجوز؛ لتأثير النار فيه نهاية مضبوطة، كالسمن والسكر والفانيد كالخبز (٥).
(وَالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ) يعني في أول التنور وآخره، فتكون متفاوتة، فلا يجوز الاستقراض فيه أصلا، وإن وزن للتفاوت لعدم القدرة على التسليم؛ إذْ شَرطه القدرة على أداء مثل المستقرض، وهو ليس بمثلي.
(وَعِنْدَ مُحَمَّد يَجُوزُ بِهِمَا) (٦) أي: بالعدد والوزن (للتعامل) ولا يجوز السلم عنده بهما؛ لعدم التعامل، والقياس يترك بالتعامل كما في الاستصناع.
وعند أبي حنيفة يجوز وزنًا (٧)؛ لأنه موزون فيُعلم بالوزن لا بالعدد؛ لتفاوت آحاده قدرًا، فلا يتحقق التساوي به، وعليه الفتوى.
وفي المجتبى: باع رغيفا نقدًا برغيفين نسيئة يجوز، ولو كان الرغيفان نقدًا
стр. 4833
قَالَ: (وَلَا رِبَا بَينَ المَولَى وَعَبْدِهِ)؛ لِأَنَّ العَبدَ وَمَا فِي يَدِهِ مِلكُ لِمَولَاهُ فَلَا يَتَحَقَّقُ الرِّبَا، وَهَذَا إِذَا كَانَ مَأذُونَا لَهُ وَلَم يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ مَا فِي يَدِهِ لَيسَ مِلكَ المَولَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَعِندَهُمَا: تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الغُرَمَاءِ فَصَارَ كَالأَجنَبِيِّ، فَيَتَحَقَّقَ الرِّبَا كَمَا يَتَحَقَّقُ بَيْنَهُ وَبَينَ مُكَاتَبِهِ.
والرغيف نسيئة لا يجوز، ولو باع كسيرات الخبز يجوز نقدًا ونسيئة كيفما كان عند صاحِبِهِ (١).
وللشافعي في استقراض الخبز وجهان كما في السلم: أحدهما: لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة (٢)، وهو الأصح عند صاحب التقريب.
والثاني: يجوز، وبه قال أحمد (٣)، وهو اختيار ابن الصباغ؛ لحاجة العامة وإطباق الناس عليه، وعلى قول يجوز استقراضه يجب رد مثله وزنًا (٤)، فيجب أن يكون المُقرَض معلوم القدر. كذا في شرح الوجيز (٥).
(فَلَا يَتَحَقَّقُ الرِّبَا) لعدم تحقق البيع؛ لما أن بيع الإنسان ملكه بملكه باطل، فكان عدم تحقق الرِّبا دليلا على عدم صحة البيع، ولأنه ﵇ قَالَ: «لَا رِبَا بَينَ العَبْدِ وسَيدِهِ».
قوله: (فَيَتَحَقَّقَ الرِّبَا كَمَا يَتَحَقَّقُ بَيْنَهُ) أي: بين المولى (ومكاتبه).
وفي المبسوط: فلو كان على العبد دين فليس بينهما ربا أيضًا، ولكن على المولى أن يرد ما أخذه على العبد، لكن كسبه مشغول بحق غرمائه، فلا يُسلم له ما لم يفرغ من دينه، كما لو أخذه لا بجهة العقد، سواء كان اشترى منه درهما بدرهمين أو لا؛ لأن ما أعطى ليس بعوض سواء كان [قَلَّ] (٦) أو كثر؛ فعليه رد ما قبض لِحَقِّ الغرماء.
стр. 4834
قَالَ: (وَلَا بَينَ المُسلِمِ وَالحَربِيِّ فِي دَارِ الحَربِ) خِلَافا لِأَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
لَهُمَا: الاعْتِبَارُ بِالْمُسْتَأْمَنِ مِنْهُم فِي دَارِنَا.
وكذا أم الولد والمُدبّر؛ لأن كسبه ماله بخلاف المكاتب؛ لأن المكاتب صار كالحر يدًا وتصرفًا في كسبه، فيجري الربا بينه وبين مولاه، كما يجري بينه وبين غيره (١)، وفيه إشارة إلى أنه لا ربا بين المولى وعبده إذا كان على العبد دين، وما ذكر في الكتاب يدل على جريان الربا بينهما إذا كان عليه [دين] (٢).
قوله: (خلافًا لأبي يوسف (٣) والشافعي) (٤) وبه قال مالك (٥) وأحمد (٦)، وعلى هذا الخلاف الرِّبا بين المسلم الأصلي وبين المسلم الذي أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا.
قوله: (لَهُمَا) أي: لأبي يوسف (٧) والشافعي (٨) إطلاق النصوص الواردة في الباب، فإن المسلم ممنوع عنه بحيث كان، ولا يجوز أن يُحمل فعله على أخذ مال الكافر بطيب نفسه؛ لأنه قصد الأخذ بحكم العقد، ولأن الكافر غير راض بأخذ هذا المال منه إلا بطريق العقد لا الهبة، ولو جاز هذا في دار الحرب لجاز مثله في دار الإسلام بين المسلمين، على أن يُجعَل الدرهم بالدرهم، والدرهم الآخر هبة.
وعن ابن عباس: أنه وَقَع للمشركين جِيفَةٌ في الخندق فأعطوا المسلمين بذلك مالا، «فَنَهَاهُم النَّبِي ﷺ عن ذلك»، فدل على أن المسلم ممنوع عن العقد بالكافر فيما لم يَجْرِ بين المسلمين، ولا معنى لقول من يقول: إن الخندق من دار الإسلام؛ لأن عندكم هذا يجوز بين المسلم والحَربي الذي لا أمان له، سواء كان في دار الإسلام أو في دار الحرب. كذا في المبسوط (٩).
стр. 4835
وَلَنَا: قَولُهُ ﵊: «لَا رِبَا بَينَ المُسلِمِ وَالحَربِيِّ فِي دَارِ الحَربِ»، وَلِأَنَّ مَالَهُم مُبَاحٌ فِي دَارِهِم فَبِأَيِّ طَرِيق أَخَذَهُ المُسلِمُ أَخَذَ مَالًا مُبَاحًا إِذَا لَم يَكُنْ فِيهِ غَدرُ، بِخِلَافِ المُستَأمِنِ مِنهُم، لِأَنَّ مَالَهُ صَارَ مَحظُورا بِعَقدِ الأَمَانِ.
قوله: (وَلَنَا) الحديث المذكور في المتن.
وفي المبسوط عن مكحول، عن رسول الله ﷺ قال: «لا ربا» الحديث (١)، وهذا الحديث - وإن كان مرسلًا - فمكحول ثقة، والمرسل من مثله مقبول.
ولأن أبا بكر ﵁ قبل الهجرة حين أنزل الله تعالى قوله: ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم: ١ - ٣] فقال له قريش: ترون الروم تغلب؟ قال: «نعم» فقالوا: هل لك أن تُخاطِرَنا؟ فخاطَرَهُمْ، فأخبر النبي ﵇، فقال النبي ﵇: «اذْهَبْ إِلَيْهِمْ وَزِدْ في الخَطَرِ» (٢) ففعل، وغلبت الروم على فارس، فأخذ أبو بكر ﵁ خَطَرَه، وقد أجازه النبي ﵇ (٣)، وهو القمار بعينه بين أبي بكر ومشركي مكة في مكة، وكانت مكة دار الشرك، فدل هذا على جواز هذه العقود بين المسلم والكافر في دار الحرب.
(ولأن مالهم) أي: مال أهل الحرب (مُبَاحٌ) فيجوز أخذه برضاه بلا غدر، وكذا مال من أسلم ثَمَّةَ ولم يهاجر إلينا، لم يكن معصومًا، فصار كمال الحربي، فيجوز أخذه للمسلم المُستأمَن برضاه بلا غدر، حتى لو قامره وأخذ ماله بالقمار يكون المال طيبا عندهما.
(بخلاف المستأمن منهم) أي: أن من أهل الحرب (لِأَنَّ مَالَهُ صَارَ مَحظورا بِعَقدِ الأَمَانِ) فيُفضي ذلك إلى الغدر، وهو حرام.
وأما المراد من النصوص: الرِّبا في مال محظور، ومال أهل الحرب غير محظور؛ لما ذكرنا.
стр. 4836
بَابُ الْحُقُوقِ
(وَمَنِ اشْتَرَى مَنزِلًا فَوقَهُ مَنزِلٌ فَلَيْسَ لَهُ الأَعلَى إِلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِكُلِّ حَقٌّ هُوَ لَهُ أَوْ بِمَرَافِقِهِ أَوْ بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِير هُوَ فِيهِ أَوْ مِنهُ. وَمَنْ اشْتَرَى بَيْتًا فَوقَهُ بَيْتٌ بِكُلِّ حَقٌّ، لَم يَكُنْ لَهُ الأَعْلَى، وَمَنْ اشْتَرَى دَارًا بِحُدُودِهَا فَلَهُ العُلُوُّ وَالكَنِيفُ) جَمَعَ
وفي المجتبى (١): في الكفاية: مُستأمَن مِنَّا باشَر مسلمًا كان أو ذميًا في دارهم، أو من أسلم هناك شيئًا من العقود التي لا تجوز فيما بيننا، كالربويات وبيع الميتة جاز عندهما (٢) خلافًا لأبي يوسف (٣)، وبه قال الشافعي (٤)، ومالك (٥)، وأحمد (٦)، والله أعلم.
بَابُ الْحُقُوقِ
كان من حق مسائل هذا الباب أن تُذكر في الفصل المتصل بأول كتاب البيوع، إلا أنه التزم المصنف بترتيب الجامع الصغير، وهنا هكذا، ولأن الحقوق توابع، فيليق ذكرها بعد ذكر مسائل البيوع (٧).
قوله: (بِكُلِّ حَقٌّ هُوَ) أي: للمنزل من الطريق الذي فيه حق الدخول والخروج.
(هو فيه) أي: في المنزل، كالكنيف (٨) وغيره، (ومنه) أي: من المنزل مما ينتفع به، نحو الميزاب (٩) وغيره.
قوله: (جمع) أي: محمد في الجامع.
وذكر في الفوائد الظهيرية محالًا إلى مبسوط شمس الأئمة السرخسي أن
стр. 4837
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البيت اسم لمُسَقَّف واحد له دهليز (١)، والمنزل اسم لما يشتمل على بيوت وصحن مُسَقَّف ومطبخ يسكنه الرجل بعياله، والدار اسم لما يشتمل على بيوت ومنازل وصحن غير مُسَقَّف، فكان المنزل فوق البيت، دون الدار (٢).
قال أبو بكر بن الحسين بن شيخ الإسلام خواهر زاده: وإنما كان الجواب هكذا؛ لأن العُلو بمنزلة البناء من وجه، وبمنزلة البيت من وجه، فمن حيث إن قوام العُلو بالسُّفْل: بمنزلة البناء، ومن حيث إنه يُبنى لينتفع بنفسه لا ليصير السُّفْل به منتفعًا: فهو كبيت آخر بخلاف البناء، فإنه لا يُبنى ليُنتفع بنفسه، وإنما يُبنى ليصير داخل البناء منتفعا به بالبناء، وإذا كان كذلك تَوفَّرَ على الشبهين حظهما في المسائل الثلاثة فيُجعَل العُلْو منزلةً بين المنزلتين، فيقال: متى ذُكر الحقوق دَخَل، وإن لم يُنَصَّ على العُلُو، كالبناء يدخل من غير تنصيص، ومتى لم يُذكر الحقوق لم يدخل كبيت آخر (٣)
وفي نظم الجامع الكبير: الدار: اسمٌ في اللغة لقطعة أرض ضُرِبت لها الحدود، وميّزت عما يجاورها بإدارة خط عليها، فبتي في بعضها دون البعض؛ لتجمع فيها مرافق الصحراء للاسترواح، ومنافع الأبنية للإسكان وغير ذلك، ولا فرق بينهما إذا كانت الأبنية بالماء والتراب، أو بالخيام والقباب.
