← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

وَقِيلَ: فِي المَوْتِ يَكْتَفِي بِإِخْبَارِ وَاحِدٍ أَوْ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّهُ قَلَّمَا يُشَاهِدُ غَيْرُ الوَاحِدِ، إِذْ الإِنْسَانُ يَهَابُهُ وَيَكْرَهُهُ فَيَكُونُ فِي اشْتِرَاطِ العَدَدِ بَعْضُ الحَرَجِ، وَلَا كَذَلِكَ النَّسَبُ وَالنِّكَاحُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُطْلِقَ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ ولا يُفَسِّرَ. (وفي الموت قيل: يكتفي بإخبار واحد أو واحدة) عندنا، وقالت الأئمة الثلاثة (١): لا يكتفى، بل يشترط عدلان حتى يحصل بخبرهما نوع علم؛ لأنه أقل نصاب يفيد العلم الذي ينبني عليه الحكم في المعاملات. وقلنا: نعم كذلك، إلا أن الموت قد يتفق في موضع لا يحضره إلا واحد، وإذا وجد قوم فلا يحضرون غالبًا كما ذكره في المتن، بخلاف الأشياء الثلاثة، وهي النسب والنكاح وولاية القاضي؛ لأن الغالب فيها أن تكون بين الجماعة، [فإن النكاح لا ينعقد إلا بحضور شاهدين، وتقليد القضاء يكون بين الجماعة] (٢) غالبًا، وكذا الولادة عند أبي يوسف ومحمد، وعند أبي حنيفة لا يحل ما لم يسمع من العامة بحيث يقع في قلبه صدق خبرهم (٣). [ثم] (٤) فيما يثبت بالشهرة بخبر العدلين يشترط أن يكون الإخبار بلفظ الشهادة، ذكره الخصاف وشيخ الإسلام، وبه أخذ الصدر الشهيد (٥)؛ لأن لفظ الشهادة يوجب زيادة علم شرعًا لا يوجبه لفظ الخبر، وفي فصل الموت لما ثبت بخبر الواحد بالإجماع لا يشترط لفظ الشهادة. كذا في الذخيرة (٦). قوله: (وينبغي أن يطلق) أي: يقول: إنه ابنه أو أمير أو قاض، أما إذا فسره لم تقبل شهادته؛ لأنه إذا أطلق يعلم أنه وقع في قلبه صدقه، فتكون الشهادة عن علم، ولا كذلك إذا فسر، ويقول: سمعت هذا.

стр. 5287

أَمَّا إِذَا فَسَّرَ لِلْقَاضِي أَنَّهُ يَشْهَدُ بِالتَّسَامُعِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، كَمَا أَنَّ مُعَايَنَةَ اليَدِ فِي الأَمْلَاكِ تُطْلِقُ الشَّهَادَةَ، ثُمَّ إِذَا فَسَّرَ لَا تُقْبَلُ كَذَا هَذَا. وَلَوْ رَأَى إِنْسَانًا جَلَسَ مَجْلِسَ القَضَاءِ يَدْخُلُ عَلَيْهِ الخُصُومُ حَلَّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى كَوْنِهِ قَاضِيًا، وَكَذَا إِذَا رَأَى رَجُلًا وَامْرَأَةً يَسْكُنَانِ بَيْتًا وَيَنْبَسِطُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا إِلَى الْآخَرِ انْبِسَاطَ الأَزْوَاجِ، كَمَا إِذَا رَأَى عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِ. وَمَنْ شَهِدَ أَنَّهُ شَهِدَ دَفْنَ فُلَانٍ أَوْ صَلَّى عَلَى جِنَازَتِهِ فَهُوَ مُعَايَنَةٌ، حَتَّى لَوْ فَسَّرَ لِلْقَاضِي قَبْلَهُ. ثُمَّ قَصْرُ الاسْتِثْنَاءِ فِي الكِتَابِ عَلَى هَذِهِ الأَشْيَاءِ الخَمْسَةِ يَنْفِي اعْتِبَارَ التَّسَامُعِ فِي الوَلَاءِ وَالوَقْفِ. وفي فصول الأَسْتَرَوْشَنِيّ: لو شهدا على النكاح فسألهما: هل كنتما حاضرين؟ فقالا: لا؛ تقبل شهادتهما؛ لأنه يحل لهما الشهادة بالتسامع، وقيل: لا تقبل؛ لأنهما قالا: لم نعاين تبين أنهما شهدا على النكاح والنسب وفسرا، وقالا: سمعنا ذلك من قوم لا يتصور اجتماعهم على الكذب - لا يقبل، وقيل: يقبل، وكذا لو قالا: دفناه وشهدنا جنازته تقبل. وقال صاحب العدة: لو قالا: أخبرنا بذلك من نثق به تقبل، وهو الأصح، واختاره الخصاف (١). ولو شهد واحد بالموت وآخر بالحياة فامرأته تأخذ بقول من يخبر بالموت؛ لأنه يثبت العارض. ذكره رشيد الدين في فتاواه، وذكر فيه: إنما تجوز الشهادة بالتسامع على الموت إذا كان الرجل معروفًا، بأن كان عالما أو من العمال، أما إذا كان تاجرًا أو من هو مثله لا يجوز إلا بالمُعاينة، وإذا عاين الموت واحد ويشهد عند القاضي لا تقبل، فالحيلة أنه يخبر بذلك عدلا مثله، فإذا سمع منه حلّ له الشهادة به (٢). قوله: (على هذه الأشياء) أي: الأشياء الخمسة.

стр. 5288

وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ آخِرًا أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الوَلَاءِ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ لِقَوْلِهِ ﵊: «الوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ». (وعن أبي يوسف أنه يجوز في الولاء) أي: قال آخرًا، وبه قال بعض أصحاب الشافعي (١) وأحمد (٢) ومالك (٣) في صورة يجوز بالتسامع؛ لأنه ﵇ قال: «الوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» (٤) وعلى النسب يجوز بالإجماع، فكذا هاهنا، ألا ترى أنا نشهد أن قنبرًا مولى عليّ، وعكرمة مولي ابن عباس، ونافعًا مولى ابن عمر، وإن لم ندرك ذلك! ولأن الحكم المتعلق بالولاء يبقى على ممر الزمان، كالحكم المتعلق بالنسب، فلو لم يجز بالتسامع لبطلت الأحكام المتعلقة بالولاء. ولأبي حنيفة ومحمد أن الولاء يتعلق بالعتق، وهو قول يسمع كالبيع، وليس كالولادة، فلا حاجة إلى التسامع، ولا يقترن بسبب الولاء ما يشتهر؛ لأن الإنسان يعتق عبده ولا يعلم به غيره، فكان دون البيع؛ لأن البيع لا ينعقد ما لم يعلم به المشتري، والعتق وإن لم يعلم به العبد (٥)، بخلاف ما تقدم؛ لأنه يعرف بأسباب تشتهر به من الوجه الذي قررناه. كذا في المبسوط (٦). وفي أدب القاضي للشهيد (٧) عن الحلواني أن الخلاف ثابت في العتق أيضًا؛ لأن الشهادة على الولاء شهادة على العتق أيضًا.

