← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

وَالسَّلَامُ: «لَا عِتَقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ»، وَالمَوقُوفُ لَا يُفِيدُ المِلكَ، وَلَو ثَبَتَ فِي الآخِرَةِ يَثْبُتُ مُستَنِدًا وَهُوَ ثَابِتٌ مِنْ وَجه دُونَ وَجه، وَالمُصَحِّحُ لِلإِعْتَاقِ المِلكُ الكَامِلُ لِمَا رَوَينَا، وَلِهَذَا لَا يَصِحُ أَنْ يُعتِقَ الغَاصِبُ ثُمَّ يُؤَدِّيَ الضَّمَانَ، وقت الإجازة؛ لدفع الضرر عن المالك، والضرر في النفاذ لا في ثبوت الملك على وجه لا يثبت أثره في التصرفات الضارة، فإعتاق المشتري صادف ملكًا موقوفًا، فيتوقف على الملك، وإنما لا ينفذ البيع الثاني؛ لأن المولى إذا أجاز البيع الأول ثبت الملك للمشتري الأول على البتات، وطروء الملك البات على الملك الموقوف يُبطل الموقوف، وهذا لا يوجد في الإعتاق، فينفذ إعتاق المشتري، والولاء له. (والموقوف لا يفيد الملك) أي: في الحال، بالإجماع (١). (ولو ثبت في الآخرة) أي: عند الإجازة (وهو) أي: الملك الثابت بطريق الاستناد (ثابت من وجه دون وجه) فلا يصلح شرطًا للإعتاق بالحديث؛ إذ فيه شبهة عدم الملك. قوله: (وَالْمُصَحِّحُ لِلْإِعْتَاقِ: الْمِلْكُ الْكَامِلُ). فإن قيل: يشكل على هذا إعتاق المولى المكاتب، فإنه لو أعتق عبده المكاتب يصح، والملك فيه ناقص، بدليل حرمة الوطء للمكاتبة، بخلاف المدبرة، فإن الملك فيها كامل، والرق فيها ناقص. قلنا: نعم كذلك، إلا أن الكتابة تنفسخ في ضمن الإعتاق؛ لما أن عقد الكتابة غير لازم في جانب العبد، وأنه [لما] (٢) رضي بالإعتاق بالبدل كان أَرْضَى للإعتاق بلا بدل (لما روينا) أنه ﵇ قال: «لَا عِنْقَ» الحديث. (ثم يؤدي الضمان) فإن المضمونات (٣) تملك بأداء الضمان مستندا إلى وقت الغصب.

стр. 4867

وَلَا أَنْ يُعتقَ المُشتَرِي وَالخِيَارُ لِلبَائِعِ ثُمَّ يُجِيزُ البَائِعُ ذَلِكَ، وَكَذَا لَا يَصِحُ بَيعُ المُشتَرِي مِنْ الغَاصِبِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ أَسْرَعُ نَفَاذا حَتَّى نَفَذَ مِنْ الغَاصِبِ إِذَا أَدَّى الضَّمَانَ، وَكَذَا لَا يَصِحُ إعْتَاقُ المُشتَرِي مِنْ الغَاصِبِ، إِذَا أَدَّى الغَاصِبُ الضَّمَانَ. وَلَهُمَا: أَنَّ المِلكَ ثَبَتَ مَوْقُوفًا بِتَصَرُّف مُطلَق مَوضُوعِ لِإِفَادَةِ المِلكِ، وَلَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى مَا مَرَّ فَتَوَقَّفَ الإِعْتَاقُ مُرَتَبَا عَلَيْهِ وَيَنفُذُ بِنَفَاذِهِ، فَصَارَ كَإِعْتَاقِ المُشتَرِي مِنْ الرَّاهِنِ وَكَإِعْتَاقِ الوَارِثِ عَبْدًا مِنْ التَّرِكَةِ، وَهِيَ مُسْتَعْرِقَةٌ بِالدُّيُونِ. (ولا أن يعتق المشتري) أي: لا ينفذ إعتاقه، مع أن البيع بشرط الخيار أقوى من بيع الفضولي؛ لأنه مُتَّفَق على جوازه، والفضولي مختلف مع وجود رضا المالك على ثبوت الملك، بخلاف الفضولي. (مع أنه) أي: البيع بشرط الخيار (أسرع نفاذًا) أي: أقل احتياجًا إلى الملك في النفوذ من العتق؛ لأن الغاصب إذا باع ثم أجاز المالك صح البيع، ولو أعتق ثم أجازه المالك لا يصح الإعتاق، وكذا يصح بيع المكاتب والمأذون لا عتقهما. (حتى نفذ) أي: البيع (من الغاصب) يعني إذا باع الغاصب ثم أدى الضمان ينفذ بيعه، ولو أعتق ثم أدى الضمان لا ينفذ عتقه. قوله: (مُطْلَق) بفتح اللام، واحترز به عن العيب بشرط الخيار. وقيل: بكسر اللام، والأول أصح. وقوله: (موضوع لإفادة (الملك) احتراز عن الغصب؛ فإنه ليس بموضوع الإفادة الملك (فيه) أي: في إعتاق المشتري على ما مرّ) وهو قوله: (لا ضرر فيه) للمالك مع تخيره. (عليه) أي: على الملك (١) الموقوف (وينفذ) أي: الإعتاق (بنفاذه) أي: بنفاذ المالك؛ لأنه من حقوقه والشيء إذا نفذ نفذ بحقوقه، وإذا توقف توقف بحقوقه، (وصار) أي: إعتاق المشتري من الغاصب (كإعتاق المشتري من الراهن) فإنه يتوقف نفاذه على إجازة المرتهن أو فك الرهن، والجامع بينهما لأنه إعتاق في بيع موقوف.

стр. 4868

يَصِحُّ، وَيَنفُذُ إِذَا قَضَى الدُّيُونَ بَعدَ ذَلِكَ، بِخِلَافِ إعْتَاقِ الغَاصِبِ بِنَفْسِهِ، لِأَنَّ الغَصَبَ غَيْرُ مَوضُوع لِإِفَادَةِ المِلكِ، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ فِي البَيعِ خِيَارُ البَائِعِ، لِأَنَّهُ لَيسَ بِمُطلَق، وَقِرَانُ الشَّرطِ بِهِ يَمْنَعُ انعِقَادَهُ فِي حَقِّ الحُكمِ أَصلا، (يصح) أي: موقوفًا. (بعد ذلك) أي: بعد إعتاق الوارث؛ (لأن الغصب غير موضوع لإفادة الملك)؛ لأنه عدوان محض. هذا التعليل لا يتم؛ لأنه يرد عليه أن لا ينفذ بيعه أيضًا عند إجازة المالك؛ لأنه لم يوضع لإفادة الملك، كما لا ينفذ عتقه؛ لما أن كلا من جواز البيع والعتق يحتاج إلى الملك، ولكن وجه تمام التعليل فيما ذكره في المبسوط (١). وبخلاف الغاصب إذا أعتق ثم ضمن القيمة؛ لأن المستبد له حكم الملك لا حقيقة الملك؛ ولهذا لا يستحق الزوائد المنفصلة، وحكم الملك يكفي لنفوذ البيع دون العتق، كحكم ملك المكاتب في كسبه، وهاهنا الثابت للمشتري من وقت العقد حقيقة الملك؛ ولهذا استحق الزوائد المنفصلة والمتصلة. وفي الكافي: إنما يثبت الملك في الغصب عند أداء الضمان ضرورة؛ كيلا يجتمع البدلان في حكم ملك واحدٍ، فلم يكن الغصب في الحال سبب الملك ليتوقف الملك ويتوقف العتق حكمًا له؛ بل هو بعرض أن يصير سببًا عند أداء الضمان، والإعتاق وجد قبله والثابت بالضرورة يتقدر بقدرها، فيثبت الملك في حق إعدام اجتماع البدلين في حق جواز الإعتاق. (لأنه) أي: البيع بالخيار (ليس بمطلق) أي: غير تام؛ فإن الشرط يمنع انعقاده في حق الحكم أصلا، فكان الملك معدومًا مع وجود الخيار المانع له، فلم يصادف إعتاق المشتري محلا مملوكًا له، فيلغو، وهاهنا البيع مطلق والأصل في الأسباب المطلقة العمل في حق الحكم بلا تراخ، والتراخي إنما يثبت لضرورة دفع الضرر ولا ضرر في توقف الملك والإعتاق، فوجب القول بإظهار السبب في حقه، ونعني بتوقف الملك أنه موجود في حق الأحكام التي لا يتضرر المالك بها. كذا في الكافي.

стр. 4869

وَبِخِلَافِ بَيعِ المُشتَرِي مِنْ الغَاصِبِ إِذَا بَاعَ، لِأَنَّ بِالإِجَازَةِ يَثْبُتُ لِلبَائِعِ مِلكُ بَاتٌ، فَإِذَا طَرَأَ عَلَى مِلك مَوقُوف لِغَيْرِهِ أَبطَلَهُ، (بخلاف المشتري إذا باع) حيث لا يتوقف الملك ببيعه؛ بل يبطل حالا [بثبوته] للبائع، وهو المشتري من الغاصب. (فإذا طرأ) أي: الملك البات (لغيره) أي: [الغير] (١) المشتري من الغاصب، وهو المشتري من المشتري [من] (٢) الغاصب. (أبطله) أي: الملك الموقوف لغيره؛ لأنه لا يُتصور اجتماع البات مع الموقوف في محلّ واحدٍ، والبيع في محل واحد، والبيع بعدما بطل لا تلحقه الإجازة، وكذا لو وهبه الغاصب، أو تصدّق به عليه، أو مات فورثه - فهذا كله مبطل للملك الموقوف؛ لطروء الملك البات. كذا في المبسوط (٣). ولأن فائدة التوقف النفاذ، ففي كل صورة لا يتحقق النفاذ لا يتوقف، كبيع الحر، وهاهنا كما وجدت الإجازة يثبت الملك البات للمشتري الأول، فيبطل الملك الموقوف للمشتري الثاني، ولا جائز أن يثبت الملك البات؛ لاستحالته؛ لأن الشيء الواحد لا يكون ملكًا لاثنين في زمان واحد. فإن قيل: يشكل على هذا الأصل ما إذا باع الغاصب ثم أدى الضمان - ينقلب بيع الغاصب جائزا، وإن طرأ الملك الذي يثبت للغاصب بأداء الضمان على ملك المشتري الذي اشتراه منه وهو موقوف. قلنا: إن ثبوت الملك [للغاصب] (٤) ملك ضروري يثبت له ضرورة وجوبِ الضمان، فلم يظهر في حق إبطال المشتري. فإن قيل: لو كان الملك البات يُبطل الملك الموقوف فأولى أن يمنعه؛ لأن المنع أسهل من الرفع (٥)، فعلى هذا يجب ألا ينعقد بيع الفضولي؛ لأن للمالك ملكًا باتا، فيجب أن يمنع بيع الفضولي عن الانعقاد؛ لعدم اجتماع ملك الموقوف مع البات.

