فَصْلٌ آخَرُ: [قَوْلُ القَاضِي بِالْفِرَادِهِ قَبْلَ العَزْلِ وَبَعْدَهُ]
(وَإِذَا قَالَ القَاضِي: قَدْ قَضَيْتُ عَلَى هَذَا بِالرَّجْمِ فَارْجُمْهُ، أَوْ بِالقَطْعِ فَاقْطَعْهُ، أَوْ بِالضَّرْبِ فَاضْرِبْهُ وَسِعَكَ أَنْ تَفْعَلَ) وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ (*) هَذَا، وَقَالَ: لَا تَأْخُذْ بِقَوْلِهِ حَتَّى تُعَايِنَ الحُجَّةَ، لِأَنَّ قَوْلَهُ يَحْتَمِلُ الغَلَطَ وَالخَطَأَ، وَالتَّدَارُكُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: لَا يُقْبَلُ كِتَابُهُ. وَاسْتَحْسَنَ المَشَايِخُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ لِفَسَادِ حَالِ أَكْثَرِ القُضَاةِ فِي زَمَانِنَا، إِلَّا فِي كِتَابِ القَاضِي لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ.
وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ: أَنَّهُ أُخْبِرَ عَنْ أَمْرٍ يَمْلِكُ إِنْشَاءَهُ فَيُقْبَلُ لِخُلُوِّهِ عَنْ التَّهْمَةِ،
شيء من التركة وهو صغير، فباعه الوصي ثم استحق - رجع المشتري بالثمن على الوصي على الوارث، وكذا لو باعه أمين القاضي لحاجته رجع المشتري على الوارث إذا كان أهلا، وإن لم يكن أهلًا نصب القاضي عنه من يقضي دينه (١).
فَصْلٌ آخَرُ: [قَوْلُ القَاضِي بِانْفِرَادِهِ قَبْلَ العَزْلِ وَبَعْدَهُ]
قوله: (حتى تعاين الحجة) أو يشهد مع القاضي على ذلك عدل، وبه أخذ مشايخنا؛ لفساد قضاة الزمان، وصدقُ خبر الواحد بيقين مرتبة الأنبياء ﵈، وغيرهم غير معصومين عن الكذب والغلط على الخصوص في قضاة هذا الزمان؛ لغلبة الجهل والفسق فيهم، إلا كتاب القاضي للحاجة، وهو ضرورة إحياء الحقوق، ولأن الخيانة فيه قلما تقع (٢).
قوله: (لخلوه عن التهمة) يعني لما كان قادرًا على إنشائه لا تتمكن التهمة في خبره، ولأنه قد جرى الرسم أنه لا يقلّد في كل بلدة إلا قاض واحد، فلو لم يكن مجرد خبره حُجّة في الإلزام لكان يقلد في كل بلدة قاضيان، كما يستشهد شاهدان على حق وأكثر من ذلك (٣).
стр. 5252
وَلِأَنَّ طَاعَةَ أُولِي الأَمْرِ وَاجِبَةٌ، وَفِي تَصْدِيقِهِ طَاعَةٌ. وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ ﵀: إِنْ كَانَ عَدْلًا عَالِمًا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِانْعِدَامِ تُهْمَةِ الخَطَإِ وَالخِيَانَةِ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا جَاهِلًا يُسْتَفْسَرُ، فَإِنْ أَحْسَنَ التَّفْسِيرَ وَجَبَ تَصْدِيقُهُ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا فَاسِقًا أَوْ عَالِمًا فَاسِقًا لَا يُقْبَلُ إِلَّا أَنْ يُعَايِنَ سَبَبَ الحُكْمِ لِتُهْمَةِ الخَطَإِ وَالخِيَانَةِ.
قَالَ: (وَإِذَا عُزِلَ القَاضِي، فَقَالَ لِرَجُلٍ: أَخَذْتُ مِنْكَ أَلْفًا، وَدَفَعْتِهَا إِلَى
ثم في ظاهر الرواية يعتمد على خبره من غير استفسار، ولكن قال مشايخنا: هذا إذا كان القاضي عدلًا فقيها، فعدالته تمنعه من الميل إلى الرشوة، وفقهه يؤمن من الغلط في الحكم. كذا في جامع شمس الأئمة.
ولأن طاعة أولي الأمر واجب قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ إلى قوله ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، وقال ﵇: «اسمعوا وأطِيعُوا ولو أمر عليك عبد (١) حَبَشِي». ومن الطاعة قبول قوله، وصار بحق الولاية قوله مثل قول الجماعة.
قوله: (يستفسر) أي: عن قضائه (فإن أحسن) أي: تفسير قضائه، بأن فسره على وجه اقتضاء الشرع، بأن قال في الزنا بالإقرار: استفسرت المقر كما هو المعروف فيه، وحكمت برجمه، ويقول في السرقة: ثبت عندي بالحجة أنه أخذ نصابًا من حرز لا شبهة فيه، وفي القصاص: أنه قتل عمدًا (٢).
قوله: (لا يقبل إلا أن يعاين سبب الحكم) لأنه تعالى قال: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقُ﴾ [الحجرات: ٦] الآية.
قوله: (لتهمة الخطأ) أي: إذا كان جاهلًا فاسقًا (والخيانة) إذا كان عالما فاسقا وما ذكر الوجه الرابع من القسمة العقلية، وهو أن يكون عالما عادلا؛ لأنه يقبل قوله بدون الاستفسار؛ لزوال موجب الاستفسار، وهو الجهل والفسق (٣).
стр. 5253
فُلَانٍ، قَضَيْتُ بِهَا لَهُ عَلَيْكَ»، فَقَالَ الرَّجُلُ: «أَخَذْتَهَا ظُلْمًا»، فَالقَوْلُ قَوْلُ القَاضِي، وَكَذَا لَوْ قَالَ: قَضَيْتُ بِقَطْعِ يَدِك فِي حَقِّ، هَذَا إِذَا كَانَ الَّذِي قُطِعَتْ يَدُهُ، وَالَّذِي أُخِذَ مِنهُ المَالُ مُقِرَّيْنِ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ وَهُوَ قَاضٍ وَوَجْهُهُ: أَنَّهُمَا لَمَّا تَوَافَقَا أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ فِي قَضَائِهِ كَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لَهُ.
إِذْ القَاضِي لَا يَقْضِي بِالجَوْرِ ظَاهِرًا (وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِعْلُهُ فِي قَضَائِهِ بِالتَّصَادُقِ وَلَا يَمِينَ عَلَى القَاضِي.
(وَلَوْ أَقَرَّ القَاطِعُ وَالآخِذُ بِمَا أَقَرَّ بِهِ القَاضِي لَا يَضْمَنُ أَيْضًا لِأَنَّهُ فَعَلَهُ فِي حَالِ القَضَاءِ، وَدَفْعُ القَاضِي صَحِيحٌ كَمَا إِذَا كَانَ مُعَايِنًا وَلَوْ زَعَمَ المَقْطُوعُ يَدُهُ أَوْ المَأخُوذُ مَالُهُ أَنَّهُ فَعَلَ قَبْلَ التَّقْلِيدِ أَوْ بَعْدَ العَزْلِ، فَالقَوْلُ لِلْقَاضِي أَيْضًا) هُوَ الصَّحِيحُ،.
قوله: (لا يمين عليه) أي: على القاضي؛ لأنه لو لزمه اليمين لصار خصمًا، وقضاء الخصم لا ينفذ، والقاضي أمين لا خصم. كذا في جامع البرهاني (١).
ولأنا لو أجبنا اليمين والضمان عليه في مواضع اليمين والضمان لامتنع الناس عن الدخول في القضاء، فتتعطل أمور الناس (٢).
قوله: (ولو أقر الآخذ أو القاطع) أي: لو أقر القاطع بأمر القاضي، وأخذ المال بأمر القاضي بالقطع، والآخذ بقضاء القاضي لا يضمن أيضًا كالقاضي (لأنه) أي: القاطع والآخذ (فعله).
(ودفع القاضي) أي: دفع القاضي المال إلى رب الدين أو المستحق (صحيح)؛ لأنه دفعه في حالة القضاء، والظاهر أنه يحق، فكان دفعه صحيحًا.
(كما إذا كان معاينا) أي: إذا كان دفع القاضي المال إلى الآخذ بحكم القضاء في معاينة المأخوذ منه المال لا يضمن الآخذ، فكذا إذا أقر بما أقرّ به القاضي (٣).
قوله: فالقول للقاضي أيضًا، هو الصحيح هذا احتراز عما ذكره شمس
стр. 5254
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأئمة في جامعه أن القول للمدعي إذا قال: فعله بعد العزل؛ لأن هذا الفعل حادث، فيحال حدوثه إلى أقرب الأوقات، ومن ادعى تاريخا سابقًا لا يصدق إلا بحجة؛ لأن الأصل أن المنازعة متى وقعت في الحالة الماضية يحكم الحال، كما في مسألة الطاحونة.
وفي الحال فعله وهو قاض، وذلك غير موجب الضمان عليه باعتبار الظاهر؛ إذ الأصل أن القاضي يقضي بما هو حق حتى يتبين خلافه، ولكن ذكر في عامة نسخ الجامع: فالقول للقاضي، كما ذكر في الكتاب، وهو اختيار فخر الإسلام والصدر الشهيد (١)؛ لأنه متى عرف أنه كان قاضيا صحت إضافة الأخذ إلى حالة القضاء؛ لأن حالة القضاء معهودة منافية للضمان، فصار بتلك الإضافة منكرًا للضمان (٢)، كما لو قال الوكيل بالبيع: بعتُ وسلّمتُ قبل العزل، وقال الموكل: لا، بعد العزل - فالقول للوكيل إن كان المبيع مستهلكا، وإن كان قائما بعينه لم يصدق؛ لأنه أخبر عن أمر لا يملك إنشاءه فيصير مدعيًا.
وكذا لو قال العبد لغيره بعد العتق: قطعت يدك خطأ وأنا عبد فلان، وقال المقر له: قطعتها وأنت حر؛ فالقول للعبد، ولا ضمان (٣)، وكذا لو قال لعبد: قد أعتقته أخذت منك غلة كل شهر كذا وأنت عبد لي، وقال المعتق: أخذتها بعد العتق - فالقول للمولى، ولو كانت الغلة قائمة، فالقول للعبد ويأخذه من المولى؛ لأنه أقر بالأخذ، ثم بالإضافة يريد التملك عليه، فكان مدعيًا (٤).
وكذا في مسألة القاضي لو كان الألف بعينها قائمة في يد القاضي، فقال القاضي بعد العزل: أخذته منك وأنا قاض، فقضيته لهذا الرجل ودفعته إليه، وصدقه المَقْضِي له فيه، وأنكره المَقْضِي عليه، وقال: أخذته مني بعد العزل على وجه القضاء؛ فالقول للمقضي عليه.
علل محمد في الزيادات فقال: لأن الشيء قائم بعينه، فلا يُصدق القاضي
стр. 5255
لِأَنَّهُ أَسْنَدَ فِعْلَهُ إِلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلضَّمَانِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ طَلَّقْت أَوْ أَعْتَقْت وَأَنَا مَجْنُونٌ وَالجُنُونُ مِنْهُ كَانَ مَعْهُودًا.
في أنه أخذه على وجه الحكم بعد العزل، قالوا: ومعناه أن القاضي لما أقرّ بالأخذ منه يصير شاهدًا لغيره بالكلام الثاني، وإقراره بالأخذ صحيح، وشهادته بالملك لغيره باطلة (١)، وكذا الوصي لو ادعى أنه أنفق على اليتيم بعد بلوغه، وكذا في يده وادعى اليتيم أنه استهلكه فالقول للوصي (٢). كذا ذكره المحبوبي.
قوله: (والجنون منه كان معهودًا) أي: معلومًا عند الناس كان القول له، حتى لا يقع الطلاق والعتاق لإضافته إلى حالة منافية لإيقاعها (٣)، وكذا لو قال: أقررت لك وأنا ذاهب العقل من برسام، وهو معلوم أن ذلك أصابه؛ لإضافته إلى حالة معلومة عند الناس منافية للإقرار (٤).
