← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ حُضُورِهِ، بِخِلَافِ سَمَاعِ القَاضِي الكَاتِبَ، لِأَنَّهُ لِلنَّقْلِ لَا لِلْحُكم. قَالَ: (فَإِذَا سَلَّمَهُ الشُّهُودُ إِلَيْهِ: نَظَرَ إِلَى خَتْمِهِ، فَإِذَا شَهِدُوا أَنَّهُ كِتَابُ فُلَانٍ القَاضِي، سَلَّمَهُ إِلَيْنَا فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ وقَضَائِهِ، وَقَرَأَهُ عَلَيْنَا وَخَتَمَهُ، فَتَحَهُ القَاضِي وَقَرَأَهُ عَلَى الخَصْمِ وَأَلْزَمَهُ مَا فِيهِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: إِذَا شَهِدُوا أَنَّهُ كِتَابُهُ وَخَاتَمُهُ قَبِلَهُ (*) عَلَى مَا مَرَّ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ فِي الكِتَابِ ظُهُورُ العَدَالَةِ لِلْفَتْحِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَفُضُ الكِتَابَ بَعْدَ ثُبُوتِ جواز القبول بدون حضرة الخصم، ولا يجوز الفتح، وإليه أشار في الذخيرة (١). (لأنه) أي: الكتاب (بمنزلة الشهادة) أي: في معنى الشهادة على الشهادة؛ لأن القاضي ينقل ألفاظ الشهود بكتابه إلى المكتوب إليه، كما أن شاهد الفرع ينقل شهادة شاهد الأصل بعبارته، بخلاف سماع القاضي، فإنه يسمع الشهادة وإن كان الخصم وهو المدعى عليه غالبًا؛ لما أن سماعه لا للحكم بل للنقل، فكان سماع تلك الشهادة بمنزلة تحمل الفرع شهادة الأصول، وفي التحمل لم يشترط حضور الخصم، فكذا هاهنا. قوله: (ولم يشترط في الكتاب ظهور العدالة للفتح) حيث قال: (فإن شهدوا أنه كتاب فلان القاضي)، إلى قوله: (فتحه)، ولم يقل: فإذا شهدوا وعدلوا، فعلم بهذا أنه لم يشترط العدالة للفتح (٢). وقوله: (والصحيح أنه يفض) أي: يفتح، احتراز عن هذه الرواية، والذي اختاره المصنف موافق لشرح أدب القاضي للصدر الشهيد (٣)، ومخالف لما اختاره في المغني فإنه قال فيه: وذكر الخصاف: لا يفتح قبل ظهور العدالة، ثم قال: ما قال محمد أصح، أي: يجوز الفتح بالشهادة بكتاب القاضي وختمه من غر تعرض عدالة الشهود.

стр. 5182

العَدَالَةِ، كَذَا ذَكَرَهُ الخَصَّافُ ﵀، لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُحْتَاجُ إِلَى زِيَادَةِ الشُّهُودِ، وَإِنَّمَا يُمْكِنُهُمْ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ بَعْدَ قِيَامِ الخَتْمِ، وَإِنَّمَا يَقْبَلُهُ المَكْتُوبُ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ الكَاتِبُ عَلَى القَضَاءِ، حَتَّى لَوْ مَاتَ أَوْ عُزِلَ أَوْ لَمْ يَبْقَ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ قَبْلَ وُصُولِ الكِتَابِ لَا يَقْبَلُهُ، قوله: (أو لم يبق أهلا للقضاء) بأن جن، أو فسق، أو صار أعمى. وفي الذخيرة: إذا مات الكاتب أو عُزل قبل أن يصل الكتاب إلى المكتوب إليه - لا يعمل المكتوب إليه به عندنا، وقال أبو يوسف والشافعي (١): يعمل به، وقال أحمد (٢): لأن كتاب القاضي بمنزلة الشهادة على الشهادة؛ لأنه بكتابه ينقل شهادة الذين شهدوا عنده بالحق إلى المكتوب إليه، والنقل قد تم بالكتابة به، فكان بمنزلة شهود الفرع لا يمنع القضاء. وقلنا: نعم إن الكاتب ينقل الشهادة إلا أن لهذا النقل حكم القضاء، ولهذا لا يصح هذا النقل إلا من القاضي، ولم يشترط فيه العدد ولفظ الشهادة، ووجب على القاضي الكاتب هذا النقل لسماع البينة قضاء، فدل أن لهذا النقل حكم القضاء ولم يتم بعد؛ لأن تمامه بوجوب القضاء على المكتوب إليه، ولا يجب القضاء على المكتوب إليه قبل وصول الكتاب إليه وقبل قراءته، فلم يكن النقل تاما فبطل بموت القاضي، كما في سائر الأقضية إذا مات القاضي قبل إتمامها، ولو قبله مع هذا وقضى به، ثم رفع إلى قاض آخر أمضاه؛ لأن قضاءه صادف مجتهدا. وكذا الجواب فيما إذا مات بعد وصول الكتاب إليه قبل القراءة لا وجوب القضاء على المكتوب إليه عند القراءة، فلم يكن الفعل تاما، ولو مات بعد الوصول والقراءة فالمكتوب إليه يعمل به. هكذا ذكر في ظاهر الرواية. وكذا لو مات المكتوب إليه أو عُزل أو ولى غيره - لا يعمل الذي قام مقامه به عندنا، وقال الشافعي (٣) وأحمد (٤): يعمل به؛ لأن المقول شهادة الشهود

стр. 5183

لِأَنَّهُ التَحَقَ بِوَاحِدٍ مِنْ الرَّعَايَا، وَلِهَذَا لَا يُقْبَلُ إِخْبَارُهُ قَاضِيَا آخَرَ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ أَوْ فِي غَيْرِ عَمَلِهِمَا، وَكَذَا لَوْ مَاتَ المَكْتُوبُ إِلَيْهِ، إِلَّا إِذَا كَتَبَ إِلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ قَاضِي بَلْدَةِ كَذَا وَإِلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْ قُضَاةِ المُسْلِمِينَ، لِأَنَّ غَيْرَهُ صَارَ تَبَعًا لَهُ وَهُوَ مُعَرَّفٌ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَتَبَ ابْتِدَاءً إِلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إِلَيْهِ عَلَى مَا عَلَيْهِ مَشَايِخُنَا ﵏ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعَرَّفٍ، وَلَوْ كَانَ مَاتَ الخَصْمُ يَنْفُذُ الكِتَابُ عَلَى وَارِثِهِ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ. على ما حفظوه وتحملوه، ومن تحمل شهادة وشهد بها وجب على كل قاض الحكم بشهادته، وكما لو قال إلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين. وقلنا: إن القاضي الكاتب علم الأول وأمانته، والقضاة يتفاوتون في أداء الأمانة؛ لأنهم غير معصومين عن الخيانة، فصاروا كالأمناء في الأموال، فهناك يصح التعيين، فكذا هاهنا، بخلاف ما إذا كتب: وإلى كل من يصل من قضاة المسلمين وحكامهم، فذلك لا يجوز في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف يجوز. والظاهر أن محمدًا مع أبي حنيفة، وبقول أبي يوسف قال الشافعي (١) وأحمد (٢) وأبو يوسف توسع فيه حين ابتلي بالقضاء، واستحسن كثيرًا من المسائل تسهيلا للأمر على الناس، وأبو حنيفة أخذ بالاحتياط، فإن إعلام الكاتب والمكتوب إليه شرط صحة الكتاب بالاتفاق، وتمام الإعلام لا يحصل بهذا القدر، بخلاف ما إذا عيّن قاضيًا وعرفه ثم كتب إلى كل من يصل كتابي هذا؛ لأنه لما عرف الأول صحت كتابة القاضي إليه، فيجعل المضموم تبعًا له، وكم من شيء يثبت تبعًا ولا يثبت قصدًا، وله نظائر كثيرة. كذا في الذخيرة (٣). قوله: (ينفذ الكتاب على وارثه) وفي المحيط (٤): سواء كان تاريخ الكتاب قبل موت المطلوب أو بعده، ولا خلاف فيه.

стр. 5184

(وَلَا يُقْبَلُ كِتَابُ القَاضِي إِلَى القَاضِي فِي الحُدُودِ وَالقِصَاصِ) لِأَنَّ فِيهِ شُبْهَةَ البَدَلِيَّةِ، فَصَارَ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَلِأَنَّ مَبْنَاهُمَا عَلَى الإِسْقَاطِ وَفِي قَبُولِهِ سَعْيٌ فِي إِثْبَاتِهِمَا. فَصْلٌ آخَرُ (وَيَجُوزُ قَضَاءُ المَرْأَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، إِلَّا فِي الحُدُودِ وَالْقِصَاصِ) اعْتِبَارًا بِشَهَادَتِهَا. وَقَدْ مَرَّ الوَجْهُ. قوله: (ولا يقبل كتاب القاضي في الحدود والقصاص)، وبه قال الشافعي (١) في قول، وفي آخر (٢): يقبل، وبه قال مالك (٣) وأحمد (٤)؛ لأن الاعتماد على الشهود. وقلنا: (أن فيه) أي: في كتاب القاضي شُبهة البدلية، فصار كالشهادة على الشهادة فلا تقبل فيما يسقط بالشبهات. فَصْلٌ آخَرُ لما ذكر أن قضاء القاضي في المجتهدات ينفذ احتاج إلى بيان أصل يجمعها، وهذا الفصل لبيان ذلك. قوله: (ويجوز قضاء المرأة في كل شيء) إلى آخره، وقال الشافعي (٥)، ومالك (٦) وأحمد (٧): لا يجوز؛ لأن المرأة ناقصة العقل، غير أهل للحضور مع الرجال ومحافل الخصوم، وقال ﵇: «مَا أَفْلَحَ قومٌ وَلَّوْا أمرهم امرأةً»، رواه البخاري (٨). قوله: (وقد مرّ الوجه) وهو أن القضاء من باب الولاية، والمرأة من أهل

стр. 5185

(وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَى القَضَاءِ، إِلَّا أَنْ يُفَوَّضَ إِلَيْهِ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ قُلْدَ القَضَاءَ دُونَ التَّقْلِيدِ بِهِ فَصَارَ كَتَوْكِيلِ الوَكِيلِ، بِخِلَافِ المَأْمُورِ بِإِقَامَةِ الجُمُعَةِ حَيْثُ الشهادة، فتكون من أهل الولاية، والحديث يدل على نقصان حال ذلك القوم لا عدم جواز توليتها، ولا يجوز في الحدود والقصاص؛ لعدم جواز شهادتها، فلا يكون فيها أهلا للقضاء؛ إذ حكم القضاء يستقى من حكم الشهادة؛ إذ كل منهما من باب الولاية (١). قوله: (وليس للقاضي أن يستخلف إلا أن يفوض إليه ذلك)، وبه قال الشافعي (٢) ومالك (٣) وأحمد (٤)، ولو أذن له في الاستخلاف يجوز بلا خلاف، ولو نهاه عن الاستخلاف لا يجوز بلا خلاف، ولو ولاه وسكت عن النهي والإذن فعندنا لا يجوز، وبه قال الشافعي (٥) ومالك (٦) وأحمد (٧). وعن الإِصْطخري (٨) من أصحاب الشافعي: يجوز إذا ولاه في عمل لا يقدر أن يتولاه بنفسه. (لأنه) أي: القاضي (قلد القضاء دون التقليد به) أي: بالقضاء، وهو ينصرف عن تقليد وتفويض، والإمام إنما رضي بتصرفه لديانته وأمانته، والناس يتفاوتون في ذلك، ولهذا قلنا: إن الوكيل لا يملك التوكيل، فلا يكون مطلق التفويض إذنا له بالاستخلاف بخلاف المأمور بإقامة الجمعة، حيث يجوز له استخلاف غيره وإن لم يؤذن بالاستخلاف؛ لأنه لما فوض إليه إقامة الجمعة مع علمه أن العوارض المانعة من إقامتها من المرض والحدث في الصلاة مع ضيق الوقت وغيرهما قد تعتريه، ولا يمكن انتظار الإمام الأعظم؛ لأنها لا تحتمل