стр. 4870

وَأَمَّا إِذَا أَدَّى الغَاصِبُ الضَّمَانَ يَنفُذُ إعتاقُ المُشتَرِي مِنهُ كَذَا ذَكَرَهُ هِلَالٌ ظُلُهُ وَهُوَ الأَصَح. قلنا: البيع الموقوف غير موجود (١) في حق المالك، بل يوجد من الفضولي، والمنع إنما يكون بعد الوجود - أي: وجود التعارض - ولا تعارض هنا، بخلاف ما نحن فيه فإن الملك البات يثبت للفضولي، والملك الموقوف يظهر في حقه، فوقف التعارض بين الملكين، فيرفع البات الموقوف. وقوله: (وأما إذا أدى (٢) الغاصب) إلى آخره، مَنْعُ لِمَا ذكره محمد بقوله، وكذا لا يصح إعتاق المشتري إذا أدى أي الغاصب الضمان، فالأصح أنه ينفذ عتق المشتري من الغاصب. (كذا ذكره هلال ﵀ في كتاب الوقف (٣) فقال: ينفذ وقفه على طريقة الاستحسان، فالعتق أولى. وفي الكافي: ملك المشتري يثبت مطلقًا لا ضرورة، فاحتمل العتق بعد الإجازة، بخلاف ملك الغاصب فإنه يثبت ضرورة؛ لما مر؛ لأن عند إجازة المالك ينفذ العقد، وينفذ الملك للمشتري من وقت البيع؛ لأن سبب الملك هو العقد، وكان تاما في نفسه، ولكن امتنع ثبوت الملك له لمانع، وهو حق المغصوب، فإذا ارتفع ذلك بالإجازة ثبت له الملك من وقت البيع؛ لأن الإجازة في الانتهاء كالإذن في الابتداء (٤)، فتبين أن الزوائد حدثت على ملكه، فإن لم يجز المالك البيع أخذها وأخذ جميع ذلك معها؛ لأنه بقي ملكه متقررًا [فيها] (٥)، وإنما تملك الزوائد لملك الأصل. وذكر الإمام قاضي خان: فيكون الأَرْش (٦) له، ثم قال: وهذا بخلاف ما

стр. 4871

قَالَ: (فَإِنْ قُطِعَت يَدُ العَبدِ فَأَخَذَ أَرشَهَا ثُمَّ أَجَازَ المَولَى البَيعَ، فَالأَرسُ لِلمُشتَرِي) لِأَنَّ المِلكَ قَدْ تَمَّ لَهُ مِنْ وَقتِ الشِّرَاءِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ القَطعَ حَصَلَ عَلَى مِلْكِهِ وَهَذِهِ حُجَّةٌ عَلَى مُحَمَّد، وَالعُدْرُ لَهُ أَنَّ المِلكَ مِنْ وَجه يكفي لاستحقاقِ الأَرش، كَالمُكَاتَبِ إِذَا قُطِعَت يَدُهُ وَأَخَذَ الأَرشَ ثُمَّ رُدَّ فِي الرِّقٌ يَكُونُ الأَرسُ لِلمَولَى، فَكَذَا إذا غصب من الآخر عبدًا وقُطِعَت يده، وأدَّى الغاصب ضمانه (١)، حيث لا يكون الأرْش للغاصب، وإن مَلَك المضمون عند أداء الضمان من وقت الغصب؛ لأن الغصب لم يُوضَع سببًا للملك، وإنما يثبت الملك مستندًا لمكان الضرورة على ما عُرِف، والاستناد لا يظهر في المنفصل، أما البيع سبب موضوع للملك، فيعمل في المتصل والمنفصل. فإن قيل: يشكل هذا بالفضولي إذا قال لمنكوحة الغير: أَمْرُكِ بيدك، فطلقت نفسها، ثم بلغ الخبر الزوج، فأجاز - صح التفويض دون التطليق، وإن ثبتت المالكية لها من حين التفويض حكمًا للإجازة. قلنا: الفرق أن كل تصرّف توقف حكمه على شيء - فالأصل أن يجعل ذلك التصرف مُعلَّقًا بالشرط؛ لأنّ في جعله سببًا من وقت وجوده تَخَلَّفَ الحكم عن السبب، والأصلُ عَدَمُه، إلا أن التصرّف الذي لا يحتمل التعليق بالشرط - كالبيع ونحوه - تعذَّر جعله مُعلَّقًا؛ لما فيه معنى القمار، فجُعِل سببًا من وقت وجوده متأخرًا عنه حكمه، والتفويض يحتمل التعليق، فجعلنا الوجود من الفضولي معلقا بالإجازة، فعند الإجازة يصير كأنه وجد التفويض الآن، فلا يثبت حكمه إلا من وقت الإجازة. كذا في الفوائد الظهيرية. (وهذه) أي: هذه المسألة، وفي بعض النسخ (وهو) أي: قوله: (فَتَبَيَّنَ أَنَّ القطع) إلى آخره، والأول أصح. وجه كونها حجةً: أن الملك الثابت عنده بطريق الاستناد لا يكفي لنفوذ العتق، ويكفي لاستحقاق الأرْش، وعندهما يكفي لهما (والعذر له) أي:

стр. 4872

إِذَا قُطِعَت يَدُ المُشتَرَى فِي يَدِ المُشتَرِي، وَالخِيَارُ لِلبَائِعِ، ثُمَّ أُجِيزَ البَيعُ فَالأَرسُ لِلمُشتَرِي بِخِلَافِ الإِعْتَاقِ عَلَى مَا مَرَّ. (وَيَتَصَدَّقُ بِمَا زَادَ عَلَى نِصفِ الثَّمَنِ) لِأَنَّهُ لَم يَدخُل فِي ضَمَانِهِ أَوْ فِيهِ شُبَهَةُ عَدَمِ المِلكِ. قَالَ: (فَإِنْ بَاعَهُ المُشتَرِي مِنْ آخَرَ ثُمَّ أَجَازَ المَولَى البَيعَ الأَوَّلَ لَم يَجُز البَيعُ الثَّانِي) لِمَا ذَكَرنَا، وَلِأَنَّ فِيهِ غَرَرَ الاِنفِسَاخِ عَلَى اعْتِبَارِ عَدَمِ الإِجَازَةِ فِي البَيعِ لمحمد، يعني الجواب عن هذه المسألة (على ما مر) وهو أن المُصحِّحَ للإعتاق: الملك الكامل. (على نصف الثمن) قيَّد به؛ لأن اليد من الآدمي نصفه، فوقع نصف الثمن بمقابلة يد واحدة (لأنه) أي: ما زاد على نصف الثمن. (لم يدخل في ضمانه) لما ذكرنا أن اليد من الآدمي نصفه، والذي دخل في ضمانه هو ما كان في مقابلة الثمن، فما زاد على نصف الثمن يكون ربح ما لم يضمن. (أو فيه شبهة عدم الملك) لأن الملك يثبت يوم القطع مستندا إلى وقت البيع، وهو ثابت من وجه دون وجه، فيكون فيه شبهة عدم الملك (١) فلا يطيب الربح الحاصل به. وفي الكافي: إن لم يكن المبيع مقبوضًا، وأَخَذَ الأَرْشَ - تكون الزوائد على نصف الثمن ربح ما لم يضمن؛ لأن العبد قبل القبض لم يدخل في ضمانه، ولو كان بعد الأرش قبل القبض - ففيه شبهة عدم الملك؛ لأنه غير موجود حقيقةً وقت القطع، وإنما يثبت الملك فيه بطريق الاستناد، فكان ثابتا من وجه دون وجه. قوله: (وإن باعه المشتري) [أي: المشتري] (٢) من الغاصب (من آخر). (لما ذكرنا) وهو قوله: (لأنَّ بالإجازة يثبت للبائع ملك بات). قوله: (ولأن فيه غرر الانفساخ).

стр. 4873

الأَوَّلِ، وَالبَيعُ يَفْسُدُ بِهِ، بِخِلَافِ الإِعْتَاقِ عِندَهُمَا، لِأَنَّهُ لَا يُؤَكِّرُ فِيهِ الغَرَرُ. قَالَ: (فَإِنْ لَم يَبِعهُ المُشتَرِي فَمَاتَ فِي يَدِهِ أَوْ قُتِلَ ثُمَّ أَجَازَ البَيعَ لَم يَجُز) لِمَا ذَكَرنَا. أَنَّ الإِجَازَةَ مِنْ شُرُوطِهَا قِيَامُ المَعقُودِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَاتَ بِالمَوتِ وَكَذَا بِالقَتلِ، إذ لَا يُمْكِنُ إِيجَابُ البَدَلِ، لِلمُشتَرِي بِالقَتْلِ حَتَّى يُعَدَّ بَاقِيَا بِبَقَاءِ البَدَلِ، لِأَنَّهُ لَا مِلكُ فإن قيل: هذا التعليل شامل لبيع الغاصب وبيع الفضولي؛ لأن فيهما غرر الانفساخ على اعتبار عدم الإجازة، ومع ذلك ينعقد موقوفا. قلنا: ينعقد بيع الفضولي؛ لما ذكرنا من الدليل: أنه لا ضرر فيه للمالك مع تَخَيَّره؛ بل فيه نَفْع إلى آخره، فرجحنا جانب النفع على جانب غرر الانفساخ، فقلنا بانعقاده موقوفا، ومثل هذا النفع لا يوجد في البيع الثاني؛ لأنه لم يملكه المشتري الأول حتى يطلب مشتريًا آخر، فيجوز (١) البيع الثاني عُرْضَةً للانفساخ، فلم ينعقد، وذلك لو اعتبرنا نفس غرر الانفساخ بلا نفع يلزم ألا يصح بيع أصلا، خصوصًا في المنقولات (٢)؛ لأنه يمكن أن ينفسخ البيع بعد انعقاده بهلاك المبيع قبل القبض، وذلك متروك إجماعا (٣)، فيجب أن يُعتبر غرر الانفساخ الذي [لم] (٤) يَشُبْه نفع، وذلك في البيع الثاني؛ فلذلك اعتبر فيه دون غيره. (عندهما) أي: عند أبي حنيفة وأبي يوسف (لأنه) أي: الإعتاق (لا يؤثر فيه الغرر) بدليل أن المشتري لو أعتق المبيع قبل القبض يجوز، ولو باعه لا يجوز، وقد رُوي عن أبي حنيفة أنه يتوقف المبيع كما يتوقف الإعتاق. قوله: (فَإِنْ لَمْ يَبِعْهُ الْمُشْتَرِي) أي: المشتري من الغاصب (ثم أجاز)؛ أي: المالك (البيع) أي بيع الغاصب (لم يجز) أي: بالاتفاق. (وكذا بالقتل) لما فات أيضًا به.

стр. 4874

لِلمُشتَرِي عِنْدَ القَتلِ مِلكًا يُقَابَلُ بِالبَدَلِ فَتَحَقَّقَ الفَوَاتُ، بِخِلَافِ البَيعِ الصَّحِيحِ، لِأَنَّ مِلكَ المُشتَرِي ثَابِتٌ فَأَمْكَنَ إِيجَابُ البَدَلِ لَهُ فَيَكُونُ المَبِيعُ قَائِمًا بِقِيَامِ خَلَفِهِ. قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ عَبدَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَأَقَامَ المُشتَرِي البَيِّنَةَ عَلَى إِقْرَارِ البَائِعِ، أَوْ رَبِّ العَبْدِ أَنَّهُ لَم يَأمُرُهُ بِالبَيعِ، وَأَرَادَ رَدَّ المَبِيعِ، لَم تُقبَل بَيِّنَتُهُ) لِلتَّنَاقُضِ فِي (ملكا يقابل بالبدل) لأن ملكه ملك موقوف، وذلك لا يصلح أن يكون مقابلا بالبدل (بخلاف البيع الصحيح) يعني: إذا باع بيعًا صحيحًا فقتل المبيع قبل القبض - لا ينفسخ العقد؛ لأن البدل - وهو القيمة - يقوم مقام عينه، ولكن يُخيّر المشتري. قوله: (للتناقض) وذكر في الفوائد الظهيرية شُبهة في هذا، وهي ما ذكر في الكتاب، فقال: فإن قيل: يشكل هذا بما ذكر محمد في الزيادات، وهو: رجل اشترى جارية بألف درهم وقبضها ونقد الثمن، ثم أقام بينة على إقرار البائع أن الجارية لفلان وفلان يَدَّعيها - قُبِلَتْ بَيِّنتُه وإن كان متناقضا، ولا فرق بينهما سوى أن البائع هناك أصيل، وهنا وكيل. قلنا: في مسألة الكتاب قال بعض مشايخنا: ما ذكر محمد هنا محمول على أن المشتري أقام البينة على إقرار البائع قبل البيع، أما إذا أقامها على إقراره بعد البيع أنّ ربّ العبد لم يأمره بالبيع - فتقبل بينتُه؛ لأن إقدام المشتري على الشراء يناقض دعواه إقراره بعدم الأمر بعد البيع، قال: ومسألة الزيادات يجب أن تكون محمولة على هذا أيضًا، فحينئذ تقع الغُنْيَةُ عن التفرقة بين المسألتين. قال شيخي صاحب النهاية: ولم يتضح لي فيه شيء غير هذا بعد أن تأملتُ فيه برهة من الدهر. وفي الخبازية وزيادات قاضي خان: والفقه في هاتين المسألتين أن المشتري إذا أقر أن العبد للمُستحِق (١)، ثم أقام البيّنة على إقرار البائع أن العبد للمستحق - تُقبل بينته؛ لأنه غير متناقض من كل وجه؛ لأنه لا ينكر أصل العقد، ولا ملك اليمين للبائع، فإن بيع مال الغير منعقد، وبدل المستحق مملوك، وإنما ينكر وصف العقد، وهو الصحة واللزوم، وبعد الإقرار باللزوم من حيث الظاهر

