← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

الهِبَةَ ثُمَّ أَقَامَ البَيِّنَةَ عَلَى الشِّرَاءِ قَبْلَهَا وَلَمْ يَقُلْ: جَحَدَنِي الهِبَةَ، فَاشْتَرَيْتِهَا، لَمْ تُقْبَلْ أَيْضًا، ذَكَرَهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، لِأَنَّ دَعْوَى الهِبَةِ إِقْرَارٌ مِنْهُ بِالمِلْكِ لِلْوَاهِبِ عِنْدَهَا، وَدَعْوَى الشِّرَاءِ رُجُوعٌ عَنْهُ فَعُدَّ مُنَاقِضًا، بِخِلَافِ مَا إِذَا ادَّعَى الشَّرَاءَ بَعْدَ الهِبَةِ، لِأَنَّهُ تَقَرَّرَ مِلْكُهُ عِنْدَهَا. نفسها؛ لأنه حينئذ يكون قائلا: وهب هذا الشيء، وكان لي ملكًا بالشراء قبل، فلا يثبت الملك بالهبة بعد الشراء، وكان مناقضا. أما لو لم يذكر للشراء تاريخا تُقبل البينة، كما لو ذكر تاريخا بعد الهبة؛ لإمكان الحمل على ما تبقى به التناقض؛ لما أن الشراء حادث، فيحال بحدوثه على أقرب الأوقات، وهو ما بعد تاريخ الهبة، وبهذا يتبين أن التناقض إنما يمنع صحة الدعوى إذا لم يمكن التوفيق، أما إذا أمكن لا يمنع كذا في الجامع والفوائد الظهيرية. قال شيخ الإسلام: إذا أمكن التوفيق تصح الدعوى ولا يرد، وإن لم يدَّعِ المدعي التوفيق. وفي المحيط (١): قيل: ما قالوا يوفق بغير دعوى المدعي، وما قالوا لا يوافق بدون دعواه التوفيق - استحسان، وفي دعوى المبسوط إشارة إلى أنه لم يقبل بينة إلا أن يوفق المدعي، وكان التوفيق من المدعي شرطًا في رواية، وغير شرط في رواية. قوله: (لأنه) أي: المدعي (٢) (تقرر ملكه عندها) أي: عند الهبة. فإن قيل: ينبغي ألا تقبل بينة؛ لأنه ادعى شراء باطلا؛ لأنه ادعى ما يملكه بالهبة. قلنا: لما جحد الهبة فقد فسخها؛ إذ جحود ما عدا النكاح من العقود فسخ له؛ لأنه إنكار للعقد من الأصل، بخلاف النكاح؛ لأنه لا يحتمل الفسخ، فانفسخت الهبة في حق المدعى عليه، وتوقف الفسخ في حق المدعي على

стр. 5217

(وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: اشتريتَ مِنِّي هَذِهِ الجَارِيَةَ، فَأَنْكَرَ الآخَرُ إِنْ أَجْمَعَ البَائِعُ عَلَى تَرْكِ الخُصُومَةِ وَسِعَهُ أَنْ يَطَأَهَا) لِأَنَّ المُشْتَرِي لَمَّا جَحَدَهُ كَانَ فَسْخًا مِنْ جِهَتِهِ، إذ الفَسْخُ يَثْبُتُ بِهِ كَمَا إِذَا تَجَاحَدًا، فَإِذَا عَزَمَ البَائِعُ عَلَى تَرْكِ الخُصُومَةِ ثُمَّ الفَسْخِ، رضاه، فإذا أقدم على الشراء منه فقد رضي بذلك الفسخ فيما بينهما، فانفسخت الهبة بتراضيهما، فإذا اشترى منه بعد ذلك فقد اشترى ما لا يملكه، فصح (١). إليه أشار في الفوائد الظهيرية. قوله: (فأنكر) أي: الآخر المخاطب (إن أجمع البائع) أي: قصد (وسعه) أي: للبائع أي: حل (وطؤها) وبه قال الشافعي (٢) في وجه، وأحمد في رواية، وقال زفر: لا يَحِلّ، وبه قال الشافعي في وجه؛ لأن البائع متى باعها بقيت على ملك المشتري ما لم يبعها أو لم يتقايلا. وقلنا: متى ترك الخصومة، وأكد ذلك بإمساكها - فقد وجد منه ما يدل على الفسخ؛ إذ لا يحل بدون الفسخ (٣). قوله: (إذ الفسخ يثبت به) فصار كالجحود؛ لأن الفسخ رفع العقد من الأصل، والجحود إنكار من الأصل، فيجعل أحدهما مجازا عن الآخر (٤). كذا في الفوائد الظهيرية. وفيه: ويبتنى عليه مسألة ذكرها في الجامع (٥): اشترى عبدا بألف ثم باعه من آخر، فجحد المشتري الثاني البيع، فخاصمه المشتري الأول إلى القاضي، ولم يكن له بينة، فعزم المشتري الأول على ترك الخصومة، ثم وجد عيبًا كان عند البائع الأول، وأراد الرد، فاحتجه البائع الأول ببيعه الثاني، فلو عزم المشتري على ترك الخصومة بعد تحليف الثاني يرده، وقبله لا يرده؛ لأنه غير مضطر في فسخ البيع الثاني، بخلاف ما لو جحد الزوج النكاح وحلف.

стр. 5218

وَبِمُجَرَّدِ العَزْمِ، إِنْ كَانَ لَا يَثْبُتُ الفَسْخُ فَقَدْ اقْتَرَنَ بِالفِعْلِ وَهُوَ إِمْسَاكُ الجَارِيَةِ وَنَقْلُهَا وَمَا يُضَاهِيهِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا تَعَدَّرَ اسْتِيفَاءُ الثَّمَنِ مِنْ المُشْتَرِي فَاتَ رِضَا البَائِعِ فَيَسْتَبِدُّ بِفَسْخِهِ. قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ قَبَضَ مِنْ فُلَانٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، عندهما، وعزمت المرأة على ترك الخصومة - لم يكن لها أن تتزوج؛ لأن النكاح لا يحتمل الفسخ بسبب من الأسباب، فكذا هذا (١). قوله: (وبمجرد العزم) إلى آخره جواب شبهة ذكرها المحبوبي صريحًا، فقال: فإن قيل: الفسخ لا يثبت بمجرد العزم على الفسخ، ألا ترى أن من له خيار الشرط إذا عزم بقلبه على فسخ العقد لا ينفسخ العقد بمجرد عزمه. قلنا: نحن لا نثبته بمجرد العزم، بل بالعزم وبفعل اقترن به، وهو إمساك الأمة ونقلها إلى بيته؛ إذ إمساكها لا يحل بدون الفسخ، فيتحقق الانفساخ لوجود الفسخ منهما دلالة، كمن قال لآخر: آجرتك هذه الدابة يوما بكذا لتركبها إلى مكان كذا، فأخذ المشتري ليركبها كان ذلك قبولا دلالة؛ لأن الأخذ والاستعمال لا يحل بدون القبول، كذا هذا (٢). وفي المحيط (٣): تفسير العزم على ترك الخصومة بالقلب عند بعضهم، وقبل أن يشهد بلسانه على العزم بالقلب، ولا يكتفى بمجرد النية. قوله: (ونقلها) أي: نقل الجارية من موضع الخصومة إلى بيته (وما يضاهيه) أي: يشابهه من الأفعال، كالاستخدام (٤). قوله: (من أقر أنه قَبَضَ) أي: قبض بسبب من الأسباب؛ من استقراض أو ثمن سلعة أو غصب أو وديعة. وفي جامع العتابي: رجل له على آخر عشرة جياد، فقبض الدراهم، ثم قال: إنها زيوف.

стр. 5219

ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا زُيُوفٌ: صُدِّقَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: اقْتَضَى، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ القَبْضِ أَيْضًا. وَوَجْهُهُ: أَنَّ الزُّيُوفَ مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ، إِلَّا أَنَّهَا مَعِيبَةٌ، وَلِهَذَا: لَوْ تَجَوَّزَ بِها فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَم جَازَ، وَالقَبْضُ لَا يَخْتَصُّ بِالجِيَادِ فَيُصَدَّقُ، لِأَنَّهُ أَنْكَرَ قَبْضَ حَقِّهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ قَبَضَ الجِيَادَ أَوْ حَقَّهُ أَوْ الثَّمَنَ أَوْ اسْتَوْفَى لِإِقْرَارِهِ بِقَبْضِ الجِيَادِ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةٌ. وفي المبسوط (١): أقر الطالب أنه قبض مما له على فلان مائة، ثم قال: وجد زيوفًا، فالقول له، وصل أم فصل. (قوله في الكتاب): (ثم ادعى أنها زيوف صُدِّقَ) محمول على هذا، أي: وصل أم فصل، وبه صرح المحبوبي في جامعه، فقال: ثم هو مصدق في مسألة الكتاب، وصل أم فصل. وفي المبسوط في باب الإقرار بالدين: لو قال: لفلان علي ألف من ثمن بيع، إلا أنها زيوف أو نبهرجة لم يُصدق في دعوى الزيافة، وصل أم فصل، في قول أبي حنيفة، وعندهما يصدق إن وصل، ولا يصدق أن فصل، ولو أقر بالمال غصبًا ووديعة، وقال: هي نبهرجة أو زيوف صدق، وصل أم فصل. فلو قال: عليّ ألف، من غير ذكر التجارة والغصب، فقال بعض [مشايخنا] (٢): فهو على الخلاف أيضًا؛ لأن مطلق الإقرار بالدين ينصرف إلى الالتزام بالتجارة؛ إذ هو اللائق بحال المسلم. وقيل: يصدق هاهنا إذا وصل بالاتفاق؛ لأن صفة الجودة تصير مستحقة بعقد التجارة، فإذا لم يُصرِّح في كلامه بجهة التجارة لا تصير صفة الجودة مستحقة، وهذا والحجج من الجانبين تجيء في باب الإقرار إن شاء الله تعالى. وقال الشافعي (٣) وأحمد (٤): إذا فصل لا يُقبل في جميع الصور؛ لأنه كما

стр. 5220

فَلَا يُصَدَّقُ، وَالنَّبَهْرَجَةُ كَالزُّيُوفِ، أقر بعشرة وأطلق يفهم منه الجياد الكاملة، فلما سكت تلزمه الكاملة، وهي الجياد، ثم بقوله: هي زيوف أو نبهرجة يرجع عن بعض ما أقر به ويرفعه، فلم يقبل، كالاستثناء المنفصل. وقلنا: إنه أقر بالقبض، وقَبْض الدراهم لا يختص بالجياد؛ لأن اسم الدراهم يقع على الزيوف والنبهرجة، ولا يتعين بالجياد لعدم العرف لها، فإذا قال: هي زيوف أو نبهرجة أنكر قبض حقه، فيصدّق مع يمينه، بخلاف ما إذا أقر أنه قبض الجياد. إلى قوله: (فلا يصدق) أي: فيما إذا ادعى الزيافة بعد ذلك؛ لأنه مناقض، أما في الأول فظاهر، وكذا في غيره؛ لأن حقه في الجياد فكان الإقرار بقبض حقه مطلقا إقرارًا بقبض الجياد، والاستيفاء عبارة عن القبض بوصف التمام، فكان عبارة عن قبض حقه أيضًا (١). قال شيخي العلامة في النهاية: جمع المصنف بين هذه المسائل الأربع في الجواب بأنه لا يصدق، وليس الحكم فيها على السواء، فإنه إذا أقر بقبض الجياد ثم ادعى أنها زيوف لا يصدق، لا مفصولاً ولا موصولا، وفيما بقي يصدق موصولاً، ولا يصدق مفصولاً، والفرق أن في قوله: قبضت ما لي عليه، أو حقي عليه - جعل مقرا بقبض القدر والجودة بلفظ واحد، فإذا استثنى الجودة فقد استثنى البعض من الجملة، فصح موصولًا، كما لو قال: علي ألف إلا مائة، أما لو قال: قبضت عشرة جيادًا، فقد أقر بالقدر بلفظ على حدة، وبالجودة بلفظ على حدة، فإذا قال: إلا أنها زيوف، فقد استثنى الكل من الكل في حق الجودة، وذلك باطل، كما لو قال: علي مائة درهم ودينار إلا دينارًا - كان الاستثناء باطلا، وإن ذكره موصولا، كذا هنا (٢). فإن قيل: ينبغي ألا يصح استثناء الجودة، وإن دخلت يجب الإقرار بلفظ واحد؛ لأن الجودة تبع وصفه للدراهم، واستثناء التبع موصولا لا يصح، كاستثناء البناء من الدار موصولًا.