стр. 5186

يَسْتَخْلِفُ، اسْتَخْلَفَ وَقَضَى. لِأَنَّهُ عَلَى شَرَفِ الفَوَاتِ لِتَوَقْتِهِ، فَكَانَ الْأَمْرُ بِهِ إِذْنًا بِالِاسْتِخْلَافِ دَلَالَةٌ وَلَا كَذَلِكَ القَضَاءُ. وَلَوْ قَضَى الثَّانِي بِمَحْضَرٍ مِنْ الأَوَّلِ أَوْ قَضَى الثَّانِي فَأَجَازَ الأَوَّلُ: جَازَ كَمَا فِي الوَكَالَةِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ حَضَرَهُ رَأَيُّ الْأَوَّلِ وَهُوَ الشَّرْطُ، وَإِذَا فُوِّضَ إِلَيْهِ يَمْلِكُهُ، فَيَصِيرُ الثَّانِي نَائِبًا عَنْ الْأَصِيلِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الأَوَّلُ عَزْلَهُ، إِلَّا إِذَا فُوِّضَ إِلَيْهِ العَزْلَ هُوَ الصَّحِيحُ. التأخير عن الوقت، فكان إذنًا له بالاستخلاف دلالة، وهنا تأخير سماع الخصومة إلى وجود الإذن من الإمام الأعظم ممكن؛ لأنه غير مؤقت بوقت، فلم يثبت الإذن صريحًا ولا دلالة بالاستخلاف، فلا يمكن التفويض إلى الغير، وهذا معنى قول الشيخ: (لأنه) أي: لأن أداء الجمعة (على شرف الفوات) إلى آخره. وفي المبسوط (١): والاستخلاف في الجمعة للغير إنما يجوز إن كان المأمور شهد الخطبة، فإذا لم يكن حضر الخطبة لا يجوز للخليفة إقامة الجمعة؛ إذ الخطبة من شرائط افتتاح الصلاة، أما لو سبقه الحدث فاستخلف من لم يشهد الخطبة - يجوز؛ لأن هناك المأمور ثانٍ وليس بمفتتح والخطبة شرط الافتتاح، وقد وجد ذلك في حق الأصل، وكذا لو أفسدها هذا الخليفة واستفتح يجوز وإن لم يشهد الخطبة؛ لأن شروعه فيها صح وبعد الشروع التحق بمن شهد الخطبة حكمًا. قوله: (ولو قضى الثاني) أي: عند غير الأول (٢). قوله: (حتى لا يملك الأول عزله) لأنه صار قاضيًا من جهة الخليفة فلا يملك عزله، وقال أحمد (٣) يملك عزله، وبه قال الشافعي (٤)؛ لأنه نائبه فصار كوكيله، والموكل يملك عزل وكيله، وقلنا لما صح استخلافه من جهة الخليفة

стр. 5187

قَالَ: (وَإِذَا رُفِعَ إِلَى القَاضِي حُكْمُ حَاكِمٍ أَمْضَاهُ، إِلَّا أَنْ يُخَالِفَ الكِتَابَ أَوْ السُّنَّةَ أَوْ الإِجْمَاعَ، بِأَنْ يَكُونَ قَوْلًا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَمَا اخْتَلَفَ فيكون هو نائبًا عن الخليفة، فلا يملك الأول عزله إلا أن يقول له الخليفة: ول من شئت واستبدل من شئت، فصار كالوكيل إذا قال له الموكل: اعمل برأيك، صح توكيله على الموكل، وصار الثاني وكيل الموكل، حتى لو مات الموكل الثاني لا ينعزل وكيله، فكذا إذا عزله الأول (١). قوله: (إلا أن يخالف الكتاب) كالحاكم بحل متروك التسمية عامدًا (أو السنة) أي: المشهورة، كالحكم بحل المطلقة ثلاثًا بمجرد نكاح الزوج الثاني بلا دخول على مذهب ابن المسيب وابن جبير، فإن اشتراط الدخول ثابت بالحديث المشهور، وهو حديث العسيلة (أو الإجماع) كالحكم ببطلان قضاء القاضي في المجتهدات على ما يجيء (٢). قوله: (وفي الجامع) إلى آخره، وإنما ذكر لفظ الجامع بهذا اللفظ المذكور؛ لأن فيه فائدتين: إحداهما: أنه قُيّد بالفقهاء؛ لأن القاضي إذا كان غير عالم بموضع الاجتهاد، فاتفق قضاؤه في موضع الاجتهاد، فعلى قول عامة المشايخ لا يجب على الثاني تنفيذه، كذا ذكره في فصول الأستروشني محالا إلى المحيط (٣) والذخيرة، فقال: لو قضى في فصل مجتهد فيه وهو لا يعلم بذلك، قيل: ينفذ قضاؤه، وقال عامتهم: لا ينفذ، وإنما ينفذ إذا علم بكونه مجتهدا فيه. قال شمس الأئمة: هذا هو ظاهر المذهب. والثانية: أنه قيد بقوله: يرى غير ذلك، ففي رواية القدوري لم يتعرض بذلك، فيحتمل أن قوله: أمضاه فيما إذا كان رأي القاضي موافقًا لحكم الأول، وإذا كان مخالفًا لا يمضيه، فأبانت رواية الجامع بأن ذلك الإمضاء عام فيما سوى المستثنيات، سواء كان يوافق رأيه أو يخالف؛ لأن الحكم لاقى سجلا مجتهدا فينفذ، ولا ينقض باجتهاد آخر.

стр. 5188

فِيهِ الفُقَهَاءُ فَقَضَى بِهِ القَاضِي، ثُمَّ جَاءَ قَاضٍ آخَرُ يَرَى غَيْرَ ذَلِكَ أَمْضَاهُ وَالأَصْلُ: أَنَّ القَضَاءَ مَتَى لَاقَى فَضْلًا مُجْتَهَدًا فِيهِ يُنْفِذُهُ وَلَا يَرُدُّهُ غَيْرُهُ، لِأَنَّ اجْتِهَادَ الثَّانِي كَاجْتِهَادِ الأَوَّلِ، وَقَدْ يُرَجَّحُ الأَوَّلُ بِاتِّصَالِ القَضَاءِ بِهِ فَلَا يُنْقَضُ بِمَا هُوَ دُونَهُ. (وَلَوْ قَضَى فِي المُجْتَهَدِ فِيهِ مُخَالِفًا لِرَأيِهِ نَاسِيًا لِمَذْهَبِهِ، نَفَذَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنْ كَانَ عَامِدًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ) وَوَجْهُ النَّفَاذِ: أَنَّهُ لَيْسَ بِخَطَأَ بِيَقِينِ، وقد صح عن عمر أنه قلد القضاء لأبي الدرداء بعد كثرة أشغاله، فاختصم إلى أبي الدرداء رجلان في شيء، فقضى لأحدهما، ثم لقي عمر المقضي عليه، فسأله عن حاله فقال: قضى علي، فقال عمر: لو كنت مكانه لقضيت لك، فقال المقضي عليه: وما يمنعك عن القضاء، فقال عمر: ليس هنا نص والرأي مشترك. وعن عمر أنه قضى في حادثة بقضية، ثم قضى فيها بخلاف ذلك، فقيل له في ذلك فقال: تلك كما قضينا، وهذه كما نقضي (ولأن اجتهاد الثاني) إلى آخره كما ذكر في المتن (١). قوله: (ففيه) أي: عن أبي حنيفة (روايتان)، في رواية: لا ينفذ، وبه يفتي شمس الأئمة الأورجندي؛ لأنه زعم فساد قضائه، فيعامل في حقه بزعمه، وفي رواية: ينفذ وبه يفتي الصدر الشهيد (٢) والمرغيناني (٣). (لأنه ليس بخطأ بيقين)؛ لأن كل مجتهد يقطع القول بأن الصواب اجتهاده دون اجتهاد خصمه؛ بل الأمر محتمل عنده فتعين الصواب فيما اتصل به القضاء حملا لأمر القضاء على الصواب، وذكر في الذخيرة (٤) الاختلاف في نفاذ القضاء. وفي بعض المواضع ذكر الخلاف في حل الإقدام على القضاء، فقال من

стр. 5189

وَعِنْدَهُمَا: لَا يَنْفُذُ فِي الوَجْهَيْنِ (*)، لِأَنَّهُ قَضَى بِمَا هُوَ خَطَأً عِنْدَهُ، وَعَلَيْهِ الفَتْوَى، ثُمَّ المُجْتَهَدُ فِيهِ أَنْ لَا يَكُونَ مُخَالِفًا لِمَا ذَكَرْنَا. وَالمُرَادُ بِالسُّنَّةِ: المَشْهُورَةِ مِنهَا، وَفِيمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وجه: من قال بالجواز أن القاضي مأمور بالمشاورة، ولو لم يجز له الأخذ برأي غيره إذا كان مخالفًا لرأيه - لم يكن للأمر بالمشاورة فائدة. ووجه من قال بعدم الجواز قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] نهى القاضي عن اتباع هوى الغير إذا كان مخالفًا لرأيه اتباع هوى الغير. قوله: (وعندهما لا ينفذ في الوجهين) أي: النسيان والعمد، وبه قال الشافعي (١) ومالك (٢) وأحمد (٣) وعليه الفتوى؛ لأنه زعم فساد قضائه، والمرء مؤاخذ بزعمه. كذا في المحيط (٤). وذكر في الصغرى: الفتوى على قول أبي حنيفة في نفاذ القضاء على خلاف المذهب، وعندهما لا ينفذ، وفي فتاوى ظهير الدين إسحاق: للسلطان أن ينقض ذلك. قوله: (والمراد بالسُّنَّةِ المشهورة)، فقوله: (المشهورة) رفع على أنه خبر للمبتدأ (٥). قوله: (اجتمع عليه الجمهور) في المغرب (٦): جمهور الناس: جُلّهم وأكثرهم. بمعنى الإجماع، ينعقد بإجماع أكثر أهل الإجماع فلا يعتبر مخالفة الأقل؛ لأن العبرة للأكثر.

стр. 5190

لَا يُعْتَبَرُ مُخَالَفَةُ البَعْضِ، وَذَلِكَ خِلَافٌ وَلَيْسَ بِاخْتِلَافٍ، وَالمُعْتَبَرُ الاخْتِلَافُ فِي الصَّدْرِ الأَوَّلِ. فإن قيل: ذكر في أصول شمس الأئمة والتقويم (١) وغيره: أن الإجماع لا ينعقد بمخالفة البعض، ولهذا اختلفوا في إجماع سبقهم فيه مخالف، قال بعضهم: لا يكون إجماعًا. قلنا: نعم كذلك، لكن ذلك فيما إذا سوغوا له الاجتهاد في ذلك الحكم، أما إذا لم يسوغوا له الاجتهاد فيه فلا تعتبر مخالفته فيه، وما ذُكر في الكتاب من ذلك القبيل، بدليل ما ذكر شمس الأئمة في أصوله (٢). وكان الكرخي يقول: شرط الإجماع أن يجتمع علماء العصر كلهم حتى لو خالفهم واحد لم يثبت حكم الإجماع، وبه قال الشافعي (٣) إلى أن قال: والأصح عندي ما أشار إليه أبو بكر الرازي أن الواحد إذا خالف الجماعة، فإن سوغوا له الاجتهاد لا يثبت حكم الإجماع بدون قوله، كقول ابن عباس في زوج وأبوين وامرأة، للأم ثلث جميع المال، وإن لم يسوغوا له الاجتهاد، وأنكروا عليه فإنه ثبت حكم الإجماع بدون قوله، كقول ابن عباس في حل ربا النقد فإن الصحابة لم يسوغوا له هذا الاجتهاد؛ لأنه مخالف لظاهر الكتاب، حتى روى أنه رجع إلى قولهم، وكان الإجماع ثابتا دون قوله. قوله: (الصدر الأول)، وهم الصحابة. وفي الذخيرة (٤): إنما اعتبر الخصاف الخلاف بين المتقدمين، والمراد من المتقدمين: الصحابة ومن معهم من السلف، ولم يعتبر الخلاف بيننا وبين الشافعي، والعبرة لحقيقة الاختلاف في صيرورة المحل مجتهدا فيه. وفي المنتقى: يشير إلى أن العبرة لاشتباه الدليل لا لحقيقة الاختلاف، ألا ترى أن القاضي لو قضى بإبطال طلاق المكره نفذ قضاؤه؛ لأنه قضاء في مجتهد