стр. 4875

الدعوى، إذ الإِقْدَامُ عَلَى الشِّرَاءِ إِقْرَارُ مِنْهُ بِصِحَتِهِ، وَالبَيِّنَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى صِحَّةِ الدَّعْوَى (وَإِنْ أَقَرَّ البَائِعُ بِذَلِكَ عِنْدَ القَاضِي بَطَلَ البَيعُ إِنْ طَلَبَ المُشتَرِي ذَلِكَ)، لِأَنَّ التَّنَاقُضَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الإِقْرَارِ، وَلِلمُشتَرِي أَنْ يُسَاعِدَهُ عَلَى ذَلِكَ فَيَتَحَقَّقُ الاتِّفَاقُ بَيْنَهُمَا، فَلِهَذَا شَرَطَ طَلَبَ المُشتَرِي. قَالَ: وَذَكَرَ فِي الزِّيَادَاتِ: أَنَّ المُشتَرِيَ إِذَا صَدَّقَ مُدَّعِيَهُ ثُمَّ أَقَامَ البَيِّنَةَ عَلَى إِقْرَارِ البَائِعِ أَنَّهُ لِلمُستَحِقِّ تُقبَلُ يكون متناقضا، فكان متناقضًا من وجه دون وجه، فجعلناه متناقضا في المسألة الأولى، وهي مسألة الكتاب، أي: الجامع الصغير؛ لأنه لا يفيد الدعوى، وهي فائدة الرجوع بالثمن بناءً على عدم سلامة المبيع للمشتري، ولم يَسْلَمْ في مسألة الزيادات؛ لأن المبيع في يد المُستحق، ولا تفيد الدعوى فائدة الرجوع في مسألة الكتاب؛ لأن المبيع سَلِمَ للمشتري؛ لأنه في يده، وإنما جعلناه كذلك عملا بالشبهين. قوله: (إقرار منه بصحته) لأن المقصود من البيع [إثبات الملك] (١)؛ لأن الأصل ترتب الأثر على المؤثر، وإقدامه على البيع إقرار منه على ترتب الأثر على المؤثر، فيكون هذا إقرارًا بلزوم هذا العقد، ثم دعوى البيع بغير الأمر دعوى من المشتري أنه لم يقع لازمًا، فيكون متناقضا من حيث الظاهر. (بذلك) أي: بعدم أمر رب العبد. قوله: (عند القاضي) أو عند غير القاضي إلا أن البينة تختص بمجلس القاضي؛ فلهذا ذكر مجلس القاضي. (إن طلب المشتري ذلك) أي: إبطال البيع (لا يمنع صحة الإقرار)؛ لأنه غير مُتهم فيه؛ فإن من أنكر شيئًا ثم أقرّ يصح إقراره، بخلاف الدعوى؛ لأنه متهم فيه. (أن يساعده) أي: يوافق البائع على إقراره. (إِذا صَدَّقَ مُدَّعِيَهُ) يعني إذا اشترى عبدًا، واستحقه مستحق، فصدقه المشتري وأعطاه إياه، ثم أراد الرجوع بالثمن على البائع، فأنكر البائع

стр. 4876

وَفَرَّقُوا: أَنَّ العَبدَ فِي هَذِهِ المَسأَلَةِ: فِي يَدِ المُشتَرِي. وَفِي تِلكَ المَسأَلَةِ: فِي يَدِ غَيْرِهِ وَهُوَ المُستَحَقُّ، وَشَرطُ الرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ أَنْ لَا يَكُونُ العَينُ سَالِمًا لِلمُشتَرِي. قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ دَارًا لِرَجُل وَأَدخَلَهَا المُشتَرِي فِي بِنَائِهِ لَم يَضمَنِ البَائِعُ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَهُوَ قَولُ أَبِي يُوسُفَ ﵀ آخِرًا، وَكَانَ يَقُولُ أَوَّلًا: يَضمَنُ البَائِعُ، وَهُوَ قَولُ مُحَمَّد ﵀، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ غَصبِ العَقَارِ، وَسَنُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. الاستحقاق، فأقام المشتري البينة على البائع أنه أقرّ أن العبد للمستحق هذا - تقبل بينته، وإن كان إقرار دعوى البائع منه تناقضا؛ إذ هو بالإقدام على الشراء أقر بأنه ملك البائع والتناقض لم يمنع صحة الدعوى هاهنا. (وَفَرَّقُوا) أي: المشايخ (أن العبد في هذه المسألة) أي مسألة الجامع الصغير (في يد المشتري) فيكون المبيع سالما له، فلا يثبت له حق الرجوع بالثمن مع سلامة المبيع؛ إذ شرط الرجوع به عدم السلامة. (وفي تلك) أي: في مسألة الزيادات (في يد غيره) أي: غير المشتري (وهو المستحق) فلا يكون المبيع سالمًا للمشتري، فيثبت له حق الرجوع؛ لأنه وجد وشرطه وحقيقته أي الفرق (١)، والفقه ما ذكرناه، ونقلناه من زيادات قاضي خان، والفوائد الخبازية، ولمسألة الزيادات تفريعات ذكرها في الزيادات فَلْتُطلَبْ ثَمَّةَ. قوله: (ومن باع دارًا لرجل) أي: عَرْصَةَ غيره بغير أمره، وفي جامع فخر الإسلام: ومعنى المسألة إذا باعها، ثم اعترف بالغصب، وكذبه المشتري. وقوله: (وأدخلها المشتري في بنائه) يعني: قبضها، وإنما قيد بقوله: (وأدخلها في بنائه) لأن المسألة هكذا وقعت (لم يضمن البائع) أي: قيمة الدار إن أقر أنه غصب منه.

стр. 4877

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مسائل تتعلق بهذا الفصل عقدان موقوفان أجيزا وتوافقا، كالبيعين - ثَبَتَا، ولو تنافيا - ثبت أقواهما، كالبيع والنكاح، وإلا بطلا، كالنكاحين. ولو اجتمع بيعان في عقدين فضوليين، وأجيزا معًا - أخذ كل واحد النصف أو ترك؛ لأن كل واحد شرع في العقد على أنه كله له، فإذا تنصف يُخيَّر. والبيع أحق من النكاح والإجارة والرهن، حتى لو باعه فضولي، والآخر رَهَنَه أو أجَرَه أو زَوَّجه، فأجازهما المولى معًا - جاز البيع، وبطل غيره؛ لأن البيع أقوى؛ لأنه يفيد ملك الرقبة، ولا كذلك غيره. والعتق والكتابة والتدبير أحق من غيرها؛ لأنها لازمة، بخلاف غيرها. والهبة والإجارة أحق من الرهن؛ لأن الهبة تفيد ملك الرقبة، والإجارة ملك المنفعة، ولا كذلك الرهن والهبة أحق من الإجارة. والبيع أحق من الهبة في الدار؛ لأن الهبة تبطل بالشيوع، وبقي البيع بلا مزاحم، وفي العبد استويا؛ لأن الهبة مع القبض تُساوي البيع في إفادة الملك، وكل واحد يأخذ بالنصف؛ لأن هبة (١) المشاع - فيما لا يقسم - صحيحة. وفي المحيط: تبايع غاصبان عَرَضَين لرجل واحد، فأجاز المالك - لم يَجُز؛ لأن فائدة البيع ثبوت ملك الرقبة والتصرف، وهما حاصلان للمالك في البدلين بدون هذا العقد، فلم ينعقد هذا العقد، فلا تلحقه الإجازة. ولو غَصَبا من رجلين، وتبايعا، وأجاز المالك - جاز. ولو غصبا النقدين من واحد، وعقدا الصرف، وتقابضا، ثم أجاز - جاز؛ لأن النقود لا تَتَعَيَّنُ في المعاوضات، وعلى كل واحد من الغاصبين مثل ما غصب. وبيع المرهون والمُستأجر فاسدٌ، وعامة المشايخ أنه موقوف، وهو الصحيح.

стр. 4878

بَابُ السَّلَمِ ولو وصل الرهن إلى الراهن بالقضاء أو الإبراء، والمُستأجر إلى المؤجر، بمضي المدة أو الفسخ - تم البيع، وإن لم يجيزا. وللمشتري الخيار إذا لم يعلم - وقت الشراء - الرّهن والإجارة، وكذا إن علم عند محمد، وعند أبي يوسف: ليس له نقض البيع مع العلم. وقيل: ظاهر الرواية قول محمد، وقيل: قول أبي يوسف. وليس للمُستأجر من فسخ البيع بلا خلاف، وفي المرتهن اختلاف المشايخ، وليس للراهن والمؤجر حق الفسخ. وفي جمع النوازل: بيع المغصوب موقوف إن أقر به الغاصب، أو كان للمغصوب منه بينة عادلة، فلو أجاز تم البيع وإلا فلا. ولو هلك قبل التسليم انتقض البيع، وقيل: لا؛ لأنه خَلَفَ بدلًا والأول أصح. وروى ابن سماعة عن أبي يوسف وبشر عن محمد أن شراء المغصوب من غاصب جاحدٍ يجوز، ويقوم المشتري مقام المالك في الدعوى، وعن أبي حنيفة ﵁ روايتان. بَابُ السَّلَمِ لما ذكر أنواع البيوع التي لا تشترط في المجلس قَبْضَ العوضين أو أحدهما، بقي منهما النوعان: أحدهما: أنه يشترط في المجلس قبض أحد العوضين، وهو السَّلَم. والثاني: ما يشترط فيه قبض العوضين جميعًا، وهو الصرف فشرع في بيانهما. ثم قدم السلم على الصرف؛ لما أن الترقي من الأقل إلى الأكثر، أو لأن الواحد قبل، أو نقول: ما مرَّ عزيمةٌ، والسَّلَمُ رخصةٌ، فقدم العزيمة، أو نقول: لما ذكر بيع العين بالدين، وبيع العين بالعين (١)، شرع في بيان بيع الدين بالعين،

стр. 4879

السَّلَمُ: عَقدٌ مَشرُوعُ بِالكِتَابِ: وَهُوَ آيَةُ المُدَايَنَةِ، فَقَد قَالَ ابْنُ عَبَّاس ا: أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَلَّ السَّلَفَ المَضمُونَ وَأَنْزَلَ فِيهَا أَطْوَلَ آيَةٍ فِي كِتَابِهِ، وَتَلَا قوله تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآية. وهو السَّلَم؛ لأن رأس المال قد يكون عينًا، ولأنه لما شرط قبضه في المجلس صار بمنزلة العين، وبين الصرف بعده؛ لأنه بيع الدين بالدين. والسَّلَمُ لغةً: بمعنى السلف، وهو نوع من البيوع يُعجل فيه الثمن؛ ولهذا قيل: إنه أَخْذُ عاجل بأجل شرعًا ولغةً، واختص هذا النوع بهذا الاسم بحكم يدل الاسم عليه، وهو تعجيل أحد البدلين. والهمزة فيه للسلب، أي: أزال سلامة الدراهم بالتسليم إلى مفلس مؤجل، أو هو من التسليم؛ لأن تسليم رأس المال فيه واجب. وفي الإيضاح: السَّلَم لغةً: عبارة عن الاستعجال، والسلم والسلف بمعنى واحد، وخُصَّ هذا النوع بهذا الاسم؛ لأن شرعيته كان لمعنى يخص رأس المال، وهو استعجاله وتحصيله قبل وجود المبيع؛ لمكان الحاجة إليه. وقيل: سُمِّي به لكونه معجلًا على وقته، فإن أوان البيع بعد وجود المعقود عليه في ملك العاقد والسلم إنما يكون عادة فيما ليس بموجود في ملكه، فيكون معجلا على وقته. كذا في الكافي. والقياس يأبى جواز السلم؛ لأنه بيع معدوم؛ إذ السلم فيه هو البيع، لكنه جوز بالنص، (وهو آية المداينة). (أَحَلَّ السَّلَف المَضمُون) أي: المؤجل؛ ولهذا جاء في رواية أخرى: «أنه تعالى أَحَلَّ السلف المُؤجَّل»، وقيل: أي السلم الواجب في الذمة، وقوله: (المضمون) صفة للسَّلَف مُقرّرة لا مُميّزة، كما في قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤]، وقيل: مُميّزة؛ لأن السَّلَف يُطلَق أيضًا على معنى آخر، يقال: سَلَفُ الرجل: آباؤه الأقدمون. ومعنى قوله تعالى: ﴿تَدَايَنْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] تعاقدتم وتعاملتم.