فإن قيل: يشكل على هذا ما ذكره في باب جناية المملوك فيمن أعتق جاريته، ثم قال لها: قطعت يَدَكِ وأنت أمتي، فقالت: قطعتها وأنا حرة؛ فالقول لها، وكذا كل ما أخذ منها عند أبي حنيفة وأبي يوسف، مع أنه منكر لوجوب الضمان بإسناده الفعل إلى حالة معلومة منافية للضمان.
ولو قلت: أقر هناك بسبب الضمان، وهو القطع، ثم ادعى ما يبرئه عنه فلا يسمع لذلك.
قلنا: هاهنا أيضًا أقر بسبب الضمان، وهو الإقرار للمقر له بشيء، ثم ادعى ما يُبرئه بذهاب العقل، وكذا القاضي بالأخذ، وهو موجب للضمان بعد العزل، ثم ادعى ما يبرئه بكونه في حالة القضاء وكذا الوكيل بالبيع، وكذا الوصي، فيجب ألا يُسمع ما يدعيه مما يبرئه هاهنا أيضًا.
قلنا: الفرق بينهما أن المولى أقرّ بأخذ مال الغير، وادعى جهة التملك لنفسه فيصدق في الإقرار ولا يُصدّق في جهة التملك، كما لو قال: أخذت منك ألفًا بحق ديني عليك، أو بحق الهبة التي وهبت لي، وأنكر الآخر - كان القول للمقر له.
стр. 5256
(وَلَوْ أَقَرَّ القَاطِعُ أَوْ الْآخِذُ فِي هَذَا الفَصْلِ بِمَا أَقَرَّ بِهِ القَاضِي يَضَمَنانِ) لِأَنَّهُمَا أَقَرَّا بِسَبَبِ الضَّمَانِ، وَقَوْلُ القَاضِي مَقْبُولٌ فِي دَفْعِ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ، لَا فِي إِبْطَالِ سَبَبِ الضَّمَانِ عَلَى غَيْرِهِ، بِخِلَافِ الأَوَّلِ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِعْلُهُ فِي قَضَائِهِ بِالتَّصَادُقِ (وَلَوْ كَانَ المَالُ فِي يَدِ الْآخِذِ قَائِمًا، وَقَدْ أَقَرَّ بِمَا أَقَرَّ بِهِ القَاضِي، وَالمَأْخُوذُ مِنهُ المَالُ صَدَّقَ القَاضِي فِي أَنَّهُ فَعَلَهُ فِي قَضَائِهِ أَوْ ادَّعَى أَنَّهُ فَعَلَهُ فِي غَيْرِ قَضَائِهِ يُؤْخَذُ مِنهُ) لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّ اليَدَ كَانَتْ لَهُ فَلَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى تَمَلُّكِهِ إِلَّا بِحُجَّةٍ، وَقَوْلُ المَعْزُولِ فِيهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
وكذا لو قال: أكلت طعامك بإذنك، وقال: بغير إذني، فالقول لصاحب الطعام؛ لما قلنا، بخلاف القاضي والوكيل والوصي؛ لأنهم ما ادعوا جهة التملك، وكذا في دعوى الطلاق والعتاق والإقرار ما ادعوا التمليك لأنفسهم ما هو ملك الغير، فكان القول قولهم في إضافتهم إلى حالة معهودة منافية (١). إليه أشار الإمام المحبوبي.
قوله: (في هذا الفصل) وهو فصل أن المقطوع يده والمأخوذ ماله يزعم أن القاضي قطع وأخذ قبل التقليد أو بعد العزل، بأن القاضي أمرني بهما أنهما يضمنان ولا يضمن القاضي بإقراره ذلك؛ لأنا قبلنا قول القاضي في نفي الضمان عن نفسه، فأما في حق ذلك الرجل فلا (٢). فإن قيل: قد وجد منها الإسناد إلى الحالة معهودة منافية للضمان، فيجب ألا يضمنا كالقاضي.
قلنا: إن هذه جهة يعارضها ما هو أقوى منها، يقتضي وجوب الضمان، وهو الإقرار بسبب الضمان؛ لأن هذه جهة قطعية بكون إقرار كل مقر حجة قطعية على نفسه، وما ذكرنا من قضاء القاضي في حقهما جهة ظاهرة لا قطعية، والظاهر لا يعارض القطعي (٣).
فإن قيل: هذا الوجه ثابت في حق القاضي أيضًا؛ لأنه أقر بالقضاء بالأخذ ثم ادعى ما يُبرّئه بالإسناد إلى حالة معهودة منافية، ينبغي ألا يقبل قوله أيضًا.
стр. 5257
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قلنا: لو أوجبنا الضمان على القاضي بالإقرار بالقضاء لامتنع الناس عن قبول القضاء، ولا كذلك في فصل الأخذ؛ لأن وجوب الضمان على الآخذ لا يفضي إلى ذلك، ولأن حالة القضاء منافية للضمان لا محالة؛ لما ذكرنا، فكان في إسناده إلى حالة القضاء فائدة.
وأما إسناد غير القاضي فعله إلى حالة القضاء غير مفيد؛ لأن ذلك لا ينافي الضمان لا محالة؛ لأنه كم من غاصب يغصب مال الغير والقاضي في القضاء قائم، وما ادعى من القاضي أمرًا بالقطع والأخذ غير ثابت؛ لعدم الحجة، والكلام فيه، وقول المعزول في حقه شهادة، فلا تسمع (١).
стр. 5258
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
إيراد كتاب الشهادة عقيب أدب القاضي بين المناسبة.
محاسن الشهادة كثيرة منها أنها صفة الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦].
منها: أن مبناه على الصدق، وهو حسن في ذاته، فالخبر الصادق حسن في ذاته.
فإن قيل: تزكية النفس والغيبة منهي عنه بقوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] وبقوله: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] الآية وإن كان صادقًا، فكيف يكون الصدق حسنًا في ذاته؟
قلنا: التزكية تتضمن معنى الإعجاب والتفوق على الغير، فيكون منهيا بهذه الجهة وإن كان صادقًا في نفسه، وكذا الغيبة باعتبار إيذاء الغير.
ومنها: أن فيها امتثال أمر الله تعالى قال تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥].
ومنها: استحقاق الإكرام، قال ﵇: «أَكْرِمُوا الشُّهُودَ فَإِنَّ الله تَعَالَى يُحْيِي بِهِمُ الحُقُوق» (١).
ثم الشهادة لغةً: إخبار قاطع، ذكره في الصحاح (٢)،، يعني الإخبار بالشيء
стр. 5259
قَالَ: (الشَّهَادَةُ فَرْضٌ تَلْزَمُ الشُّهُودَ، وَلَا يَسَعُهُمْ كِتْمَانُهَا إِذَا طَالَبَهُمْ المُدَّعِي) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ طَلَبُ المُدَّعِي، لِأَنَّهَا حَقَّهُ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى طَلَبِهِ كَسَائِرِ الحُقُوقِ.
عن مشاهدة وعيان لا عن تخمين وحسبان، ومن هذا قالوا: مشتقة من المشاهدة، وهي المعاينة، وإليه الإشارة النبوية بقوله: «إذا رأيتَ مِثلَ الشَّمس فاشْهَدْ» (١).
وفي الشريعة: إخبار عن صدق بلفظ الشهادة في مجلس القضاء (٢).
وسببها في حق التحمل: المشاهدة، وفي حق الأداء: طلب المدعي
. وركنها: استعمال لفظ الشهادة.
وشروطها كثيرة، وتجيء في أثناء المسائل.
وحكمها: وجوب الحكم على القاضي بما يثبت بها.
وفي المبسوط (٣). والقياس يأبى كون الشهادة حُجّة ملزمة؛ لأنه خبر محتمل للصدق والكذب، والمحتمل لا يكون حُجّة، إلا أن القياس ترك بالنصوص والإجماع.
قال: (فرض) أي: أداؤها وتحملها إذا تعين، وفرض كفاية إذا لم يتعين بإجماع الفقهاء (٤).
وقوله: (لا يسعهم كتمانها) تأكيد لقوله: (تلزم الشهود)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] دليل أن الطلب من المدعي شرط لفرضيته، والنهي عن الإباء عند الدعاء أمر بالحضور للأداء، والنهي عن الشيء
стр. 5260
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يكون أمرًا بضده إذا كان له ضد مقصود بأمر آخر، وهاهنا كذلك؛ لأن الأداء منصوص بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]، مع أن لهذا النهي ضدا واحدًا.
وإنما خص القلب وإن كانت الجملة آثمة؛ لأنه رئيس الأعضاء والمضغة التي «إنْ صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدِ كُلُّه، وإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ كُلُّهُ» كما جاء في الحديث (١)، فكأنه قيل: قد تمكن الإثم في أصله، وملك أشرف شيء منه، ولأن أفعال القلوب أعظم من سائر الجوارح، فأصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر، وهما من أفعال القلوب، فإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب - بان أنه من أعظم الذنوب.
وفي المجتبى عن الفضلي: تحمّل الشهادة فرض على الكفاية كأدائها، وإلا لضاعت الحقوق، وعلى هذا الكاتب، إلا أنه يجوز أخذ الأجرة على الكتابة دون الشهادة فيمن تعين لأدائها بإجماع الفقهاء (٢)، وكذا فيمن لم يتعين عندنا، وبه قال الشافعي (٣) في قول، وفي قول لعدم تعينه عليه.
ويستحب الإشهاد في العقود، إلا في النكاح فإنه يجب، وفي الرجعة عند الشافعي (٤) وأحمد (٥)، وقد بيناه في الرجعة، ثم أداء الشهادة إنما يجب إذا كان الشاهد قريبًا إلى مجلس القضاء، فإن كان بعيدًا؛ إن كان بحال لو حضر مجلس الحكم وشهد يمكنه الرجوع إلى أهله في يومه - يجب الحضور عليه؛ لأنه لا ضرر عليه في الحضور، وإن كان لا يمكنه الرجوع إلى أهله في يومه - لا يجب عليه الحضور، ولو كان الشاهد شيخًا كبيرًا أو ضعيفًا لا يقدر على المشي، فيكلف المشهود له بدابة يركبها فلا بأس به، فإن هذا من إكرام الشهود.
وعن أبي سليمان الجوزجاني: لو أخرج الشهود إلى ضيعة اشتراها،
стр. 5261
(وَالشَّهَادَةُ فِي الحُدُودِ يُخَيَّرُ فِيهَا الشَّاهِدُ بَيْنَ السَّتْرِ وَالإِظْهَارِ) لِأَنَّهُ بَيْنَ حِسْبَتَيْنِ
واستأجر دواب لهم فركبوا وذهبوا لم تقبل شهادتهم، وفيه نظر بأن العادة جرت بإعطاء الدابة للشاهد، خصوصًا إذا لم يكن له دابة، ولو امتنع من أدائها؛ فإن كان في الصك غيره ممن تقبل شهادتهم يسعه أن يمتنع، ولو لم يكن في الصك جماعة ممن تقبل شهادتهم، أو كانوا لكن ممن لا يظهر الحق بشهادتهم، أو كان يظهر لكن شهادته أسرع قبولا - لا يسعه الامتناع؛ لأنه عسى يضيع حق المشهود له.
وقال أبو بكر: ولو علم أن القاضي لا يقبل شهادته نرجو أن يسعه الامتناع. وقال شيخ الإسلام: لو أخر الشهادة بعد الطلب بلا عذر ظاهر، ثم أدى - لا تقبل شهادته؛ لأنه لما ترك الأداء مع إمكان الأداء، فقد احتمل أنه ترك لعذر بأن نسي أو كان له شغل مانع، واحتمل أنه ترك لأنه أراد الأجر على الأداء، فيمكن في شهادته نوع تهمة، والتهمة مانعة عن القبول. الكل من الذخيرة (١).
قوله: (لأنه) أي: الشاهد (بين حسبتين) والحسبة ما ينتظر به الأجر في الآخرة، وفي الصحاح (٢): احتسب بكذا أجرًا عند الله، والاسم الحسبة، بالكسر، وهي الأجر، والجمع: الحِسَب، وفلان مُحتسب البلد، ولا يقال محسب.