стр. 5289

وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الوَقْفِ، لِأَنَّهُ يَبْقَى عَلَى مَرِّ الْأَعْصَارِ، إِلَّا أَنَّا نَقُولُ الوَلَاءُ يُبْتَنَى عَلَى زَوَالِ المِلْكِ وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ المُعَايَنَةِ فَكَذَا فِيمَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ. وَأَمَّا الوَقْفُ: فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ فِي أَصْلِهِ دُونَ شَرَائِطِهِ، لِأَنَّ أَصْلَهُ هُوَ الَّذِي يَشْتَهِرُ. وذكر شمس الأئمة في شرح هَذَا الكتاب أن الشهادة على العتق بالتسامع لا تُقبل بالاتفاق، وعند الشافعي (١) في قول، وأحمد (٢) ومالك (٣) تقبل في العتق أيضًا. ثم الخصاف (٤) شرط لسماع الشهادة بالتسامع على الولاء عند أبي يوسف شرطا لم يشترط محمد في المبسوط (٥)، فقال: إنما تقبل إذا كان العتق مشهورًا، أو للمعتق أبوان أو ثلاثة في الإسلام. (وعن محمد أنه يجوز في الوقف)، وبه قال أحمد (٦) والإِصْطخري من أصحاب الشافعي (٧). (لأن أصله) أي: أصل الوقف (يشتهر) أما شرائطه التي شرطها الواقف فلا تشتهر. قال المرغيناني: لا بد من بيان الجهة بأن يشهد بأن هذا وقف على المسجد أو على المقبرة أو ما أشبهه، حتى لو لم يذكر ذلك لا تقبل شهادته، وتأويل قولهم: لا تقبل الشهادة على شرائط الوقف: ألا ينبغي للشاهد بعد ذكر الجهة أن يشهد أنه يبدأ من عليه فيصرف إلى كذا وكذا، ولو قال ذلك في شهادته لا تقبل. كذا في الذخيرة (٨). وفي المجتبي: والمختار أن تقبل على شرائط الوقف أيضًا.

стр. 5290

قَالَ: (وَمَنْ كَانَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ سِوَى العَبْدِ وَالأَمَةِ، وَسِعَكَ أَنْ تَشْهَدَ أَنَّهُ لَهُ) لِأَنَّ اليَدَ أَقْصَى مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى المِلْكِ، إِذْ هِيَ مَرْجِعُ الدَّلَالَةِ فِي الأَسْبَابِ كُلِّهَا فَيَكْتَفِي بِهَا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لَهُ. قَالُوا: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا تَفْسِيرًا لِإِطْلَاقِ مُحَمَّدٍ ﵀ فِي الرِّوَايَةِ، فَيَكُونُ قوله: (ومن كان في يده شيء) إلى آخره، وفي جامع قاضي خان (١): صورة المسألة: رجل رأى عينًا في يد إنسان، ثم رآها في يد آخر، والأول يدعي الملك - وسعه أن يشهد أنه للمُدّعي؛ لأن الملك في الأشياء لا يُعرف بطريق اليقين، وإنما يعرف بطريق الظاهر، واليد بلا منازع دليل الملك ظاهرًا؛ بل لا دليل لمعرفة الملك للشاهد سوى اليد بلا منازعة؛ لأنه أقصى ما في الباب إن عاين أسباب الملك من البيع والهبة ونحوهما؛ لكن البيع إنما يفيد الملك إذا كان المبيع ملكًا للبائع، وكذا الهبة، وإنما يعرف ذلك باليد بلا منازعة. كذا في جامع البرهاني أيضًا. قوله: (وعن أبي يوسف أنه يشترط مع ذلك)، وفي الفوائد الظهيرية: أسند هذا القول إلى أبي يوسف ومحمد فقال: وعنهما، ووجهه أن الأصل في الشهادة الإحاطة والتيقن؛ لقوله ﵇: «إِذَا عَلِمْتَ مِثلَ الشَّمْسِ فاشهد، وإلّا فَدَعْ» (٢)، وعند إعواز ذلك يصار إلى ما يشهد به القلب، ولهذا قيل: إذا رأى إنسان دُرَّة ثمينة في يد كناس، أو كتابًا في يد جاهل ليس في آبائه من هو أهل لذلك لا يسعه أن يشهد بالملك، وقال القاضي الإمام أبو علي النسفي: مع رؤية اليد والتصرف ينبغي أن يقع في قلبه أنه ملكه (٣). قوله: (ويحتمل أن يكون هذا)، وهو قوله: (أن يقع في قلبه أنه له) تفسير لإطلاق قول محمد، وهو قوله: (وسعك أن تشهد)، وذكر الصدر الشهيد في

стр. 5291

شَرْحًا عَلَى الاتِّفَاقِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: دَلِيلُ المِلْكِ اليَدُ مَعَ التَّصَرُّفِ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا ﵏ لِأَنَّ اليَدَ مُتَنَوِّعَةٌ إِلَى إِنَابَةٍ وَمِلْكِ. أدب القاضي (١) [فيه اليد]، ويحتمل أن يكون قوله قول الكل، وبه نأخذ. قوله: (وقال الشافعي (٢): دليل الملك اليد مع التصرف) أي: التصرف مدة طويلة، وبه قال مالك (٣) وابن حامد الحنبلي (٤). وبه قال بعض مشايخنا، وهو الخصاف؛ لأن اليد تتنوع إلى ملك ونيابة وضمان. وقلنا: التصرف إلى نيابة، كالوكيل والمضارب، وإلى أصالة فلا معنى لاعتبار هذه الزيادة؛ إذ الاحتمال لا يزول بها، والأصل أن الأملاك تكون في يد الملاك، والكينونة في يد غيرهم عارض، فرجحنا الأصل، فينبغي ألا تقيد الشهادة بما استفاد به من معاينة اليد، حتى إنه لو قال: إنه شهد بناء على اليد لا تقبل، كما مر في التسامع؛ لأن معاينة اليد في الأملاك مطلق الشهادة بالملك لا موجب، والقاضي يلزمه القضاء بالملك بالشهادة، ونحن ما ضمنا ذلك. ألا ترى أن في يد رجل دارًا يتصرف فيها تصرف الملاك، فيجوز أن يأخذ بذلك الشفعة في المبيعة بجنبها، والقاضي لا يقضي بالشفعة عند إنكار المشتري أن تكون الدار ملك الشفيع؛ لأن عيان اليد ليس سببًا للوجوب؛ لكنه سبب للجواز، وعند أحمد (٥) والإِصْطَخْرِي من أصحاب الشافعي (٦) يجوز أن يشهد في الملك بالاستفاضة؛ لأنه موجب للعلم الظاهر لما ذكرنا؛ بل أولى من اليد والتصرف، وعندنا والشافعي (٧) - في الأصح - ومالك (٨): لا يجوز؛ لاحتمال أنه اشتهر من رجل، ويكون لغيره وهو كبير، فلا يفيد علمًا.

