بِحَضْرَةِ المَعْزُولِ أَوْ أَمِينِهِ وَيَسْأَلَانِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَيَجْعَلَانِ كُلَّ نَوْعٍ مِنهَا فِي خَرِيطَةٍ كَيْ لَا يَشْتَبِهَ عَلَى المُوَلَّى، وَهَذَا السُّؤَالُ لِكَشْفِ الحَالِ لَا لِلْإِلْزَامِ.
أن تنسى العلم، فعد وادرس العلم ثم عد إلينا حتى نقلّدك.
وقال الشافعي (١): يجوز العزل بخلل إذا غلب على ظن السلطان خلله، وبه قال أحمد (٢)، وقال مالك (٣): يعزل بشكوى أحد، أما بغير خلل - عنه: لا يجوز عزله، ولو عزله لا ينعزل، فإن كان صالح آخر أفضل منه جاز عزله، وإن كان دونه أو مثله فإن كان لتسكين الفتنة أو مصلحة أخرى جاز عزله، وبه قال الغزالي.
وأما القضاة والولاة لا ينعزلون بموت السلطان ولا بعزل السلطان بلا خلاف، ولو عزل القاضي نفسه ينعزل، فإذا عزل وقلد آخر، فيبعث القاضي الجديد اثنين من ثقاته والواحد يكفي، والاثنان أحوط فيقبضان من المعزول ديوانه، ثم إذا قبض الديوان فنسخ السجلات يجمعان في خريطة، ونسخ الأوصياء في خريطة، وكل نوع في خريطة؛ لأن هذه النسخ كانت تحت يد المعزول، فلا يشتبه عليه شيء من ذلك متى احتاج إليه، فأما المقلد الجديد فيشتبه عليه لو لم يجمعا كل نوع في خريطة، ويسألانه عن المحبوسين وعن أسباب حبسهم.
قوله: (وهذا السؤال) أي: سؤال أحوال الديوان والمحبوسين وسبب الحبس (لكشف الحال لا للإلزام) لأن قول المعزول ليس بحجة لإلحاقه بالعزل بواحد من الرعايا، ومتى قبضا ذلك يختمان ذلك؛ احترازا عن الزيادة والنقصان، وهذا ينبغي أن يكون في حق كل قاض، كذا في المحيط (٤) وأدب القاضي للصدر الشهيد (٥).
قيل: والسؤال بمعنى الاستعلاء يتعدى إلى المفعول الثاني بـ (عن)، وهاهنا قال: (يسألانه شيئًا فشيئًا) بدون (عن).
أجيب: أن انتصاب (شيئًا) بعامل مضمر يدل عليه قوله: يسألانه، تقديره:
стр. 5147
[وَظَائِفُ القَاضِي]
قَالَ: (وَيَنْظُرُ فِي حَالِ المَحْبُوسِينَ) لِأَنَّهُ نُصْبَ نَاظِرًا (فَمَنْ اعْتَرَفَ بِحَقِّ أَلْزَمَهُ إِيَّاهُ) لِأَنَّ الإِقْرَارَ مُلْزِمٌ (وَمَنْ أَنْكَرَ: لَمْ يُقْبَل قَوْلُ المَعْزُولِ عَلَيْهِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ) لِأَنَّهُ بِالعَزْلِ التَحَقَ بِالرَّعَايَا، وَشَهَادَةُ الفَرْدِ لَيْسَتْ بِحُجَّةِ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَتْ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ (فَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ لَمْ يُعَجِّلْ بِتَخْلِيَتِهِ حَتَّى يُنَادَى عَلَيْهِ وَيَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ) لِأَنَّ فِعْلَ القَاضِي المَعْزُولِ حَقٌّ ظَاهِرٌ، فَلَا يُعَجِّلُ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إِلَى إِبْطَالِ حَقِّ الغَيْرِ.
يسألانه عن أحوال السجلات وكيفياتها، أي: يسألان شيئًا وهما عنها (١).
وَظَائِفُ القَاضِي
قوله: (وينظر) أي: القاضي الحادث (في حال المحبسين) وفي أكثر النسخ: (المحبوسين).
قوله: (لم يقبل قول المعزول إلا يبينة) وبه قال الشافعي (٢) ومالك (٣)، وقال أحمد (٤): يقبل قوله بعد العزل كما قبل العزل؛ لأنه أمين الشرع، وعند مالك: لا يقبل قوله قبل العزل إلا بحجة أيضًا.
قوله: (حتى ينادى عليه) وصفته: أن يأمر كل يوم إذا جلس مناديًا ينادي في محلته: من كان يطلب فلان بن فلان المحبوس الفلاني بحق فليحضر، ينادي كذلك أيامًا، فإذا حضر وادّعى عليه وهو على جحوده ابتدأ الحكم بينهم، ولا يقبل قول المعزول، وإن لم يحضر خصم أخذ منه كفيلا بنفسه، ولعله محبوس بحق غائب، وقد قامت عليه أمارة، وهو حبس القاضي المعزول، بخلاف فصل قيمة الميراث عند أبي حنيفة، حيث لا يأخذ الكفيل هناك عند أبي حنيفة، على ما يجيء؛ لأن في مسألة الميراث الحق ظاهر لهذا الوارث، وفي ثبوت حق الآخر شك، فلا يجوز تأخيره لموهوم، أما هاهنا الحق ثابت؛ لحمل فعل القاضي على الصلاح، ولكنه مجهول، فلا يكون أخذ الكفالة لموهوم.
стр. 5148
(وَيَنْظُرُ فِي الوَدَائِعِ، وَارْتِفَاعِ الوُقُوفِ، فَيَعْمَلُ فِيهِ عَلَى مَا تَقُومُ بِهِ البَيِّنَةُ أَوْ يَعْتَرِفُ بِهِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ) لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ حُجَّةٌ.
(وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ المَعْزُولِ) لِمَا بَيَّنَّا إِلَّا أَنْ يَعْتَرِفَ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ أَنَّ المَعْزُولَ سَلَّمَهَا إِلَيْهِ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهَا لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ أَنَّ اليَدَ كَانَتْ لِلْقَاضِي، فَيَصِحُ إِقْرَارُ القَاضِي كَأَنَّهُ فِي يَدِهِ فِي الحَالِ، إِلَّا إِذَا بَدَأَ بِالإِقْرَارِ لِغَيْرِهِ ثُمَّ أَقَرَّ بِتَسْلِيمِ القَاضِي فَيُسَلِّمُ مَا فِي يَدِهِ إِلَى المُقَرِّ لَهُ الأَوَّلِ لِسَبْقِ حَقِّهِ، وَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ لِلْقَاضِي بِإِقْرَارِهِ الثَّانِي، وَيُسَلَّمُ إِلَى المُقَرِّ لَهُ مِنْ جِهَةِ القَاضِي.
وقيل: أخذ الكفيل هاهنا على الخلاف أيضًا.
وفي المحيط (١): الصحيح أن أخذ الكفيل هاهنا بالاتفاق.
قوله: (كأنه في يده) أي: كان المال المقرّ به في يد القاضي المعزول (في الحال) ولو كان في يد المعزول عينًا كان تقبل إقراره بما في يده، فكذا يقبل إقراره بما في يد مودعه؛ لأن يد المودع كيد المودع (إلا إذا بدأ بالإقرار لغيره) ثم أقر بتسلم المعزول إليه، والقاضي المعزول يقول: هو لغيره.
(فيسلم) أي: صاحب اليد إليه (لسبق حقه) أي: حق المقر له الأول، ثم يضمن قيمته للمعزول بإقراره الثاني، ثم يسلم القاضي المعزول القيمة إلى من أقر له المعزول.
قال الصدر الشهيد (٢): حاصل ذلك أن المسألة على أربعة أوجه:
إما أن أقر صاحب اليد أنه دفعه إلى المعزول، وقال: إنه لفلان.
أو قال: دفعه إلي ولا أدري: لمن هو؟ وأنكر ما قاله القاضي المعزول. أو قال: دفعه إلى المعزول وهو لفلان آخر.
ففي الوجه الأول والثاني يقبل قول المعزول، ويكون المال للمقر له؛ لأن المال وصل إلى يده من جهة المعزول، وكان المال في يد المعزول معنى، وإذا أقرّ من في يده المال يُقبل قوله، فكذا هذا.
стр. 5149
قَالَ: (وَيَجْلِسُ لِلْحُكْمِ جُلُوسًا ظَاهِرًا فِي المَسْجِدِ) كَيْ لَا يَشْتَبِهَ مَكَانُهُ عَلَى الغُرَبَاءِ وَبَعْضِ المُقِيمِينَ، وَالمَسْجِدُ الجَامِعُ أَوْلَى، لِأَنَّهُ أَشْهَرُ.
وفي الوجه الثالث: القول لصاحب اليد، ولا يجب عليه شيء بقول المعزول؛ لالتحاقه بسائر الرعايا.
وفي الوجه الرابع: المسألة على وجهين:
إما أن بدا صاحب اليد بالدفع من المعزول، أو بدا الآخر.
فإن قال: لفلان غير الذي أقرّ له المعزول، ثم قال: دفعه المعزول، ففي الوجه الأول: القول للمعزول، ويؤمر بالدفع إلى من أقرّ له المعزول؛ لأنه لما بدأ بالدفع من المعزول فقد أقر باليد له، فصار كأن المال في يده، ثم أقر أنه لفلان، فلا يصح إقراره.
وفي الوجه الثاني: يؤمر بالدفع إلى من أقرّ له، ويضمن مثله أو قيمته للمعزول، ثم يسلمه المعزول إلى من أقرّ له.
قوله: (لأنه أشهر) أي: المسجد الجامع أشهر المواضع.
قال فخر الإسلام: هذا إذا كان الجامع في وسط البلدة، ولو كان في طرف البلدة يختار مسجدًا في وسط البلدة؛ كيلا يلحق الناس مشقة الذهاب إلى طرف البلد، ويختار مسجد السوق؛ لأنه أشهر.
وفي المبسوط (١): أحبُّ إليَّ أن يقضي حيث تقام جماعة الناس، يعني في المسجد الجامع أو غيره من مساجد الجماعات؛ لأن ذلك يكون عن التهمة أبعد، وبه قال مالك (٢).
وذكر الصدر الشهيد (٣) قول مالك على التفصيل بأن قال: إن كان في المسجد فتقدم إليه الخصمان لا بأس به، وإن تعمّد القضاء فيه يكره، ولكن في المشهور من كتبهم: أنه لا يكره وإن تعمّد القضاء في المسجد؛ لما أنه ﵇
стр. 5150
وقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُكْرَهُ الجُلُوسُ فِي المَسْجِدِ لِلْقَضَاءِ، لِأَنَّهُ يَحْضُرُهُ المُشْرِكُ وَهُوَ نَجَسٌ بِالنَّص، وَالحَائِضُ وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ عَنْ دُخُولِهِ. وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «إِنَّمَا بُنِيَتْ المَسَاجِدُ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالحُكْمِ». «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْصِلُ الخُصُومَةَ فِي مُعْتَكَفِهِ» وَكَذَا الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي المَسَاجِدِ لِفَصْلِ الخُصُومَاتِ، وَلِأَنَّ القَضَاءَ عِبَادَةٌ فَيَجُوزُ إِقَامَتُهَا فِي الْمَسْجِدِ كَالصَّلَاةِ.
وَنَجَاسَةُ المُشْرِكِ فِي اعْتِقَادِهِ لَا فِي ظَاهِرِهِ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْ دُخُولِهِ، وَالحَائِضُ تُخْبِرُ بِحَالِهَا فَيَخْرُجُ القَاضِي إِلَيْهَا، أَوْ إِلَى بَابِ المَسْجِدِ، أَوْ يَبْعَثُ مَنْ يَفْصِلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَصْمِهَا، كَمَا إِذَا كَانَتْ الخُصُومَةُ فِي الدَّابَّةِ. وَلَوْ جَلَسَ فِي دَارِهِ لَا بَأْسَ بِهِ، وَيَأْذَنُ لِلنَّاسِ بِالدُّخُولِ فِيهَا، وَيَجْلِسُ مَعَهُ مَنْ كَانَ يَجْلِسُ قَبْلَ ذَلِكَ لِأَنَّ فِي جُلُوسِهِ وَحْدَهُ تُهْمَةٌ.
كان يحكم في مُعتَكَفِه، وكذا الخلفاء الراشدون، والسلف من الصحابة والتابعين في المساجد، وبه قال أحمد (١) أيضًا.