стр. 4880

وَبِالسُّنَّةِ: وَهُوَ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ بَيعِ مَا لَيسَ عِنْدَ الإِنسَانِ وَرَخَّصَ فِي السَّلَمِ» وَالقِيَاسُ وَإِنْ كَانَ يَأْبَاهُ، وَلَكِنَّا تَرَكَنَاهُ بِمَا رَوَيْنَاهُ. وَوَجهُ القِيَاسِ: أَنَّهُ بَيعُ المَعْدُومِ إِذِ المَبِيعُ هُوَ المُسلَمُ فِيهِ. (نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان)، هذا نقل الحديث بالمعنى، ولفظ الحديث: «لا تبع ما ليس عندك» (١)، ثم الصحابة ﵃ رَوَوْهُ بهذا اللفظ، والمراد بما ليس عندك: ما ليس في ملكه؛ فإنه لو كان في ملكه يجوز وإن لم يكن حاضرًا، إذا كان المشتري رآه قبل ذلك. وفي المبسوط (٢): وعن ابن عباس أنه ﵁ دخل المدينة، فوجد أهلها يُسلفون في الثمار السنةَ والسنتين، فقال: «مَنْ أَسْلَمَ مِنْكُمْ فَلْيُسْلِمْ» الحديث (٣). وانعقد الإجماع (٤) على جوازه باعتبار الحاجة والضرورة؛ فإنه يحتاج إليه الفقير والغني؛ لأنه ربما لا يكون عنده عين مال يبيعها وينفق على نفسه، فيحتاج إلى أخذ السَّلَم، والغني يحتاج إلى أن ينفق على نفسه وعياله، فيحتاج إلى الاسترباح، والاسترباح يحصل بهذا الطريق أكثر مما يحصل بشراء الأعيان؛ لأن الأعيان تُشترى بمثل، والدين بالأقل منه، فيجوز باعتبار الحاجة. ويصح السلم بلفظ البيع بأن يقول: اشتريتُ منك كُرَّ بُرّ صفتُهُ (٥) كذا، بكذا إلى كذا، على أن تُوَفِّيه في مكان كذا، وبه قال الشافعي في الأصح (٦). وقال زفر: [لا يصح] (٧)، و به قال الشافعي في وجه، أي: لا ينعقد به (٨)،

стр. 4881

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهو قول عيسى بن أبان؛ لأن الأصل أن بيع المعدوم باطل؛ لأن شرعية البيع لحاجة الناس، ولا حاجة في المعدوم، وهو القياس، وإنما جُوِّز ورُخّص في السَّلَم، فينفذ جوازه بهذا اللفظ عملا بالأصل. وقلنا: إن كل واحد من البيع والسَّلَم تمليك مال بمال، والبيع اسم جنسه فأصيب به، كما يصاب زيد باسم جنسه ونوعه. ثم شرائط جواز السلم سبعةَ عَشَرَ: ستةٌ في رأس المال، وأحدَ عَشَرَ في المسلم فيه. أما الستة: فأحدها: بيان جنسه: أنه دراهم أو دنانير، أو من المكيل. والثاني: بيان نوعه: أنه دراهم غطريفيّة أو عدليّة، أو دنانير محمودية أو هرويّة، وهذا إذا كان في نقود مختلفة، وإلا فذكر الجنس كاف. والثالث: بيان الصفة: أنه جيد أو وسط أو رديء. والرابع: إعلام قدر رأس المال. والخامس: كون الدراهم منتقدة عند أبي حنيفة، مع إعلام القدر. والسادس: تعجيل رأس المال، وقبضه قبل افتراقهما. وأما أحد عشر: أحدها: بيان جنس المسلم فيه. والثاني: بيان نوعه: بأن يقول: حنطة سَقِيَّة أو بَخْسِيَّة، أو جَبَلِيَّة أو سَهْلِية. والثالث: بيان الصفة. والرابع: إعلام قدره بكيل معروف عند الناس. والخامس: [ألا يشمل البدلين أحدُ وَصْفَي الرِّبا؛ لأنه يتضمن ربا النساء. والسادس] (١): أن يكون المُسْلَم فيه مما يتعين بالتعيين، حتى لا يجوز في الدراهم والدنانير، وأما التبر فهل يجوز السلم فيه؟ فعلى رواية الصرف: [لا يجوز؛ لأنه ألحقه بالمصروف، وعلى رواية الشركة: يجوز] (٢) لأنه ألحقه بالعروض.

стр. 4882

قَالَ: (وَهُوَ جَائِزٌ فِي المَكِيلَاتِ وَالمَوزُونَاتِ) لِقَولِهِ ﵊: «مَنْ أَسْلَمَ مِنْكُمْ فَلْيُسلِم فِي كَيل مَعلُوم وَوَزن مَعلُوم إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» وَالمُرَادُ بِالمَوزُونَاتِ غَيْرُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لِأَنَّهُمَا أَثمَانُ، وَالمُسلَمُ فِيهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُثَمَّنًا فَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِمَا، والسابع: الأجل فيه. والثامن: وجوده من حين العقد إلى حين المحل. والتاسع: أن يكون العقد ثابتا تاما لا خيار فيه. والعاشر: بيان مكان الإيفاء (١) فيما له حمل ومؤنة. والحادي عشر: أن يكون العقد مما يضبط الوصف، وهو أن يكون من الأجناس الأربعة: المكيل والموزون والمذروع والمعدود المتقارب. كذا في التحفة وغيرها (٢). قوله: (لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُثَمَّنًا) لأن السلم شرع بطريق الرخصة؛ بقوله ﵇: «نَهَى عَنْ بَيعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الإِنْسَانِ، وَرَخَّصَ فِي السَّلَم (٣)»، والرخصة استباحة المحظور مع قيام الحاظر، واستباحة الشيء مع قيام الحاظر بخلاف القياس، فكأن السَّلَم جُوِّز على خلاف القياس، وهو إذا كان المسلم فيه مبيعًا، ولو كان ثمنًا كان جوازه مع موافقة القياس؛ لأن بيع الثمن - والثمن ليس في ملكه - جائز قياسًا واستحسانًا، فلا يتحقق معنى الرخصة. (فيهما) أي: في الدراهم أو الدنانير. وصورته أن يسلم عشرة أذرع من الكرباس (٤) أو غيره من المكيل والموزون في عشرة دراهم أو في دينار، أما لو أسلم عشرة دراهم في عشرة دنانير لا يجوز بالإجماع (٥)؛ لأنه ربا.

стр. 4883

ثُمَّ قِيلَ: يَكُونُ بَاطِلًا، وَقِيلَ: يَنعَقِدُ بَيعًا بِثَمَن مُؤَجَّل (*) تَحْصِيلًا لِمَقْصُودِ المُتَعَاقِدِينَ بِحَسَبِ الإِمْكَانِ، وَالعِبرَةُ فِي العُقُودِ لِلمَعَانِي وَالأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّ التَّصَحِيحَ إِنَّمَا يَجِبُ فِي مَحِلُّ أَوجَبَا العَقدَ فِيهِ وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ. قوله: (ثُمَّ قِيلَ يَكُونُ بَاطِلًا) إلى آخره، وهذا الاختلاف فيما إذا أسلم الحنطة أو غيرها من العروض. وفي المبسوط: لو أسلم الحنطة في الذهب أو الفضة لا يجوز عندنا (١)، وعند الشافعي في القديم يجوز (٢)، وبه قال مالك بناء على أن النقد يصلح أن يكون مبيعًا عنده، ولكن ذكر في كتبهم أنه يصح مطلقا، ويذكر ستة أوصاف: النوع واللون والجودة، وأنه حديث أو عتيق وصغار أو كبار، وعندنا لا يصلح، والمسلم فيه مبيع، فإذا لم يكن هذا سلما قال عيسى بن أبان: يكون عقدًا باطلا، وقال أبو بكر بن الأعمش: إنه بيع الحنطة بدراهم مؤجلة، فيكون صحيحًا إذ حَمْل كلامهما على الصحة مهما أمكن واجب. وما ذكر عيسى أصح؛ لأن المعقود عليه في السلم المسلم فيه، وإنما يُشتغل بتصحيح العقد في المحل الذي أوجب المتعاقدان العقد، وهو الدراهم أو الدنانير، وذلك غير ممكن؛ لما ذكرنا أنه لا بد أن يكون المسلم فيه مثمنًا، ولا وجه لتصحيحه في محل آخر؛ لأنهما لم يوجبا العقد فيه (٣). وكذا في المذروعات؛ لإمكان ضبط صفتها، ولا خلاف للأئمة الأربعة في جواز السلم فيما يمكن ضبط صفته (٤). فإن قيل: ينبغي ألا يجوز السَّلَم في المذروعات؛ لأن السلم ثبت بالنص بخلاف القياس كما بينا، والنص ورد في الكيلي والوزني، قال ﵇: «مَنْ أَسْلَمَ مِنْكُمْ فَلْيُسْلِمْ» الحديث (٥).

стр. 4884

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قلنا: تلحق المذروعات بهما بدلالة النص؛ لما أن قوله ﵇: «فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنِ مَعْلُومٍ» (١) يقتضي الجواز فيهما باعتبار التسوية في التسليم على ما وصف في المسلم فيه، والتسوية تتحقق، فيجوز إلحاقه بهما بطريق الدلالة. فإن قيل: إنما يجوز العمل بالدلالة إذا لم تعارضه عبارة النص، وهاهنا عبارة قوله ﵇: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» (٢) نافية لإلحاقه بهما؛ لأن تلك العبارة لما خصت بالكيلي والوزني بالحديث - انحصر الجواز فيهما، وبقي ما وراءهما تحت نفي عبارة قوله ﵇: «لا تَبِعْ» الحديث، والمذروع مما وراءهما، فلا يصح العمل بالدلالة. قلنا: هذا الذي ذكرته حُجّة عليك؛ لأن العام من الكتاب إذا خصّ منه البعض لا يبقى الباقي حُجّة أصلا عند الكرخي، فكيف في السنة! وعلى القول المختار إن بقي حُجّة ولكن مرتبة دون مرتبة القياس وخبر الواحد، لا شك أن دلالة النص أقوى من القياس وخبر الواحد، فلم يكن ذلك العام معارضًا للدلالة، فبقيت الدلالة سالمة عن المعارض، فيجوز السلم في المذروعات والعدديات [الثابت بها مساويًا لما ثبت بالنص أو أقوى، والمساواة بين المذروعات والعدديات وبينهما مُنْتَفٍ؛ إذ التفاوت بينهما ثابت بوصف أعظم وجوه التفاوت، فإن المذروعات] (٣) - وإن بولغ في ضبطها بذكر النوع والجنس والصفة والصنعة - لم تخرج من كونها من ذوات القيم، وهما من ذوات الأمثال، فلا تتحقق المساواة بينهما من جميع الوجوه. قلت: جواز السلم في الثياب بطريق الاستحسان، وما ذكروا وجه القياس، فكم من تفاوت بين الشيئين يتحمل ذلك في المعاملات دون الاستهلاكات، وفيها تجب القيمة لا في المعاملات، مع وجود المساواة فيما يُبتنى على جواز السلم؛ إذ المساواة في جميع الوجوه غير ممكن. وفي الإيضاح: جواز السلم في الثياب بطريق الاستحسان؛ لأنها مصنوع