وفي الفوائد: تحققه أن المنزل اسم لبيتين أو ثلاثة يُنزل فيها ليلا أو نهارًا، والعلو وإن كان محلا للنزول فيه فهو دون السفل في احتمال السكنى؛ لأن السفل يحتمل السكنى بنفسه ودوابه، والعلو لا يحتمل السكنى للدواب، فكان أصلا من وجه تبعًا من وجه، فلو ذُكر الحقوق يدخل وإلا فلا؛ لتكون منزلته دون منزلة الدار، فوق منزلة البيت. وهكذا ذكره في جامع قاضي خان (٤).
стр. 4838
بَينَ المَنزِلِ وَالبَيتِ وَالدَّارِ، فَاسْمُ الدَّارِ يَنتَظِمُ العُلُوَّ، لِأَنَّهُ اسْمٌ لِمَا أُدِيرَ عَلَيْهِ الحُدُودُ، وَالعُلُوُّ مِنْ تَوَابع الأصلِ وَأَجزَائِهِ فَيَدْخُلَ فِيهِ. وَالبَيْتُ اسْمٌ لِمَا يُبَاتُ فِيهِ، وَالعُلُوُّ مِثْلُهُ، وَالشَّيءُ لَا يَكُونُ تَبَعًا لِمِثْلِهِ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ إِلَّا بِالتَّنصِيصِ عَلَيْهِ، وَالمَنزِلُ بَينَ الدَّارِ وَالبَيتِ، لِأَنَّهُ يَتَأَتَّى فِيهِ مَرَافِقُ السُّكَنَى مَعَ ضَربِ قُصُور، إذ لَا يَكُونُ فِيهِ مَنزِلُ الدَّوَابِّ، فَلِشَبَهِهِ بِالدَّارِ يَدْخُلُ العُلُوُّ فِيهِ تَبَعًا عِنْدَ ذِكرِ التَّوَابِعِ، وَلِشَبَهِهِ بِالبَيتِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ بِدُونِهِ.
وَقِيلَ (*): فِي عُرفِنَا يَدْخُلُ العُلُوُّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، لِأَنَّ كُلَّ مَسكَن يُسَمَّى بِالفَارِسِيَّةِ خَانَهُ، وَلَا يَحْلُو عَنْ عُلُوّ، وَكَمَا يَدخُلُ العُلُوُّ فِي اسْمِ الدَّارِ يَدْخُلُ الكَنِيفُ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِهِ، وَلَا تَدْخُلُ الظُّلَّةُ إِلَّا بِذِكرِ مَا ذَكَرنَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، (**) لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى هَوَاءِ الطَّرِيقِ
وفي الكافي قالوا: هذا الجواب على هذا التفسير بناءً على عُرف أهل الكوفة (وفي عُرفنا يدخل في جميع ذلك) أي: في البيت والمنزل والدار (لأن كل مسكن يسمى بالفارسية «خانه») سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، إلا دار السلطان فإنها تسمى (سراي). (لأن كل بيت)، وفي بعض النسخ: (لأن كل مسكن) وهو الأصح (يدخل الكنيف) أي: المستراح.
وفي جامع قاضي خان: والمراد بالكنيف: الكنيف الشارع.
(لأنه) أي: الكنيف (من توابعه) أي: توابع الدار، فيجوز فيه التذكير؛ لأنه مؤنث غير حقيقي، ولأن الدار اسم لما أدير عليه الحائط، فيكون من الدار، فيدخل تحت بيع الدار بلا ذكر الحقوق.
(ولا تدخل الظُّلَّة) وهي الساباط (١) الذي أحد طرفيه على الدار المبيعة، والطرف الآخر على دار أخرى (إلا بذكر ما ذكرنا) وهو قوله: (بكل حق هو لَهُ) (٢).
стр. 4839
فَأَخَذَ حُكمَهُ. وَعِندَهُمَا: إِنْ كَانَ مِفْتَحُهُ فِي الدَّارِ يَدخُلُ مِنْ غَيْرِ ذِكرِ شَيْء مِمَّا ذَكَرنَا لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِهِ فَشَابَهَ الكَنِيفَ.
(لأنه) أي: الظلة، على تأويل الساباط.
وفي جامع قاضي خان: الظُّلَّة:: هي الساباط الذي يكون أحد طرفيه على الدار المبيعة، والطرف الآخر على دار أخرى، أو على الأسطوانات في السكة، ومَفْتَحُه في الدار.
وفي المغرب: وقول الفقهاء: ظُلَّة الدار: يريدون السُّدَّة التي فوق الباب (١).
وفي الكافي: وأما الظُّلة التي تكون على ظهر الطريق - وهي التي أحد طرفي جذوعها على حائط الدار المبيعة، وطرفها الآخر على حائط الجار المقابل، أو على الأساطين المنصوبة تجاهي الدار، ويقال لها: الساباط - فلا يدخل عند أبي حنيفة إلا بذكر الحقوق.
(فَأَخَذَ حُكْمَهُ) (٢) أي: حكم الطريق.
(وعندهما يدخُل من غير ذكر شيءٍ) أي: يدخل بلا ذكر الحقوق. وعند الشافعي ثلاثة أوجه: في وجه يدخل، وفي وجه لا يدخل، وفي وجه تعتبر الأطراف من الجانبين، فإن كانت مطروحة على حائط الدار دخل، وإن كان أحد الطرفين مطروحة لا يدخل.
(إن كان مَفْتَحُهُ) (٣) أي (٤): الظلة، على تأويل الساباط.
(لأنه) أي: الظلة، على ذلك التأويل (من تَوَابِعِهِ) أي: من توابع الدار؛ لأن قرارها بها (٥) فصارت كالكنيف والعلو.
وأما أبو حنيفة يقول: إن الظلة تابعة للدار؛ لأن أحد طرفيها عليها، وليست بتابعة لها من حيث إن قرار طرفها الآخر على شيء آخر، فلو كان قرار
стр. 4840
قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى بَيْتًا فِي دَار أَوْ مَنزِلًا أَوْ مَسكَنًا لَم يَكُنْ لَهُ الطَّرِيقُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِكُلِّ حَقٌّ هُوَ لَهُ أَوْ بِمَرَافِقِهِ أَوْ بِكُلِّ قَلِيلٌ وَكَثِير، وَكَذَا الشُّربُ وَالمَسِيلُ) لِأَنَّهُ خَارِجُ الحُدُودِ إِلَّا أَنَّهُ مِنَ التَّوَابِعِ فَيَدْخُلَ بِذِكرِ التَّوَابِعِ،
طرفها بها لدخلت تحت بيعها تبعًا لها بلا ذكر الحقوق كالكنيف، ولو كان قرار طرفيها بشيء آخر لم يكن تبعًا لها أصلا، فلم يدخل تحت بيعها، فإذا كان قرار أحد طرفيها بالدار المبيعة، وقرار طرفها الآخر بشيء آخر - لم يدخل بلا ذكر الحقوق، ودخلت إذا ذكرت عملا بالشبهين، ولأنها خارجة عن الحقوق المبينة على هواء الطريق، وصارت كالطريق الخارجة. كذا في الكافي.
قوله: (ومن اشترى بيتًا في دار أو منزلًا) أي: فيها (أو مسكنا) أي: فيها، إنما قيد بكونه فيها؛ إذ لو كان في سكة نافذةً كانت أو غير نافذة - يدخل الطريق من غير ذكر الحقوق. ذكره في المحيط.
(لم يكن له) أي: للمشتري (الطريق) بلا ذكر الحقوق، والمراد: الطريق الخاص في ملك إنسان، فأما طريقها إلى سكة غير نافذة، وإلى طريق عام - يدخل، وكذا ما كان له من حق مسيل الماء أو إلقاء الثلج في ملك إنسان خاصةً فلا يدخل. كذا في شرح الطحاوي.
(وكذا الشَّرْب) (١) يعني: لو اشترى أرضًا لا يدخل الشرب بغير ذكر الحقوق، وبقولنا قال الشافعي في الكل (لأنه) أي الطريق أو المسيل أو الشرب (خارج الحدود) أي: حدود المبيع، فكانت هذه الأشياء أصلا بنفسها من حيث إنه يتصوّر قيامها بدون المبيع، ومن حيث إنه لا يُقصد عينها، وإنما يُقصد بها الانتفاع بالمبيع كانت تابعة، فكانت هذه الأشياء تابعة من وجه دون وجه، فلا تدخل إلا بذكر الحقوق، وهو معنى قوله: (فيدخل بذكر التوابع) أي: ذكر الحقوق والمرافق (٢).
стр. 4841
بِخِلَافِ الإِجَارَةِ، لِأَنَّهَا تُعْقَدُ لِلانتِفَاعِ فَلَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِهِ، إِذِ المُستَأْجِرُ لَا يَشْتَرِي الطَّرِيقَ عَادَة وَلَا يَسْتَأْجِرُهُ فَيَدْخُلَ تَحصِيلًا لِلفَائِدَةِ المَطْلُوبَةِ مِنْهُ، أَمَّا الانتِفَاعُ بِالمَبِيعِ مُمكِنٌ بِدُونِهِ لِأَنَّ المُشتَرِيَ عَادَة يَشْتَرِيهِ، وَقَدْ يَتَّجِرُ فِيهِ فَيَبِيعُهُ مِنْ غَيْرِهِ فَحَصَلَت الفَائِدَةُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وفي الذخيرة: بذكر الحقوق إنما يدخل الطريق الذي يكون وقت البيع لا الطريق الذي كان قبل البيع، حتى إن من سد طريق منزله وجعل له طريقا آخر، وباع المنزل بحقوقه دخل تحت البيع الطريق الثاني لا الطريق الأول.
قوله: (بخلاف الإجارة) (١) يعني: تدخل هذه الأشياء فيها بدون ذكر الحقوق، وبه قال الشافعي (٢) (لأنها) أي الإجارة (تعقد لكذا) أي: شُرعت للانتفاع، ولا يتحقق الانتفاع إلا بهذه الأشياء؛ إذ المستأجر لا يشتريها عادة ولا يجد شيئًا ليستأجر، ولو استأجر الطريق الذي لربّ الدار لم يجز، فيجب إدخالها تحت الإجارة ضرورة تحريًا لجوازها (٣)، وهذا معنى قوله: (فيدخل تحصيلا للفائدة المطلوبة منه) أي: من عقد الإجارة.
(بدونه) أي بدون الطريق (لأن المشتري) إلى آخره، معنى هذا الكلام أن البيع شُرع لتمليك العين لا لتمليك المنفعة؛ ولهذا يصح فيما لا ينتفع به في الحال كالجحش والأرض السَّبَخَة (٤) والمهر الصغير، والإجارة لا تصح فيه، والإنسان قد يشتري ليبيعه ليربح، وقد يشتريه للانتفاع، فكان المقصد فيه تمليك العين لا الانتفاع لا محالة، فلا ضرورة في إدخال الأشياء في البيع، فلا تدخل إلا بالذكر. كذا في جامع قاضي خان والكافي.
وفي الكافي: ولهذا لو استأجر علوا واستثنى الطريق يصح؛ لأن موجب البيع ملك الرقبة، والانتفاع من ثمراته، أما الإجارة للانتفاع، ولا انتفاع بلا
стр. 4842
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
طريق، ولو استحق الطريق ثم أجيز البيع صح؛ لأن القضاء بالاستحقاق لا يوجب انفساخ البيوع الماضية في ظاهر الرواية، ولا شيء لصاحب ساحة العلو من الثمن؛ لأنه يقابل المبيع، والمبيع البناء لا الساحة؛ لأنه حقه في الهواء كما ذكرنا.