فإن قيل: هذا الذي ذكره معارض لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وتقييد المطلق لا يجوز بخبر الواحد.
قلنا: لأنه محمول على الشهادة في حقوق العباد بدليل سياق الآية، وهي آية المداينة، وبالإجماع (٣)، وبالنص، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ إلى قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا﴾ [النور: ١٩].
والمعنى أن الستر والكتمان إنما يحرم لخوف فوت حق المدعي المحتاج إلى إحياء حقه من الأموال وغيرها، فأما الحدود حقوق الله تعالى، والله تعالى
стр. 5262
إِقَامَةِ الحَدِّ وَالتَّوَقِّي عَنْ الهَتْكِ (وَالسَّتْرُ أَفْضَلُ) لِقَوْلِهِ ﷺ لِلَّذِي شَهِدَ عِنْدَهُ: «لَوْ سَتَرْته بِثَوْبِكَ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ» وَقَالَ ﵊: «مَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» وَفِيمَا نُقِلَ مِنْ تَلْقِينِ الدَّرْءِ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ وَأَصْحَابِهِ ﵃ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ السَّتْرِ (إِلَّا أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَشْهَدَ بِالمَالِ فِي السَّرِقَةِ فَيَقُولُ: أَخَذَ) إِحْيَاءٌ لِحَقِّ المَسْرُوقِ مِنهُ (وَلَا يَقُولُ: سَرَقَ) مُحَافَظَةٌ عَلَى السَّتْرِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ ظَهَرَتْ السَّرِقَةُ لَوَجَبَ القَطْعُ، وَالضَّمَانُ لَا يُجَامِعُ القَطعَ فَلَا يَحْصُلُ إِحْيَاءُ حَقْهِ.
(وَالشَّهَادَةُ عَلَى مَرَاتِبَ: مِنهَا الشَّهَادَةُ فِي الزِّنَا، يُعْتَبَرُ فِيهَا أَرْبَعَةٌ مِنْ الرِّجَالِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِّسَآبِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ﴾ [النساء: ١٥] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] (وَلَا تُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ) لِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ﵁: مَضَتْ السُّنَّةُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ وَالخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ لَا شَهَادَةَ لِلنِّسَاءِ فِي الحُدُودِ وَالقِصَاصِ،
موصوف بالغنى والكرم، وليس فيه خوف فوت حقه، فجاز لذلك أن يختار الشاهد جانب الستر (١).
قوله: (ولا تقبل شهادة النساء فيها) أي: في فاحشة الزنا، وعن عطاء وحماد بن سليمان أنه تقبل، حتى لو شهد ثلاثة رجال في الزنا وامرأتان يقبل؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَاشْهَدُوا﴾ [الطلاق: ٢] الآية، وما ذكرتم من النصوص فيها بيان جواز العمل بهذا العدد، وليس فيها نفي الجواز بدون وصف الذكورة.
قلنا: فإذا قبلت شهادة النساء مع ثلاثة رجال لم يبق لقوله: ﴿أَرْبَعَةً مِّنكُمْ﴾ فائدة، كذا قيل، والأولى التمسك بحديث الزهري، فإنه قال: «مَضَتْ السَّنَة مِنْ لَدُن رسُول الله ﷺ والخَليفَتَيْنِ» إلى آخره، وإنما خص الخليفتين أبا بكر وعمر بالذكر؛ لأن تمهيد قواعد الشرع وإظهار طرق الأحكام كان أكثر في خلافتهما (٢).
стр. 5263
وَلِأَنَّ فِيهَا شُبْهَةَ البَدَلِيَّةِ لِقِيَامِهَا مَقَامَ شَهَادَةِ الرِّجَالِ فَلَا تُقْبَلُ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ
وَمِنهَا الشَّهَادَةُ بِبَقِيَّةِ الحُدُودِ وَالقِصَاصِ، تُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (وَلَا تُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ)
قوله: (ولأن فيها) أي: في شهادة النساء (شبهة البدلية) أي: من حيث الصورة، قال: ﴿فَإِنْ لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وليس ببدل حقيقة، حتى يجوز العمل بشهادة النساء مع الرجال مع القدرة على استشهاد الرجلين، وحقيقة البدليّة غير محتملة في الحدود، حتى لا تقبل الشهادة على الشهادة فيها، فكذلك شبهة البدلية اعتبارًا للشبهة بالحقيقة؛ لأن الشبهة فيما يسقط بالشبهات كالحقيقة، وحكي عن مالك (١) أنه لا تقبل شهادة النساء مع الرجال إلا عند عدم الرجلين؛ نظرًا إلى ظاهر الآية، فحينئذ في شهادتهن حقيقة البدلية.
قوله: (ببقية الحدود) كحد الشرب والسرقة (تقبل فيها) أي: بقية الحدود والقصاص (شهادة رجلين) لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وعن الحسن البصري: لا يقبل في القتل إلا أربعة كالزنا، وعن عطاء: تقبل فيها شهادة النساء، كما ذكرنا.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِّجَالِكُمْ﴾ وارد في المداينات، فلا يكون حجة في الحدود والقصاص.
قلنا: فيه شيئان: اشتراط عدد الاثنين، فلما اختص باب الزنا بأربع من الرجال كما ذكرنا لا يلحق به غيره في حق العدد بالقياس؛ لأن القياس لا يجري في المقادير والأعداد، ولا في الحدود، ولا مساواة في الزنا وغيره من الكبائر؛ لأن الزنا موجب للعقوبة به، بخلاف سائر الكبائر، مع أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، حتى إن الآية جعلت حجة في غير المداينات من الحقوق، سواء كان مالا أو غير مال، فكذا في الحدود، وثبت اشتراط الذكورة بحديث الزهري والإجماع كما ذكرنا (٢).
стр. 5264
لِمَا ذَكَرْنَا.
قَالَ: (وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الحُقُوقِ يُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ الحَقُّ مَالًا أَوْ غَيْرَ مَالٍ) مِثْلُ النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالعَتَاقِ وَالعِدَّةِ وَالحَوَالَةِ وَالوَقْفِ وَالصُّلْحِ وَالوَكَالَةِ وَالوَصِيَّةِ وَالهِبَةِ وَالإِقْرَارِ وَالإِبْرَاءِ وَالوَلَدِ وَالوِلَادِ وَالنَّسَبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ إِلَّا فِي الأَمْوَالِ وَتَوَابِعِهَا، لِأَنَّ الأَصْلَ فِيهَا عَدَمُ القَبُولِ لِنُقْصَانِ العَقْلِ وَاخْتِلَالِ الضَّبْطِ وَقُصُورِ الوِلَايَةِ، فَإِنَّهَا لَا تَصْلُحُ لِلْإِمَارَةِ، وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ فِي الحُدُودِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَرْبَعِ مِنهُنَّ وَحْدَهُنَّ إِلَّا أَنَّهَا قُبِلَتْ فِي الأَمْوَالِ ضَرُورَةٌ، وَالنِّكَاحُ أَعْظَمُ خَطَرًا وَأَقَلُّ وُقُوعًا فَلَا يَلْحَقُ بِمَا هُوَ أَدْنَى خَطَرًا وَأَكْثَرُ وُجُودًا.
وقوله: (لما ذكرنا) إشارة إلى حديث الزهري، وما ذكره من شبهة البدلية.
قوله: (والوصية) أي: الوصاية؛ لأنه في تعداد المال.
قوله: (ونحو ذلك) كالعتاق والرجعة والنسب.
(وتوابعها) كالإعارة والإجارة والكفالة والأجل وشرط الخيار، ذكره في مبسوط شيخ الإسلام، وبقول الشافعي (١) قال مالك (٢)، وأحمد (٣) في رواية، وقال أحمد في رواية كقولنا.
وقوله: (إلا أنها) استثناء من قوله: (لأن الأصل فيها) أي: شهادة النساء (عدم القبول) إلا أنها (قبلت في الأموال ضرورة) كثرة وقوع أسبابها؛ لأنه يلحقهم الجرح بإشهاد رجلين في كل حادثة، ولا ضرورة في النكاح وتوابعه؛ لأنه أقل وقوعًا وأعظم خطرًا، ولهذا قال تعالى في الرجعة: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] والرجعة كالنكاح وتوابعه، فيلحق غيرها بها. لنا ما رُوي أن عمر وعليا أجازا شهادة النساء مع الرجال في النكاح والفرقة، ولأنها حُجّة أصلية لا
стр. 5265
وَلَنَا: أَنَّ الأَصْلَ فِيهَا القَبُولُ لِوُجُودِ مَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ، وَهُوَ المُشَاهَدَةُ وَالضَّبْطُ وَالأَدَاءُ، إِذْ بِالأَوَّلِ: يَحْصُلُ العِلْمُ لِلشَّاهِدِ، وَبِالثَّانِي: يَبْقَى، وَبِالثَّالِثِ: يَحْصُلُ العِلْمُ لِلْقَاضِي، وَلِهَذَا يُقْبَلُ إِخْبَارُهَا فِي الأَخْبَارِ، وَنُقْصَانُ الضَّبْطِ بِزِيَادَةِ النِّسْيَانِ انْجَبَرَ بِضَمِّ الْأُخْرَى إِلَيْهَا.
ضروريّة (لوجود ما تُبْتَنَى عليه أهلية الشهادة، وهو الْمُشَاهَدَةُ)، وفي بعض النسخ: (وهي المشاهدة) أي: المعاينة، وبها يحصل العلم للشاهد (والضبط) وهو حسن السماع والفهم والحفظ إلى وقت الأداء (وبه يبقى) أي: العلم (والأداء) وبه يحصل العلم للقاضي.
وفي النهاية: في لفظ الكتاب نوع خلل فإنه فسر أهلية الشهادة بهذه الأشياء الثلاثة، وبهذه الأشياء الثلاثة لا تثبت؛ لأنها تكون في العبد والكافر والصبي مع أنهم ليس بأهل للشهادة، بل الأهلية لها تثبت بالحرية والإسلام والبلوغ، وهذه أسباب للتحمل إلا إذا جعلت هذه الأشياء تفسيرًا للاسم الموصول المبهم في قوله: (لوجود ما تُبْتَنَى) فحينئذ يجب أن نقول: (وهو المشاهدة) إلى آخره، لكن النسخة المصححة بتصحيح شيخي كانت (وهي).
والصحيح ما ذكر في الأسرار أن الإنسان إنما يصير شاهدًا بالولاية، والولاية مبنية على الحرية والإرث والنساء في هذه مثل الرجال، والقبول يبتنى على العدالة وانتفاء التهمة بالكذب والنساء مثل الرجال في العدالة، وبهذا تقبل رواية الحديث منها (١).
قوله: (ونقصان الضبط) إلى آخره جواب عما قال الشافعي: (أن الأصل عدم القبول لنقصان) إلى آخره، فقال: ذلك النقصان بضم الأخرى إليها (٢).
فإن قيل: هذا الجواب منقوض بشهادتهن في النكاح، فإن اشتراط الشهادة ليس لخوف النسيان؛ بل المقصود فيه حضور الشاهد، ولا يتصور النقصان في
стр. 5266
فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا الشُّبْهَةُ، فَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَهَذِهِ الحُقُوقُ تَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ وَعَدَمُ قَبُولِ الْأَرْبَعِ عَلَى خِلَافِ القِيَاسِ كَيْ لَا يَكْثُرَ خُرُوجُهُنَّ.
قَالَ: (وَيُقْبَلُ فِي الوِلَادَةِ وَالبَكَارَةِ وَالعُيُوبِ بِالنِّسَاءِ فِي مَوْضِعِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ) لِقَوْلِهِ ﵊: «شَهَادَةُ النِّسَاءِ جَائِزَةٌ فِيمَا لَا يَسْتَطِيعُ الرِّجَالُ النَّظَرَ إِلَيْهِ» وَالجَمْعُ المُحَلَّى بِالأَلِفِ وَاللَّامِ يُرَادُ بِهِ الجِنْسُ فَيَتَنَاوَلُ الأقل.
الحضور بعد الحضور، فينبغي أن ينعقد النكاح بشهادة رجل وامرأة واحدة عندنا.