стр. 5221

وَفِي السَّتُّوقَةِ: لَا يُصَدَّقُ، لِأَنَّهُ، لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ، حَتَّى لَوْ تَجَوَّزَ بِهِ فِيمَا ذَكَرْنَا لَا يَجُوزُ. وَالزَّيْفُ مَا زَيَّفَهُ بَيْتُ المَالِ، وَالنَّبَهْرَجَهُ مَا يَرُدُّهُ التَّجَّارُ، وَالسَّتُّوقَةُ مَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ قلنا: استثناء البناء من الدار إنما لا يصح؛ لأن البناء دخلت اسم الدار تبعًا، فلا يجوز إخراجه موصولاً، أما الجودة دخلت تحت اللفظ مقصودًا كالوزن؛ لأنه أقر بقبض ما عليه، وعليه تسليم الوزن والجودة، وكانت داخلا مقصودًا لا تبعًا، فيجوز استثناؤه موصولا، كذا قيل، وفيه نوع تأمل (١). قوله: (وفي الستوقة لا يصدق (٢) لأنه ليس من جنس الدراهم)، ليس هذا الحكم على إطلاقه، فإنه ذكر في المبسوط (٣) في الإقرار: لو أقر أنه قبض خمسمائة مما له على المديون، ثم قال بعد ما سكت: هي رصاص - لم يصدق؛ لأن اسم الدراهم لا يتناول الرصاص حقيقة، وإن قال: موصولًا فالقول قوله؛ لأن الرصاص من الدراهم صورة، وإن لم يكن من الدراهم معنى، وكان بيانًا مغيرًا لظاهر كلامه إلى ما هو محتمل، فيصح موصولاً، وكذلك في الستوقة؛ لأن الرصاص أبعد من الستوقة في اسم الدراهم، والحكم في الرصاص هكذا، فيجب أن يكون كذلك بالطريق الأولى، وذكر المحبوبي في جامعه مصرحًا، وقال شيخ الإسلام: ذكر محمد أنه يصح إن كان موصولًا. قوله: (ما زَيَّفَه بيت المال) أي: رده. وفي المغرب (٤) زافت عله دراهمه أي: صارت مردودة عليه؛ لغش فيها. وقيل: هي دون النهبرجة في الرداءة؛ لأن الزيف ما يرده بيت المال، والنبهرجة ما رده التجار. النبهرج: الدراهم الذي فضته دريئة، وقيل: الذي فيه الغلبة للفضة، وقد استعير لكل باطل، ومنه بهرج دمه: إذا بطل.

стр. 5222

الغِشُّ. قَالَ: (وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: لَكَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: لَيْسَ لِي عَلَيْكَ شَيْءٌ، ثُمَّ قَالَ فِي مَكَانِهِ: بَلْ لِي عَلَيْكَ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ)؛ لِأَنَّ إِقْرَارَهُ هُوَ الأَوَّلُ، وَقَدْ ارْتَدَّ بِرَدِّ المُقَرِّ لَهُ، وَالثَّانِي: دَعْوَى فَلَا بُدَّ مِنْ الحُجَّةِ أَوْ تَصْدِيقِ خَصْمِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ لِغَيْرِهِ اشْتَرَيْت وَأَنْكَرَ الآخَرُ لَهُ أَنْ يُصَدِّقَهُ، لِأَنَّ أَحَدَ المُتَعَاقِدَيْنِ لَا يَتَفَرَّدُ بِالفَسْخِ كَمَا لَا يَتَفَرَّدُ بِالعَقْدِ، وَالمَعْنَى: أَنَّهُ حَقَّهُمَا فَبَقِيَ العَقْدُ فَعَمِلَ التَّصْدِيقُ، أَمَّا المُقَرُّ لَهُ: يَتَفَرَّدُ بِرَدِّ الإِقْرَارِ فَافْتَرَقَا. الستوق، بالفتح: أردأ من النبهرجة، وعن الكرخي: الستوق عندهم ما كان فيه الصفر أو النحاس غالبًا، وقيل: هو تعريب (سه تو). وفي المبسوط (١): الستوقة كالفلوس، فإنه صفر مموه من الجانبين، وقيل: معرب (سه طاقة) أي: الطاق الأعلى والأسفل فضة، والأوسط صفر. قوله: (فليس عليه) أي: على المُقر (شيء) لأن المقر به يحتمل الإبطال بالرد إذا كان مالا، ولا خلاف لأهل العلم، فارتد الإقرار برده، وفي رد المقر له المال لا يتفاوت بين أن يقول: ليس لي أو قال: بل هو لك، أو قال لفلان؛ لأنه لما كذبه فقد بطل إقراره، أما لو صدقه ثم رد إقراره - لم يرتد (٢). ولو أعاد المقر الإقرار بعد رد المقر له مرة، فقال: بل لك علي ألف، وقال المقر له: أجل هو لي عليك أخذتها؛ لأن الإقرار وإن بطل بالتكذيب بقي الإقرار الثاني، وقد اتصل التصديق به، فيؤاخذ به استحسانًا، والقياس ألا يلزمه بالإقرار الثاني شيء (٣). ولو وهبت المرأة صَدَاقَها، فقبل الزوج ثم رده - كان رده باطلا، وكذا لو قبل المديون البراءة ثم رده، وكذا قال لعبده: وهبت لك رقبتك فرد - لا يرتد بالرد، هذا كله في رد المقر له الإقرار (٤). أما لو رد المقر إقرار نفسه، بأن أقر بقبض الثمن ثم ادعى أنه لم يقبض،

стр. 5223

قَالَ: (وَمَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ مَالًا فَقَالَ: مَا كَانَ لَكَ عَلَيَّ شَيْءٌ قَطُّ، فَأَقَامَ المُدَّعِي البَيِّنَةَ عَلَى أَلْفٍ، وَأَقَامَ هُوَ البَيِّنَةَ عَلَى القَضَاءِ، قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ) وَكَذَلِكَ عَلَى الإِبْرَاءِ. وَقَالَ زُفَرُ ﵀: لَا تُقْبَلُ، لِأَنَّ القَضَاءَ يَتْلُو الوُجُوبَ وَقَدْ أَنْكَرَهُ فَيَكُونُ مُنَاقِضًا. وأراد تحليف المشتري - لا يحلف عند أبي حنيفة ومحمد، ويحلف عند أبي يوسف، وبه قال الشافعي (١) وأحمد (٢) في رواية. وكذا لو أقر بالبيع ثم قال: كنت أقررت به لكن لم أقبض، أو أقر بدين ثم ادعى أنه أقر كاذبًا، فأراد تحليف المقر له - لم يحلف عندهما في المسائل كلها، وبه قال أحمد (٣) في رواية؛ لأن الدعوى فاسدة؛ للتناقض، كما لو قال: ليس لي على فلان شيء، ثم ادعى عليه مالًا وأراد تحليفه، أو قال: هذا الشيء لفلان، ثم قال: هو لي، وأراد تحليفه - ليس له ذلك، كذا هنا، وقال أبو يوسف: يحلف لجريان العادة بالإشهاد على هذه الأشياء قبل تحققها احترازًا عن امتناع الآخر عن الإشهاد بعد التسليم والانتقاد، وهذا كما لو قال المقر بالبيع والتسليم: إني فعلت ذلك لكن البيع يلجئه، وطلب ثمن الآخر - حلف عليه، كذا هذا. قال شيخ الإسلام وكذا هذا الخلاف في كل من أقر ثم ادعى أنه أقر كاذبا. قال الصدر الشهيد (٤): الرأي في التحليف للقاضي. كذا ذكره المرغيناني والتمرتاشي والمحبوبي. قوله: (وأنكر) يعني أقر بالشراء منه، وأنكر المقر له، ثم عاد إلى تصديقه، فإنه يصح؛ لأن المقر له يستبد بإبطال المقر له (لأن أحد العاقدين لا ينفرد بفسخه) إلى آخره.

стр. 5224

وَلَنَا: أَنَّ التَّوْفِيقَ مُمْكِنُ لِأَنَّ غَيْرَ الحَقِّ قَدْ يُقْضَى وَيَبْرَأُ مِنْهُ دَفْعًا لِلْخُصُومَةِ وَالشَّغَبِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ قَضَى بِبَاطِلٍ، وَقَدْ يُصَالَحُ عَلَى شَيْءٍ فَيَثْبُتُ ثُمَّ يُقْضَى، وَكَذَا إِذَا قَالَ: لَيْسَ لَكَ عَلَيَّ شَيْءٌ قَطُّ لِأَنَّ التَّوْفِيقَ أَظْهَرُ (وَلَوْ قَالَ: مَا كَانَ لَكَ عَلَيَّ شَيْءٌ قَطُّ وَلَا أَعْرِفُكَ، لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ عَلَى القَضَاءِ) وَكَذَا عَلَى الْإِبْرَاءِ، لِتَعَذَّرِ الكافي: ذكر في الهداية (١) أن أحد العاقدين لا ينفرد بالفسخ إلى آخره، وذكر قبله: (ولأنه لما تعذر استيفاء الثمن من المشتري فات رضا البائع، فيستبد بفسخه) والتوفيق بين كلامه صعب (٢). قوله: (ولنا أن التوفيق ممكن) إلى آخره، دلت المسألة على قبول البينة من غير دعوى التوفيق، وفي بعض المواضع شرط دعوى التوفيق كما بينا أن محمدًا ذكر دعوى التوفيق في بعض المواضع ولم يذكر في البعض، فقيل: يشترط دعوى التوفيق في الكل، ويحمل ما سكت على ما ذكر، حتى قال في الأقضية: لا ينبغي للقاضي أن يوفق؛ لأنه نُصب لفصل الخصومات لا لإنشائها، ولأن القاضي لا يدري ما يوفقه المدعي. وفي الفوائد الظهيرية: وكان والدي يفتي بأن التوفيق إذا كان ممكنا يجب على الحاكم التوفيق؛ حتى لا تتعطل حجج الشرع (٣). قوله: (لأن التوفيق أظهر) لأنه يقول: ليس لك علي شيء في الحال؛ لأني قد قضيت حقك، أو لأنك أبرأتني، ألا ترى أنه لو صرح به يصح! وهذا لأن (ليس) لنفي الحال (٤). قوله: (ولا أعرفك) أو قال: ولا رأيتك، أو: ولا جرى بيني وبينك مخالطة ولا خلطة، ولا أخذ ولا إعطاء، أو: ولا اجتمعت أنا وأنت في موضع، وما أشبهه، ثم أقام بينة على القضاء أو الإبراء (٥).

стр. 5225

التَّوْفِيقِ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَخْذُ وَإِعْطَاءٌ وَقَضَاءٌ وَاقْتِضَاءٌ وَمُعَامَلَةٌ بِدُونِ المَعْرِفَةِ. وَذَكَرَ القُدُورِيُّ لَهُ: أَنَّهُ تُقْبَلُ أَيْضًا، لِأَنَّ المُحْتَجِبَ أَوْ المُخَدَّرَةَ قَدْ يُؤْذَى بِالشَّغَبِ عَلَى بَابِهِ فَيَأْمُرُ بَعْضَ وكَلَائِهِ بِإِرْضَائِهِ وَلَا يَعْرِفُهُ ثُمَّ يَعْرِفُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَمْكَنَ التَّوْفِيقُ. قَالَ: (وَمَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّهُ بَاعَهُ جَارِيَتَهُ فَقَالَ: لَمْ أَبِعْهَا مِنْكَ قَطُّ، فَأَقَامَ المُشْتَرِي البَيِّنَةَ عَلَى الشِّرَاءِ فَوَجَدَ بِهَا أُصْبُعًا زَائِدَةً، فَأَقَامَ البَائِعُ البَيِّنَةَ أَنَّهُ بَرِئَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَةُ البَائِعِ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَهُ: أَنَّهَا تُقْبَلُ اعْتِبَارًا بِمَا ذَكَرْنَا. قوله: (وذكر القدوري) أي: عن أصحابنا أن بينة القضاء تقبل أيضًا إلى آخره. وفي جامع قاضي خان (١): فعلى هذا قالوا: لو كان المدعى عليه ممن يتولى الأعمال بنفسه لا تقبل بيّنته. وفي الشافي قال: لم أدفع إليه شيئًا، ثم ادعى الدفع - لم يسمع؛ لأنه يستحيل أن يقول: لم أدفع إليه شيئًا وقد دفعته، أما لو ادعى إقراره بالدفع إليه أو القضاء ينبغي ألا يسمع؛ لأن المناقض هو الذي يجمع بين كلامين، وهنا لم يجمع، ولهذا لو صدقه المدعي عيانًا لا يكون مناقضًا. كذا ذكره التمرتاشي. وقيل: تقبل البينة على الإبراء في هذا الفصل باتفاق الروايات؛ لأن الإبراء يتحقق بلا معرفة. قوله: (فأقام البينة على الشراء) أي: أقام من ادعى المبيع، وهو المشتري، على الشراء منه (فوجد) أي: المشتري (بها) أي: بالجارية (أصبعًا زائدة) خص هذا العيب بالذكر دون عيب آخر؛ لما أنه عيب قديم لا يحدث مثله في مثل تلك المدة (٢). قوله: (اعتبارًا بما ذكرنا) وهو التوفيق في الدين، ثم وجه التوفيق هاهنا هو أن يكون البائع وكيلا من المالك في البيع، فكان المالك في قوله: (ما بعتها) صادقا، ثم المالك في دعواه البراءة من كل عيب لا يكون مناقضًا.