وفي المبسوط (٢): ولا يقضي وهو يمشي أو يسير على الدابة؛ لأنه عند ذلك لا يكون معتدل الحال، وقلبه مشغولاً بما هو فيه من المشي والسير، ولا يتفرغ للنظر في الحُجَج، ولأنه نوع من الاستخفاف ظاهرا وباطنا.
ولا بأس بأن يتكئ ويقضي؛ لأن التكأة نوع جلسة، كالتربع وغيره، وطباع الناس في الجلوس مختلفة.
وينبغي ألا يقضي وهو غضبان، أو فرحان في غاية الفرح، أو جائع أو عطشان، ولا مهموم، ولا في حالة غلبة النعاس، ولا في حر وبرد مزعج مؤلم، ولا حاقن، فالحاصل أنه لا يقضي في حال شغل قلبه بشيء من ذلك بلا خلاف.
أصله قوله ﵇: «لا يَقْضِي القَاضِي وهوَ غَضْبَانُ» (٣) معلول؛ لشغل القلب.
قوله: (تهمة) أي: تهمة الرشوة أو الظلم، وقد روي أن عثمان ما يحكم حتى يحضر أربعة من الصحابة.
стр. 5151
قَالَ: (وَلَا يَقْبَلُ هَدِيَّةً إِلَّا مِنْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ، أَوْ مِمَّنْ جَرَتْ عَادَتُهُ قَبْلَ القَضَاءِ بِمُهَادَاتِهِ) لِأَنَّ الأَوَّلَ: صِلَةُ الرَّحِمِ، وَالثَّانِيَ: لَيْسَ لِلْقَضَاءِ، بَلْ جَرَى عَلَى العَادَةِ، وَفِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ يَصِيرُ آكِلًا بِقَضَائِهِ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ لِلْقَرِيبِ خُصُومَةٌ لَا يَقْبَلُ هَدِيَّتَهُ، وَكَذَا إِذَا زَادَ المُهْدِي عَلَى المُعْتَادِ، أَوْ كَانَتْ لَهُ خُصُومَةٌ، لِأَنَّهُ لِأَجْلِ القَضَاءِ فَيَتَحَامَاهُ.
ويستحب أن يحضر مجلسه جماعة من الفقهاء ويشاورهم؛ لما روي أن الخلفاء الراشدين كانوا يُحضرون عبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت، وأبو بكر يُحضر عمر وعثمان وعليا أيضًا، حتى قال أحمد: يحضر مجلسه الفقهاء من أهل كل مذهب، ويشاورهم فيما يشكل عليه.
قوله: (فيتحاماه) أي: يتحرز، ولا خلاف لأهل العلم فيه.
وفي المبسوط (١): الهدية في الشرع مندوب، قال ﵇: «نِعْمَ الشَّيْءُ الْهَدِيَّةُ إِذَا دَخَلَتْ الْبَابَ ضَحِكَتْ الْأَسْكُفَّةُ» (٢) وقال ﵇: «الْهَدِيَّةُ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ» (٣)، أي: غَشَّه، والوعد يوقظ الغيظ في الصدر، وقال ﵇: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» (٤) ولكن هذا في حق من لم يتعيّن لعمل من أعمال المسلمين، فأما من يتعين لذلك، كالقاضي والوالي، فعليه التحرز عن قبول الهدية، خصوصًا ممن كان لا يهدي قبل ذلك؛ إذ هو نوع من الرشوة والسحتُ.
стр. 5152
(وَلَا يَحْضُرُ دَعْوَةً إِلَّا أَنْ تَكُونَ عَامَّةً)، لِأَنَّ الخَاصَّةَ لِأَجْلِ القَضَاءِ فَيُتَّهَمُ بالإِجَابَةِ، بِخِلَافِ العَامَّةِ، … ... …
واستعمل عمر أبا هريرة فَقَدِمَ بمال، فقال: من أين لك؟ قال: تلاحقت الهدايا، فقال: أي عدوُّ الله، هلا قعدت في بيتك فَتَنظُرَ: أَيُهدى إليك أم لا! فأخذ ذلك منه، فجعله في بيت المال.
وحديث ابن اللُّتْبِيَّةِ الأزدية على الصدقة معروف متفق عليه (١).
إلا ممن عادته؛ لأن تعليل النبي ﵇ دليل على أن تحريم الهدية التي سببها الولاية، ولهذا لو زاد المهدي على المعتاد، أو كانت له خصومة يكره بالإجماع، إلا عند الشافعي (٢) إذا أخذ الهدية ممن لا يجوز أخذها منه - كان حرامًا كالرشوة، وعندنا: كان مكروها.
قال فخر الإسلام: لو زاد مال المهدي قبل القضاء فزاد في الهدية بعده لا بأس به، ولكن الأولى ألا يقبل.
ثم إذا أخذ الهدية ممن لا يجوز الأخذ منه - اختلف المشايخ فيه:
قيل: يضعها في بيت المال، كما روينا من حديث عمر، وبه قال الشافعي في وجه، وعامة المشايخ قال: يردها على أربابها إن عرف المهدي، وبه قال الشافعي في وجه آخر، أشار محمد في السير الكبير: وإن لم يعرف أو كان المهدي بعيدًا حتى تعذّر الرد عليه - حكمها حكم اللقطة، يضعها في بيت المال؛ لأنه أخذها لعمله، وفي عمله نائب عن المسلمين، فكانت الهدايا من حيث المعنى للمسلمين.
قوله: (بخلاف العامة) فإن القاضي لا يكون مقصودا، ولأنه ﵇ كان يقضي بين الناس ويجيب الدعوة، وكان يقول: «مَنْ لَمْ يَجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى أَبا القَاسِمِ» (٣).
стр. 5153
وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الجَوَابِ: قَرِيبُهُ، وَهُوَ قَوْلُهُمَا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: أَنَّهُ يُجِيبُهُ وَإِنْ كَانَتْ خَاصَّةٌ كَالهَدِيَّةِ (•)، وَالخَاصَّةُ مَا لَوْ عَلِمَ المُضِيفُ أَنَّ القَاضِيَ لَا يَحْضُرُهَا لَا يَتَّخِذُهَا. قَالَ: (وَيَشْهَدُ الجِنَازَةَ وَيَعُودُ المَرِيضَ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ المُسْلِمِينَ، قَالَ ﵊: «لِلْمُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ سِتَّةُ حُقُوقِ» … ...
قوله: (لا يحضرها) أي: الدعوة (لا يتخذها) أي: الدعوة، وإن كان يتخذها وإن لم يحضرها فهي عامة، هذا اختيار شمس الأئمة السرخسي (١).
قال القدوري وأبو علي النسفي: دعوة العامة عرس وختان، وما سوى ذلك خاصة.
وقيل: في الحد الفاصل إن جاوز العشرة فهي عامة.
قال أبو اليسر في مبسوطه يجيب دعوة العامة إلا أن يكون المضيف خصمًا، فينبغي ألا يجيب، وكذا في العبادة؛ لأن ذلك يؤدي إلى إيذاء الخصم الآخر إلى التهمة.
قوله: (ويدخل في هذا الجواب) وهو ألا يدخل الخاصة (قريبه، وهو قولهما) ذكره الطحاوي (٢)، وعند محمد يجيب الخاصة في القريب، وذكر الخصاف: يجيب دعوة الخاص لقريبه بلا خلاف؛ لأن إجابته دعوته صلة الرحم.
قال شيخ الإسلام: بين قبول الهدية في القريب وبين الدعوة ما الفرق؟ فإنه قال: يقبل الهدية مطلقًا، ولم يفصل بين جري العادة وغيره، وفي الدعوة فصل بين العامة والخاصة كما ذكر في المتن.
قالوا: ما ذكر في الضيافة محمول على ما إذا كان ذا رحم محرم لم يجر بينهما الدعوة والمهاداة [وصلة القرابة، وأحدث بعد القضاء، فإذا كانت الحالة هذه فهو كالأجنبي، وما ذكر في الهدية: (ويقبل من ذي رحم محرم) على أنه
стр. 5154
وَعَدَّ مِنهَا هَذَيْنِ.
(وَلَا يُضَيِّفُ أَحَدَ الخَصْمَيْنِ دُونَ خَصْمِهِ)
كان جرى بينهما المهاداة] (١) وصلة القرابة قبل القضاء، فإذا أهدى بعد القضاء لا بأس بقبوله، وعند الشافعي (٢) يحضر الولائم بغير الخصم، وبه قال أحمد (٣)، وقال مالك (٤): لا يحضر الخاصة، ويحضر العامة إن شاء، وتركها أفضل إن كانت وليمة النكاح، ولغير النكاح كره، ذكره في الجواهر (٥).
وفي الحلية (٦): اختلف أصحابنا فيمن ولي أمرًا من أمور المسلمين، كالقضاة والأئمة في حضور الولائم على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه كغيرهم، والثاني: أنه سقط فرض الإجابة، والثالث: إن كان مرتزقا لم يحضر، وإلا يحضر.
قوله: (وعد منها) أي: من الستة (هذين) وحق المسلم لا يسقط بتقلد، ولأن هذا اعتاده وبالتقلد لا يمنع، لكنه لا يطيل مكثه في ذلك المجلس.
وفي تنبيه الغافلين: روى أبو أيوب الأنصاري عن النبي ﵊ أنه قال: «لِلْمُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ سِتّ خِصال واجبة، إن تَرَكَ شَيئًا منها فَقَدْ تَرَكَ حقًا واجِبًا عَلَيْهِ، إِذَا دَعَاهُ أَنْ يُجِيبه، وإِذَا مَرضَ أن يعوده، وإذا مَاتَ أن يحضره، وإذا لقيه أن يُسلّمَ عليهِ، وإِذَا اسْتَنصَحَه أن ينصَحَهُ، وإِذَا عَطَس أن يُشمِّتَهُ» (٧).
قوله: (ولا يضيف أحد الخصمين) لما روي عن علي أنه نزل به رجل، فقال: ألك خصم؟ قال: نعم، قال: تَحَوَّلْ عنا، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تُضيفوا أحدًا إلا ومَعَه خَصْمُهُ».
وفي قوله: (أحد الخصمين) إشارة إلى أنه لو أضافهما لا بأس به،
стр. 5155
لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ فِيهِ تُهْمَةٌ. قَالَ: (وَإِذَا حَضَرَا سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الجُلُوسِ وَالإِقْبَالِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا ابْتُلِيَ أَحَدُكُمْ بِالقَضَاءِ فَلْيُسَوِّ بَيْنَهُمْ فِي المَجْلِسِ وَالإِشَارَةِ وَالنَّظَرِ» (وَلَا يُسَارَّ أَحَدَهُمَا وَلَا يُشِيرُ إِلَيْهِ وَلَا يُلَقِّنُهُ حُجَّةً) لِلتَّهْمَةِ، وَلِأَنَّ فِيهِ مَكْسَرَةً لِقَلْبِ الآخَرِ فَيَتْرُكُ حَقَّهُ (وَلَا يَضْحَكُ فِي وَجْهِ أَحَدِهِمَا) لِأَنَّهُ يَجْتَرِئُ عَلَى خَصْمِهِ
وبه صرح في المبسوط (١)؛ لما روينا من حديث عليّ، ولا خلاف فيه.
(لأن فيه تهمة) أي: تهمة الميل.
قوله: («وَإِذَا ابْتُلِيَ أَحَدُكُمْ») الحديث، وروت أم سلمة أنه ﵇ قال: «مَنْ ابتلي بالقَضَاءِ بَيْنَ المُسْلِمِين فَلَيَعْدُلْ بَيْنَهُمْ فِي لَحظِهِ وإِشَارَتِهِ وَمَقْعَدِهِ، وَلَا يَرْفَعْن صَوْتَهُ عَلَى أَحَدِ الخَصْمَيْنِ ما لا يَرْفَعُه عَلَى الآخرِ» رواه ابن أبي شيبة في كتاب قضاة البصرة (٢).
وكتب عمر إلى أبي موسى: وسو بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك (٣).
والمستحب باتفاق أهل العلم أن يجلسهما بين يديه.
