(وَيُؤَذِّنُ لِلْفَائِتَةِ وَيُقِيمُ) لِأَنَّهُ ﵊ قَضَى الفَجْرَ غَدَاةَ لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ بِأَذَانِ وَإِقَامَةِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي اكْتِفَائِهِ بِالْإِقَامَةِ (فَإِنْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ أَذَّنَ لِلْأُولَى وَأَقَامَ) لَمَا رَوَيْنَا (وَكَانَ مُخَيَّرًا فِي البَاقِي إِنْ شَاءَ أَذَّنَ وَأَقَامَ) لِيَكُونَ القَضَاءُ عَلَى حَسَبِ الأَدَاءِ وَإِنْ شَاءَ اقْتَصَرَ عَلَى الإِقَامَةِ لِأَنَّ الْأَذَانَ لِلاسْتِحْضَارِ وَهُمْ حُضُورٌ. قَالَ ﵁: وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ يُقِيمُ لِمَا بَعْدَهَا وَلَا يُؤَذِّنُ، قَالُوا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا.
يوسف بإسناده إلى النبي ﵇ أنه حين شغلهم الكفار يوم الخندق قضاهن بأذان وإقامة، وفي رواية: بأذان وإقامة للأولى، وإقامة لكل واحدة من البواقي، ولاختلاف الروايتين خيرنا في ذلك.
وأما قوله: شرع لكذا، قلنا بلى، ولتحصيل الثواب أيضًا بهذه الكلمات، وفي هذا لا يتفاوت بين أن يكون واحدا أو جماعة.
وأما رواية أبي سعيد يحتمل أنه ما كان حاضرًا وقت الأذان، وما روينا مثبت فكان أولى من نفيه، وكان مخيرا في الباقي.
فإن قيل: قد عرف في الأصول أن الرفق إذا كان متعينا في أحد الجانبين لا يخير بينهما، كما في قصر صلاة المسافر، وهاهنا الرفق متعين في الإقامة، فكيف يثبت التخيير؟
قلنا: ذاك في الواجبين لا في السنن والتطوعات.
(قالوا)، أي المشايخ، عن أبي بكر الرازي: يجوز أن يكون ما قاله محمد قولهم جميعًا، والمذكور في كتاب محمول على الصلاة الواحدة فيرتفع الخلاف بين أصحابنا.
وفي الْمُجْتَبى: قوم ذكروا فساد صلاتهم في المسجد في الوقت قضوها بجماعة فيه لا يعيدون الأذان والإقامة، وإن قضوها بعد الوقت قضوها في غير ذلك المسجد بأذان وإقامة (١).
стр. 527
(وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ عَلَى طُهْرٍ، فَإِنْ أَذَّنَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ جَازَ) لِأَنَّهُ ذِكْرٌ وَلَيْسَ بِصَلَاةٍ فَكَانَ الوُضُوءُ فِيهِ اسْتِحْبَابًا كَمَا فِي القِرَاءَةِ وَيُكْرَهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الفَصْلِ بَيْنَ الإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ، وَيُرْوَى أَنَّهُ لَا تُكْرَهُ الإِقَامَةُ أَيْضًا
ووجه الفرق بين عدم كراهة الأذان بغير وضوء، وكراهته بالجنابة، فإن على رواية كراهة الأذان بغير وضوء فلا حاجة إلى الفرق. وفي المحيط: أوضح الفرق وقال: إنما لم يعكس لأنا لو اعتبرنا في الحدث جانب الشبه يلزمنا اعتباره في الجنابة بالطريق الأولى لأنها أغلظ الحدثين، فحينئذ يبطل جانب الحقيقة (١).
وأما وجه مشابهته بالصلاة فمن حيث إن جوازهما متعلق بالوقت واستقبال القبلة شرط فيهما. وأما وجه كراهة الأذان بغير وضوء - وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة -: فهو أن المؤذن يدعو الناس إلى التأهب للصلاة، فإذا لم يكن متأهبا دخل تحت قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ [البقرة: ٤٤] الآية.
ثم الطهارة غير شرط لجواز الأذان والإقامة عندنا، والشافعي (٢)، وأحمد (٣)، وعامة أهل العلم، وعن مالك أنها شرط في الإقامة دون الأذان (٤). وقال الأوزاعي، وعطاء، وبعض أصحاب الشافعي: شرط فيهما (٥)؛ لقوله ﵇" «لا يؤذِّنُ إِلَّا مُتوضّى» (٦)
стр. 528
لِأَنَّهَا أَحَدُ الأَذَانَيْنِ، وَيُرْوَى أَنَّهُ يُكْرَهُ الأَذَانُ أَيْضًا، لِأَنَّهُ يَصِيرُ دَاعِيًا إِلَى مَا لَا يُجِيبُ بِنَفْسِهِ (وَيُكْرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ وَهُوَ جُنُبٌ) رِوَايَةٌ وَاحِدَةً.
وَوَجْهُ الفَرْقِ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ: أَنَّ لِلْأَذَانِ شَبَهَا بِالصَّلَاةِ فَتُشترط الطَّهَارَةُ عَنْ أَغْلَظِ الحَدَثَيْنِ دُونَ أَخَفِّهِمَا عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ. وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: إِذَا أَذَّنَ وَأَقَامَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ لَا يُعِيدُ، وَالجُنُبُ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُعِيدَ، وَلَوْ لَمْ يُعِدْ أَجْزَأَهُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِخِفَّةِ الحَدَثِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَفِي الإِعَادَةِ بِسَبَبِ الجَنَابَةِ رِوَايَتَانِ، وَالأَشْبَهُ أَنْ يُعَادَ
ولنا: قوله ﵇: «حَقُّ - أو سُنّةٌ - أن لا يؤذِّنَ الرجلُ إلا وهو طاهر» (١)، وهذا يقتضي الاستحباب.
ولأن الأذان ذكر فكان الوضوء فيه مستحبا كما في قراءة القرآن، مع أن القراءة أشرف الأذكار، وهذا لا يدل على عدم الكراهة كما في القراءة، وما قاله ﵇ بيان الأولى، مع أنه لم يكن مشهورًا.
(وأما الأول)، وهو قوله: (لا يعيد).
(وأما الثاني)، وهو قوله: (وأحب إليّ أن يعيد)، وفي شرح الطحاوي: يستحب إعادة أذان أربعة: الجنب، والمرأة، والسكران، والمجنون (٢).
قال المحبوبي: إنما يكره أذان المرأة لأن المؤذن يندب أن يشهر نفسه ويرفع صوته، حتى يستحب له أن يعلو المنارة، أو أعلى موضع عند الأذان، والمرأة منهية عن الكل، فلهذا يستحب إعادة أذانها حين وقع لا على وجه السنة.
стр. 529
الأَذَانُ دُونَ الإِقَامَةِ لِأَنَّ تَكْرَارَ الْأَذَانِ مَشْرُوعٌ دُونَ الْإِقَامَةِ.
وَقَوْلُهُ: «وَلَوْ لَمْ يُعِدْ أَجْزَاهُ»: يَعْنِي الصَّلَاةَ، لِأَنَّهَا جَائِزَةٌ بِدُونِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ المَرْأَةُ تُؤَذِّنُ مَعْنَاهُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُعَادَ لِيَقَعَ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ (وَلَا يُؤَذِّنُ
وفي المبسوط: وليس على النساء أذان وإقامة - وبه قال مالك (١)، وأحمد (٢)، وأبو ثور وجملة من التابعين -؛ لأنهما سنتا الجماعة وجماعتهن منسوخة، وكذا لو صلين بجماعة لحديث رايطة - بالياء - قالت: كنا جماعة من النساء أمتنا عائشة بلا أذان وإقامة (٣).
أما لو أذنت المرأة للرجال يجوز لحصول المقصود، ولكن يكره لأن أذانها من المحدثات لم يكن في السلف، وكل محدثة بدعة.
وللشافعي في جماعة النساء ثلاثة أقوال أصحها وهو نصه في الأم (٤): أنه يستحب لهن الإقامة دون الأذان؛ لما روي عن عمر أنه قال: ليس على النساء الأذان (٥)، ولأنه للإعلام ولا يحصل ذلك إلا برفع الصوت، وفي رفع صوتهن خوف الفتنة.
وأما الإقامة فمستحب؛ لأنها لاستفتاح الصلاة، واستنهاض الحاضرين فيستوي فيه الرجال والنساء.
والثاني: أنه لا أذان ولا إقامة؛ فلما ذكرنا أنها تبع الأذان فلا تكون بدون متبوعها.
والثالث: أنه يستحب الأذان والإقامة؛ لما روي عن عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم، ولا يختص هذا الخلاف فيما إذا صلين بجماعة أو وحدهن، كذا في
стр. 530
لِصَلَاةٍ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا وَيُعَادُ فِي الوَقْتِ) لِأَنَّ الأَذَانَ لِلْإِعْلَامِ وَقَبْلَ الوَقْتِ تَجْهِيلٌ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ يَجُوزُ لِلْفَجْرِ فِي النِّصْفِ الأَخِيرِ مِنْ
شرح الوجيز (١).
ولنا: ما روي عن النبي ﵇ أنه قال: «ليس على النساء أذان وإقامة»، كذا في الإيضاح. وآخر الحديث: «ولا جمعة، ولا يتقدمُهُنَّ إمامُهُنَّ، ولكن يقوم وسطهُنَّ»، رواية أسماء (٢).
ولأنهما سنتا الجماعة، وجماعتهن منسوخة كما ذكرنا، والرواية عن عائشة مختلفة، والإقامة لإعلام الحاضرين وهن حضور.
وفي المبسوط: لو صلين بهما جازت صلاتهن على الإساءة فهي مخالفة السنة والتعرض للفتنة (٣).
(وهو قول الشافعي) (٤)،، وبه قال مالك (٥)، وأحمد (٦)، وداود (٧)؛ لما روي أن بلالا كان يؤذن على عهد النبي ﵇ بالليل (٨)، فدل أنه لا بأس به، ولأن الفجر وقت نوم وغفلة والحاجة ماسة إلى التأهب للصلاة قبل الوقت بالاغتسال، والوضوء ليتمكن المكلف من شغل الوقت كله بالسنة والفرض؛ فيجوز ذلك إحرازاً لهذه الفضيلة.