فإن قيل: ما ذكرتم يشكل بالقسمة، فإن الدار لو كانت بين اثنين وفيها صُفّة فيها بيت، وباب البيت في الصُّفَّة، ومسيل ماء ظهر البيت على ظهر الصُّفة فاقتسما، فأصاب الصُّفةَ أحدهما وقطعةً من الساحة ولم يذكر طريقًا ولا مسيلا، فصاحب البيت لا يستطيع أن يفتح بابه فيما أصابه من الساحة، ولا يقدر أن يُسيل ماءً في ذلك؛ فالقسمة فاسدة، فعلى قياس ما ذكرتم ينبغي أن يدخل الطريق والمسيل وإن لم يذكر الحقوق تحريًا لجواز القسمة، كما أنهما يدخلان في الإجارة تحريا لجواز الإجارة.
قلنا: الفرق بينهما هو أن في باب الإجارة موضع الشرب ليس مما تتناوله الإجارة، وليس يتوسل به إلى الانتفاع، والآجر إنما يستوجب الأجر إذا تمكن المُستأجر من الانتفاع، ففي إدخال الشرب توفير المنفعة عليهما (١)، أما هاهنا ففيه منفعة الطريق والمسيل داخل في القسمة؛ لأنهما كانا داخلين في الملك المشترك، فمن موجب القسمة اختصاص كل واحدٍ منهما بما هو نصيبه فلو أثبتنا أحدهما حقًا في نصيب الآخر تضرر به الآخر، ولا يجوز الإضرار به بدون رضاه، وإنما دليل الرضا اشتراطه الحقوق والمرافق.
فإن قيل: ما الفرق بين هذا وبين البيع، حيث يدخل الطريق والمسيل بذكر الحقوق، وإن أمكنه أن يفتح بابه فيما ابتاع، ويُسيل ماءه فيه، وفي القسمة إذا أمكنه أن يفتح فيما أصابه من الساحة، ويُسيل ماءَه فيه لا يدخل وإن ذكر الحقوق والمرافق؟
قلنا: الفرق بينهما هو أن المقصود بالبيع إيجاب الملك، وقصد المشتري
стр. 4843
بَابُ الاسْتِحْقَاقِ
(وَمَنِ اشْتَرَى جَارِيَة فَوَلَدَتْ عِندَهُ فَاسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ بِبَيِّنَةٍ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا وَوَلَدَهَا، وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِرَجُل لَم يَتبَعهَا وَلَدُهَا) وَوَجهُ الفَرقِ: أَنَّ البَيِّنَةَ حُجَّةٌ مُطلَقَةٌ فَإِنَّهَا
التمكن من الانتفاع، وذلك إنما يتم بالطريق والمسيل، إلا أن ذلك خارج من الحدود فلا يدخل في البيع بطريق التبع، والمقصود من القسمة تمييز أحد الملكين من الآخر، واختصاص كل واحدٍ منهما بالانتفاع بنصيبه على وجه لا يَشْرَكُهُ الآخرُ فيه، وإنما يتم هذا المقصود إذا لم يدخل الطريق والمسيل؛ ليتميز نصيب أحدهما عن الآخر من كل وجه؛ فلهذا لم يدخلا مع ذكر الحقوق والمرافق. كذا في الفوائد الظهيرية، والله أعلم.
بَابُ الِاسْتِحْقَاقِ
(فولدت عنده)؛ أي: عند المشتري، أي: ولدت من غير مولاها.
وفي الكافي: ولدت لا باستيلاد.
قوله: (لَمْ يَتْبَعْهَا وَلَدُهَا) أي: لا يأخذ الولد المُقَرُّ له، ويأخذ الأمة فقط (١)، وكذا لم يتبعها أَرْشُها. ثم القضاء باستحقاق المبيع على المشتري لا يوجب انفساخ العقد الذي جرى بينه وبين البائع، ولكن يوجب وقفه على إجازة المستحق.
ثم في مسألة الإقرار إنما لم يتبعها ولدها إذا لم يَدَّع المُقَرُّ له الولد، أما إذا ادعاه كان له؛ لأن الظاهر أنه له، وإن لم يَدَّعِ لم يُحكم به. كذا ذكره الإمام التمرتاشي.
(ووجه الفرق) أي: بين الإقرار والبينة.
قوله: (حجة مطلقة) يعني غير مقتصرة على المقضي عليه؛ بل هي حجة في حق كافة الناس (٢).
стр. 4844
كَاسِمِهَا مُبَيِّنَةٌ فَيَظْهَرُ بِهَا مِلكُهُ مِنْ الأَصلِ، وَالوَلَدُ كَانَ مُتَّصِلًا بِهَا فَيَكُونُ لَهُ، أَمَّا الإِقْرَارُ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ يُثبِتُ المِلكَ فِي المُخبَرِ بِهِ ضَرُورَةَ صِحَّةِ الإِخْبَارِ، وَقَدْ اندَفَعَت بِإِثْبَاتِهِ بَعدَ الانفِصَالِ فَلَا يَكُونُ الوَلَدُ لَهُ.
وفي الكافي: البيّنة حجّة متعدية حتى تظهر في حق كافة الناس، والإقرار لا، حتى يقتصر على المُقر؛ لأن البينة تصير حجة بالقضاء، وللقاضي ولاية عامة فتتعدى إلى الكل؛ ولهذا يرجع المشتري على البائع بالثمن عند الاستحقاق بالبينة، أما الإقرار بحجّة لا يتوقف على القضاء، وله ولاية على نفسه دون غيره فيقتصر عليه؛ ولهذا لا يرجع المشتري على البائع بالثمن عند الاستحقاق بالإقرار.
(فيظهر بها) أي: بالبينة ملك المستحق من الأصل في حق الجارية والولد جميعًا؛ لأن الولد يكون متفرعًا عن جارية مملوكة له؛ ولهذا ترجع الباعة بعضهم على بعض، وفي الإقرار لا يرجع على بائعه، وكذا الباعة؛ لأن الإقرار قاصرة فتظهر في [حقه] (١) دون غيره.
(حجة قاصرة) أي: على المُقر؛ لانعدام ولايته على الغير، فيثبت الملك مقصورًا [على ما أقر، وهو الجارية، فلم يجعل إقرارًا بالولد؛ ولهذا لا يرجع الباعة بعضهم على بعض، وهذا لأن ثبوت الملك مقصورًا] (٢) على الحال، والولد منفصل منها في الحال، فلم يَتَعَدَّ حكم الملك إليه. كذا في جامعي شمس الأئمة وقاضي خان.
(وقد اندفعت) أي: الضرورة (بإثباته) أي: الملك، بعد انفصال الولد، فلا يظهر الاستحقاق بالولد فلا يكون له الولد؛ ولهذا لا يرجع المشتري على البائع بالثمن عند الاستحقاق بالإقرار.
ثم قيل: اختلف المشايخ في فصل الاستحقاق بالبينة في أن الولد في القضاء بالأم يدخل تبعا أم لا؟
فقال بعضهم: يدخل تبعًا؛ لأنه لما ظهر الملك في الجارية من الأصل يدخل في الأولاد.
стр. 4845
ثُمَّ قِيلَ (*): يَدخُلُ الوَلَدُ فِي القَضَاءِ بِالأُمِّ تَبَعًا، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ القَضَاءُ بِالوَلَدِ، وَإِلَيْهِ تُشِيرُ المَسَائِلُ، فَإِنَّ القَاضِيَ إِذَا لَم يَعلَم بِالزَّوَائِدِ. قَالَ مُحَمَّدٌ لَهُ: لَا تَدخُلُ الزَّوَائِدُ فِي الحُكمِ، فَكَذَا الوَلَدُ إِذَا كَانَ فِي يَدِ غَيْرِهِ لَا يَدْخُلُ تَحتَ الحُكمِ بِالأُمِّ تبعا.
قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى عَبْدًا فَإِذَا هُوَ حُرٌّ وَقَدْ قَالَ العَبدُ لِلمُشتَرِي: اشْتَرِنِي فَإِنِّي عَبْدٌ لَهُ، فَإِنْ كَانَ البَائِعُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا غَيْبَة مَعْرُوفَة لَم يَكُنْ عَلَى العَبْدِ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ البَائِعُ لَا يُدْرَى أَينَ هُوَ: رَجَعَ المُشتَرِي عَلَى العَبدِ وَرَجَعَ هُوَ عَلَى البَائِعِ، وَإِنْ ارتَهَنَ عَبدا مُقِرًّا بِالعُبُودِيَّةِ فَوَجَدَهُ حُرًّا لَم يَرجِع عَلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَال).
وقال بعضهم: يشترط القضاء بالولد، وهو الأصح؛ لأن الولد يوم القضاء منفصل عن أمه، أصل بنفسه، فلا بد له من الحكم مقصودًا (١)، ويدل عليه ما قال محمد بأن القاضي إذا لم يعلم بالزوائد لا تدخل الزوائد تحت القضاء. كذا ذكره التمرتاشي.
وكذا إذا كان الزوائد في يد آخر وهو غائب، لم يدخل؛ لما ذكرنا أنها منفصلة عن الأصل يوم القضاء، فعدم دخول الولد إذا كان في يد الغائب في القضاء بالأم - دليل على أن القضاء شرط في الولد، وإلا يدخل؛ لأن القضاء على الغائب في ضمن القضاء على الحاضر - وهو الأم - يجوز، وحيث لم يدخل تحت القضاء بالأم إذا كان في يد الغائب؛ لكونه قضاء على الغائب، دلّ على أنه يشترط القضاء بالولد.
قوله: (اشْتَرِنِي فَإِنِّي عَبْدٌ لَهُ)، وإما قيد بهذَيْن القيدين؛ لأنه لو قال وقت البيع: إني عبد ولم يأمره بالشراء، أو قال: اشترني ولم يقل: إني عبد لا يرجع عليه بالثمن في قولهم كذا ذكره الإمام التمرتاشي في جامعه محالا إلى شيخ الإسلام خواهر زاده.
(غيبة معروفة) أي يُدْرَى مكانه (ويرجع) هو أي: العبد على البائع إذا قدر
стр. 4846
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِيهِمَا (*)، لِأَنَّ الرُّجُوعَ بِالمُعَاوَضَةِ أَوْ بالكَفَالَةِ، وَالمَوجُودُ لَيسَ إِلَّا الإِخبَارُ كَاذِبًا، فَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ الْأَجْنَبِيُّ ذَلِكَ أَوْ قَالَ العَبْدُ: ارتَهِنِّي فَإِنِّي عَبدٌ وَهِيَ المَسأَلَةُ الثَّانِيَةُ. وَلَهُمَا: أَنَّ المُشتَرِيَ شَرَعَ فِي الشِّرَاءِ مُعتَمِدًا عَلَى مَا أَمَرَهُ وَإِقْرَارِهِ أَنِّي عَبْدٌ، إذ القَولُ لَهُ فِي الحُرِّيَّةِ فَيُجْعَلُ العَبدُ
عليه وإن لم يأمر البائع بالضمان؛ لأنه أدّى دينه وهو مضطر إلى ذلك، فصار كمعير الرهن (١). كذا في شرح الجامع (٢) لقاضي خان والتمرتاشي والمرغيناني.
بخلاف الراهن، فإن العبد لو قال: ارتهني فإني عبد، فارتهنه فإذا هو حر - لا يرجع المرتهن على العبد بدينه، سواء كان البائع حاضرًا أو غائبًا يُدرى مكانه أو لا.
(لا يرجع فيهما) أي: في البيع والرهن؛ لأن ضمان الثمن ووجوبه بالمبايعة أو بالكفالة، ولم توجد واحدة منهما، وإنما الموجود منه الإخبار كاذبًا، وذا لا يوجب الضمان كما في الأجنبي والرهن، ولو كان سببا للضمان لما افترق الحال بين حضرة المولى وغيبته (٣).
(ولهما) أي: لأبي حنيفة ومحمد، وذُكر في جامع شمس الأئمة قول محمد مع أبي يوسف.
وفي جامع قاضي خان: وجه ظاهر الرواية أن المشتري أقدم على الشراء معتمدًا على كلامه، فصار بمنزلة المغرور من جهته، والغرر في المعاوضات التي تقتضي سلامة العوض تُجعَل سببًا للضمان؛ دفعًا للغرور بقدر الإمكان، كالمولى إذا قال لأهل السوق: قد أذنت له. إلى آخره.