стр. 4885

قَالَ: (وَكَذَا فِي المَدْرُوعَاتِ) لِأَنَّهُ يُمكِنُ ضَبْطُهَا بِذِكرِ الدَّرْعِ وَالصَّفَةِ وَالصَّنعَةِ، وَلَا بُدَّ مِنهَا لِتَرْتَفِعَ الجَهَالَةُ فَيَتَحَقَّقُ شَرطُ صِحَّةِ السَّلَمِ، (وَكَذَا فِي المَعْدُودَاتِ الَّتِي لَا تَتَفَاوَتُ كَالجَوزِ وَالبِيضِ)، لِأَنَّ العَدَدِيَّ المُتَقَارِبَ مَعْلُومُ القَدرِ مَضبُوطُ الوَصفِ مَقدُورُ التَّسْلِيمِ فَيَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ، وَالصَّغِيرُ وَالكَبِيرُ فِيهِ سَوَاءٌ لِاصْطِلَاحِ النَّاسِ عَلَى إهدَارِ التَّفَاوُتِ، بِخِلَافِ البِطِّينِ وَالرُمَّانِ، لِأَنَّهُ يَتَفَاوَتُ آحَادُهُ تَفَاوُنَا فَاحِشًا، العبد، والعبد يصنع بالآلة فإذا اتخذ الآلة، والصانع يتخذ المصنوع، فلا يبقى بعد ذلك إلا قليل تفاوت، وذا يتحمل في المعاملات دون الاستهلاكات؛ ألا ترى أن الأب إذا باع مال ابنه الصغير بغبن يسير كان متحملا، ولو استهلك شيئًا يسيرًا يجب عليه ضمانه (١). ولا بد منها؛ أي: من الصفات الثلاث. وفي المجتبى والقياس أن لا يجوز السلم في المذروعات، كالثياب والحصر والبَوارِي (٢)؛ لتعذر قبولها في الذمة؛ ولهذا لا تضمن بالمثل بالاستهلاك كالجواهر، لكن ترك ذلك بإجماع الفقهاء فيه (٣). باصطلاح الناس على إهدار التفاوت فإن المسامحة تجري فيما بينهم في صغيره وكبيره، فإنك لا ترى جوزة بفلس، وجوزة بفلسين، وإنما تتفاوت أنواعه في المالية، وذلك التفاوت يزول بذكر النوع؛ ولهذا جوزوا السَّلَم في الباذنجان والكاغد (٤) عددًا، وبه قال الشافعي (٥). (تفاوتا فاحشا) فإنك ترى بطيخا بدرهم، وبطيخا بفلس، وبطيخا بفلسين، والحد الفاصل بين المتقارب والمتفاوت أن ضمان مستهلكه بالمثل يكون متقاربا، وبالقيمة يكون متفاوتا. وفي المبسوط: والفرق بينهما ما نُقل عن أبي يوسف أن كل ما تتفاوت

стр. 4886

وَبِتَفَاوُتِ الْأَحَادِ فِي المَالِيَّةِ يُعرَفُ العَدَدِيُّ المُتَقَارِبُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي بِيضِ النَّعَامَةِ (*)، لِأَنَّهُ يَتَفَاوَتُ آحَادُهُ فِي المَالِيَّةِ، ثُمَّ كَمَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا عَدَدا يَجُوزُ كَيْلًا. وَقَالَ زُفَرُ ﵀: لَا يَجُوزُ كَيْلًا، لِأَنَّهُ عَدَدِيٌّ وَلَيْسَ بِمَكِيلَ. وَعَنهُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَدَدا أَيضًا لِلتَّفَاوُتِ. وَلَنَا: أَنَّ المِقدَارَ مَرَّة يُعرَفُ بِالعَدَدِ وَتَارَةِ بِالكَيْلِ، وَإِنَّمَا صَارَ آحاده في القيمة [وتتفق أجناسه] (١) فهو عددي متفاوت، نحو البطيخ والسفرجل والرمان، وكل ما لا تتفاوت آحاده في المالية وإنما تتفاوت أنواعه فهو متفاوت، وإليه أشير في الكتاب بقوله: (ويتفاوت آحاده في المالية … ) إلى آخره. (فيها) أي: في المعدودات المتقاربة عددًا، وبه قال [الأوزاعي، وقال] الشافعي: يجوز السلم في المعدودات المتقاربة والمتفاوتة وزنا (٢)، وهل يجوز كيلا؟ له فيه وجهان. وقال زفر: لا يجوز كيلا ويجوز عددًا (٣). وقال الشافعي في الجوز واللوز: يجوز وزنًا ولا يجوز كيلا ولا عددًا (٤)؛ من قبل أنهما لا يعتدلان في المدخول تحت الكيل، ويبقى بين الجوزتين قضاء، ولأنه ﵇ قال: «فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنِ مَعْلُومٍ»، وفي الكيل تفاوت، فيجوز بالوزن، وليس بمكيل؛ إذ فيه الصغير والكبير، فلا يعتدل في المدخول تحت الكيل، فتجري فيه المنازعة المانعة من التسليم والتسلّم. كذا في المبسوط (٥). وفي الكافي: ولا نص في الكيل والوزن، فيُعتبر فيه العرف، وهو بالعد. (وعنه) أي: عن زفر (أنه لا يجوز عددًا أيضا) وبه قال الشافعي (٦) (للتفاوت) أي: لتفاوت آحاده، فتجري فيه المنازعة المانعة عن التسليم والتسلم،، كما في السفرجل (٧) والبطيخ، (وإنما صار) [أي] (٨): ذلك

стр. 4887

مَعدُودًا بِالاصطلاحِ فَيَصِيرُ مَكِيلًا باصطلاحِهِمَا، وَكَذَا فِي الفُلُوسِ عَدَدًا. وَقِيلَ: هَذَا عِند أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمُهُمَا الله. وَعِنْدَ مُحَمَّد ﵀: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهَا أَثْمَانُ (*). وَلَهُمَا: أَنَّ الثَّمَنِيَّةَ فِي حَقِّهِمَا باصطلاحِهِمَا فَتَبْطُلُ بِاصْطِلاحِهِمَا وَلَا تَعُودُ وَزِنِيًّا المعدود (معدودًا باصطلاح) أي: باصطلاح المتعاقدين، فيسقط بإعراضهما، فلا يفضي إلى المنازعة المانعة من التسليم والتسلم. وعند محمد (١) لا يجوز السلم في الفلوس عددًا، روى أبو الليث الخوارزمي عنه. (لأنها) أي: الفلوس، ما دامت رابحة (أثمان)، والسلم في الأثمان لا يجوز بالإجماع (٢)، وبعد الكساد هي قِطاعُ صُفْرٍ موزونة، فلا يجوز السلم فيها عددًا. ولكن الأصح أنه يجوز السَّلَم فيها عددًا؛ لأن صفة الثمنية فيها عارضة باصطلاح الناس، والمتعاقدان أعرضا عن هذا الاصطلاح حين عقدا السلم فيه، وما أعرضا عن كونها عددية؛ إذ ليس من ضرورة خروجها عن كونها ثمنًا - خروجها عن كونها عددية، كالجوز والبيض، فأما الذهب والفضة ثمن بأصل الخلقة، فلا ينعدم ذلك بجعلهما إياه مبيعًا؛ ألا ترى أن الفلوس تارة تروج وتكسد أخرى، وتروج في ثمن الخسيس، بخلاف النقود. كذا في المبسوط (٣). وقوله: (ولا تعود وزنيا) رد لقول محمد أنها بعد الكساد تعود وزنيا؛ لأنها قطاعُ صُفْرٍ موزونةٌ. قيل: جواز السلم في الفلوس قول الكل، ونقول: الفرق لمحمد بين السلم والبيع أن من ضرورة جواز السلم كون المسلم فيه مُثمنًا، فَتَضَمَّنَ إقدامهما على

стр. 4888

وَقَدْ ذَكَرنَاهُ مِنْ قَبْلُ (وَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الحَيَوَانِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَجُوز لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَعلُومًا بِبَيَانِ الجِنسِ وَالسِّنِّ وَالنَّوعِ وَالصَّفَةِ، وَالتَّفَاوُتُ بَعدَ ذَلِكَ يَسِيرٌ فَأَشبَهَ الثِّيَابَ، وَلَنَا: أَنَّهُ بَعدَ ذِكرِ مَا ذُكِرَ يَبْقَى فِيهِ تَفَاوُتٌ فَاحِسٌ فِي المَالِيَّةِ بِاعْتِبَارِ المَعَانِي البَاطِنَةِ فَيُفضِي إِلَى المُنَازَعَةِ، بِخِلَافِ الثِّيَابِ لِأَنَّهُ مَصْنُوعُ العِبَادِ فَقَلَّمَا يَتَفَاوَتُ الثَّوبَانِ إِذَا نُسِجَا عَلَى مِنوَال وَاحِد. السلم إبطالا لذلك الاصطلاح في حقهما، أما ليس من ضرورة جواز البيع كونُ البيع مثمنًا، كالدرهم والدينار، فلم يكن في جعلهما مثمنا ضرورة، فبقي كما كان، فيجوز السلم فيها كذا في الذخيرة، ومبسوط شيخ الإسلام. قيل: هو ظاهر رواية محمد. (وقد ذكرناه من قبل) أي: في باب الربا. [قوله:] (١) (ولا يجوز السلم في الحيوان) سواء كان دابة أو رقيقًا، وبه قال الثوري والأوزاعي (٢). (وقال الشافعي: يجوز) (٣) وبه قال مالك (٤) وأحمد (٥) إلا في الخَلِفَات (٦)؛ فإن الخَلِفَة اسم لمجهول الحال، وأما في الحال المطلق بلا صفة لا يجوز بالاتفاق. (ببيان الجنس) بأن [قال] (٧): إبل (والنوع) بأن قال: بُخْتِي (٨) أو عربي (والسن) بأن قال: بنتُ مَخاض أو جَذَع (٩) أو ثَنِي (١٠)، وفي الرقيق بأن قال: تركي أو رومي أو هنديّ (والصفة) بأن قال: سمين أو هزيل (١١) ابن عشرين

стр. 4889

وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ نَهَى عَنِ السَّلَمِ فِي الحَيَوَانِ وَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ أَجْنَاسِهِ حَتَّى العَصَافِيرُ. سنة، ذكر أو أنثى، واحتج بما رُوي عن عمرو بن العاص قال: إنه ﷺ أمرني أن أشتَرِي بَعِيرًا بِبَعِيرين في تجهيز الجيش إلى أَجَلٍ. وعن علي أنه باع بعيرًا له بعشرين بعيرًا إلى أجل. وعن ابن عمر أنه اشترى راحلة بأربعة أَبْعِرَةٍ يُوفِيها صاحبها (١) [بالرَّبَذَة] (٢)، وفي [رواية] (٣): بأربعة أبعرة مضمونة. والمعنى أنه مبيع معلوم مضبوط الصفة فيجوز السلم فيه، كالثياب والمكيلات والموزونات، وإنما قال: مضبوط الصفة لأن ببيان هذه الأشياء يصير معلومًا مضبوطًا، والتفاوت بعد ذلك غير معتبر، كما في الذبائح والثياب النفيسة. والدليل عليه أن بني إسرائيل استوصفوا البقرة، فوصفها تعالى لهم، فأدركوها بتلك الصفة، حيث قالوا: ﴿الْكَانَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٧١]، وقال ﵇: «ألا لا يَصِفِ (٤) الرَّجلُ [الرجل] (٥) بَيْنَ يَدَيِ امْرَأَتِهِ حَتَّى كَأَنَّهَا تَنظُرُ إليه، ولا تَصفِ المرأة المرأة بين يَدَيْ زَوجِها حتى كأنه يَنْظُرُ إليها» (٦). فقد جعل الموصوف من الحيوان كالمرئي؛ ولهذا يثبت في الذمة مهرًا، [والدعوى] (٧) والشهادة، وفيه يسمع بذكر الصفة، مع أن شرط صحتها كون المدَّعي المشهود له معلوما بذكر الوصف، ودرك نهاية الوصف غير معتبر