ولنا: أن الأذان موضوع للإعلام بدخول الوقت، ألا ترى أنه نداء إلى
стр. 531
اللَّيْلِ لِتَوَارُثِ أَهْلِ الحَرَمَيْنِ. وَالحُجَّةُ عَلَى الكُلِّ قَوْلُهُ ﵊ لِبِلَالٍ ﵁: «لَا تُؤَذِّنْ حَتَّى يَسْتَبِينَ لَكَ الفَجْرُ هَكَذَا، وَمَدَّ يَدَهُ عَرْضًا».
الأداء وقبله يكون كذبًا، ألا ترى أنه لا يجوز في سائر الصلوات بالإجماع، وما فعله بلال كان ليوقظ النائم، ويرجع القائم، ويتسحر الصائم لا للإعلام بدخول الوقت؛ فإنه ﵇ قال: «لا يَغُرَّنكُم أذان بلال فإنه يؤذِّنُ بالليل» (١)، وقال لمن أذن قبل الوقت: «لا تُؤذِّنْ حتى ترَى الفجر هكذا»، ومد يده (٢).
ومساس الحاجة إنما يكون إلى ما قال لو كان الوقت ضيقًا، وفي وقت الفجر اتساع يحتمل تحصيل التأهب على الكمال، مع إحراز الفضيلة.
وفي المبسوط: في أذان الفجر قبل وقته إضرار بالناس لأنه وقت نومهم فيتلبس عليهم، وذلك مكروه، وكان الحسن البصري إذا سمع يقول: علوج لا يصلون إلا في الوقت، لو أدركهم عمر لأدبهم.
فأما أذان بلال فأنكر عليه النبي ﵇ للأذان بالليل، وأمره أن ينادي على نفسه: «ألا إنَّ العبد قد نام» (٣)، فكان يبكي ويطوف حول المدينة ويقول:
ليت بلالا لم تلده أمه، وابتل من نضح دم عينيه.
وفي الْمُجْتَبى: روي أنه ﵇ عرك أذنه وقال: «يا عدي نفسك إن عدت إلى هذا لأوجعنك ضربًا» (٤)، وإنما قال ذلك بلال لكثرة معاتبة النبي ﵇ إياه، وحديثه حجة لنا حيث لم يعتبر أذانه، وأمر الناس أن لا يعتبروا
стр. 532
(وَالمُسَافِرُ يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ) لِقَوْلِهِ ﵊ لِابْنَيْ أَبِي مُلَيْكَةَ ﵄: «إِذَا سَافَرْتُمَا فَأَذْنَا وَأَقِيمَا»، (فَإِنْ تَرَكَهُمَا جَمِيعًا يُكْرَهُ) وَلَوِ اكْتَفَى بِالإِقَامَةِ جَازَ، لِأَنَّ الأَذَانَ لِاسْتِحْضَارِ الغَائِبِينَ، وَالرُّفْقَةُ حَاضِرُونَ، وَالإِقَامَةَ لِإِعْلَامِ الافْتِتَاحِ وَهُمْ إِلَيْهِ مُحْتَاجُونَ (فَإِنْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ فِي المِصْرِ يُصَلِّي بِأَذَانِ وَإِقَامَةٍ) لِيَكُونَ الأَدَاءُ عَلَى هَيْئَةِ
فقال: «كلوا واشربوا حتى يُؤذِّنَ ابن أم مكتوم»، وكان هو أعمى ولا يؤذن حتى يسمع الناس يقولون: أصبحت، أصبحت (١).
فإن قيل: أذان الأعمى مكروه، فكيف جعله النبي ﵇ مؤذنا؟
قلنا: إنما يكون أذانه مكروها وغيره أولى؛ لأن غيره أعلم بمواقيت الصلاة، وكان مع ابن مكتوم من يحفظ عليه أوقات الصلاة، ومتى كان كذلك يكون تأذينه وتأذين البصير سواء، كذا ذكره شيخ الإسلام.
وفي المجرد: قال أبو حنيفة: يؤذن للفجر بعد طلوعه، وللظهر في الشتاء حين تزول الشمس، وفي الصيف يبرد، وفي العصر يؤخر ما لم يخف تغير الشمس، وفي المغرب حتى تغرب الشمس، وفي العشاء يؤخر قليلا بعد ذهاب البياض (٢).
قوله: (لابني أبي مليكة)، ذكر في المبسوط هذا الحديث بخطاب مالك بن الحويرث وابن عم له، ثم قال فيه: قال ﵇: «من أذَّنَ في أرضِ قَفرٍ وأقام صلَّى بصلاته ما بين الخافقين مِنَ الملائكة، ومن صلى بغيرهما لم يصل معه إلَّا مَلَكاه»، وإن تركهما جميعًا جاز (٣).
في القنية: عن عطاء: من نسي الإقامة أعاد، وقال الأوزاعي: يعيد ما بقي الوقت، وقال مجاهد: نسي الإقامة في السفر يعيد، وعن علي بن جعد، عن
стр. 533
الْجَمَاعَةِ (وَإِنْ تَرَكَهُمَا جَازَ) لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: أَذَانُ الْحَيِّ يَكْفِينَا.
أبي حنيفة وأبي يوسف: صلوا في المصر الظهر والعصر جماعة بلا أذان وإقامة، أخطأوا السنة وأثموا بهذا، يدل على وجوب الأذان (١).
(أذان الحي يكفينا)، في المبسوط: روي عن ابن مسعود أنه صلى بعلقمة والأسود في بيته، فقيل له: ألا تؤذن وتقيم؟ قال: أذان الحي يكفينا (٢).
ولأن مؤذن الحي نائب عن أهل المحلة في الأذان والإقامة فكان أذانه وإقامته كأذان الكل وإقامتهم؛ لأنهم هم الذين نصبوه، بخلاف المسافر إذا صلى وتركهما حيث يكره له ذلك؛ لأنه يصلي بغير أذان وإقامة حقيقة وحكما فيكون تاركا لصلاة الجماعة حقيقة، وتشبها، ويكره ترك الجماعة، وكذا ترك التشبه كما في الصوم متى عجز عنه وقدر على التشبيه كره له ترك ذلك فكذا هذا، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
وذكر التمرتاشي: إذا لم يكن أقيم في محلته يكره ترك الإقامة.
وقال السرخسي: له أن يصلي في بيته بلا أذان وإقامة إن شاء (٣).
وإن كانوا جماعة وعن أبي يوسف: إن شاؤوا تركوا ذلك (٤).
وفي جامع الكرخي: يرخص له ذلك، ولو أذن وأقام فحسن، وكذا إن أقام ولم يؤذن إذا كان منفردا. وفي المحيط: والذي يصلي في المسجد وحده لا يؤذن إجماعا؛ لأن أذان الحي يكفيه (٥).
وعند الشافعي سن الأذان في حالة الجماعة والانفراد في الجديد؛ لقوله ﵇ لأبي سعيد الخدري: «إنك تحب البادية والغنم، فإذا دخل وقت الصلاة أذن وارفع صوتك؛ فإنه لا يسمع صوتك حجر، ولا مدر، ولا شجر إلا
стр. 534
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شَهِدَ لكَ يوم القيامة» (١).
وفي القديم: لا يؤذن؛ لأن المقصود منه الإعلام، وهو لا يحصل (٢).
وقال مالك: يسن الأذان للجماعة الراتبة؛ لأنه ورد هكذا (٣).
وأما بيان ما يجب على السامع فنقول: تجب عليه الإجابة؛ لقوله ﵇: «أربع منَ الجَفاءِ»، وذكر منها: «سَمِعَ الأذان والإقامة ولم يُجِبْ» (٤)، والإجابة أن يقول مثل ما قال المؤذن إلا في قوله: «حي على الصلاة، حي على الفلاح»، فإنه يقول مقامهما: لا حول ولا قوة إلا بالله لأن إعادة ذلك يشبه الاستهزاء.
وكذا إذا قال: «الصلاة خير من النوم»، يقول: صدقت وبررت، كذا في التحفة (٥).
وفي الْمُجْتَبى: قال ﵇: «من لم يجب المؤذن فلا صلاة له» (٦).
وقيل: هو الإجابة باللسان، وفي جامع قاضي صدر: يستحب الإجابة، وبه قال الشافعي.
وعن الحلواني: الإجابة بالقدم، حتى لو أجاب باللسان ولم يمش إلى المسجد لا يكون مجيبًا، ولو كان فيه ولم يجب باللسان لا يكون آثمًا، ولو مشى ولم يتكلم فقد أجاب.
وفي النظم: ثمانية مواضع لا تثنى: في الصلاة، وعند استماع الخطبة،
стр. 535
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وثلاث خطب الموسم، والجنابة، وفي تعلم القرآن وتعليمه، والجماع، والمستراح، وقضاء الحاجة، والتغوط، قال أبو حنيفة: لا يثني بلسانه وقلبه، وقال أبو يوسف: يثني بقلبه، وقال محمد: لا يثني حتى يفرغ، ثم يثني، وكذا الحائض والنفساء لا يجوز أذانهما، فكذا ثناؤهما (١).
وفي شرح الوجيز ولو كان في الصلاة فالمستحب أن لا يجيب حتى يفرغ، ويكره أن يجيب في أظهر القولين، أما لو أجاب لا تبطل صلاته؛ لأنها أذكار، ولو قال: حي على الصلاة، أو تكلم بكلمة التثويب تبطل (٢).
وقال مالك: يجيب في صلاة النافلة (٣).
وفي التحفة: وينبغي للسامع أن لا يتكلم ولا يشتغل بشيء في حالة الأذان والإقامة، ولا يرد السلام أيضًا؛ لأن الكل يخل بالنظم، كذا في الإيضاح (٤).
وفي العيون: لو سمع النداء قارئ فالأفضل له أن يمسك ويستمع النداء، به ورد الأثر.
وفي فوائد الرُّسْتُغْفَنِي: ولو سمع وهو في المسجد يمضي في قراءته، وإن كان في بيته فكذلك إن لم يكن أذان مسجده.
قال الإمام ظهير الدين: لو سمع النداء في وقت واحد من الجهات أجاب أذان مسجده بالفعل.
وفي فتاوى العتابي: سمع أذان مسجده في بيته وهو في القراءة ترك القراءة ويجيب الحضور إن أمكنه لقوله ﵇: «خمس لا تُطفَأُ عنهم النيران، ولا تُمَوِّتُ لهم الديدان، ولا يُخفّف عنهم العذاب»، وذكر من جملتها: «من سَمِعَ الأذان ولم يَحْضُرُ».
стр. 536
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولو سمع أذان مسجد آخر لا يترك القراءة؛ لأن الجواب ليس بواجب عليه، ويكره رد السلام في الأذان، وكذا في فتاوى الظهيرية.