стр. 5292

قُلْنَا: وَالتَّصَرُّفُ يَتَنَوَّعُ أَيْضًا إِلَى نِيَابَةٍ وَأَصَالَةٍ. ثُمَّ المَسْأَلَةُ عَلَى وُجُوهِ: إِنْ عَايَنَ المَالِكُ المِلْكَ حَلَّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ، وَكَذَا إِذَا عَايَنَ المِلْكَ بِحُدُودِهِ دُونَ المَالِكِ اسْتِحْسَانًا، لِأَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ بِالتَّسَامُعِ فَيَحْصُلُ مَعْرِفَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يُعَايِنُهَا أَوْ عَايَنَ المَالِكَ دُونَ المِلْكِ لَا يَحِلُّ لَهُ. قوله: (ثم إن عاين المالك) إلى آخره، في الكافي والذخيرة (١): ثم المسألة على أربعة أوجه: إن عاين الملك والمالك، بأن عرف المالك باسمه ونسبه ووجهه، وعرف الملك بحدوده، وَرَآه في يدِهِ بلا منازعة، ثم رآه في يد آخر، فجاء الأول وادعى الملك - وسعه أن يشهد للأول بالملك بناء على يده. أو عاين الملك دون المالك، بأن عاين ملكًا بحدوده ينسب إلى فلان بن فلان الفلاني، وهو لم يعرفه بوجهه ونسبه، ثم جاء الذي نسب إليه الملك وادعى ملك هذا المحدود على شخص - حل له أن يشهد استحسانا؛ لأن النسب يثبت بالتسامع، فصار المالك معلومًا بالتسامع. أو لم يعاين الملك ولا المالك، بأن سمع من الناس يقولون: لفلان بن فلان ضيعة في قرية كذا، حدودها كذا، وهو لم يعرف تلك الضيعة، ولم يعاين يده عليها لا يحل له أن يشهد له بالملك، وهي صورة من صور الاستفاضة. أو عاين المالك دون الملك بأن يعرف المالك باسمه ونسبه ووجهه، ويسمع أن له ضيعة في قرية كذا، وهو لا يعرف تلك الضيعة بعينها لا يسعه أن يشهد له بالملك؛ لأنه لم يحصل له العلم بالمحدود، وهو شرط للشهادة، وهذا صورة من صور الاستفاضة، فهذه قسمة عقلية، وهي دليل الانحصار. فإن قيل: يلزم على جواز الاستحسان الشهادة على الملك بالتسامع، وذا لا يجوز عندنا. قلنا: إنما لا يجوز إذا كانت الشهادة في حق المال قصدًا بالتسامع، أما بالتسامع هاهنا يثبت النسب، وفي ضمنه يثبت الملك، والاعتبار للمتضمن لا للمتضمن.

стр. 5293

وَأَمَّا العَبْدُ وَالأَمَةُ، فَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّهُمَا رَقِيقَانِ فَكَذَلِكَ، لِأَنَّ الرَّقِيقَ لَا يَكُونُ فِي يَدِ نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُ أَنَّهُمَا رَقِيقَانِ إِلَّا أَنَّهُمَا صَغِيرَانِ لَا يُعَبِّرَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا فَكَذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُمَا، وَإِنْ كَانَا كَبِيرَيْنِ فَذَلِكَ مَصْرِفُ الِاسْتِثْنَاءِ، لِأَنَّ لَهُمَا يَدًا عَلَى أَنْفُسِهِمَا، فَيُدْفَعُ يَدُ الغَيْرِ عَنْهُمَا فَانْعَدَمَ دَلِيلُ المِلْكِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ فِيهِمَا أَيْضًا اعْتِبَارًا بِالثَّيَابِ، وَالفَرْقُ مَا بَيَّنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قوله: (وإن كانا كبيرين) أراد به أن يعبّرا عن أنفسهما، سواء كانا صبيين عاقلين أو بالغين، وبه صرّح الإمام المحبوبي؛ لأن لهما يدًا على أنفسهما فتدفع يد الغير عنهما حكمًا، حتى إن الصبي الذي يعقل لو أقرّ بالرّق على نفسه لغيره يجوز إقراره، ويصنع المقر له به ما يصنع بمملوكه، فلا يكون نفس اليد دليل الملك؛ إذ الحر قد يخدم الحر كأنه عبده وأمكن إزالة هذا الاحتمال بتحكم الإقرار بالرق، فلم يسقط اعتبار الاحتمال فيهما، بخلاف ما لو عرف أنه رقيق؛ إذ لا يد للرقيق على نفسه. كذا في جامع قاضي خان. فإن قيل: لو كان الاعتبار لتعبيرهما عن نفسهما دون البلوغ لوجب أن تعتبر دعواهما بعدما كبرا في يد ذمي يدعي رقبتهما. قلنا: نعم الاعتبار للتعبير عن أنفسهما إذا كان في وقته، وهو فيما إذا لم يثبت لأحد عليهما رقبة قبله، وفي هذه الصورة ظهر الرق عليهما باليد في حال صغرهما، وسيجيء في فصل التنازع بالأيدي من كتاب الدعوى. [قوله] (١) (وعن أبي حنيفة أنه يحل أن يشهد فيهما) أي: في الكبيرين، وكذا عن أبي يوسف ومحمد، فجعلوا اليد في الكل دليلاً على الملك، ألا ترى أن من ادعى عبدًا أو أمةً في يد غيره، وذو اليد يدعي لنفسه؛ فالقول لذى اليد؛ لأن الظاهر شاهد له؛ لقيام يده عليه، كما في الثياب والدواب؛ إذ لا يد لهما على أنفسهما (٢).