стр. 5191

قَالَ: (وَكُلُّ شَيْءٍ قَضَى بِهِ القَاضِي فِي الظَّاهِرِ بِتَحْرِيمِ فَهُوَ فِي البَاطِنِ كَذَلِكَ فيه؛ لأنه موضع اشتباه الدليل؛ إذ اعتبار الطلاق بسائر تصرفاته يبقى حكمه. وكذا لو قضى في حد أو قصاص بشهادة رجل وامرأتين، ثم رفع إلى قاض آخر يرى خلاف ذلك، فإنه ينفذ قضاؤه ولا يبطله، وليس طريق نفاذ القضاء الأول في هذه الصورة حصوله في محل مختلف فيه؛ لأنه لا اختلاف فيه، وإنما طريقه أن القضاء الأول حصل في موضع اشتباه الدليل؛ لأن المرأة من أهل الشهادة، وظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] يدل على شهادة النساء مع الرجال مطلقًا نظرًا إلى اللفظ، وإن ورد في باب المداينة إلا أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، ولم يرد نص قاطع في إبطال شهادة النساء مع الرجال في هذه الصورة. فلو قضى بجواز نكاح بغير شهود نفذ قضاؤه؛ لأن مختلف فيها، فمالك وعثمان البتي يشترطان الإعلان لا الشهود، وقد مرَّ في النكاح، وقد اعتبر خلافهما؛ لأن الموضع موضع اشتباه الدليل؛ إذ اعتبار النكاح بسائر التصرفات أو بفسخه يقتضي ألا يشترط الشهادة. قوله: (في الباطن) أي: عند الله تعالى. ومن صورة التحريم: ادعت على زوجها أنه طلقها ثلاثا، وأقامت بينة كاذبة، وقضى القاضي بالفرقة، وتزوجت بآخر بعد انقضاء العدة؛ فعلى قول أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف أوّلًا - لا يحل للزوج الأول وطؤها ظاهرًا وباطنا، ويحل للثاني ظاهرًا أو باطنا، علم بحقيقة الحال أم لا. وعلى قول أبي يوسف آخِرًا ومحمد والشافعي (١) ومالك (٢) وأحمد (٣) لا يحل للثاني وطؤها إذا كان عالما بحقيقة الحال. ومن صورة التحريم أيضًا: صبي وصبية سبيا وهما صغيران، فكبرا وأعتقا ثم تزوج أحدهما الآخر، فجاء حربي مسلمًا وأقام بينة أنهما ولداه، فالقاضي

стр. 5192

عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَكَذَا إِذَا قَضَى بِإِحْلَالٍ، وَهَذَا إِذَا كَانَتْ الدَّعْوَى بِسَبَبٍ مُعَيَّنِ (*)، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ قَضَاءِ القَاضِي فِي العُقُودِ وَالفُسُوخِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ، وَقَدْ مَرَّتْ فِي النِّكَاحِ. قَالَ: (وَلَا يَقْضِي القَاضِي عَلَى غَائِبٍ إِلَّا أَنْ يَحْضُرَ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يقضي بنسبهما ويفرق بينهما، فإن رجع الشهود أو تبين أنهم زور لا يسع للزوج وطؤها عنده؛ لأن القضاء بالحرمة نافذ ظاهرا وباطنا، وكذا عند محمد؛ لأنه لا يعلم حقيقة كذب الشهود. ومن صورة الإحلال: ادعى رجل على امرأة نكاحًا وهي تجحد، وأقام بينة كاذبة، وقضى القاضي بالنكاح - حل للزوج وطؤها، وللمرأة التمكين عنده، وعندهما لا يحل لهما ذلك. (وقد مرت في النكاح) أي: مرّ قضاء القاضي بشهادة الزور في النكاح بدلائلها (١). قوله: (وقال الشافعي) (٢): يجوز إذا كان غائبا عن البلد، أو عن مجلس الحكم غير مستتر في البلد قولًا واحدًا، وبه قال مالك (٣) وأحمد (٤)، ولو كان غائبا عن مجلس الحكم غير مستتر في البلد - قولان: أصحهما أنه لا يحكم بدون حضوره، وبه قال أحمد (٥) ومالك (٦)؛ إذ في المستتر تضييع الحقوق، وفي غيره لا. والثاني: أنه يجوز أن يحكم عليه؛ لوجود الحجة وظهور الحق، واحتج الشافعي (٧) بقوله ﵇: «البَيِّنَةُ على المُدَّعِي» (٨)، فاشتراط حضور الخصم لإقامة

стр. 5193

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . البينة زيادة عليه، ولما قالت هند: يا رسول الله! إن أبا سفيان شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي، فقال ﵇: «خُذِي مِنْ مَاله ما يَكفِيكِ وَولدَكِ بالمعروف» (١) فقد قضى عليه بالنفقة وهو غائب. ولنا قوله ﵊ لعلي: «لا تَقْضِ لِأَحدِ الخَصْمَينِ بشيءٍ حَتى تَسْمَعَ كَلَام الآخَرِ، فَإِنَّكَ لا تَدْرِي بِمَا يَقْضِي» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن (٢)، فعلم أن الجهالة تمنعه عن القضاء، وأنها لا ترتفع إلا بكلامهما. وأما قوله ﵇: «البينة على المُدّعي» فدليلنا؛ لأن البينة اسم لما يحصل به البيان، وليس المراد البيان في حق المدعي؛ لأنه حاصل بقوله: ولا في حق القاضي؛ لأنه حاصل بقول المدعي إذا لم يكن له منازع، إنما الحاجة إلى البيان في حق الخصم الجاحد، وذلك لا يكون إلا بحضوره. ألا ترى أنه ﵇ جعل البينة على المدعي في حال لو عدمها استحلف الخصم، فقال: «واليَمينُ عَلى مَنْ أَنْكَرَ»، ولا يكون ذلك إلا بمحضر منه، ولأن البينة حجة، ولا يكون حُجّة عليه ما لم يظهر عجزه عن الدفع والطعن، والقرآن صار حجة على الناس حين ظهر عجزهم عن المعارضة، وظهوره لا يكون إلا بحضوره. ولا حجة له في حديث هند؛ لأنه ﵇ كان عالما بسبب استحقاق النفقة على أبي سفيان، وهو النكاح. ألا ترى أنها لم تقم البينة ولا بأحد المتداعيين، فيكون حضوره شرطا للقضاء كحضور المدعي؛ بل أولى؛ فإن المدعي ينتفع بالقضاء.

стр. 5194

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والمدعى عليه يتضرر، فإذا شرط حضور من له النفع فحضور من له الضرر أولى أن يشترط، ولإن إنكار الخصم شرط للعمل بالبينة، حتى لا تسمع البينة على المقر، ولا يُقضى بها إذا اعترض الإقرار قبل القضاء، وبغيبة الخصم يفوت شرط العمل بالبينة، وهو الإنكار، وإنكاره، وإن كان ثابتا بطريق الظاهر. أما الشرط بطريق الظاهر لا يثبت عندنا ما لم يتيقن به، ولهذا لو قال لعبده: إن لم أدخل اليوم الدار فأنت حر فمضى اليوم، وقال: دخلت، وقال العبد: لم يدخل؛ لم يعتق العبد، وإن كان عدم الدخول ثابتًا بطريق الظاهر. وفي الأسرار: أسند الدخول إلى العبد بأن قال له: إن لم يدخل الدار فمضى اليوم ولا يدري أدخل أو لا، والعبد يدعي عدم الدخول؛ لم يعتق وإن كان الأصل هو العدم؛ لأنه جعله شرط العتق فما لم يثبت بدليله لا يعتق، فكذا فيما نحن فيه وإن كان الأصل عدم الإقرار؛ إذ الأصل في اليد يد ملك فلا يكون ذلك دليلا متى جعل شرطًا لغيره؛ لما عرف أن الاستصحاب يكون حجة دافعة لا موجبة، فلا تصير به البينة بالظاهر حجة، وهذا سر المسألة، فإن الاستصحاب عنده حجة موجبه. فإن قيل: الخلاف ثابت فيما إذا حضر وأنكر ثم غاب. قلنا: بقاء الإنكار إلى حين القضاء شرط؛ لأن البينة إنما تصير حجة بالقضاء، وبقاؤه محتمل. فإن قيل: لو حضر وسكت تُسمع البينة مع أن سكوته محتمل للإقرار. قلنا: يجعل القاضي سكوته إنكارًا؛ إذ الظاهر من حال المسلم أن لو كان عليه حق لما سكت. كذا في المبسوط (١) والأسرار والذخيرة. فإن قيل: وقف الحكم إلى حضور المدعى عليه بعد ثبوت البينة غير مفيد؛ لأن المدعى عليه لو حضر؛ فإما أن يُقر أو يُنكر، فعلى الوجهين كان الدعوى لازمة عليه.

стр. 5195

يَجُوزُ لِوُجُودِ الحُجَّةِ وَهِيَ البَيِّنَةُ فَظَهَرَ الحَقُّ. وَلَنَا: أَنَّ العَمَلَ بِالشَّهَادَةِ لِقَطْعِ المُنَازَعَةِ، وَلَا مُنَازَعَةَ دُونَ الإِنْكَارِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الإِقْرَارَ وَالإِنْكَارَ مِنْ الخَصْمِ فَيَشْتَبِهُ وَجْهُ القَضَاءِ، لِأَنَّ أَحْكَامَهُمَا مُخْتَلِفَةٌ، وَلَوْ أَنْكَرَ ثُمَّ غَابَ فَكَذَلِكَ، لِأَنَّ الشَّرْطَ قِيَامُ الإِنْكَارِ وَقْتَ القَضَاءِ، وَفِيهِ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ قَدْ يَكُونُ نَائِبًا بِإِنَابَتِهِ كَالوَكِيلِ أَوْ بِإِنَابَةِ الشَّرْعِ كَالوَصِيِّ مِنْ جِهَةِ القَاضِي، قلنا: بل هو مفيد؛ لأنه يحتمل أن يطعن في البينة ويثبت طعنه بالحجة، ويحتمل أن يسلم الدعوى ثم يدعي الأداء إلى المدعي ويثبت بالحجة، ولأنه لو حضر يحتمل أنه أقر فيبطل حكم البينة؛ إذ لا حكم بالإقرار، فكان حكمه بالبينة في غير محله، ولأن حكم القضاء بالإقرار غير حكم القضاء بالبينة؛ لأن حكم القضاء بالبينة يقع على الناس كافة، وبالإقرار يختص بالمقر، ويظهر ذلك فيمن اشترى جارية فولدت عنده، فاستحقها رجل بالبينة - يأخذها وولدها، ولو أقر بها لرجل يأخذ ولدها ولا يرجع بالثمن على بائعها، وبالبينة يرجع الباعة بعضهم على بعض، والمسألة معروفة. قوله: (خلاف أبي يوسف) فإنه قال: يحكم بها؛ لأن إنكاره سمع نصا، ووجد شرط حجتها، كما لو أقر ثم غاب يقضي بالإقرار. وفي نوادر ابن سماعة عن محمد: أنه لا يقضي بالبينة ويقضي بالإقرار، وهو قول أبي حنيفة؛ لأن في البينة للمدعى عليه حق الطعن في الشهود، والقضاء عليه حال غيبته يبطل هذا الحق، أما ليس له حق الطعن في إقراره فالقضاء عليه حال غيبته لا يبطل عليه حقه. وكان أبو يوسف يقول أولا: لا يقضي بالبينة والإقرار على الغائب جميعًا، ثم رجع حين ابتلي بالقضاء، وقال: يقضي فيهما جميعًا، واستحسن في ذلك حفظا لأموال الناس وحقوقهم. كذا في الذخيرة (١) والمغني. وقوله: (من يقوم مقامه) أي: مقام الغائب في أول المسألة. (قد يكون نائبا بإنابته كالوكيل، أو بإنابة الشرع كالوصي من جهة القاضي)