стр. 4847
بِالأَمرِ بِالشِّرَاءِ ضَامِنًا لِلثَّمَنِ لَهُ عِنْدَ تَعَذَّرِ رُجُوعِهِ عَلَى البَائِعِ دَفعًا لِلغُرُورِ وَالضَّرَرِ، وَلَا تَعَذَّرَ إِلَّا فِيمَا لَا يُعرَفُ مَكَانُهُ، وَالبَيعُ عَقدُ مُعَاوَضَة، فَأَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ الْآمِرُ بِهِ ضَامِنًا لِلسَّلَامَةِ كَمَا هُوَ مُوجِبُهُ، بِخِلَافِ الرَّهنِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُعَاوَضَة، بَلْ هُوَ وَثِيقَةٌ لاستِيفَاءِ عَينِ حَقِّهِ حَتَّى يَجُوزُ الرَّهْنُ بِبَدَلِ الصَّرفِ، وَالمُسَلَّمِ فِيهِ مَعَ حُرمَةِ الاستبدال، فَلَا يُجْعَلُ الأمرُ بِهِ ضَمَانًا لِلسَّلَامَةِ، وَبِخِلَافِ الأَجنَبِيِّ، لِأَنَّهُ لَا يُعْبَأُ بِقَولِهِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الغُرُورُ.
وَنَظِيرُ مَسأَلَتِنَا: قَولُ المَولَى: بَايِعُوا عَبدِي هَذَا فَإِنِّي قَدْ أَذِنت لَهُ، ثُمَّ ظَهَرَ الاستحقاقُ، فَإِنَّهُم يَرْجِعُونَ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ، ثُمَّ فِي وَضِعِ المَسْأَلَةِ ضَرِبُ إِسْكَالَ عَلَى قَولِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، لِأَنَّ الدَّعوَى شَرطٌ فِي حُرِّيَّةِ العَبدِ عِندَهُ، وَالتَّنَاقُضُ يُفْسِدُ الدعوى. وَقِيلَ: إِذَا كَانَ الوَضعُ فِي حُرِّيَّةِ الأَصلِ، فَالدَّعْوَى فِيهَا لَيْسَ بِشَرط
(كما هو موجبه) أي: موجب عقد المعاوضة، وهو سلامة العوض، يعني الثمن يجب بالبيع، فجاز الأمر به ضمانًا؛ لأنه ساع في إتلاف ماله.
(بخلاف الرهن؛ لأنه) أي: عقد الرهن (ليس بمعاوضة) فلا يكون الأمر به ضمانًا؛ لأنه حينئذ يكون ساعيًا في إتلاف ماله؛ ولهذا لا يصح الرهن برأس مال السَّلَم والمسلم فيه، وإذا هلك يقع الاستيفاء، ولو كان معاوضة لكان استبدالا برأس مال السَّلَم أو بالمسلم فيه، وهو حرام، وكذا في بدل الصرف، فلم يكن هذا غرورًا في عقد معاوضة، فلا ينهض سببًا للضمان.
ولهذا قلنا: لو سأل رجل غيره عن أمن الطريق فقال له: اسلك فإنه آمن، فسلكه فسلب اللصوص أمواله؛ لم يضمن المخبر بشيء؛ لأنه غرور فيما ليس بمعاوضة، وكذا لو قال: كُل هذا الطعام فإنه غير مسموم، فأكل ثم ظهر بخلافه لا يضمن أيضًا.
قوله: (وبخلاف الأجنبي) عطف على قوله: (بخلاف الرهن) يعني: إخبار الأجنبي بكونه عبدًا لا يفضي إلى البيع؛ لأنه غير معتبر، والمشتري لا يعتمد على قوله، فلا يتحقق الغرور.
(ضَرْبُ إشكال على [قولة] (١) أبي حنيفة):
стр. 4848
عِندَهُ لِتَضَمُّنِهِ تَحْرِيمَ فَرجِ الأُمْ. وَقِيلَ: هُوَ شَرط لَكِنَّ التَّنَاقُضَ غَيْرُ مَانِعَ لِخَفَاءِ
وفي الكافي: فإن قيل: قوله: (فإذا هو حر) مُشكل على قول أبي حنيفة؛ لأن ثبوت الحرية يكون بالقضاء، والقضاء بالشهادة، ودعوى العبد شرط للشهادة القائمة على الحرية عنده، ولا تُسمع دعواه؛ لأن التناقض مفسد للدعوى، فكيف يُثبت الحرية؟
قلنا: قد أجاب عنه بعض مشايخنا بأن الوضع في حرية الأصل والدعوى فيها ليس بشرط عنده؛ لأنها لا تخلو من حُرمة فرج الأم؛ إذ الشهود يفتقرون في شهادتهم إلى تعيين الأم حتى إذا خلت عنها كانت الدعوى شرطًا، والتناقض إنما يمنع من حيث إنه يعدم الدعوى، فإذا لم تكن دعوى العبد في حرية الأصل شرطًا عنده فلا عبرة بالتناقض.
والصحيح (١) أن دعوى العبد عند أبي حنيفة شرط في دعوى حرية الأصل وفي العتق العارض، لكن التناقض لا يمنع صحة الدعوى وصحة الشهادة، أما في حرية الأصل؛ فلخفاء حال العلوق؛ فإن الولد يُجلب من دار الحرب صغيرًا ولا يعلم بحرية أمه وأبيه فيُقر بالرق، ثم يعلم بحرية أمه وأبيه فيدعي الحرية، والتناقض فيما طريقه طريق الخفاء لا يمنع صحة الدعوى، وأما في العتق العارض؛ فلأن المولى ينفرد بالإعتاق بلا علم العبد، فيجري فيه الخفاء أيضًا، فيجعل التناقض عفوًا، كما لو اختلعت امرأة ثم أقامت بينة على أنه طلقها ثلاثًا قبل الخلع فإنها تُسمع وإن تناقضت للخفاء في تطلقيه؛ لاستبداده به، وكما لو أقام المكاتب بينة على إعتاق سيده قبل الكتابة فإنها تقبل؛ لاستبداد سيده بالتحرير.
(عنده) أي: عند أبي حنيفة، وعندهما ليس بشرط أصلًا.
وفي فتاوى العتابي: الإقرار بالرق يثبت بالصريح بأن قال: أنا عبد، وبالدلالة بأن باعه وتسلمه أو وهبه أو دفعه بجناية وهو يعقل، ويسكت - فهو إقرار، أما لو آجَرَه أو عرضه على البيع أو ساومه فالسكوت لا يكون إقرارًا
стр. 4849
العَلُوقِ، وَإِنْ كَانَ الوَضعُ فِي الإِعْتَاقِ، فَالتَّنَاقُضُ لَا يَمْنَعُ لِاسْتِبْدَادِ المَولَى بِهِ، فَصَارَ كَالمُختَلِعَةِ تُقِيمُ البَيِّنَةَ عَلَى الطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ قَبلَ الخُلعِ، وَالمُكَاتَبِ يُقِيمُهَا عَلَى الإِعْتَاقِ قَبْلَ الكِتَابَةِ.
قَالَ: (وَمَنْ ادَّعَى حَقًّا فِي دَار) مَعْنَاهُ: حَقًّا مَجْهُولًا (فَصَالَحَهُ الَّذِي فِي يَدِهِ عَلَى مِائَة درهم، فَاسْتُحِقَّتِ الدَّارُ إِلَّا ذِرَاعًا مِنهَا، لَم يَرجِع بِشَيْء) لِأَنَّ لِلمُدَّعِي أَنْ يَقُولَ: دَعوَايَ فِي هَذَا البَاقِي.
بالرق، وكذا لو قال: كاتبني أو أعتقني أو بعني من نفسي، أو قبل العتق بمال أو الكتابة؛ فكله لا يكون إقرارًا بالرق.
تقيم البينة على الطلقات الثلاث وإنما قيّد بالثلاث؛ لأن فيما وراءها يمكن أن يقيم الزوج أنه قد تزوجها بعد الطلاق الذي أثبتته المرأة ببينتها قبل يوم أو يومين، وأما في الثلاث فلا يمكن ذلك، ثم المرأة والمكاتب يستردان بدل الخلع (١) والكتابة بعد إقامتهما البينة على ما ادعياه.
ثم اعلم هاهنا مسألة الجامع الكبير، وهي (٢) الأصل في مسائل الاستحقاق، وهي:
رجل اشترى من آخر ثوبًا فَقطَّعه وخاطه قميصا، ثم استحق القميص بالبينة؛ فالمشتري لا يرجع بالثمن على البائع؛ لأن الاستحقاق ما ورد في ملك البائع؛ لأن ملكه ينقطع بالخياطة؛ فإن من غصب من آخر ثوبًا وقطعه قميصا وخاطه ينقطع عنه حق المالك إلى الضمان، فكان الاستحقاق واردا على حدوث ملك المشتري، فالاستحقاق إذا ورد على ملك البائع من الأصل يرجع، أعني به الملك من الأصل، ولو ورد على حدوث ملك المشتري - أعني به مقصورًا على ملك المشتري - لا يرجع. كذا في الجامع الصغير لصدر الدين الحميد.
стр. 4850
قَالَ: (وَإِنْ ادَّعَاهَا كُلَّهَا فَصَالَحَهُ عَلَى مِائَةِ دِرْهَم فَاسْتُحِقَّ مِنهَا شَيْءٌ رَجَعَ بِحِسَابِهِ) لِأَنَّ التَّوفِيقَ غَيْرُ مُمكن، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ بِبَدَلِهِ عِنْدَ فَوَاتِ سَلَامَةِ المُبْدَلِ، وَدَلَّت المَسأَلَةُ عَلَى أَنَّ الصُّلحَ عَنْ المَجْهُولِ عَلَى مَعلُوم جَائِزٌ، لِأَنَّ الجَهَالَةَ فِيمَا يَسْقُطُ لَا تُفضِي إِلَى المُنَازَعَةِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
قوله: (ودلت المسألة)، فالمسألة دلت على شيئين:
أحدهما: (أن الصلح عن المجهول على معلوم جائز) (١).
والثاني: أن صحة الدعوى ليست بشرط لصحة الصلح؛ لأن دعوى الحق في الدار ليست بصحيحة؛ لجهالة المدعى به، ولو أقام البينة عليه لا تقبل بينته إلا إذا ادعى إقرار المدعى عليه بحق؛ فحينئذ تصح الدعوى وتقبل البينة. كذا في الفوائد الظهيرية.
نظيره ما ذُكر في المبسوط (٢): أي شهدا أن له فيها طريقًا قُبلت الشهادة.
قيل: تأويله: إذا شهدا على إقرار الخصم بذلك، فأما لو شهدا على الثبات؛ لا تُقبل الشهادة؛ لجهالة المشهود به.
قال شمس الأئمة والأصح أنها تُقبل، وإنما يمنع قبول الشهادة إذا تعذر القضاء بها، وهنا لا يتعذَّر؛ لأن عَرْض الباب يُجعَل حكما فيكون عرض الطريق بقدره، وفي هذا إشارة إلى أن دعوى الحق في الدار لا تصح، وبهذا يتبين ضعف ما يقال: أن الصلح شُرع لافتداء اليمين؛ لأن اليمين لا تجب هنا؛ لامتناع صحة الدعوى. كذا في بعض الفوائد.
وذكر الكرخي أن صحة الدعوى شرط لصحة الصلح على الإنكار؛ لأن ما يأخذه المدعي يأخذه بدلًا عن حقه الذي ادعاه، فلا بد من أن تكون الدعوى صحيحة لتجعل كالثابت، والله أعلم.
стр. 4851
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مسائل تتعلق بهذا الباب
اشترى أَمَةً وقبضها فادَّعى أنها حُرّة الأصل، أو ملك فلان أو مُعتَقَتِه أو مُدَبِّرته أو أم ولده وصدقه فلان، أو حلف المشتري فنكل - لا يرجع بالثمن على البائع لأن الإقرار حجَّة في حَقِه دون غيره، والنكول من المختار بمنزلة الإقرار، بخلاف الوكيل بالبيع إذا ردَّ عليه المبيع بعيب بنكوله، حيث يلزم الموكل؛ لأن النكول من المضطر بمنزلة البينة، وهو مضطر في النكول إذا لم يعلم عيبه أو سلامته فكان نكوله كالبينة.