عن عبد الله بن المبارك، عن مصعب بن ثابت: أن عبد الله بن الزبير خاصمه عمرو بن الزبير إلى سعيد بن العاص، وهو على السرير، قد أجلس عمرو بن الزبير على السرير، فلما جاء عبد الله بن الزبير وسع له سعيد من شقه الآخر، فقال: هنا، فقال عبد الله: الأرض الأرض «قضى رسول الله - أو قال: سنة رسول الله - أن يجلس الخصمان بين يدي القاضي». رواه أبو داود (٤)
ولا يجلس أحدهما على يساره والآخر عن يمينه؛ لأن لليمين فضلا على
стр. 5156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اليسار، ألا ترى أن يمين النبي ﵇ لأبي بكر ويساره لعمر وكان ذلك لإظهار فضل أبي بكر.
وفي المغني والنوازل والفتوى الكبرى: خاصم السلطان مع رجل فجلس السلطان مع القاضي في مجلسه؛ ينبغي للقاضي أن يقوم من مقامه، ويجلس خصم السلطان فيه ويقعد هو على الأرض، ثم يقضي بينهما حتى لا يكون مفضلا أحدهما.
وهذه المسألة تدل على أن القاضي يصلح قاضيًا على السلطان الذي قلده، والدليل عليه قصة عليّ عند شريح، فإن شريحًا قام عن مجلسه وأجلس عليا مجلسه.
قال المرغيناني (١): ينبغي للقاضي أن يسوي بينهما في المجلس، وينبغي للخصمين أن يجثوا بين يدي القاضي، ولا يتربعان ولا يُقعيان، ولو فعلا ذلك منعهما القاضي تعظيمًا للحكم، كما يجلس المتعلم بين يدي المعلم تعظيمًا للمعلم، وينبغي أن يكون جلوسهما بين يديه بمقدار ذراعين أو نحو ذلك بحيث يسمع كلامهما من غير أن يرفعا أصواتهما.
وينبغي للقاضي أن يسند ظهره إلى المحراب، وهذا رسم زماننا، أما في زمن الخصاف وغيره يجلس القاضي مستقبل القبلة، وهو مستحب عند الأئمة الثلاثة (٢)، ورسم زماننا أحسن؛ لأنه موافق لفعله ﵇، ويقف أعوان القاضي بين يديه؛ ليكون أهيب في أعين الناظرين.
وفي المبسوط (٣): كل ما يمكن فيه مراعاة التسوية فعليه أن يسوي بينهما؛ لما روي أنه ﵇ كان يسوي في القسم بين نسائه ثم يقول: «اللَّهُمَّ هَذَا فِيمَا أَمْلِكُ»، الحديث (٤).
стр. 5157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإذا حضرا فالقاضي بالخيار؛ إن شاء ابتدأهما فقال: مالكما؟ وإن شاء تركهما حتى يبتدئا بالمنطق، وبعض القضاة يختار السكوت حتى يبتدئا؛ لأن في ابتداء القاضي تهييجا للخصومة، فالقاضي لرفعه ودفعه.
وقلنا: الرأي في ذلك للقاضي؛ إذ حشمة مجلس القضاء قد يمنعهما عن الكلام ما لم يبتدئ القاضي فلا يكون تهييجا للخصومة، ولكن لا يكلمهما بشيء آخر سوى ما تقدما بين يديه، مع أن السلام سنة، فإذا تكلم المُدَّعي أسكت الآخر، واستمع من المدعي حتى يفهم حجته؛ لأن في تكلمهما معًا لا يفهم كلام واحد، ولأن في تكلمهما شغب، وبه تنتقص حشمة مجلس القضاء، ويستنطق الآخر وإن لم يسأل المدعي ذلك.
واختار بعض القضاة أنه لا يستنطقه إلا بعد سؤال المدعي؛ لكن يتفكر بعد الدعوى في دعواه، فإن لم تكن صحيحة يقول له: قم صحح دعواك؛ إذ الدعوى الفاسدة لا تستحق الجواب، ولو صحح دعواه قبله يقول له: أخبرني ما أصنع، فإن قال: أريد جوابه فسأله عن ذلك - حينئذ يستنطق الآخر، والأصح عندنا أن يستنطق الآخر وإن لم يلتمس المُدَّعي؛ لأن المدعي ما أحضر خصمه إلا لذلك، فلا يحتاج إلى التماس آخر.
ولا ينبغي للقاضي أن يُلقن لأحدهما حجته، وينبغي أن يقدم النساء على حدة والرجال على حدة؛ لأن اختلاط النساء بالرجال مكروه، وهذا إذا كانت الخصومة بين النساء والرجال فلا يجد بدا من أن يقدمهن مع الرجال، واختار محمد أن يقدم الناس على منازلهم الأول بالأول، ويضع على ذلك أمينا من قبله ليعرف السابق، وينبغي أن يبتكر الأمين على باب القاضي ليعلم منازل الناس، وينبغي أن يكون أمينا لا يطمع ولا يرتشي؛ لأن ذلك من عمل القضاء، فكما لا يطمع هو فيما يقضي فكذا أمينه، ولو أشكل السابق منهم يقرع
стр. 5158
(وَلَا يُمَازِحُهُمْ وَلَا وَاحِدًا مِنْهُمْ) لِأَنَّهُ يُذْهِبُ بِمَهَابَةِ القَضَاءِ.
بينهم، كما في السفر مع النساء، وعندنا يجوز أن يقدم الغرباء.
وذكر الصدر الشهيد (١) وصاحب المغني والمحيط (٢): وينبغي إذا جلس القاضي للحكم أن يقوم بين يديه رجل يمنع الناس عن التقدم إليه يقال له: الجلواز، وصاحب المجلس، وينبغي أن يكون مع الجلواز سوط، وينبغي أن يكون أمينا.
والجلواز: من الجلوزة، وهي المنع.
وعن ابن عمر أنه كان إذا سافر استصحب رجلًا به سوء الأدب، فقيل له في ذلك، فقال: أما علمت أن الشر بالشر يدفع، ولا خلاف في جميع ما ذكرنا.
قوله: (ولا يمازحهم) أي: لا يمازح معهما (ولا واحدًا منهم) ولا غيرهما (لأنه) أي: المزاح مع أحد يذهب بمهابة القضاء ولهذا قيل: ينبغي أن يكون عبوسًا متواضعًا في أفعاله.
وفي جواهر المالكي (٣): ولا ينبغي للقاضي أن يتضاحك مع الناس، ويستحب أن يكون فيه عبوسة بغير غضب، وأن يلتزم التواضع في غير وهن ولا ضعف ولا ترك شيء من الحق، وينبغي أن يتخذ كاتبًا أمينا عارفًا بما يكتبه القضاة من المحاضر والسجلات والأحكام؛ لما روى أنه ﵇ اسْتَكْتَب زيدًا وغيره (٤)، ولأن الحاكم تكثر أشغاله.
وفي المحيط (٥): ينبغي أن يتخذ كاتبًا عفيفًا صالحًا مسلمًا حرا عدلًا أمينًا، ويقعده حيث يرى ما يكتب ويكتب خصومه كل منهما، وشهادة شهودهما في صحيفة، وهي المحضر، ولا خلاف فيه، وعن الشافعي (٦) في وجه: إسلام الكاتب ليس بشرط.
стр. 5159
قَالَ: (وَيُكْرَهُ تَلْقِينُ الشَّاهِدِ) وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَقُولَ لَهُ أَتَشْهَدُ بِكَذَا وَكَذَا، وَهَذَا لِأَنَّهُ إِعَانَةٌ لِأَحَدِ الخَصْمَيْنِ فَيُكْرَهُ كَتَلْقِينِ الخَصْمِ. وَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو يُوسُفَ ﵀ (•) فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التُّهْمَةِ، لِأَنَّ الشَّاهِدَ قَدْ يَحْصُرُ لِمَهَابَةِ المَجْلِسِ، فَكَانَ تَلْقِينُهُ إِحْيَاءً لِلْحَقِّ.
قوله: (تَلْقِينُ الشَّاهِدِ) أي: يكره أن يقول القاضي للشاهد شيئًا يستفيد الشاهد به علمًا؛ بل يدع الشاهد حتى يشهد بما عنده، ولا خلاف للأئمة الثلاثة (١) إلا عن الشافعي (٢) في وجه كما قال أبو يوسف.
والخلاف فيمن استولته الحيرة أو الهيبة، وترك شرطًا من شرائط الشهادة، فيعينه القاضي بقوله: أتشهد بكذا وكذا، ولا يقول له: اشهد بكذا، أما إذا كان في موضع التهمة بأن ادعى المُدّعِي ألفًا وخمسمائة والمدعى عليه ينكر الخمسمائة وشهد الشاهد بالألف، فالقاضي يقول: يحتمل أنه أبرأ الخمسمائة، واستفاد الشاهد علما بذلك، ووفقه في شهادته كما وفق القاضي، فهذا لا يجوز بالاتفاق، كما في تلقين أحد الخصمين.
قوله: (واستحسنه أبو يوسف في غير موضع التهمة)، وقد بينا موضع التهمة.
وفي المبسوط (٣): ما قالا عزيمةٌ؛ لأن القاضي منهي عن اكتساب ما يجر إليه تهمة الميل، وما يكون فيه إعانة لأحد الخصمين إما صورة أو معنى، وتلقين الشاهد لا يخلو من ذلك، ومذهب أبي يوسف رخصه، فإنه لما ابتلي بالقضاء شاهد من التحير عند أداء الشهادة، فإن لمجلس القاضي هيبة وللقاضي حشمة، ومن لم يقتدر على التكلم في مثل هذا المجلس يتعذر عليه البيان إذا لم يُعنه القاضي على ذلك، فيكون ذلك من باب التعاون على أداء الشهادة، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وقال ﵇: «أَكْرِمُوا الشُّهودَ فَإِنَّ الله تعالى يُحْيِي بِهِمِ الحُقُوق» (٤)، وهذا القدر من التلقين يرجع إلى إكرامه.
стр. 5160
بِمَنْزِلَةِ الإِشْخَاصِ وَالتَّكْفِيلِ.
قوله: (بمنزلة الإشخاص)، وهو إرسال شخص ليحضر خصمه، يقال: شخص من بلد إلى بلد شخوصا، أي: ذهب من حد (منع) وأشخصه غيره.
فتأخر دليل أبي يوسف، وتسميته بالاستحسان دليل على أن مختار المصنف قول أبي يوسف.
وفي المحيط (١): ولو رأى القاضي التفريق في الشهود في موضع التهمة جاز له التفريق بينهما.
وذكر الخصاف: ولا ينبغي للشاهد أن يبتدأ بالشهادة حتى يقول القاضي: بم تشهد؟
وقال الطحاوي (٢): لا بأس به.
وفي فتاوى قاضي خان (٣): لا ينبغي للقاضي أن يبيع ويشتري بنفسه، بل يفوض ذلك إلى غيره، وبه قالت الأئمة الثلاثة (٤)؛ لما روي أنه ﵇ قال: «ما عَدْلَ وال اتَّجَرَ فِي رَعِيَّتِهِ».
وشرط شريح على عمر حين ولاه ألا أبيع، ولا أشتري، ولا أرتشي (٥)، ولا أقضي حين أكون غضبان.
وعن ابن الماجشون المالكي (٦): وينبغي أن يتنزه عن طلب الحوائج والعواري من الماعون والدابة وما أشبه ذلك، وعن محمد: لا بأس بأن يبيع ويشتري في غير مجلس القضاء، وعن أحمد (٧): يستحب أن يوكل من لا يعرف
стр. 5161
فَصْلٌ فِي الحَبْسِ
أنه وكيله؛ لما روينا، وينبغي ألا يرد سلام الخصمين؛ إذ لا يجب عليه ردّ سلامهما، ولو رد ينبغي ألا يزيد على قوله: وعليكم، ويرد السلام على الشاهد.
وينبغي أن يخرج القاضي في أحسن ثيابه، ولو كان فقيرا فالأولى أن يأخذ رزقه من بيت المال؛ بل يفترض عليه، وإن كان غنيًّا تكلموا فيه، والأولى ألا يأخذ من بيت المال.
وفي المحيط (١): يكره للقاضي أن يفتي في مجلس حكمه، وفي غيره لا بأس به. وقيل: يكره أيضًا، وقال مالك (٢): لا يفتي أحد الخصمين دون الآخر.
فَصْلٌ فِي الحَبْسِ
لما ذكر القضاء، والحبس من أنواعه، وله أحكام كثيرة أفرده بفصل على حدة.
والحبس مشروع بالكتاب، قال تعالى: ﴿أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] والمراد: الحبس.