стр. 5294

بَابُ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَمَنْ لَا تُقْبَلُ قَالَ: (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الأَعْمَى). وَقَالَ زُفَرُ ﵀ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: تُقْبَلُ فِيمَا يَجْرِي فِيهِ التَّسَامُعُ، لِأَنَّ الحَاجَةَ فِيهِ إِلَى السَّمَاعِ وَلَا خَلَلَ فِيهِ. بَابُ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَمَنْ لَا تُقْبَلُ لما ذكر تفصيل ما يسمع من الشهادة بالنسبة إلى محال الشهادة - شرع في بيان من تسمع شهادته ومن لا تسمع. ثم الأصل في هذا الباب أن الشهادة ترد بالتهمة؛ لقوله ﵇: «لا شهادة لِمُتَّهَم». ولأنها خبر محتمل للصدق والكذب، وبترجح جانب الصدق يصير حجة، ولا يترجح جانب الصدق بالتهمة. ثم تمكن التهمة تارةً يكون لمعنى في الشاهد، وهو الفسق؛ لأنه لما لم ينزجر عن ارتكاب محرم في دينه مع اعتقاده حرمته - لم ينزجر عن شهادة الزور. وقد يكون لمعنى في الشاهِدِ مع قيام العدالة والولاية، وهو العمى، فإذا عدم له آلة التمييز تمكن تهمة الغلط في الشهادة، وتهمة الغلط وتهمة الكذب سواء. وقد تكون تهمة الكذب مع قيام العدالة بدليل شرعي، وهو المحدود في القذف بعد التوبة عندنا، وقبل التوبة عند الشافعي (١) فقد جعل تعالى عجزه عن الإتيان بأربعة دليل كذبه بقوله: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] كذا في المبسوط (٢). قوله: (وقال زفر، وهو رواية عن أبي حنيفة: تقبل فيما يجري فيه التسامع)، وبه قال الشافعي (٣) والنخعي (٤) وأحمد (٥) ومالك (٦) والحسن

стр. 5295

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: يَجُوزُ إِذَا كَانَ بَصِيرًا وَقْتَ التَّحَوُّلِ لِحُصُولِ العِلْمِ بِالمُعَايَنَةِ، وَالأَدَاءُ يَخْتَصُّ بِالقَوْلِ، وَلِسَانُهُ غَيْرُ مُوفٍ، وَالتَّعْرِيفُ يَحْصُلُ بِالنِّسْبَةِ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْمَيِّتِ. وَلَنَا: أَنَّ الأَدَاءَ يَفْتَقِرُ إِلَى التَّمْيِيزِ بِالإِشَارَةِ بَيْنَ المَشْهُودِ لَهُ وَالمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَلَا يُمَيِّزُ الْأَعْمَى إِلَّا بِالنَّعْمَةِ، البصري (١) وسعيد بن جبير والثوري، وعن ابن عباس (٢): تُقبل فيما طريقه السمع أيضًا، وبه قال الزهري (٣) وربيعة (٤) والليث (٥) وشريح وعطاء (٦) وابن أبي ليلى ومالك (٧) وأحمد (٨)، وهو اختيار المزني، وكذا تقبل في الترجمة عند الكل؛ لأن العلم يحصل له فيها كالبصير؛ إذ حصول العلم بالسماع، وهو كالبصير في السماع، ويعرف القائل باسمه ونسبه. قوله: (وقال أبو يوسف والشافعي) (٩) تجوز شهادته فيما في طريقة السمع، وفيما لا يثبت بالتسامع إذا كان وقت التحمل بصيرا، وعمي عند الأداء، إذا كان يعرفه باسمه ونسبه كما في الميت، وبه قال مالك (١٠) وأحمد (١١) أيضًا، وقلنا: في شهادته تهمة يمكن التحرز عنها بحبس الشهود، فترد كشهادة الأب لولده، وهذا لأنه يحتاج في أداء الشهادة إلى التمييز بين المشهود له والمشهود عليه بالإشارة، أو إلى المشهود به فيما يجب إحضاره. (ولا يميز الأعمى إلا بالنغمة) أي: الصوت.

стр. 5296

وَفِيهِ شُبْهَةٌ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهَا بِجِنْسِ الشُّهُودِ وَالنِّسْبَةِ لِتَعْرِيفِ الغَائِبِ دُونَ الحَاضِرِ فَصَارَ كَالحُدُودِ وَالْقِصَاصِ. (وفيه شبهة يمكن التحرز عنها بجنس الشهود) فيرد بخلاف الميت؛ لأنه لا يمكن التحرز عنه بجنس الشهود، ثم لأن المدعي - وإن استكثر الشهود - يحتاج إلى إقامة النسبة والاسم مقام الإشارة عند موت المشهود عليه أو غيبته. (وإن النسبة لتعريف الغائب دون الحاضر) على أن الإشارة لم تقع إلى وكيل الغائب أو وصيه، وهو في ذلك قائم مقامه. (فصار كالحدود والقصاص) فإن شهادة الأعمى لا تقبل فيها بإجماع الأئمة (١). وفي الذخيرة (٢): لو تحمل وهو بصير، ثم أدى وهو أعمى: هل تقبل شهادته؟ فأجمع علماؤنا أنه في المنقول لا تقبل؛ لأن الإشارة إلى المنقول شرط، ولا يقوم الوصف مقام الإشارة عندهم جميعًا. أما إذا كان في الدين والعقار ففيه اختلفوا؛ فقال أبو يوسف: يقبل؛ لأن الاحتراز عن العمى غير ممكن لصاحب الحق، فقام الاسم والنسبة مقام الإشارة كما في الميت، وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يقبل؛ لما ذكرنا، ولما روي عن علي أنه رد شهادة الأعمى، ولم يفصل ولم يَسْتَفْسِر أنه تحمل وهو بصير أو أعمى، فدل أن الحكم لا يختلف. ثم قال مشايخنا: هذا كله فيما لا تجوز الشهادة عليه بالتسامع والشهرة، أما فيما تجوز الشهادة بالشهرة والتسامع تقبل شهادته بلا خلاف. وفي المبسوط (٣): قال أبو يوسف: يحتمل أن يكون ذلك عن علي في الحدود. وفي قوله: (شبهة يمكن التحرز عنها بجنس الشهود) إشارة إلى جواب