ولو برهن المشتري على أنه ملك المستحق - لا تقبل لتناقضه في الدعوى؛ إذ إقدامه على الشراء إقرار منه بملك البائع فإذا ادعى لغيره كان تناقضا.
ولو برهن على إقرار البائع أنها ملك المستحق - تقبل لأنه غير متناقض.
ولو برهن أنها حرة الأصل وهي تدّعي، أو برهن أنها ملك فلان وهو أعتقها أو دبرها أو استولدها قبل شرائه؛ تُقبل ويرجع بالثمن على البائع؛ لأن التناقض في دعوى الحرية وفروعها لا يمنع صحة الدعوى، فتبين أن ما قبضه ثمن الحُر أو أم الولد أو المُدَبِّر، فيجب عليه رده.
باع عقارًا ثم برهن أنه باع ما هو وقف - لا يُقبل؛ لأن مجرد الوقف لا يزيل الملك، بخلاف الإعتاق.
ولو برهن أنه وقف محكوم بلزومه تقبل.
باعها ثم باعها المشتري ثم باعها الثاني ثم استحقت بقضاء؛ فهو قضاء على الكل حتى يرجع بعضهم على بعض.
ولو ادعى أحدهم أنها مُلكه لا يسمع؛ لأن الكل صار مقضيا عليهم بالقضاء على المشتري الآخر.
ولو برهن في يد المشتري الآخر أنها حرة الأصل أو معتقة أو مدبّرة أو أم ولد فلان - تقبل، ويرجع الكل.
ولو برهن رجل منهم أنها أمته أعتقها بعد شراء المشتري الآخر لا يرجع بعضهم على بعض؛ لأنه ليس من ضرورة فيتراجعون بالثمن.
стр. 4852
فَصَلِّ فِي بَيعِ الفُضُولِيِّ
ولو باع أَمَةً ولم يقبضها المشتري ثم ادعى رجل أنها له لا تسمع دعواه حتى يحضر المشتري والبائع؛ لأن الملك للمشتري واليد للبائع، والمُدَّعي يدعيهما، فكان القضاء عليهما بشرط حضورهما.
ولو قُضِي له بها بحضرتهما، ثم برهن البائع أو المشتري أن المستحق باعها من البائع، ثم باعها من البائع، ثم هو باعها من المشتري - قُبل ولزم البيع؛ لأنه يقرر القضاء الأول ولا ينقضه.
ولو فسخ القاضي البيع بطلب المشتري، ثم برهن البائع أن المستحق باعها منه فأخذها، وتبقى له ولا يعود البيع المنتقض.
ولو برهن المستحق بعد قبض المشتري الأمة فقُضِي بها له، ثم برهن البائع على المستحق منه بعد الفسخ - تبقى الأمة للبائع عند أبي حنيفة، وليس له أن يلزمها على المشتري؛ لنفوذ القضاء بالفسخ ظاهرا وباطنا عنده.
ولو باعها المشتري بعد القبض وسلمها فاستحقت فبرهن المشتري الثاني على بيع المستحق من بائع بائعه تقبل؛ لأنه خصم.
ولو برهن البائع الأول أن المستحق أمره ببيعها، وهلك الثمن في يده - يقبل.
ولو استهلكه أو رَدَّه لا يقبل.
فَصْلٌ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ
مناسبة هذا الفصل باب الاستحقاق ظاهر؛ لأن بيع الفضولي صورة من صور الاستحقاق؛ لأن المستحق يقول عند الدعوى: هذا ملكي، ومن باعك إنما باعك بغير إذني؛ فهو عين بيع الفضولي.
الفضولي، بضم الفاء لا غير. وفي المغرب: الفضل: الزيادة، وقد غلب جمعه على ما لا خير فيه حتى قيل:
فُضُول بلا فَضْلِ … وطول بلا طول (١)
стр. 4853
قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ مِلكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَالْمَالِكُ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَجَازَ البَيعَ؛ وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَنعَقِدُ، لِأَنَّهُ لَم يَصدُر عَنْ وِلَايَة شَرعِيَّة، لِأَنَّهَا بِالمِلكِ أَوْ بِإِذنِ المَالِكِ وَقَدْ فُقِدَا، وَلَا انعِقَادَ إِلَّا بِالقُدْرَةِ الشَّرْعِيَّةِ.
ثم قيل لمن يشتغل بما لا يعنيه: فضولي؛ لأنه صار بالغلبة كالعلم له، ولم يَصِرْ إلى واحده في النسب، كما في أعرابي وأنصاري.
وهو في اصطلاح الفقهاء: من ليس بوكيل، وفتح الفاء خطأ (١).
قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَنْعَقِدُ) (٢)، وبه قال أحمد في رواية (٣) فعند الشافعي تصرفات الفضولي كلها باطلة في الجديد، ولا تتوقف على الإجازة؛ لأنه أجاز التصرف إلى محل لا ولاية له عليه.
(لأنه) أي: البيع (لم يصدر عن ولاية شرعية) احترز به عن الولاية الحسية، فإنها تثبت بمجرد اليد، سواء كانت اليد حقا أو لا (فإنها) أي: الولاية الشرعية (بالملك)، أي: تثبت به.
(بالقدرة الشرعية) أي: الولاية الشرعية، وقد عقدت (٤).
وفي شرح الوجيز: روي أنه ﵇ قال لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك» ولأن [بيع] (٥) الآبق غير صحيح مع كونه مملوكًا؛ لعدم القدرة على التسليم، وما لا ملك فيه ولا قدرة على تسليمه أولى (٦).
وفي القديم: يتوقف على الإجازة، وبه قال أبو حنيفة (٧) ومالك (٨) وأحمد في رواية (٩) لما رُوي أنه ﵇ دفع دينارًا إلى عروة البارقي ليشتري له به شاة
стр. 4854
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للأضحية، فاشترى شاتين، وباع إحداهما بدينار، وجاء بشاة ودينار إلى النبي ﷺ ، فقال ﷺ : «بَارَكَ اللهُ في صَفْقَتِكَ» (١) وقد باع الشاة الثانية من غير إذن النبي ﷺ فأجازه، والقولان جاريان في التزوج والطلاق والعتاق والإجارة والهبة بغير الإذن.
وفي المبسوط (٢): وكذا كل ما له مُجيز حال وقوعه من العقود والفسوخ والنكاح والطلاق فهو على الخلاف.
له نهيه ﵇، نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان، ومطلق النهي يوجب فساد المنهي عنه، وكونه غير مشروع عنده، ولأنه ﵇ نهى عن بيع ما لم يُقبض، [فَلَأَنْ يكون بيع ما لم يقبض] (٣) وما لم يملك منهيًّا عنه - أولى، ولأنه تصرف صادف محلا لا ولاية له عليه فيلغو، كبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، وبيع الآبق، فإنه لا ينفذ وإن أخذه بعد ذلك ورجع من الإباق، والانعقاد يختص بمحل له ولاية، فإذا انعدمت الولاية صار ذلك بمنزلة انعدام الأهلية في المتصرف، وذلك يوجب إلغاءه، كالصبي والمجنون إذا طلق امرأته يلغو ولا ينفذ، وإن أجازه بعد البلوغ.
ولنا: ما رُوي أنه ﷺ دفع دينارًا إلى حكيم بن حزام ليشتري له أضحية فاشترى شاةً ثم باعها بدينارين، ثم اشترى شاة بدينار وجاء بالشاة والدينار الآخر إلى النبي ﷺ وأخبره بذلك، فقال ﷺ : «بَارَكَ الله في
стр. 4855
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صَفْقَتَكَ، فأمّا الشَّاةُ فَضْحٌ بِها، وأمّا الدينارُ فَتَصدّق به» (١) فقد باع ما اشترى له ﵇ بغير أمره، وأجاز ﵇ بيعه، وفي كتب الحديث ذكر عروة البارقي مكان حكيم بن حزام.
ولا يجوز بأن يقال: بأن حكيم بن حزام (٢) كان وكيلا مطلقا بالبيع والشراء؛ لأن هذا (٣) شيء لا يمكن إثباته بغير نقل، ولو كان النقل على سبيل المدح له، والمنقول أنه ﵇ أمره أن يشتري له أضحية، إلى آخره.
والمعنى أن هذا التصرف صدر من أهله؛ لأنه عاقل بالغ في محله؛ لكونه (٤) مالا متقوما؛ ولهذا لو باعه بالإذن جاز، وما ليس بمحل لا يصير محلًا بالإذن، فينعقد ولا يلغو، كما لو حصل من المالك، وكالوصيّة بالمال ممن عليه الدين، وبأكثر من الثلث ممن لا دين عليه، ثم قد يمتنع نفوذ التصرف الصادر من الأهل في المحل شرعًا لمانع، فيتوقف النفوذ على زوال ذلك المانع بالإجازة.
فإن قيل: اعتبار التصرف شرعًا لحكمه لا لعينه، والمراد بالأسباب الشرعية أحكامها، واشتراط الملك في المحل لأجل الملك؛ إذ التمليك لا يتحقق إلا من المالك، فإذا لم يكن مالكًا لغا تصرفه؛ لانعدام حكمه.
قلنا: في جوابه طريقان:
أحدهما: أن نقول لا نسلم عدم الحكم بهذا التصرف، بل يثبت حكم يليق بالسبب، فإنه ثبت بالسبب الموقوف ملك موقوف، كما يثبت بالسبب البات ملك بات؛ ولهذا لو أعتق المشتري ثم أجاز المالك البيع - نفذ عتقه؛ وهذا لأنه
стр. 4856
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا ضرر على المالك في إثبات ملك موقوف بهذا السبب، كما لا ضرر عليه في انعقاد السبب، وإنما الضرر عليه في زوال ملكه، وبالملك الموقوف لا يزول ملكه البات.
والثاني: أن السبب إنما يلغو إذا خلا عن الحكم شرعًا، فأما إذا تأخر عنه الحكم فلا؛ لأن الحكم تارةً يتصل بالسبب، وتارةً يتأخر، كما في البيع بشرط الخيار، وهاهنا الحكم [يتأخر] (١) إلى إجازة المالك فلا ينعدم أصلا، وانعدامه في الحال لدفع ضرر المالك، وتأخره إلى إجازته توفيرا لمنفعة عليه، فإنه إذا صار مستبدًا بالنظر إن شاء أجاز البيع وإن شاء أبطله، فيكون فيه محض منفعة، فينعقد في الحال، وتجعل إجازته في الانتهاء كإجازته في الابتداء، بخلاف بيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، حيث لغا العقد هناك؛ لانعدام محله؛ فإن المحل غير مملوك أصلا، فلا يكون قابلا للتمليك.
وطلاق الصبي والمجنون؛ لانعدام الأهلية في المتصرف فإن اعتبار تصرفنا (٢) فيما عقد توفير المنفعة عليه، لا فيما هو ضرر محض، فلا يُجعل أهلًا له؛ ولهذا لا يملك الولي عليه أصلا، حتى لو أذن الولي طلاقه لا يقع، بخلاف مال الغير، فإنه محل كحكم البيع، حتى يثبت فيه البيع بتصرف المالك أو بإذنه، وبخلاف الآبق (٣) والمبيع قبل القبض فإنه لا يصير لغوًا، بل ينعقد فاسدًا؛ لانعدام شرط الصحة، وهو القدرة على التسليم.
وتأويل الحديث: إن باعه، ثم اشتراه وأراد تسليمه بحكم ذلك العقد حيث لا يمكن؛ لأن الملك الحادث نفذ مقصورًا على الحال، وحكم السبب ليس هذا؛ بل حكمه ثبوت الملك للمشتري من حين العقد بالإجازة؛ ولهذا يستحق المبيع بزوائده المتصلة والمنفصلة.