стр. 5226

وَوَجْهُ الظَّاهِرِ: أَنَّ شَرْطَ البَرَاءَةِ تَغْيِيرٌ لِلْعَقْدِ مِنْ اقْتِضَاءِ وَصْفِ السَّلَامَةِ إِلَى غَيْرِهِ، فَيَسْتَدْعِي وُجُودَ البَيْعِ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ فَكَانَ مُنَافِضًا، بِخِلَافِ الدَّيْنِ، لِأَنَّهُ قَدْ يُقْضَى وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا عَلَى مَا مَرَّ. قَالَ: (ذِكْرُ حَقٌّ كَتَبَ فِي أَسْفَلِهِ: «وَمَنْ قَامَ بِهَذَا الذِّكْرِ الحَقِّ فَهُوَ وَلِيُّ مَا فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى»، أَوْ كَتَبَ فِي شِرَاءٍ: فَعَلَى فُلَانٍ خَلَاصُ ذَلِكَ وَتَسْلِيمُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ونظيره ما ذكر التمرتاشي: أقام بينة على الشراء، وذو اليد ينكر، ثم أقام المنكر بينة على أن المدعي رد المبيع عليَّ قبلت، ولا يبطل إنكاره البيع ببينته؛ لأنه يقول: أخذها مني ببينة كاذبة، ثم استقلته فأقالني، فإذا أمكن الجمع بينهما جمع. (تغيير للعقد) أي: شرط البراءة عن العيب تغيير لصفة العقد عن اقتضاء وصف السلامة إلى غيره، وذلك لا يتصور بدون البيع؛ لأن الصفة بدون الموصوف لا تتصوّر، فإذا بطل التوفيق لزم التناقض، بخلاف الدين، فإن هناك تقبل بينة المطلوب على القضاء والإبراء بعد إنكاره أصل الدين؛ إذ التوفيق ممكن بأن يقول: ما كان لك علي شيء قط غير أني دفعت المال قطعًا للخصومة والملامة، فلما جحدتني أثبته (١). كذا ذكره المحبوبي. قوله: (ذكر حق) أي: صك، يعني لو كتب صك الشراء ثم كتب في آخره: من قام بذكر هذا الحق فهو ولي ما فيه أو كتب: ما أدرك فلانا فعلي خلاصه، ثم كتب: إن شاء الله، فعند أبي حنيفة يبطل الصك كله، حتى يبطل الدين الذي فيه ونقد الشراء والخلاص، وعندهما الدين لازم والشراء ثابت. وقوله: (إن شاء الله) ينصرف إلى قوله: ومن قام يذكر هذا الحق وعلي الخلاص؛ لأن الأصل أن الاستثناء يصرف إلى ما يليه، خصوصًا إذا قامت الدلالة عليه، وقد قامت هنا؛ لأن الصك إنما يُكتب للتوثق، وصرف الاستثناء

стр. 5227

تَعَالَى»، بَطَلَ الذِّكْرُ كُلُّهُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، هُوَ عَلَى الخَلَاصِ وَعَلَى مَنْ قَامَ بِذِكْرِ الحَقِّ، وَقَوْلُهُمَا: اسْتِحْسَانُ ذَكَرَهُ فِي الإِقْرَارِ (*) لِأَنَّ الاسْتِثْنَاءَ يَنْصَرِفُ إِلَى مَا يَلِيهِ لِأَنَّ الذِّكْرَ لِلاسْتِيثَاقِ، وَكَذَا الأَصْلُ فِي الكَلَامِ الاسْتِبْدَادُ، وَلَهُ: أَنَّ الكُلَّ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ بِحُكْمِ العَطْفِ فَيُصْرَفُ إِلَى الكُلِّ، كَمَا فِي الكَلِمَاتِ المَعْطُوفَةِ مِثْلِ قَوْلِهِ: عَبْدُهُ حُرٌّ وَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ وَعَلَيْهِ المَشْيُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ وَلَوْ تَرَكَ فُرْجَةً قَالُوا: لَا يَلْتَحِقُ بِهِ وَيَصِيرُ كَفَاصِلِ السُّكُوتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. إلى الكل يبطل التوثق، ولأن في ظاهر حال الناس أن الاستثناء في الكلمات إلى ما يليه. ألا ترى أنه لو كتب كتابًا إلى بعض وكلائه، وقال في آخره: أن يقول كذا وكذا إن شاء الله ينصرف إلى ما يليه دون الكل، ولأبي حنيفة أن الكل كشيء واحد بحكم العطف، وما قالاه من العادة في الكتب أن يترك فرجة، أو يكتب بخط على حدة، فإن فعل كذلك لا ينصرف إلى الكل، ولهذا لو قرئ على المقر ما في الصك فقال: نعم، ينصرف قوله إلى جميع ما في الصك، حتى يحل للسامع أن يشهد بجميع ما في الصك، ولم يقتصر قوله: (نعم) على ما يليه، فكذا الاستثناء. والمراد من الفُرجة: هو أن يترك شيئًا من البياض قبل قوله: ومن قام بذكر هذا الحق، ويجعل الفُرجة فصلا؛ إذ الفرجة في الصكوك كالسكوت في المنطق (١). فإن قيل: ينبغي ألا يكتب قوله: ومن قام، إلى آخره؛ لأنه توكيل، ولا يصح التوكيل على هذا الوجه؛ لأنه توكيل المجهول، والمجهول لا يصلح وكيلا. قلنا: الغرض من كتابته إثبات رضا المُقر بتوكيل من يوكله المقر له بالخصومة، فيسقط امتناع المديون عن استماع خصومة الوكيل؛ إذ التوكيل بغير رضا الخصم لا يلزم عند أبي حنيفة، وعلى تقدير الرضا هنا يلزم التوكيل بلا

стр. 5228

فَصْلٌ فِي القَضَاءِ بِالمَوَارِيثِ قَالَ: (وَإِذَا مَاتَ نَصْرَانِي فَجَاءَتْ امْرَأَتُهُ مُسْلِمَةً وَقَالَتْ: أَسْلَمْتُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَقَالَتْ الوَرَثَةُ: أَسْلَمَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَالقَوْلُ قَوْلُ الوَرَثَةِ) وَقَالَ زُفَرُ لَهُ: القَوْلُ قَوْلُهَا (*)، لِأَنَّ الإِسْلَامَ حَادِثٌ فَيُضَافُ إِلَى أَقْرَبِ الأَوْقَاتِ. وَلَنَا: أَنَّ سَبَبَ الحِرْمَانِ ثَابِتٌ فِي الحَالِ، فَيَثْبُتُ فِيمَا مَضَى تَحْكِيمًا لِلْحَالِ، كَمَا فِي جَرَيَانِ مَاءِ الطَّاحُونَةِ؛ وَهَذَا ظَاهِرٌ نَعْتَبِرُهُ لِلدَّفْعِ؛ رضاه، وإنما يلزم بهذا؛ لأنه إسقاط حقه، والإسقاطات تصح مع الجهالة كما في الصلح على الإنكار (١). وقيل: إنما يكتب في الصك قوله: من قام إلى آخره؛ تحرزا عن قول ابن أبي ليلى لا عن قول أبي حنيفة؛ [لأن التحرز عن قول أبي حنيفة] (٢) لا يحصل به؛ لأنه بهذا يثبت الرضا بوكالة وكيل مجهول، والرضا بوكالة وكيل مجهول باطل، فوجوده كعدمه، وإنما يحصل التحرز عن قول ابن أبي ليلى؛ فإن عنده يصح التوكيل بالخصومة من غير رضا الخصم، إلا إذا وجد الرضا بوكالة وكيل مجهول، فحينئذ يجوز، فيقع الاحتراز عن قوله. كذا ذكره قاضي خان والمحبوبي. ولكن ذكر في كتب المذاهب الأربعة أن عند ابن أبي ليلى يجوز التوكيل بغير رضا الخصم مطلقا (٣). فَصْلٌ فِي الْقَضَاءِ بِالْمَوَارِيثِ لما كان الموت آخر أحوال المرء ذكر الأحكام المتعلقة به آخرًا. قوله: (كما في جريان ماء الطاحونة) اختلفا في وجوب الأجر بعد المدة، كالمستأجر يقول: الماء منقطع فلا يجب الأجر، وقال الآجر: جار يجب الأجر، فلو كان الماء في الحال جاريًا كان القول للآجر، ولو كان منقطعًا كان

стр. 5229

وَمَا ذَكَرَهُ: يَعْتَبِرُهُ لِلِاسْتِحْقَاقِ؛ (وَلَوْ مَاتَ المُسْلِمُ وَلَهُ امْرَأَةٌ نَصْرَانِيَّةٌ فَجَاءَتْ مُسْلِمَةً بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَالَتْ: أَسْلَمْت قَبْلَ مَوْتِهِ، وَقَالَتْ الوَرَثَةُ: أَسْلَمَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَالقَوْلُ قَوْلُهُمْ أَيْضًا)، وَلَا يُحَكِّمُ الحَالُ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ لَا يَصْلُحُ حُجَّةٌ لِلاسْتِحْقَاقِ، وَهِيَ مُحْتَاجَةٌ إِلَيْهِ، أَمَّا الوَرَثَةُ فَهُمْ الدَّافِعُونَ، وَيَشْهَدُ لَهُمْ ظَاهِرُ الحُدُوثِ أَيْضًا. القول للمستأجر، وهذا حكم باستصحاب الحال في حق ما مضى، بخلاف المفقود، فإن هناك حكمًا باستصحاب الحال الماضي في حق الحال، فعلم أن العمل بالاستصحاب تارة يكون من الحال إلى الماضي، وتارة من الماضي إلى الحال (١). قوله: (وما ذكره) (٢) أي: زفر (يعتبره) أي: الاستصحاب (للاستحقاق) وهو قول الشافعي (٣)، والظاهر يعتبر للدفع لا للاستحقاق. قوله: (ولا يُحَكِّمُ الحال) أي: لا يقال: إنها مسلمة في الحال فتكون مسلمة قبل موته، كما في مسألة الطاحونة؛ لأن إسلامها حادث، والأصل في الحوادث أن تضاف إلى أقرب الأوقات، فالحاصل أن المرأة تتمسك في هذه المسألة بما تمسك به الورثة في المسألة الأولى والورثة يتمسكون بما تمسكت به المرأة في المسألة الأولى، غير أنها تتمسك بالظاهر في المسألتين فيصلح لدفع الاستحقاق لا لإثبات الاستحقاق (٤). فإن قيل: الماء إذا كان جاريًا في مسألة الطاحونة يجعل حجة لصاحب الطاحونة، فيستحق الأجر، فقد تمسكتم بالحال لإثبات استحقاق الأجر. قلنا: اتفقا على سبب الوجوب، وهو العقد، ولكن اختلفا في التأكيد، والظاهر يصلح للتأكيد، وفي مسألة الميراث: اختلفا في وجوب السبب، وهو الزوجية، مع اتفاقهما في الدين عند الموت، فلا يصلح الظاهر حجة (٥).

стр. 5230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإن قيل: يشكل هذا بمسألة ذكرها محمد في الأصل: إذا مات وترك ابنين، فقال أحدهما: مات أبي مسلماً، وقد كنت مسلماً حال حياته، وقال الآخر: صدقت وأنا أيضاً أسلمت [حال] (١) حياته، وكذبه الابن المتفق [على] (٢) إسلامه، وقال: بل أسلمت بعد موته؛ فالقول للابن المتفق على إسلامه، ولم يجعل الحال حكماً على إسلامه فيما مضى مع قيام السبب في الحال، وهو البنوة. قلنا: ما ذكرنا من الطريق إنما يصار إليه إذا اختلفا في الماضي في ثبوت ما هو ثابت في الحال، أما إذا اتفقا في الماضي على خلاف ما هو ثابت في الحال، غير أنهما اتفقا في مقداره، فلا يصار إلى تحكم الحال وإن كان السبب قائماً (٣)، ألا ترى أن في مسألة الطاحونة إذا اتفقا على الانقطاع في بعض مدة الإجارة، بأن قال المستأجر: كان الماء منقطعاً شهرين، وقال الآخر: انقطع شهراً - فالقول للمستأجر مع يمينه منقطعاً كان أو جارياً في الحال، لأنهما اختلفا في جريان مقدر وانقطاع مقدر؛ وذلك غير ثابت للحال. وفي مسألة الابنين ومسألة الكتاب حاصل الاختلاف واقع في مقدار مدة الإسلام لا في نفس الإسلام، والثابت في الحال نفس الإسلام لا إسلام مقدر، فهذا هو المأخذ في المسألة (٤). وذكر التمرتاشي مثله، وهي ترد شبهة أيضاً على الأصل، وهو أن الاستحقاق لا يثبت بالظاهر، وقال: ادعت المرأة أنه أبانها في مرضه وصار فاراً، وقالت الورثة: في الصحة؛ فالقول للمرأة؛ لأنها أنكرت المانع، وهو الطلاق في الصحة، يعني الأصل عدم المانع (٥).