وفي الْمُجْتَبَى: إذا غشي في أذانه، أو أحدث فتوضأ، أو مات، أو ارتد فالمستحب استقباله، والأولى لمن أحدث في أذانه أو إقامته أن يتم، ويكره التنحنح عند الأذان والإقامة ورد السلام فيهما، ولا يجب الرد بعده على الأصح (١).
وفي العون: غاب بالمؤذن فأقام غيره لا يكره إجماعًا، ولو أقام غيره بغير رضاه يكره إجماعًا، وإن لم يغب وإن كان برضاه لا يكره عندنا، خلافًا للشافعي.
وفي المبسوط: لا بأس أن يؤذن، ويقيم آخر؛ لما روي أن عبد الله بن زيد سأل النبي ﷺ بأن يكون له نصيبا في الأذان، فأمر بلالا أن يؤذن ويقيم هو، ولأن كل واحد منهما ذكر مقصود بنفسه فلا بأس بأن يأتي بكل واحد رجل آخر، والذي روي أنه ﵇ قال لبلال: «إن أخاك الصُّدَائِي أذن، من أذن فهو يُقيمُ» (٢)، على وجه تعليم حسن العشرة لا أن يكون خلاف ذلك لا يجوز (٣).
وفي الإيضاح: وروي عن أبي حنيفة الكراهة في ذلك، وهو قول الشافعي لحديث الصدائي.
وفي المجتبى: أذان الفاسق يكره ولا يعاد (٤).
стр. 537
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي المحيط: يكره الأذان قاعدًا لأنه يخل بالإعلام، وإن أذن لنفسه قاعدًا لا بأس به؛ لأن المقصود منه مراعاة سنة الصلاة لا الإعلام.
وفي الإيضاح: يجوز للمسافر أن يؤذن راكبًا لأنه يحصل به، وينزل للإقامة، ولأنه لو لم ينزل يلزم الفصل بين الإقامة والشروع (١). وأما في الحضر فظاهر الرواية أنه يكره الأذان راكبًا، وعن أبي يوسف لا بأس به.
وفي المبسوط: افتتح الأذان فظن أنه الإقامة فأقام في آخره، يعني قال: قد قامت الصلاة، ثم علم، يتم الأذان ثم يقيم، ولو كان فيها فظن أنها أذان يصنع فيها ما يصنع في الأذان أعادها من أولها؛ لأن التغيير هاهنا وقع في جميعها، وفي الأذان في آخرها (٢).
ولو قدم بعض الكلمات على بعض فالأصل فيه أن ما سبق أوانه لا يعتبر حتى يعيده في أوانه، وما وقع مكررًا لا يعتبر فكأنه لم يكرر، ويكره للإمام أو المؤذن أن يأخذ على ذلك شيئًا لأنهما خليفتان للنبي ﵇، وقال تعالى: ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠]، وجاء رجل إلى عمر (٣) ﵁ وقال: إني أحبك في الله، فقال: إني أبغضك في الله، قال: لم؟ قال: لأنه بلغني أنك تأخذ على الأذان أجرًا (٤).
أما لو عرف القوم حاجته وواسوه لا يكره، وما أحسن ذلك وقد كان
стр. 538
بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ الَّتِي تَتَقَدَّمُهَا
الأنبياء ﵈ يقبلون الهدايا، وعلى هذا المفتي في بلد أو قرية لا يحل له أن يأخذ على ذلك شيئًا، ولكن ينبغي للقوم أن يهدوه؛ لأنه يحسن إليهم بحراسة أمر دينهم فقابلوه بالإحسان.
وعند الشافعي لا يكره، ولكن يستحب أن يتطوع المؤذن فيه (١).
تجيء مسألة الاستئجار على الأذان في الإيجار، والإمامة أفضل من الأذان عندنا وعند الشافعي في أصح قوليه؛ لمواظبة النبي ﵇ عليها، وكذا الخلفاء بعده، وفي قوله الآخر الأذان أفضل (٢)، والله أعلم.
بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ
قدم الطهارة على سائر الشروط لأنها أهم، ثم قدم الأسباب لأنها مع كونها أسبابًا شروط، ثم أعقبها بالأذان لأنه شرع لإعلامه، كما أن السبب شرع أمارة على الحكم.
وفي البدرية: حقيق على المسلم أن ينتبه بالوقت؛ فإن لم ينتبه به فلينتبه بالأذان.
ثم شرع في بيان باقي الشروط، ثم احترز بقوله: (تتقدمها) عن القعدة الأخيرة والتحريمة؛ فإنه اختلف في ركنيتهما، كذا ذكره شيخ الإسلام.
وعن ترتيب أفعال الصلاة فيما لم يشرع مكررًا؛ كترتيب الركوع على القراءة، والسجود على الركوع؛ فإنه شرط، حتى لو ترك الترتيب لا تجوز صلاته، وعن مراعاة المقتدي مقام الإمام، وعن عدم تذكر فائتة قبلها وهو صاحب ترتيب.
وعن عدم محاذاة المرأة؛ فإن هذه الأشياء شروط ولا يتقدمها، والأوجه أن يقال: هذا صفة مقررة لا مميزة.
وفي البدرية: هذا قيد قصدي لا اتفاقي لأن في هذا الباب ذكر الشروط
стр. 539
(يَجِبُ عَلَى المُصَلِّي أَنْ يُقَدِّمَ الطَّهَارَةَ مِنْ الأَحْدَاثِ وَالْأَنْجَاسِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦].
(وَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] أَيْ: مَا يُوَارِي عَوْرَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَقَالَ ﵊: «لَا صَلَاةَ لِحَائِضِ إِلَّا بِخِمَارٍ» أَيْ لِبَالِغَةِ
المتقدمة لا المتوسطة.
والشروط جمع شرط، والأشراط: جمع الشرط بفتح الراء، وهما العلامة، والمستعمل في لسان الفقهاء: الشروط، لا الأشراط.
وقيل: شرط الشيء ما يتوقف عليه وجود ذلك الشيء ولا يكون من أجزائه، على ما عرف في الأصول (١).
قوله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: ٣١] هذا من قبيل إطلاق اسم الحال على المحل وهو الثوب، كذا ذكره عامة المشايخ.
وقال الشيخ العلامة ﵀: من قبيل إطلاق المسبب على السبب؛ لأن الثوب سبب الزينة ومحل الزينة الشخص.
وقيل: الزينة ما يتزين به من ثوب وغيره كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١]، فعلى هذا يصح ما ذكروه من التأويل.
وفي الكشاف: الزينة ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل، وإنما نهي عن إبداء الزينة نفسها ليعلم أن النظر لم يحل إليها لئلا تشتهى تلك المواقع، فالنظر إلى المواقع أثبت في الحرمة (٢).
وقيل: أراد موضع الزينة؛ لأن النظر إلى الزينة حلال بالإجماع.
وقوله تعالى: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩] من قبيل إطلاق اسم المحل على الحال؛ فإن الستر لا يجب لعين المسجد بدليل جواز الطواف عريانا،
стр. 540
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيعلم من هذا أن ستره للصلاة لا لأجل الناس، حتى لو صلى وحده ولم يستر عورته لم تجز صلاته، وإن لم يكن عنده أحد.
فإن قيل: الآية وردت في الطواف - قاله ابن عباس -، لا في حق الصلاة، فكيف يجوز التمسك بها؟
قلنا: العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وهاهنا اللفظ عام؛ لأنه قال ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩] فيمنع القصر على مسجد واحد وهو المسجد الحرام.
فإن قيل: لو وردت الآية في سبب يثبت الحكم فيما سواه على حسب ذلك المسبب وإن عم اللفظ هاهنا تناولت الطواف الذي وردت لأجله بطريق الوجوب لا الافتراض، حتى لو طاف عريانا يعتد به، فكان يجب أن يكون في حق الصلاة، كذلك قلنا الأمر يحمل على الافتراض، إلا إذا قام دليل على عدمه، وقد قام الدليل على عدم فرضية الستر في الطواف وهو الإجماع، ولا دليل في حق الصلاة فيبقى الأمر فرضا.
والسنة قامت محققة للفرضية؛ فإنه روي عن أم سلمة أنها سألت النبي ﵇ فقالت: هل تصلي المرأة بدرع وخمار إذا لم يكن عليها إزار؟ قال: «نعم إذا كان سابغًا يغطي ظهور قدميها» (١)، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
ثم المراد بالحائض البالغة، إطلاق لاسم السبب على المسبب، إذ الحيض أحد أسباب البلوغ، أو ذكر الملزوم وأراد به اللازم؛ فإن كل حائض بالغة، ولا ينعكس.
ثم عند مالك ستر العورة واجب للصلاة، وليس بشرط لصحتها، كذا في الحلية (٢).
стр. 541
(وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ مَا تَحْتَ السُّرَّةِ إِلَى الرُّكْبَةِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «عَوْرَةُ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ إِلَى رُكْبَتِهِ» وَيُرْوَى «مَا دُونَ سُرَّتِهِ حَتَّى تُجَاوِزَ رُكْبَتَهُ» وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ السُّرَّةَ لَيْسَتْ مِنْ العَوْرَةِ، خِلَافًا لِمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ (وَالرُّكْبَةُ مِنْ العَوْرَةِ).
وفي الْمُجْتَبى: عند مالك والليث سترها ليس بشرط، ولكن يعيد ما بقي الوقت، وإلا فلا (١).
قوله: (ما تحت السرة)، وفي فتاوى الظهيرية: قال الفضلي: ما تحت السرة إلى نبات الشعر من العانة ليست بعورة؛ لتعامل العمال في الإبداء عنه عند الإبراز، وفي المنع عن العادة الظاهرة نوع حرج، وهو ضعيف إذ التعامل بخلاف النص لا يعتبر.
(وبهذا)، أي بقوله (ما دون سرته) خلافًا لما يقوله الشافعي، هذا على قول بعض أصحابه؛ فإن الصحيح عنده أن السرة والركبة ليستا بعورتين (٢)، وبه قال مالك (٣)، وأحمد في رواية (٤).
وفي شرح الوجيز: عورة الرجل ما بين السرة والركبة على الصحيح، وفي وجه هما عورتان وفي وجه الركبة عورة دون السرة (٥). وقال الإِصْطخري، وداود (٦)، وأحمد في رواية: عورة الرجل القبل والدبر فقط.
وفي المبسوط: وقال أبو عصمة المروزي (٧): السرة أحد حدي العورة كالركبة، بل أولى لأنها في معنى الاشتهاء فوق الركبة، فتكون عورة (٨).