стр. 4857
وَلَنَا: أَنَّهُ تَصَرُّفُ تَمْلِيك وَقَدْ صَدَرَ مِنْ أَهلِهِ فِي مَحَلِّهِ فَوَجَبَ القَولُ بِانْعِقَادِهِ، إذ لَا ضَرَرَ فِيهِ لِلْمَالِكِ مَعَ تَخْيِيرِهِ، بَلْ فِيهِ نَفْعُهُ حَيثُ يَكفِي مُؤنَةَ طَلَبِ المُشتَرِي وَقَرَارَ الثَّمَنِ وَغَيْرِهِ، وَفِيهِ نَفْعُ العَاقِدِ لِصَونِ كَلَامِهِ عَنْ الإِلغَاءِ، وَفِيهِ نَفْعُ المُشتَرِي
والدليل على هذا التأويل قصة الحديث، فإن حكيم بن حزام قال يا رسول الله: إن الرجل ليأتيني فيطلب مني سلعة ليست عندي، فأبيعها منه، ثم أدخل السوق فأشتريها فأسلمها، فقال ﵇: «لا تبع ما ليس عندك» (١) الكل من المبسوط (٢)، وهذا قول صاحب الكتاب.
(ولنا أنه) أي: البيع (تصرف تمليك إلى آخره، تصرف تمليك) (٣): هذا من قبيل إضافة العام إلى الخاص، كعلم الطب، وقيد التصرف بالتمليك احترارًا عن تصرف هو إسقاط، كالطلاق والعتاق بمال أو بغير مال من الصبي والمجنون، فإن هذه التصرفات منهما لا تصح، ولا تتوقف على إجازة الولي، ولا على إجازة نفسهما بعد البلوغ والإفاقة، بخلاف ما اشترى الصبي شيئًا، أو تزوج امرأة، أو زوج أمته؛ فإن هذه التصرفات منه تتوقف على إجازة الولي، أو إجازة نفسه بعد البلوغ، ولا يجوز بنفس البلوغ بغير إجازة بعده.
قال شيخي العلامة ﵀: إن تصرف الإسقاط كطلاق امرأة الغير يتوقف على الإجازة. ذكره في الجامع الكبير.
فكان قيد المصنف احترازًا عن تصرف إسقاط لا مجيز له، كالطلاق والعتاق من الصبي، ولكن في هذا الكلام نوع اشتباه، وقد صدر من أهله، وقد بينا بيان الأهلية والمحلية.
فإن قيل: يلزم على هذا طلاق الصبي العاقل، حيث لا ينعقد طلاقه، ولا يتوقف على الإجازة كما ذكرنا، مع أن الصبي أهل للكلام؛ ولهذا لو طلق امرأة غيره بوكالته صح، والمحل موجود وهو المنكوحة.
стр. 4858
فَثَبَتَ لِلقُدرَةِ الشَّرْعِيَّةِ تَحصِيلًا لِهَذِهِ الوُجُوهِ، كَيفَ وَإِنَّ الإِذنَ ثَابِتٌ دَلَالَةِ، لِأَنَّ
قلنا: ألحق الشرع هذا الصبي بالذي لا عقل له فيما يضره من الأحكام؛ نظرًا له، حتى لا يلزمه حقوق الله تعالى، فالتحق بالبهيمة، وطلاق امرأته إضرار به؛ لأنه إبطال ما شرع مصلحة له كالهبة، فلا يبقى أهلا للكلام من هذا الوجه، وامرأته لا تبقى محلا لإيقاع الطلاق عليها شرعًا؛ ولهذا لا يقع عليها بإجازة الولي، ولا بإجازة نفسه بعد البلوغ، فأما مال الغير أو امرأة الغير فمحل للطلاق والملك، ولا ضرر في اعتبار كلامه في هذا التصرف عليه لما ذكرنا، فلا يلغو. كذا في المبسوط (١).
قوله: (فَثَبَتَ لِلْقُدْرَةِ الشَّرْعِيَّةِ)، فإن قيل: العقد صدر من أهله مضافًا إلى محله عن ولاية شرعية فينبغي أن ينفذ.
[قلنا: إنما لم ينفذ لأن في النفاذ ضرر المالك، فيتوقف على إجازته.
فإن قيل: يشكل بشراء الفضوليّ، فإنه ينفذ على المشتري ولا يتوقف عندنا] (٢).
قلنا: الأصل أن التصرف ينفذ على المباشر إذا وجد نفاذًا عليه، وإذا لم يجد نفاذًا عليه يتوقف، والفضولي في البيع ليس من أهل [أن] (٣) ينفذ البيع عليه؛ لأنه باع [ملك] (٤) غيره بغير إذنه، وأما المشتري الفضولي له صلاحية أن يشتري لنفسه، فينفذ على نفسه، أما في البيع ليس للبائع أن يبيع ملك غيره من نفسه، فلم يجد البيع نفاذًا على المباشر، فيتوقف. كذا في الإيضاح.
قوله: (كَيْفَ وَإِنَّ الْإِذْنَ ثَابِتٌ دَلَالَةً)، فإن قيل: لو كان الإذن ثابتًا دلالةً يكون الرضا من المالك متحققا دلالةً، فينبغي ألا يثبت له الخيار.
قلنا: الإذن ثابت دلالةً فيما هو نافع لا فيما هو ضار، وفي الانعقاد نفع فيثبت في حقه، وفي النفاذ بدون اختياره ضرر، فلا يثبت الإذن في حقه. كذا في الإيضاح.
стр. 4859
العَاقِلَ يَأْذَنُ فِي التَّصَرُّفِ النَّافِعِ، قَالَ: (وَلَهُ الإِجَازَةُ إِذَا كَانَ المَعْقُودُ عَلَيْهِ بَاقِيًا وَالمُتَعَاقِدَانِ بِحَالِهِمَا)، لِأَنَّ الإِجَازَةَ تَصَرُّفٌ فِي العَقدِ فَلَا بُدَّ مِنْ قِيَامِهِ وَذَلِكَ بِقِيَامِ العَاقِدَينِ وَالمَعقُودِ عَلَيْهِ.
وَإِذَا أَجَازَ المَالِكُ كَانَ الثَّمَنُ مَملُوكًا لَهُ أَمَانَة فِي يَدِهِ بِمَنزِلَةِ الوَكِيلِ، لِأَنَّ الإِجَازَةَ اللَّاحِقَةَ بِمَنزِلَةِ الوَكَالَةِ السَّابِقَةِ، وَلِلفُضُولِيِّ أَنْ يَفْسَخَ قَبْلَ الإِجَازَةِ
قوله: (وله) أي: للمالك (الإجازة). (فلا بد من قيامه) أي: قيام العقد، (وذلك) أي: قيام العقد (بقيام العاقدين).
وفي الإيضاح: بيع الفضولي في حق وصف الجواز موقوف على الإجازة، فأخذت الإجازة حكم الإنشاء، فلا بد فيها من قيام المتعاقدين والمعقود عليها، كما في الإنشاء.
اعلم أن بقاء الفضولي إنما يُشترط لصحة الإجازة (١) في البيع لا في النكاح حتى [لو] (٢) زَوَّج رجل ابنته الصغيرة من رجل غائب، ثم مات الأب، وبلغ الزوج النكاح، فأجاز ذلك - فهو جائز، وهذا نص أن بموت الأب لا يبطل نكاح الصغيرة. كذا في الفصول الأُسْتُرُوشَنِّيَّة.
وأما إسقاط (٣) قيام المعقود عليه؛ فَلِمَا يأتي بعد ذلك.
(مملوكًا له) أي: للمالك (أمانة في يده) أي: في يد الفضولي.
قوله: (بِمَنْزِلَةِ الْوَكَالَةِ السَّابِقَةِ) من حيث إن كل واحد منهما يثبت الحكم، أو من حيث إن كل واحدٍ منهما دافع للمانع؛ يعني: يثبت عنده الإجازة الملك للمشتري من وقت العقد، كما في الوكالة؛ ولهذا يستحق المبيع بالزوائد المتصلة والمنفصلة. ذكره في المبسوط.
فإن قيل: لا نُسلّم أن الإجازة اللاحقة بمنزلة الوكالة السابقة؛ ألا ترى أن
стр. 4860
دفعًا لِلحُقُوقِ عَنْ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ الفُضُولِي فِي النِّكَاحِ، لِأَنَّهُ مُعَبِّرُ مَحضُ،
الفضولي إذا باع والمشتري إذا باع من غيره أيضًا، ثم أجاز المالك بيع الفضولي لا ينفذ بيع المشتري منه، ولو كانت كالوكالة ينبغي أن تنفذ.
قلنا: إذا طرأ الملك البات على الملك الموقوف يبطل الموقوف، وهاهنا ملك المشتري من الفضولي يكون بانا بإجازة المالك، فيبطل ملك المشتري من مشتري الفضولي؛ لأنه موقوف، كما لو تزوّجت أمة الغير بغير إذن المالك فأجاز وارثه النكاح لا يجوز؛ لما قلنا: إن الملك البات إذا طرأ على الملك الموقوف أبطله، كما يجيء.
(دفعًا للحقوق عن نفسه) لما أن الحقوق ترجع إلى الوكيل، وهو بالإجازة يصير بمنزلته في رجوع الحقوق إليه، فله أن يفسخه لدفع الضرر عن نفسه، وكذلك للمشتري أن يفسخه.
فإن قيل: في القول بجواز فسخه قبل الإجازة ضرر المالك؛ لما ذكرنا أن للمالك فيه نفعًا، فيفوت ذلك بالفسخ.
قلنا: ضرر المالك يحصل في ضمن دفع الضرر عن نفسه، [فلا يُعتبر، أما في النكاح يلزم إضرار صاحب النكاح قصدًا، لا في ضمن دفع الضرر عن نفسه] (١)، فإن حقوقه ترجع إلى الزوج دون الفضولي، فافترقا.
(بخلاف الفضولي في النكاح) أي: لا يجوز له أن يفسخه قبل إجازة المفسوخ الموقوف له أو فسخه؛ لأن الحقوق لا ترجع إليه؛ لأنه سفير ومُعبّر، فإذا عبر انتهى أمره، فصار بمنزلة الأجنبي، بخلاف الفضولي في البيع؛ لأنه لا ينتهي أمره بالبيع؛ لما ذكرنا أن الحقوق ترجع إليه.
قال شيخي العلامة صاحب النهاية ﵀: هذا إذا كان الفسخ بالقول، أما إذا كان الفسخ (٢) بالفعل، بأن زَوَّج الفضولي رجلًا امرأةً برضاها، فَقَبْلَ إجازته زَوَّجه أختها كان ذلك نقضًا للنكاح الأول، كذا ذكره في الفصول الأُسْتُرُوشَنِّيَّة.
стр. 4861
هَذَا إِذَا كَانَ الثَّمَنُ دَينا، فَإِنْ كَانَ عَرضًا مُعَيَّنَا، إِنَّمَا تَصِحُ الْإِجَازَةُ إِذَا كَانَ العَرَضَ بَاقِيًا أيضًا. ثُمَّ الإِجَازَةُ إجَازَةُ نَقد لَا إِجَازَةُ عَقد حَتَّى يَكُونَ العَرضُ الثَّمَنُ مَمْلُوكًا
قوله: (هذا) أي: ما قلنا من قيام المتعاقدين والمعقود عليه (إذا كان الثمن دينًا) في بيع الفضولي (أما إذا كان الثمن عرضًا) أي: مما يتعين بالتعيين، فيشترط قيامه أيضًا للإجازة.
وفي شرح الطحاوي: لو كان الثمن دينًا فقيام أربعة أشياء شرط للحوق الإجازة البائع والمشتري والمالك والمبيع، أما لو كان الثمن مما يتعين بالتعيين، إذا عُيّن وعُوّض، فهاهنا قيام خمسة أشياء شرط للحقوق الإجازة: الأربعة المذكورة، والخامس قيام ذلك العَرَض، فلو أجاز المالك عند قيام الخمسة جاز البيع، ويكون العرض الثمن للبائع دون المجيز، وله أن ير- يرجع على البائع بقيمته، إن لم يكن له مثل، وبمثله إن كان له مثل.