стр. 4890

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . شرعًا؛ فإن بين جيد وجيد من المكيل والموزون تفاوتا لا يخفى، وكذا بين الثوبين والديباجين، فجعل الشرع عفوًا. كذا في المبسوط (١) وكتبهم. ولنا ما روى ابن عباس أنه ﵇ «نَهَى عن السلم في الحيوان»، ورُوي أن ابن مسعود دفع مالًا مضاربةً إلى رجل، فأسلم الرجل المال في قلائص (٢)، فقال ابن مسعود: اردد مالنا، لا نُسْلِمُ أموالنا في الحيوان. وعن ابن عمر أنه قال: إن [من] (٣) الرِّبا أبوابًا لا يَكَدْنَ يَخْفَيْنَ على أحدٍ، منها: السَّلَم في السن، والمعنى أنه أسلم في مجهول، فلا يصح، كما في الجواهر الكبار؛ وهذا لأن بعد ذكر ما ذكره الخصم يبقى تفاوت عظيم في المالية باعتبار معانٍ أُخر، كالصَّبَاحَةِ (٤) [والملاحة] (٥) والفصاحةِ والخُلُقِ الحَسَن والذهن والكياسة وحسن السير والهَمْلَجَة (٦) - وهي مشي سهل، وشدة العدو في الدواب - فإنك ترى عبدين أو أمتين متفقين في الأوصاف المذكورة المشروطة، ومع ذلك يُساوى أحدهما بألوف، والآخر بألف، قال الشاعر (٧): رُبَّ وَاحِدٍ يَعْدِلُ الألفَ زَائِدًا … وَأُلُوفًا تَراهُمْ لا يُسَاوُونَ وَاحِدًا وفي المعرب - بالعين المهملة -: البيت غير مستقيم، وإنما هو: [ألا رُبَّ فردإلى آخره … وألف لا يُساوون واحدا] (٨) وألوف - بالجر - لا يساوون واحدًا. وهذه معانٍ لا تضبط بالوصف، فتبقى جهالةً مُفضية الى المنازعة. وكما أن العين مقصود، فالمالية أيضًا مقصودة، بل أكثر؛ لأن المقصود من العقد الاسترباح، وذلك يكون بالمالية، بخلاف الثياب، فإنها خُصَّت عن

стр. 4891

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . القياس بأثر عليٍّ وابن عباس، فإنهما أجازا السَّلَم فيها، ولأن الثياب مصنوعة العباد، والعبد إنما يصنع بآلة، فإذا اتحد الصانع والآلة اتحد المصنوع، والثياب إذا نُسجت في منوال واحد على هيئة واحدة لا تتفاوت بالمالية إلا يسيرًا، ولا يُعتبر بذلك القدر، كالتفاوت بين الجيد والجيد من الحنطة في المالية، فأما الحيوان صنع الله تعالى، وذلك يكون على ما يريده الله تعالى، فقد يكون على وجه لا يوجد له نظير، ولو بالغ في بيان وصفه يصير عديم النظير، وفي مثله لا يجوز السلم بالاتفاق. وعن عمرو بن أبي عمرو عن محمد قال: قلت له: إنما لا يجوز في الحيوان؛ لأنه غير مضبوط بالوصف، قال: لا، فإنَّا نُجوز السلم في الذبائح، ولا يجوز في العصافير، ولعل ضبط العصافير بالوصف أهون من ضبط الذبائح، ولكنه بالسنة. وأما تأويل آثار الخصم أنه كان قبل نزول آية الربا، أو كان ذلك في دار الحرب وتجهيز الجيش، وإن كان في دار الإسلام فنقل الآلات كان من دار الحرب في أقربها إلى دار الإسلام يومئذ، وقد بينا الفرق بين الثياب والجواهر والحيوان، فلا يجوز القياس عليه. وإنما ذكر الله تعالى لبني إسرائيل الأوصاف الظاهرة، وذلك يمكن إعلامه عندنا، ثم كان المقصود التشديد عليهم لما استقصوا في الاستيصاف. هكذا قاله ابن عباس (١). وإنما نهى رسول الله ﷺ عن الاستيصاف؛ لخوف الفتنة، وذلك [يقع] (٢) بالأوصاف الظاهرة، وكذا سماع الدعوى والشهادة؛ لأن الأوصاف الظاهرة (٣) منها تصير معلومة. وثبوته [في] (٤) الذمة [مهرا] (٥)؛ لكون النكاح مبنيًّا على التوسع؛ فإن المقصود به شيء آخر غير المالية، بخلاف السَّلَم؛ ولهذا يجوز من غير بيان الوصف هناك. كذا في المبسوط (٦) والأسرار.

стр. 4892

قَالَ: (وَلَا فِي أَطرَافِهِ كَالرُّؤُوسِ وَالأَكَارِعِ) لِلتَّفَاوُتِ فِيهَا إِذْ هُوَ عَدَدِيٌّ مُتَفَاوِتٌ لَا مُقَدَّرُ لَهَا. قَالَ: (وَلَا فِي الجُلُودِ فإن قيل: السلم في الحيوان إنما لا يصح لتفاوت يعتبره الناس، والتفاوت في العصافير غير معتبر بينهم، فينبغي (١) أن يجوز السلم فيها. قلنا: العبرة في المنصوص لعين النص لا للمعنى، والنص لم يفصل بين حيوان وحيوان. كذا في الكافي. وفي مبسوط شيخ الإسلام والعصافير وإن كانت من العدديات المتقاربة إلا أنه في معنى المنقطع؛ لأنها مما لا يُقتنى ولا يُحبس للتوالد، وقد لا يمكن أخذه ولا رجحان؛ لإمكان الأخذ لتقام مقام الوجود، بخلاف السمك الطري؛ لرجحان إمكان أخذه. فإن قيل: الحديث بظاهره لا يدل على ما ادعينا، فإن الخصم يقول أيضًا بأن السَّلَم في الحيوان المطلق لا يجوز كما اقتضى ظاهر الحديث، لكن الكلام في الحيوان المخصوص بالأشياء التي ذكرناها. قلنا: قد فسر هذا الحديث محمدٌ في أول كتاب المضاربة أن ابن مسعود دفع مالًا مضاربةً إلى زيد بن خليدة، فأسلمها زيد إلى عتريس بن عرقوب في قلائص معلومة، فقال ابن مسعود: اردد مالنا لا نسلم أموالنا في الحيوان. كذا في المبسوط (٢). فعلم أن جواز السَّلَم فيه لم يكن فيه باعتبار ترك الوصف. قوله: (ولا في أطرافه) أي: لا يجوز السَّلَم في أطراف الحيوان (كالرؤوس والأكارع) (٣) وبه قال الشافعي في الأظهر (٤). والأكارع: جمع الكراع، وهو ما دون الركبة في الدواب. كذا في المغرب (٥). (ولا في الجلود) أي: لا يجوز السَّلَم فيها عددًا (٦)، وبه قال الشافعي في

стр. 4893

عَدَدًا وَلَا فِي الحَطَبِ حُزَمًا وَلَا فِي الرَّطْبَةِ جُرُزًا) الأظهر (١)، وقال مالك (٢) وأحمد (٣) في قول: يجوز السلم في الجلود والرؤوس والأكارع عددًا أو وزنًا، [لأنها مقدور التسليم، معلوم المقدار عددًا ووصفا] (٤) ومعلوم الصفة بالذكر، ولأنها في معنى الثياب على معنى أنه يتخذ منه الفرو والقلانس والخفاف، والسَّلَم في الثياب يجوز، فكذا في الجلود. ولنا أنها لا توزن عادة، ولكنها تُباع عددًا، وهو عددي متفاوت فيها الصغير والكبير، ويختلف بالسِّمَن والهزال، فلا يجوز السلم فيها. والحاصل أن هذا مبني على السلم في الحيوان، وقد قام دليل لنا على أن السَّلَم في الحيوان لا يجوز، فكذا في أبعاضه، وكذا لا يجوز السلم في الأدم والورق؛ لأنه مجهول فيه الصغير والكبير، إلا أن يشترط من الأدم ضربًا معلوم الطول والعرض والجودة، فحينئذ يجوز كما في الثياب، وكذا إذا كان يُباع الأدم وزنًا، فيجوز السلم فيها إذا كان على وجه لا تتمكن المنازعة في التسليم والتسلم. كذا في المبسوط (٥). وفي الذخيرة: ولو بين الجلود ضربًا معلومًا يجوز السلم فيها. قوله: (جُرَزًا) [جمع الجُرْزَة] (٦) بتقديم الراء المهملة على المعجمة، وهي القبضة من القت ونحوه، أو الحزمة؛ لأنه قطعة من الجرز، وهو القطع، وما سواه تصحيف. كذا في المغرب (٧). وأما الجِزَزُ (٨) بالزائين المعجمتين، فجمع جِزَّة، وهو الصوف المجزوز، وهذا ليس بموضعه. وفي المبسوط (٩): وكذا لا يجوز أوقارًا؛ لأن هذا مجهول لا يُعرف طوله وعرضه، فإن الأوقار تختلف، وبسبب هذه الجهالة تتمكن المنازعة في التسليم

стр. 4894

لِلتَّفَاوُتِ فِيهَا، إِلَّا إِذَا عُرِفَ ذَلِكَ بِأَنْ بَيَّنَ لَهُ طُولَ مَا يَشُدُّ بِهِ الحُرْمَةَ، أَنَّهُ شِبْرٌ أَوْ ذِرَاعٌ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ لَا يَتَفَاوَتُ. قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ حَتَّى يَكُونَ المُسلَمُ فِيهِ مَوجُودًا مِنْ حِينِ العَقدِ إِلَى حِينِ الْمَحِلِّ، حَتَّى لَو كَانَ مُنقَطِعًا عِنْدَ العَقدِ مَوجُودًا عِنْدَ المَحِلِّ، أَوْ عَلَى والتسلّم على وجه لا يتفاوت إلا بالشد كالطاح، أما إذا كان تفاوت كالشوك والسوس فلا يجوز؛ لإفضائه إلى المنازعة. قوله: (إلى حين المحل) من حين حلول الأجل، وبقولنا قال الأوزاعي موجود وقت المحل خاصة، وبه قال مالك (١) وأحمد (٢) وإسحاق. وفي المبسوط: أجمعوا على أن المسلم فيه إذا كان موجودًا وقت العقد معدومًا عند المحل لا يجوز العقد، ولو كان معدوما عند العقد موجودًا عند المحل قال علماؤنا: لا يجوز (٣)، وقال الشافعي: يجوز (٤)، ولو كان موجودًا عند العقد وعند المحل ولكن انقطع فيما بين ذلك، [قال علماؤنا: لا يجوز، وقال الشافعي ومالك: يجوز. فالشافعي يعتبر وجوده عند المحل، ومالك عند العقد وعند المحل، ولا يُعتبر الانقطاع فيما بين ذلك] (٥). وعلماؤنا اعتبروا وجوده عند العقد وعند المحل وفيما بين ذلك فتكون المسألة على أربعة أوجه. للشافعي حديث ابن عباس ﵁ أنه ﷺ دخل المدينة وأهلها يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: «مَنْ أَسْلَمَ مِنْكُمْ» الحديث (٦)، ومعلوم أن الثمار الرطبة لا تبقى إلى هذه المدة، ومع ذلك قررهم على السلم فيها. والمعنى أن وجوب التسليم بحكم العقد عند حلول الأجل، فيشترط وجوده

стр. 4895

العكس، أَوْ مُنقَطِعًا فِيمَا بَينَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحمة الله: يَجُوزُ إِذَا كَانَ مَوجُودًا وَقتَ المَحِلِّ لِوُجُودِ القُدرَةِ عَلَى التَّسْلِيم حَالَ وُجُوبِهِ. وَلَنَا: قَولُهُ ﵊: «لَا تُسلِفُوا فِي الثَّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا» وَلِأَنَّ القُدرَةَ عَلَى التسليمِ بِالتَّحصيل عنده؛ لتحصل القدرة على التسليم، ولا يقال من الجائز أن يموت المسلم إليه عقيب العقد فيحصل الأجل فيجب التسليم؛ لأن هذا موهوم، ولا يبنى العقد على الموهومات، ألا ترى أن اعتبار هذا الموهوم يؤدي إلى الحلول أو جهالة الأجل، وذلك مبطل للسلم وإن كان موجودًا في الحال، وكذا لو انقطع فيما وراء المحل يجوز، وإن كان يتأخر التسليم إلى أن ينقطع، ولأن وجود المسلم فيه في مكان العقد ليس بشرط لجواز العقد، فكذا في زمان العقد؛ لأن التسليم لا يتأتى إلا بمكان وزمان فكما سقط اعتبار وجوده في مكان العقد فكذا في زمان العقد. ولمالك (١) أن وقت العقد وقت التزام فيُشترط وجوده فيه، ووقت المحل وقت التسليم فيشترط وجوده فيه، أما فيما بين ذلك ليس وقت الالتزام ولا وقت التسليم فلا يُشترط وجوده فيه، كما في التعليق، فإن الملك شرط في الابتداء للانعقاد، وفي الانتهاء شرط ليزول الجزاء، وفيما بين ذلك لا يُشترط الملك، فكذا هاهنا. كذا في المبسوط (٢). قوله: (وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊: «لَا تُسَلِّفُوا») الحديث، وفي الحديث المعروف أنه ﵇ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمار حتى يَبْدُو صَلَاحَهَا» (٣)، ولم يرد به النهي عينًا؛ لأن ذلك جائز بشرط القطع، فعُرف أن المراد عن بيعها سلمًا، ومن جوز السَّلَم في المنقطع فقد جوز السَّلم في الثمار قبل بدو الصلاح، فالحديث دلّ على أن الوجود معتبر من وقت العقد إلى وقت المحل. والمعنى فيه أن قدرة العاقد على تسليم المعقود عليه شرط لجواز العقد،