стр. 5231

قَالَ: (وَمَنْ مَاتَ وَلَهُ فِي يَدِ رَجُلٍ أَرْبَعَةُ آلَافٍ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً فَقَالَ المُسْتَوْدَعُ: هَذَا ابْنُ المَيِّتِ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ، فَإِنَّهُ يَدْفَعُ المَالَ إِلَيْهِ) لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّ مَا فِي يَدِهِ حَقٌّ الوَارِثِ خِلَافَةٌ، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ حَقُّ المُوَرِّثِ وَهُوَ حَيٌّ أَصَالَةٌ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَقَرَّ لِرَجُلٍ أَنَّهُ وَكِيلُ المُودِعِ بِالقَبْضِ أَوْ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ حَيْثُ لَا يُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ قوله: (أو أنه اشتراه) أي: أن الرجل المُقرّ له اشترى عين الوديعة من مودعه، ثم في فصل الشراء لا يؤمر بالدفع، مع أن المودع أقر بزوال ملك المودع؛ لأن إقراره حجة قاصرة عليه، فلا يصح في حق الغير، فإنه أقر أنه ملك الغائب وهو حي، ويده في الوديعة يد الغائب، فلا يملك إبطال يده وملكه بإقراره؛ إذ في تصحيح إقراره تنفيذ إقراره على الغير، كما في حق قبض الوديعة بالوكالة (١). وفي الفوائد الظهيرية: ففي فصل الوديعة إذا لم يؤمر بالتسليم، ومع هذا لو سلم وأراد الاسترداد هل له ذلك؟ قيل: لا يملك؛ لأنه يصير ساعيًا في نقض ما أوجبه، وكان والدي يحكي عن أستاذه ظهير الدين المرغيناني أنه كان يتردد في جواب هذه المسألة، أما إذا لم يسلم في فصل الوديعة حتى ضاعت في يده قيل: يضمن، وقيل: لا يضمن، وكان ينبغي أن يضمن؛ لأن المنع من وكيل المودع في زعمه كالمنع من المودع، وفي المنع منه يضمن، فكذا من وكيله (٢). واختلف في الملتقط لو أقر باللقطة لرجل: هل يؤمر بالدفع؟ وقد بينا الخلاف في اللقطة (٣). وفي الجامع (٤): لو ادعى الوصاية فصدقه مودع الميت أو غاصب منه أو وصيه - لا يؤمر بالدفع.

стр. 5232

أَقَرَّ بِقِيَامِ حَقِّ المُودِعِ، إِذْ هُوَ حَيٌّ فَيَكُونُ إِقْرَارًا عَلَى مَالِ الغَيْرِ، وَلَا كَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ، بِخِلَافِ المَدْيُونِ إِذَا أَقَرَّ بِتَوْكِيلِ غَيْرِهِ بِالقَبْضِ، لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا فَيَكُونُ إِقْرَارًا عَلَى نَفْسِهِ فَيُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ (فَلَوْ قَالَ المُودَعُ لِآخَرَ، هَذَا ابْنُهُ أَيْضًا، وَقَالَ الأَوَّلُ: لَيْسَ لَهُ ابْنٌ غَيْرِي قَضَى بِالمَالِ لِلْأَوَّلِ) لِأَنَّهُ لَمَّا صَحَّ إِقْرَارُهُ لِلْأَوَّلِ انْقَطَعَ يَدُهُ عَنْ المَالِ، فَيَكُونُ هَذَا إِقْرَارًا عَلَى الأَوَّلِ، فَلَا يَصِحُ إِقْرَارُهُ لِلثَّانِي، كَمَا إِذَا كَانَ الأَوَّلُ ابْنَا مَعْرُوفًا، وَلِأَنَّهُ حِينَ أَقَرَّ لِلْأَوَّلِ لَا مُكَذِّبَ لَهُ فَصَحَّ، وَحِينَ أَقَرَّ لِلثَّانِي لَهُ مُكَذِّبٌ فَلَمْ يَصِحٌ. قَالَ: (وَإِذَا قُسِمَ المِيرَاثُ بَيْنَ الغُرَمَاءِ وَالوَرَثَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنهُمْ كَفِيلٌ وَلَا مِنْ وَارِثٍ، وَهَذَا شَيْءٌ احْتَاطَ بِهِ بَعْضُ القُضَاةِ، وَهُوَ ظُلْمٌ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَا: يُؤْخَذُ الكَفِيلُ (*)، قوله: (بخلاف المديون إذا أقر بتوكيل غيره)، أي: أقر المديون لرجل أنه وكيل صاحب الدين بقبض الدين، حيث يؤمر بالدفع؛ لأن المديون يقبضه من مال نفسه (لأن الديون تقضى بأمثالها) فكان إقرار المديون بأنه وكيل بقبضه إقرارًا على نفسه بوجوب القضاء إليه (١). كذا ذكره قاضي خان. قوله: (فلم يصح إقراره) بابن آخر ويضمن المودع نصف ما أدى إلى الأول للابن الثاني الذي أقر له إذا دفع الوديعة بغير قضاء القاضي (٢)، وبه قال الشافعي في قول وأحمد (٣)، وقال في قول: لا يضمن؛ لأن إقراره للثاني صادف ملك الغير، فلا يلزم به شيء. قوله: (وهذا شيء) أي: أخذ الكفيل شيءء (احتاط به بعض القضاة) وكان ابن أبي ليلى يفعل كذلك بالكوفة في قضائه (٤). قوله: (وقالا: يؤخذ الكفيل) أي: لا يدفع المال إليهم حتى يؤخذ الكفيل،

стр. 5233

وَالمَسْأَلَةُ فِيمَا إِذَا ثَبَتَ الدَّيْنُ وَالإِرْثُ بِالشَّهَادَةِ، وَلَمْ يَقُلْ الشُّهُودُ لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ. وبه قال الشافعي (١)، واختلف أصحابه، فقيل: يجب أخذ الكفيل، وقيل: لا يجب بل يستحب، وقيل: إن كان الوارث ممن يحجب وجب، إلا فلا. وقيل: إن كان الوارث مأمونًا لا يجب، وإن كان غير مأمون يجب، وهذا الدفع إلى الوارث إنما يصح أن لو كان وارثًا لا يُحجب بغيره، فإن كان يحجب بغيره لا يدفع المال إليه، وإذا كان وارثا يختلف نصيبه ولا يحجب - يدفع إليه أقل النصيبين عند أبي يوسف، وعند محمد: أوفر النصيبين، وبه قال الشافعي (٢) في وجه، وقول أبي حنيفة مضطرب. ذكره الصدر الشهيد في أدب القاضي (٣). قوله: (والمسألة فيما إذا ثبت الدين والإرث بالشهادة)، أما لو ثبتا بالإقرار يؤخذ الكفيل بالاتفاق، وقيل: بقوله: لا نعلم له وارثا غيره، أما إذا قال الشهود: لا نعلم له وارثا غيره - يدفع إليه المال بلا أخذ كفيل بالاتفاق، وعند ابن أبي ليلى لا يثبت إرثه حتى يقولا: لا وارث له سواه، ويأخذ الكفيل عنده في هذه الصورة أيضًا، وبه قال الشافعي (٤) في وجه، وقال في وجه: يجب أخذ الكفيل في جميع الصور. قال التمرتاشي: لو قال المودع لرجل: هو ابن الميت، ولم يزد عليه، فالقاضي يتلوم في ذلك زمانًا على حسب ما يرى، يعني مفوّض إلى رأي القاضي، وقدر الطحاوي (٥) زمان التلوم بالحول، فإن لم يظهر وارث آخر أمر بدفع المال، ويأخذ له كفيلا؛ لاحتمال أن يظهر وارث آخر. قيل: هذا قولهما، وعند أبي حنيفة لا يأخذ، وبه قال الشافعي (٦) في وجه،

стр. 5234

لَهُمَا: أَنَّ القَاضِيَ نَاظِرُ لِلْغُيَّبِ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّ فِي التَّرِكَةِ وَارِثًا غَائِبًا أَوْ غَرِيمًا غَائِبًا، لِأَنَّ المَوْتَ قَدْ يَقَعُ بَغْتَةً فَيُحْتَاطُ بِالكَفَالَةِ. كَمَا إِذَا دَفَعَ الْآبِقَ وَاللُّقَطَةَ إِلَى صَاحِبِهِ وَأَعْطَى امْرَأَةَ الغَائِبِ النَّفَقَةَ مِنْ مَالِهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ حَقَّ الحَاضِرِ ثَابِتٌ قَطْعًا، أَوْ ظَاهِرًا فَلَا يُؤَخَّرُ لِحَقِّ مَوْهُومٍ إِلَى زَمَانِ التَّكْفِيلِ، وقيل: يأخذ عند الكل؛ لأن الثابت بالإقرار دون الثابت بالبينة (١)، وإذا قال الشهود: لا نعلم له وارثا غيره يدفع إليه من غير تلوم وكفيل، سواء كان وارثًا يُحجب بحال أو لا، ولو قالوا: لا وارث غيره، فكذلك استحسانًا، وفيه خلاف الشافعي (٢). (فيحتاط) أي: القاضي. (كما إذا دفع) أي: القاضي العبد (الآبق واللقطة) إلى رجل أثبت عنده أنه صاحبه (وأعطى امرأة الغائب) يعني طلبت النفقة وزوجها غائب، وله عند إنسان وديعة، والمودع مقرّ بالوديعة والنكاح، فالقاضي يفرض لها النفقة ويأخذ منها كفيلا (٣). كذا في المبسوط (٤) والفوائد الظهيرية. قوله: (حق الحاضر ثابت قطعًا) أي: فيما إذا كان الوارث الآخر معدومًا قطعًا (أو ظاهرًا) أي: فيما إذا كان موجودًا، لكن القاضي لم يكلف بإظهاره على وجه يُؤخر حق الحاضر؛ بل هو مكلف بالعمل بما ظهر عنده من الحجة، وكان العمل بالظاهر عليه واجبًا. (فلا يؤخر لحق) أي: لا يؤخر الدفع إلى زمان التكفيل بسبب أمر موهوم؛ لأن الموهوم لا يقابل المعلوم، أرأيت لو لم يجد كفيلا كان منع حقه هذا ظلما! ولأنه لو أخذ الكفيل إنما يأخذ لمجهول، والكفالة لمجهول لا تصح، لا يقال: يأخذ الكفيل لنفسه؛ صيانةً لقضائه عن النقض؛ لأنه ليس

стр. 5235

كَمَنْ أَثْبَتَ الشَّرَاءَ مِمَّنْ فِي يَدِهِ أَوْ أَثْبَتَ الدَّيْنَ عَلَى العَبْدِ حَتَّى بِيعَ فِي دَيْنِهِ لَا يَكْفُلُ، وَلِأَنَّ المَكْفُولَ لَهُ مَجْهُولٌ، فَصَارَ كَمَا إِذَا كُفِلَ لِأَحَدِ الغُرَمَاءِ بِخِلَافِ النَّفَقَةِ، لِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ ثَابِتٌ وَهُوَ مَعْلُومٌ. وَأَمَّا الْآبِقُ وَاللُّقَطَةُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَالأَصَحُ: أَنَّهُ عَلَى الخِلَافِ. وَقِيلَ: إِنْ دَفَعَ بخصم ولا للميت؛ لأن حقه في تسليم ماله إلى وارثه، وقد أثبت وارثه، فلا معنى للاشتغال بأخذ الكفيل (١). فإن قيل: القاضي يتلوم في هذه الصورة، ذكره في الأسرار وأدب القاضي للصدر الشهيد (٢)، والتلوم إنما يكون لتوهم وارث آخر، وبعد التلوم ما انقطعت الشبهة، فينبغي أن يجوز أخذ الكفيل لبقاء الشبهة، ويدفع المال إلى الحاضر؛ لقيام الحجة؛ لأن الحجة راجحة على الشبهة؛ عملا بالجهتين. قلنا: يجب العمل على القاضي العمل بالحجة، ولا يجوز له العمل بغير حجة، والموهوم غير حجة، ألا ترى لو قال الشهود: لا نعلم له وارثا غيره - فالشبهة قائمة، ولا يجوز أخذ الكفيل، وليست الكفالة كالتلوم؛ لأن التلوم لطلب علم زائد له؛ ليتم علمه بقدر الممكن، أما الكفالة طلب أمر زائد على المستحق، فلا يجوز ألا يتوجه حق عليه من وجه، ولا يتوجه بالموهوم كما ذكرنا (٣)، إليه أشار في المبسوط (٤) والأسرار. قوله: (كمن أثبت الشراء) إلى قوله: (لا يكفل) أي لا يؤخذ الكفيل من المشتري الذي أثبت شراءه بالحجة، ولا من رب الدين الذي أثبت دينه على العبد بالبينة، وإن كان يتوهم حضور مشتر آخر قبله وغريم آخر في حق العبد؛ لأن حق الزوج ثابت والمكفول له هو، وهو معلوم، فالتكفل لأجله يكون واجبًا (٥). قوله: (والأصح أنه على الخلاف) إذا ظهر الاستحقاق بالبينة،