(ثم الإجازة إجازة نقد) أي: الإجازة في بيع المقابضة إجازة نقد [وهو أن يجيز المالك العاقد] (١) أن ينقد بهذا العين المملوك له، وفي هذه الصورة لا يقع العقد للمالك، بل يقع للعاقد، ويصير كأنه قال (٢) المالك في الابتداء: اشتر عبد فلان بجاريتي هذه؛ وذلك لأن في بيع المقابضة كل واحد من الوصفين ممنوع (٣) من وجه، فيكون الفضولي يبيع مال الغير بالعرض مشتريًا للعرض من وجه، والشراء لا يتوقف، بل يقع عن الفضولي فيكون الثمن - الذي هو العرض - ملكًا له، ونفذ عوضه (٤) بإجازة المالك، ولو كان من حيث إنه بيع يتوقف ولا ينفذ، لكن أعطي له حكم الشراء هاهنا جَعْلًا للموقوف تبعا للنافذ؛ لكونها أقل من القلب؛ لأن النفاذ أصل في تصرف العاقل، وإذا كان كذلك يصير الفضولي مستقرضًا للجارية، وإن كان لا يجوز القرض (٥) فيما لا مثل له؛ لأن القرض هنا
стр. 4862
لِلفُضُولِي، وَعَلَيْهِ مِثلُ المَبِيعِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا أَوْ قِيمَتُهُ إِنْ لَم يَكُنْ مِثْلِيًّا، لِأَنَّهُ شِرَاءٌ مِنْ وَجْه وَالشَّرَاءُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الإِجَازَةِ.
يثبت مقتضيا (١) لصحة الشراء، فتُراعى فيه شرائط صحة المقتضي لا غير، كالكفيل بالمُسْلَم فيه إذا أداه من مال نفسه يصير مستقرضًا، حتى يرجع بقيمته إن كان ثوبًا؛ لأن الثوب مثلي في باب السَّلَم، فكذا فيما جُعِل تبعًا (٢)، فكذا هاهنا؛ إذ لا صحة بشراء العبد إلا بقرض الجارية، والشراء مشروع كما في ضمنه يكون مشروعًا إليه. إليه أشير في المبسوط.
فإن قيل: لو كان في بيع المقابضة شراء الثمن من وجه لما ملكه الوكيل بالبيع؛ لأن الشراء ضد البيع، وقد ملكه، خصوصًا على قول أبي حنيفة، على ما يجيء.
قلنا: إن أبا حنيفة يعتبر إطلاق لفظ الوكالة في غير موضع التهمة، والوكالة بإطلاقها تتناول البيع بالدين والعين كما تتناول البيع بالقليل والكثير؛ ولذلك يجري على إطلاقه.
قوله: (وَالشَّرَاءُ لَا يَتَوَقَّفُ) أي: ينفذ على المشتري، وبه قال الشافعي في الجديد (٣). وقال في وجه: يفسد العقد. وقال في القديم (٤): يتوقف الشراء على الإجازة كما في البيع، وبه قال مالك (٥) وأحمد في رواية (٦).
وقلنا: إن الثمن يلزم في ذمة المشتري، فيلزمه بالتزامه، فإذا لزم الثمن نفذ (٧) البيع بخلاف البيع؛ لأن قيامه بالمبيع، وهو ملك الغير، ويتضرر الغير بلزوم العقد، فقلنا بالتوقف؛ لأنه لا يتضرر الغير به.
وفي النهاية: الشراء إنما ينفذ على المشتري إذا لم يُضف المشتري
стр. 4863
وَلَو هَلَكَ المَالِكُ لَا يَنفُذُ بِإِجَازَةِ الوَارِثِ فِي الفَصْلَينِ،
[الشراء] (١) إلى آخر، ووجد الشراء النفاذ عليه، ولم يسبق التوكيل من آخر، فأما إذا كان كذلك فالشراء يتوقف أو ينفذ على الموكل، فإنه ذكر في شرح الطحاوي: ولو اشترى رجل لرجل شيئًا بغير أمره - كان ما اشتراه لنفسه، أجاز الذي اشتراه له أو لم يُجزه، أما إذا أضافه إلى آخر بأن قال للبائع: بع عبدك من فلان بكذا، فقال: [بعت] (٢)، وقبل المشتري هذا البيع لأجل فلان - فإنه يتوقف.
وفي شرح الوجيز: لو اشترى بعين مال الغير، ففيه قولان: في قول: يتوقف. ولو قال: اشتريت لفلان بألف في ذمته، ففيه القولان أيضًا، أما لو اشترى وأطلق، ونوى كونه للغير، فعلى الجديد: يقع عن المباشر، وعلى القديم: يتوقف على الإجازة، فلو رُدَّ نفذ في حقه (٣).
قوله: (لَا يَنفُذُ بإجازة الوارث) أي: وارث المالك (في الفصلين) أي: فيما إذا كان الثمن دينًا أو عَرَضًا (٤) (فلا يجوز بإجازة غيره) أي: غير المالك. فإن قيل: يشكل هذا إذا تزوجت أمة لرجل وطئها مولاها، فمات مولاها قبل الإجازة - يتوقف النكاح إلى إجازة الوارث، وهو الابن، حتى لو أجاز صح النكاح، وإلا فلا.
قلنا: عدم توقف تصرف الفضولي إلى إجازة الوارث [لمعنى أنه ملك بات أو حل بات، طرأ على ملك موقوف أو حلّ موقوف، يُبطله، فأما إذا لم يطرأ حل أو ملك لا يُبطله، بل يتوقف إلى إجازة الوارث] (٥) لأن المعنى من توقفه إلى إجازة المُورّث كان رفع الضرر عنه، وفي هذا قام الوارث مقامه لدفع الضرر عن الوارث، وهاهنا لم يطرأ (٦) الحلّ البات على الحلّ الموقوف؛ لأن الأمة لا
стр. 4864
لِأَنَّهُ تَوَقَّفَ عَلَى إِجَازَةِ المُوَرِّثِ لِنَفْسِهِ فَلَا يَجُوزُ بِإِجَازَةِ غَيْرِهِ. وَلَو أَجَازَ المَالِكُ فِي حَيَاتِهِ وَلَا يَعْلَمُ حَالَ الْمَبِيعِ.
يُحلّ للابن وطؤها، حتى إنه لو حل وطؤها - بأن لم يطأها أبوه - يبطل النكاح أيضًا، ولم يتوقف لورود الحل البات.
ولو صورت المشتري مقام الوارث فالحكم فيه أيضًا كذلك على التفصيل: إن كان المشتري ممن حلَّ وطؤها (١) - يبطل نكاحها، وإلا يتوقف إلى إجازته. إليه أشير في الفصول الأُسْتُرُوشَنِّيَّة مُحالًا إلى باب مخاطبة الجامع.
وفي شرح الطحاوي: ليس هذا كالقسمة عند أبي يوسف، فإن القسمة الموقوفة بإجازة الغائب جازت بإجازة ورثته بعد موته استحسانا؛ لأنه لا فائدة في نقض القسمة ثم الإعادة.
ولو هلك المبيع قبل الإجازة فللمالك أن يُضَمِّن أيهما شاء: البائع والمشتري، وأيهما يَخْتَرْ يَبْرَأ الآخر من الضمان، فإن اختار تضمين المشتري بطل البيع، وإن اختار تضمين البائع يُنظر: إن كان قبض البائع مضمونًا عليه نفذ بيعه؛ لأن سبب ملكه - وهو غصبه - تقدم، وإن كان قبض أمانة لا ينفذ بيعه؛ لأنه صار مضمونًا عليه بالتسليم بعد البيع بسبب الملك متأخر عن عقده، إلا إذا سَلَّمه أولا ثم باعه، فصار كالمغصوب، هذا إذا باعه بثمن دين.
وإن باعه بعرض فهلك في يد البائع بطل البيع، ولا تلحقه الإجازة، ويَردُّ المبيع على صاحبه، ويضمن البائع للمشتري مثل العرض، أو قيمته إن كان قِيمِيًّا؛ [لأنه] (٢) قبضه بعقد فاسد، وتصرف البائع في العرض قبل لحوق الإجازة، قبل القبض - باطل، وبعد القبض بإذن المشتري صريحًا أو دلالةً - نافذ، ويلزمه قيمته أو مثله، وتصرف المشتري في المبيع قبل الإجازة باطل في الوجهين؛ لعدم إذن مالكه.
(حال المبيع) يعني قائم أو هالك وقت الإجازة.
стр. 4865
جَازَ البَيعُ فِي قَولِ أَبِي يُوسُفَ ﵀، أَوَّلاً، وَهُوَ قَولُ مُحَمَّد ﵀ لِأَنَّ الأَصلَ بَقَاؤُهُ، ثُمَّ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ وَقَالَ: لَا يَصِلُّ حَتَّى يَعْلَمَ قِيَامَهُ عِنْدَ الإِجَازَةِ، لِأَنَّ الشَّكَ وَقَعَ فِي شَرطِ الإِجَازَةِ فَلَا يَثْبُتُ مَعَ الشَّكْ.
قَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ عَبدًا فَبَاعَهُ وَأَعْتَقَهُ المُشتَرِي، ثُمَّ أَجَازَ المَولَى البَيعَ، فَالعِتقُ جَائِزُ) اسْتِحْسَانًا، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: لَا يَجُوزُ (*) لِأَنَّهُ لَا عِنقَ بِدُونِ المِلكِ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
(بقاؤه) أي: بقاء المعقود عليه؛ إذ الظاهر بقاء ما وجد.
(وقع في شرط الإجازة) وهو بقاء المبيع عند الإجازة (١).
قوله: (وقال محمد: لا يجوز) وهو رواية عن أبي يوسف (٢) وقول زفر والشافعي (٣) ومالك (٤) وأحمد (٥)، وهذه المسألة هي المسألة الثانية التي جرت المحاورة بين أبي يوسف ومحمد حين عرض هذا الكتاب عليه، فإن أبا يوسف قال: ما رَوَيْت لك عن أبي حنيفة أن العتق جائز، وإنما رويْتُ أن العتق باطل. وقال محمد: بل رَوَيتَ لي أن العتق جائز.
ثم ما ذكر محمد قياس، فوجهه أن هذا العتق توقف نفوذه على إجازة مالك ظاهر الملك، وهو المغصوب منه، فلا يجوز أن ينفذ من جهة من يحدث له، كالمشتري بالخيار إذا أعتقه ثم أسقط خياره كذا في جامع شمس الأئمة.
قال الإمام قاضي خان حاصل الخلاف راجع إلى أن بيع الفضولي لا ينعقد في حق الحكم؛ لانعدام الولاية فكان الإعتاق حاصلا في ملك الغير فبطل، كما لو باعه المشتري من الغاصب، وعندهما بيع الفضولي أوجب الملك على وجه التوقف؛ لأن الأصل في البيع المنعقد تعجيل الحكم والتراخي إلى
стр. 4866
وَالسَّلَامُ: «لَا عِتَقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ»، وَالمَوقُوفُ لَا يُفِيدُ المِلكَ، وَلَو ثَبَتَ فِي الآخِرَةِ يَثْبُتُ مُستَنِدًا وَهُوَ ثَابِتٌ مِنْ وَجه دُونَ وَجه، وَالمُصَحِّحُ لِلإِعْتَاقِ المِلكُ الكَامِلُ لِمَا رَوَينَا، وَلِهَذَا لَا يَصِحُ أَنْ يُعتِقَ الغَاصِبُ ثُمَّ يُؤَدِّيَ الضَّمَانَ،
وقت الإجازة؛ لدفع الضرر عن المالك، والضرر في النفاذ لا في ثبوت الملك على وجه لا يثبت أثره في التصرفات الضارة، فإعتاق المشتري صادف ملكًا موقوفًا، فيتوقف على الملك، وإنما لا ينفذ البيع الثاني؛ لأن المولى إذا أجاز البيع الأول ثبت الملك للمشتري الأول على البتات، وطروء الملك البات على الملك الموقوف يُبطل الموقوف، وهذا لا يوجد في الإعتاق، فينفذ إعتاق المشتري، والولاء له.