стр. 4896

فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِمْرَارِ الوُجُودِ فِي مُدَّةِ الأَجَلِ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ التَّحْصِيلِ. كما في بيع العين ولا يوجد ذلك إذا كان المسلم فيه معدومًا في الحال؛ لأن العاقد لا يقدر على تسليمه إلا باتصال حياته بأوان ذلك الشيء، واتصال حياته به موهوم، وبالموهوم لا تثبت القدرة. ولا يقال حياته موجودة في الحال، فيبقى إلى ذلك الوقت، [والأصل بقاؤها، والموت موهوم قبله، لأنا نقول: بقاؤه إلى ذلك الوقت] (١) باستصحاب الحال لا بدليل، والاستصحاب معتبر في إبقاء ما كان على ما كان لا في إثبات أمر لم يكن، كحياة المعقود، فإنها باقية بالاستصحاب في إبقاء ماله على ملكه لا في توريثه من مورثه. وبهذا الطريق لا تثبت القدرة على التسليم إلا أن يكون موجودًا في الحال حتى تكون حياته متصلا بأوان ذلك الشيء، ثم عجزه بالموت أو بآخر التسليم إلى أن ينقطع موهوم فلا يُعتبر في إفساد العقد، يوضحه أن ما بعد العقد بمنزلة حال المحل؛ لأن زمان المحل وقت وجوب التسليم بشرط بقائه حيًّا إلى ذلك الوقت، وذلك موهوم وما بعد العقد وقت وجوب التسليم بشرط موته، وذلك موهوم أيضًا فاستويا. فلما استويا من هذا الوجه، وقلنا بشرط الوجود [وقت المحل بالاتفاق؛ لوجوب التسليم فيه، فيجب أن يشترط الوجود] (٢) من وقت العقد إلى وقت المحل؛ لتوهم وجود الموت فيما بين ذلك ووجوب التسليم عليه في ذلك الوقت، والموهوم هاهنا ملحق (٣) بالمتحقق؛ ألا ترى أنه لو أسلم في ثمار رجل بعينه أو ثمر حائط بعينه لم يجز؛ لتوهم هلاكه، وتوهم هلاك ثمر من حائط دون سائر الحوائط أندر من هلاك الحي، فلما اعتبر الموهوم هناك يجب أن يُعتبر هاهنا بالطريق الأولى. كذا في المبسوط (٤) والأسرار. وهذا معنى قول المصنف (فلا بد من استمرار الوجود) إلى آخره؛ لأنه إذا مات أحد المتعاقدين بعد العقد قبل المحل يلزم تسليم المسلم فيه.

стр. 4897

(وَلَو اِنقَطَعَ بَعدَ المَحِلِّ فَرَبُّ السَّلَمِ بِالخِيَارِ، إن شَاءَ فَسَخَ السَّلَمَ، وَإِنْ شَاءَ وَحدُّ الانقطاع ألا يوجد في السوق الذي يباع فيه وإن كان يوجد في البيوت. كذا ذكره أبو بكر البلخي كذا في الذخيرة. وفي مبسوط أبي اليسر: ولو انقطع في إقليم دون إقليم لا يصح السلم في الإقليم الذي لا يوجد؛ [لأنه] (١) لا يمكن إحضاره إلا بمشقة عظيمة فيعجز عن التسليم حتى لو أسلم في الرطب ببخارى لا يجوز وإن كان يوجد بسجستان (٢). قوله: (ولو انقطع بعد المحل) أي: وقت حلول الأجل قبل التسليم (فرب السلم بالخيار) أي: لا يبطل العقد عند علمائنا (٣)، وبه قال الشافعي (٤) في قول وهو رواية عن الكرخي، ويسترد رأس المال للعجز عن التسليم، وصار كما لو هلك المبيع قبل القبض في بيع العين، فإن الشيء كما لا يثبت في غير محله لا يبقى بعد فوات محله، كما لو اشترى بالفلوس شيئًا ثم كسدت قبل القبض يبطل العقد لهذا المعنى، فكذا هاهنا. ولنا أن السلم قد صح ويقدر التسليم بعارض على شرف الزوال، فيتخير العاقد فيه كما لو أبق المبيع قبل القبض؛ وهذا لأن المعقود عليه دين، ومحل الدين [الذمة] فيبقى الدين ببقاء محله، فكان المعقود عليه باقيًا ببقاء محله ولكن تأخر التسليم إلى أوان وجوده، وفيه تغيير شرط العقد فيثبت للعاقد الخيار من الفسخ والانتظار إلى أوان وجوده، وبه فارق هلاك العين في بيع العين، فإن المعقود هناك يفوت أصلا، وكذلك الفلوس إذا كسدت فإن العقد يتناول فلوسًا هي ثمن، وبعد الكساد لا يبقى ثمن أصلا ولا يرجى أصلا رواجه ظاهرا، ولو رجي لا يعلم متى يروج، فلم يكن للقدرة على التسليم أوان معلوم فيبطل العقد، بخلاف ما نحن فيه؛ لأن لإدراك الثمار والقدرة على التسليم أوانًا معلومًا فيتخير. كذا في المبسوط (٥).

стр. 4898

انتَظَرَ وُجُودَهُ) لِأَنَّ السَّلَمَ قَدْ صَحَّ، وَالعَجزُ الطَّارِى عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ فَصَارَ كَإِبَاقِ المَبِيعِ قَبْلَ القَبْضِ. قَالَ (وَيَجُوزُ السَّلَمُ فِي السَّمَكِ المَالِحِ وَزْنًا مَعلُومًا وَضَربًا مَعلُومًا) لِأَنَّهُ مَعلُومُ القَدرِ مَضبُوطُ الوَصفِ مَقدُورُ التَّسليم، إذ هُوَ غَيْرُ مُنقَطِع (وَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ عَدَدًا) لِلتَّفَاوُتِ. قَالَ: (وَلَا خَيْرَ فِي السَّلَم فِي السَّمَكِ الطَّرِيِّ إِلَّا فِي حِينِهِ وَزَنًا قوله: (في السمك المالح)، وبالفارسية: (ماتي خشك). وفي المغرب (١): سمك مليح ومملوح وهو المقدد الذي فيه ملح، ولا يقال سمك مالح إلا في لغة رديئة، ولكن قال الشاعر (٢): بَصْرِيَّةٌ تَزَوَّجَتْ بَصْرِيًّا … يُطْعِمُهَا الْمَالِحَ وَالطَّرِيَّا قال الإمام الزرنوجي: وكفى بذلك حجة للفقهاء، وقال الشافعي (٣) ومالك (٤) وأحمد (٥): يجوز السَّلَم في جميع أنواع السمك وزنًا. (ولا يجوز السلم فيه) أي: في السمك المالح (عددًا) وكذلك الطري، وبه قال الشافعي ومالك (٦) وأحمد (للتفاوت) أي: لتفاوت آحاده فإن فيه الصغير والكبير، ولأن الناس اعتادوا بيعه وزنًا فكذا في السلم، وفي شرح الطحاوي: لا يجوز السلم في السمك عددًا طريا كان أو مالحًا؛ لتفاوت آحاده (٧)، ولو أسلم فيه وزنًا إن كان مالحًا يجوز، وإن كان طريا إن كان العقد في حينه، ولا ينقطع فيما بين ذلك - يجوز، وإلا فلا. هذا حاصل ما ذكر في المبسوط (٨). وفيه: وروى الحسن عن أبي حنيفة أن الكبار من السمك التي تقطع لا

стр. 4899

مَعلُومًا وَضَربًا مَعلُومًا) لِأَنَّهُ يَنقَطِعُ فِي زَمَانِ الشَّتَاءِ، حَتَّى لَو كَانَ فِي بَلَد لَا يَنقَطِعُ يَجُوزُ مُطلَقا، وَإِنَّمَا يَجُوزُ وَزنًا لَا عَدَدًا لِمَا ذَكَرنَا. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي لَحْمِ الكِبَارِ مِنهَا، وَهِيَ الَّتِي تُقَطَّعُ اعْتِبَارًا بِالسَّلَم فِي اللَّحْمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (*). يجوز السلم في لحمها كما في الحيوان؛ لأنه إذا كان يقطع تجري المماكسة في نزع العظم منه، وتختلف رغبات الناس باختلاف الموضع، أما الصغار فيه يباع فيه وزنًا، ومما لا ينقطع فيجوز السلم فيها وزنًا. وعن أبي يوسف (١) لا يجوز السلم في الكبار وزنًا، بخلاف اللحم؛ فإن هناك يمكن إعلام موضع منه الجنب أو الظهر، ولا يتأتى ذلك في السمك، فلا يجوز السلم فيها وزنًا. وفي الإيضاح: والصحيح من المذهب أن السمك الصغار يجوز فيه السلم كيلا ووزنا، وفي الكيل روايتان، ولا فرق بين الطري والمالح. وفي بعض المباسيط: طعن بعض الناس على محمد في قوله: إلا في حينه، وقال: الطري مما يوجد في الأحايين كلها؛ لأن وجوده لا يكون بالأخذ وأنه ممكن في كل الوقت، وهذا وهم؛ لأنه قد يتعذر أخذه في بعض الأوقات بانجماد الماء، فكان اشتراط الحين صحيحًا. (مطلقا) أي: في حينه وغير حينه. قوله: (وعن أبي حنيفة) إلى آخره: رواية الحسن كما روينا. قوله: (ولا خير) (٢) أي: لا يجوز (السلم في اللحم)، وعن العلامة شمس الدين الكردري ﵀ في المجتهد إذا استخرج حكمًا بالرأي: فإن كان في حيز عدم الجواز يقول: لا خير، وإن كان في حيز الجواز يقول (٣): لا بأس؛ تحرّزًا عن القطع في حكم الله تعالى بالرأي.

стр. 4900

قَالَ: (وَلَا خَيْرَ فِي السَّلَمِ فِي اللَّحْمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: إِذَا وَصَفَ مِنْ اللَّحْمِ مَوضِعًا مَعلُومًا بِصِفَة مَعْلُومَة جَازَ) (*) لِأَنَّهُ مَوزُونٌ مَضبُوطُ الوَصفِ، وَلِهَذَا يَضمَنُ بِالمِثْلِ. وَيَجُوزُ استقرَاضُهُ وَزنا وَيَجْرِي فِيهِ رِبَا الفَضلِ، بِخِلَافِ لَحْمِ الطُّيُورِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ وَصفُ مَوضِع مِنهُ. وفي المبسوط (١): وإنما قال: لا خير؛ لأنه مختلف في قول أبي حنيفة. (وقالا) أي: أبو يوسف ومحمد: يجوز السلم في اللحم إن بين جنسه ونوعه وصفته وموضعه كشاة خَصِيّ ثَنِيّ سمين من الجنب أو الظهر مائة منّ، وبه قال الشافعي (٢). وفي العيون (٣) والحقائق (٤): والفتوى على قولهما. (لأنه) أي: اللحم (موزون) في عادة الناس (مضبوط الوصف) ببيان هذه الأشياء. وفي المبسوط (٥): قيل: لا خلاف بينهما وبين أبي حنيفة؛ بل جواب أبي حنيفة فيما إذا أطلقا العلم في اللحم، وهما لا يجوزان ذلك أيضًا، وجوابهما فيما إذا بينا موضعا معلومًا، وأبو حنيفة يجوز ذلك أيضًا، والأصح أن الخلاف ثابت وعنده لا يجوز السلم وإن بين موضعا معلومًا. وجه قولهما أنه موزون معلوم مضبوط الوصف فيجوز السلم فيه كما في سائر الموزونات. قوله: (ولهذا يضمن بالمثل) إلى آخره، دليل كونه موزونا، وما فيه من العظم غير مانع لجوازه كالنوى في التمر في المكيلات؛ لأنه ثابت بأصل الخلقة؛ ولهذا يجوز السَّلَم في الألية وإن كانت لا تخلو عن أدنى عظم، ويجوز السَّلَم في الشحم والألية بالإجماع (٦)؛ لأنه موزون معلوم الوصف. (لا يمكن وصف موضع) أي: من لحم الطيور؛ لأن جنس عضو الطير قليل، ولا يُشترى لحم العضو عادةً.