وبالسنة، لما روى أنه ﵇ «حَبَسَ رَجُلًا بِالتُّهمَةِ» (٣) وروي أن رجلا من جهينة أعتق شقصًا له في مملوك حبسه حتى باع فيه غنمه.
وبالإجماع (٤) أيضًا، وفي زمن النبي ﷺ وأبي بكر لم يكن سجن، يحبس في المسجد والدهليز أو حيث أمكن، حتى اشترى عمر دارًا بمكة بأربعة آلاف درهم، واتخذه محبسا.
وقيل: لم يكن في زمن عمر وعثمان أيضًا إلى زمن علي فاتخذ سجنا، وهو أول سجن حدث في الإسلام.
والمحبوس في الدين لا يخرج لرمضان، ولا لفطرة، ولا أضحى،
стр. 5162
قَالَ: (وَإِذَا ثَبَتَ الحَقُّ عِنْدَ القَاضِي، وَطَلَبَ صَاحِبُ الحَقِّ حَبْسَ غَرِيمِهِ، لَمْ يُعَجِّلْ بِحَبْسِهِ، وَأَمَرَهُ بِدَفْعِ مَا عَلَيْهِ) لِأَنَّ الحَبْسَ جَزَاءُ المُمَاطَلَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِهَا، وَهَذَا إِذَا ثَبَتَ الحَقُّ بِإِقْرَارِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ كَوْنَهُ مُمَاطِلًا فِي أَوَّلِ الوَهْلَةِ، فَلَعَلَّهُ
ولا لجمعة، ولا لجماعة صلاة مكتوبة، ولا لحجة فريضة، ولا لحضور جنازة بعض أهله، وإن أعطى كفيلا بنفسه؛ لأن الحبس شُرِعَ ليضجر فيسارع إلى قضاء الدين، وإنما يلحقه الضجر إذا منع من الخروج أصلا؛ ولهذا قالوا: ينبغي أن يحبس في موضع خشن، ولا يبسط له فراش ولا وطاء، ولا يدخل عليه أحد ليستأنس به.
وسُئِلَ محمد عن المحبوس لو مات والده أو ولده، هل يخرج؟ قال: لا، إلا ألا يجد من يكفنه ويغسله فيخرج، فإذا وجد لا يخرج؛ لأن حق الميت يصير مقامًا بغيره، وحق الطالب في الحبس، وقيل: يخرج بكفيل لجنازة الوالدين والأجداد والجدات والأولاد، وفي غيرهم لا، وعليه الفتوى (١).
ولو مرض في السجن فأَضْناهُ إن كان له خادم يخدمه ولا يخرج، حتى قال محمد: لو مات من المرض لا يخرج، وإن لم يكن له من يخدمه أخرجوه واحتسبوا عليه، ولا يمنع من الطعام والشراب، ولو احتاج إلى الجماع تدخل عليه زوجته أو جاريته فيطأها حيث لا يطلع عليه أحد.
وقيل: يمنع من دخول زوجته وجاريته عليه؛ لأن اقتضاء شهوة الفرج ليس من أصول الحوائج، ولا يُمنع من دخول أهله وجيرانه عليه؛ لأنه يحتاج إلى دخولهم ليشاورهم في قضاء الدين، ولكن لا يمكنون من أن يمكثوا طويلًا، والمال غير مقدر في الحبس، حتى يحبس في الدرهم وفي أقل منه؛ لأن المانع عما دونه ظالم. كذا في المبسوط (٢) وأدب القاضي للصدر الشهيد (٣) والذخيرة (٤) والمغني.
قوله: (أول الوهلة) يقال: لقيته أول وهلة أي: أول شيء (فلعله) أي:
стр. 5163
طَمِعَ فِي الإِمْهَالِ فَلَمْ يَسْتَصْحِبْ المَالُ، فَإِذَا امْتَنَعَ بَعْدَ ذَلِكَ حَبَسَهُ لِظُهُورِ مَطْلِهِ، أَمَّا إِذَا ثَبَتَ بِالبَيِّنَةِ حَبَسَهُ كَمَا ثَبَتَ لِظُهُورِ المَطْلِ بِإِنْكَارِهِ ..
المقرّ (طمع في الإمهال) يعني من حُجَّة المقرّ أن يقول: ظننت أنك تمهلني، فإن أبيت أوفيك حقك، أما لو جحد الدين حتى ثبت بالبينة فقد وجدت المماطلة.
وفي الفوائد الظهيرية: عن الإمام السرخسي: إن ظهر الدين بالبينة لا يحبسه أول مرة، وإن ظهر بالإقرار يحبسه فكان عكس مسألة الكتاب، والوجه فيه أن الدين يثبت بالبينة كان له أن يعتذر، فيقول: ما كنت علمت له عليّ دينا، فإذا علمت الآن أقضي ولا أتوانى في قضائه، ولا يمكنه مثل هذا الاعتذار في الإقرار (١).
قال الصدر الشهيد (٢): فإذا جاء أوان الحبس لا يسأل المديون: ألك مال؟ وقال الخصاف: الصواب عندي ألا يحبسه حتى يسأله: ألك مال؟ ويستحلفه على ذلك، فإن أقر أن له مالا حبسه، فإن قال: لا مال لي، قال للطالب: أثبت أن له مالا حتى أحبسه، وهو مذهب بعض القضاة.
ثم اعلم: إذا ثبت إعسار المديون لا يجوز حبسه بلا خلاف، ولا ملازمته؛ بل يمهل إلى أن يوسر، قال تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وعندنا لا يحبس ولكن للغريم ملازمته، ولا يمنع من الكسب.
وهل يلزمه الكسب وإجارة نفسه ليصرف الأجرة والكسب إلى رب الدين؟ عندنا والشافعي (٣): لا، وعند أحمد (٤): يلزمه، وقال مالك (٥): إن كان ممن يعتاد إجارة نفسه لزمه، وبه قال الشافعي في وجه، وعليه عمل القضاة لظهور المماطلة، قال ﵇: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ» (٦) وفي وجه يبيع ماله الظاهر،
стр. 5164
قَالَ: (فَإِنْ امْتَنَعَ حَبَسَهُ فِي كُلِّ دَيْنٍ لَزِمَهُ بَدَلًا عَنْ مَالٍ حَصَلَ فِي يَدِهِ، كَثَمَنِ المَبِيعِ، أَوْ التَزَمَهُ بِعَقْدٍ كَالمَهْرِ وَالكَفَالَةِ)؛ لِأَنَّهُ إِذَا حَصَلَ المَالُ فِي يَدِهِ ثَبَتَ غِنَاهُ بِهِ، وَإِقْدَامُهُ عَلَى التِزَامِهِ بِاخْتِيَارِهِ دَلِيلُ يَسَارِهِ، إِذْ هُوَ لَا يَلْتَزِمُ إِلَّا مَا يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهِ، وَالمُرَادُ بِالمَهْرِ مُعَجَّلُهُ دُونَ مُؤَجَلِهِ.
وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد، أما لو امتنع من أداء الدين يُحبس بلا خلاف.
قوله: (بدلا عن مال حصل في يده) إلى آخره، وفي الذخيرة (١) وشرح أدب القاضي للصدر الشهيد (٢): لو قال المديون بعد ثبوت الدين: أنا معسر، وقال المُدّعي: موسر، ولا بينة له؛ فالقول للمديون مع يمينه، وهو رواية أصحابنا، واختيار الخصاف، وبه قال الشافعي (٣) في وجه؛ لأن الأصل الفقر في بني آدم، فإنه يولد ولا مال له.
وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: أن في كل دين أصله مال، كثمن البيع والقرض فالقول للمدعي، وبه قال الشافعي (٤) في وجه، فالمديون يحتاج إلى البينة؛ لأنه عُرِفَ دخول شيء في ملكه، وزوال ذلك محتمل، فالظاهر قول المدعي.
وفي كل دين لا يقابله مال، كالمهر وبدل الخلع وما أشبه ذلك - فالقول للمديون؛ لأنه لم يدخل شيء في ملكه، فبقى متمسكًا بالأصل، إليه أشار محمد في كتاب النكاح في مسألة (ادعاء المرأة نفقة الموسرين، وزعم الزوج أنه معسر) فقال: القول للزوج.
وقال بعضهم: كل دين لزمه بسبب معاقدته واختياره فالقول لرب الدين، وبه قال الشافعي في وجه؛ لأن اختيار لزومه بالعقد دليل اليسار.
[قوله: (والمراد بالمهر) إلى آخره، ذكر التمرتاشي: ذكر في النكاح: يحبس
стр. 5165
قَالَ: (وَلَا يَحْبِسُهُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ إِذَا قَالَ: إِنِّي فَقِيرٌ، إِلَّا أَنْ يُثْبِتَ غَرِيمُهُ أَنَّ لَهُ مَالًا فَيَحْبِسَهُ) لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ دَلَالَةُ اليَسَارِ فَيَكُونُ القَوْلُ قَوْلَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَعَلَى المُدَّعِي إِثْبَاتُ غِنَاهُ، وَيُرْوَى: أَنَّ القَوْلَ لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، لِأَنَّ الأَصْلَ هُوَ العُسْرَةُ. وَيُرْوَى: أَنَّ القَوْلَ لَهُ إِلَّا فِيمَا بَدَلُهُ مَالٌ. وَفِي النَّفَقَةِ: القَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ إِنَّهُ مُعْسِرٌ، وَفِي إِعْتَاقِ العَبْدِ المُشْتَرَكِ القَوْلُ لِلْمُعْتِقِ، وَالمَسْأَلَتَانِ تُؤَدِّيَانِ القَوْلَيْنِ الأَخِيرَيْنِ، وَالتَّخْرِيجُ عَلَى مَا قَالَ فِي الكِتَابِ: أَنَّهُ لَيْسَ بِدَيْنٍ مُطْلَقٍ بَلْ هُوَ صِلَةٌ حَتَّى تَسْقُطَ النَّفَقَةُ بِالمَوْتِ عَلَى الاتِّفَاقِ، وَكَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ ضَمَانُ الإِعْتَاقِ، ثُمَّ فِيمَا كَانَ القَوْلُ قَوْلَ المُدَّعِي إِنَّ لَهُ مَالًا، أَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالبَيِّنَةِ فِيمَا كَانَ القَوْلُ قَوْلَ مَنْ عَلَيْهِ … ... … ..
في المهر، فقال البزدوي: أراد به المعجل؛ لأن العادة جرت في النكاح ألا يقوم به من لا وفاء به عنده بالمعجل، فكان إقدامه على النكاح دليل يساره] (١).
قوله: (فيما سوى ذلك) أي: فيما سوى المذكور، كضمان المتلف والغصب وأرش الجناية.
قوله: (وعلى المدعي إثبات غناه) أي: غنى المديون بالبينة.
وفي الذخيرة (٢): لو أقام المدعي بينة على يساره، وأقام المديون بينة على إعساره - فبينة رب الدين أولى؛ لأن شهود المديون شهدوا لشيء لم يعرفوه.
قوله: (ويروى أن القول لمن عليه في جميع ذلك) ويدخل تحته ثمن البيع وغيره.
قوله: (والمسألتان) أي: مسألة النفقة، ومسألة إعتاق عبد المشترك (تؤيدان القولين الآخرين)، وفي بعض النسخ: (الأخيرين)، وهما قوله: (ويروى أن القول لمن عليه)، (ويروى أن القول له إلا فيما)، أي: لمن عليه.
وتأييدهما لقول من قال: إن القول له في جميع ذلك، فظاهر.
وأما تأييدهما لقول من قال: (إن القول له إلا فيما بدله مال) فإنه لما يمكن
стр. 5166
يَحْبِسُهُ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٌ ثُمَّ يَسْأَلُ عَنْهُ: فَالحَبْسُ لِظُهُورِ ظُلْمِهِ فِي الحَالِ، وَإِنَّمَا يَحْبِسُهُ مُدَّةٌ لِيَظْهَرَ مَالُهُ لَوْ كَانَ يُخْفِيهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَمْتَدَّ المُدَّةُ لِيُفِيدَ هَذِهِ الفَائِدَةَ فَقَدَّرَهُ بِمَا ذَكَرَهُ، وَيُرْوَى غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ التَّقْدِيرِ بِشَهْرٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ إِلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّ
بدل المهر وبدل ضمان الإعتاق مالًا جُعِل القول قول من عليه، علم بهذا أن الصحيح القولان الآخران.