стр. 5297

وَلَوْ عَمِيَ بَعْدَ الأَدَاءِ يَمْتَنِعُ القَضَاءُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ (*)، لِأَنَّ قِيَامَ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ شَرْطُ وَقْتَ القَضَاءِ لِصَيْرُورَتِهَا حُجَّةٌ عِنْدَهُ وَقَدْ بَطَلَتْ وَصَارَ سؤال، وهو أن يقال: صلحت النغمة للتمييز بين شخص وشخص فيما هو أعظم خطرًا من المال، وهو وطء زوجته وجاريته، ولا يميز بينهما وبين غيرهما إلا بالنغمة، فَلَأَنْ يصلح في الأموال أولى. فقال: في هذا ضرورة، فإن الأعمى يحتاج إلى قضاء الشهوة وبقاء النسل كالبصير، ولا يمكن الاحتراز عنه بغير النغمة، وفيما نحن فيه يمكن الاحتراز بجنس الشهود، ولأن في أصل الوطء هناك يجوز أن يعتمد خبر الواحد، فإنه إذا أخبر أن هذه امرأته وقد زفت إليه حل له وطؤها، وكذا لو وجد امرأة نائمة على فراشه ليلا، فظن أنها امرأته حل له وطؤها. كذا في المبسوط (١) والأسرار. فإن قيل: يشكل على قولهما الشهادة على غائب لأجل كتاب القاضي إلى القاضي، حيث تقبل مع أن الإشارة لم توجد كما في الأعمى. قلنا: في الغائب يعرف الشهود المدعى عليه ويقولون: لو رأيناه عرفناه، فلا تكون شهادة على من لا يعلمون بوجوب الحق عليه، حتى لو قالوا: لا نعرفه اليوم لا تقبل شهادتهم، وأما الأعمى فيشهد على من لا يعلم بوجوب الحق عليه على الحقيقة، فلا يصح منه. كذا في الذخيرة (٢). قوله: (لصيرورتها) أي: لصيرورة الشهادة (حجة عنده) أي: عند القضاء؛ لأن المقصود من الشهادة القضاء فيما يمنع الأداء يمنع القضاء، والعمى والخرس والجنون والفسق يمنع الأداء فيمنع القضاء، وعند أبي يوسف لا يمنع الأداء فلا يمنع القضاء. كذا في الذخيرة (٣). وفي المبسوط (٤): لا تجوز شهادة الأخرس، لأن الأداء يختص بلفظ الشهادة بإجماع الفقهاء، حتى لو قال: أنا أخبر أو أعلم أو أتيقن

стр. 5298

كَمَا إِذَا خَرِسَ أَوْ جُنَّ أَوْ فَسَقَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا مَاتُوا أَوْ غَابُوا، لِأَنَّ الْأَهْلِيَّةَ بِالمَوْتِ قَدْ انْتَهَتْ وَبِالغَيْبَةِ مَا بَطَلَتْ. قَالَ: (وَلَا المَمْلُوكُ). لا تقبل، ولفظ الشهادة لا يتحقق من الأخرس، وبه قال الشافعي (١) في قول، ومالك (٢) وأحمد (٣)، وقال الشافعي (٤) في الأصح: تقبل شهادته إذا كان له إشارة مفهومة؛ لأن إشارته حينئذ كترجمة لفظة الشهادة بلسان آخر. وقلنا: في إشارته تهمة، ويمكن التحرز عنها بجنس الشهود كما في الأعمى. قوله: (ولا المملوك) أي: الرقيق، وبه قال الشافعي (٥) ومالك (٦). وعن علي أنه قال: أقبل شهادة العبيد بعضهم على بعض، ولا أقبلها على حر. وعن أنس: أنه يقبل على الأحرار والعبيد، وبه قال عثمان البتي (٧) وإسحاق (٨) وأحمد (٩) وداود، وعن الشعبي والنخعي (١٠) أنهما قالا: يقبل في القليل دون الكثير. وكذا لا تقبل شهادة الصبي عندنا، وبه قال الشافعي (١١) وأحمد (١٢) وعامة.

стр. 5299

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . العُلَماء، وعن مالِكٍ (١) تَقبل شَهادة الصِّبيان في الجِراح إذا كانوا قد اجْتَمَعوا لأمر مُباح قَبل أنْ يَتَفَرَّقوا، ويُروى ذلك عن ابن الزُّبَير، وعن أحمد (٢) أيضاً رِواية، وعن مالِكٍ (٣) أنه يَقبل في كلِّ شيءٍ؛ لإطْلاق النُّصوص، والعبد والصبي عدل. وقُلنا: الشَّهادة من باب الوَلاية؛ لأنه قول مُلزم على الغير ابتِداءً، وليس معنى الوَلاية إلا هذا، والأصل ولاية المرء على نفسه، ثم تتعدى إلى غيره، ولا ولاية لهما على أنفسهما، فعلى غيرهما أولى، إلا أن يؤديا في الحُرِّية والبُلوغ ما تحمَّلا قَبلهما؛ لأنَّ التحمل بالمُعايَنة والسَّماع، وهما لا يُنافِيهما، وعِند الأداء هما من أهل الوَلاية على نفسه، والشَّهادة تُقبل بعد البُلوغ والحُرِّية، وبه قال الشافعي (٤) وأحمد (٥)، وقال مالِكٌ (٦): لا تُقبل بعدهما كما لا تُقبل قبلهما، يُؤيده قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والصبي لم يكن رجلاً. قوله: (وقال الشافعي (٧): تقبل إذا تاب) (٨)، وبه قال مالك (٩) وأحمد (١٠)، واختلفوا في توبته؛ فقال الشافعي (١١): توبته إكذابه نفسه، [وبه قال أحمد؛ لما روي عن عمر أنه قال: توبة القاذف إكذابه نفسه] (١٢) أو قال: قذفي كان باطلاً،

стр. 5300

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وبه قال ابن أبي هريرة من أصحاب الشافعي (١)، وهو رواية أحمد (٢)، وقال الإِصْطخري (٣) من أصحابه: توبته أن يقول: كذبت فيما قلت، ولا أعود إلى مثله. وهل يعتبر مع التوبة إصلاح العمل؟ فيه قولان؛ قيل: يعتبر، قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ﴾ [آل عمران: ٨٩]. وقيل: لا يعتبر؛ لأن عمر قال لأبي بكرة: تب أقبل شهادتك. وجه قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ والاستثناء مع تعقب كلمات عطف بعضها على بعض ينصرف إلى جميع ما تقدم، ولأن الموجب لرد شهادته فسقه، فيرتفع بالتوبة، فتقبل شهادته، كالمحدود في غير القذف إذا تاب، وما روي من حديث عمر لأبي بكرة. ولنا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] فقد عطف على قوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ والعطف للاشتراك، كما قال الشافعي (٤) في قوله ﵇: «وتغريب عام» (٥) أنه من تمام حد البكر، فكذا رد الشهادة من تمام حده. وأصل الحد لا يرتفع بالتوبة بخلاف التغريب حيث لا يصلح من تمام الحد؛ لأنه لا يصلح زاجرًا، لما فيه من الإغراء على الفاحشة كما بين في الأصول. أما رد الشهادة يصلح زاجرًا؛ لأنه مؤلم بدنه كالجلد، وقد بين تمامه في الأصول، ولأن المقصود من الحد دفع العار عن المقذوف، وذلك في إهدار قوله أظهر؛ لأنه بالقذف آذى قلبه، فجزاؤه ألا تقبل شهادته؛ لأنه فعل لسانه