стр. 5236

بِعَلَامَةِ اللُّقَطَةِ أَوْ إِقْرَارِ العَبْدِ يَكْفُلُ بِالإِجْمَاعِ، لِأَنَّ الحَقَّ غَيْرُ ثَابِتٍ، وَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يُمْنَعَ. وَقَوْلُهُ: ظُلْمٌ: أَيْ مَيْلٌ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَهَذَا يَكْشِفُ عَنْ مَذْهَبِهِ تَعْلَتُهُ أَنَّ المُجْتَهِدَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ لَا كَمَا ظَنَّهُ البَعْضُ. قَالَ: (وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدِ رَجُلٍ وَأَقَامَ الآخَرُ البَيِّنَةَ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَانًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهُ فُلَانٍ الغَائِبِ، قُضِيَ لَهُ بِالنِّصْفِ، وَتُرِكَ النِّصْفُ الآخَرُ فِي يَدِ الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ، وَلَا يَسْتَوْثِقُ مِنهُ بِكَفِيلٍ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: إِنْ كَانَ أما لو أعطى العلامة يكفل بالإجماع (١). كذا ذكره المرغيناني (٢) والمحبوبي. قوله: (وهذا) أي: قوله: (ظلم يكشف عن مذهب أبي حنيفة أن المجتهد يخطئ ويصيب) بل هو نص عليه. (لا كما ظنه البعض) وهو المعتزلة، أن كل مجتهد مصيب على مذهب أبي حنيفة، وإنما وقعوا في هذا الظن بسبب ما نقل عن أبي حنيفة أنه قال ليوسف بن خالد السمتي: كل مجتهد مصيب، والحق عند الله واحد. وقلنا: معناه مصيب في الاجتهاد، حتى يكون مثابًا وإن وقع اجتهاده مخالفًا (٣) للحق عند الله تعالى، فقد قال محمد: لو تلاعنا ثلاثا ثلاثا، ففرق القاضي بينهما - نفذ قضاؤه وقد أخطأ السنة، جعل قضاءه صوابا مع فتواه أنه مخطئ الحق عند الله تعالى (٤). كذا في التقويم (٥). قوله: (ولا يستوثق منه أي: من صاحب اليد بكفيل) وهذا بإجماع الفقهاء، وإنما الخلاف في أخذ نصيب الغائب منه وتركه في يده، فعند أبي حنيفة (٦) يُترك في يده، وعندهما إن كان جاحدًا أُخِذ منه، وجُعِلَ في يد

стр. 5237

الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ جَاحِدًا أُخِذَ مِنْهُ وَجُعِلَ فِي يَدِ أَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يَجْحَدْ تُرِكَ فِي يَدِهِ) (*) لَهُمَا: أَنَّ الجَاحِدَ خَائِنٌ فَلَا يُتْرَكُ المَالُ فِي يَدِهِ، بِخِلَافِ المُقِرِّ لِأَنَّهُ أَمِينٌ. وَلَهُ: أَنَّ القَضَاءَ وَقَعَ لِلْمَيِّتِ مَقْصُودًا، وَاحْتِمَالُ كَوْنِهِ مُخْتَارَ المَيِّتِ ثَابِتٌ فَلَا تُنْقَضُ يَدُهُ كَمَا إِذَا كَانَ مُقِرًّا، وَجُحُودُهُ قَدْ ارْتَفَعَ بِقَضَاءِ القَاضِي، وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الجُحُودِ فِي المُسْتَقْبَلِ لِصَيْرُورَةِ الحَادِثَةِ مَعْلُومَةٌ لَهُ وَلِلْقَاضِي، وَلَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي مَنْقُول فَقَدْ قِيلَ: يُؤْخَذُ مِنْهُ بِالاتِّفَاقِ، لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الحِفْظِ، وَالنَّزْعُ أَبْلَغُ فِيهِ، بِخِلَافِ أمين، وقال الشافعي (١) وأحمد (٢): يحفظ الحاكم نصيب الغائب كقولهما. (له) أي: لأبي حنيفة أن القضاء للميت مقصودًا؛ لأن القضاء بالميراث قضاء بملك الميت حتى تقضى منه ديونه، وتنفذ وصاياه (٣). وقوله: (وجحوده قد ارتفع بالقضاء)، جواب عن قولهما: إن الجاحد (٤) خائن. وقوله: (والظاهر عدم جحوده في المستقبل جواب سؤال مقدر، وهو أن يقال لما جحد مرة، فالظاهر دوامه على جحوده، فأجاب عن هذا، وقال: والظاهر عدم جحوده في المستقبل؛ لصيرورة الحادثة معلومة له وللقاضي)، فالظاهر أنه إنما جحد لاشتباه الأمر عليه، وقد زال ذلك بالحجة (٥). فإن قيل: هذا مسلّم على تقدير بقاء القاضي وتذكره، فربما يموت القاضي في المستقبل، أو ينساه، بأن يحترق المحضر ولا يتذكره. قلنا: خوف التلف بموت القاضي ونسيانه واحتراق المحضر مما يندر، ولا يُبالي بالنوادر (٦). كذا في الفوائد الظهيرية. قوله: (والنزع أبلغ فيه) أي: في المنقول؛ لأنه لما جحد ربما يتصرف فيه

стр. 5238

العَقَارِ، لِأَنَّهَا مُحَصَّنَةٌ بِنَفْسِهَا، وَلِهَذَا يَمْلِكُ الوَصِيُّ بَيْعَ المَنْقُولِ عَلَى الكَبِيرِ الغَائِبِ دُونَ العَقَارِ، وَكَذَا حُكْمُ وَصِيِّ الْأُمِّ وَالأَخِ وَالعَمِّ عَلَى الصَّغِيرِ. وَقِيلَ: المَنْقُولُ عَلَى الخِلَافِ أَيْضًا، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ أَظْهَرُ لِحَاجَتِهِ إلَى الحِفْظِ، وَإِنَّمَا لَا يُؤْخَذُ الكَفِيلُ، لِأَنَّهُ إِنْشَاءُ خُصُومَةٍ، وَالقَاضِي إِنَّمَا نُصِبَ إما لخيانة، أو لزعمه أنه ملكه؛ إذ العدل لا يمتنع من التصرف فيما يزعم أنه ملكه، فالأخذ أبلغ من الترك في الحفظ (١). وقوله: (ولهذا يملك الوصي) توضيح لمعنى الحفظ، فإن المنقول يحتاج إلى الحفظ دون العقار فكان البيع أبلغ في الحفظ، فيملكه، وكذا وصي الأخ والأم والعم على الصغير، وإنما خصهم؛ إذ ليس لهم ولاية التصرف، ولهم ولاية الحفظ، وهذا من باب الحفظ (٢). (وقول أبي حنيفة فيه) أي: في المنقول (أظهر) بأنه يترك عنده نصيب الغائب في يد ذي اليد، أي: أظهر من حيث الدليل؛ إذ لو ترك في يده لكان مضمونًا عليه، ولو أخذ منه لا يكون مضمونًا على أحد، فكان الترك في يده أبلغ من الحفظ؛ إذ يد الضمين أشد حفظا من يد الأمين (٣). قوله: (وإنما لا يؤخذ الكفيل) من ذي اليد (لأنه) أي: أخذ الكفيل (إنشاء خصومة) إذ ربما لا يسامح ذو اليد في دفع الكفيل، والأخ الحاضر يطالبه بالكفيل، فتنشأ الخصومة، وأما في سائر الصور التي يؤخذ بالتكفيل فقد تقدمت سوابق الخصومة، فكان أخذ الكفيل هناك قطعًا للخصومات (٤). وعند الشافعي (٥) إن لم يكن الشهود من أهل المعرفة الباطنة، يعني بالظاهر لا باليقين - لم يدفع إلى الحاضر شيئًا، حتى يبعث الحاكم ويسأل في البلاد التي سافر إليها، فإن لم يظهر له وارث سواهما دفع إلى الحاضر نصيبه، ويأخذ كفيلا منه.

стр. 5239

لِقَطْعِهَا لَا لِإِنْشَائِهَا، وَإِذَا حَضَرَ الغَائِبُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِعَادَةِ البَيِّنَةِ وَيُسَلَّمُ النِّصْفُ إِلَيْهِ بِذَلِكَ القَضَاءِ، لِأَنَّ أَحَدَ الوَرَثَةِ يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ البَاقِينَ فِيمَا يَسْتَحِقُّ لَهُ، وَعَلَيْهِ دَيْنًا كَانَ أَوْ عَيْنًا، لِأَنَّ المَقْضِيَّ لَهُ وَعَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ المَيِّتُ فِي الحَقِيقَةِ وَوَاحِدٌ مِنْ الوَرَثَةِ يَصْلُحُ خَلِيفَةٌ عَنْهُ فِي ذَلِكَ، بِخِلَافِ الاسْتِيفَاءِ لِنَفْسِهِ، لِأَنَّهُ عَامِلٌ فِيهِ لِنَفْسِهِ فَلَا يَصْلُحُ نَائِبًا عَنْ غَيْرِهِ، وَلِهَذَا: لَا يَسْتَوْفِي إِلَّا نَصِيبَهُ، وَصَارَ كَمَا إِذَا قَامَتْ البَيِّنَةُ بِدَيْنِ المَيِّتِ، قال بعض أصحابه: يجب أخذ الكفيل، وقال بعضهم: يستحب، وقال بعضهم: إن كان الوارث ممن يُحجب وجب أخذ الكفيل، وإلا لا، وقال بعضهم: إن كان الوارث مأمونًا لم يجب، وإلا وجب، وقد مر. قوله: (لا يحتاج إلى إعادة البينة) في حق أخذ نصيبه من ذي اليد، وقال أبو الليث عن بعض مشايخنا: إن على قياس قول أبي حنيفة ينبغي أن يعيد البينة؛ لأن تلك البينة للحاضر خاصة، كما في القصاص إذا أقام بينة الولي الحاضر على قتل أبيه عمدًا، ثم حضر الغائب - يحتاج إلى إعادة البينة على قوله خاصة، فكذا هاهنا. وقال بعضهم: لا يحتاج إلى الإعادة؛ لأن بينة الحاضر له وللغائب كما في القتل الخطأ، إذا أقام الحاضر بينة لا يحتاج الغائب إلى إعادة البينة، ويأخذ نصف الدية (١) كذا هاهنا. قال فخر الإسلام: وهذا أصح، لا أن أحد الورثة ينتصب خصمًا عن الباقين. قوله: (بخلاف الاستيفاء) أي: استيفاء نصيبه؛ لأنه عامل فيه لنفسه لا للميت فلا يصلح نائبا عن غيره فلهذا لا يستوفي إلا نصيب نفسه (٢). قوله: (بدين الميت) أي: بدين للميت، فإنه يقضى بالكل، ولا يأخذ إلا نصيب نفسه (٣).

стр. 5240

إِلَّا أَنَّهُ إِنَّمَا يَثْبُتُ اسْتِحْقَاقُ الكُلِّ عَلَى أَحَدِ الوَرَثَةِ إِذَا كَانَ الكُلُّ فِي يَدِهِ. ذَكَرَهُ فِي الجَامِعِ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ خَصْمًا بِدُونِ اليَدِ فَيَقْتَصِرُ القَضَاءُ عَلَى مَا فِي يَدِهِ. قَالَ: (وَمَنْ قَالَ: مَالِي فِي المَسَاكِينِ صَدَقَةٌ، فَهُوَ عَلَى مَا فِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ وقوله: (إلا أنه) استثناء عن قوله: لأن ([أحد] (١) الورثة) ينتصب خصمًا إلى آخره، يعني لو ادعى أحد على أحد الورثة دينًا على الميت - يكون هو خصمًا في جميع التركة، ويكون قضاء على جميع الورثة إذ كانت التركة جميعها في يده ينفذ بقدره؛ لأنه لا خصومة بدون اليد (٢). (ذكره في الجامع) أي: في الجامع الكبير. وفي الكافي: أن دعوى العين لا تتوجه إلا على ذي اليد، وإنما ينتصب أحد الورثة خصمًا عن الباقين إذا كان المدعى في يده، وهذا بخلاف دعوى الدين فإن أحد الورثة ينتصب خصمًا وإن لم يكن في يده شيء من التركة (٣). قوله: (فهو على ما فيه الزكاة) أي: يلزم صدقة جميع ما يملكه من أجناس الأموال التي يجب فيها الزكاة، كالنقدين والسوائم وأموال التجارة، بقليلها وكثيرها، ويمسك قوته، فإذا أصاب شيئًا بعد ذلك تصدق بما أمسك، وبعد ما وجب التصدق في جنس الأموال التي يجب فيها الزكاة فلا فرق بعد ذلك بين قدر النصاب وما دونه؛ لأن ذلك يتعلق به الزكاة إذا انضم به غيره، فكأنهم اعتبروا الجنس دون القدر. ولهذا قالوا: لو نذر أن يتصدق بماله، وعليه دين محيط بماله لزمه أن يتصدق به، فإن قضى به دينه لزمه التصدق عند تملكه؛ لأن المعتبر جنس ما يجب فيه الزكاة وإن لم تكن الزكاة واجبة. كذا ذكره المحبوبي. ولا يجب عليه تصدق الأموال التي لا يجب في جنسها الزكاة، كالعقار والرقيق وأثاث المنازل، وثياب البذلة، وغير ذلك (٤). ذكره في المبسوط (٥).