стр. 5196

وَقَدْ يَكُونُ حُكْمًا بِأَنْ كَانَ مَا يَدَّعِي عَلَى الغَائِبِ سَبَبًا لِمَا يَدَّعِيهِ عَلَى الحَاضِرِ، قيد به احترازًا عن المسخر من جهة القاضي، فإن فيه اختلاف الروايتين. ذكره في الذخيرة (١). وتفسير المسخر: أن ينصب القاضي وكيلا عن الغائب ليسمع القاضي الخصومة عليه، والقاضي يعلم أنه ليس بخصم - لا يسمع الخصومة عليه ولا على المسخر، وإنما يجوز نصب الوكيل عن خصم اختفى في بيته، ولا يحضر مجلس الحكم، ولكن بعد بعث أمنائه إلى باب داره، ونادى على باب داره، وقال: احضر مجلس الحكم وإلا يحكم عليك، أما في غير ذلك الموضع فلا. وذكر محمد في شهادات الجامع: رجل غاب، وجاء رجل، وادعى على رجل ذكر أنه غريم الغائب، والغائب وكله بطلب كل حق له على غرمائه بالكوفة وبالخصومة، والمدعى عليه ينكر وكالته، فأقام بينة على وكالته قضي عليه بالوكالة. قال شيخ الإسلام فيه دليل على جواز الحكم على المسخر، فإنه قال: ادعى على رجل ذكر أنه غريم الغائب، ولم يقل: هو غريم الغائب. قال الصدر الشهيد: هذا محمول على ما إذا لم يعلم القاضي بكونه مسخرًا. قيل: وينبغي أن تكون المسألة على الروايتين؛ لأن هذا في الحاصل قضاء على الغائب، وفي القضاء على الغائب روايتان والمرغيناني (٢) يفتي بعدم النفاذ في القضاء على الغائب؛ لئلا يتطرقوا إلى هدم مذهب أصحابنا. قوله: (وقد يكون حكمًا) هذا معطوف على قوله: (قد يكون بإنابته) قوله: (ما يدعي على الغائب سببًا لما يدعيه على الحاضر) أي: يكون سببًا لا محالة، أما إذا كان سببًا في وقت دون وقت لا ينتصب الحاضر خصمًا عن الغائب، كما لو ادعى على امرأة أن زوجك وكلني أن أحملك إليه.

стр. 5197

وَهَذَا فِي غَيْرِ صُورَةٍ فقالت: قد طلّقني ثلاثاً، وبرهنت - قبلت في حق قصر يد الوكيل عنها لا في حق إثبات الطلاق على الغائب، حتى لو حضر الغائب وأنكر الطلاق أعادت البينة؛ لأن المدعي على الغائب ليس بسبب لثبوت ما يدعي على الحاضر، وهو قصر يد الوكيل لا محالة، فإن تحقق الطلاق قد لا يجب قصر يد الوكيل بأن لم يكن وكيلاً بالحمل قبل الطلاق، وقد يوجب بأن كان وكيلاً قبل الطلاق، فكان ما ادعى على الغائب سببًا لما ادعى على الحاضر من وجه دون وجه، فقلنا: يقتضي قصر يده لا الطلاق. كذا في الذخيرة (١). قوله: (وهذا) أي: وما يدعى على الغائب سببًا لا محالة لما يدعيه على الحاضر (في غير صورة). قال شيخ الإسلام وتفسير ذلك في مسائل: منها: إذا ادعى دارًا في يد رجل أنها له، اشتراها من فلان الغائب وهو يملكها، وأنكر ذو اليد، وقال: إنها لي، وأقام المدعي بينة على دعواه قبلت، ويكون ذلك قضاء على الغائب، وينتصب الحاضر خصمًا عن الغائب؛ لأن ما يدعى على الغائب، وهو الشراء منه، سبب لما يدعي على الحاضر؛ لأن الشراء من المالك سبب له لا محالة. ومنها: ادعى على رجل أنه كفيل عن فلان بما يذوب له عليه، فأقر المدعى عليه بالكفالة وأنكر الحق، فبرهن المدعي أنه ذاب له على فلان ألف درهم، فإنه يقضي بها. ومنها: ما إذا ادعى الشفعة في دار إنسان، وقال ذو اليد: ما اشتريتها من أحد والدار داري فبرهن المدعي أنه اشتراها بألف من فلان الغائب، وهو يملكها، وأنه شفيعها يقضي بالشراء في حق ذي اليد والغائب جميعًا، ومثال ما ادعى شيئين، وما يدعيه على الغائب سبب لثبوت ما يدعيه على الحاضر. بيانه في مسائل منها: إذا شهد شاهدان على رجل بحق، فقال المشهود

стр. 5198

فِي الكُتُبِ، أَمَّا إِذَا كَانَ شَرْطًا لِحَقِّهِ فَلَا مُعْتَبَرَ بِهِ فِي جَعْلِهِ خَصْمًا عَنْ الغَائِبِ، وَقَدْ عُرِفَ تَمَامُهُ فِي «الجَامِعِ». عليه: هما عبدان لفلان وأقام، وبرهن المشهود له أن فلانا الغائب أعتقهما وهو يملكهما؛ يقضى بالعتق في حق الحاضر والغائب جميعًا، والمدعى شيئان: المال والعتق على الغائب، وهو سبب لثبوت المدعى على الحاضر لا محالة؛ لأن ولاية الشهادة لا تنفك عن العتق بحال، فصارا كشيء واحد معنى. ومنها: إذا قذف محصنًا حتى وجب عليه الحد، فقال القاذف: أنا عبد وعلي حد العبيد، وقال المقذوف: بل أعتقك مولاك، وعليك حد الأحرار وبرهن على الإعتاق من الغائب؛ يقضى بالعتق في حق الحاضر والغائب. ومنها: إذا ادعت امرأة ضمان بقية مهرها على زوج غائب على حاضر عند وقوع الفرقة، فأقر المدعى عليه بالضمان وأنكر الفرقة، وبرهنت لوقوع الحرمة الغليظة - يقضى بالحرمة على الغائب، وبالمال على الحاضر. قال صاحب الذخيرة (١): فيه نظر؛ لأن المدعي على الغائب ليست بسبب للمدعي على الحاضر بل هو شرط، وفي مثل هذا لا ينتصب الحاضر خصمًا عن الغائب، فينبغي أن يقضى بالمال على الحاضر، ولا يقضي على الغائب بالفرقة، ولو كان المدعى شيئين ما يدعيه على الغائب لا يكون سببًا، أو مترددًا لا ينتصب الحاضر خصمًا ولا يقضى في حق الغائب؛ بل يقضي في حق الحاضر. قوله: (وقد عرف تمامه في الجامع)، وذكر في طلاق الجامع الصغير: رجل قال لامرأته: إن طلق فلان امرأته فأنت طالق، ثم برهنت امرأة الحالف أن فلانًا طلق امرأته، وفلان غائب - لا يقبل منها، ولا يحكم بوقوع الطلاق عند العامة، بخلاف ما لو قال: إن دخل فلان الدار فأنت طالق، وبرهنت على دخول فلان وهو غائب - يقبل، ويحكم بوقوع الطلاق؛ لأن ذلك ليس بقضاء على الغائب؛ إذ ليس فيه إبطال حق الغائب.

стр. 5199

قَالَ: (وَيُقْرِضُ القَاضِي أَمْوَالَ اليَتَامَى، وَيَكْتُبُ ذِكْرَ الحَقِّ) لِأَنَّ فِي الإِقْرَاضِ مَصْلَحَتَهُمْ لِبَقَاءِ الأَمْوَالِ مَحْفُوظَةٌ مَضْمُونَةٌ، وَالقَاضِي يَقْدِرُ عَلَى الاسْتِخْرَاجِ وَالْكِتَابَةِ لِيَحْفَظَهُ (وَإِنْ أَقْرَضَ الوَصِيُّ ضَمِنَ) لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الاسْتِخْرَاجِ، وَالْأَبُ بِمَنْزِلَةِ الوَصِيِّ فِي أَصَحُ الرِّوَايَتَيْنِ لِعَجْزِهِ عَنْ الاسْتِخْرَاجِ. وقد أفتى بعض المتأخرين بوقوع الطلاق في المسألة الأولى، منهم فخر الإسلام والأوزجندي، والأصح أنه لا يقبل، ولا ينتصب الحاضر، وبه يفتي المرغيناني (١). قوله: (ويكتب ذكر الحق) أي: يكتب كتابًا لأجل الحق وهو الصك، والحق هاهنا: الإقراض. (يقدر على الاستخراج) أي: تحصيل المال من المستقرض بلا شهود بعمله، بخلاف الأب والوصي حيث لا يقدران. (لأنه) أي: الوصي (لا يقدر على الاستخراج) فربما يجحد المستقرض ولا يجد شهودًا يوافقونه في أداء الشهادة ولو وجد فلا كل بينة تعدل، ولا كل قاض يعدل. وفي الجثو بين يدي القاضي ذل وصغار، فكان إضرارًا بالصغار على هذا الاعتبار. والفرق أن القرض تبرع ابتداءً معاوضة انتهاءً؛ لما أنه قطع الملك عن العين ببدل في ذمة المفلس؛ إذ الاستقراض في العادات ممن هو مفلس، ولهذا حل محل الصدقة، وزاد عليها في الثواب؛ لزيادة الحاجة فاعتبر معاوضة في حق القاضي؛ لأن البدل مأمون عن التوى؛ لأنه يتمكن من الاسترداد متى شاء كما ذكرنا، وتبرعًا في حق الوصي والأب؛ لعدم تمكنهما من الاسترداد كما ذكرنا (٢). قوله: (في أصح الروايتين) قال شمس الأئمة (٣): في الأب روايتان:

стр. 5200

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أظهرهما: أنه لا يملك كالوصي؛ لأنه لا يؤمن التوى بجحود المستقرض، وفي رواية: يملك؛ لأن ولاية الأب عامة في المال والنفس، كولاية القاضي، ونفقته تمنعه من ترك النظر له، والظاهر أنه يعرضه ممن يأمن جحوده، وأن أخذه الأب قرضًا لنفسه قالوا: يجوز، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يجوز. ثم فرع عليه الخصاف، وقال: ينبغي للقاضي أن يتفقد أحوال الذين أقرضهم مال اليتيم، حتى لو اختل أحد منهم يأخذ المال من يده؛ لأن القاضي وإن كان له ولاية الاسترداد شرعًا لكن يمكنه الاسترداد من الموسر دون المعسر، ألا ترى أنه لو كان المستقرض معسرًا في الابتداء لا يجوز له أن يقرض مال اليتيم، فكذا لا يترك ماله على المفلس أيضًا، وإنما يتمكن منه بالتفحص. كذا ذكره المحبوبي. وهل للقاضي أن يحكم بعلمه؟ فعندنا له ذلك، وبه قال الشافعي (١) في قول، وأحمد (٢) في رواية، ومالك في رواية عبد الملك (٣) منه إذا علمه بعد تقلد القضاء أنه يحكم بعلمه بأن شاء هذه فجاز، كما يحكم بعلمه بعد ثبوت البينة، يؤيده حديث هند فإنه ﵇ قال لها: «خُذِي مِنْ مَاله ما يَكفِيكِ وَولدَكِ بالمعروف» (٤)، فقضى بعلمه. وقال أحمد في ظاهر مذهبه (٥)، ومالك في ظاهر مذهبه (٦)، والشافعي (٧) في قول: لا يجوز؛ لأنه يتهم في الحكم بعلمه، فلا يجوز كالحكم لولده، يؤيده ما روي عن عمر أنه تداعيا عنده رجلان، فقال له أحدهما: أنت شاهدي، فقال عمر: إن شئتما شهدت ولم أحكم، فقال: اشهد.