وأما من نصر القول الأول، وهو قوله: (حبسه في كل دين) إلى آخره، فيجيب عن هاتين المسألتين بقوله: (أنه) أي: النفقة على تأويل الإنفاق، وضمان الإعتاق - ليسا بدين مطلق، بل هما صلة؛ بدليل سقوطهما بالموت، أما النفقة فتسقط بالاتفاق، وأما الإعتاق فعلى قول أبي حنيفة، وهذا هو معنى قوله: (والتخريج على ما قال في الكتاب) فلما كان كذلك لم ترد هاتان المسألتان نقضًا للقول الأول، وهو قوله: (حبسه في كل دين)، إلى آخره (١).
قوله: (من التقدير بشهر) وهو اختيار الطحاوي، قال الحلواني: ما ذكره الطحاوي أرفق بالناس؛ لأن ما زاد على الشهر في حكم الأجل، وما دونه في حكم العاجل.
قوله: (أو أربعة إلى ستة أشهر) وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة.
قوله: (والصحيح) إلى آخره، في الذخيرة (٢): كثير من المشايخ قالوا ليس هذا تقديرًا لازما، فقد روى هشام عن محمد مثل هذا؛ إذ الحبس للإضجار، وذلك يختلف فيه أحوال الناس فإن منهم من يضجر بمدة قليلة، ومنهم من لا يضجر بها، ففوض إلى رأي القاضي، فإن وقع عنده أنه يضجر بمدة قليلة أطلقه بعد ذلك، ومثله في شرح أدب القاضي للصدر الشهيد (٣)، وعن الشافعي (٤) وأحمد (٥) ومالك (٦) مثله.
стр. 5167
التَّقْدِيرَ مُفَوَّضُ إِلَى رَأي القَاضِي لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الأَشْخَاصِ فِيهِ (•). قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَالٌ خُلِّيَ سَبِيلُهُ) يَعْنِي: بَعْدَ مُضِيّ المُدَّةِ، لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ النَّظِرَةَ إِلَى المَيْسَرَةِ فَيَكُونُ حَبْسُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ظُلْمًا.
وقال ابن الماجشون المالكي: لا يحبس في القليل أكثر من نصف الشهر، وفي الكثير يبلغ أربعة أشهر، وفيما بين ذلك الشهرين ونحوهما بالنسبة. ذكره في الجواهر (١).
قوله: (فإن لم يظهر مال) أي: بعد مضي المدة التي رآها القاضي، أو بعد مضي مدة على ما اختار بعض المشايخ، يعني ينبغي أن يُسأل عن حاله بعد الحبس؛ فإن سأل عنه فقامت البينة على إفلاسه أخرجه وتقبل البينة في رواية، وبه قال الشافعي (٢) وأحمد (٣)، وعند عامة المشايخ: لا تُقبل، وبه قال مالك (٤)، وقال الصدر الشهيد في شرح أدب القاضي (٥): وهو الصحيح.
وفي الذخيرة (٦): لو أخبر عن إعساره قبل الحبس واحد عدل أو اثنان، أو شهد بذلك شاهدان؛ فعن محمد روايتان في رواية: لا يحبسه، وبه يفتي الفضلى، وهو قول إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، وهكذا قال نصير بن يحيى.
وقال الإسكاف وعامة مشايخ ما وراء النهر بحبسه، ولا تقبل هذه البينة؛ لأن البينة على العُسار بينة على النفي، فلا تقبل إلا إذا تأيدت بمؤيد، وقيل: الحبس ما أيدت بمؤيد وبعد مضي مدته تأيدت بمؤيد؛ لأن الظاهر أنه لو كان قادرًا على القضاء لما تحمل مرارة الحبس.
قال شيخ الإسلام: سؤال القاضي عن المحبوس بعد حبسه احتياط وليس بواجب؛ لأن بينته على عساره بينة على النفي، وهي ليست بحجة، قالوا: هذا إذا لم يكن حال منازعة، أما لو ادعى المديون أنه أعسر بعد ذلك، وقال
стр. 5168
وَلَوْ قَامَتْ البَيِّنَةُ عَلَى إِفْلَاسِهِ قَبْلَ المُدَّةِ تُقْبَلُ فِي رِوَايَةٍ، وَلَا تُقْبَلُ فِي رِوَايَةٍ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: عَامَّةُ المَشَايِخ ﵏. قَالَ فِي الكِتَابِ: خُلِّيَ سَبِيلُهُ وَلَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غُرَمَائِهِ، وَهَذَا كَلَامٌ فِي المُلَازَمَةِ وَسَتَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ الحَجْرِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَجُلٌ أَقَرَّ عِنْدَ القَاضِي بِدَيْنِ فَإِنَّهُ يَحْبِسُهُ، ثُمَّ يَسْأَلُ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا أَبَّدَ حَبْسَهُ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا خَلَّى سَبِيلَهُ، وَمُرَادُهُ: إِذَا أَقَرَّ عِنْدَ غَيْرِ القَاضِي أَوْ عِنْدَهُ مَرَّةً، وَظَهَرَتْ مُمَاطَلَتُهُ وَالحَبْسُ أَوَّلًا وَمُدَّتُهُ قَدْ بَيَّنَّاهُ فَلَا نُعِيدُهُ.
قَالَ: (وَيُحْبَسُ الرَّجُلُ فِي نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ) لِأَنَّهُ ظَالِمُ بِالِامْتِنَاعِ وَلَا يُحْبَسُ وَالِدٌ فِي دَيْنِ وَلَدِهِ لِأَنَّهُ نَوْعُ عُقُوبَةٍ فَلَا يَسْتَحِقُّهُ الوَلَدُ عَلَى الْوَالِدِ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ (إِلَّا إِذَا امْتَنَعَ مِنْ الإِنْفَاقِ عَلَيْهِ) لِأَنَّ فِيهِ إِحْيَاءٌ لِوَلَدِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُتَدَارَكُ … ... …
الطالب: إنه موسر وشهد أنه معسر خلى سبيله، ولا تكون هذه شهادة على النفي؛ لأن الإعسار بعد اليسار أمر حادث، فكانت الشهادة على أمر حادث لا بالنفي، ولو طلب يمين الطالب أنه لا يعرف أنه معدم - يحلف، فإن نكل أطلقه، وإن حلف أيد الحبس.
قال أبو القاسم: كيفية الشهادة أن يقول: أشهد أنه مفلس، لا نعلم له مالا سو كسوته التي عليه وثياب ليلة، وقد اختبرنا أمره سرا وعلانية، وهذا أتم وأبلغ.
قوله: (وفي الجامع الصغير) إلى آخره، إنما ذكر لفظ الجامع؛ لأن رواية الجامع من حيث الظاهر بخلاف ما ذكر في أول الفصل من قوله: (إذا ثبت الدين بالإقرار لا يحبسه في أول الوهلة) وهنا قال: يحبسه متصلا بإقراره، فذكر لفظ الجامع ثم ذكر تأويله بقوله: (ومراده إذا أقر عنده وظهرت مماطلته) إلى آخره.
قال فخر الإسلام: معنى المسألة إذا كان جاحدًا فأقر عنده، وظهر للقاضي جحوده عند غيره ومماطلته، وأظهر له مماطلته بعدما أقر عنده غيره، فحينئذ يحبسه، فأما إذا أقر مرة فلا يحبسه؛ لما مر.
قوله: (إلا إذا امتنع من الإنفاق عليه) فحينئذ يحبس، أما في دين المداينة لا يحبس بلا خلاف، وفي الامتناع من الإنفاق عليه يحبس بلا خلاف أيضًا.
стр. 5169
لِسُقُوطِهَا بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ كِتَابِ القَاضِي إِلَى القَاضِي
وفي الذخيرة (١): وكذا كل من أُوجِب عليه النفقة وأبي من الإنفاق - يحبس أبا كان أو أما أو جدًا أو جدةً أو زوجًا؛ لأن في ترك الإنفاق عليهم سعيًا إلى هلاكهم، ويجوز أن يحبس الوالد لقصده إلى إتلاف الولد.
قوله: (لسقوطها) أي: لسقوط نفقة الولد بمضي الزمان، أما الدين لا يسقط بمضي الزمان، فافترقا في هذا الحكم فيفترقان في حق الحبس.
وفي الذخيرة (٢) والعبد لا يُحبس لمولاه؛ لأن المولى لا يستوجب على عبده دينا، وكذا لا يحبس المولى لعبده إذا لم يكن على العبد دين؛ لأنه إذا لم يكن دينه من جنس بدل الكتابة؛ لأن في الحبس له حق أخذه، فإذا أخذ يلتقيان قصاصا، وفي غير جنسه لا تقع المقاصة والمكاتب في اكتسابه بمنزلة الحر، فيكون له حق المطالبة من المولى، فيحبس عند مطله، أما المكاتب لا يحبس بدين الكتابة لمولاه؛ لأنه بالامتناع لا يصير ظالمًا، ولو كان عليه دين غير بدل الكتابة يحبس فيه؛ لأنه لا يتمكن من فسخ ذلك الدين وهو ظاهر الرواية.
وعن بعض مشايخنا: هما سواء؛ لأنه يتمكن من إسقاطه بتعجيز نفسه، فيسقط الدين عنه؛ لأن المولى لا يستوجب على عبده دينًا، وفي ظاهر الرواية: أن بدل الكتابة صلة من وجه، بخلاف سائر الديون.
بَابُ كِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي
أورده عقيب الحبس لأنه من عمل القضاة أيضًا، ولكنه يحتاج بتمامه إلى اثنين، والحبس يتم بقاضٍ واحد، والواحد مقدم على الاثنين.
وفي المبسوط (٣): القياس يأبى جواز العمل بكتاب القاضي إلى القاضي؛ لما فيه شبهة التزوير؛ إذ الخط يشبه الخط والخاتم يشبه الخاتم، إلا أنه جُوز لحاجة الناس إليه؛ لحديث علي أنه جوز لحاجة الناس إلى ذلك.
стр. 5170
قَالَ: (وَيُقْبَلُ كِتَابُ القَاضِي إِلَى القَاضِي فِي الحُقُوقِ إِذَا شَهِدَ بِهِ عِنْدَهُ) لِلْحَاجَةِ عَلَى مَا تُبَيِّنُ (فَإِنْ شَهِدُوا عَلَى خَصْمٍ حَاضِرٍ حَكَمَ بِالشَّهَادَةِ) لِوُجُودِ الحُجَّةِ (وَكَتَبَ بِحُكْمِهِ) وَهُوَ المَدْعُو سِجِلًا وَإِنْ شَهِدُوا بِهِ بِغَيْرِ حَضْرَةِ الخَصْمِ: لَمْ يَحْكُمْ لِأَنَّ
وأصله ما روى الضحاك بن سفيان أن رسول الله ﷺ كتب: أَنْ أُوْرِثِ امرأة أشيح الضبابي من دِيَة زَوجَها، رواه أبو داود، والترمذي (١)، وعليه أجمع (٢) الفقهاء.
قوله: (في الحقوق) أي: الحقوق التي تثبت مع الشبهات؛ إذ في الحدود والقصاص لا تقبل عندنا، كما يجيء (٣).
قوله: (إذا شُهد به) أي: بالكتاب (عنده) أي: عند القاضي المكتوب إليه، وشهد: على بناء المفعول.
قوله: (على خصم حكم بالشهادة)، والمراد من الخصم هنا الوكيل عن الغائب، أو المسخّر الذي جعل وكيلا لأجل إثبات الحق عليه، وإن لم يكن هو وكيلا عنه في الحقيقة؛ إذ لو كان المراد هو المدعى عليه نفسه لما احتيج إلى كتاب القاضي؛ إذ الحكم يتم على الخصم بحكمه، ولو لم يكن خصمًا أصلًا لا المدعى عليه ولا نائبه، وقد حكم القاضي بالشهادة كان قضى على الغائب، وهو لا يجوز عندنا، وعند الأئمة الثلاثة يجوز الحكم على الغائب، فلا يحتاج إلى خصم.
(وهو المدعو سجلا)؛ إذ السجل لا يكون إلا بعد الحكم والكتاب الحكمي، وهو المعروف بكتاب القاضي إلى القاضي لا يكون إلا قبل الحكم كما ذكر في المتن (٤).