стр. 5301

لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ بَابِ الوِلَايَةِ وَهُوَ لَا يَلِي نَفْسَهُ، فَأَوْلَى أَنْ لَا تَثْبُتَ لَهُ الوِلَايَةُ عَلَى غَيْرِهِ (وَلَا المَحْدُودِ فِي قَذْفٍ وَإِنْ تَابَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤]، وَلِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الحَدِّ لِكَوْنِهِ مَانِعًا فَيَبْقَى بَعْدَ التَّوْبَةِ كَأَصْلِهِ، بِخِلَافِ المَحْدُودِ فِي غَيْرِ القَذْفِ، لِأَنَّ الرَّدَّ لِلْفِسْقِ وَقَدْ ارْتَفَعَ بِالتَّوْبَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: .. ويؤلم قلبه وفاقًا لجريمته، فيكون من تمام الحد، فلا يرتفع بالتوبة كأصل الحد (بخلاف المحدود في غير القذف؛ لأن الرد للفسق) لا للحد (وقد ارتفع بالتوبة). وأما الاستثناء ينصرف إلى ما يليه، وهو قوله ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ لأنه للاستئناف وما قبله أمر ونهي فوضا إلى الأئمة، وهذه جملة اسمية إخبار عن حالة قائمة فيهم، فلم يحسن العطف، فكانت مستأنفة، أو هو استثناء منقطع بمعنى (لكن)؛ لأن التائبين ليسوا من جنس الفاسقين، فكان معناه: ولكن الذين تابوا فإن الله غفور رحيم يغفر ذنبهم ويرحمهم، فكان كلامنا مبتدأ غير متعلق بما قبله، وفي خبر الفاسق الثابت بالنص التوقف، قال تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] والمنصوص عليه هنا الرد دون التوقف، فتبين أنه ليس بسبب الفسق بل لتمام الحد. وفي المبسوط (١): والصحيح من المذهب عندنا أنه إذا أقام أربعة من الشهود على صدقه بعد الحد عليه تقبل شهادته. قوله: (ولأنه) أي: ولأن رد الشهادة (من تمام الحد) كما بينا. (لكونه) أي: لكون الرد (مانعًا) من القذف، فيكون من تمام الحد كما ذكرنا. (فيبقى) أي: الرد (بعد التوبة كأصله) أي: كأصل الحد كما بينا، فلا يقال: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا﴾ وإن كان خطابًا للأئمة، فهو في نفسه جملة تامة، وبعطفها على الأولى يلزم الاشتراك كما قرر في الأصول؛ لأنا نقول: في نفسها وفي إثبات حكم الرد تامة، فأما في كونه جزاء على المعصية فلا يتم إلا بعطفها على الجلد؛ لأن المعصية ذكرت قبل الجلد، ونظيره ما لو قال: إن

стр. 5302

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . دخلت الدار فعبدي حر وامرأتي طالق، فقوله: وامرأتي طالق، وإن كان تاما في نفسه؛ لكن ناقصا في حق التعليق بالشرط، فكذا هذا (١). فإن قيل: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى قوله: ﴿ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]، ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا﴾ [المائدة: ٣٤] فيرجع الاستثناء إلى الجميع، ومعلوم أن ما تقدم في أول الآية أمر معنى. وقوله: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ﴾ خبر عن حال قائمة، ومع ذلك الاستثناء إلى الجميع، حتى لو تابوا قبل القدرة عليهم يسقط حد المحاربين عنهم. قلنا: أول الآية وإن كان أمرًا معنى لكن صورته صورة الخبر، فإذا كان كذلك جاز رجوع الاستثناء إلى الجميع، فأما فيما نحن فيه الصيغ مختلفة؛ أمر ونهي وخبر، فلا يحسن العطف، فيرجع الاستثناء إلى ما يليه، ولأن في رجوع الاستثناء إلى ما يليه، وهو قوله: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لا تبقى فائدة في قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ إذ التوبة تزيل عذاب الآخرة قبل القدرة عليهم وبعدها. فإن قيل: رجوع الاستثناء إلى الشهادة أولى؛ لأنه معلوم شرعًا أن التوبة تزيل الفسق بغير هذه الآية، فلا يكون رده إلى الفسق مفيدًا، ورده إلى الشهادة مفيد فائدة؛ لأنه يجوز رد الشهادة مع وجود التوبة، أما سمة الفسق لا تبقى مع وجود التوبة فيكون الاستثناء فيه منقطعًا، ومن الشهادة منفصلا، وهو أولى. قلنا: أراد بالتوبة المذكورة في الآية التوبة من القذف وإكذاب نفسه؛ لأنه يستحق سمة الفسق، وقد كان جائزا أن تبقى سمة الفسق عليه إذا تاب من سائر الذنوب ولم يكذب نفسه، فأخبر الله تعالى بزوال سمة الفسق إذا أكذب نفسه، ويؤيد ما ذكرنا ما روي أنه ﵇ قال: «المُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا مَحْدُودًا في قَذْفٍ» (٢)، ولم يستثن فيه وجود التوبة. وما رُويَ في قصة هلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن سحماء،