ولنا: ما روي عن ابن عمر ﵁: أنه كان إذا اتزر أبدى عن سرته، وقال
стр. 542
خِلَافًا لَهُ أَيْضًا، وَكَلِمَةُ «إِلَى» نَحْمِلُهَا عَلَى كَلِمَةِ «مَعَ» عَمَلًا بِكَلِمَةِ «حَتَّى» أَوْ عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﵊: «الرُّكْبَةُ مِنْ العَوْرَةِ».
(وَبَدَنُ الحُرَّةِ كُلِّهَا عَوْرَةٌ
أبو هريرة للحسن: أرني الموضع الذي كان يقبله النبي ﵇، فأبدى عن سرته، فقبله أبو هريرة. (١)
قوله: (عملا بكلمة «حتى»)، يعني استعمل "إلى" بمعنى " مع " ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، أي مع أموالكم، فحمل على هذا دفعا للتناقض عن كلام صاحب الشرع.
وقال بعض المشايخ: قوله: إلى ركبته غاية للإسقاط؛ لأن قوله: (ما بين سرته) يتناول ما تحت السرة، فأخرج ما تحتها فبقيت الركبة تحت العورة (٢).
وفي شرح المجمع والغاية قد تدخل، وقد لا تدخل، والموضع موضع الاحتياط فحكمنا بأنها عورة لتخرج بتغطيتها عن العهدة بيقين.
وفي البدرية، وجامع الكردري: الركبة مركبة من عظم الساق والفخذ فيكون المحرم مختلطا مع المبيح فيرجح المحرم.
ثم قال المصنف في التجنيس: الركبة إلى آخر الفخذ عضو واحد، حتى لو صلى والركبتان مكشوفتان تجوز صلاته، ومن المشايخ من قال إنهما عضو على حدة، والأول أصح؛ لأنها في الحقيقة ملتقى عظم الفخذ والساق، وإنما حرم النظر إليها لتعذر التستر بينها وبين الفخذ (٣).
قوله: (وبدن الحرة كلها عورة)، وفي بعض النسخ: (كله)، وهما تأكيدان للبدن، إلا أنه لما أضيف إلى المؤنث جاز أن يعطى له حكم التأنيث، كما في قوله: ﴿لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩]، وقوله ﵇: «المرأة عورة
стр. 543
إِلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا) لِقَوْلِهِ ﵊ «المَرْأَةُ عَوْرَةٌ مَسْتُورَةٌ» وَاسْتِثْنَاءُ
مستورة (١)، إخبار، ونحن نشاهدها غير مستورة، وقد عُصِم عن الكذب والخلف، فيحمل إخباره على معنى آخر للاحتراز عنها، وقد وجدنا الوجود ملازما للإخبار، ووجدنا الأمر والإيجاب داعيان إليه فحملناه على إيجاب الستر، أي يجب عليها الستر، واختار هذه الصيغة - والله أعلم - ليفيد زيادة تأكيد.
وفي الخبازية، والكاثي: معناه من حقها، أي: تستر، كما يقال: الله معبود، أي: من حقه أن يعبد لا لأجل الجنة والنار.
قوله: (إلا وجهها وكفيها)، إشارة إلى أن القدم وظهر الكف عورة، كذا في المستصفى (٢).
واعترض أن استثناء الكف لا يدل على أن ظهر الكف عورة؛ لأن الكف لغة يتناول الظاهر والباطن، ولهذا يقال: ظهر الكف.
وأجيب بأن الكف عرفًا واستعمالا لا يتناول ظهره.
وفي مختلفات قاضي الغنى (٣): ظاهر الكف وباطنه ليسا بعورتين إلى الرسغ (٤).
وفي ظاهر الرواية ظاهر الكف عورة، وباطنه ليس بعورة، وعن أبي يوسف أن ذراعها ليس بعورة، كذا في الخبازية، والكاثي.
стр. 544
العُضْوَيْنِ لِلابْتِدَاءِ بِإِبْدَائِهِمَا. قَالَ ﵁: وَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ القَدَمَ عَوْرَةٌ.
وفي المبسوط: في الذراع روايتان، والأصح أنها عورة، والصغيرة جدا لا تكون عورة حتى يباح النظر والمس، كذا في فتاوى الظهيرية (١).
(بإبدائهما)، أي بإبداء الوجه في المعاملة مع الرجال، وبإبداء كفها في الأخذ والإعطاء، كذا في المبسوط (٢).
قيل: في هذا التعليل إشارة إلى أن ظهر الكف ليست بعورة لعدم الضرورة، وفيه تأمل.
(وهذا)، أي استثناء الوجه والكفين تنصيص تصريح بأن القدم عورة، وبه قال الشافعي (٣)، ومالك (٤)، يؤيده ما روينا من حديث أم سلمة.
وذكر محمد في كتاب الاستحسان: الوجه والكفان ليستا بعورة، وما سوى ذلك عورة، ويروى أنها ليست بعورة، وبه قال الكرخي من أصحابنا، والثوري، والمزني.
وفي المبسوط: روى الحسن، عن أبي حنيفة أنه يباح النظر إلى قدميها، وذكره الطحاوي أيضًا؛ لأنها كما تبتلى بإبداء الوجه والكف في المعاملة مع الرجال تبتلى بإبداء قدميها إذا مشت حافية، أو منتعلة، فربما لا تجد الخف (٥).
مع أن الوجه يشتهى أكثر مما تشتهي القدم، فإذا أخرج الوجه عن كونه عورة للابتلاء خرج القدم بالطريق الأولى وهذا جهة للأصح.
وعند أحمد (٦)، وداود (٧): يجب أن تستر جميع بدنها إلا الوجه، وعن الفقهاء السبعة أن جميع بدنها عورة.
стр. 545
وَيُرْوَى. أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ، وَهُوَ الأَصَحُ (فَإِنْ صَلَّتْ وَرُبْعُ سَاقِهَا أَوْ ثُلُثُهُ مَكْشُوفٌ، تُعِيدُ الصَّلَاةَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الرُّبْعِ لَا تُعِيدُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا تُعِيدُ إِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ) (*) لِأَنَّ الشَّيْءَ إِنَّمَا يُوصَفُ
ثم لما وقع عند المصنف أن القدم ليست بعورة ذكر مسألة الجامع الصغير (١) بالفاء بقوله: (فإن صلت)، ليكون تفسيرًا لما ذكر قبله وهو قوله: (ويروى أنها ليست بعورة)، فوجه كونه تفسيرًا ما ذكره فخر الإسلام في جامعه: ودلت هذه المسألة على أن القدم ليست بعورة؛ لأنه جوز الصلاة مع كشف ما دون ربع الساق فكانت القدم مكشوفة لا محالة غالبًا، وإن كان كشف ربع الساق ممكنا بدون كشف القدم يعني كشف ربع الساق، أو ثلثه غير مانع فأولى أن لا يكون كشف القدم مانعا (٢).
وقيل: يجوز أن تكون الفاء في قوله: (فإن صلت) لتعليل جهة الأصح. وقيل: يمكن ترجيح دليل كون القدم عورة. وعن عائشة الرخصة إحدى عينها فحسب لاندفاع ضرورة المشي بها.
فإن قيل: لماذا جمع محمد بين الثلث والربع، وذكر الربع يغني عن الثلث؟ قيل: في جوابه وجهان: أحدهما: أنه أورد على هذا الوجه لبيان قول أبي يوسف لما أن عنده انكشاف الربع أو الثلث غير مانع ولتردد محمد في الكثير؛ لأنه روي عن النبي ﵇ أنه قال: «الربع كثير»، وروي أيضًا عنه ﵇ أنه قال: «إنّ الثلث كثير» (٣) كما في الوصية، فتردد بينهما لئلا يكون قاطعًا فيما له تردد. والثاني: أن أبا حنيفة سئل عن هذه المسألة على هذا الوجه فأورده كذلك في الكتاب، كذا في الفوائد الظهيرية.
стр. 546
بِالكَثْرَةِ إِذَا كَانَ مَا يُقَابِلُهُ أَقَلَّ مِنهُ، إِذْ هُمَا مِنْ أَسْمَاءِ المُقَابَلَةِ (وَفِي النِّصْفِ عَنْهُ رِوَايَتَانِ) فاعتُبِرَ الخُرُوجَ عَنْ حَدِّ القِبْلَةِ أَوْ عَدَمِ الدُّخُولِ فِي صِدِّهِ، وَلَهُمَا: أَنَّ الرُّبْعَ يَحْكِي حِكَايَةَ الكَمَالِ، كَمَا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ وَالحَلْقِ فِي الإِحْرَامِ، وَمَنْ رَأَى وَجْهَ
وفي الخبازية: قيل هذا غلط وقع من الكاتب، وعامة المشايخ لم يكتبوا هذا اللفظ لخلوه عن الفائدة.
وقيل: هذا شك من الراوي عن محمد، وقيل: الربع مانع، فإذا كان كذلك كانت مانعية الثلث بطريق الدلالة، وما يثبت بالدلالة فالتنصيص عليه لا يكون قبيحا، قال تعالى: ﴿يَوْمُ عَسِيرُ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٩ - ١٠].
وقيل: الربع مانعا قياسًا، والثلث استحسانًا، فأورده على القياس والاستحسان، وقيل: الربع مانع مع القدم، والثلث مانع لا مع القدم.
(عنه)، أي عن أبي يوسف روايتان، من أسماء المقابلة.
وفي المبسوط: القلة والكثرة من الأسماء المشتركة، فإن الشيء إذا قوبل بما هو أكثر منه يكون قليلا، وبما هو أقل منه يكون كثيرًا (١).
ولكنا نقول: إنهما من المتضايفان، وإذا كان كذلك يلزم أن يكون ما يقابله ويضاده قليلا بالنسبة إليه؛ لأنه لو لم يكن قليلا لكان كثيرًا بنسبته، فحينئذ يلزم أن يكون الشيء الواحد بالنسبة إلى الشيء الواحد قليلا وكثيرًا وهو محال.
وقوله: (فاعتبر الخروج … )، إلى آخره جهة الروايتين، أي اعتبر أبو يوسف الخروج عن حد القلة في كونه مانعًا، وهذا ليس بخارج عنه؛ لأن القليل لما يقابله كثير، وما يقابله هاهنا ليس بكثير؛ لأنه نصف، والنصف اسم لأحد الجزئين المتساويين فلا يكون قليلا، والقليل عفو، وإذا لم يكن قليلا يكون خارجا عن حد القلة فيكون مانعا.