(والموقوف لا يفيد الملك) أي: في الحال، بالإجماع (١).
(ولو ثبت في الآخرة) أي: عند الإجازة (وهو) أي: الملك الثابت بطريق الاستناد (ثابت من وجه دون وجه) فلا يصلح شرطًا للإعتاق بالحديث؛ إذ فيه شبهة عدم الملك.
قوله: (وَالْمُصَحِّحُ لِلْإِعْتَاقِ: الْمِلْكُ الْكَامِلُ).
فإن قيل: يشكل على هذا إعتاق المولى المكاتب، فإنه لو أعتق عبده المكاتب يصح، والملك فيه ناقص، بدليل حرمة الوطء للمكاتبة، بخلاف المدبرة، فإن الملك فيها كامل، والرق فيها ناقص.
قلنا: نعم كذلك، إلا أن الكتابة تنفسخ في ضمن الإعتاق؛ لما أن عقد الكتابة غير لازم في جانب العبد، وأنه [لما] (٢) رضي بالإعتاق بالبدل كان أَرْضَى للإعتاق بلا بدل (لما روينا) أنه ﵇ قال: «لَا عِنْقَ» الحديث.
(ثم يؤدي الضمان) فإن المضمونات (٣) تملك بأداء الضمان مستندا إلى وقت الغصب.
стр. 4867
وَلَا أَنْ يُعتقَ المُشتَرِي وَالخِيَارُ لِلبَائِعِ ثُمَّ يُجِيزُ البَائِعُ ذَلِكَ، وَكَذَا لَا يَصِحُ بَيعُ المُشتَرِي مِنْ الغَاصِبِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ أَسْرَعُ نَفَاذا حَتَّى نَفَذَ مِنْ الغَاصِبِ إِذَا أَدَّى الضَّمَانَ، وَكَذَا لَا يَصِحُ إعْتَاقُ المُشتَرِي مِنْ الغَاصِبِ، إِذَا أَدَّى الغَاصِبُ الضَّمَانَ. وَلَهُمَا: أَنَّ المِلكَ ثَبَتَ مَوْقُوفًا بِتَصَرُّف مُطلَق مَوضُوعِ لِإِفَادَةِ المِلكِ، وَلَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى مَا مَرَّ فَتَوَقَّفَ الإِعْتَاقُ مُرَتَبَا عَلَيْهِ وَيَنفُذُ بِنَفَاذِهِ، فَصَارَ كَإِعْتَاقِ المُشتَرِي مِنْ الرَّاهِنِ وَكَإِعْتَاقِ الوَارِثِ عَبْدًا مِنْ التَّرِكَةِ، وَهِيَ مُسْتَعْرِقَةٌ بِالدُّيُونِ.
(ولا أن يعتق المشتري) أي: لا ينفذ إعتاقه، مع أن البيع بشرط الخيار أقوى من بيع الفضولي؛ لأنه مُتَّفَق على جوازه، والفضولي مختلف مع وجود رضا المالك على ثبوت الملك، بخلاف الفضولي.
(مع أنه) أي: البيع بشرط الخيار (أسرع نفاذًا) أي: أقل احتياجًا إلى الملك في النفوذ من العتق؛ لأن الغاصب إذا باع ثم أجاز المالك صح البيع، ولو أعتق ثم أجازه المالك لا يصح الإعتاق، وكذا يصح بيع المكاتب والمأذون لا عتقهما.
(حتى نفذ) أي: البيع (من الغاصب) يعني إذا باع الغاصب ثم أدى الضمان ينفذ بيعه، ولو أعتق ثم أدى الضمان لا ينفذ عتقه.
قوله: (مُطْلَق) بفتح اللام، واحترز به عن العيب بشرط الخيار. وقيل: بكسر اللام، والأول أصح.
وقوله: (موضوع لإفادة (الملك) احتراز عن الغصب؛ فإنه ليس بموضوع الإفادة الملك (فيه) أي: في إعتاق المشتري على ما مرّ) وهو قوله: (لا ضرر فيه) للمالك مع تخيره.
(عليه) أي: على الملك (١) الموقوف (وينفذ) أي: الإعتاق (بنفاذه) أي: بنفاذ المالك؛ لأنه من حقوقه والشيء إذا نفذ نفذ بحقوقه، وإذا توقف توقف بحقوقه، (وصار) أي: إعتاق المشتري من الغاصب (كإعتاق المشتري من الراهن) فإنه يتوقف نفاذه على إجازة المرتهن أو فك الرهن، والجامع بينهما لأنه إعتاق في بيع موقوف.
стр. 4868
يَصِحُّ، وَيَنفُذُ إِذَا قَضَى الدُّيُونَ بَعدَ ذَلِكَ، بِخِلَافِ إعْتَاقِ الغَاصِبِ بِنَفْسِهِ، لِأَنَّ الغَصَبَ غَيْرُ مَوضُوع لِإِفَادَةِ المِلكِ، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ فِي البَيعِ خِيَارُ البَائِعِ، لِأَنَّهُ لَيسَ بِمُطلَق، وَقِرَانُ الشَّرطِ بِهِ يَمْنَعُ انعِقَادَهُ فِي حَقِّ الحُكمِ أَصلا،
(يصح) أي: موقوفًا.
(بعد ذلك) أي: بعد إعتاق الوارث؛ (لأن الغصب غير موضوع لإفادة الملك)؛ لأنه عدوان محض.
هذا التعليل لا يتم؛ لأنه يرد عليه أن لا ينفذ بيعه أيضًا عند إجازة المالك؛ لأنه لم يوضع لإفادة الملك، كما لا ينفذ عتقه؛ لما أن كلا من جواز البيع والعتق يحتاج إلى الملك، ولكن وجه تمام التعليل فيما ذكره في المبسوط (١).
وبخلاف الغاصب إذا أعتق ثم ضمن القيمة؛ لأن المستبد له حكم الملك لا حقيقة الملك؛ ولهذا لا يستحق الزوائد المنفصلة، وحكم الملك يكفي لنفوذ البيع دون العتق، كحكم ملك المكاتب في كسبه، وهاهنا الثابت للمشتري من وقت العقد حقيقة الملك؛ ولهذا استحق الزوائد المنفصلة والمتصلة.
وفي الكافي: إنما يثبت الملك في الغصب عند أداء الضمان ضرورة؛ كيلا يجتمع البدلان في حكم ملك واحدٍ، فلم يكن الغصب في الحال سبب الملك ليتوقف الملك ويتوقف العتق حكمًا له؛ بل هو بعرض أن يصير سببًا عند أداء الضمان، والإعتاق وجد قبله والثابت بالضرورة يتقدر بقدرها، فيثبت الملك في حق إعدام اجتماع البدلين في حق جواز الإعتاق.
(لأنه) أي: البيع بالخيار (ليس بمطلق) أي: غير تام؛ فإن الشرط يمنع انعقاده في حق الحكم أصلا، فكان الملك معدومًا مع وجود الخيار المانع له، فلم يصادف إعتاق المشتري محلا مملوكًا له، فيلغو، وهاهنا البيع مطلق والأصل في الأسباب المطلقة العمل في حق الحكم بلا تراخ، والتراخي إنما يثبت لضرورة دفع الضرر ولا ضرر في توقف الملك والإعتاق، فوجب القول بإظهار السبب في حقه، ونعني بتوقف الملك أنه موجود في حق الأحكام التي لا يتضرر المالك بها. كذا في الكافي.
стр. 4869
وَبِخِلَافِ بَيعِ المُشتَرِي مِنْ الغَاصِبِ إِذَا بَاعَ، لِأَنَّ بِالإِجَازَةِ يَثْبُتُ لِلبَائِعِ مِلكُ بَاتٌ، فَإِذَا طَرَأَ عَلَى مِلك مَوقُوف لِغَيْرِهِ أَبطَلَهُ،
(بخلاف المشتري إذا باع) حيث لا يتوقف الملك ببيعه؛ بل يبطل حالا [بثبوته] للبائع، وهو المشتري من الغاصب. (فإذا طرأ) أي: الملك البات (لغيره) أي: [الغير] (١) المشتري من الغاصب، وهو المشتري من المشتري [من] (٢) الغاصب.
(أبطله) أي: الملك الموقوف لغيره؛ لأنه لا يُتصور اجتماع البات مع الموقوف في محلّ واحدٍ، والبيع في محل واحد، والبيع بعدما بطل لا تلحقه الإجازة، وكذا لو وهبه الغاصب، أو تصدّق به عليه، أو مات فورثه - فهذا كله مبطل للملك الموقوف؛ لطروء الملك البات. كذا في المبسوط (٣).
ولأن فائدة التوقف النفاذ، ففي كل صورة لا يتحقق النفاذ لا يتوقف، كبيع الحر، وهاهنا كما وجدت الإجازة يثبت الملك البات للمشتري الأول، فيبطل الملك الموقوف للمشتري الثاني، ولا جائز أن يثبت الملك البات؛ لاستحالته؛ لأن الشيء الواحد لا يكون ملكًا لاثنين في زمان واحد.
فإن قيل: يشكل على هذا الأصل ما إذا باع الغاصب ثم أدى الضمان - ينقلب بيع الغاصب جائزا، وإن طرأ الملك الذي يثبت للغاصب بأداء الضمان على ملك المشتري الذي اشتراه منه وهو موقوف.
قلنا: إن ثبوت الملك [للغاصب] (٤) ملك ضروري يثبت له ضرورة وجوبِ الضمان، فلم يظهر في حق إبطال المشتري.
فإن قيل: لو كان الملك البات يُبطل الملك الموقوف فأولى أن يمنعه؛ لأن المنع أسهل من الرفع (٥)، فعلى هذا يجب ألا ينعقد بيع الفضولي؛ لأن للمالك ملكًا باتا، فيجب أن يمنع بيع الفضولي عن الانعقاد؛ لعدم اجتماع ملك الموقوف مع البات.
стр. 4870
وَأَمَّا إِذَا أَدَّى الغَاصِبُ الضَّمَانَ يَنفُذُ إعتاقُ المُشتَرِي مِنهُ كَذَا ذَكَرَهُ هِلَالٌ ظُلُهُ وَهُوَ الأَصَح.
قلنا: البيع الموقوف غير موجود (١) في حق المالك، بل يوجد من الفضولي، والمنع إنما يكون بعد الوجود - أي: وجود التعارض - ولا تعارض هنا، بخلاف ما نحن فيه فإن الملك البات يثبت للفضولي، والملك الموقوف يظهر في حقه، فوقف التعارض بين الملكين، فيرفع البات الموقوف.
وقوله: (وأما إذا أدى (٢) الغاصب) إلى آخره، مَنْعُ لِمَا ذكره محمد بقوله، وكذا لا يصح إعتاق المشتري إذا أدى أي الغاصب الضمان، فالأصح أنه ينفذ عتق المشتري من الغاصب.
(كذا ذكره هلال ﵀ في كتاب الوقف (٣) فقال: ينفذ وقفه على طريقة الاستحسان، فالعتق أولى.
وفي الكافي: ملك المشتري يثبت مطلقًا لا ضرورة، فاحتمل العتق بعد الإجازة، بخلاف ملك الغاصب فإنه يثبت ضرورة؛ لما مر؛ لأن عند إجازة المالك ينفذ العقد، وينفذ الملك للمشتري من وقت البيع؛ لأن سبب الملك هو العقد، وكان تاما في نفسه، ولكن امتنع ثبوت الملك له لمانع، وهو حق المغصوب، فإذا ارتفع ذلك بالإجازة ثبت له الملك من وقت البيع؛ لأن الإجازة في الانتهاء كالإذن في الابتداء (٤)، فتبين أن الزوائد حدثت على ملكه، فإن لم يجز المالك البيع أخذها وأخذ جميع ذلك معها؛ لأنه بقي ملكه متقررًا [فيها] (٥)، وإنما تملك الزوائد لملك الأصل.
وذكر الإمام قاضي خان: فيكون الأَرْش (٦) له، ثم قال: وهذا بخلاف ما