стр. 5303

تُقْبَلُ إِذَا تَابَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥] اسْتَثْنَى التَّائِبَ. قُلْنَا: الاسْتِثْنَاءُ يَنْصَرِفُ إِلَى مَا يَلِيهِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] أَوْ هُوَ اسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعُ بِمَعْنَى لَكِنْ. فقال ﵇: «أَتَجْلِدُ هِلال وتُبْطِلُ شَهَادَتَهُ في المُسلِمينَ!» فأخبر أن وقوع الجلد يبطل شهادته من غير شرط التوبة في قبولها. وما روى عبد الباقي بإسناده عن الزهري عن عائشة أنه ﵇ قال: «لَا تَجُوزُ في الإسلام شهادة زورٍ، ولَا خَائِنِ ولا خَائِنَةٍ، ولا مَجلُودٍ حدا، ولا ذي غَمرٍ لأخِيهِ، ولا الصانع لأهل البيت، ولا ظنين ولا قرابة» (١)، وهذا يقتضي بطلان شهادة كل محدود في القذف وغيره، إلا أن الدليل قام في غير القذف على قبول شهادة محدود في غير قذف، ولم يقم في المحدود في القذف فبقي على عمومه. وبقولنا قال ابن المسيب (٢) وشريح (٣) والحسن وإبرهيم النخعي (٤) وسعيد ابن جبير (٥)، وهكذا روي عن ابن عباس، وأما حديث عمر لأبي بكرة فإن راويه عمرو بن قيس، قال سفيان بن عيينة: ولئن صح ففيه أن عمر قال لأبي بكرة، وجائز أن يكون قاله قبل الجلد. فإن قيل: قبل الجلد لا يكون مردود الشهادة عندنا ومالك (٦)، وعند الشافعي (٧) وأحمد (٨) والليث مردود الشهادة إذا عجز عن إقامة الشهادة قبل الجلد، فكيف يصح هذا التأويل؟

стр. 5304

(وَلَوْ حُدَّ الكَافِرُ فِي قَذْفٍ ثُمَّ أَسْلَمَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ) لِأَنَّ لِلْكَافِرِ شَهَادَةً فَكَانَ رَدُّهَا مِنْ تَمَامِ الحَدِّ، وَبِالإِسْلَام حَدَّثَتْ لَهُ شَهَادَةٌ أُخْرَى، بِخِلَافِ العَبْدِ إِذَا حُدَّ ثُمَّ أُعْتِقَ، لِأَنَّهُ لَا شَهَادَةَ لِلْعَبْدِ أَصْلًا فَتَمَامُ حَدِّهِ يَرُدُّ شَهَادَتَهُ بَعْدَ العِتْقِ. قيل: معناه: أقبل شهادتك مع سمة الفسق، ولا يرده فيكون هذا بيان ما كان مشروعًا. قوله: (بخلاف العبد إذا حد ثم أعتق) حيث لا تقبل شهادته عندنا، وقالت الأئمة الثلاثة (١): تُقبل كما في الكافر، والفرق عندنا أن رد الشهادة من تمام الحد، فتوقف الرد على حدوثها في العبد، فإذا حدثت ترد إتماما للحد، أما للكافر شهادة على جنسه عندنا، وعند أحمد (٢) على المسلم في الوصية؛ لكن تاب بالإسلام، وعندنا بالإسلام له حياة حادثة بعد موته، فترتب عليه حكم المسلمين ابتداء فَتُقبل شهادته. فإن قيل: يشكل بمن زنى في دار الحرب ثم خرج إلى دار الإسلام، حيث لا يقام عليه حد الزنا، فتوقف حكم المؤثر في العبد ولم يتوقف في الزنا. قلنا: الزنا في دار الحرب لم يقع موجبًا أصلا لعدم ولاية الإمام، وإقامة الحد للإمام، فلو أقيم عليه الحد بعد خروجه كان إقامة من غير موجب للحد، وتمامه برد شهادته، ولم يكن هو من أهل الشهادة، فيتوقف على حدوثها بعد العتق، أو يقول: للعبد قبل العتق شهادة من وجه، حتى تقبل شهادته بهلال رمضان وفي الديانات، وقد صارت هذه الشهادة مردودة فلا تقبل في الجميع بعد العتق؛ لأنها من جنس تلك الشهادة (٣). وذكر في المبسوط (٤) بعد ذكر هذا الفرق [الذي ذكر في الكتاب، فقال: هذا الفرق] (٥) على الرواية التي تقبل خبر المحدود في القذف في الديانات، أما

стр. 5305

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . على الرواية التي لا تقبل خبره في الديانات، وهي رواية المنتقى، بأن الكافر بالإسلام استفاد عدالة لم تكن موجودة عند إقامة الحد، وهذه العدالة لم تصر مجروحة، بخلاف العبد، فهو بالعتق لا يستفيد عدالة لم تكن موجودة من قبل، وقد صارت عدالته مجروحة بإقامة الحد، فلا تقبل شهادته بحال، وفيه نوع تأمل. فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن تقبل شهادة المحدود في القذف إذا تاب كما قال الشافعي (١)؛ لأنه فاسق عند إقامة الحد، والفاسق ليس من أهل الشهادة عنده، بل يستفيد الأهلية بعد التوبة كالكافر. قلنا: الفاسق من أهل الشهادة بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤]؛ إذ عدم القبول في صورة إمكان الوجود، ولئن كان غير أهل بالفسق عندك فيكون قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا﴾ أقوى دليلًا على أن المراد: بعد التوبة؛ لحصول الأهلية عندك بعد التوبة، ثم في قوله: (بخلاف العبد إذا حُدَّ ثم أعتق) (٢) لا فائدة في ذكر الحد؛ إذ لو لم يُحد، ثم أعتق وحد لم تقبل شهادته أيضًا. أما ذكره لبيان الفرق بينه وبين الكافر، أما الكافر لو قذف مسلما ثم أسلم، ثم حد - لم تقبل شهادته، ولو حد بعض الحد في حال كفره، وبعضه في حال إسلامه، ففيه اختلاف الروايتين، وقد مر في حد القذف. وفي الكافي: عند أبي حنيفة في هذه المسألة ثلاث روايات: إحداها: لا تسقط شهادته ما لم يُضرب تمام الحد؛ لأن إقامة الحد مسقطة للشهادة، والحد لا يتجزأ، فما دونه لا يكون حدًّا؛ بل يكون تعزيرًا، والتعزير لا يسقط الشهادة. والثانية: إذا أقيم عليه الأكثر مقام الكل. والثالثة: إذا ضرب سوطًا سقطت شهادته؛ لأن من ضرورة إقامة ذلك القدر من الحد الحكم بكذبه (٣).