стр. 5171
القَضَاءَ عَلَى الغَائِبِ لَا يَجُوزُ (وَكَتَبَ بِالشَّهَادَةِ) لِيَحْكُمَ المَكْتُوبُ إِلَيْهِ بِهَا، وَهَذَا هُوَ الكِتَابُ الحُكْمِيُّ، وَهُوَ نَقْلُ الشَّهَادَةِ فِي الحَقِيقَةِ، وَيَخْتَصُّ بِشَرَائِطَ نَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَجَوَازُهُ لِمِسَاسِ الحَاجَةِ، لِأَنَّ المُدَّعِيَ قَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الجَمْعُ بَيْنَ شُهُودِهِ وَخَصْمِهِ فَأَشْبَهَ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ. وَقَوْلُهُ: (فِي الحُقُوقِ) يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ الدَّيْنُ، وَالنِّكَاحُ، وَالنَّسَبُ، وَالمَغْصُوبُ، وَالأَمَانَةُ المَجْحُودَةُ، وَالمُضَارَبَةُ المَجْحُودَةُ، لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ، وَهُوَ يُعْرَفُ بِالوَصْفِ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الإِشَارَةِ، وَيُقْبَلُ فِي العَقَارِ أَيْضًا، لِأَنَّ التَّعْرِيفَ فِيهِ بِالتَّحْدِيدِ.
قوله: (وهو نقل الشهادة في الحقيقة)، يعني في السجل لا سبيل للمكتوب إليه برده وإن كان مخالفًا لمذهبه؛ لما أن حكم القاضي في السجل إذا وقع في مسألة مختلف فيها ليس لقاض آخر رده؛ لاتصال حكم القاضي به، بخلاف كتاب الحكمي، فإن للقاضي المكتوب إليه يجوز رده؛ لأنه لم يتصل به حكم، وهو بمنزلة الشهادة على الشهادة في الحقيقة.
ألا ترى أن للقاضي الأول أن يطلبه قبل أن يبعث به إلى الثاني، فإن الخصم لو حضر مجلسه لم يلزمه ذلك منها، فكذا للثاني ألا ينفذ بكتابه إلا أن يكون ذلك من رأيه. كذا في المبسوط (١).
قوله: (ويختص بشرائط) (٢) ومن الشرائط: العلوم الخمسة، ذكرها في الذخيرة: هو أن يكون الكاتب معلومًا، والمكتوب إليه معلومًا، والمدعي به معلومًا، والمدعى عليه معلومًا، والمدعى به المعلوم، وشرائط أُخر نذكرها في هذا الباب إن شاء الله تعالى.
ثم إعلام كل واحد من هؤلاء المذكورين يكون بذكر اسمه واسم أبيه واسم جده، أو قبيلته؛ لأن إعلام الإنسان إذا كان غائبًا بهذه الأشياء، ولو لم يذكر اسم أبيه وجده لا يحصل التعريف بالاتفاق، وبذكر أبيه دون جده وقبيلته يحصل التعريف عند أبي حنيفة إن كان مشهورًا.
قوله: (لا يحتاج فيه إلى الإشارة)، فإن قيل: الإشارة في النكاح شرط عند
стр. 5172
وَلَا يُقْبَلُ فِي الْأَعْيَانِ المَنْقُولَةِ لِلْحَاجَةِ إِلَى الإِشَارَةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ يُقْبَلُ فِي العَبْدِ دُونَ الأَمَةِ لِغَلَبَةِ الإِبَاقِ فِيهِ دُونَهَا. وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِمَا بِشَرَائِط
دعوى الرجل أو المرأة من الجانبين، وكذا في الأمانة والمغصوب وغيرهما، وكاتب هذه الأشياء، كالحيوان والعروض والثياب، ولا يُقبل كتاب القاضي في هذه الأشياء في ظاهر الرواية.
قلنا: دعوى نفس النكاح ونظائره لا يحتاج إلى الإشارة؛ لأنها من الأفعال، وإن كان يلزم في ضمنه الإشارة إلى نفس الرجل أو المرأة؛ إذ كل واحد خصم، والإشارة إلى الخصم شرط، وهو ليس بمدعى والمدعى الفعل، ومثل هذا يوجد في الدين أيضًا، فإنه يحتاج فيه أن يشير إلى رب الدين والمديون؛ لأن الدين في الذمة، والإشارة إلى الغريم والمديون شرط، والمدعي الدين، فكذا هاهنا. إليه أشار في شرح أدب القاضي للصدر الشهيد (١).
(للحاجة إلى الإشارة) فلا يقبل عند أبي حنيفة ومحمد في العبيد والجواري أيضًا، وهو القياس، والمنصوص من الشافعي (٢) أنه لا يجوز في المنقول، وهو أصح القولين عنده، واستحسن أبو يوسف في العبيد، فقال العبد يأبق من مولاه دون الأمة؛ لأن العبد يخدم خارج البيت، فيقدر على الإباق غالبًا، فتمس الحاجة إلى الكتاب، بخلاف الأمة، فإنها تخدم فلا تقدر على الإباق غالبًا، ولا تمس الحاجة، كذا في شرح أدب القاضي للصدر الشهيد (٣).
قوله: (بشرائط) يعرف في موضعه من المبسوط (٤) والذخيرة (٥) وشرح أدب القاضي للصدر الشهيد (٦) والمغني.
وما ذكرنا من أن يكتب من معلوم إلى معلوم في معلوم، ومنها أن يكلف المدعي أنه كان له عبد آبق، وهو اليوم في يد فلان بن فلان في البلد الفلاني، ويعرف المدعي غاية التعريف بصفته واسمه وسنه وقيمته والدار التي جلب منها،
стр. 5173
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإذا كتب وضم، كما يجيء بعدها، وورد الكتاب على المكتوب إليه أحضر القاضي المكتوب إليه المدعى عليه والعبد، فنظر في العبد وفي الكتاب، فإن وافق حلية الغلام ما في الكتاب ختم في عنق العبد من الرصاص، ودفع إلى المدعي من غير أن يقضى له بالملك، وأخذ منه كفيلا وأمره أن يذهب إلى القاضي الكاتب، فإذا جاء به إليه أمره الكاتب بإعادة البينة على أن هذا العبد بعينه ملكه، فإذا أعاد يقضي القاضي الكاتب بدله، ثم يكتب إلى قاضي تلك البلدة ليبرئ كفيله. كذا في المبسوط (١) وغيره.
فإذا شهدوا بذلك ثانيًا اختلفت الرواية عن أبي يوسف؛ في رواية: يقضي ويرسل إلى قاضي المكتوب ليبرئ كفيله، كما ذكر في المبسوط (٢)، وفي بعض الروايات عن أبي يوسف: لا يقضي للمدعي بالعبد؛ لأن الخصم غائب؛ بل يكتب كتابًا آخر إلى المكتوب إليه ليحضر المدعى عليه ويفكه بحضرته، ويحكم كذلك، ويبرئ الكفيل، هذا في العبد.
وفي الجارية: لا يدفعها المكتوب إليه إلى المدعي، ولكن يبعث بها معه على يد أمين؛ لأنه لو دفعها إليه لم يمتنع من وطئها وإن كان أمينًا في نفسه؛ لأنه يزعم أنها مملوكته، ولكن أبو حنيفة ومحمد قالا هذا استحسان فيه بعض القبح، فإنه إذا دفع إليه العبد يستخدمه قهرًا ويستغله، فيأكل من غلته قبل أن يثبت فيها بقضاء العبد له، وربما يظهر العبد لغيره؛ لأن الحلية والصفة يشتبهان، ألا ترى أن الرجلين المختلفين قد يتفقان في الحلية والصفة.
وفي الحلية: وحكى الشافعي عن بعض الحكام على مذهب القائلين بجواز الحكم ببادئ في القاضي المكتوب على العبد، فإذا تم ثمنه قال لمدعيه: ادفع ثمنه يكون موضوعًا على يد عدل، وخذ العبد فإن عيّنه شهودك إلى حكم القاضي به، وكتب إليَّ برد اليمين عليك، وإن لم يُعينوه لزمك ردّه، وأخذ اليمين من يد العدل (٣).
стр. 5174
تُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهَا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: أَنَّهُ يُقْبَلُ فِي جَمِيعِ مَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ وَعَلَيْهِ المُتَأَخِّرُونَ (*).
قَالَ: (وَلَا يُقْبَلُ الكِتَابُ إِلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ) لِأَنَّ الْكِتَابَ يُشْبِهُ الكِتَابَ، فَلَا يَثْبُتُ إِلَّا بِحُجَّةٍ تَامَّةٍ، وَهَذَا لِأَنَّهُ مُلْزِمٌ فَلَا بُدَّ مِنْ الحُجَّةِ،
قوله: (وعن محمد أنه يقبل في جميع ما يُنقل) وبه قال مالك (١) وأحمد (٢) والشافعي (٣) في قول (وعليه المتأخرون) قال الإسبيجابي: وعليه الفتوى، ولكن شرط أن يكون المنقول مما يتميز بالعلامة، وكذا الشافعي في قول (٤).
قوله: (وهذا) أي: اشتراط الحجة عند عامة الفقهاء، وعن الحسن البصري (٥) والعنبري (٦) والشعبي (٧) وأبي ثور والإِصْطَخْرِي (٨) من أصحاب الشافعي، وأبي يوسف في رواية، ومالك في رواية (٩) أنهم قالوا: إذا كان يعرف خط القاضي الكاتب وختمه قبله، كما في كتاب الاستئمان من أهل الحرب، وكما في رسول القاضي إلى المزكى.
وقلنا: (إنه) أي كتاب القاضي (ملزم) إذ يجب على القاضي المكتوب إليه أن ينظر فيه ويعمل به (فلا بد من الحجة) حتى يثبت كونه ملزما، والحجة هي البينة.
أما كتاب الاستئمان ليس بملزم، فإن الإمام بالخيار؛ إن شاء أعطاه الأمان، وإن شاء لم يعطه، فلا تشترط فيه البينة.
стр. 5175
بِخِلَافِ كِتَابِ الاِسْتِثْمَانِ مِنْ أَهْلِ الحَرْبِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُلْزِمٍ، وَبِخِلَافِ رَسُولِ القَاضِي إِلَى المُزَكَّى وَرَسُولِهِ إِلَى القَاضِي، لِأَنَّ الإِلْزَامَ بِالشَّهَادَةِ لَا بِالتَّزْكِيَةِ.
وكذا رسول القاضي إلى المزكى، ورسول المزكى إلى القاضي ليس بملزم، بل الملزم الشهادة؛ إذ القضاء مضاف إلى الشهادة، ولهذا لو أوصى بدون التزكية صح قضاؤه، وإنما التزكية لنوع رجحان الصدق.
فإن قيل: ما فائدة كتاب القاضي إلى القاضي، فالشاهدان على الكتاب يجوز أن يشهدا على شهادة الأصول، حتى لا يحتاج إلى الكتاب؟
قلنا: في الشهادة على الشهادة يحتاج القاضي الآخر إلى تعديل الشهود الأصول، وقد يتعذر معرفة عدالة الأصول في تلك البلدة، فلا يحصل المقصود، وهنا يكتب عدالة الشهود الذين شهدوا عنده، فلا يحتاج المكتوب إليه إلى التعديل ثانيًا.
وقيد الرسول بكونه مرسلًا إلى المزكى أو على العكس؛ لأن رسول القاضي إلى قاض آخر غير معتبر في لزوم القضاء على الآخر بدون بينة، ولا بالبينة.
والفرق بين كتابه ورسوله وجهان: أحدهما: أن القياس يأبى جواز كتاب القاضي إلى القاضي كما بينا، إلا أنا جوزنا بالأثر كما بينا، وأجمع التابعون على جوازه، ولم يرد مثل ذلك في الرسول، فعمل به القياس.
والثاني: أن الكتاب من القاضي جُعِل كالخطاب في موضع القضاء المكتوب، والكتاب وجد من موضع القضاء، فيكون كالخطاب في موضع القضاء، فيكون حجة، أما الرسول عند أداء الرسالة كان ذلك مرسلًا حضر في هذا الموضع يبلغه، ألا ترى أن مجيز تزويج الولي في تزويج ابنته البالغة لو كان فضوليا - يشترط فيه العدد أو العدالة على قول أبي حنيفة، ولو كان رسولًا لا يشترط بالإجماع؛ لقيامه مقام المرسل وقت التبليغ، فلما كان هذا من المرسل بمنزلة خطاب المرسل، والمرسل في هذا الموضع ليس بقاض.