(أو عدم الدخول في ضده)، أي ضد القليل وهو الكثير، وهذا ليس بداخل في حد الكثرة؛ لأن الكثير اسم لما يقابله قليل، وما يقابله هاهنا ليس بقليل فلا يكون النصف داخلا فيه فلا يكون مانعا؛ لأن الكثير هو المانع، ولم يوجد.
قوله: (يحكي حكاية الكمال)، وفي بعض النسخ: (حكاية الكل)، أي
стр. 547
غَيْرِهِ يُخْبِرُ عَنْ رُؤْيَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَرَ إِلَّا أَحَدَ جَوَانِبِهِ الأَرْبَعَةِ (وَالشَّعْرُ وَالبَطْنُ وَالفَخِذُ كَذَلِكَ) يَعْنِي: عَلَى هَذَا الاختلافِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ عُضْوٌ عَلَى حِدَةٍ، وَالمُرَادُ بِهِ النَّازِلُ مِنْ الرَّأْسِ هُوَ الصَّحِيحُ،
يقوم مقام الكل.
فإن قيل: كيف يستقيم هذا التشبيه ومسح كل الرأس لم يكن واجبًا حتى يقوم الربع مقامه، بل الواجب منه مسح البعض كما مر، وكما عرف في الأصول؟
قلنا: الأصل في الرأس غسل كله كما في غسل الوجه؛ لأن التطهير المقصود في الوضوء يحصل به، إلا أن الشارع اكتفى بالمسح من الغسل، ثم اكتفى بالبعض عن الكل دفعًا للضرورة والحرج، فكان الربع قائما مقام الكل عن هذا الوجه، كذا قيل.
وقيل: هذا تشبيه القدر بالقدر، لا تشبيه الواجب بالواجب، كما في قوله ﵇: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُم» (١)، الحديث، ففيه تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرأي بالمرأي.
(على هذا الاختلاف)، أي الاختلاف الذي تقدم ذكره، وهو أن انكشاف الربع مانع أو النصف؛ لأن كل واحد عضو على حدة، ولهذا لو حلق شعرها ولم ينبت تجب كل الدية.
وفي الخبازية: جعل الشعر من الأعضاء للتغليب، أو لأنه جزء من الآدمي حتى لا يجوز بيعه (٢).
(النازل)، أي المسترسل.
وقوله: (وهو الصحيح)، احتراز عن اختيار الصدر الشهيد وغيره، فإنهما
стр. 548
وَإِنَّمَا وُضِعَ غَسْلُه فِي الجَنَابَةِ لِمَكَانِ الحَرَجِ، وَالعَوْرَةُ الغَلِيظَةُ عَلَى هَذَا الاخْتِلَافِ،
ذكرا أن المراد بالشعر ما على الرأس، أما المسترسل ففيه روايتان، في رواية المنتقى: ليس بعورة، وبه قال عبد الله البلخي، ولكن مع هذا حرم النظر إليه؛ لأن النظر إلى شعورهن حرام كالنظر إلى وجه الشابة، وإلى شعور الإماء، ولهذا قالوا: تمنع المرأة الشابة عن كشف وجهها في زماننا، والصحيح أنه عورة، وبه أخذ الليث، وعليه الفتوى، كذا في جامع المحبوبي.
وفي تجنيس المصنف ما يوافق قوله في الهداية (١)، وهذا هو الصحيح؛ لأنه ذكر في المبسوط أن محمدًا بين حكم الرأس فقال: ثلث رأسها، أو ساقها، ثم قال: وكذا الشعر، والشعر الذي على الرأس يعطى حكمه من حكم الرأس فيكون المراد من الشعر المسترسل كذا في الخبازية، والكاثي (٢).
ولأن تلك الرواية تقتضي جواز النظر إلى صدغ الأجنبية وطرف ناصيتها، وهذا أمر يؤدي إلى الفتنة.
وقوله: (إنما) وضع جواب إشكال يرد على قوله: (هو الصحيح)، وهو أن يقال: لو كان النازل عورة باعتبار أنه من بدنها، وهو ليس من بدنها بدليل سقوط غسله في الجنابة.
يقال: (إنما وضع)، أي رفع عنه لكذا.
(والعورة الغليظة)، وهي القبل والدبر.
(على هذا الاختلاف)، أي الذي ذكرنا من اعتبار انكشاف الربع، أو النصف.
وفي المحيط: ذكر الكرخي في كتابه أنه يعتبر في السوأتين قدر الدرهم، وفيما عداهما الربع؛ لأن العورة نوعان: غليظة وخفيفة، كما في النجاسة، فيعتبر في الغليظة قدر الدرهم، ولكن هذا وهم منه؛ لأنه قصد به التغليظ في العورة الغليظة، وهذا في الحقيقة تخفيف فيها؛ لأنه اعتبر قدر الدرهم في
стр. 549
وَالذَّكَرُ يُعْتَبَرُ بِالْفِرَادِهِ وَكَذَا الأُنْثَيَانِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ دُونَ الضَّمِّ.
الدبر، والدبر لا يكون أكثر من قدر الدرهم، فهذا بمقتضى جواز الصلاة في كشف جميع الدبر، وهذا تناقض ظاهر، كذا ذكره فخر الإسلام (١).
وفي جمل النوازل: ذكر في الزيادات أن المرأة لو صلت وبعض رأسها، أو بعض فرجها، أو بطنها، أو فخذها مكشوف، إن بلغ الربع يمنع جواز الصلاة، وإلا فلا، فقد سوى بين الكل.
أجيب عن قول فخر الإسلام: أن هذا لا يلزم على اعتبار أن الدبر مع الإليتين عضو واحد، وهو قول بعض أصحابنا، فلا يمنع انكشاف الدبر وحده.
قوله: (هو الصحيح)، احتراز عما ذكر بعض المشايخ أنهما مع الذكر عضو واحد تبعًا للذكر؛ فإن الإيلاد تتعلق بهما، والصحيح أنهما عضو على حدة، كما في الدية.
في المبسوط: ثدي المرأة إن كانت ناهدة فهو تبع للصدر، وإن كبرت يعتبر كل واحد (٢).
وفي الْمُجْتَبى: لو صلت المراهقة بغير قناع لا تؤمر بالإعادة استحسانًا، وبغير وضوء تؤمر (٣).
وفي جمل النوازل: تؤمر بالإعادة في الصورتين حتى لا تعتاد ذلك، وما بين السرة والعانة عضو كامل فيعتبر ربعه.
قال شيخ الإسلام: هذا كله عند علمائنا، وعند الشافعي القليل والكثير في ذلك سواء كما في النجاسة؛ لأن الستر مطلقا شرط صحتها، ولم يوجد (٤).
وفي جامع الكردري: لو انكشف قليل من الساقين بحيث لو جمع يبلغ الربع جمع كالنجاسة المتفرقة في البدن والثوب، بخلاف الخرق في الخفين
стр. 550
(وَمَا كَانَ عَوْرَةً مِنْ الرَّجُلِ فَهُوَ عَوْرَةٌ مِنْ الأَمَةِ، وَبَطْنُهَا وَظَهْرُهَا عَوْرَةٌ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ بَدَنِهَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ) لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁: أَلْقِي عَنْكَ الخِمَارَ يَا دِفَارِ،
حيث لا يجمع؛ لأن البدن في كونه عورة كعضو واحد، بخلاف الخفين فإنهما ليسا كخف واحد.
قوله: (ما كان عورة)، بالنصب خبر كان.
وفي شرح الطحاوي: وكذا المدبرة والمكاتبة، ومن كانت في رقبتها شيء من الرقبة فهي في معنى الأمة.
المهنة بفتح الميم وكسرها الخدمة والابتذال من مهن القوم خدمهم، وأنكر الأصمعي الكسر، كذا في الصحاح، والمغرب (١).
(يا دفار)، بالدال المهملة، وكسر الراء، وتخفيف الفاء، أي يا مُنْتِنَةٌ.
روي أن عمر ﵁ رأى جارية متقنعة فعلاها - أي: ضربها بالدرة - وقال: أَلْقِ، إلى آخره (٢).
وروي أن جواريه يخدمن الضيفان كاشفات الرؤوس، مضطربات الثديين (٣). كذا في المستصفى (٤).
وفي الْمُجْتَبى: وإماء أنس كن يصلين بغير قناع، ويخدمن أضيافه كذلك ناهدات الثدي، فظهرها وبطنها عورة؛ لأنها محل الشهوة كما في المحارم، وقال محمد بن مقاتل: لا بأس بالنظر إليها إلا ما دون السرة إلى الركبة، وابن عباس رخص للمشتري النظر إليها ما سوى موضع الإزار (٥).
وقلنا: هذا محمول على الإزار فوق الصدر كما في عادة بعض النسوان، فاعتبر حالها بذوات المحارم؛ فإنا جوزنا النظر إلى المحارم إلى الوجه،
стр. 551
أَتَتَشَبَّهِينَ بِالحَرَائِرِ؟ وَلِأَنَّهَا تَخْرُجُ لِحَاجَةِ مَوْلَاهَا فِي ثِيَابِ مِهْنَتِهَا عَادَةً، فَاعْتُبِرَ حَالُهَا بِذَوَاتِ المَحَارِمِ فِي حَقِّ جَمِيعِ الرِّجَالِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ.
والرأس، والصدر والعضدين، والساقين دفعًا للحرج؛ لأن البعض يدخل على البعض من غير استئذان واحتشام والمرأة في بيتها في ثياب مهنتها عادةً، فلا جرم النظر إلى هذه المواضع أدى إلى الحرج، فكذلك الأمة تخرج لخدمة مولاها ساعة فساعة في ثياب مهنتها، فألحقناها بالمحارم في حق جميع الرجال دفعًا للحرج، ويجيء تمامه في الكراهية.
وفي المبسوط: عتقت الأمة، أو المدبرة، أو المكاتبة، أو أم الولد في صلاتها فأخذت قناعها بعمل قليل قبل أن تؤدي ركنا لا تفسد صلاتها، وإلا فسدت (١).
وكذا لو سقط قناع الحرة في صلاتها، وإزار الرجل، وقال زفر: تفسد في الكل، ولو صلت شهرًا بغير قناع، ثم علمت بالعتق منذ شهر تعيدها (٢).
وفي فتاوى العتابي: ولو كان عليها ثوب أو مقنعة يصف ما تحته فهي عريانة، وبه قال الشافعي (٣).