стр. 5241

أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَالقِيَاسُ: أَنْ يَلْزَمَهُ التَّصَدُّقُ بِالكُلِّ، وَبِهِ قَالَ زُفَرُ تَلَهُ لِعُمُومِ اسْمِ المَالِ كَمَا فِي الوَصِيَّةِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ إِيجَابَ العَبْدِ مُعْتَبَرٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَنْصَرِفُ إِيجَابُهُ إِلَى مَا أَوْجَبَ الشَّارِعُ فِيهِ الصَّدَقَةَ مِنْ المَالِ. قوله: (وبه) أي: بالقياس (قال زفر) (١) وهو قول الشافعي (٢) والنخعي (٣) والبتي (٤)، وقال مالك (٥) وأحمد (٦) والزهري (٧): يتصدق بثلث ماله، سواء كان زكويا أو لا؛ لما روى أنه ﵇ قال لأبي لبابة حين قال: إن من توبتي يا رسول الله أن أنخلع من مالي، فقال: «يُجزِئُكَ الثَّلث» (٨). وجه قول زفر والشافعي أنه ﵇ قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطيع الله فليطعه» (٩) ولأن اسم المال عام فيتناول الكل، كما في الوصية. وقلنا: (استحسانًا أن إيجاب العبد) إلى آخره، يعني أن الله تعالى أوجب الصدقة في مطلق المال بقوله: ﴿وَخُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] ويتناول مال الزكاة، فكذا فيما يوجب العبد، ألا ترى لو قال: الله علي إطعام، ينصرف إلى إطعام عشرة مساكين استدلالاً بإيجاب الله تعالى، فكذا هاهنا، بخلاف الوصية؛ لأنا لا نجد في الوصيّة إيجابًا في الشرع يقيّد بمال الزكاة لا غير حتى ينصرف إيجابه إليه، فلذلك انصرف إلى كل المال، ولأن الوصية أخت الميراث من حيث إنها خلافة (١٠).

стр. 5242

أَمَّا الوَصِيَّةُ: فَأُخْتُ المِيرَاثِ، لِأَنَّهَا خِلَافَةٌ كَهِيَ، فَلَا يَخْتَصُّ بِمَالٍ دُونَ مَالِ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ التِزَامُ الصَّدَقَةِ مِنْ فَاضِلِ مَالِهِ وَهُوَ مَالُ الزَّكَاةِ، أَمَّا الوَصِيَّةُ تَقَعُ فِي حَالِ الِاسْتِغْنَاءِ، فَيَنْصَرِفُ إِلَى الكُلِّ، وَتَدْخُلُ فِيهِ الأَرْضُ العُشْرِيَّةُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ لِأَنَّهَا سَبَبُ الصَّدَقَةِ، إِذْ جِهَةُ الصَّدَقَةِ فِي العُشْرِيَّةِ رَاجِحَةٌ عِنْدَهُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀: (كهي) أي: كالوراثة؛ إذ في كل منهما تمليك مضافًا إلى ما بعد الموت، ثم الميراث لا يختص بمال الزكاة، فكذا الوصية (١). كذا ذكره المحبوبي. ولا يلزم علينا الاعتكاف، فإنه يجب بإيجاب العبد، مع أن الله تعالى لم يوجب من جنسه؛ لأنا نقول: أوجب الله تعالى على العباد من جنسه معنى، وهو الوقوف بعرفات، فإن كل واحد حبس النفس على العبادة في مكان، أو لأن الاعتكاف انتظار للصلاة، ولهذا اختص بالمسجد الذي يصلى فيه الجماعة، «فالمُنتَظِر للصّلاةِ كأنّهُ فِي الصّلاةِ» (٢) في الحديث، والصلاة واجبة بإيجابه تعالى. وأما حديث أبي لبابة ليس بنذر، فإنه شاور النبي ﵇ أن يتصدق بجميع ماله، فأمره ﵇ بالاقتصار على الثلث، كما أمر سعدًا حين أراد الوصية بجميع ماله بالاقتصار على الثلث، وليس هذا محل النزاع (٣). وأما قوله ﵇: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطيع الله فليطعهُ» فنحن نقول به، ولكن هذا محل النزاع أيضًا، وقد بينا الفرق بين الوصية والنذر بالصدقة. قوله: (لأنها) أي: الأرض العشرية (سبب الصدقة) وهي العشر، فكانت الأرض العشرية بمنزلة مال التجارة من حيث إنهما من جنس مال الزكاة التي يجب فيها الصدقة، ولا يقال في العشر معنى المؤنة بالحديث فقال: (جهة الصدقة) أي: العبادة فيها راجحة، وعند محمد لا تدخل، وذكر التمرتاشي قول أبي حنيفة مع قول محمد.

стр. 5243

لَا تَدْخُلُ (*) لِأَنَّهَا سَبَبُ المُؤنَةِ، إِذْ جِهَةُ المُؤنَةِ رَاجِحَةٌ عِنْدَهُ، وَلَا تَدْخُلُ أَرْضُ الخَراجِ بِالإِجْمَاعِ، لِأَنَّهُ يَتَمَحَّضُ مُؤْنَةٌ. وَلَوْ قَالَ: مَا أَمْلِكُهُ صَدَقَةٌ فِي المَسَاكِينِ، فَقَدْ قِيلَ: يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَالٍ، لِأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ لَفْظِ المَالِ. وَالمُقَيَّدُ إِيجَابُ الشَّرْعِ وَهُوَ مُخْتَصُّ بِلَفْظِ المَالِ، فَلَا مُخَصِّصَ فِي لَفْظِ المِلْكِ فَبَقِيَ عَلَى العُمُومِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، لِأَنَّ المُلْتَزِمَ بِاللَّفْظَيْنِ (لأنه) أي: الأرض العشرية، على تأويل المكان، أو ذكره بالنظر إلى خيره، كما في قوله: هذا ربى؛ إذ هي من أسباب المؤنة عنده، فصارت مثل عبد الخدمة فلا يدخل في قوله: مالي صدقة؛ لرجحان جهة المؤنة؛ لأن سببه الأرض النامية، كما في الخراج، وجهة الصدقة غالبة عند أبي يوسف، ولهذا تُصرف مصارف الصدقات. (لأنه) أي: الخراج (يتمحض مؤنة) لأن مصرفه المقاتلة، وفيهم الأغنياء (١). قوله: (فقد قيل: يتناول كل المال) وهو رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة، ذكره في الأمالي، وإليه ذهب محمد بن إبراهيم الميداني (لأنه) أي: لفظ الملك (أعم من لفظ المال) إذ الملك يطلق على المال وعلى غيره، يقال: ملك النكاح وملك القصاص وملك المنفعة، بخلاف ما لو قال: عبده حر إن ملك إلا خمسين درهما، فإن ذلك ينصرف إلى مال الزكاة، وإن نصّ على لفظ الملك، ذكره في الجامع (٢)؛ لأن بقرينة الاستثناء يفهم أن المراد من الملك المال؛ إذ استثناء الدراهم يدل أن المستثنى من جنسه. كذا ذكره المحبوبي (٣). قوله: (والصحيح أنهما) أي لفظ المال، ولفظ الملك (سواء) وهو اختيار شمس الأئمة (٤)، ذكره في مبسوطه حيث قال: [لو قال] (٥): ما أملك صدقة في المساكين في القياس: تدخل جميع الأموال، وهو قول زفر، وفي

стр. 5244

الفَاضِلُ عَنْ الحَاجَةِ عَلَى مَا مَرَّ، (ثُمَّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ سِوَى مَا دَخَلَ تَحْتَ الإِيجَابِ، يُمْسِكُ مِنْ ذَلِكَ قُوتَهُ، ثُمَّ إِذَا أَصَابَ شَيْئًا تَصَدَّقَ بِمِثْلِ مَا أَمْسَكَ) لِأَنَّ حَاجَتَهُ هَذِهِ مُقَدَّمَةٌ وَلَمْ يُقَدِّرْ مُحَمَّدٌ بِشَيْءٍ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِيهِ. وَقِيلَ: المُحْتَرِفُ يُمْسِكُ قُوتَهُ لِيَوْمٍ، وَصَاحِبُ الغَلَّةِ لِشَهْرٍ، وَصَاحِبُ الصِّيَاعِ لِسَنَةٍ عَلَى حَسَبِ التَّفَاوُتِ فِي مُدَّةِ وُصُولِهِمْ إِلَى المَالِ، وَعَلَى هَذَا صَاحِبُ التِّجَارَةِ يُمْسِكُ بِقَدْرِ مَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ مَالُهُ. قَالَ: (وَمَنْ أَوْصِيَ إِلَيْهِ وَلَمْ يَعْلَمُ الوَصِيَّةَ حَتَّى بَاعَ شَيْئًا مِنْ التَّرِكَةِ، فَهُوَ وَصِيٌّ وَالبَيْعُ جَائِزٌ) وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الوَكِيلِ حَتَّى يَعْلَمَ. الاستحسان: لا تدخل إلا الأموال الزكوية، فكان في لفظ الملك قياس واستحسان كما في المال، وهو اختيار أبي بكر البلخي. وقوله: (على ما مر) إشارة إلى ما ذكر من وجه الاستحسان والقياس (١). قوله: (لأن حاجته هذه مقدمة) إذ لو لم يمسك لاحتاج إلى أن يسأل الناس، ولا يحسن أن يتصدق بماله ثم يسأل الناس من ساعته (ولم يقدر) أي: لم يبين في الكتاب، وهو المبسوط (٢)، مقدار ما يمسك؛ لأن ذلك يختلف بقلة عياله وكثرتها (٣). قوله: (وصاحب الغلة) أي: صاحب الدور والحوانيت والبيوت التي لو أجرها يمسك قوت شهر، وإن كان صاحب ضياع لسنة؛ لأن يد الدهقان إنما تصل إلى ما ينفق سنة وسنة (٤). وفي الكافي: وإن كان تاجرا فيمسك مقدار ما يرجع إليه ماله اعتبارًا لتفاوت وصولهم إلى المال. قوله: (ولا يجوز بيع الوكيل حتى يعلم) لتوقف التوكيل على العلم (٥)، وقال أحمد: لا يتوقف التوكيل على العلم أيضًا كالوصاية.

стр. 5245

وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الفَصْلِ الأَوَّلِ أَيْضًا، لِأَنَّ الوِصَايَةَ إِنَابَةٌ بَعْدَ المَوْتِ فَتُعْتَبَرُ بِالإِنَابَةِ قَبْلَهُ، وَهِيَ الوَكَالَةُ. وَوَجْهُ الفَرْقِ عَلَى الظَّاهِرِ: أَنَّ الوِصَايَةَ خِلَافَةٌ لِإِضَافَتِهَا إِلَى زَمَانِ بُطْلَانِ الإِنَابَةِ، فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى العِلْمِ كَمَا فِي تَصَرُّفِ الوَارِثِ (*). قوله: (والفرق على الظاهر) أي: ظاهر الرواية، من وجهين: أحدهما: أن الوصاية تصرف بالموت فتعتبر بملك يثبت بالموت، وهو الميراث وثبوت الملك بالميراث لا يفتقر إلى العلم، فكذا هذا. والثاني: أن الوصي يخلف الموصي عند خلو مكانه، كالوارث يقوم مقام المورث، ولو باع الوارث تركة المورث بعد موته وهو لا يعلم بموته يجوز بيعه، فكذا الوصي، بخلاف التوكيل وعزل الوكيل؛ لأن التوكيل أمر بما وكل به، والعزل نهي منه، فيعتبر فيه العلم، كأمر الشرع ونهيه، ألا ترى أن أصحاب رسول الله ﷺ شربوا الخمر بعد حرمتها بدون العلم فنزلت الآية: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] وأنهم صلوا إلى بيت المقدس بعد تحويل القبلة إلى الكعبة، ولم يؤمر بالإعادة وكذا الخليفة إذا عزل قاضيه، فقضى ذلك القاضي قبل وصول العزل إليه - نفذ قضاؤه. كذا ذكره المرغيناني، والمحبوبي. قوله: (لأن الوصاية إنابة) أي: جعل الوصي نائبًا عن نفسه، والإنابة بمعنى جعل الغير عن نفسه لم يوجد في كتب اللغة المتداولة بين الناس؛ بل هي مستعملة فيها بمعنى الرجوع، كقولهم: أناب إلى الله: رجع؛ فلهذا عيب على صاحب الكتاب استعمال الإنابة بمعنى جعل الغير نائبا عن نفسه. قال شيخي العلامة صاحب النهاية في النهاية: ليس هذا موضع عيب؛ إذ صاحب الكشاف (١) استعملها في ذلك في الكشاف في سورة الروم، وكفى قوله حجة في اللغة. (كما في تصرف الوارث) فإن الولاية لو ثبتت بطريق الوراثة بأن مات أبو

стр. 5246

أَمَّا الوَكَالَةُ: فَإِنَابَةٌ لِقِيَامِ وِلَايَةِ المَنُوبِ عَنْهُ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى العِلْمِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَوْ تَوَقَّفَ لَا يَفُوتُ النَّظَرُ لِقُدْرَةِ المُوَكِّلِ، وَفِي الأَوَّلِ يَفُوتُ، لِعَجْزِ المُوصِي (وَمَنْ أَعْلَمَهُ مِنَ النَّاسِ الصغير، ولم يعلم به الجد حتى باع شيئًا من مال اليتيم - جاز بيعه، وكذا الوارث في إملاك المورث، والجامع بينهما مساس الحاجة إلى الصيانة والحفظ عن الضياع. قوله: (فيتوقف على العلم) لأن التوكيل إثبات ولاية التصرف، فلا يصح بدون علمه كسائر الإثباتات، مثل البيع والهبة (١). ثم اعلم أن الروايات اتفقت أن الوكالة إذا ثبتت قصدت بدون العلم، أما إذا ثبتت الوكالة في ضمن أمر الحاضر بالتصرف، بأن قال لغيره: اشتر عبدي من فلان لنفسك هل ثبتت وكالة فلان بالبيع؟ أو قال لعبده: انطلق إلى فلان ليعتقك، أو لامرأته انطلقي إلى فلان ليطلقك، فاشترى من فلان، أو أعتق أو طلق فلان بدون العلم - جاز. فالحاصل أن الوكيل يصير وكيلا قبل العلم بالوكالة أم لا؟ فيه روايتان في رواية الزيادات: لا يصير، وفي رواية الوكالة: يصير (٢). كذا في المحيط (٣)، وكذا العزل إذا كان حكميًا، على ما سيجيء في الوكالة. قوله: (ومن أعلمه من الناس) أطلق اسم الناس؛ ليتناول كل مميز صغيرًا أو كبيرًا أو كافرًا أو مسلمًا، فإن خبر كل مميز حجة في المعاملات التي لا إلزام فيها، كالوكالات والمضاربات، والإذن في التجارة للعبيد. ذكره في أصول شمس الأئمة (٤).