قلنا: ذكر هذه الشبهة في المبسوط (١) ثم قال: ولكنا نقول: ثبت بالنص أن المرأتين شاهد واحد، وكانت الواحدة نصف الشاهد، وبنصف الشاهد لا يثبت شيء، ولهذا لو شهد رجلان وامرأة ثم رجعوا لم تضمن المرأة شيئًا، بخلاف ما لو شهد رجلان وامرأتان، أو ثلاثة رجال.
قوله: (لم يبق بعد ذلك إلا الشبهة) أي: شبهة البدلية؛ لأن بقاء سببها، وهو الأنوثة، يورث شبهة فلا تقبل فيما يسقط بالشبهات، وهذه الحقوق تثبت مع الشبهات، ألا ترى أن النكاح والطلاق والعتاق يثبت مع الهزل الذي لا يثبت به المال! فَلَأَنْ يثبت بما ثبت به المال أولى، وكذا يثبت النكاح مع الإكراه لا المال، وكذا الوكالة والوصية، والأموال يجري فيها كتاب القاضي إلى القاضي، والشهادة على الشهادة، فكذا ثبت بشهادة النساء، وإن كان فيها شبهة البدلية (٢).
قوله: (وعدم قبول الأربع) إلى آخره جواب عن استدلال الشافعي (٣): (ولهذا لا تقبل شهادة الأربع منهن) وقال: القياس قبول شهادة الأربع منهن؛ لما أن الشرع أقام امرأتين مقام رجل، فالأربع مقام رجلين، إلا أنها لا تقبل على خلاف القياس؛ لما فيه من زيادة كشفهن وكثرة خروجهن.
стр. 5267
وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي اشْتِرَاطِ الأَرْبَعِ، وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا سَقَطَتِ الذُّكُورَةُ
قوله: (وهو) أي: قوله ﵇ (حجة على الشافعي (١) في اشتراط الأربع) من النساء، وهو قول عطاء (٢) هو يقول: إن المرأتين قامتا مقام رجل واحد، والحجة شهادة رجلين لا رجل واحد، وعلى مالك (٣) في اشتراط الاثنين، وبه قال النووي (٤)، هما يقولان: لما سقط اعتبار الذكور للعدد بقي العدد معتبرًا.
وقلنا: لما دخلت اللام الجمع جعلنا للجنس إذا لم يكن ثم معهود، والكل ليس بمراد قطعًا، فيراد به الأقل ضرورة؛ لبطلان العدد بواسطة الجنسية، والمسألة مستقصاة في الأصول.
يؤيده أن حذيفة راوي الحديث قال: إنه ﵇ «أجاز شهادة القابلة على الولادة» (٥) قال: «شهادة النساء جائزة» الحديث (٦)، وبقولنا قال أحمد (٧) والحسن البصري (٨).
وقلنا: أُسقطت صفة الذكورة ليخف النظر؛ إذ النظر إلى العورة حرام، إلا أنا اعتبرنا بنظر جنسها؛ لأن نظر المرأة إلى عورة المرأة أخف؛ إذ شهوتهن إليهن أقل من نظر الرجل إلى عورتها، فيسقط اعتبار العدد أيضًا؛ لأن نظر الواحدة أخف من نظر الجماعة أيضًا، إلا أن المثنى والثلاث أحوط لزيادة طمأنينة القلب.
فإن قيل: إذا كان نظر المرأة أخف بما ذكرتم فكيف المثنى والثلاث أحوط، ولهذا لا يكون نظر الرجل أحوط مع كمال عقله؟
стр. 5268
لِيَخِفَّ النَّظَرُ، لِأَنَّ نَظَرَ الجِنْسِ إِلَى الجِنْسِ أَخَفُّ، فَكَذَا يَسْقُطُ اعْتِبَارُ العَدَدِ إِلَّا أَنَّ المُثَنَّى وَالثَّلَاثَ أَحْوَطُ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الإِلْزَامِ (ثُمَّ حُكْمُهَا فِي الوِلَادَةِ شَرَحْنَاهُ فِي الطَّلَاقِ) وَأَمَّا حُكْمُ البَكَارَةِ: فَإِنْ شَهِدْنَ أَنَّهَا بِكْرٌ يُؤَجَّلُ فِي العِنِّينِ سَنَةٌ وَيُفَرَّقُ بَعْدَهَا، لِأَنَّهَا تَأَيَّدَتْ بِمُؤَيِّدٍ إِذْ البَكَارَةُ أَصْلٌ، وَكَذَا فِي رَدِّ الْمَبِيعَةِ إِذَا اشْتَرَاهَا بِشَرْطِ البَكَارَةِ، فَإِنْ قُلْنَ إِنَّهَا ثَيِّبٌ يَحْلِفُ البَائِعُ لِيَنْضَمَّ نُكُولُهُ إِلَى قَوْلِهِنَّ، وَالعَيْبُ يَثْبُتُ بِقَوْلِهِنَّ فَيَحْلِفُ البَائِعُ،
قلنا: لما أخذ هذا شبها بالشَّهَادَةِ بمعنى الإلزام، وبالإخبار من حيث سقوط صفة الذكورة وفرنا حظه على الشبهين، فقلنا: بشبهة الإخبار تسقط صفة الذكورة، وبشبهة الإلزام قلنا: العدد فيه أحوط؛ لزيادة طمأنينة القلب، وينبغي أن يكون العدد شرطًا كما قال مالك، إلا أن في اشتراط العدد لا يخف النظر، فقلنا باستحبابه لا بإلزامه، كذا قيل (١).
قوله: (ثم حكمها) أي: حكم شهادة امرأة واحدة (شرحناه في الطلاق) في باب ثبوت النسب من كتاب الطلاق.
وفي المبسوط (٢): لو شهد بالولادة رجل بأن قال: فاجأتها فاتفق نظري إليها - تقبل إذا كان عدلاً، ولو قال: تعمدت النظر لا تُقبل، وبه قال بعض أصحاب الشافعي (٣)، وقال بعض مشايخنا: إن قال: تعمدت النظر تقبل أيضًا، وبه قال بعض أصحاب الشافعي (٤).
قوله: (فإن قلن إنها ثيب) وفي المبسوط (٥): فإن قلن: إنها بكر فلا يمين على البائع؛ لتأييد شهادتهن بالأصل، وهو البكارة، ومقتضى البيع، وهو اللزوم، وإن قلن: هي ثيب يُستحلف البائع؛ لتجرد شهادتهن عن مؤيد، فإذا انضم نكول البائع إلى شهادتهن ردت عليه.
قوله: (والعيب يثبت بقولهن) أي: في حق سماع الدعوى وحق التحليف،
стр. 5269
وَأَمَّا شَهَادَتُهُنَّ عَلَى اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ لَا تُقْبَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي حَقِّ الْإِرْثِ، لِأَنَّهُ مِمَّا يَطْلُعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ إِلَّا فِي حَقِّ الصَّلَاةِ، لِأَنَّهَا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ. وَعِنْدَهُمَا: تُقْبَلُ فِي حَقِّ الإِرْثِ (*) أَيْضًا، لِأَنَّهُ صَوْتُ عِنْدَ الوِلَادَةِ وَلَا يَحْضُرُهَا الرِّجَالُ عَادَةً فَصَارَ كَشَهَادَتِهِنَّ عَلَى نَفْسِ الوِلَادَةِ، قَالَ: (وَلَا بُدَّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ العَدَالَةِ وَلَفْظَةِ الشَّهَادَةِ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرُ الشَّاهِدُ لَفْظَةَ الشَّهَادَةِ وَقَالَ: أَعْلَمُ أَوْ أَتَيَقَّنُ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ)
حتى إنهن لو لم يقلن إنها ثيب ليس للمشتري ولاية تحليف البائع؛ بل القول للبائع؛ لتمسكه بالأصل، وهو البكارة، فيحلف البائع إنها لبكر كما يقول إن كان قبل القبض، وإن كان بعد القبض يحلف بالله لقد سلمتها وهي بكر (١).
قوله: (وأما شهادتهن على استهلال الصبي لا تقبل عند أبي حنيفة) وبه قال الشافعي (٢) في قول؛ لأن الاستهلال صوت مسموع، والرجال والنساء فيه سواء، فكان مما يطلع عليه، وإن لم يحضر الرجال فشهادتهن كشهادتهن على جراحات النساء في الحمامات وإن لم يحضر الرجال، بخلاف الولادة، فإنها انفصال الولد من الأم، فلا يطلع عليه الرجال.
(إلا في حق الصلاة) أي: تقبل في حق الصلاة؛ لأنه من أمور الدين، وخبر المرأة الواحدة حجة في ذلك، كشهادتها على هلال رمضان.
وعندنا: تقبل في حق الإرث [أيضًا، وبه] (٣) قال الشافعي (٤) ومالك (٥) وأحمد (٦)؛ لأن الرجال لا يحضرون في ذلك الموضع ليسمعوا صوته، فصارت كشهادتهن على الولادة.
قوله: (ولا بد في ذلك كله من لفظة الشهادة والعدالة)، ولا خلاف فيه للفقهاء.
стр. 5270
أَمَّا العَدَالَةُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وَلِأَنَّ العَدَالَةَ هِيَ المُعِينَةُ لِلصِّدْقِ، لِأَنَّ مَنْ يَتَعَاطَى غَيْرَ الكَذِبِ قَدْ يَتَعَاطَاهُ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّ الفَاسِقَ إِذَا كَانَ وَجِيهَا فِي النَّاسِ ذَا مُرُوءَةٍ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ (*)، لِأَنَّهُ لَا يُسْتَأْجَرُ لِوَجَاهَتِهِ وَيَمْتَنِعُ عَنْ الكَذِبِ لِمُرُوعَتِهِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُ، إِلَّا أَنَّ القَاضِيَ لَوْ قَضَى بِشَهَادَةِ الفَاسِقِ يَصِحُ عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَصِحُ،
وفي المبسوط (١): العدالة: الاستقامة، لا نهاية لكمالها، وإنما يعتبر فيها القدر الممكن، وهو انزجاره عما يعتقده حرامًا في دينه.
وفي الذخيرة (٢): وأحسن ما قيل في تفسيرها ما نقل عن أبي يوسف، وهو أن يكون مجتنبًا عن الكبائر، ولا يكون مصرًا على الصغائر، ويكون صلاحه أكبر من فساده، وصوابه أكثر من خطئه، ويجيء تفسير الكبيرة إن شاء الله تعالى.
قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والمرضي هو العدل لا الفاسق، والتعاطي: التناول.
قوله: (والأول أصح) وهو عدم قبول شهادة الفاسق مطلقًا، سواء كان ذا وجاهة أو لا؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: ١] وقوله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَا﴾ [الحجرات: ٦]، ولأن قبول الشهادة والعمل لها إكرام الشاهد، قال ﵇: «أَكْرِمُوا الشُّهود» الحديث (٣)، وفي حق الفاسق أمرنا بخلاف ذلك، قال ﵇: «إِذَا لَقِيتَ الفَاسِقَ فَالْقَهُ بِوَجْهِ مُكْفَهِرٌ»، أي: شديد العبوسة، ولا مروءة لمن يكون معلنا بالفسق شرعًا. كذا في المبسوط (٤).
стр. 5271
وَالمَسْأَلَةُ مَعْرُوفَةٌ. وَأَمَّا لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ: فَلِأَنَّ النُّصُوصَ نَطَقَتْ بِاشْتِرَاطِهَا، إِذْ الْأَمْرُ فِيهَا بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَلِأَنَّ فِيهَا زِيَادَةَ تَوْحِيدِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: «أَشْهَدُ» مِنْ أَلْفَاظِ اليَمِينِ، كَقَوْلِهِ أَشْهَدُ بِاللَّهِ، فَكَانَ الامْتِنَاعُ عَنْ الكَذِبِ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ أَشَدَّ.
وَقَوْلُهُ: «فِي ذَلِكَ كُلِّهِ» إِشَارَةٌ إِلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ، حَتَّى يُشْتَرَطَ العَدَالَهُ، وَلَفْظَهُ الشَّهَادَةِ فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ فِي الوِلَادَةِ وَغَيْرِهَا، هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ
قوله: (فلأن النصوص نطقت باشتراطها) والمراد من نطق النصوص ورودها بلفظة الشهادة والإشهاد، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾ الآية.
وقال ﵇: «إِذَا رَأَيْتَ مِثلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ» (١) لا أن يكون اشتراطها صحيحًا بهذه اللفظة، وإليه أشار بقوله: (إذ الأمر فيها) أي: في النصوص (بهذه اللفظة) يعني جواز الحكم بالشهادة، بخلاف القياس؛ لما أن قول الشاهدين يحتمل الكذب، وإنما ثبت بالنص والنصوص وَرَدَتْ بقبولهما بهذه اللفظة، فيقتصر على مورد النص، ولا يقال: جاء الأمر بالتكبير بلفظ التكبير، قال تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣]، ومع ذلك أجاز أبو حنيفة ومحمد تبديله بلفظ آخر، مثل: الله أجل وأعظم؛ لأنا نقول: إن التكبير للتعظيم، وفي قوله: أجلّ وأعظم صريح التعظيم، فكان مثله من كل وجه؛ بل أزيد، فيلحق به دلالة، أما الشهادة فتبنى عن المشاهدة والعيان، ولهذا تذكر للقسم، فكانت له زيادة وكادةٍ في الإخبار على قوله: أتيقن أو أعلم، فلا يمكن إلحاقهما بلفظة الشهادة (٢).
وقوله: (هو الصحيح) احتراز عن قول العراقيين، فإنهم لا يشترطون فيها لفظة الشهادة.
قال التمرتاشي: قال في شرح بكر قال مشاخ بخار وبلخ: تشترط لفظة
стр. 5272
مَعْنَى الإِلْزَامِ حَتَّى اخْتَصَّ بِمَجْلِسِ القَضَاءِ، وَلِهَذَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ (قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَقْتَصِرُ الحَاكِمُ عَلَى ظَاهِرِ العَدَالَةِ فِي المُسْلِمِ، وَلَا يَسْأَلُ عَنْ حَالِ الشُّهُودِ حَتَّى يَطْعَنَ الخَصْمُ) لِقَوْلِهِ ﵊: المُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، إِلَّا مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ وَمِثْلُ ذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ ﵁، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ هُوَ الانْزِجَارُ عَمَّا هُوَ مُحَرَّمٌ دِينُهُ، وَبِالظَّاهِرِ كِفَايَةٌ إِذْ لَا وُصُولَ إِلَى القَطْعِ.
الشهادة، وقال مشايخ العراق: لا تُشترط، لأنه خبر لا شهادة، كما في شهادة هلال رمضان، واتفقوا على اشتراط الحرية والعقل والبلوغ والإسلام، وجه الصحيح أن النص ورد بلفظ الشهادة، قال ﵇: «شَهَادَةُ [النِّسَاءِ] (١) الحَد»، ولأن فيها معنى الإلزام (٢).
قوله: (يقتصر الحاكم على ظاهر العدالة)، فإن قيل: الظاهر يكفي للدفع ولا يكفي للاستحقاق، وهاهنا يثبت استحقاق المُدّعِي للمُدّعى به بظاهر العدالة.
قلنا في جوابه: الظاهر هاهنا مقام الدليل القطعي؛ لما أنه لا إمكان للوصول إلى الدليل القطعي إلا بالظاهر؛ لأن العدالة تحتاج إلى تزكية المزكي بحسب الظاهر؛ إذ لو لم يعمل بقول المزكي لاحتاج إلى مزك آخر، ويرد ذلك في قوله أيضًا، وكذا في الثالث والرابع فيؤدي إلى التسلسل.
وقولهم: الظاهر لا يكفي للاستحقاق لا [يجري] (٣) على إطلاقه؛ بل يكفي إذا لم ينازعه آخر، فإن ظاهر اليد يصلح حجة لاستحقاق الشفعة إذا لم ينازعه المشتري، ولا منازعة قبل الطعن، فصلح حجة، وبعد الطعن يوجب الترجيح بالسؤال (٤).
وقوله: (إلا محدودًا) استثناء من قوله: (يقتصر الحاكم على ظاهر العدالة)، يعني لا يقتصر في الحدود والقصاص على ظاهر العدالة؛ لأن مبناهما على الدرء، فيحتال بزيادة سؤال عن المزكي (٥).
стр. 5273
(إِلَّا فِي الحُدُودِ وَالقِصَاصِ، فَإِنَّهُ يَسْأَلُ عَنْ الشُّهُودِ) لِأَنَّهُ يَحْتَالُ لِإِسْقَاطِهَا فَيُشْتَرَطُ الاسْتِقْصَاءُ فِيهَا، وَلِأَنَّ الشَّبْهَةَ فِيهَا دَارِئَةٌ، وَإِنْ طَعَنَ الخَصْمُ فِيهِمْ سَأَلَ عَنْهُمْ، لِأَنَّهُ تَقَابَلَ الظَّاهِرَانِ فَيَسْأَلُ طَلَبًا لِلتَّرْجِيحِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا بُدَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُمْ فِي السِّرِّ وَالعَلَانِيَةِ فِي سَائِرِ الحُقُوقِ (*) لِأَنَّ القَضَاءَ مَبْنَاهُ عَلَى الحُجَّةِ، وَهِيَ شَهَادَةُ العُدُولِ فَيَتَعَرَّفُ عَنْ العَدَالَةِ، وَفِيهِ صَوْنُ قَضَائِهِ عَنْ البُطْلَانِ.
وَقِيلَ: هَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ، وَالفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ.
قوله: (وإن طعن الخصم فيهم) أي: في غير الحدود والقصاص؛ إذ فيهما لا يتوقف السؤال على الطعن بالاتفاق (١).
قوله: (تقابل الظاهران) يعني كما أن الظاهر أن الشهود لا يكذبون، فكذا الظاهر أن الخصم لا يكذب في طعنه، فيحتاج القاضي إلى الترجيح، وعندهما لا بد أن يسأل طعن الخصم أو لم يطعن في جميع الدعاوى، وبه قال الشافعي (٢) وأحمد (٣)، وقال مالك (٤): من كان مشهورًا بالعدالة لم يسأل عنه، ومن عرف جرحه رد شهادته، وإنما يجب عليه السؤال مهما شك وإن سكت الخصم، إلا أن يقر بعدالتهما.
(لأن القضاء بنيته)، وفي بعض النسخ: (مبنية) (على الحجة، وهي شهادة العدول) بالنص (فيتعرف) أي: القاضي (عن العدالة، وفيه) أي: في تعرفه (صون قضائه عن البطلان) أي: على تقدير ظهور الشهود عبيدا أو كفارا يبطل القضاء، أما الظاهر يَصلُحُ للدفع لا للاستحقاق، وحاجتنا هاهنا إلى إلزام الحكم، وذا لا يكون إلا بحجة ملزمة (٥).
قوله: (وقيل: هذا اختلاف عصر) فإن أبا حنيفة أفتى في القرن الثالث
стр. 5274
قَالَ: (ثُمَّ التَّزْكِيَةُ فِي السِّرِّ أَنْ يَبْعَثَ المَسْتُورَةَ إِلَى المُعَدِّلِ فِيهَا النَّسَبُ وَالحِلي وَالمُصَلَّى وَيَرُدُّهَا المُعَدِّلُ) كُلُّ ذَلِكَ فِي السِّرِّ كَيْ لَا يَظْهَرَ فَيُخْدَعَ أَوْ يُقْصَدَ (وَفِي العَلَانِيَةِ لَا بُدَّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ المُعَدِّلِ وَالشَّاهِدِ) لِتَنْتَفِي شُبْهَةُ تَعْدِيلِ غَيْرِهِ، وَقَدْ كَانَتْ
الذي شهد لهم النبي ﵇: «خَيرُ القُرون القرن الذي أنا فيهم» الحديث (١)، وهما أفتيا في القرن الرابع الذي شهد النبي ﵇ بفشو الكذب فيهم.
وقيل: هذا اختلاف حجة وبرهان كما ذكر في المتن، فالجهة فيهما (٢).
قوله: (أن يبعث المستورة) أي: الرقعة التي يكتب فيها القاضي أسماء الشهود وحليتهم، ويبعثها سرا بيد أمينه إلى المزكي.
وفي المغرب (٣) حلية الإنسان: صفته، والجمع: حلي، بالكسر والضم، وقيل: بكسر الحاء أفصح.
قيل: أراد بالمصلى المحلة، والظاهر أن المراد مسجد المحلة.
وفي المحيط (٤) وفتاوى قاضي خان (٥): وينبغي للقاضي أن يختار للمسألة عن الشهود من هو أوثق الناس وأورعهم وأعظمهم وأكبرهم أمانة وخبرة، وأعلمهم بالتمييز فطنة فيوليه المسألة، ثم يكتب في رقعة أسماء الشهود جملة بأنسابهم وحلاهم وقبائلهم ومحالهم ومصلاهم، ويبعث تلك الرقعة على يد أمين مختومة إليه، ولا يُطلع أحدًا على ما في يد أمينه حتى لا ينخدع بالرشوة، ولو كان المزكي بعيدًا فجعل الأمين على المدعي، وثمن الصحيفة التي يكتب فيها أساميهم عليه أيضًا، ثم المزكي يسأل عنهم من أهل اليقين من جيرانهم ومحلتهم، فإن لم يجد فمن أهل سوقهم، فإذا قال المسئول عنه: هو عدل - يكتب المزكي في آخر الرقعة: إنه عدل مرضي عندي جائز الشهادة، وإلا يكتب: إنه [غير] (٦) عدل غير مرضي.
стр. 5275
العَلَانِيَةُ وَحْدَهَا فِي الصَّدْرِ الأَوَّلِ، وَوَقَعَ الاكْتِفَاءُ بِالسِّرِّ فِي زَمَانِنَا تَحَرُّزًا عَنْ الفِتْنَةِ.
وفي فتاوى قاضي خان (١): من عُرف فسقه لا يكتب ذلك تحت اسمه؛ بل يسكت احترازًا عن هتك الستر، أو يقول: الله يعلم، إلا إذا خاف أن القاضي يقضي بشهادته بتعديل غيره، فحينئذ يصرّح بذلك، ومن لم يعرفه لا بالعدالة ولا بالفسق يكتب تحت اسمه في كتاب القاضي: مستور، ثم يبعث تلك الرقعة إلى القاضي سرًا، ثم القاضي إن شاء جمع بين تزكية السر وبين تزكية العلانية.
وفي الذخيرة (٢): وينبغي أن يكون المزكي صاحب خبرة، ولا يكون منزويًا لا يخالط الناس؛ لأنه إذا لم يخالط لا يعرف العدل من غير العدل، وينبغي ألا يكون طماعًا ولا فقيرًا حتى لا ينخدع بالمال، فإذا لم يجد المزكي أهل مسجده أو محلته أو سوقه يسأل أهل مجلسه، فإن وجد كلهم غير ثقات يعتبر في ذلك تواتر الأخبار، ولو لم يعرف الشهود بالعدالة، فأخبره رجلان عدلان عن السبب وسعه أن يشهد على السبب.
وعن ابن سماعة عن أبي حنيفة: يجوز في تزكية السر المرأة والعبد والمحدود في القذف؛ إذا كانوا عدولًا، ولا يجوز في تزكية العلانية إلا من تجوز شهادته؛ لأن تزكية السر من الإخبار بأمر ديني، وهو قول هؤلاء في الأمور الدينية إذا كانوا عدولًا مقبول، كما في روايتهم الأخبار، وشهادتهم بهلال رمضان، أما العلانية نظير الشهادة من حيث إن القضاء لا يجب إلا بها كالشهادة، فيشترط فيها ما يشترط في الشهادة سوى لفظة الشهادة، حتى لا تجوز تزكية الوالد لولده، وعلى العكس، وفي السر جائز (٣).