стр. 4901

وَلَهُ: أَنَّهُ مَجْهُولٌ لِلتَّفَاوُتِ فِي قِلَّةِ العَظمِ وَكَثَرَتِهِ أَوْ فِي سِمَنِهِ وَهُزَالِهِ عَلَى اخْتِلَافِ وفي الذخيرة: لا يجوز السلم في لحم الطيور أما عددًا فظاهر؛ لأنه عددي متقارب، وأما وزنًا فظاهر، وما ذكر محمد يدل على جوازه؛ لأنه أطلق (١). وقيل: المسألة لا تجوز عندهم، إلا أنه حمل المذكور من لحم الطيور على طيور لا تقتنى ولا تُحبس للتوالد، فيكون البطلان بسبب أنه أسلم في المنقطع، فلا يجوز عند الكل، فأما فيما يُقتنى ويُحبس للتوالد يجوز عندهم؛ لأن ما يقع من التفاوت في اللحم بسبب العظم في الطيور تفاوت لا يعتبره الناس، فلا تجري فيه المنازعة بسببه، فكان بمنزلة عظم الألية وعظم السمك، وإليه مال شيخ الإسلام خواهر زاده. وعن أبي يوسف ما لا تتفاوت آحاده كالعصافير ونحوها يجب السلم فيها وفي لحومها (٢)، وبه قال الشافعي في لحوم كل الطيور (٣). (وله) أي: لأبي حنيفة (أنه) أي: اللحم (مجهول) فإن اللحم يقل عند عظم العظم ويكثر عند صغره فكان المسلم فيه مجهولاً؛ ألا ترى أنه تجري المماكسة بين البائع والمشتري في ذلك، فالمشتري يطالبه بالنزع والبائع يدسه فيه، وهذا النوع من الجهالة والمنازعة لا يرتفع ببيان الموضع وذكر الوزن، بخلاف النوى في التمر فإن المنازعة لا تجري في نزع ذلك، وكذلك العظم الذي في الألية، وعلى هذا الطريق إذا أسلم في منزوع العظم يجوز السلم فيه عنده، وهو اختيار محمد بن شجاع البلخي. كذا في المبسوط (٤). (أو في سمنه) أي: سمن اللحم (وهزاله). وفي المبسوط (٥): الطريق الآخر له أن اللحم مشتمل على السمن والهزال، ومقاصد الناس في ذلك مختلف، فمنهم من يرغب في السمن ومنهم من يرغب في الهزال، وذلك يختلف باختلاف فصول السنة، وبقلة الكلأ وكثرته والسلم لا يكون إلا مؤجّلًا، وعند حلول الأجل لا يدرى على أي صفة

стр. 4902

فُصُولِ السَّنَةِ، وَهَذِهِ الجَهَالَةُ مُفضِيَةٌ إِلَى المُنَازَعَةِ. وَفِي مَحْلُوعِ العَظْمِ لَا يَجُوزُ عَلَى الوَجهِ الثَّانِي وَهُوَ الأَصَحُ، وَالتَّصْمِينُ بِالمِثْلِ مَمْنُوعٌ. وَكَذَا الاستقراضُ، وَبَعدَ التَّسْلِيمِ فَالمِثلُ أَعدَلُ مِنْ القِيمَةِ، وَلِأَنَّ القَبضَ يُعَايَنُ يكون، وهذه الجهالة لا ترتفع بذكر الوصف، فكان السلم في اللحم بمنزلة السلم في الحيوان، وبه يفارق الاستقراض، فالقرض لا يكون إلا حالا، وفي الحال صفة السِّمَن والهزال معلومة، بخلاف الشحم والألية فالتفاوت فيهما من حيث القلة، وبذكر الوزن تزول القلة. وهذا الطريق لا يجوز السَّلَم في منزوع العظم، وهذا معنى قول المصنف: وفي مخلوع العظم لا يجوز على الوجه الثاني وهو الاختلاف في السمن والهزال وهو الأصح لجواز أن يكون الحكم معلولا بعلتين، ولا يلزم من انتفاء إحدى العلتين انتفاء الحكم. وقوله: (والتضمين [بالمثل] (١) جواب عن قولهما، يعني اللحم من ذوات القيم [في رواية بيوع الجامع، قال الإمام ظهير الدين: كان والدي يقول: إن كان نضيجا فهو من ذوات القيم] (٢) وإن كان نينا ففيه روايتان. والاستقراض وزنا ممنوع أيضًا، وبعد التسليم؛ يعني: سلمنا أن اللحم مضمون بالمثل فيفرّق بين الضمان والسلم والفرق أن المعادلة في باب الضمان شرط بالنص. والمثل أعدل من القيمة لأنه يماثله صورة ومعنى، والقيمة لا تماثله صورة، والموجب الأصلي رد العين والمثل أقرب إلى العين فكان أقرب منها، فكان إيجاب الضمان بما فيه تفاوت قليل أولى من إلحاقه بما فيه تفاوت كثير، وكان إيجاب الضمان بالمثل لا يدل على عدم التفاوت ولأن القبض) يعني في الاستقراض يقبض حالا فترتفع الجهالة فلا تفضي إلى المنازعة، أما في السلم فالمسلم فيه يُعرف بالوصف، وبالوصف لا ترتفع الجهالة فتفضي إلى المنازعة.

стр. 4903

فَيُعرَفُ مِثْلَ المَقْبُوضِ بِهِ فِي وَقتِهِ، أَمَّا الوَصفُ فَلَا يُكتَفَى بِهِ. قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ إِلَّا مُؤَجَّلًا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَجُوزُ حَالًا لِإِطْلَاقِ وفي الكافي: القبض محسوس معاين في القرض وأخته، فأمكن اعتبار المقبوض ثابتًا بالأول، والسَّلَم يقع على الموصوف في الذمة، وبالوصف عند العقد لا يعرف الوجود عند المحل فلا يكتفى به أي: بالوصف؛ لبقاء الجهالة المفضية إلى المنازعة. قوله: (ولا يجوز السلم إلا مؤجلا) يعني: يشترط لصحته الأجل، وبه قال مالك (١) وأحمد (٢). (وقال الشافعي (٣): يجوز) أي: السلم (بدون الأجل)، وفي بعض النسخ: (يجوز حالا)، وبه قال عطاء، وأبو ثور (٤) واختاره ابن المنذر. وصورة السلم أن يقول: أسلمت عشرة في كُرِّ حنطة، ولم يذكر الأجل؛ لإطلاق الحديث وهو ما روي أنه ﵇ نهى عن بَيعِ مَا لَيْسَ عند الإنسان، ورخص في السَّلَم (٥) فالنبي ﵇ أجاز السلم مطلقا، فاشتراط التأجيل زيادة على النص، ولأنه مبادلة المال بمال فلا يكون التأجيل فيه شرطًا كما في بيع الأعيان؛ وهذا لأن الأجل لو شرط إنما يُشترط لأجل القدرة على التسليم؛ لأنه شرط جواز العقد والمسلم فيه دين في الذمة، وتسليم الدين بالمثل الموجود في العالم. والظاهر من حال العاقد أنه لا يلتزم تسليم ما لا يقدر على تسليمه، ولو لم يكن قادرا حقيقة فهو قادر على تحصيله والتسليم؛ فلهذا أوجبنا تسليم أرش المال، بخلاف الكتابة الحالة فإن الشافعي لا يجوزه؛ لأن العبد بالكتابة يخرج

стр. 4904

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . من يد مولاه ولا يدخل في يده شيءٌ من المال فلا يصير قادراً على تسليم بدل الكتابة، وبما يدخل في ملكه بالعقد لا يقدر على التحصيل إلا بمدة؛ فلهذا لا يجوز إلا مؤجلا. فأما المسلم فيه فحر من أهل الملك قبل العقد، فالظاهر قدرته على التسليم، إلا أن يكون معدومًا في العالم لا يقدر على تسليمه إلا بوجوده في زمانه، فلا يجوز السلم فيه إلا مؤجلا. كذا في المبسوط (١). لأن السلم الحال أبعد من الغرر ومن المؤجّل (٢)، وقوله ﵇: «مَنْ أَسْلَمَ مِنْكُمْ» (٣) محمول على الغالب؛ إذ الغالب في السلم أن يكون مؤجلا. ولنا قوله ﵇: «مَنْ أَسْلَمَ مِنْكُمْ» الحديث، فقد شرط لجوازه (٤) إعلام الأجل، كما شرط إعلام القدر (٥). وفي الأسرار والمبسوط (٦): وظاهره يحرم السَّلَم إلا بهذه الأوصاف، كمن قال لآخر: من أراد الصلاة فليتوضأ، ومن أراد دخول داري فليدخل غاضّ البصر، فتقيد المطلق في حديث الرخصة بهذا. وفي الكافي: فيه إشكال؛ لأنه يقتضي انحصار ما جاز من السلم في المذكور في الحديث؛ إذِ السَّلَم يصح في المذروع والمعدود، فكان الحديث ساكتاً عن بيان السَّلَم الحال وما رواه ناطق؛ إذ المطلق لا يحمل على المقيد عندنا. ويمكن أن يُقال: إن الأصل عدم جواز السَّلَم؛ لكونه بيع معدوم، وما ورد النص بجوازه إلا مؤجلا، وما رُويَ حكاية حال فلا عموم لها، وقد أريد به السَّلَم المؤجل بالإجماع (٧) فلم يرد غيره؛ لئلا يتعمم.

стр. 4905

الحَدِيثِ وَرَخَّصَ فِي السَّلَمِ. وَلَنَا: قَولُهُ ﵊: «إِلَى أَجَلٍ مَعلُوم» فِيمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّهُ شُرِعَ رُخصة دفعا لِحَاجَةِ المَفَالِيسِ، وفي الفوائد الحميدية: في هذه المسألة يتراءى (١) أن الشافعي ترك أصله، حيث لم يحمل المطلق على المقيد، وأصحابنا كذلك حتى حملوا المطلق على المقيد، فالتقصي عن هذا أن نقول: أما عند الشافعي: إنما يحمل إذا لم تختلف الأصول، وهاهنا اختلفت، فلا يحمل كما في صوم كفارة اليمين، وبيان اختلافها: أن البيع يجوز حالا ومؤجلا، فبالنظر إلى البيع يجوز حالا ومؤجلا، وبالنظر إلى الكتابة لا يجوز إلا مؤجلا. وأما عندنا: فإنما لا يُحمل إذا أمكن العمل بهما، وهاهنا الحكم والحادثة واحدة فلا يمكن العمل بهما؛ للتضاد، فإنه يستحيل أن يكون الشيء الواحد في زمان واحد ثابتا وغير ثابت، فإن قوله ﷺ : «مَنْ أَسْلَمَ» الحديث يقتضي جواز السَّلَم منحصرًا عليه كما بينا، فحينئذ لا يمكن إجراء المطلق على إطلاقه، وأما السَّلَم في المذروع والمعدود فبدلالة النص؛ لأنهما في معنى المنصوص من كل وجه، بخلاف الحال والمؤجل. كذا قيل. قوله: (دَفْعًا لِحَاجَةِ الْمَفَالِيسِ)، وفي المبسوط (٢) والأسرار: قوله ﷺ : «وَرَخّصَ فِي السَّلَم»، دلَّ أن الأصل في باب السَّلَم الفساد، وإنما أبيح رخصةً؛ لأن الرخصة ما استبيح مع قيام المحرم تيسيرًا على العباد، وكل الأعذار للعباد في العجز، والعجز في باب السَّلَم حاجة الفقير إلى ثمن السلعة لعسرته، والعجز بسبب المعدوم لا يرتفع إلا بالتمليك، وذلك لا يحصل عادة إلا بزمان يتكسب فيه، أو مجيء حين الحصاد، فلم يُبح ذلك إلا بأجل ليتمكن فيه من التكسب فيقدر على التسليم، فصار الأجل شرطًا لا بعينه، بل للقدرة على التسليم كما قال الشافعي في الكتابة.
следующие страницы →