وقوله: (في غير موضع قضائه) كقول واحد من الرعايا، فلذلك لم يقبل قول رسوله، ويقبل كتابه. إلى هذا أشار في الذخيرة (١).
стр. 5176
قَالَ: (وَيَجِبُ أَنْ يَقْرَأُ الكِتَابَ عَلَيْهِمْ لِيَعْرِفُوا مَا فِيهِ أَوْ يُعْلِمَهُمْ بِهِ) لِأَنَّهُ لَا شَهَادَةَ بِدُونِ العِلْمِ ثُمَّ يَخْتِمَهُ بِحَضْرَتِهِمْ وَيُسَلِّمَهُ إِلَيْهِمْ كَيْ لَا يُتَوَهَّمَ التَّغْيِيرُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، لِأَنَّ عِلْمَ مَا فِي الكِتَابِ وَالخَتْمِ بِحَضْرَتِهِمْ شَرْطٌ، وَكَذَا حِفْظُ مَا فِي الكِتَابِ عِنْدَهُمَا، وَلِهَذَا يُدْفَعُ إِلَيْهِمْ كِتَابٌ آخَرُ غَيْرُ مَحْتُومٍ لِيَكُونَ مَعَهُمْ مُعَاوَنَةٌ عَلَى حِفْظِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ آخِرًا: شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطِ، وَالشَّرْطُ: أَنْ يُشْهِدَهُمْ أَنَّ هَذَا كِتَابُهُ وَخَتْمُهُ،
قوله: (ويجب أن يقرأ القاضي الكتاب عليهم) أي: على الشهود على كتابه (أو يعلمهم به) أي: بما في الكتاب يعني.
علم ما في الكتاب شرط عند أبي حنيفة ومحمد والشافعي (١) وأحمد (٢) ومالك (٣) في رواية.
وإعلامهم يحصل بطريقين إما بقراءة الكتاب عليهم، أو باختياره لهم بما في الكتاب.
(والشرط) أي: عند أبي يوسف (أن يشهدهم أن هذا كتابه وختمه)، وبه قال مالك في رواية، ويُسلّم الكتاب إلى المدعي، وعليه عمل القضاة اليوم، وهو اختيار الفتوى على قول شمس الأئمة.
وعلى قول أبي حنيفة ومحمد: يُسلّم الكتاب إلى الشهود، وأجمعوا في الصك أن الإشهاد عليه لا يصح ما لم يعلم الشاهد ما في الكتاب، فاحفظ هذا، فإن الناس اعتادوا بخلاف ذلك، حيث يشهدون على ما في الصك من غير قراءة الحدود وغير ذلك.
قيل: كذا في مختلفات القاضي الغني، وما قالاه احتياطا، وما قاله أبو يوسف توسع.
стр. 5177
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ الخَتْمَ لَيْسَ بِشَرْطِ أَيْضًا (*)، فَسَهَّلَ فِي ذَلِكَ لَمَّا ابْتُلِيَ بِالقَضَاءِ وَلَيْسَ الخَبَرُ كَالمُعَايَنَةِ. وَاخْتَارَ شَمْسُ الأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ ﵀ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ ﵀.
ومن الشرائط عندهما: أن يحفظوا الشهادة بما في الكتاب من وقت التحمل إلى وقت الأداء، كما في جميع الشهادات. كذا في الذخيرة (١).
ومن الشرائط عندهما: أن يكون الكتاب معنونًا بأن يكتب فيه: هذا كتاب من فلان بن فلان قاضي بلد كذا إلى فلان بن فلان القاضي، والشرط العنوان الباطن عندهما لا عنوان الظاهر، حتى لو ترك العنوان الظاهر اكتفى المكتوب إليه بالعنوان الباطن - جاز، وعلى العكس لا يجوز.
وصورة العنوان الظاهر في زماننا أن يكتب قبل كتابة التسمية من جانب اليسار: من فلان بن فلان إلى القاضي الإمام فلان بن فلان قاضي بلد كذا، أو يكتب في جنب اليمين فوق كتابة التسمية: بسم الله الملك الحق المبين - ونحو ذلك -، إلى القاضي الإمام فلان بن فلان قاضي بلد كذا، وإلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين وحكامهم.
فإن كتب: إلى قاضي بلد كذا، وفي البلد قاضيان لا يصح، ولو كان قاضيًا واحدًا يصح.
ثم يكتب على ظهر الكتاب من قبل اليسار على الصدر: من فلان بن فلان إلى فلان بن فلان قاضي بلد كذا ونواحيها، ويكتب على الظهر من قبل اليمين: بسم الله الملك الحق المبين إلى قاضي بلد كذا فلان بن فلان، وإلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين وحكامهم، ثم يكتب بعد التسمية: هذا كتابي - أطال الله بقاء فلان القاضي - إلى آخره، كما هو الرسم في الكتاب، ثم يكتب: أما بعد.
ثم إذا كان القاضي يعرف المُدّعي بوجهه واسمه ونسبه يكتب في كتابه: حضر في مجلس قضائي في بلد كذا، وأنا مقيم بها، نافذ القضاء من جهة فلان، كما هو الرسم، ويذكر حليته.
стр. 5178
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإن لم يعرفه بوجهه وهو يقول: أنا فلان بن فلان، يسأل عنه البينة، ويذكر في كتابه: حضر رجل يزعم أنه فلان بن فلان، ولم أعرفه، فسألت عنه البينة، ويذكر أسماء الشهود وأنسابهم وحلاهم ومساكنهم؛ إن كتب ذلك كان أولى، وإن لم يكتب أسماءهم وأنسابهم، واكتفى بقوله: فأقام شهودًا عدولًا عرفتهم بالعدالة، أو سألت عنهم فعدلوا أو عرفوا بالعدالة - جاز.
ثم يذكر بعد ذلك: فشهدوا أنه فلان بن فلان، ويستقصى في تعريفه؛ فإن ذكر قبيلته مع ذلك كان أبلغ، وإن ترك لا يضره.
لو لم يذكر جده لا يتم تعريفه في قول أبي حنيفة، ويتم في قولهما. وكذا الخلاف لو ذكر قبيلته أو صناعته لا يكون تعريفا بالاتفاق.
ثم يكتب: من غير خصم أحضره، ولا نائب عن خصم حضر معه، وادعى أن له دارًا في بلدة كذا في محلة كذا، وذكر حدودها في يد رجل يقال له: فلان ابن فلان، يُعرِّف المدعى عليه على وجه التمام وإن كان رجلا مشهورا لا يحتاج إلى هذا، بل يكتب: ادعى على فلان ولا بد أن يذكر: ادعى المدعي أنه غائب عن هذه البلدة مسيرة سفر؛ لأن بين العلماء اختلافًا في تقدير المسافة التي يجوز كتاب القاضي إلى القاضي فيها، وكثير من مشايخنا قالوا: لا يجوز فيما دون مسيرة السفر، وبه قال الشافعي (١) وأحمد (٢) في وجه.
وحكى الطحاوي (٣) عن أبي حنيفة وأصحابه أنه يجوز فيما دون السفر، قال بعض المتأخرين من أصحابنا: هذا مذهب أبي يوسف ومحمد، وبه قال مالك (٤)، والذي يقتضي مذهب أبي حنيفة أنه لا يجوز، كالشهادة على الشهادة.
ثم يكتب: وهو جاحد لدعوى المدعي هذا، وشهوده على صحة دعواه هاهنا، ويتعذر عليه الجمع بينه وبينهم، فسألني الاستماع إلى شهادتهم لأكتب
стр. 5179
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بما صح عندي من شهادتهم إلى القاضي فلان، فأجبته إليه، فأحضرتهم، وهم فلان وفلان، يكتب اسم كل واحد ونسبه وقبيلته وتجارته إن كان تاجرا، ومصلاه وتحليته بتمام التعريف، فشهد كل من هؤلاء بعد دعوى المدعي هذا، والاستشهاد منهم شهادة مستقيمة متفقة اللفظ والمعنى، هكذا روي عن محمد.
قالوا: ينبغي ألا يكتفي بهذا القدر، بل يفسر الشهادة ويبينها، فيكتب: أما الأول فشهد بكذا، وفسر شهادته وبينها، فإن كان المدعى به عقارًا يذكر موضعه وحدوده الأربعة، وإن كان غلامًا يذكر اسمه وحليته وصفته وحرفته واسم مولاه واسم أبيه وجده، وكذا في الدين يذكر قدره وجنسه وصفته كما هو المعروف، فيكتب: شهدوا أن لفلان المدعي على فلان بن فلان هذا الذي ذكر اسمه ونسبه في هذا الكتاب - أداء هذا المال ليقبضه لنفسه.
وقد اختلف المتأخرون في أنه هل يشترط ذكره هذا؟ والصحيح أنه لا يشترط، ويشترط بيان سبب الدين لتكون الشهادة موافقة للدعوى.
ثم يكتب: وشهد كل واحد من الباقين بمثل شهادته هذه، وأشار في مواضع الإشارات، ولا يكتب على مثل شهادته.
ثم يكتب: فأتوا بالشهادة على وجهها، وساقوها على سننها، فسمعتها وأثبتتها في المحضر المجلد في ديوان الحكم، ثم بعد ذلك إن عرف القاضي الشهود أثبت ذلك في الكتاب، وهم معروفون عندي بالعدالة والرضا، وإن لم يعرفهم سأل المزكي عن حالهم إلى من إليه التزكية والتعديل، وهم فلان وفلان ونسباهم إلى العدالة والرضا وقبول القول، ثم الكاتب بعدما ظهرت عدالة الذين شهدوا بالحق عنده يُحلّف المدعي بالله ما قبضت هذا المال منه، ولا يعلم أن رسولك ووكيلك قبض منه، ويستحلف مع أن أحدًا لا يدعي عليه شيئًا؛ لأن القاضي نصب ناظرًا لكل من عجز عن النظر لنفسه، والغائب عاجز عن النظر لنفسه بنفسه، فنظر له القاضي.
وإذا كتب الكتاب بالصفة التي ذكرنا يكتب في آخر الكتاب: يقول القاضي
стр. 5180
قَالَ: (وَإِذَا وَصَلَ إِلَى القَاضِي لَمْ يَقْبَلْهُ إِلَّا بِحَضْرَةِ الخَصْمِ)
فلان بن فلان قاضي بلد كذا: كتب هذا الكتاب عني بأمري - إن كان كاتبه غير القاضي - وجرى الأمر على ما يبين فيه مني وعندي، وهو كما كتب فيه، وهو معنون بعنوانين؛ عنوان على ظاهره وعنوان في باطنه، وهو مختوم بخاتمي، ونقش خاتمي كذا، وهو مكتوب على ثلاثة أنصاف من الكاغد، وهو موقع بتوقيعي بكذا، كتبت التوقيع على صدره، أشهدت عليه شهودًا، وهم فلان بن فلان وفلان بن فلان يذكر أسماءهم وأنسابهم وحلاهم، وقرأت الكتاب عليهم وأعلمتهم بما فيه، وختمت الكتاب بمحضر منهم، وأشهدتهم على جميع ذلك، وكتبت هذه الأسطر في آخره، وهي كذا خطا بخطي في تاريخ كذا، ولا يكتب في آخر الكتاب إن شاء.
وينبغي أن يكتب نسختين؛ نسخة في يد المُدّعي مختومًا، وبتلك النسخة من غير زيادة ولا نقصان، نسخة أخرى في يد الشهود؛ لأن علم الشاهد بما في الكتاب شرط عند أبي حنيفة ومحمد. كذا في فتاوى قاضي خان (١) والمغني.
هذا الذي ذكرنا كله من جانب الكتابة.
ثم شرع في بيان أحكام المكتوب إليه.
قوله: (وإذا وصل إلى القاضي) إلى آخره (لم يقبله) أي: الكتاب، وفي بعض النسخ (لم يَفْتَكَّه) ولكن الأول أوفق لرواية الكتب من الجوامع وفتاوي قاضي خان، فإنه قال: يجمع بين المدعي وخصمه، فإذا حضر وأقر استغنى عن الكتاب، وإذا أنكره المكتوب إليه يقول له: لا بد لك من حجة، فإن قال معي كتاب القاضي، قال أبو يوسف: يأخذ الكتاب بلا بينة، وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يأخذه بلا بينة، فإذا شهدوا أنه كتاب فلان القاضي إليك، وهو مختوم بختمه يقبله، ولا يفتحه حتى يسأل عن الشهود في قولهما عما في الكتاب.