وفي الحلية: عورة الأمة كعورة الرجل على ظاهر المذهب، وبعض أصحابنا قالوا: جميع بدنها عورة إلا موضع التقليب منها في الشراء؛ كالرأس، والساعد، والساق، وقال بعضهم: عورتها كعورة الحرة، إلا أنه يجوز لها كشف رأسها، ولو كان نصفها حر ونصفها رقيق كالحرة على ظاهر المذهب، وعن الحسن البصري: يجب عليها الخمار إذا تزوجت، أو اتخذها السيد لنفسه، وروي عنه إذا ولدت.
وأم الولد كالأمة، وعن ابن سيرين: أم الولد تصلي بخمار، وهو رواية عن أحمد، ويحكى عن مالك أيضًا.
стр. 552
قَالَ: (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُزِيلُ بِهِ النَّجَاسَةَ صَلَّى مَعَهَا وَلَمْ يُعِدْ) وَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ، إِنْ كَانَ رُبْعُ الثَّوْبِ أَوْ أَكْثَرُ مِنهُ طَاهِرًا يُصَلِّي فِيهِ، وَلَوْ صَلَّى عُرْيَانًا لَا يُجْزِئُهُ، لِأَنَّ رُبْعَ الشَّيْءِ يَقُومُ مَقَامَ كُلِّهِ،
ولو أعتقت الأمة في الصلاة ورأسها مكشوفة، وهناك سترة بعيدة بطلت صلاتها، وفي الحاوي فيه اختلاف، والصحيح أنها تبطل مع القدرة على أخذ الثوب في الحال.
والثاني: تبطل بالمضي لأجل أخذ الثوب، وتطاول العمل، ولو انتظرت من يناولها السترة فتناولتها من غير أن تحدث عملًا ففيه وجهان، أحدهما: لا تبطل صلاتها، والثاني: تبطل.
ولو علمت بالعتق بعد الصلاة ففي وجوب الإعادة قولان، وقيل: تجب الإعادة قولا واحدا، والأول أصح (١).
قوله: (ما يزيل به النجاسة)، وفي البدرية: (ما) بالقصر لتتناول المائعات سوى الماء أيضًا على قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ولو قلت (ما) بالمد (٢) تصير إشارة إلى قول محمد حيث لا تجوز إزالتها إلا بالماء ولم يعد (٣)، وقال الشافعي ﵁: يعيد، وفي قول يصلي عريانا قضاءً لحق الوقت، وهو ظاهر مذهبه (٤)، وقال مالك: يصلي في الثياب النجسة ولا يعيد (٥).
وقلنا: التكليف بحسب الوسع، وقد أتى بما في وسعه فلا يعيد؛ كالمتيمم والعاري، بل الأولى لأن طهارة الثوب صفة الثوب ولا يعيد بفوات الأصل، فبفوات الوصف أولى، كذا في الْمُجْتَبى (٦).
قوله: (لأن ربع الشيء يقوم مقام كله)، فإن قيل: لما قام الربع مقام الكل
стр. 553
وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ أَقَلَّ مِنْ الرُّبْعِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀،
فلأن يقوم ثلاثة الأرباع مقام الكل أولى.
قلنا: أقمنا الربع الطاهر مقام الكل ليصلي بالثوب وأنه جائز بالإجماع، أما لو أقمنا ثلاثة الأرباع النجس مقام الكل فلا تجوز صلاته، ولو صلى عاريا لا تجوز عند محمد، فيكون الاحتياط فيما قلنا لوقوع صلاته جائزة بالإجماع، كذا في الحميدية.
قوله: (أقل من الربع)، في المبسوط: لو كان الثوب مملوءا دما، والطاهر منه دون ربعه فعندهما يتخير بين الصلاة فيه وبينها عريانا، وبه قال الشافعي في قول، وهو الأفضل (١).
وعند محمد: لا تجوز صلاته إلا فيه، وبه قال الشافعي في قول، ومالك، وأحمد (٢)؛ لأن الصلاة في الثوب النجس أقرب إلى الجواز منها عريانا؛ لأن قليل النجاسة لا يمنع، وكذا الكثير في قول بعض العلماء.
قال عطاء: من صلى وفي ثوبه سبعون قطرة من دم تجوز صلاته، وبه قال مالك، ولم يقل أحد بجواز الصلاة عريانا في حالة الاختيار، ولأنه لو صلى عريانا كان تاركًا لفرائض، منها ستر العورة، ومنها القيام، ومنها الركوع، ولو صلى فيه كان تاركا لفرض واحد وهو طهارة الثوب، إليه أشير في شرح الطحاوي (٣).
وفي الأسرار: خطاب التطهير ساقط عند عدم الماء فصار هذا الثوب وثوب طاهر بمنزلة، ولأن ربع الثوب لو كان طاهرا لا تجوز إلا فيه، فكذلك هاهنا؛ لأن نجاسة ثلاثة أرباعه في إفساد الصلاة فيه ونجاسة الكل سواء حالة الاختيار، فكذا في حالة الاضطرار في عدم الإفساد.
وقلنا: إن خطاب الستر ساقط بسبب النجاسة في حق الصلاة، ولما سقط
стр. 554
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَي الشَّافِعِيِّ ﵀، لِأَنَّ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ تَرْكَ فَرْضِ وَاحِدٍ، وَفِي الصَّلَاةِ عُرْيَانًا تَرْكُ الفُرُوضِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ عُرْيَانًا وَبَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، وَهُوَ الأَفْضَلُ (*)، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَانِعُ جَوَازِ الصَّلَاةِ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ، وَيَسْتَوِيَانِ فِي حَقِّ المِقْدَارِ فَيَسْتَوِيَانِ فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ،
الخطاب بالستر صار حال العريان كحال الستر.
وأما إذا كان الربع طاهرًا فقد توجه عليه الخطاب بقدر الطاهر، وإن سقط بقدر النجس فرجحنا جهة الوجوب للاحتياط، والربع يقوم مقام الكل أيضًا في الشرع، ولكن قول محمد أحسن، والكل في الأسرار.
(وهو)، أي: أداء الصلاة مع الثوب النجس (أفضل).
(لأن كل واحد منهما)، أي: من الانكشاف، والنجاسة.
(ويستويان)، أي: الانكشاف، والنجاسة.
(في حق المقدار)، أي: في أن القليل منهما غير مانع، والكثير مانع، فلما كان كذلك تثبت المساواة بينهما من غير رجحان أحدهما على الآخر في المانعية فيختار أيهما شاء أو نقول: إذا استويا في المقدار استوى اختيار المصلي.
فإن قيل: هذا يستقيم على مذهب الكرخي ومن تبعه أن العورة الغليظة كالنجاسة الغليظة في أن الزيادة على قدر الدرهم مانع فيهما، والنجاسة الخفيفة كالخفيفة في أن الربع فيهما مانع، فأما على قول الأصح وهو أن الغليظة كالخفيفة في أن الربع منهما مانع كيف يستقيم؟
قلنا: القياس ما قاله الكرخي، إلا أنه عدل عن ذلك لدفع الشناعة، فإن فيها لو اعتبر فيه الزائدة على قدر الدرهم يلزم أن كشف كلها غير مانع كما بينا، وكشف بعض الخفيفة مانع، وأنه شنيع جدًا، فالعدول عن التسوية بين الغليظتين لما كان لهذه الضرورة ثبتت المساواة تقديرًا، فقوله في الكتاب: (يستويان في حق المقدار) تحقيقا عند البعض، وتقديرًا عند آخرين، كذا في الخبازية.
стр. 555
وَتَرْكُ الشَّيْءِ إِلَى خَلَفٍ لَا يَكُونُ تَرْكًا،
فإن قيل: لا مساواة بين الفرضين فلا يتخير؛ لأن فرضية الستر أقوى من فرضية ترك استعمال النجاسة، وظهر ذلك بمسألتين.
أحدهما: ما ذكره التمرتاشي في جامعه: قال البقالي: لو كان على بدنه نجاسة لا يمكن غسلها إلا بإظهار عورته يصلي مع النجاسة؛ لأن إظهار العورة منهي عنه، والستر مأمور به، والأمر والنهي إذا اجتمعا كان النهي أولى.
والثانية: ما ذكره في شرح الأقطع: أن الستر آكد لأنه يجب للصلاة ولغيرها، ويلزمه دم بتركه في الطواف، ولا يوجد ذلك في النجاسة.
قلنا: إذا صلى قاعدًا بالإيماء فقد أتى ببعض الستر، وما قام مقام الأركان وترك استعمال النجاسة، ولو صلى قائمًا فيه فقد استعمل النجاسة، وأتى بالأركان فيستويان فتتخير.
وما ذكره من وكادة فرض الستر ساقط بسبب أن خطاب الستر إنما هو في الستر بالطاهر لا بالنجس، فصارت نفس خطاب الستر بالنجس ساقط على ما ذكرنا من إشارة الأسرار، فلا تثبت الوكادة، ولكن مع ذلك أظهرنا أثر صورة الوكادة في حق الأفضلية لا الجواز.
وقوله: (وترك الشيء إلى خلف لا يكون تركا) جواب عن قول محمد أن في الصلاة عريانا ترك الفروض.
قيل: هذا الجواب الذي قاله، وقول محمد أيضًا فيه ترك الفروض إنما يستقيمان على تقدير أن يصلي العاري قاعدًا، أما لو صلى قائما وأتى بالأركان حيث يجوز له فلا يستقيمان، إليه أشير في مبسوط شيخ الإسلام (١).
فإن قيل: لو كان الإيماء خلفًا لجاز اقتداء القائم بالمومئ، كما جاز اقتداء المتوضئ بالمتيمم عندنا، وقد علل في المومئ بأنه اقتداء بالمعدوم.
قلنا: أما عند محمد فلا يجوز اقتداء المتوضئ بالمتيمم، وهذا ظاهر. وأما عندهما فيجوز؛ لأن التراب خلف عن الماء لا أن الوضوء خلف عن التيمم،
стр. 556
وَالأَفْضَلِيَّةُ لِعَدَمِ اخْتِصَاصِ السَّتْرِ بِالصَّلَاةِ وَاخْتِصَاصِ الطَّهَارَةِ بِهَا.
(وَمَنْ لَمْ يَجِدْ ثَوْبًا صَلَّى عُرْيَانًا قَاعِدًا يُومِنُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) هَكَذَا فَعَلَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنْ صَلَّى قَائِمًا أَجْزَاهُ، لِأَنَّ فِي القُعُودِ سَتْرَ العَوْرَةِ
فيكون كل واحد صاحب أصل فيجوز.