قوله: (وحدها في الصدر الأول) أي: الصحابة؛ لأن القوم كانوا صلحاء، والمعدل كان لا يتوقى عن الجرح؛ لأنهم كانوا لا يعاملونه بالأذى لو جرحهم، وفي زماننا تركت تزكية العلانية؛ لأنها فتنة وبلاء؛ إذ الشهود يقاتلون الجارح بالإيذاء (٤). كذا في الفوائد الظهيرية.
стр. 5276
وَيُرْوَى عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: تَزْكِيَةُ العَلَانِيَةِ بَلَاءٌ وَفِتْنَةٌ. ثُمَّ قِيلَ: لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ المُعَدِّلُ: هُوَ عَدْلٌ جَائِزُ الشَّهَادَةِ، لِأَنَّ العَبْدَ قَدْ يُعَدَّلُ، وَقِيلَ: يَكْتَفِي بِقَوْلِهِ: هُوَ عَدْلٌ، لِأَنَّ الحُرِّيَّةَ ثَابِتَةٌ بِالدَّارِ وَهَذَا أَصَحٌ.
قَالَ: (وَفِي قَوْلِ مَنْ رَأَى أَنْ يَسْأَلَ عَنْ الشُّهُودِ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الخَصْمِ: إِنَّهُ عَدْلٌ) مَعْنَاهُ: قَوْلُ المُدَّعَى عَلَيْهِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: أَنَّهُ يَجُوزُ تَزْكِيَتُهُ، لَكِنْ عِنْدَ مُحَمَّدٍ يَضُمُّ تَزْكِيَةَ الْآخَرِ إِلَى تَزْكِيَتِهِ (*)، لِأَنَّ العَدَدَ عِنْدَهُ شَرْطٌ.
قوله: (وهذا أصح)، وبه قال أصحاب الشافعي (١) وأحمد (٢)، وقال مالك (٣): لا بد من ذكر العدالة والرضا، بأن يقول عدل مرضي، ولا يقتصر على أحد الوصفين، ذكره في الجواهر (٤)؛ لأن في زماننا كل من نشأ في دار الإسلام كان الظاهر من حاله الحرية، ولهذا لا يسأل القاضي عن إسلامه وحريته، وإنما يسأل عن عدالته. كذا في جامع قاضي خان (٥).
قوله: (قال: وفي قول من رأى) أي: قال أبو حنيفة، في قول من رأى (أن يسأل عن الشهود) وهو قولهما والأئمة الثلاثة (٦)، فقد ذكر قاضي خان (٧) في جامعه بعد ذكر اختلافهم في التزكية: ثم فرّع أبو حنيفة على قول من يرى السؤال عن الشهود، وكان هذا نظير مسألة الزراعة.
قوله: (وعن أبي يوسف ومحمد: أنه يجوز تزكيته) إلى آخره، وبه قال الشافعي (٨) في قول، وفي قول لا يجوز كظاهر الرواية.
стр. 5277
وَوَجْهُ الظَّاهِرِ: أَنَّ فِي زَعْمِ المُدَّعِي وَشُهُودِهِ أَنَّ الخَصْمَ كَاذِبٌ فِي إِنْكَارِهِ، مُبْطَلُ فِي إِصْرَارِهِ، فَلَا يَصْلُحُ مُعَدِّلًا، وَمَوْضُوعُ المَسْأَلَةِ: إِذَا قَالَ هُمْ عُدُولٌ إِلَّا أَنَّهُمْ أَخْطَؤُوا أَوْ نَسُوا، أَمَّا إِذَا قَالَ: صَدَقُوا أَوْ هُمْ عُدُولٌ صَدَقَةٌ فَقَدْ اعْتَرَفَ بِالحَقِّ.
(وَإِذَا كَانَ رَسُولُ القَاضِي الَّذِي يَسْأَلُ عَنْ الشُّهُودِ وَاحِدًا جَازَ، وَالاثْنَانِ أَفْضَلُ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: لَا يَجُوزُ إِلَّا اثْنَانِ (*)، وَالمُرَادُ مِنهُ المُزَكِّي، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ: رَسُولُ القَاضِي إِلَى المُزَكِّي، وَالمُتَرْجِمُ عَنْ الشَّاهِدِ، لَهُ: أَنَّ التَّزْكِيَةَ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ، لِأَنَّ وِلَايَةَ القَضَاءِ تَنْبَنِي عَلَى ظُهُورِ العَدَالَةِ، وَهُوَ بِالتَّزْكِيَةِ، فَيُشْتَرَطُ فِيهِ العَدَدُ كَمَا تُشْتَرَطُ العَدَالَةُ فِيهِ، … ...
وفي جامع قاضي خان (١) هذا إذا كان المدعى عليه يَصْلُح مزكيا، فإن كان فاسقًا أو مستورًا، أو سكت عن جواب المُدّعِي ولم يجحد، فلما شهدوا قال: هم عدول - لا يصح هذا التعديل؛ لأن العدالة في المزكي شرط عند الكل، ولم يوجد، وعن محمد أن القاضي يسأل عن المدعى عليه: شهدوا عليك بحق أو بغير حق؟ فإن قال: بحق فهو إقرار، وإن قال: بغير حق - لا يقضي بينهم.
قوله: (والمراد منه) أي: من رسول القاضي الذي يسأل عن الشهود (المزكي) وهو المرسل إليه، فكان قوله: (الذي يسأل عن الشهود) صفة الرسول وتفسيره، والذي يسأل عنه عن الشهود، وهو المزكي، وعلى هذا الخلاف إلى آخره، يعني يكفي الواحد للتزكية والرسالة والترجمة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وبه قال مالك (٢) وأحمد (٣) في رواية، وعند محمد لا بد من الاثنين، وبه قال الشافعي (٤) وأحمد (٥).
стр. 5278
وَتُشْتَرَطُ الذُّكُورَةُ فِي المُزَكِّي وَالحُدُودِ وَالْقِصَاصِ.
وَلَهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ، وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ وَمَجْلِسُ القَضَاءِ، وَاشْتِرَاطُ العَدَدِ أَمْرٌ حُكْمِيٌّ فِي الشَّهَادَةِ فَلَا يَتَعَدَّاهَا (وَلَا يُشْتَرَطُ أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ فِي المُزَكِّي فِي تَزْكِيَةِ السِّرِّ) حَتَّى صَلَحَ العَبْدُ مُزَكِّيًا، فَأَمَّا فِي تَزْكِيَةِ العَلَانِيَةِ فَهُوَ شَرْطٌ، وَكَذَا العَدَدُ بِالإِجْمَاعِ عَلَى مَا قَالَهُ الخَصَّافُ ﵀ لِاخْتِصَاصِهَا بِمَجْلِسِ القَضَاءِ. قَالُوا: يُشْتَرَطُ الأَرْبَعَةُ فِي تَزْكِيَةِ شُهُودِ الزِّنَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀.
قوله: (وتشترط الذكورة في المزكي والحدود بإجماع الأئمة الأربعة، وتشترط أيضًا عند الأئمة الثلاثة (١) فيما لا يُثبت بشهادة النساء، وعلى هذا الخلاف الجرح، فعندهما يثبت بواحد، وبه قال مالك (٢)، وعند محمد لا بد من اثنين، وبه قال الشافعي (٣) وأحمد (٤).
قوله: (أمر حكمي) أي: تعبدي لا تدركه العقول.
وفي المبسوط (٥): اشتراط العدد في الشاهد يثبت بالنص بخلاف القياس، ففي القياس يكفي شهادة الواحد العدل؛ لأن خبره موجب العمل لا علم اليقين، وكما لا يثبت علم اليقين بخبر الواحد لا يثبت بخبر العدد ما لم يبلغ حد التواتر، إلا أن اشتراط العدد ثبت بالنص، بخلاف القياس.
(فلا يتعداها) أي: فلا يتعدى اشتراط العدد من الشهادة إلى التزكية.
قوله: (قالوا) أي: المشايخ يشترط الأربعة في شهادة الزنا عند محمد) من الذكور في المزكين. ذكره في الذخيرة (٦).
стр. 5279
فَصْلٌ: [في بَيَانِ أَحْكَامٍ تَتَعَلَّقُ بِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ وبِأنَّ الشَاهِدَ كَيفَ يَشْهَدُ عِنْدَ القَاضِي]
(وَمَا يَتَحَمَّلُهُ الشَّاهِدُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ بِنَفْسِهِ، مِثْلُ البَيْعِ وَالإِقْرَارِ وَالغَصْبِ وَالقَتْلِ وَحُكْمِ الحَاكِمِ، فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ الشَّاهِدُ أَوْ رَآهُ وَسِعَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ عَلِمَ مَا هُوَ المُوجِبُ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ الرُّكْنُ فِي إِطْلَاقِ الأَدَاءِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] وَقَالَ النَّبِيُّ ﵊: «إِذَا عَلِمْت مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ وَإِلَّا فَدَعْ» قَالَ: (وَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ بَاعَ، وَلَا يَقُولُ: أَشْهَدَنِي) لِأَنَّهُ كَذِبٌ، (وَلَوْ سَمِعَ مِنْ وَرَاءِ الحِجَابِ لَا يَجُوزُ لَهُ
فَصْلٌ: [في بَيَانِ أَحْكَامٍ تَتَعَلَّقُ بِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ وبِأنَّ الشَاهِدَ كَيفَ يَشْهَدُ عِنْدَ القَاضِي]
في هذا الفصل بيان أحكام تتعلق بأداء الشهادة بأن الشاهد: كيف يشهد عند القاضي؟
قوله: (ما يثبت حكمه بنفسه) أي: لا يحتاج إلى الإشهاد، فيجوز للشاهد أن يشهد بلا إشهاد، بخلاف الشهادة على الشهادة.
قوله: (فإذا سمع ذلك) أي: ما ثبت بنفسه من الأفعال (أو رآه) أي: من الأفعال.
قوله: (وهو الركن) أي: علم ما هو الموجب بنفسه هو الركن في تجوز الأداء، جعل العلم ركنًا مع أنه شرط فيه، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] جعل كونهم عالمين حالا للشهود، والأحوال شروط، وكذلك في الحديث: «إِذَا عَلِمْت مِثْلَ الشَّمْسِ» وإنما جعله هكذا لزيادة تأثيره في صحة أداء الشهادة (١).
قوله: (ويقول: أشهد ابتاع) (٢)، وفي الذخيرة (٣): هذا في البيع الصريح،
стр. 5280
أَنْ يَشْهَدَ، وَلَوْ فَسَّرَ لِلْقَاضِي لَا يَقْبَلُهُ) لِأَنَّ النَّعْمَةَ تُشْبِهُ النَّغْمَةَ فَلَمْ يَحْصُلُ العِلْمُ إِلَّا إِذَا كَانَ دَخَلَ البَيْتَ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ سِوَاهُ ثُمَّ جَلَسَ عَلَى البَابِ وَلَيْسَ فِي البَيْتِ مَسْلَكُ غَيْرُهُ فَسَمِعَ إِقْرَارَ الدَّاخِلِ وَلَا يَرَاهُ، لَهُ أَنْ يَشْهَدَ لِأَنَّهُ حَصَلَ العِلْمُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.
(وَمِنْهُ: مَا لَا يَثْبُتُ الحُكْمُ فِيهِ بِنَفْسِهِ: مِثْلُ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، فَإِذَا سَمِعَ شَاهِدًا يَشْهَدُ بِشَيْءٍ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ إِلَّا أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهَا) لِأَنَّ الشَّهَادَةَ غَيْرُ مُوجِبَةٍ بِنَفْسِهَا، وَإِنَّمَا تَصِيرُ مُوجِبَةٌ بِالنَّقْلِ إِلَى مَجْلِسِ القَضَاءِ، فَلَا بُدَّ.
أما في البيع على سبيل التعاطي يشهدون على الأخذ والإعطاء؛ لأن التعاطي بيع حكمي، وقيل: لو شهدوا على البيع يجوز.
(ولو فسره للقاضي) بأن يقول: أشهد بالسماع من وراء الحجاب.
النغمة: الكلام الخفي من حد ضرب، يقال: فلانٌ حَسَن النَّعْمة: إذا كان حسن الصوت في القراءة، وكان ابن مقاتل لا يجوز الشهادة بالسماع من وراء الحجاب مطلقا.