стр. 5201

بَابُ التَّحْكِيمِ ولو رأى شيئًا قبل أن يتقلد القضاء، أو في غير مصره الذي هو قاضيه - لا يحكم عند أبي حنيفة ومالك (١) خلافًا لهما، وبقولهما قال الشافعي (٢) في قول وأحمد (٣) في رواية لهم أن العلم حاصل له حسب حصوله في حال قضائه أو مصره، ولأبي حنيفة أنه شهادة لا علم قضاء، فلا يصير موجبًا إلا بلفظ الشهادة والعدد. بَابُ التَّحْكِيمِ وهذا أيضًا من فروع القضاء؛ لكن المحكم أحط رتبة من القاضي أخر ذكره (٤) عن ذكر أدب القاضي. يقال حكمه: أي: فوض الحكم إليه، وهو جائز (٥) بالكتاب، قال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] أراد به أن يحكم الزوجان حكما لاختيار المقام أو الفرقة، فلما جاز التحكيم في حق الزوجين دلّ على جوازه في سائر الخصومات، وفيه نوع تأمل. وبالسنة، وهي ما روى أبو شريح أنه قال: يا رسول الله، إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوا بي فحكمت بينهم، فرضي عني الفريقان، فقال ﵇: «مَا أَحْسَنَ هَذَا» رواه النسائي، وروي أنه ﵇ عمل بحكم سعد بن معاذ في بني قريظة في سبي ذراريهم وقتل مقاتليهم. وأجمعت الصحابة على جواز التحكيم، ورُوي أن بين عمر وأبي بن كعب كان مداراة في شيء - أي: خصومة - فحكما بينهما زيد بن ثابت فأتياه، فخرج زيد وقال لعمر: هلا بعثت فأتيتك يا أمير المؤمنين، فقال عمر: في بيته تؤتى الحكم، فدخلا بيته، وألقى لعمر وسادة، فقال عمر: هذا أول جورك، وكانت

стр. 5202

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . اليمين على عمر، فقال زيد لأبي: لو أعفيت أمير المؤمنين، فقال عمر: يمين لزمتني أحلف فقال أبي: نعفي أمير المؤمنين ونصدقه. وفي الحديث فوائد (١): منها: أنه يقع بينهم خصومة، ولا يظن بأحد منهم سوى الجهل، وإنما يكون ذلك عند اشتباه الحادثة عليهم، فيقدمان إلى القاضي لطلب البيان لا للتلبيس. ومنها: جواز التحكيم، وزيد كان معروفًا فيهم بالفقه، حتى روي أن ابن عباس كان يختلف إليه، وأخذ ركابه عند ركوبه فقال: هكذا أمرنا أن نصنع بفقهائنا، فقبل زيد يده فقال: هكذا أمرنا أن نصنع بأشرافنا. ومنها: أن الإمام لا يكون قاضيًا في حق نفسه. ومنها: أن من احتاج إلى العلم ينبغي أن يأتي العالم في منزله وإن كان وجيها في الناس، ولا يدعوه إلى نفسه، كما فعل عمر. ومنها: أن زيدًا أتى عمر بوسادة امتثالا لما ندب رسول الله ﷺ بقوله: «إذا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَومٍ فَأَكْرَمُوهُ» (٢)، وبسط النبي ﵇ رداءه لعدي بن حاتم، لكن عمر لم يستحسن ذلك منه في هذا الوقت. ومنها: ينبغي أن يسوي الحاكم بين الخصمين في كل ما يتمكن، ولكن وقع عند زيد أن الخليفة ليس كغيره، فبيّن أن الإمام كغيره في حق التسوية. ومنها: أن لا بأس للمرء أن يحلف إذا كان صادقًا بقوله: بل أحلف، وأن يحرر عنه فهو واسع له أيضًا؛ لما روي أن عثمان امتنع عن ذلك، وقال: أخشى أن يوافق قدر يميني فيقال: أصيب بذلك. ومنها: أن اليمين حق المدعي يستوفي بطلبه، ويترك بتركه، ألا ترى أن أبيا ترك!

стр. 5203

(وَإِذَا حَكَّمَ رَجُلَانِ رَجُلًا، فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا وَرَضِيَا بِحُكْمِهِ جَازَ)؛ لِأَنَّ لَهُمَا وَلَايَةً عَلَى أَنْفُسِهِمَا فَصَحَّ تَحْكِيمُهُمَا، وَيَنْفُذُ حُكْمُهُ عَلَيْهِمَا، وَهَذَا إِذَا كَانَ الْمُحَكَّمُ بِصِفَةِ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي فِيمَا يُشْتَرَطُ أَهْلِيَّةُ الْقَضَاءِ، وَلَا يَجُوزُ تَحْكِيمُ الْكَافِرِ وَالْعَبْدِ وَالدَّمِّيِّ وَالْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ وَالْفَاسِقِ وَالصَّبِّيِّ لِانْعِدَامِ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ وَالْمُغْنِي. وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم. كذا في المبسوط (١) والذخيرة (٢). قوله: (وينفذ حكمه عليهما) ولا ينقد على غيرهما بمنزلة المصالح، حتى لو طعن المشتري بعيب، فحكم هو والبائع رجلًا، فرده على البائع بحكمه، فلم يكن للبائع أن يرده على بائعه (٣)، ولو اصطلح البائع الأول والثاني والمشتري جميعًا على حكمه يرده على البائع الأول استحسانًا. والوكيل بالبيع إذا ظفر المشتري بعيب، فاصطلحا على حكم، فرده بعيب لا يحدث مثله - جاز على الأمر في رواية، وفي رواية: جاز عليه دون الأمر، وإن كان عيبًا يحدث مثله يلزم البائع، إلا إذا حكمًا برضا الأمر. كذا في المحيط (٤). لنا: قوله: (ويشترط أهلية القضاء) أي: وقت التحكيم، حتى لو حكما عبدًا ثم أعتق، أو صبيًا ثم بلغ، أو ذميًا فأسلم وحكم - لا ينفذ حكمه كما في المولى، وكذا لو كان مسلمًا وقت التحكيم ثم ارتد، وكذا على القلب في الكل لا ينفذ حكمه. كذا في المبسوط (٥) والذخيرة والمغني والمحيط (٦). قوله: (ولا يجوز تحكيم العبد والكافر والذمي) هذا من قبيل إضافة المصدر إلى المفعول؛ لأنه لو جعل من قبيل إضافة المصدر إلى الفاعل ينقلب حكم المسألة، فإن ذلك جائز (٧). وفي المغني: يجوز تحكيم المكاتب والعبد المأذون كالسحر، وتحكيم.

стр. 5204

اعْتِبَارًا بِأَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ، وَالفَاسِقُ إِذَا حَكَمَ يَجِبُ أَنْ يَجُوزَ عِنْدَنَا كَمَا مَرَّ فِي المُوَلَّى (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ المُحَكِّمَيْنِ أَنْ يَرْجِعَ مَا لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِمَا) لِأَنَّهُ مُقَلَّدٌ مِنْ جِهَتِهِمَا فَلَا يَحْكُمُ إِلَّا بِرِضَاهُمَا جَمِيعًا وَإِذَا حَكَمَ لَزِمَهُمَا لِصُدُورِ حُكْمِهِ عَنْ وِلَايَةٍ عَلَيْهِمَا الذمي لا يجوز فيما بين المسلمين، أما لو كان الذمي حكمًا فيما بين الذميين يجوز؛ لأنه من أهل الشهادة بين أهل الذمة دون المسلمين. قوله: (أن يرجع ما لم يحكم عليهما)، وبه قال الشافعي (١) في قول، ومالك (٢) في رواية، وأحمد (٣) في وجه، وفي قول: لا يجوز رجوعه بعد إقامة البينة، وبه قال مالك (٤) في رواية، وأحمد (٥) في وجه؛ لأنه لو جاز ذلك يؤدي إلى أن كل واحد منهما إذا رأى من الحكم ما لا يوافقه يرجع فيبطل المقصود من التحكيم. وقلنا: إنه مقلد من جهتهما، فلا يحكم إلا برضاهما؛ لأنه مقلد، بفتح اللام، من جهتهما، فكان كالمقلّد من جهة السلطان، ولو عزل السلطان القاضي قبل الحكم، فكذا هنا. ذكره الصدر الشهيد (٦). قوله: (وإذا حكم لزمهما) لأن الحكم تم بتراضيهما، ولا يكون دون صلح جرى بينهما بالتراضي، وبعدما تم الصلح ليس لواحد أن يرجع، فهذا مثله. كذا في المبسوط (٧). وبه قال الشافعي (٨) في قول، ومالك (٩) وأحمد (١٠)، وقال الشافعي (١١) في

стр. 5205

(وإذا رفع حكمه إلى القاضي، فوافق مذهبه أمضاه) لأنه لا فائدة في نقضه ثم في إبرامه على ذلك الوجه (وإن خالفه أبطله) لأن حكمه لا يلزمه لعدم التحكيم منه. (ولا يجوز التحكيم في الحدود والقصاص) لأنه لا ولاية لهما على دمهما، قول: لا بد من تراضيهما بعد الحكم، وهو اختيار المزني؛ لأن ولايته بتراضيهما، وقلنا: إنه مناف للمقصود من التحكيم كما ذكرنا. قوله: (رأيه) أي: رأي القاضي. (أبطله) وقال مالك (١) وابن أبي ليلى حكمه في المجتهدات نافذ كالمولى، فلا يبطله، إلا أن يكون جورا بينا لم يختلف فيه أهل العلم. وقلنا: سبب هذا الحكم اتفاق الخصمين، فيكون بمنزلة اصطلاحهما على شيء، ولو اصطلحا في المجتهدات على شيء للقاضي رأي في تنفيذه وإبطاله، فهذا مثله، ولأن القاضي المولى ولاية على كافة المسلمين، ولهما ولاية على أنفسهما، وليس لهما ولاية على القاضي، فلا يبطل رأي القاضي بتراضيهما، ولأن الحكم كالحاكم في حقهما وفي حق غيرهما، كسائر الرعايا، فلا يجب تنفيذ حكمه على القاضي. كذا في المبسوط (٢). قوله: (ولا يجوز التحكيم في الحدود والقصاص)، وبه قال الشافعي (٣) ومالك (٤) وأحمد (٥)، وعن أحمد (٦) أنه يجوز في كل ما يتحاكم إلى المولى، وبه قال الشافعي (٧) في قول. وفي الذخيرة (٨): ويجوز التحكيم في القصاص، هكذا ذكر في صلح الأصل وفي كتاب الأقضية؛ لأن القصاص من حقوق العباد، فهما يملكان

стр. 5206

وَلِهَذَا لَا يَمْلِكَانِ الإِبَاحَةَ، فَلَا يُسْتَبَاحُ بِرِضَاهُمَا، قَالُوا: وَتَخْصِيصُ الحُدُودِ وَالقِصَاصِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّحْكِيمِ فِي سَائِرِ المُجْتَهَدَاتِ كَالطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ الاستيفاء بأنفسهما، فيملكان التفويض إلى غيرهما قياسًا على سائر حقوق العباد. وعن أبي حنيفة (١): لا يجوز، فوجهه ما ذكر في الكتاب، ولأن حكم الحكم بمنزلة الصلح، فما يجوز استحقاقا بالصلح يجوز التحكيم فيه، وما لا فلا، ولا يجوز استيفاء الحد والقصاص بالصلح فلا يجوز التحكيم فيهما، وقال الشافعي (٢) في قول: لا يجوز في غير الأموال، ويجوز في الأموال وما في معناها، وبه قال مالك (٣)، حتى لا يجوز في حد ولا في لعان ولا في قصاص وقذف أو طلاق أو إعتاق أو نسب أو ولاء؛ لأنها مبنية على الاحتياط، فيعتبر القاضي المولى، كالحدود. قوله: (في سائر المجتهدات) نحو الكنايات بأنها رواجع، والطلاق المضاف، وهو الظاهر عند أصحابنا، لكن مشايخنا امتنعوا عن هذه الفتوى، وقالوا: يحتاج إلى حكم المولى، كما في الحدود والقصاص؛ كيلا يتجاسر به العوام. كذا ذكره الصدر الشهيد في أدب القاضي (٤). وفي الذخيرة (٥) وفتاوى العتابي: يجوز حُكْمَ الحكم في اليمين المضافة؛ لكن لا يفتي كيلا يتجاسر الناس، وجوزوا ذلك بإطلاق القاضي الشافعي المذهب، والأحسن لهذا القاضي أن يقول: أبطلت هذه اليمين، ونقضت هذا الطلاق عملا بقوله ﵇: «لَا طَلاقَ قَبْلَ النِّكاح» (٦) وأخذا بقول من يقول من الصحابة به.