أما الإيماء فمعدوم في حق القائم لا في حق المومئ، فلا يجوز اقتداء الموجود بالمعدوم، أو القوي بالضعيف، فعلى هذا ينبغي أن لا يجوز اقتداء القائم بالقاعد، إلا أنه يجوز بالحديث.
قوله: (والأفضلية)، يعني لما لم يختص الستر بالصلاة لأنه يكون للصلاة وللناس كان نفعه أعم فظن الستر أولى بخلاف الطهارة فإنها للصلاة لا غير.
فإن قيل: جعل في غسل يوم الجمعة جانب الاختصاص أولى، وهاهنا جانب عدم الاختصاص، فما وجهه؟
قلنا: عدم الاختصاص هناك لم يتضمن النفع العام وهو الموجب للترجيح.
وفي جمل النوازل: معه ثوبان نجسان، وفي أحدهما أكثر، فالمستحب أن يستعمل أقلهما نجاسة؛ ليكون أقل استعمالًا لها، ولو كان طرف أحدهما طاهرًا يتزر بالطرف الآخر الطاهر ويصلي؛ لأنه لا يكون مستعملا للنجاسة حقيقةً، ولو صلى في قميص محلول الجيب بحيث لو ركع يقع بصره على عورته يجوز وهو الأصح، وفي رواية لا يجوز، وبه قال الشافعي (١).
وجه الأصح أن ستر عورته عن غيره واجب لا في حق نفسه، ولو ستر عورته بجلد ميتة غير مدبوغ وصلى معه لا يجوز، بخلاف ما لو صلى مع الثوب النجس؛ لأن نجاسة الجلد أغلظ بدليل أنها لا تزول بالغسل ثلاثا، بخلاف نجاسة الثوب.
قوله: (فإن صلى قائما أجزأه)، وقال زفر (٢)، والشافعي (٣)، ومالك (٤)،
стр. 557
الغَلِيظَةِ، وَفِي القِيَامِ أَدَاءَ هَذِهِ الأَرْكَانِ، فَيَمِيلُ إِلَى أَيْهِمَا شَاءَ إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَفْضَلُ،
وبشر: لا يجوز إلا قائما لقوله ﵇ لعمران بن الحصين: «صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا» (١)، وهذا الحديث يقتضي الترتيب، حتى لا يجوز لمن يقدر على القيام أن يصلي قاعدًا، والعاري قادر عليه حسا وشرعًا، أما حسّا فظاهر، وأما شرعًا فإنه تجوز الصلاة قائمًا عاريًا بالاتفاق، وقد سقط عنه فرض الستر لعجزه.
وقلنا: القياس هكذا، لكن عرف جواز صلاة العاري بالأثر، فإنه روي عن ابن عباس، وابن عمر أنهما قالا: العاري يصلي قاعدًا بالإيماء، وعن أنس: أن أصحاب رسول الله ﷺ ركبوا في السفينة فخرجوا من البحر عراة فصلوا قعودًا بالإيماء، ولم يرو عن أقرانهم خلاف ذلك فحل محل الإجماع، ولهذا قال المزني (٢)، وأحمد (٣): يلزمه أن يصلي قاعدًا.
وأما حديث عمران فقلنا: هذا غير مستطيع حكمًا، لأنه لا يمكنه ستر ما قدر على ستره إلا بترك الركوع والسجود، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
ولهذا ذكر السغدي من أصحابنا تفسير القعود هاهنا: أن يمد رجليه نحو القبلة ليحصل الستر فيميل إلى أيهما شاء؛ لأنه ابتلي بسترين فيختار أيهما شاء.
قوله: (إلا أن الأول أفضل)، إلى آخره، فإن قيل: هذا التعليل يقتضي أن لا تجوز الصلاة بدون الستر الذي يحصل بالقعود كما قال المزني، وأحمد.
قلنا: ترك الأركان، وترك الستر لما استويا في منع الجواز حالة القدرة استويا في اقتضاء الجواز عند الإتيان بأحدهما وترك الآخر؛ لأنه لا يمكن الإتيان بأحدهما إلا بترك الآخر، فاستويا في الميل إلى أحدهما.
وأنه لما يأت بجميع فرضية الستر لم يعتبر ذلك القدر اليسير من الستر بمقابلة ترك الركوع والسجود، ولكن قدر ذلك الستر يصلح لترجيح جانب الستر فيرجح.
стр. 558
لِأَنَّ السَّتْرَ وَجَبَ لِحَقِّ الصَّلَاةِ وَحَقِّ النَّاسِ، وَلِأَنَّهُ لَا خَلَفَ لَهُ وَالإِيمَاءُ خَلَفٌ عَنْ
وأما الآثار الواردة فهي لبيان الأفضلية.
(ولأنه لا خلف له)، أي: للستر، ففي الصلاة قاعدًا يلزم ترك الأركان إلى خلف، وفي الصلاة قائمًا لزم ترك الستر الواجب لا إلى خلف، والترك لا إلى خلف لا يجوز.
وهذا التعليل يقتضي أن لا تجوز قائما، إلا أنه لما استوى التركان في منع الجواز يختار أيهما شاء، لكن قاعدًا أفضل؛ لأنه ترك إلى خلف فيكون أهون.
وفي الْمُجْتَبى: يصلي العراة وحدانا متباعدين، فإن صلوا بجماعة يتوسطهم الإمام، ولو تقدمهم الإمام لإحراز سنة الجماعة جاز، وبه قال الشافعي، وأحمد، ويرسل كل واحد رجليه نحو القبلة، ويضع يديه بين فخذيه، ويومئ إيماءً، ولو أومأ القائم وركع، أو سجد القاعد جاز (١).
وقال الشافعي في الأم: يصلي العراة فرادى، وجماعة (٢)، وفي القديم: الأولى أن يصلوا فرادى. (٣).
قال شيخ الإسلام (٤): هذا إذا لم يجد ما يستر نفسه من الحشيش، والكلأ، والنبات، وعن الحسن المروزي: لو وجد طينا يلطخ به عورته ويبقى عليه حتى يصلي، وبه قال الشافعي في قول.
قيل: ما ذكر بالنهار، أما لو صلى في ظلمة الليل يركع ويسجد، وهو غير قوي؛ لأنه لا اعتبار بستر الظلمة (٥).
ولو وجد ما يستر به بعض [العورة] (٦) ستر القبل والدبر بالاتفاق.
وفي شرح الإرشاد وجد العاري ثوبًا في خلال صلاته يستأنف ولا يبني،
стр. 559
الأَرْكَانِ. قَالَ: (وَيَنْوِي الصَّلَاةَ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا
وكذا لو صح المومئ في خلال صلاته، أو تعلم الأمي سورةً لا تجوز صلاة هؤلاء مع القدرة على الستر، والقيام والقراءة بدونها، خلاف ما لو أُعتقت الأمة في خلال صلاتها حيث تغطي رأسها وتبني؛ لأن صلاتها حاسرة الرأس مع وجود القناع تصح، والحرية في خلالها عارضة، فلها أن تبني، كقصة أهل قباء حين أخبروا بتحويل القبلة في الصلاة حيث استداروا كهيئتهم دون استئناف (١).
وفي المحيط: اللبس في الصلاة ثلاثة أنواع: جائز، ومستحب، ومكروه، فالجائز: أن يصلي في ثوب واحد، والمستحب: أن يصلي في ثلاثة أثواب قميص، وإزار، وبرد والمكروه: أن يصلي في سراويل واحد. والمستحب في حق المرأة ثلاثة أثواب: إزار، ودرع، وخمار، وفي ثوب واحد متوشحة لا يجوز، إلا إذا ستر رأسها وجميع بدنها، ولا يجوز أن يصلي في ثوب حرير، ولو صلى فيه تجوز صلاته، إلا عند أحمد (٢)، ولو وجد ثوبًا حريرًا لا يصلي عريانا، بل يصلي فيه، إلا عند أحمد (٣).
قوله: (وينوي)، إلى آخره، في المبسوطين: ظن بعض أصحابنا أن محمدًا لم يذكر النية، وليس كذلك؛ فإنه قال: وإذا أراد الرجل الدخول في الصلاة، وإرادة الدخول فيها هي النية (٤).
ولا بد من النية؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [البينة: ٥] الآية، والإخلاص بالنية، ولقوله ﵇: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم» (٥)، ولقوله ﵇: «الأعمال بالنيات» (٦)، وفي
стр. 560
بِنِيَّةٍ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ التَّحْرِيمَةِ بِعَمَلٍ) وَالأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﵊: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، وَلِأَنَّ ابْتِدَاءَ الصَّلَاةِ بِالقِيَامِ وَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ العَادَةِ وَالعِبَادَةِ، وَلَا يَقَعُ التَّمْيِيزُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وَالمُتَقَدِّمُ عَلَى التَّكْبِيرِ كَالقَائِمِ عِنْدَهُ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَا يَقْطَعُهُ،
رواية: «لا عمل إلا بالنية» (١)، وللإجماع، والنية عمل القلب لا عمل اللسان.
(بينها)، أي بين النية والتحريمة بعمل ينافي الصلاة، ويدل على الإعراض عن النية.
وفي فتاوى قاضي خان (٢): الكلام هاهنا في مواضع، الأول: في أصل النية، وهي قصد القلب، والقصد مع الذكر باللسان أفضل، وعند بعض أصحاب الشافعي لابد من الذكر به، وعند جمهور أصحابه الذكر باللسان غير شرط، وهو الأصح، كذا في كتبهم (٣).
والثاني: في وقتها، والأصل فيها المقارنة بالشروع، وإليه أشير في الكتاب بقوله: (بنية لا يفصل بينها وبين التحريمة بعمل). (والمتقدم)، أي: القصد المتقدم على التكبير كالموجود عنده.
(إذا لم يوجد ما يقطعه)، أي: يقطع القصد كعمل ينافي الصلاة، ويدل على الإعراض عنه، فإنه روي عن محمد: لو نوى عند الوضوء ولم يشتغل بعد النية بما ليس من جنس الصلاة إلا أنه لما انتهى إلى مكانها لم تحضره النية جازت صلاته (٤).
وذكر في الرقيات (٥): خرج من منزله يريد الصلاة فلما انتهى إلى القوم غربته النية وكبر، جاز، وهكذا روي عن أبي يوسف (٦).
стр. 561
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي الْمُجْتَبى: فالحاصل عند محمد أن جملة العبادات بالنية المتقدمة تجوز ما لم يشتغل بعدها بعمل لا يليق بتلك العبادة، وعند أبي يوسف لا تجوز إلا في الصوم.