وقال أبو الليث: إذا رأى شخصها حال إقرارها يجوز، وإلا لا، شرط رؤية شخصها لا رؤية وجهها. كذا في الذخيرة (١).
قوله: (ولم يوجد) أي: الإبانة والتحميل فلا يصح؛ لأن شاهد الفرع لا علم له بالحق، ولكن ينقل شهادة غيره عند محمد بطريق التوكيل، حتى لو رجع الأصول دون الفروع وجب الضمان على الأصول، ولو رجعوا جميعًا يخيرون عند أبي حنيفة وإن لم يكن بطريق التوكيل، حتى لو أشهد واحدًا على شهادته، ثم منعه عن الأداء - لا يصح منعه، وكان لشاهد الفرع (٢) أن يشهد على شهادته، ولو رجع الأصول لا يجب الضمان عليهم في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، إلا أن شهادة الأصول إنما تصير حجة بالنقل إلى مجلس القاضي، فلا يجوز لغيره أن يجعل كلامه حجة إلا بأمره (٣).
стр. 5281
مِنْ الإِنَابَةِ وَالتَّحْمِيلِ وَلَمْ يُوجَدْ (وَكَذَا لَوْ سَمِعَهُ يُشْهِدُ الشَّاهِدَ عَلَى شَهَادَتِهِ: لَمْ يَسَعْ لِلسَّامِعِ أَنْ يَشْهَدَ) لِأَنَّهُ مَا حَمَلَهُ وَإِنَّمَا حَمَلَ غَيْرَهُ.
(وَلَا يَحِلُّ لِلشَّاهِدِ إِذَا رَأَى خَطَّهُ أَنْ يَشْهَدَ إِلَّا أَنْ يَتَذَكَّرَ الشَّهَادَةَ) لِأَنَّ الخَطَّ يُشْبِهُ الخَطَّ فَلَمْ يَحْصُلُ العِلْمُ. قِيلَ: هَذَا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀.
وَعِنْدَهُمَا: يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ (*). وَقِيلَ: هَذَا بِالاتِّفَاقِ،
قوله: (لم يسع للسامع أن يشهد) على شهادته؛ لعدم أمره، بخلاف ما لو سمع قاضيًا يُشهد قومًا على قضائه كان للسامع أن يشهد على قضائه بغير أمره؛ لأن قضاء القاضي حجة ملزمة، ومن عاين حجة حل له الإشهاد بها، كما لو عاين الإقرار أو البيع، أما الشهادة في غير مجلس القضاء غير ملزمة. كذا قاله قاضي خان.
وفي هذا التعليل إشارة إلى أنه إذا سمع في مجلس القاضي ينبغي أن يجوز، ويجيء هذا البحث في باب الشهادة على الشهادة مع اختلافاته (١).
قوله: (وقيل هذا) إشارة إلى أول المسألة، وهو قوله: (ولا يحل للشاهد). (بالاتفاق)، وفي أدب القاضي من المبسوط (٢) هاهنا ثلاثة فصول:
أحدها: القاضي إذا وجد في ديوانه صحيفة فيها شهادة، ولم يتذكر أنهم شهدوا بذلك ولا حكمه، فعلى قول أبي حنيفة: لا يحكم بدون التذكر، وبه قال الشافعي (٣) وأحمد في رواية، وعند أبي يوسف ومحمد: إذا وجد ذلك في قِمَطْرَة (٤) تحت خاتمه يجوز أن يقضي به، وبه قال مالك (٥) وأحمد (٦) في رواية؛ إذ القاضي لكثرة أشغاله يعجز عن حفظ كل حادثة، ولهذا يكتب، وإنما
стр. 5282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يحصل المقصود بالكتابة إذا جاز له الاعتماد على الكتاب عند النسيان؛ إذ ليس في وسع الآدمي التحرز عن النسيان، فما كان في قمطرة تحت خاتمه فالظاهر أنه حق، والقاضي مأمور باتباع الظاهر، ومذهب أبي حنيفة هو العزيمة؛ لأن الكتابة للتذكّر؛ إذ الكتاب للقلب كالمرآة للعين، وإنما تعتبر المرآة لإدراك العين، فإذا لم يتذكر كان وجوده كعدمه، وهذا لأن الكتاب يُزوّر ويُفتعل، والخط يشبه الخط، والخاتم يشبه الخاتم، فلم يحصل العلم مع احتمال التزوير.
والثاني: الشاهد يجد شهادته في صك، وعلم أنه خطه وهو معروف، ولم يتذكر الحادثة.
والثالث: إذا سمع حديثًا، فوجده مكتوبًا بخطه، ووجد سماعه مكتوبًا بخط غيره لا تحل له الرواية عند أبي حنيفة بدون التذكر، ولهذا قلت روايته، فمحمد أخذ في الفصول الثلاثة بالرخصة تيسيرا، وقال: يعتمد خطه إذا كان معروفًا.
وأبو يوسف في مسألة القضاء والرواية أخذ بالرخصة؛ لأن المكتوب كان في يده، وفي مسألة الشهادة أخذ بالعزيمة؛ لأن الصك في الشهادة في يد الخصم، فلا يأمن الشاهد التغيير، فلا يعتمد خطه.
ولو وجد القاضي في خريطته سجلا ولم يتذكر الحادثة فهو على الخلاف الذي بيناه.
ولو نسي قضاءه ولم يكن سجلا، فشهدا على حكمه لم يمضه عند أبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي (١)، وعند محمد وأحمد (٢) وابن أبي ليلى يقضي به ويمضيه.
وعلى هذا لو سمع من غيره حديثًا ثم نسي الأصل الرواية، فعند أبي حنيفة وأبي يوسف لا يعمل به، وعند محمد يعمل به، وعلى هذه المسائل التي اختلف
стр. 5283
وَإِنَّمَا الخِلَافُ فِيمَا إِذَا وَجَدَ القَاضِي شَهَادَتَهُ فِي دِيوَانِهِ أَوْ قَضِيَّتَهُ، لِأَنَّ مَا يَكُونُ فِي قِمْطَرِهِ فَهُوَ تَحْتَ خَتْمِهِ يُؤْمَنُ عَلَيْهِ مِنْ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، فَحَصَلَ لَهُ العِلْمُ بِذَلِكَ، وَلَا كَذَلِكَ الشَّهَادَةُ فِي الصَّكَ، لِأَنَّهُ فِي يَدِ غَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا: إِذَا تَذَكَّرَ المَجْلِسَ الَّذِي كَانَ فِيهِ الشَّهَادَةُ أَوْ أَخْبَرَهُ قَوْمٌ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ أَنَّا شَهِدْنَا نَحْنُ وَأَنْتَ.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِشَيْءٍ لَمْ يُعَايِنُهُ، إِلَّا النَّسَبَ وَالمَوْتَ وَالنِّكَاحَ وَالدُّخُولَ وَوِلَايَةَ القَاضِي، فَإِنَّهُ يَسَعُهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ إِذَا أَخْبَرَهُ بِهَا مَنْ يَثِقُ بِهِ) وَهَذَا اسْتِحْسَانُ. وَالقِيَاسُ: أَنْ لَا تَجُوزَ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ المُشَاهَدَةِ. .......................
فيها أبو يوسف ومحمد في الرواية في الجامع الصغير، وهي ثلاث سمعها محمد عن أبي يوسف ثم نسي أبو يوسف الرواية، وكان لا يعتمد على رواية محمد، ومحمد لا يدع الرواية.
قوله: (أو قضيته) أي: وجد حكمه مكتوبًا في خريطته، والقمطر: الخريطة، وإنما خص دليلهما بقوله: (لأن ما) إلى آخره؛ لأنه ذكر أوّلًا دليل أبي حنيفة بقوله: (لأن الخط يشبه الخط).
وقوله: (على [هذا] (١) إشارة إلى المذكور قبله، وهو القولان المذكوران، قيد بقوله: (قيل: هذا قول أبي حنيفة، وقيل: بالاتفاق).
قوله: (لأن الشهادة مشتقة من المشاهدة) فالمعنى من الاشتقاق انتظام الصيغتين معنى واحدًا بعد اشتراكهما في الحروف الأصول، وهو موجود ها هنا (٢).
ثم في الشهادة بالاستفاضة في النكاح والنسب والموت وولاية القضاء اختلاف؛ فعندنا يجوز، وبه قال أحمد (٣) والشافعي (٤) في قول، ومالك (٥) في
стр. 5284
وَذَلِكَ بِالعِلْمِ وَلَمْ يَحْصُلْ فَصَارَ كَالبَيْعِ.
رواية إن كان في غاية الشهرة، وقال بعض أصحاب الشافعي (١): لا يجوز في النكاح، وبه قال مالك (٢) في رواية.
قوله: (فصار كالبيع) يعني إذا سمع من ثقة أن فلانا باع، ولم يشاهد بيعه - لا يسع للسامع الشهادة، كذا هاهنا؛ لأن الشهادة لا تجوز إلا بعلم، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] والعلم يستفاد بالمعاينة أو بالخبر المتواتر، فأما التسامع لا يفيد العلم، فلا يجوز العمل به، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦].
وجه الاستحسان تعامل الناس في ذلك، ألا ترى أنا نشهد أن عمر ابن الخطاب، وأن عليا ابن أبي طالب، ونشهد أن فاطمة زوجة علي، وأن عائشة بنت أبي بكر، وأن شريحا كان قاضيا، ونشهد أنهم قد ماتوا، ولم ندرك شيئا من ذلك!
ثم هذه الأسباب يقترن بها ما يشتهر، فإن النسب يشتهر بالتهنئة، والموت بالتعزية، والنكاح بالشهود والوليمة، والقضاء بقراءة المنشور، فنزلت الشهرة فيها منزلة العيان، بخلاف الأموال وغيرها.
ألا ترى أن سبب النسب الولادة، ولا يحضرها إلا القابلة، وسبب القضاء تقليد السلطان، ولا يعاين ذلك إلا الخواص، فلو لم تجز الشهادة عليها بالتسامع أدى إلى الحرج؛ لأنه يتعلق بها أحكام تبقى على مر الدهور، فلو لم تجز الشهادة بالتسامع لأدى إلى الحرج أو تعطيل تلك الأحكام، بخلاف البيوع وغيرها، فإنه كلام يسمعه كل أحد، وسبب الملك هو اليد، وهو مما يعاينه كل أحد، ولهذا قلنا في الصحيح: إن الشهادة على أصل الوقف بالتسامع تجوز، وعلى شرائطه لا تجوز؛ لأن أصل الوقف يشتهر دون شرائطه، فلا بد للشاهد من نوع علم. كذا في المبسوط (٣).
стр. 5285
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ هَذِهِ أُمُورٌ تَخْتَصُّ بِمُعَايَنَةِ أَسْبَابِهَا خَوَّاصٌ مِنْ النَّاسِ، وَيَتَعَلَّقُ بِهَا أَحْكَامُ تَبْقَى عَلَى انْقِضَاءِ القُرُونِ، فَلَوْ لَمْ تُقْبَلْ فِيهَا الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ أَدَّى إلَى الحَرَجِ وَتَعْطِيلِ الأَحْكَامِ، بِخِلَافِ البَيْعِ، لِأَنَّهُ يَسْمَعُهُ كُلُّ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِالاشْتِهَارِ، وَذَلِكَ بِالتَّوَاتُرِ أَوْ بِإِخْبَارِ مَنْ يَثِقُ بِهِ كَمَا قَالَ فِي الكِتَابِ.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يُخْبِرَهُ رَجُلَانِ عَدْلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ لِيَحْصُلَ لَهُ نَوْعُ عِلْمٍ.
أما الشهادة بالدخول، فقد ذكر الجصاص: تجوز بالتسامع؛ لأن هذا أمر يشتهر بخلاف الزنا؛ لأنه فاحشة لا يحتال في إثباتها، وعند الأئمة الثلاثة (١) لا يقبل بالاستفاضة؛ لأنه مما يُعاين كما في الشهادة على الزنا، وقد بينا الفرق.
وأما الشهادة على المهر بالشهرة والتسامع، فقد ذكر في نكاح المنتقى: يجوز. ذكره في الذخيرة (٢).