стр. 5247

بِالوَكَالَةِ يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ) لِأَنَّهُ إِثْبَاتُ حَقٌّ لَا إِلْزَامُ أَمْرٍ. قَالَ: (وَلَا يَكُونُ النَّهْيُ عَنْ الوَكَالَةِ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ أَوْ رَجُلٌ عَدْلٌ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَا: هُوَ وَالأَوَّلُ سَوَاءٌ (*)، لِأَنَّهُ مِنْ المُعَامَلَاتِ وَبِالْوَاحِدِ فِيهَا كِفَايَةٌ. وقال الشافعي (١) وأحمد (٢): لا تثبت الوكالة والعزل عنها بخبر الواحد؛ لأنه عقد مالي كالبيع. وقلنا: (إثبات حق لا إلزام أمر) يعني إطلاق محض لا إلزام فيه، يؤيده أنه ﵇ «كانَ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ مِنْ البَرِّ والتَّقِيِّ والعَبدِ، وكانَ يَشْتَرِي من الكافر» (٣). قوله: (حتى يشهد شاهدان) والمراد من الشهادة الإخبار؛ إذ لفظ الشهادة ليس بشرط (٤). ذكره في جامع قاضي خان. أما العدالة في الشاهدين شرط اختلف المشايخ فيه؛ قال شمس الأئمة في أصول الفقه: ولفظ الكتاب مشتبه فإنه قال: حتى يخبره رجلان أو رجل عدل، فقيل: معناه رجلان عدل أو رجل عدل؛ لأن صيغة هذا النعت للفرد والجماعة واحد، ألا ترى أنه يقال: شاهدي عدل فقيل: لا يثبت العزل بخبر الفاسقين؛ لأن فيه إلزامًا، وخبر الفاسقين لا يصلح للإلزام، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، وبه أخذ الهندواني وزعم أنه مذهب أبي حنيفة، وقال: ومعنى ما أطلق في الكتاب محمول فيما إذا كان لا يعلم حالهما بالفسق والعدالة. وقيل: يثبت العزل بخبر الفاسقين؛ لأنه يثبت بخبر عدل واحد، وتأثير العدد فوق تأثير العدالة، فبالطريق الأولى يثبت به، ألا ترى أن القضاء بشهادة واحد عدل لا ينفذ، وبشهادة الفاسقين ينفذ! (٥). قوله: (لأنه) أي: العزل (من المعاملات) فيثبت بخبر الفاسق اعتبارًا

стр. 5248

وَلَهُ: أَنَّهُ خَبَرٌ مُلْزِمٌ فَيَكُونُ شَهَادَةً مِنْ وَجْهِ فَيُشْتَرَطُ أَحَدُ شَطْرَيْهَا وَهُوَ العَدَدُ أَوْ العَدَالَةُ، بِخِلَافِ الأَوَّلِ، وَبِخِلَافِ رَسُولِ المُوَكِّلِ، لِأَنَّ عِبَارَتَهُ كَعِبَارَةِ المُرْسِلِ لِلْحَاجَةِ إِلَى الإِرْسَالِ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ، إِذَا أُخْبِرَ المَوْلَى بِجِنَايَةِ عَبْدِهِ، وَالشَّفِيعُ وَالبِكْرُ وَالمُسْلِمُ الَّذِي لَمْ يُهَاجِرْ إِلَيْنَا. بالوكالة، والإذن للعبد في التجارة، بخلاف الديانات، فإنها لا تثبت بخبر الفاسقين، فَلَأَنْ لا تثبت بخبر الفاسق الواحد أولى. كذا ذكره المحبوبي. (له) أي: لأبي حنيفة (أنه خبر ملزم) أي: من وجه دون وجه، فمن حيث إنه تصرف في ملك نفسه يشبه التوكيل، فيقبل خبر كل مميز، ومن حيث إنه إلزام ضرر يلزم الوكيل من حيث منعه عن التصرف، فتشترط الشهادة، فشرطنا أحد شرطي الشهادة، وهو العدد أو العدالة؛ توفيرًا على الشبهين حظهما. (بخلاف الأول) أي: التوكيل؛ لأنه لا إلزام فيه بوجه (وبخلاف رسول الموكل؛ لأن عبارته [كعبارة] (١) المرسل) فصار كأنه حضر (٢). ومعنى ما قيل في الأصول أن فيه إلزامًا من وجه دون وجه وأن فيه منع من التصرف للوكيل والمأذون من كل وجه، ولا يجوز تصرفهما بعد ذلك؛ لأن في الإلزام، قصورًا، فإن العزل والحجر تصرف المالك في ملكه، ولم يشترط فيه لفظ الشهادة وحكم الحاكم، فانحطت رتبته عن رتبة الإلزام من كل وجه، وهو ما كان إلزاما على خصم منكر بشرط الشهادة وحكم الحاكم (٣). كذا في النهاية. وذكر المحبوبي: أجمعوا على أن المخبر إن كان عدلا - ينعزل، وإن كان فضوليا، وأجمعوا أن المخبر لو كان فاسقًا، وصدّقه الوكيل فيما أخبر، والمأذون - ينعزل. قوله: (وعلى هذا الخلاف إذا أخبر المولى) إلى آخره. هاهنا ست مسائل: عزل الوكيل، وعزل المأذون، وإخبار المولى، والشفيع، والبكر، والمسلم الذي لم يهاجر، ثلاث منها - وهو عزل الوكيل، وعزل المأذون، وإخبار المولى - ذكره محمد في المبسوط (٤)،

стр. 5249

قَالَ: (وَإِذَا بَاعَ القَاضِي أَوْ أَمِينُهُ عَبْدًا لِلْغُرَمَاءِ وَأَخَذَ المَالَ فَضَاعَ وَاسْتُحِقَّ العَبْدُ لَمْ يَضْمَنْ)؛ لِأَنَّ أَمِينَ القَاضِي قَائِمٌ مَقَامَ القَاضِي، وَالقَاضِي مَقَامَ الإِمَامِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا يَلْحَقُهُ ضَمَانٌ كَيْ لَا يَتَقَاعَدُ عَنْ قَبُولِ هَذِهِ الْأَمَانَةِ، فَتُضَيعُ الحُقُوقُ (وَيَرْجِعُ المُشْتَرِي عَلَى الغُرَمَاءِ)، لِأَنَّ البَيْعَ وَاقِعٌ لَهُمْ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ تَعَذَّرِ الرُّجُوعِ عَلَى العَاقِدِ، كَمَا إِذَا كَانَ العَاقِدُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ وَلِهَذَا يُبَاعُ بِطَلَبِهِمْ (وَإِنْ أَمَرَ واثنان منها - وهو إخبار الحربي، وإخبار الشفيع - ذكره في النوادر، والمسألة السادسة قاسها مشايخنا بهذه الخمسة (١). أما المولى إذا أخبر بجناية العبد فأعتقه؛ فإن كان المخبر عدلًا أو فاسقًا، فصدقه - يكون مختارًا للفداء بالإجماع، وإن كان فاسقا، ولم يصدقه - فعلى الاختلاف (٢). وكذا الحربي إذا أسلم في دار الحرب، فأخبره إنسان بِمَا عليه من الفرائض؛ فإن كان المخبر عدلًا أو فاسقًا فصدقه - يلزمه القضاء بالإجماع، وإن كان فاسقا، ولم يصدقه - فعلى الاختلاف؛ فعنده: لا يلزمه، خلافًا لهما. وكذا الشفيع أخبر بالشراء، فسكت، فعلى ما قلنا من الوجوه (٣). وكذا البكر إذا أخبرت بالنكاح فسكتت، فعلى ما ذكرنا من الوجوه (٤). كذا ذكره المحبوبي. قوله: (وأخذ المال) أي: الثمن (فضاع) أي: الثمن (واستحق العبد لم يضمن) أي: القاضي أو أمينه. قوله: (إذا كان العاقد محجورًا) أطلق لفظ المحجور ليتناول العبد المحجور، والصبي المحجور، فإن من وكل صبيا محجورًا يعقل البيع والشراء، أو عبدا محجورًا جاز العقد بمباشرتهما، ولا تتعلق حقوق العقد بهما؛ بل تتعلق بموكلهما، وإذا تعذر تعليق الحقوق هاهنا على العاقد تتعلق بأقرب الناس إلى

стр. 5250

القَاضِي الوَصِيَّ بِبَيْعِهِ لِلْغُرَمَاءِ، ثُمَّ اسْتُحِقَّ أَوْ مَاتَ قَبْلَ القَبْضِ، وَضَاعَ المَالُ، رَجَعَ المُشْتَرِي عَلَى الوَصِيّ) لِأَنَّهُ عَاقِدٌ نِيَابَةٌ عَنْ المَيِّتِ، وَإِنْ كَانَ بِإِقَامَةِ القَاضِي عَنْهُ فَصَارَ كَمَا إِذَا بَاعَهُ بِنَفْسِهِ. قَالَ: (وَرَجَعَ الوَصِيُّ عَلَى الغُرَمَاءِ) لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُمْ، وَإِنْ ظَهَرَ لِلْمَيِّتِ مَالٌ يَرْجِعُ الغَرِيمُ فِيهِ بِدَيْنِهِ. قَالُوا: وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: يَرْجِعُ بِالمِائَةِ الَّتِي غَرِمَهَا أَيْضًا لِأَنَّهُ لَحِقَهُ فِي أَمْرِ المَيِّتِ، وَالوَارِثُ إِذَا بِيعَ لَهُ بِمَنْزِلَةِ الغَرِيمِ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي التَّرِكَةِ دَيْنٌ كَانَ العَاقِدُ عَامِلًا لَهُ. العاقد، كما في توكيل المحجور، وأقرب الناس فيما نحن فيه الغريم؛ لوقوع العقد له، كما في الوكيل، ولهذا أن القاضي لا يأمر أمينه أو الوصي إلا بعد طلب الغريم. (لأنه) أي: الوصي (عاقد نيابة عن الميت). أما إذا كان الميت أوصى إليه فظاهر، وكذا إذا نصبه القاضي؛ لأن القاضي إنما نصبه ليكون قائمًا مقام الميت لا ليكون قائما مقام القاضي، فصار كما إذا باع المديون بنفسه حال حياته، وهاهنا ترجع الحقوق إليه، فكذا هاهنا. (لأنه) أي: الوصي (عامل لهم) أي: للغرماء، ومن عمل لغيره عملًا، ولحقه فيه ضمان يرجع على من وقع له العمل (١). قوله: (قالوا ويجوز أن يقال: يرجع) أي: الغريم (بالمائة التي غرمها أيضًا) كما رجع بدينه، وإنما قال بهذا اللفظ؛ لأن فيه اختلافا. قال أبو الليث: يجوز أن يقال: يرجع بما ضمن الوصي أو للمشتري؛ لأن الضمان لحقه لأمر الميت، وعن بعض مشايخنا: لا يرجع؛ لأن الضمان إنما يلحقه بفعله؛ لأن قبض الوصي كقبضه (٢). وفي الكافي والأصح الرجوع؛ لأنه قضى ذلك وهو مضطر فيه. قوله: (والوارث إذا بيع له) أي: لأجل الوارث، يعني إذا احتاج إلى بيع