стр. 5207

وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ صَحِيحٌ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُفْتَى بِهِ، وَيُقَالُ: يُحْتَاجُ إِلَى حُكْمِ المُوَلَّى دَفْعًا لِتَجَاسُرِ العَوَامَ، وَإِنْ حَكَمَاهُ فِي دَمِ خَطَرٍ فَقَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى العَاقِلَةِ لَمْ يَنْفُذُ حُكْمُهُ، لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ، إِذْ لَا تَحْكِيمَ مِنْ جِهَتِهِمْ. وَلَوْ حَكَمَ عَلَى القَاتِلِ بِالدِّيَةِ فِي مَالِهِ رَدَّهُ القَاضِي وَيَقْضِي بِالدِّيَةِ عَلَى العَاقِلَةِ، لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِرَأْيِهِ وَمُخَالِفٌ لِلنَّصُ أَيْضًا، إِلَّا إِذَا ثَبَتَ القَتْلُ بِإِقْرَارِهِ، لِأَنَّ العَاقِلَةَ لَا تَعْقِلُهُ (وَيَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَ البَيِّنَةَ وكذا من تزوج امرأة بغير ولي فطلقها ثلاثًا، فبعث القاضي إلى شفعوي ليحكم بينهما ببطلان ذلك، وببطلان الثلاث يجوز، وكذا لو حكما بذلك حكمًا يجوز، ولا يفتي؛ لما مر (١). وكذا من غاب عن امرأته غيبة منقطعة، ولم يَخْلِفُهَا نفقة، فبعث إلى الشفعوي ليحكم بفسخ النكاح لعجز النفقة يجوز، ولو كان للغائب متاع وأملاك وعقار يتحقق العجز؛ لأنه لا يجوز بيع هذه الأشياء للنفقة على الغائب (٢). قوله: (مخالف للنص)، وهو حديث حمل بن مالك «قُومُوا فَدُوهُ»، على ما يجيء في المعاقل (إلا إذا ثبت القتل) أي: قتل الخطأ (بإقراره) فحينئذ يجوز حكمه بالدية عليه؛ لأن ما يجب بالإقرار لا تتحمله العاقلة بالحديث كما يجيء، فكان حكمه موافقا للشرع فينفذ (٣). وفي الذخيرة (٤): وأما أروش الجراحات؛ فإن كان بحيث لا تتحملها العاقلة، وتجب في مال الجاني بأن كانت دون أرش الموضحة، وهو خمسمائة درهم، وثبت ذلك بالإقرار أو النكول أو كان عمدًا، وقضى على الجاني - جاز؛ لأنه لا يخالف حكم الشرع. ولو كانت بحيث تتحملها العاقلة لا يجوز قضاؤه بها أصلا؛ لأنه إن قضى على الجاني يصير مخالفا لحكم الشرع، وعلى العاقلة لا يجوز؛ لأنهم ما رضوا بحكمه.

стр. 5208

وَيَقْضِيَ بِالنُّكُولِ وَكَذَا بِالإِقْرَارِ) لِأَنَّهُ حُكْمٌ مُوَافِقٌ لِلشَّرْعِ، وَلَوْ أَخْبَرَ بِإِقْرَارِ أَحَدِ الخَصْمَيْنِ أَوْ بِعَدَالَةِ الشُّهُودِ وَهُمَا عَلَى تَحْكِيمِهِمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، لِأَنَّ الوِلَايَةَ قَائِمَةٌ، وَلَوْ أَخْبَرَ بِالحُكْمِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِانْقِضَاءِ الوِلَايَةِ كَقَوْلِ المُوَلَّى بَعْدَ العَزْلِ. (وَحُكْمُ الحَاكِمِ لِأَبَوَيْهِ وَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ بَاطِلٌ، وَالمُوَلَّى وَالمُحَكَّمُ فِيهِ سَوَاءٌ) وَهَذَا: لِأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِهَؤُلَاءِ لِمَكَانِ التَّهْمَةِ، فَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ القَضَاءُ لَهُمْ، بِخِلَافِ مَا إِذَا حَكَمَ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِمْ لِانْتِفَاءِ التَّهْمَةِ فَكَذَا القَضَاءُ، وَلَوْ حَكَمَا رَجُلَيْنِ لَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِهِمَا، لِأَنَّهُ أَمْرٌ يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الرَّأْيِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. قوله: (ولو أخبر) أي: المحكم يعني لو قال المُحكّم لأحدهما: قد أقررت عندي أو قامت عندي بينة عليك لهذا، فعدلوا عندي، وقال: ألزمتك ذلك، وحكمت لهذا عليك، فأنكر المقضي عليه بشيء من ذلك لم يلتفت إلى قوله، ومضى القضاء عليه؛ لأن المحكم ما دام على تحكيمها كالقاضي المولى، ولو قال المولى ذلك لا يلتفت إلى إنكاره المقضي عليه، فكذا هنا إلا أن يخرجه عن الحكم أو يعزله قبل أن يقول قد حكمت عليك، ثم قال المحكم: ذلك لا يصدق (١) كذا في أدب القاضي للصدر الشهيد (٢). قوله: (يحتاج فيه إلى الرأي) وأنهما رضيا برأيهما، ورأي الواحد لا يكون كرأي المثنى، كما في البيع ونحوه، ولا يصدقان على ذلك الحكم بعد القيام من مجلس الحكومة حتى يشهدا على ذلك غيرهما؛ لأنهما بعد القيام عن مجلس الحكومة كسائر الرعايا، فلا تقبل شهادتهما على فعل باشراه. كذا في المبسوط (٣). وفي المحيط (٤): ولو حكما حرًا وعبدًا محكمًا لم يجز، ولو حكم مسلم ومرتد رجلًا فحكم بينهما، ثم قتل المرتد أو لحق بدار الحرب لم يجز حكمه عليهما، ولو أمر الإمام رجلًا أن يحكم بين الناس وهو ممن تجوز شهادته جاز،

стр. 5209

مَسَائِلُ شَتَّى مِنْ كِتَابِ القَضَاءِ قَالَ: (وَإِذَا كَانَ عُلُوّ لِرَجُلٍ وَسُفْلٌ لِآخَرَ، فَلَيْسَ لِصَاحِبِ السُّفْلِ أَنْ يَتِدَ فِيهِ وَتَدًا، وَلَا يَنْقُبَ فِيهِ كُوَّةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) مَعْنَاهُ: بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِ العُلْوِ (وَقَالَا: يَصْنَعُ مَا لَا يَضُرُّ بِالعُلْوِ) وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ: إِذَا أَرَادَ صَاحِبُ العُلْوِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى عُلْوِهِ. قِيلَ: مَا حُكِيَ عَنْهُمَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ تَلهُ فَلَا خِلَافَ. وَقِيلَ: الْأَصْلُ عِنْدَهُمَا الإِبَاحَةُ، ويصير كالقاضي، ولو أمر القاضي رجلًا لم يجز إلا بإذن الإمام، إلا أن يجيزه القاضي بعد الحكم، أو يتراضى به الرجلان بعد الحكم، ولو حكما رجلًا فأخرجه القاضي من الحكومة فَحَكَم بعده فأجاز جاز، وليس للحكم أن يفوّض التحكيم إلى غيره، ولو فوّض وحكم الثاني بغير رضاهما فأجاز الأول - لم يجز، إلا أن يجيزا بعد الحكم. وقيل: ينبغي أن يجوز كالوكيل الأول إذا أجاز بيع الوكيل الثاني، ولو حكمًا واحدًا فحكم لأحدهما، ثم حكمًا آخر ينفذ حكم الأول إن كان جائزا عنده، وإن كان جورًا أبطله، وكتاب الحكم إلى القاضي لا يجوز، كما لا يجوز كتاب القاضي إليه، ولا يحكم الحكم كتاب قاضٍ إلا إذا رضي الخصمان. مَسَائِلُ شَتَّى مِنْ كِتَابِ الْقَضَاءِ دأب المصنفين تأخير مسائل متفرقة تتعلق بما قبله من الكتاب. قوله: (ولا ينقب كوة) وكذا لا يفتح بابا، ولا يدخل جذعًا فيه، ولا يهدم سفله، وكذا لم يكن لصاحب العلو أن يحدث على بنائه، ولا أن يضع عليه جذعًا، ولا كنيفا لم يكن (١). قوله: (فلا خلاف) لأنه إنما يُمنع؛ لما فيه من ضرر ظاهر لا ما لا ضرر فيه، فيكون متفقا عليه. وقيل: لا، بل بينهما خلاف، وثمرته تظهر في وقوع الشك في الضرر، وهذا لأن (الأصل عندهما الإباحة) أي: إباحة التصرف؛ لأنه

стр. 5210

لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ وَالمِلْكُ يَقْتَضِي الإِطْلَاقَ، وَالحُرْمَةُ بِعَارِضِ الضَّرَرِ فَإِذَا أُشْكِلَ لَمْ يَجُزُ المَنْعُ وَالْأَصْلُ عِنْدَهُ: الحَظْرُ، لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مَحَلٌ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ مُحْتَرَمٌ لِلْغَيْرِ، كَحَقِّ المُرْتَهِنِ وَالمُسْتَأْجِرِ، وَالإِطْلَاقُ بِعَارِضِ، فَإِذَا أُشْكِلَ لَا يَزُولُ المَنْعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْرَى عَنْ نَوْعِ ضَرَرٍ بِالعُلْوِ مِنْ تَوْهِينِ بِنَاءٍ أَوْ نَقْضِهِ فَيُمْنَعُ عَنْهُ. يلاقي ملكه؛ إذ حائط السفل ملك صاحب السفل (والحرمة بعارض الضرر). (فإذا أشكل) أي: الضرر (لم يجز المنع) إذ اليقين لا يزول بالشك، وهذا كما لو باع نصيبه من العبد المشترك يجوز، ولو كان نصيبه منه كان لشريكه حق الفسخ. (والأصل عنده) أي: عند أبي حنيفة (الحظر) لتعلق حق صاحب العلو به، ولهذا يمنع من الهدم بالاتفاق، وتعلق حق الغير بملكه يمنع تصرفه فيه، كما في المرهون والمستأجر. وقال قاضي خان (١): لو تصرف صاحب السفل في ساحة السفل بأن حفر بئرًا أو ما أشبهه، ويتضرر به صاحب العلو - له ذلك عند أبي حنيفة (٢)، وعندهما الحكم معلول بعلة الضرر، وبه قال الشافعي (٣) ومالك (٤) وأحمد (٥)، والأصل فيه قوله ﵇: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الإِسْلَامِ» (٦). وفي الأقضية: لو انهدم السفل لا يجبر صاحب السفل على البناء، وبه قال الشافعي (٧) في الجديد، ومالك في رواية، وأحمد في رواية، وقالوا في رواية أخرى: يجبر؛ لأن صاحب العلو في القرار، وقد فات من غير تعد من صاحب السفل، فلا تجب عليه الإعادة، ولكن يجبر صاحب العلو فإن شاء بنى السفل

стр. 5211

قَالَ: (وَإِذَا كَانَتْ زَائِغَةً مُسْتَطِيلَةٌ تَنْشَعِبُ مِنهَا زَائِعَةٌ مُسْتَطِيلَةٌ وَهِيَ غَيْرُ نَافِذَةٍ فَلَيْسَ لِأَهْلِ الزَّائِغَةِ الأُولَى أَنْ يَفْتَحُوا بَابًا فِي الزَّائِغَةِ القُصْوَى) لِأَنَّ فَتْحَهُ لِلْمُرُورِ إلى موضع علوه، ثم يبني علوه، ويمنع صاحب السفل عن السكني فيه حتى يؤدي قيمة السفل. والصحيح أنه يعتبر قيمته وقت البناء لا وقت الرجوع، بخلاف ما لو انهدم دار مشتركة، فبنى أحدهما بغير إذن صاحبه - لا يرجع على صاحبه بشيء، وبه قال الشافعي في الأصح؛ لأن هنا غير مضطر في البناء في نصيب شريكه؛ لأنه يمكنه أن تقاسم الساحة، ولهذا لا يجبر الشريك على بناء الجدار أو المشترك بعد انهدامه عندنا (١)، وبه قال الشافعي (٢) في قول، وأحمد (٣) ومالك (٤) في رواية، أما هنا بخلافه، حتى لو كان بيتًا صغيرًا فانهدم، ولا يمكن قسمة الساحة فلا يكون متبرعًا في البناء، وهكذا نقول في الطاحون والحمام، حتى لو انهدم بعضه يرجع بحصة صاحبه عليه، ولو انهدم كله؛ فلو أمكن البناء بعد القسمة يكون في البناء متطوعًا، وإلا لا (٥). كذا ذكره التمرتاشي. قوله: (إذا كانت زائغة) أي: سكة (مستطيلة) أي: طويلة، من زاغت الشمس: مالت، وسمى المحلة والسكة زائغة؛ لميلها من طرف إلى طرف، والمستطيلة من استطال، بمعنى طال. (وهي) أي: الزائغة المتسعة (غير نافذة)، وكذا الزائغة الأولى أيضًا غير نافذة، هكذا ذكر التمرتاشي والفقيه أبو الليث حيث قالا: سكة طويلة غير نافذة، وسكة أخرى عن يمينها أو شمالها غير نافذة، ولكن في أكثر الكتب لم يقيد الأولى بكونها غير نافذة، وتعليل الكتاب يقتضي ذلك (٦).