وفي القدوري: تقديم النية على التحريمة جائز إذا لم يتخلل بينهما ما يمنع الاتصال، وعن أبي يوسف أنه خرج من منزله يريد الصلاة مع القوم، فلما انتهى إليهم كبر ولم تحضره النية جاز، ولا أعلم أحدًا من أصحابنا (١) خالف أبا يوسف فيه (٢).
لأن بالإقبال على تحقيق ما نوى باق على عزمه ونيته إلى أن يوجد ما يقطعه، وما ذكره الطحاوي والكرخي أنه يكبر تكبيرة مخالطة بالنية ليس بشرط لازم، كذا في الإيضاح.
وبقول الطحاوي قال الشافعي (٣)، ومالك (٤)، وأحمد (٥)، حتى لا يجوز بنية متقدمة، ولا متأخرة، وقال داود: يجب أن يقدم النية على التكبير (٦).
والثالث: في كيفيتها، فيجوز النفل والسنن والتراويح بمطلق النية عند مشايخنا، والفرض لا يجوز إلا بالتعيين.
(والأصل فيه)، أي: في اشتراط النية.
(قوله ﵇: «الأعمالُ بالنّياتِ»)، أي: اعتبارها بالنية شرعًا.
فإن قيل: كيف يصح هذا الاستقبال على شرطيتها، أو على الفضل بينهما وبين التحريمة، فإن قوله ﵇: «الأعمال بالنيات» من قبيل الاقتضاء على مذهب القاضي أبي زيد، ومن قبيل المحذوف على مذهب الشيخين، وعلى
стр. 562
وَهُوَ عَمَلٌ لَا يَلِيقُ بِالصَّلَاةِ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِالمُتَأَخِّرَةِ مِنهَا عَنْهُ، لِأَنَّ مَا مَضَى لَا يَقَعُ عِبَادَةٌ لِعَدَمِ النِّيَّةِ،
التقديرين لا عموم له، وحكم الآخرة وهو الثواب مراد بالإجماع فلا يكون حكم الدنيا - وهو الجواز والفساد - مرادًا لأنه لا عموم للمقتضي، ولا للمشترك؟
قلنا: الجواز من حكم الآخرة أيضًا إذ الثواب يتعلق بالجواز، إذ لا ثواب بدونه، كذا قيل، وفيه تأمل لما عرف في الأصول أن الجواز والثواب مختلفان في المعنى، ويعرف تمام هذا البحث في الأصول.
وقيل في جوابه: بعد كون العمل معتبرًا بالنية الحكم نوعان، فقلنا: يحتاج إلى النية لوقوعه معتبرا شرعًا، كذا في الكاثي.
ولا يقع التميز إلا بالنية؛ لأنا أمرنا بالعبادة، ولا وجود لها بدون الإخلاص المأمور به، والإخلاص جعل أفعاله الله تعالى، وذا لا يكون إلا بالنية.
(والمتقدم)، أي: القصد المتقدم (كالقائم)، أي: كالثابت عند التكبير، يعني الأصل في العبادات أن تكون النية متصلة بها تحقيقا لمعنى الإخلاص، إلا أن في الصوم سقط وصف الاتصال للحرج، ولا حرج هاهنا في الاتصال فوجب اتصالها.
وشرطت في الابتداء ليقع كل أجزاء العبادات منويًا، ولم يشترط في حال البقاء للحرج أيضًا، فلابد أن يجعل المتقدم كالثانية عند التكبير ليقع الكل منويا.
(بالمتأخرة منها)، أي: من النية (عنه)، أي: عن التكبير، وفي بعض النسخ: (بالمتأخرة) بدون (عنه)، فيكون المراد من ضمير (منها): التحريمة، أي بالمتأخرة عن التحريمة.
(لأن ما مضى)، أي: من القيام لا يقع عبادة لعدم النية، وبه قال الشافعي (١)، وعن الكرخي: يجوز بالمتأخرة ما دام في الثناء، وقيل: إلى
стр. 563
وَفِي الصَّوْمِ جُوِّزَتْ لِلضَّرُورَةِ، وَالنِّيَّةُ هِيَ الإِرَادَةُ، وَالشَّرْطُ أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ أَيَّ صَلَاةٍ يُصَلِّي. أَمَّا الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ فَلَا مُعْتَبَرَ بِهِ، وَيَحْسُنُ ذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ عَزِيمَتِهِ
القعود، وقيل: إلى ما بعد الفاتحة، وقيل: إلى الركوع، وهو مروي عن محمد.
وفي القنية: عن الحلواني: كبر وغفل عن النية، ثم نواها يجوز (١).
وفي المحيط: لو نوى بعد قوله: الله، وقبل قوله: أكبر لا يجزيه عند أبي حنيفة (٢).
(وفي الصوم جوزت)، أي بالنية المتأخرة للضرورة؛ لأن وقت الشروع فيه وقت نوم وغفلة، وهو وقت انفجار الصبح، فلو شرطت وقت الشروع لضاق الأمر على الناس، ولا كذلك في حق الصلاة؛ لأن وقت شروعها وقت انتباه ويقظة، إليه أشار شيخ الإسلام.
قوله: (والشرط أن يعلم)، وفي الكاثي: أدناها ما لو سئل لأمكنه أن يجيب.
(أي صلاة)، على البديهة، ولو لم يقدر أن يجيب إلا بتأمل لم تجز صلاته.
وفي القنية: قال شيخ الإسلام والأصح أن العلم لا يكون نية؛ لأنه غير النية، ألا ترى من علم الكفر لا يكفر، ولو نواه يكفر، فيتأول قول المصنف: (والشرط) قصد بعد العلم.
قوله: (أما الذكر باللسان)، وفي جامع الكردري، وجمل النوازل: ويكره الذكر باللسان عند البعض؛ لأن عمر ﵁ أنكر على من سمع ذلك منه، ولأن النية عمل القلب، والله تعالى مطلع على الضمائر، فالإفصاح في حقه غير مفيد فيكره.
قال شيخ الإسلام: الذكر به مع نية القلب سنة، وكذا في المحيط.
وقال الطحاوي، وقاضي خان: القصد مع الذكر باللسان أفضل؛ لأنه يقرر ما في القلب ويؤكده، وذلك أن السنة شرعت لإكمال الفرض، والذكر به مؤكد
стр. 564
ثُمَّ إِنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ نَفْلًا يَكْفِيهِ مُطْلَقُ النِّيَّةِ، وَكَذَا إِنْ كَانَتْ سُنَّةٌ فِي الصَّحِيحِ، وَإِنْ
للفرض فيكون سنة (١).
وفي جمل النوازل: لكن لا يقول: نويت لأنه يكون كذبًا إن لم يكن نوى، ويقع إخبارًا عن المحقق إن كان نوى من غير حاجة، ولكن يقول: اللهم إني أريد أن أصلي لك كذا فيسرها لي، وتقبلها مني، كما ورد عن محمد في إحرام الحج.
وفي الْمُجْتَبى: من عجز عن إحضار القلب في النية يكفيه اللسان؛ لأن التكليف بحسب الوسع (٢).
وفي المبسوط: والتكلم بالنية لا يعتبر به، وإن فعله ليجمع عزيمة قلبه فحسن (٣).
وقوله: (ثم إن كانت الصلاة نفلًا)، بيان كيفية النية.
(مطلق النية)، أي مطلق نية الصلاة؛ لأن العمل بعموم أفرادها متعذر، إذ الجمع بين الفرائض والنوافل في تحريمةٍ واحدةٍ لا يجوز، فيكون المراد أحدهما، فكان صرف اسم الصلاة إلى النفل أولى؛ لأنه أدنى فكان متعينا، والزيادة مشكوك فيها.
أو لأن النفل مشروع كل الأوقات فكان بمنزلة الحقيقة، وغيره بمنزلة المجاز، والكلام لحقيقته، كذا ذكره شيخ الإسلام.
وقوله: (في الصحيح)، احتراز عما ذكر بعض المشايخ أنه لابد من أن ينوي سُنَّة الرسول إذ فيها صفة زائدة على النفل المطلق كما في الفرض.
وفي التجنيس: والاحتياط أن ينوي متابعة الرسول (٤).
وبه قال الشافعي، فإنه ذكر في شرح الوجيز، والحلية: النوافل ضربان، ما
стр. 565
كَانَتْ فَرْضًا فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ الفَرْضِ كَالظَّهْرِ مَثَلًا لِاخْتِلَافِ الفُرُوضِ
يتعلق بسبب، أو وقت، فيشترط فيه نية فعل الصلاة والتعيين، فينوي سنة الاستسقاء، والخسوف والعيد، والتراويح، والضحى وغيرها.
وفي الرواتب: يتعين بالإضافة، فيقول: سنة الفجر، أو الظهر، أو العصر، أو المغرب، أو العشاء، وفيما عداهما يكفي نية أصل الصلاة.
وقيل: في السنن الرواتب سوى ركعتي الفجر تكفي نية النفل، والأول أصح (١).
وفي الْمُجْتَبى: وتكفي مطلق النية للنوافل، والسنن، والتراويح عند عامة مشايخنا (٢).
وهو الصحيح؛ لأن السنن نوافل؛ لأنها غير مضمونة كالنوافل، ولا أسباب لها لأنها لتكميل الفرائض؛ لأن لها أسبابًا، وباختلاف الأسباب يختلف الواجب فلا يتعين إلا بالتعيين؛ كالظهر، يعني إذا قرن بلفظة اليوم أو الوقت بأن قال: ظهر اليوم أو الوقت فإنه ذكر شيخ الإسلام في مبسوطه.
وفي المحيط: لو نوى الظهر بدون ذكر اليوم، أو الوقت لا يجزيه؛ لأنه ربما كان عليه ظهر صلاة فاتته فلا يتعين، ولو نوى بلفظ الفرض لا يجزيه أيضًا لأن الفرائض متنوعة، أما لو نوى فرض الوقت في الوقت يجزيه وخارج الوقت لا؛ لأن بعد خروجه فرض الوقت العصر، والأولى أن ينوي ظهر اليوم سواء كان الوقت خارجًا أو لا لاختلاف الفروض (٣).
وفي الْمُجْتَبى: لابد من نية الصلاة، ونية الفرض، ونية التعيين حتى لو نوى الفرض لا يجزيه ولو نوى فرض الوقت، أو فرض الظهر يجزيه، وإن ظهر أنه خرج الوقت، والصحيح أنه لا يجزيه.
ولو نوى الظهر لا غير قيل: لا يجزيه والأصح أنه يجزيه ذكره في فتاوى