стр. 5251

فَصْلٌ آخَرُ: [قَوْلُ القَاضِي بِالْفِرَادِهِ قَبْلَ العَزْلِ وَبَعْدَهُ] (وَإِذَا قَالَ القَاضِي: قَدْ قَضَيْتُ عَلَى هَذَا بِالرَّجْمِ فَارْجُمْهُ، أَوْ بِالقَطْعِ فَاقْطَعْهُ، أَوْ بِالضَّرْبِ فَاضْرِبْهُ وَسِعَكَ أَنْ تَفْعَلَ) وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ (*) هَذَا، وَقَالَ: لَا تَأْخُذْ بِقَوْلِهِ حَتَّى تُعَايِنَ الحُجَّةَ، لِأَنَّ قَوْلَهُ يَحْتَمِلُ الغَلَطَ وَالخَطَأَ، وَالتَّدَارُكُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: لَا يُقْبَلُ كِتَابُهُ. وَاسْتَحْسَنَ المَشَايِخُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ لِفَسَادِ حَالِ أَكْثَرِ القُضَاةِ فِي زَمَانِنَا، إِلَّا فِي كِتَابِ القَاضِي لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ. وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ: أَنَّهُ أُخْبِرَ عَنْ أَمْرٍ يَمْلِكُ إِنْشَاءَهُ فَيُقْبَلُ لِخُلُوِّهِ عَنْ التَّهْمَةِ، شيء من التركة وهو صغير، فباعه الوصي ثم استحق - رجع المشتري بالثمن على الوصي على الوارث، وكذا لو باعه أمين القاضي لحاجته رجع المشتري على الوارث إذا كان أهلا، وإن لم يكن أهلًا نصب القاضي عنه من يقضي دينه (١). فَصْلٌ آخَرُ: [قَوْلُ القَاضِي بِانْفِرَادِهِ قَبْلَ العَزْلِ وَبَعْدَهُ] قوله: (حتى تعاين الحجة) أو يشهد مع القاضي على ذلك عدل، وبه أخذ مشايخنا؛ لفساد قضاة الزمان، وصدقُ خبر الواحد بيقين مرتبة الأنبياء ﵈، وغيرهم غير معصومين عن الكذب والغلط على الخصوص في قضاة هذا الزمان؛ لغلبة الجهل والفسق فيهم، إلا كتاب القاضي للحاجة، وهو ضرورة إحياء الحقوق، ولأن الخيانة فيه قلما تقع (٢). قوله: (لخلوه عن التهمة) يعني لما كان قادرًا على إنشائه لا تتمكن التهمة في خبره، ولأنه قد جرى الرسم أنه لا يقلّد في كل بلدة إلا قاض واحد، فلو لم يكن مجرد خبره حُجّة في الإلزام لكان يقلد في كل بلدة قاضيان، كما يستشهد شاهدان على حق وأكثر من ذلك (٣).

стр. 5252

وَلِأَنَّ طَاعَةَ أُولِي الأَمْرِ وَاجِبَةٌ، وَفِي تَصْدِيقِهِ طَاعَةٌ. وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ ﵀: إِنْ كَانَ عَدْلًا عَالِمًا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِانْعِدَامِ تُهْمَةِ الخَطَإِ وَالخِيَانَةِ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا جَاهِلًا يُسْتَفْسَرُ، فَإِنْ أَحْسَنَ التَّفْسِيرَ وَجَبَ تَصْدِيقُهُ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا فَاسِقًا أَوْ عَالِمًا فَاسِقًا لَا يُقْبَلُ إِلَّا أَنْ يُعَايِنَ سَبَبَ الحُكْمِ لِتُهْمَةِ الخَطَإِ وَالخِيَانَةِ. قَالَ: (وَإِذَا عُزِلَ القَاضِي، فَقَالَ لِرَجُلٍ: أَخَذْتُ مِنْكَ أَلْفًا، وَدَفَعْتِهَا إِلَى ثم في ظاهر الرواية يعتمد على خبره من غير استفسار، ولكن قال مشايخنا: هذا إذا كان القاضي عدلًا فقيها، فعدالته تمنعه من الميل إلى الرشوة، وفقهه يؤمن من الغلط في الحكم. كذا في جامع شمس الأئمة. ولأن طاعة أولي الأمر واجب قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ إلى قوله ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، وقال ﵇: «اسمعوا وأطِيعُوا ولو أمر عليك عبد (١) حَبَشِي». ومن الطاعة قبول قوله، وصار بحق الولاية قوله مثل قول الجماعة. قوله: (يستفسر) أي: عن قضائه (فإن أحسن) أي: تفسير قضائه، بأن فسره على وجه اقتضاء الشرع، بأن قال في الزنا بالإقرار: استفسرت المقر كما هو المعروف فيه، وحكمت برجمه، ويقول في السرقة: ثبت عندي بالحجة أنه أخذ نصابًا من حرز لا شبهة فيه، وفي القصاص: أنه قتل عمدًا (٢). قوله: (لا يقبل إلا أن يعاين سبب الحكم) لأنه تعالى قال: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقُ﴾ [الحجرات: ٦] الآية. قوله: (لتهمة الخطأ) أي: إذا كان جاهلًا فاسقًا (والخيانة) إذا كان عالما فاسقا وما ذكر الوجه الرابع من القسمة العقلية، وهو أن يكون عالما عادلا؛ لأنه يقبل قوله بدون الاستفسار؛ لزوال موجب الاستفسار، وهو الجهل والفسق (٣).

стр. 5253

فُلَانٍ، قَضَيْتُ بِهَا لَهُ عَلَيْكَ»، فَقَالَ الرَّجُلُ: «أَخَذْتَهَا ظُلْمًا»، فَالقَوْلُ قَوْلُ القَاضِي، وَكَذَا لَوْ قَالَ: قَضَيْتُ بِقَطْعِ يَدِك فِي حَقِّ، هَذَا إِذَا كَانَ الَّذِي قُطِعَتْ يَدُهُ، وَالَّذِي أُخِذَ مِنهُ المَالُ مُقِرَّيْنِ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ وَهُوَ قَاضٍ وَوَجْهُهُ: أَنَّهُمَا لَمَّا تَوَافَقَا أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ فِي قَضَائِهِ كَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لَهُ. إِذْ القَاضِي لَا يَقْضِي بِالجَوْرِ ظَاهِرًا (وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِعْلُهُ فِي قَضَائِهِ بِالتَّصَادُقِ وَلَا يَمِينَ عَلَى القَاضِي. (وَلَوْ أَقَرَّ القَاطِعُ وَالآخِذُ بِمَا أَقَرَّ بِهِ القَاضِي لَا يَضْمَنُ أَيْضًا لِأَنَّهُ فَعَلَهُ فِي حَالِ القَضَاءِ، وَدَفْعُ القَاضِي صَحِيحٌ كَمَا إِذَا كَانَ مُعَايِنًا وَلَوْ زَعَمَ المَقْطُوعُ يَدُهُ أَوْ المَأخُوذُ مَالُهُ أَنَّهُ فَعَلَ قَبْلَ التَّقْلِيدِ أَوْ بَعْدَ العَزْلِ، فَالقَوْلُ لِلْقَاضِي أَيْضًا) هُوَ الصَّحِيحُ،. قوله: (لا يمين عليه) أي: على القاضي؛ لأنه لو لزمه اليمين لصار خصمًا، وقضاء الخصم لا ينفذ، والقاضي أمين لا خصم. كذا في جامع البرهاني (١). ولأنا لو أجبنا اليمين والضمان عليه في مواضع اليمين والضمان لامتنع الناس عن الدخول في القضاء، فتتعطل أمور الناس (٢). قوله: (ولو أقر الآخذ أو القاطع) أي: لو أقر القاطع بأمر القاضي، وأخذ المال بأمر القاضي بالقطع، والآخذ بقضاء القاضي لا يضمن أيضًا كالقاضي (لأنه) أي: القاطع والآخذ (فعله). (ودفع القاضي) أي: دفع القاضي المال إلى رب الدين أو المستحق (صحيح)؛ لأنه دفعه في حالة القضاء، والظاهر أنه يحق، فكان دفعه صحيحًا. (كما إذا كان معاينا) أي: إذا كان دفع القاضي المال إلى الآخذ بحكم القضاء في معاينة المأخوذ منه المال لا يضمن الآخذ، فكذا إذا أقر بما أقرّ به القاضي (٣). قوله: فالقول للقاضي أيضًا، هو الصحيح هذا احتراز عما ذكره شمس

стр. 5254

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الأئمة في جامعه أن القول للمدعي إذا قال: فعله بعد العزل؛ لأن هذا الفعل حادث، فيحال حدوثه إلى أقرب الأوقات، ومن ادعى تاريخا سابقًا لا يصدق إلا بحجة؛ لأن الأصل أن المنازعة متى وقعت في الحالة الماضية يحكم الحال، كما في مسألة الطاحونة. وفي الحال فعله وهو قاض، وذلك غير موجب الضمان عليه باعتبار الظاهر؛ إذ الأصل أن القاضي يقضي بما هو حق حتى يتبين خلافه، ولكن ذكر في عامة نسخ الجامع: فالقول للقاضي، كما ذكر في الكتاب، وهو اختيار فخر الإسلام والصدر الشهيد (١)؛ لأنه متى عرف أنه كان قاضيا صحت إضافة الأخذ إلى حالة القضاء؛ لأن حالة القضاء معهودة منافية للضمان، فصار بتلك الإضافة منكرًا للضمان (٢)، كما لو قال الوكيل بالبيع: بعتُ وسلّمتُ قبل العزل، وقال الموكل: لا، بعد العزل - فالقول للوكيل إن كان المبيع مستهلكا، وإن كان قائما بعينه لم يصدق؛ لأنه أخبر عن أمر لا يملك إنشاءه فيصير مدعيًا. وكذا لو قال العبد لغيره بعد العتق: قطعت يدك خطأ وأنا عبد فلان، وقال المقر له: قطعتها وأنت حر؛ فالقول للعبد، ولا ضمان (٣)، وكذا لو قال لعبد: قد أعتقته أخذت منك غلة كل شهر كذا وأنت عبد لي، وقال المعتق: أخذتها بعد العتق - فالقول للمولى، ولو كانت الغلة قائمة، فالقول للعبد ويأخذه من المولى؛ لأنه أقر بالأخذ، ثم بالإضافة يريد التملك عليه، فكان مدعيًا (٤). وكذا في مسألة القاضي لو كان الألف بعينها قائمة في يد القاضي، فقال القاضي بعد العزل: أخذته منك وأنا قاض، فقضيته لهذا الرجل ودفعته إليه، وصدقه المَقْضِي له فيه، وأنكره المَقْضِي عليه، وقال: أخذته مني بعد العزل على وجه القضاء؛ فالقول للمقضي عليه. علل محمد في الزيادات فقال: لأن الشيء قائم بعينه، فلا يُصدق القاضي

стр. 5255

لِأَنَّهُ أَسْنَدَ فِعْلَهُ إِلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلضَّمَانِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ طَلَّقْت أَوْ أَعْتَقْت وَأَنَا مَجْنُونٌ وَالجُنُونُ مِنْهُ كَانَ مَعْهُودًا. في أنه أخذه على وجه الحكم بعد العزل، قالوا: ومعناه أن القاضي لما أقرّ بالأخذ منه يصير شاهدًا لغيره بالكلام الثاني، وإقراره بالأخذ صحيح، وشهادته بالملك لغيره باطلة (١)، وكذا الوصي لو ادعى أنه أنفق على اليتيم بعد بلوغه، وكذا في يده وادعى اليتيم أنه استهلكه فالقول للوصي (٢). كذا ذكره المحبوبي. قوله: (والجنون منه كان معهودًا) أي: معلومًا عند الناس كان القول له، حتى لا يقع الطلاق والعتاق لإضافته إلى حالة منافية لإيقاعها (٣)، وكذا لو قال: أقررت لك وأنا ذاهب العقل من برسام، وهو معلوم أن ذلك أصابه؛ لإضافته إلى حالة معلومة عند الناس منافية للإقرار (٤). فإن قيل: يشكل على هذا ما ذكره في باب جناية المملوك فيمن أعتق جاريته، ثم قال لها: قطعت يَدَكِ وأنت أمتي، فقالت: قطعتها وأنا حرة؛ فالقول لها، وكذا كل ما أخذ منها عند أبي حنيفة وأبي يوسف، مع أنه منكر لوجوب الضمان بإسناده الفعل إلى حالة معلومة منافية للضمان. ولو قلت: أقر هناك بسبب الضمان، وهو القطع، ثم ادعى ما يبرئه عنه فلا يسمع لذلك. قلنا: هاهنا أيضًا أقر بسبب الضمان، وهو الإقرار للمقر له بشيء، ثم ادعى ما يُبرئه بذهاب العقل، وكذا القاضي بالأخذ، وهو موجب للضمان بعد العزل، ثم ادعى ما يبرئه بكونه في حالة القضاء وكذا الوكيل بالبيع، وكذا الوصي، فيجب ألا يُسمع ما يدعيه مما يبرئه هاهنا أيضًا. قلنا: الفرق بينهما أن المولى أقرّ بأخذ مال الغير، وادعى جهة التملك لنفسه فيصدق في الإقرار ولا يُصدّق في جهة التملك، كما لو قال: أخذت منك ألفًا بحق ديني عليك، أو بحق الهبة التي وهبت لي، وأنكر الآخر - كان القول للمقر له.
следующие страницы →