стр. 5212

وَلَا حَقَّ لَهُمْ فِي المُرُورِ، إِذْ هُوَ لِأَهْلِهَا خُصُوصًا حَتَّى لَا يَكُونَ لِأَهْلِ الأُولَى فِيمَا بِيعَ فِيهَا حَقُّ الشَّفْعَةِ، بِخِلَافِ النَّافِذَةِ، لِأَنَّ المُرُورَ فِيهَا حَقُّ العَامَّةِ. قِيلَ: المَنْعُ مِنْ المُرُورِ لَا مِنْ فَتْحِ البَابِ لِأَنَّهُ رَفَعَ بَعْضَ جِدَارِهِ. وَالأَصَحُ: أَنَّ المَنْعَ مِنْ الفَتْحِ: لِأَنَّ بَعْدَ الفَتْحِ لَا يُمْكِنُهُ المَنْعُ مِنْ المُرُورِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ، وَلِأَنَّهُ عَسَاهُ يَدَّعِي الحَقَّ فِي القُصْوَى بِتَرْكِيبِ البَابِ (وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَدِيرَةً قَدْ لَزِقَ طَرَفَاهَا فَلَهُمْ أَنْ يَفْتَحُوا بَابًا)، لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَقَّ المُرُورِ فِي كُلِّهَا، إِذْ هِيَ سَاحَةٌ مُشْتَرَكَةٌ، وَلِهَذَا يَشْتَرِكُونَ فِي الشَّفْعَةِ إِذَا بِيعَتْ دَارٌ مِنهَا. قوله: (لا من فتح الباب لأنه رفع بعض جداره)، وله أن يرفع جميع جداره بالهدم، فأولى أن ينقض بعضه. قوله: (والأصح)، قال شمس الأئمة (١): الأظهر المنع من تركيب الباب، وبه قالت الأئمة الثلاثة (٢)؛ لأنه إذا فعل وتقادم العهد، ربما يدعي شركة في الطريق في تلك الزائغة، ويستدل على ذلك بتركيب الباب، ويكون القول له إذا لم يُعرف كيف كان الحال؟ فهو بتركيب الباب يثبت لنفسه حقًا فيها، فيمتنع منه، ولو فتح الباب للاستضاءة أو للريح لا يمنع؛ لأنه لا يستدل بها على حق المرور، ولا يتضرر به أحد، ولا خلاف فيه. قوله: (وإن كانت مستديرة) أي: وإن كانت الزائغة الغير النافذة مستديرة بهذه الصورة، أما لو كانت المستديرة نافذة كانت لجماعة المسلمين، فلا يمنع بلا خلاف فيها (٣). قوله: (فلهم أن يفتحوا) أي: فلكل واحد أن يفتح بابه في أي موضع شاء؛ لأنها سكة واحدة من أولها إلى آخرها، وهي بينهم على الشركة. وفي الحيطان أراد أن يبني في داره تنورًا للخبز الدائم، كما يكون في الدكاكين، أو رَحَى للطحن أو مدقات القصار - لم يجز، ويمنع من ذلك؛ لأن

стр. 5213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ذلك يضر بجيرانه ضررًا فاحشًا لا يمكن التحرز عنه (١)، وبه قال أحمد (٢) في رواية، وقال الشافعي (٣) وأحمد (٤) في رواية: لا يُمنع؛ لأنه تصرف في ملكه المختص به، ولم يتعلق به حق غيره، وأجمعوا أنه يمنع من الدق الذي يهدم الحيطان ويثيرها، ولنا قوله ﵇: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ» (٥)، وهذا إضرار بجيرانه، فمنع منه، كالدق الذي يهز الحيطان. وله أن يتخذ في بيته حمامًا؛ لأن ذلك لا يضر إلا بالنداوة، والتحرز عنها ممكن بأن يبني بين نفسه وبين جاره حائطا بنورة. قال الصدر الشهيد: الجملة في هذا أن في القياس له ذلك كله؛ لأنه تصرف في ملكه، ولكن ترك القياس وأخذ بالاستحسان لأجل المصلحة، قال: وكان والدي يفتي: إذا كان ضررًا بَيِّنا يُمنع، وبه يُفتى. وعن أبي يوسف: اتخذ داره حمامًا، وتأذي الجيران من دخانها - فلهم منعه، إلا أن يكون دخان الحمام مثل دخانهم (٦)، ولو اتخذ داره حظيرة غنم، والجيران يتأذون من نتن السرقين ليس لهم في الحُكْم منعه، وبه قال الشافعي (٧) وأحمد، ولو حفر في داره بئرًا، فنز منها حائط جاره لم يكن له منعه بلا خلاف. وقيل: إذا كان يعلم ذلك لا محالة فله منعه وهو خلاف قول أصحابنا (٨)، ولو سقط حائط بين دارين، ولأحدهما عورات، فطلب من جاره أن يساعده في

стр. 5214

قَالَ: (وَمَنْ ادَّعَى فِي دَارٍ دَعْوَى البناء، قال أصحابنا: لا يجبر، وبه قالت الأئمة الثلاثة (١)، وقال الفقيه أبو الليث: في زماننا يجبر. وقيل: إن كان بصره يقع في الصعود في دار جاره فله منعه عن الصعود حتى يتخذ سترة، وإن كان يقع في سطحه فلا. ذكره التمرتاشي. قوله: (ومن ادعى في دار دعوى) إلى آخره، قيل: أراد به: إذا كان المدعى به مقداراً معلوماً كالثلث ونحوه حتى تكون الدعوى صحيحة؛ لأن الصلح عن الدعوى إنما يصح إذا كانت الدعوى صحيحة، أما إذا كانت فاسدة فلا يصلح؛ لأن الصلح إنما يصح لافتداء اليمين، والافتداء إنما يكون إذا توجهت اليمين، واليمين لا تتوجه إلا بصحة الدعوى، أو بحمله إذا ادعى إقرار صاحب الدار بحق فيها حتى تصح الدعوى، فإنه لو ادعى أنه أقر له بشيء - يصح. وفي الفوائد الظهيرية: كان والدي يقول: الصلح عن الإنكار افتداء اليمين، واليمين يتوجه بالدعوى الصحيحة، فإذا كانت الدعوى غير صحيحة لا يتوجه اليمين، فلا يكون افتداء لليمين. ولكن هذا على أصل أبي حنيفة مشكل بأن الرجل إذا ادعى امرأة نكاحاً، وأنكرت، ثم صالحته على مال بذلته صح الصلح، وهاهنا لا يكون افتداء لليمين؛ لأنها لا تستحلف على قوله؛ بل يجب أن يقال: الصلح إنما يصح لدفع الشغب وقطع الخصام، وفي هذا المعنى لا يتفاوت بين الدعوى الصحيحة والفاسدة، فالمدعي يمكنه إزالة الفساد بإعلام المدعي، فيتحقق معنى الشغب والخصام، وهذا يندفع بالصلح، وبقيت المسألة الصلح على الإنكار، فإنه جائز عندنا (٢).

стр. 5215

وَأَنْكَرَهَا الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ ثُمَّ صَالَحَهُ مِنهَا، فَهُوَ جَائِزٌ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الصُّلْحِ عَلَى (الإِنْكَارِ) وَسَتَذْكُرُهَا فِي الصُّلْحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالمُدَّعِي وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا فَالصُّلْحُ عَلَى مَعْلُومٍ عَنْ مَجْهُولٍ جَائِزٌ عِنْدَنَا، لِأَنَّهُ جَهَالَةٌ فِي السَّاقِطِ فَلَا تُفْضِي إِلَى المُنَازَعَةِ عَلَى مَا عُرِف. قَالَ: (وَمَنْ ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهُ وَهَبَهَا لَهُ فِي وَقْتِ كَذَا، فَسُئِلَ البَيِّنَةَ فَقَالَ: جَحَدَنِي الهِبَةَ فَاشْتَرَيْتِهَا مِنهُ، وَأَقَامَ المُدَّعِي البَيِّنَةَ عَلَى الشِّرَاءِ قَبْلَ الوَقْتِ الَّذِي يَدَّعِي فِيهِ الهِبَةَ: لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ) لِظُهُورِ التَّنَاقُضِ، إِذْ هُوَ يَدَّعِي الشِّرَاءَ بَعْدَ الهِبَةِ وَهُمْ يَشْهَدُونَ بِهِ قَبْلَهَا، وَلَوْ شَهِدُوا بِهِ بَعْدَهَا تُقْبَلُ لِوُضُوحِ التَّوْفِيقِ، وَلَوْ كَانَ ادَّعَى ومالك (١) وأحمد (٢) خلافًا للشافعي (٣). وقوله: (والصلح على معلوم عن مجهول) إلى آخره: يدل على أن صحة الدعوى ليس بشرط لصحة الصلح، وقال الشافعي (٤): لا يصح الصلح عن دعوى شيء مجهول على معلوم فشرط صحة الدعوى. قوله: (وهبها له في وقت) أي: وهبها صاحب اليد هذا إليَّ منذ شهر، وسلمها إليَّ، وقبضتها لنفسي، وهذه الدار التي في يده ملكي بهذه الطريقة، فطلب القاضي البيّنة على دعواه هذه، فقال المدعي: لم يكن لي بينة في حق الهبة، ولكن لي بينة على الشراء منه؛ لأني طلبتها وقلت: إنها ملكي بطريق الهبة والتسليم، فجحد المدعى عليه هذا دعوى الهبة، فاضطررت إلى شرائها منه؛ لإنكاره الهبة، فاشتريتها منه ولي شهود على الشراء، فشهدوا عليه قبل الوقت الذي يدعي فيه الهبة - لا يقبل لظهور التناقض، والتناقض يمنع صحة الدعوى. (يشهدون به) أي: الشراء (قبلها) أي: قبل عقد الهبة، وهذا التناقض قد يكون من المخالفة بين الدعوى والشهادة، وقد يكون من المناقضة في دعواه