وعند الأئمة الثلاثة (٣) لا يجوز؛ لأنه مما يُعاين.
قوله: (ويشترط أن يخبره رجلان) إلى آخره، وبه قال بعضُ أصحاب الشافعي (٤) وأحمد (٥)، وقال الماوردي من أصحاب الشافعي (٦): لا تثبت الاستفاضة إلا بعدد يقع العلم بخبرهم، وهو ظاهر كلام أحمد (٧) ومالك (٨).
стр. 5286
وَقِيلَ: فِي المَوْتِ يَكْتَفِي بِإِخْبَارِ وَاحِدٍ أَوْ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّهُ قَلَّمَا يُشَاهِدُ غَيْرُ الوَاحِدِ، إِذْ الإِنْسَانُ يَهَابُهُ وَيَكْرَهُهُ فَيَكُونُ فِي اشْتِرَاطِ العَدَدِ بَعْضُ الحَرَجِ، وَلَا كَذَلِكَ النَّسَبُ وَالنِّكَاحُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُطْلِقَ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ ولا يُفَسِّرَ.
(وفي الموت قيل: يكتفي بإخبار واحد أو واحدة) عندنا، وقالت الأئمة الثلاثة (١): لا يكتفى، بل يشترط عدلان حتى يحصل بخبرهما نوع علم؛ لأنه أقل نصاب يفيد العلم الذي ينبني عليه الحكم في المعاملات.
وقلنا: نعم كذلك، إلا أن الموت قد يتفق في موضع لا يحضره إلا واحد، وإذا وجد قوم فلا يحضرون غالبًا كما ذكره في المتن، بخلاف الأشياء الثلاثة، وهي النسب والنكاح وولاية القاضي؛ لأن الغالب فيها أن تكون بين الجماعة، [فإن النكاح لا ينعقد إلا بحضور شاهدين، وتقليد القضاء يكون بين الجماعة] (٢) غالبًا، وكذا الولادة عند أبي يوسف ومحمد، وعند أبي حنيفة لا يحل ما لم يسمع من العامة بحيث يقع في قلبه صدق خبرهم (٣).
[ثم] (٤) فيما يثبت بالشهرة بخبر العدلين يشترط أن يكون الإخبار بلفظ الشهادة، ذكره الخصاف وشيخ الإسلام، وبه أخذ الصدر الشهيد (٥)؛ لأن لفظ الشهادة يوجب زيادة علم شرعًا لا يوجبه لفظ الخبر، وفي فصل الموت لما ثبت بخبر الواحد بالإجماع لا يشترط لفظ الشهادة. كذا في الذخيرة (٦).
قوله: (وينبغي أن يطلق) أي: يقول: إنه ابنه أو أمير أو قاض، أما إذا فسره لم تقبل شهادته؛ لأنه إذا أطلق يعلم أنه وقع في قلبه صدقه، فتكون الشهادة عن علم، ولا كذلك إذا فسر، ويقول: سمعت هذا.
стр. 5287
أَمَّا إِذَا فَسَّرَ لِلْقَاضِي أَنَّهُ يَشْهَدُ بِالتَّسَامُعِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، كَمَا أَنَّ مُعَايَنَةَ اليَدِ فِي الأَمْلَاكِ تُطْلِقُ الشَّهَادَةَ، ثُمَّ إِذَا فَسَّرَ لَا تُقْبَلُ كَذَا هَذَا.
وَلَوْ رَأَى إِنْسَانًا جَلَسَ مَجْلِسَ القَضَاءِ يَدْخُلُ عَلَيْهِ الخُصُومُ حَلَّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى كَوْنِهِ قَاضِيًا، وَكَذَا إِذَا رَأَى رَجُلًا وَامْرَأَةً يَسْكُنَانِ بَيْتًا وَيَنْبَسِطُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا إِلَى الْآخَرِ انْبِسَاطَ الأَزْوَاجِ، كَمَا إِذَا رَأَى عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِ. وَمَنْ شَهِدَ أَنَّهُ شَهِدَ دَفْنَ فُلَانٍ أَوْ صَلَّى عَلَى جِنَازَتِهِ فَهُوَ مُعَايَنَةٌ، حَتَّى لَوْ فَسَّرَ لِلْقَاضِي قَبْلَهُ. ثُمَّ قَصْرُ الاسْتِثْنَاءِ فِي الكِتَابِ عَلَى هَذِهِ الأَشْيَاءِ الخَمْسَةِ يَنْفِي اعْتِبَارَ التَّسَامُعِ فِي الوَلَاءِ وَالوَقْفِ.
وفي فصول الأَسْتَرَوْشَنِيّ: لو شهدا على النكاح فسألهما: هل كنتما حاضرين؟ فقالا: لا؛ تقبل شهادتهما؛ لأنه يحل لهما الشهادة بالتسامع، وقيل: لا تقبل؛ لأنهما قالا: لم نعاين تبين أنهما شهدا على النكاح والنسب وفسرا، وقالا: سمعنا ذلك من قوم لا يتصور اجتماعهم على الكذب - لا يقبل، وقيل: يقبل، وكذا لو قالا: دفناه وشهدنا جنازته تقبل.
وقال صاحب العدة: لو قالا: أخبرنا بذلك من نثق به تقبل، وهو الأصح، واختاره الخصاف (١).
ولو شهد واحد بالموت وآخر بالحياة فامرأته تأخذ بقول من يخبر بالموت؛ لأنه يثبت العارض. ذكره رشيد الدين في فتاواه، وذكر فيه: إنما تجوز الشهادة بالتسامع على الموت إذا كان الرجل معروفًا، بأن كان عالما أو من العمال، أما إذا كان تاجرًا أو من هو مثله لا يجوز إلا بالمُعاينة، وإذا عاين الموت واحد ويشهد عند القاضي لا تقبل، فالحيلة أنه يخبر بذلك عدلا مثله، فإذا سمع منه حلّ له الشهادة به (٢).
قوله: (على هذه الأشياء) أي: الأشياء الخمسة.
стр. 5288
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ آخِرًا أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الوَلَاءِ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ لِقَوْلِهِ ﵊: «الوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ».
(وعن أبي يوسف أنه يجوز في الولاء) أي: قال آخرًا، وبه قال بعض أصحاب الشافعي (١) وأحمد (٢) ومالك (٣) في صورة يجوز بالتسامع؛ لأنه ﵇ قال: «الوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» (٤) وعلى النسب يجوز بالإجماع، فكذا هاهنا، ألا ترى أنا نشهد أن قنبرًا مولى عليّ، وعكرمة مولي ابن عباس، ونافعًا مولى ابن عمر، وإن لم ندرك ذلك! ولأن الحكم المتعلق بالولاء يبقى على ممر الزمان، كالحكم المتعلق بالنسب، فلو لم يجز بالتسامع لبطلت الأحكام المتعلقة بالولاء.
ولأبي حنيفة ومحمد أن الولاء يتعلق بالعتق، وهو قول يسمع كالبيع، وليس كالولادة، فلا حاجة إلى التسامع، ولا يقترن بسبب الولاء ما يشتهر؛ لأن الإنسان يعتق عبده ولا يعلم به غيره، فكان دون البيع؛ لأن البيع لا ينعقد ما لم يعلم به المشتري، والعتق وإن لم يعلم به العبد (٥)، بخلاف ما تقدم؛ لأنه يعرف بأسباب تشتهر به من الوجه الذي قررناه. كذا في المبسوط (٦).
وفي أدب القاضي للشهيد (٧) عن الحلواني أن الخلاف ثابت في العتق أيضًا؛ لأن الشهادة على الولاء شهادة على العتق أيضًا.
стр. 5289
وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الوَقْفِ، لِأَنَّهُ يَبْقَى عَلَى مَرِّ الْأَعْصَارِ، إِلَّا أَنَّا نَقُولُ الوَلَاءُ يُبْتَنَى عَلَى زَوَالِ المِلْكِ وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ المُعَايَنَةِ فَكَذَا فِيمَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الوَقْفُ: فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ فِي أَصْلِهِ دُونَ شَرَائِطِهِ، لِأَنَّ أَصْلَهُ هُوَ الَّذِي يَشْتَهِرُ.
وذكر شمس الأئمة في شرح هَذَا الكتاب أن الشهادة على العتق بالتسامع لا تُقبل بالاتفاق، وعند الشافعي (١) في قول، وأحمد (٢) ومالك (٣) تقبل في العتق أيضًا.
ثم الخصاف (٤) شرط لسماع الشهادة بالتسامع على الولاء عند أبي يوسف شرطا لم يشترط محمد في المبسوط (٥)، فقال: إنما تقبل إذا كان العتق مشهورًا، أو للمعتق أبوان أو ثلاثة في الإسلام.
(وعن محمد أنه يجوز في الوقف)، وبه قال أحمد (٦) والإِصْطخري من أصحاب الشافعي (٧).
(لأن أصله) أي: أصل الوقف (يشتهر) أما شرائطه التي شرطها الواقف فلا تشتهر.
قال المرغيناني: لا بد من بيان الجهة بأن يشهد بأن هذا وقف على المسجد أو على المقبرة أو ما أشبهه، حتى لو لم يذكر ذلك لا تقبل شهادته، وتأويل قولهم: لا تقبل الشهادة على شرائط الوقف: ألا ينبغي للشاهد بعد ذكر الجهة أن يشهد أنه يبدأ من عليه فيصرف إلى كذا وكذا، ولو قال ذلك في شهادته لا تقبل. كذا في الذخيرة (٨).
وفي المجتبي: والمختار أن تقبل على شرائط الوقف أيضًا.
стр. 5290
قَالَ: (وَمَنْ كَانَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ سِوَى العَبْدِ وَالأَمَةِ، وَسِعَكَ أَنْ تَشْهَدَ أَنَّهُ لَهُ) لِأَنَّ اليَدَ أَقْصَى مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى المِلْكِ، إِذْ هِيَ مَرْجِعُ الدَّلَالَةِ فِي الأَسْبَابِ كُلِّهَا فَيَكْتَفِي بِهَا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لَهُ.
قَالُوا: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا تَفْسِيرًا لِإِطْلَاقِ مُحَمَّدٍ ﵀ فِي الرِّوَايَةِ، فَيَكُونُ
قوله: (ومن كان في يده شيء) إلى آخره، وفي جامع قاضي خان (١): صورة المسألة: رجل رأى عينًا في يد إنسان، ثم رآها في يد آخر، والأول يدعي الملك - وسعه أن يشهد أنه للمُدّعي؛ لأن الملك في الأشياء لا يُعرف بطريق اليقين، وإنما يعرف بطريق الظاهر، واليد بلا منازع دليل الملك ظاهرًا؛ بل لا دليل لمعرفة الملك للشاهد سوى اليد بلا منازعة؛ لأنه أقصى ما في الباب إن عاين أسباب الملك من البيع والهبة ونحوهما؛ لكن البيع إنما يفيد الملك إذا كان المبيع ملكًا للبائع، وكذا الهبة، وإنما يعرف ذلك باليد بلا منازعة. كذا في جامع البرهاني أيضًا.
قوله: (وعن أبي يوسف أنه يشترط مع ذلك)، وفي الفوائد الظهيرية: أسند هذا القول إلى أبي يوسف ومحمد فقال: وعنهما، ووجهه أن الأصل في الشهادة الإحاطة والتيقن؛ لقوله ﵇: «إِذَا عَلِمْتَ مِثلَ الشَّمْسِ فاشهد، وإلّا فَدَعْ» (٢)، وعند إعواز ذلك يصار إلى ما يشهد به القلب، ولهذا قيل: إذا رأى إنسان دُرَّة ثمينة في يد كناس، أو كتابًا في يد جاهل ليس في آبائه من هو أهل لذلك لا يسعه أن يشهد بالملك، وقال القاضي الإمام أبو علي النسفي: مع رؤية اليد والتصرف ينبغي أن يقع في قلبه أنه ملكه (٣).
قوله: (ويحتمل أن يكون هذا)، وهو قوله: (أن يقع في قلبه أنه له) تفسير لإطلاق قول محمد، وهو قوله: (وسعك أن تشهد)، وذكر الصدر الشهيد في