وفي المبسوط (٢): لا يفتح الكتاب إلا بمحضر من الخصم، وهذا يدل على
стр. 5181
لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ حُضُورِهِ، بِخِلَافِ سَمَاعِ القَاضِي الكَاتِبَ، لِأَنَّهُ لِلنَّقْلِ لَا لِلْحُكم.
قَالَ: (فَإِذَا سَلَّمَهُ الشُّهُودُ إِلَيْهِ: نَظَرَ إِلَى خَتْمِهِ، فَإِذَا شَهِدُوا أَنَّهُ كِتَابُ فُلَانٍ القَاضِي، سَلَّمَهُ إِلَيْنَا فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ وقَضَائِهِ، وَقَرَأَهُ عَلَيْنَا وَخَتَمَهُ، فَتَحَهُ القَاضِي وَقَرَأَهُ عَلَى الخَصْمِ وَأَلْزَمَهُ مَا فِيهِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: إِذَا شَهِدُوا أَنَّهُ كِتَابُهُ وَخَاتَمُهُ قَبِلَهُ (*) عَلَى مَا مَرَّ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ فِي الكِتَابِ ظُهُورُ العَدَالَةِ لِلْفَتْحِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَفُضُ الكِتَابَ بَعْدَ ثُبُوتِ
جواز القبول بدون حضرة الخصم، ولا يجوز الفتح، وإليه أشار في الذخيرة (١).
(لأنه) أي: الكتاب (بمنزلة الشهادة) أي: في معنى الشهادة على الشهادة؛ لأن القاضي ينقل ألفاظ الشهود بكتابه إلى المكتوب إليه، كما أن شاهد الفرع ينقل شهادة شاهد الأصل بعبارته، بخلاف سماع القاضي، فإنه يسمع الشهادة وإن كان الخصم وهو المدعى عليه غالبًا؛ لما أن سماعه لا للحكم بل للنقل، فكان سماع تلك الشهادة بمنزلة تحمل الفرع شهادة الأصول، وفي التحمل لم يشترط حضور الخصم، فكذا هاهنا.
قوله: (ولم يشترط في الكتاب ظهور العدالة للفتح) حيث قال: (فإن شهدوا أنه كتاب فلان القاضي)، إلى قوله: (فتحه)، ولم يقل: فإذا شهدوا وعدلوا، فعلم بهذا أنه لم يشترط العدالة للفتح (٢).
وقوله: (والصحيح أنه يفض) أي: يفتح، احتراز عن هذه الرواية، والذي اختاره المصنف موافق لشرح أدب القاضي للصدر الشهيد (٣)، ومخالف لما اختاره في المغني فإنه قال فيه: وذكر الخصاف: لا يفتح قبل ظهور العدالة، ثم قال: ما قال محمد أصح، أي: يجوز الفتح بالشهادة بكتاب القاضي وختمه من غر تعرض عدالة الشهود.
стр. 5182
العَدَالَةِ، كَذَا ذَكَرَهُ الخَصَّافُ ﵀، لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُحْتَاجُ إِلَى زِيَادَةِ الشُّهُودِ، وَإِنَّمَا يُمْكِنُهُمْ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ بَعْدَ قِيَامِ الخَتْمِ، وَإِنَّمَا يَقْبَلُهُ المَكْتُوبُ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ الكَاتِبُ عَلَى القَضَاءِ، حَتَّى لَوْ مَاتَ أَوْ عُزِلَ أَوْ لَمْ يَبْقَ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ قَبْلَ وُصُولِ الكِتَابِ لَا يَقْبَلُهُ،
قوله: (أو لم يبق أهلا للقضاء) بأن جن، أو فسق، أو صار أعمى.
وفي الذخيرة: إذا مات الكاتب أو عُزل قبل أن يصل الكتاب إلى المكتوب إليه - لا يعمل المكتوب إليه به عندنا، وقال أبو يوسف والشافعي (١): يعمل به، وقال أحمد (٢): لأن كتاب القاضي بمنزلة الشهادة على الشهادة؛ لأنه بكتابه ينقل شهادة الذين شهدوا عنده بالحق إلى المكتوب إليه، والنقل قد تم بالكتابة به، فكان بمنزلة شهود الفرع لا يمنع القضاء.
وقلنا: نعم إن الكاتب ينقل الشهادة إلا أن لهذا النقل حكم القضاء، ولهذا لا يصح هذا النقل إلا من القاضي، ولم يشترط فيه العدد ولفظ الشهادة، ووجب على القاضي الكاتب هذا النقل لسماع البينة قضاء، فدل أن لهذا النقل حكم القضاء ولم يتم بعد؛ لأن تمامه بوجوب القضاء على المكتوب إليه، ولا يجب القضاء على المكتوب إليه قبل وصول الكتاب إليه وقبل قراءته، فلم يكن النقل تاما فبطل بموت القاضي، كما في سائر الأقضية إذا مات القاضي قبل إتمامها، ولو قبله مع هذا وقضى به، ثم رفع إلى قاض آخر أمضاه؛ لأن قضاءه صادف مجتهدا.
وكذا الجواب فيما إذا مات بعد وصول الكتاب إليه قبل القراءة لا وجوب القضاء على المكتوب إليه عند القراءة، فلم يكن الفعل تاما، ولو مات بعد الوصول والقراءة فالمكتوب إليه يعمل به. هكذا ذكر في ظاهر الرواية.
وكذا لو مات المكتوب إليه أو عُزل أو ولى غيره - لا يعمل الذي قام مقامه به عندنا، وقال الشافعي (٣) وأحمد (٤): يعمل به؛ لأن المقول شهادة الشهود
стр. 5183
لِأَنَّهُ التَحَقَ بِوَاحِدٍ مِنْ الرَّعَايَا، وَلِهَذَا لَا يُقْبَلُ إِخْبَارُهُ قَاضِيَا آخَرَ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ أَوْ فِي غَيْرِ عَمَلِهِمَا، وَكَذَا لَوْ مَاتَ المَكْتُوبُ إِلَيْهِ، إِلَّا إِذَا كَتَبَ إِلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ قَاضِي بَلْدَةِ كَذَا وَإِلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْ قُضَاةِ المُسْلِمِينَ، لِأَنَّ غَيْرَهُ صَارَ تَبَعًا لَهُ وَهُوَ مُعَرَّفٌ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَتَبَ ابْتِدَاءً إِلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إِلَيْهِ عَلَى مَا عَلَيْهِ مَشَايِخُنَا ﵏ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعَرَّفٍ، وَلَوْ كَانَ مَاتَ الخَصْمُ يَنْفُذُ الكِتَابُ عَلَى وَارِثِهِ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ.
على ما حفظوه وتحملوه، ومن تحمل شهادة وشهد بها وجب على كل قاض الحكم بشهادته، وكما لو قال إلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين.
وقلنا: إن القاضي الكاتب علم الأول وأمانته، والقضاة يتفاوتون في أداء الأمانة؛ لأنهم غير معصومين عن الخيانة، فصاروا كالأمناء في الأموال، فهناك يصح التعيين، فكذا هاهنا، بخلاف ما إذا كتب: وإلى كل من يصل من قضاة المسلمين وحكامهم، فذلك لا يجوز في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف يجوز.
والظاهر أن محمدًا مع أبي حنيفة، وبقول أبي يوسف قال الشافعي (١) وأحمد (٢) وأبو يوسف توسع فيه حين ابتلي بالقضاء، واستحسن كثيرًا من المسائل تسهيلا للأمر على الناس، وأبو حنيفة أخذ بالاحتياط، فإن إعلام الكاتب والمكتوب إليه شرط صحة الكتاب بالاتفاق، وتمام الإعلام لا يحصل بهذا القدر، بخلاف ما إذا عيّن قاضيًا وعرفه ثم كتب إلى كل من يصل كتابي هذا؛ لأنه لما عرف الأول صحت كتابة القاضي إليه، فيجعل المضموم تبعًا له، وكم من شيء يثبت تبعًا ولا يثبت قصدًا، وله نظائر كثيرة. كذا في الذخيرة (٣).
قوله: (ينفذ الكتاب على وارثه) وفي المحيط (٤): سواء كان تاريخ الكتاب قبل موت المطلوب أو بعده، ولا خلاف فيه.
стр. 5184
(وَلَا يُقْبَلُ كِتَابُ القَاضِي إِلَى القَاضِي فِي الحُدُودِ وَالقِصَاصِ) لِأَنَّ فِيهِ شُبْهَةَ البَدَلِيَّةِ، فَصَارَ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَلِأَنَّ مَبْنَاهُمَا عَلَى الإِسْقَاطِ وَفِي قَبُولِهِ سَعْيٌ فِي إِثْبَاتِهِمَا.
فَصْلٌ آخَرُ
(وَيَجُوزُ قَضَاءُ المَرْأَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، إِلَّا فِي الحُدُودِ وَالْقِصَاصِ) اعْتِبَارًا بِشَهَادَتِهَا. وَقَدْ مَرَّ الوَجْهُ.
قوله: (ولا يقبل كتاب القاضي في الحدود والقصاص)، وبه قال الشافعي (١) في قول، وفي آخر (٢): يقبل، وبه قال مالك (٣) وأحمد (٤)؛ لأن الاعتماد على الشهود.
وقلنا: (أن فيه) أي: في كتاب القاضي شُبهة البدلية، فصار كالشهادة على الشهادة فلا تقبل فيما يسقط بالشبهات.
فَصْلٌ آخَرُ
لما ذكر أن قضاء القاضي في المجتهدات ينفذ احتاج إلى بيان أصل يجمعها، وهذا الفصل لبيان ذلك.
قوله: (ويجوز قضاء المرأة في كل شيء) إلى آخره، وقال الشافعي (٥)، ومالك (٦) وأحمد (٧): لا يجوز؛ لأن المرأة ناقصة العقل، غير أهل للحضور مع الرجال ومحافل الخصوم، وقال ﵇: «مَا أَفْلَحَ قومٌ وَلَّوْا أمرهم امرأةً»، رواه البخاري (٨).
قوله: (وقد مرّ الوجه) وهو أن القضاء من باب الولاية، والمرأة من أهل
стр. 5185
(وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَى القَضَاءِ، إِلَّا أَنْ يُفَوَّضَ إِلَيْهِ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ قُلْدَ القَضَاءَ دُونَ التَّقْلِيدِ بِهِ فَصَارَ كَتَوْكِيلِ الوَكِيلِ، بِخِلَافِ المَأْمُورِ بِإِقَامَةِ الجُمُعَةِ حَيْثُ
الشهادة، فتكون من أهل الولاية، والحديث يدل على نقصان حال ذلك القوم لا عدم جواز توليتها، ولا يجوز في الحدود والقصاص؛ لعدم جواز شهادتها، فلا يكون فيها أهلا للقضاء؛ إذ حكم القضاء يستقى من حكم الشهادة؛ إذ كل منهما من باب الولاية (١).
قوله: (وليس للقاضي أن يستخلف إلا أن يفوض إليه ذلك)، وبه قال الشافعي (٢) ومالك (٣) وأحمد (٤)، ولو أذن له في الاستخلاف يجوز بلا خلاف، ولو نهاه عن الاستخلاف لا يجوز بلا خلاف، ولو ولاه وسكت عن النهي والإذن فعندنا لا يجوز، وبه قال الشافعي (٥) ومالك (٦) وأحمد (٧).
وعن الإِصْطخري (٨) من أصحاب الشافعي: يجوز إذا ولاه في عمل لا يقدر أن يتولاه بنفسه.
(لأنه) أي: القاضي (قلد القضاء دون التقليد به) أي: بالقضاء، وهو ينصرف عن تقليد وتفويض، والإمام إنما رضي بتصرفه لديانته وأمانته، والناس يتفاوتون في ذلك، ولهذا قلنا: إن الوكيل لا يملك التوكيل، فلا يكون مطلق التفويض إذنا له بالاستخلاف بخلاف المأمور بإقامة الجمعة، حيث يجوز له استخلاف غيره وإن لم يؤذن بالاستخلاف؛ لأنه لما فوض إليه إقامة الجمعة مع علمه أن العوارض المانعة من إقامتها من المرض والحدث في الصلاة مع ضيق الوقت وغيرهما قد تعتريه، ولا يمكن انتظار الإمام الأعظم؛ لأنها لا تحتمل