стр. 5216

الهِبَةَ ثُمَّ أَقَامَ البَيِّنَةَ عَلَى الشِّرَاءِ قَبْلَهَا وَلَمْ يَقُلْ: جَحَدَنِي الهِبَةَ، فَاشْتَرَيْتِهَا، لَمْ تُقْبَلْ أَيْضًا، ذَكَرَهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، لِأَنَّ دَعْوَى الهِبَةِ إِقْرَارٌ مِنْهُ بِالمِلْكِ لِلْوَاهِبِ عِنْدَهَا، وَدَعْوَى الشِّرَاءِ رُجُوعٌ عَنْهُ فَعُدَّ مُنَاقِضًا، بِخِلَافِ مَا إِذَا ادَّعَى الشَّرَاءَ بَعْدَ الهِبَةِ، لِأَنَّهُ تَقَرَّرَ مِلْكُهُ عِنْدَهَا. نفسها؛ لأنه حينئذ يكون قائلا: وهب هذا الشيء، وكان لي ملكًا بالشراء قبل، فلا يثبت الملك بالهبة بعد الشراء، وكان مناقضا. أما لو لم يذكر للشراء تاريخا تُقبل البينة، كما لو ذكر تاريخا بعد الهبة؛ لإمكان الحمل على ما تبقى به التناقض؛ لما أن الشراء حادث، فيحال بحدوثه على أقرب الأوقات، وهو ما بعد تاريخ الهبة، وبهذا يتبين أن التناقض إنما يمنع صحة الدعوى إذا لم يمكن التوفيق، أما إذا أمكن لا يمنع كذا في الجامع والفوائد الظهيرية. قال شيخ الإسلام: إذا أمكن التوفيق تصح الدعوى ولا يرد، وإن لم يدَّعِ المدعي التوفيق. وفي المحيط (١): قيل: ما قالوا يوفق بغير دعوى المدعي، وما قالوا لا يوافق بدون دعواه التوفيق - استحسان، وفي دعوى المبسوط إشارة إلى أنه لم يقبل بينة إلا أن يوفق المدعي، وكان التوفيق من المدعي شرطًا في رواية، وغير شرط في رواية. قوله: (لأنه) أي: المدعي (٢) (تقرر ملكه عندها) أي: عند الهبة. فإن قيل: ينبغي ألا تقبل بينة؛ لأنه ادعى شراء باطلا؛ لأنه ادعى ما يملكه بالهبة. قلنا: لما جحد الهبة فقد فسخها؛ إذ جحود ما عدا النكاح من العقود فسخ له؛ لأنه إنكار للعقد من الأصل، بخلاف النكاح؛ لأنه لا يحتمل الفسخ، فانفسخت الهبة في حق المدعى عليه، وتوقف الفسخ في حق المدعي على

стр. 5217

(وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: اشتريتَ مِنِّي هَذِهِ الجَارِيَةَ، فَأَنْكَرَ الآخَرُ إِنْ أَجْمَعَ البَائِعُ عَلَى تَرْكِ الخُصُومَةِ وَسِعَهُ أَنْ يَطَأَهَا) لِأَنَّ المُشْتَرِي لَمَّا جَحَدَهُ كَانَ فَسْخًا مِنْ جِهَتِهِ، إذ الفَسْخُ يَثْبُتُ بِهِ كَمَا إِذَا تَجَاحَدًا، فَإِذَا عَزَمَ البَائِعُ عَلَى تَرْكِ الخُصُومَةِ ثُمَّ الفَسْخِ، رضاه، فإذا أقدم على الشراء منه فقد رضي بذلك الفسخ فيما بينهما، فانفسخت الهبة بتراضيهما، فإذا اشترى منه بعد ذلك فقد اشترى ما لا يملكه، فصح (١). إليه أشار في الفوائد الظهيرية. قوله: (فأنكر) أي: الآخر المخاطب (إن أجمع البائع) أي: قصد (وسعه) أي: للبائع أي: حل (وطؤها) وبه قال الشافعي (٢) في وجه، وأحمد في رواية، وقال زفر: لا يَحِلّ، وبه قال الشافعي في وجه؛ لأن البائع متى باعها بقيت على ملك المشتري ما لم يبعها أو لم يتقايلا. وقلنا: متى ترك الخصومة، وأكد ذلك بإمساكها - فقد وجد منه ما يدل على الفسخ؛ إذ لا يحل بدون الفسخ (٣). قوله: (إذ الفسخ يثبت به) فصار كالجحود؛ لأن الفسخ رفع العقد من الأصل، والجحود إنكار من الأصل، فيجعل أحدهما مجازا عن الآخر (٤). كذا في الفوائد الظهيرية. وفيه: ويبتنى عليه مسألة ذكرها في الجامع (٥): اشترى عبدا بألف ثم باعه من آخر، فجحد المشتري الثاني البيع، فخاصمه المشتري الأول إلى القاضي، ولم يكن له بينة، فعزم المشتري الأول على ترك الخصومة، ثم وجد عيبًا كان عند البائع الأول، وأراد الرد، فاحتجه البائع الأول ببيعه الثاني، فلو عزم المشتري على ترك الخصومة بعد تحليف الثاني يرده، وقبله لا يرده؛ لأنه غير مضطر في فسخ البيع الثاني، بخلاف ما لو جحد الزوج النكاح وحلف.

стр. 5218

وَبِمُجَرَّدِ العَزْمِ، إِنْ كَانَ لَا يَثْبُتُ الفَسْخُ فَقَدْ اقْتَرَنَ بِالفِعْلِ وَهُوَ إِمْسَاكُ الجَارِيَةِ وَنَقْلُهَا وَمَا يُضَاهِيهِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا تَعَدَّرَ اسْتِيفَاءُ الثَّمَنِ مِنْ المُشْتَرِي فَاتَ رِضَا البَائِعِ فَيَسْتَبِدُّ بِفَسْخِهِ. قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ قَبَضَ مِنْ فُلَانٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، عندهما، وعزمت المرأة على ترك الخصومة - لم يكن لها أن تتزوج؛ لأن النكاح لا يحتمل الفسخ بسبب من الأسباب، فكذا هذا (١). قوله: (وبمجرد العزم) إلى آخره جواب شبهة ذكرها المحبوبي صريحًا، فقال: فإن قيل: الفسخ لا يثبت بمجرد العزم على الفسخ، ألا ترى أن من له خيار الشرط إذا عزم بقلبه على فسخ العقد لا ينفسخ العقد بمجرد عزمه. قلنا: نحن لا نثبته بمجرد العزم، بل بالعزم وبفعل اقترن به، وهو إمساك الأمة ونقلها إلى بيته؛ إذ إمساكها لا يحل بدون الفسخ، فيتحقق الانفساخ لوجود الفسخ منهما دلالة، كمن قال لآخر: آجرتك هذه الدابة يوما بكذا لتركبها إلى مكان كذا، فأخذ المشتري ليركبها كان ذلك قبولا دلالة؛ لأن الأخذ والاستعمال لا يحل بدون القبول، كذا هذا (٢). وفي المحيط (٣): تفسير العزم على ترك الخصومة بالقلب عند بعضهم، وقبل أن يشهد بلسانه على العزم بالقلب، ولا يكتفى بمجرد النية. قوله: (ونقلها) أي: نقل الجارية من موضع الخصومة إلى بيته (وما يضاهيه) أي: يشابهه من الأفعال، كالاستخدام (٤). قوله: (من أقر أنه قَبَضَ) أي: قبض بسبب من الأسباب؛ من استقراض أو ثمن سلعة أو غصب أو وديعة. وفي جامع العتابي: رجل له على آخر عشرة جياد، فقبض الدراهم، ثم قال: إنها زيوف.

стр. 5219

ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا زُيُوفٌ: صُدِّقَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: اقْتَضَى، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ القَبْضِ أَيْضًا. وَوَجْهُهُ: أَنَّ الزُّيُوفَ مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ، إِلَّا أَنَّهَا مَعِيبَةٌ، وَلِهَذَا: لَوْ تَجَوَّزَ بِها فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَم جَازَ، وَالقَبْضُ لَا يَخْتَصُّ بِالجِيَادِ فَيُصَدَّقُ، لِأَنَّهُ أَنْكَرَ قَبْضَ حَقِّهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ قَبَضَ الجِيَادَ أَوْ حَقَّهُ أَوْ الثَّمَنَ أَوْ اسْتَوْفَى لِإِقْرَارِهِ بِقَبْضِ الجِيَادِ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةٌ. وفي المبسوط (١): أقر الطالب أنه قبض مما له على فلان مائة، ثم قال: وجد زيوفًا، فالقول له، وصل أم فصل. (قوله في الكتاب): (ثم ادعى أنها زيوف صُدِّقَ) محمول على هذا، أي: وصل أم فصل، وبه صرح المحبوبي في جامعه، فقال: ثم هو مصدق في مسألة الكتاب، وصل أم فصل. وفي المبسوط في باب الإقرار بالدين: لو قال: لفلان علي ألف من ثمن بيع، إلا أنها زيوف أو نبهرجة لم يُصدق في دعوى الزيافة، وصل أم فصل، في قول أبي حنيفة، وعندهما يصدق إن وصل، ولا يصدق أن فصل، ولو أقر بالمال غصبًا ووديعة، وقال: هي نبهرجة أو زيوف صدق، وصل أم فصل. فلو قال: عليّ ألف، من غير ذكر التجارة والغصب، فقال بعض [مشايخنا] (٢): فهو على الخلاف أيضًا؛ لأن مطلق الإقرار بالدين ينصرف إلى الالتزام بالتجارة؛ إذ هو اللائق بحال المسلم. وقيل: يصدق هاهنا إذا وصل بالاتفاق؛ لأن صفة الجودة تصير مستحقة بعقد التجارة، فإذا لم يُصرِّح في كلامه بجهة التجارة لا تصير صفة الجودة مستحقة، وهذا والحجج من الجانبين تجيء في باب الإقرار إن شاء الله تعالى. وقال الشافعي (٣) وأحمد (٤): إذا فصل لا يُقبل في جميع الصور؛ لأنه كما

стр. 5220

فَلَا يُصَدَّقُ، وَالنَّبَهْرَجَةُ كَالزُّيُوفِ، أقر بعشرة وأطلق يفهم منه الجياد الكاملة، فلما سكت تلزمه الكاملة، وهي الجياد، ثم بقوله: هي زيوف أو نبهرجة يرجع عن بعض ما أقر به ويرفعه، فلم يقبل، كالاستثناء المنفصل. وقلنا: إنه أقر بالقبض، وقَبْض الدراهم لا يختص بالجياد؛ لأن اسم الدراهم يقع على الزيوف والنبهرجة، ولا يتعين بالجياد لعدم العرف لها، فإذا قال: هي زيوف أو نبهرجة أنكر قبض حقه، فيصدّق مع يمينه، بخلاف ما إذا أقر أنه قبض الجياد. إلى قوله: (فلا يصدق) أي: فيما إذا ادعى الزيافة بعد ذلك؛ لأنه مناقض، أما في الأول فظاهر، وكذا في غيره؛ لأن حقه في الجياد فكان الإقرار بقبض حقه مطلقا إقرارًا بقبض الجياد، والاستيفاء عبارة عن القبض بوصف التمام، فكان عبارة عن قبض حقه أيضًا (١). قال شيخي العلامة في النهاية: جمع المصنف بين هذه المسائل الأربع في الجواب بأنه لا يصدق، وليس الحكم فيها على السواء، فإنه إذا أقر بقبض الجياد ثم ادعى أنها زيوف لا يصدق، لا مفصولاً ولا موصولا، وفيما بقي يصدق موصولاً، ولا يصدق مفصولاً، والفرق أن في قوله: قبضت ما لي عليه، أو حقي عليه - جعل مقرا بقبض القدر والجودة بلفظ واحد، فإذا استثنى الجودة فقد استثنى البعض من الجملة، فصح موصولًا، كما لو قال: علي ألف إلا مائة، أما لو قال: قبضت عشرة جيادًا، فقد أقر بالقدر بلفظ على حدة، وبالجودة بلفظ على حدة، فإذا قال: إلا أنها زيوف، فقد استثنى الكل من الكل في حق الجودة، وذلك باطل، كما لو قال: علي مائة درهم ودينار إلا دينارًا - كان الاستثناء باطلا، وإن ذكره موصولا، كذا هنا (٢). فإن قيل: ينبغي ألا يصح استثناء الجودة، وإن دخلت يجب الإقرار بلفظ واحد؛ لأن الجودة تبع وصفه للدراهم، واستثناء التبع موصولا لا يصح، كاستثناء البناء من الدار موصولًا.
следующие страницы →