стр. 5306

قَالَ: (وَلَا شَهَادَةِ الوَالِدِ لِوَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ، وَلَا شَهَادَةِ الوَلَدِ لِأَبَوَيْهِ وَأَجْدَادِهِ) وَالأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﵊: «لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الوَلَدِ لِوَالِدِهِ وَلَا الوَالِدِ قوله: (ولا شهادة الوالد لولده) إلى قوله: (وأجداده)، وبقولنا قال الشافعي (١) ومالك (٢) وأحمد (٣) في ظاهر روايته، وعن أحمد في رواية (٤) تقبل شهادة الولد لوالده؛ لدخوله في العموم، ولا تقبل شهادة الأب لولده؛ لأن ماله كماله، قال ﵇: «أَنْتَ وَمَالُكَ لأبيك» فكانت شهادته لنفسه. وعن أحمد (٥) تقبل شهادة أحدهما للآخر، وهو قول أبي ثور (٦) والمزني (٧) وداود (٨)، وحكي في القديم عن الشافعي (٩)، وروي عن عمر قياسًا على الشهادة عليه، أما تقبل شهادة أحدهما على الآخر بلا خلاف لعدم التهمة، قال تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]. وعن أحمد (١٠) في رواية شاذة: لا تُقبل عليه أيضًا؛ لأنها لما لم تُقبل له لم تقبل عليه، كغير العدل، ومذهبه الأول. وما ذكر في النهاية [من قوله] (١١): (ومالك (١٢) يخالفنا فيه، فيجوز شهادة الوالد لولده)، وشهادة الولد لوالده ما وجدته في الكتب المشهورة لأصحاب مالك. ولنا الحديث المذكور في الكتاب، ورُوي أن الحسن شهد لعلي مع قنبر

стр. 5307

لِوَلَدِهِ وَلَا المَرْأَةِ لِزَوْجِهَا وَلَا الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ وَلَا العَبْدِ لِسَيِّدِهِ وَلَا المَوْلَى لِعَبْدِهِ وَلَا الأَجِيرِ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ، وَلِأَنَّ المَنَافِعَ بَيْنَ الأَوْلَادِ وَالآبَاءِ مُتَّصِلَةٌ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ أَدَاءُ الزَّكَاةِ إِلَيْهِمْ، فَتَكُونُ شَهَادَةٌ لِنَفْسِهِ مِنْ وَجْهِ أَوْ تَتَمَكَّنُ فِيهِ التَّهْمَةُ. قَالَ العَبْدُ الضَّعِيفُ: وَالمُرَادُ بِالأَجِيرِ عَلَى مَا قَالُوا: التَّلْمِيذُ الخَاصُّ الَّذِي يَعُدُّ ضَرَرَ أُسْتَاذِهِ ضَرَرَ نَفْسِهِ وَنَفْعَهُ نَفْعَ نَفْسِهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵊: «لَا شَهَادَةَ لِلْقَانِعِ بِأَهْلِ البَيْتِ» ......................... عند شريح قال شريح: ائت بشاهد آخر، فقال علي: مكان الحسن، أو مكان قنبر؟ قال: لا بل مكان الحسن، قال علي: أما سمعت أنه ﵇ قال للحسن والحسين: «هُمَا سَيَّدا شَبابِ أَهلِ الجَنة»، قال: نعم صدق رسول الله، ولكن ائت بشاهد آخر. قيل: عزله عن القضاء ثم أعاده عليه، وزاد في رزقه، ووقع عند علي أنهما مخصوصان عن الجملة بتلك الفضيلة، فانتفى التهمة عنهما، ووقع عند شريح أن السبب المانع، وهو الولادة، قائم في حقه، ولا طريق لمعرفة الصدق والكذب حقيقة في حق من هو غير معصوم عن الكذب، فينبني الحكم على السبب الظاهر، ولهذا رجع علي إلى قوله. وفائدة قوله: (ولا العبد لسيده) فإن شهادة العبد غير مقبول عند أكثر أهل العلم، سواء كان لسيده أو لغيره، ذكره على سبيل الإطراد وبيان مواضع التهمة، ولهذا قال: (ولا المولى لعبده ولا الأَجِيرُ لِمَنِ اسْتَأْجَرَهُ) (١). قوله: («لا شهادة للقانع بأهل البيت»)، وفي المغرب (٢) قيل: أراد بالقانع: من يكون مع القوم، كالخادم والتابع والأجير ونحوه؛ لأنه بمنزلة السائل يطلب معاشه منهم. وفي الذخيرة (٣): شهادة الأجير المشترك مقبولة، وشهادة (٤) الأجير الواحد لا استحسانًا، سواء كان مُياوَمَة أو مُشاهَرَة أو مسانهة.

стр. 5308

وَقِيلَ: المُرَادُ الأَجِيرُ مُسَانَهَةٌ أَوْ مُشَاهَرَةً أَوْ مُيَاوَمَةٌ فَيَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ بِمَنَافِعِهِ عِنْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَيَصِيرُ كَالمُسْتَأْجَرِ عَلَيْهَا. قَالَ: (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: تُقْبَلُ، لِأَنَّ وفي كتاب الديات: تجوز شهادة الأجير لأستاذه، المراد: الأجير المشترك. وفي كتاب كفالة الأصل: لا تجوز شهادة الأجير، والمراد: الأجير الخاص، والقياس أن تُقبل؛ لأنه عدل شهد لغيره من كل وجه؛ لأنه ليس له فيه ملك ولا شبهة ملك، ولا حق ولا شبهة اشتباه بسبب اتصال المنافع، ولهذا جاز شهادة الأستاذ له، ووضع الزكاة فيه. وجه الاستحسان ما أشار إليه محمد بقوله: (والإجماع المنعقد على قول واحد من السلف حجة يترك به القياس، ويخص به الأثر) أراد به شريحًا، ولنوع من المعنى، وهو أن أجير الواحد مملوك لأستاذه من وجه، أعني به منفعة، ألا ترى أن الأجير لا يملك أن يؤاجر نفسه من غيره في مدة الإجارة، فصارت شهادته لأستاذه كشهادة المملوك لمالكه، بخلاف الأجير المشترك؛ لأنه غير مملوك، وبخلاف الأستاذ أيضًا؛ لأنه غير مملوك لأجيره، فهذا هو الحرف المعتمد في المسألة. ولو كان أجير مشاهرة ولم يُرد به القاضي شهادته، ولم تظهر عدالته حتى مضى الشهر ثم عدل قال: أبطل شهادته كمن شهد لامرأته ثم طلقها قبل أن يعدل، ولو شهد ولم يكن أجيرًا، ثم صار أجيرًا قبل أن يقضي أبطل شهادته، فإن لم يبطلها حتى بطلت الإجارة، ثم أعادها - جاز. هكذا ذكر في العيون. (كالمستأجر عليها) أي: على الشهادة؛ لأن شهادته عمل من أعماله، وجميع أعماله للمستأجر في مدة الإجارة. قوله: (وقال الشافعي (١): تقبل)، وقال ابن أبي ليلى (٢) والثوري (٣).

стр. 5309

الأَمْلَاكَ بَيْنَهُمَا مُتَمَيِّزَةٌ، وَالأَيْدِي مُتَحَيِّزَةٌ، وَلِهَذَا يَجْرِي القِصَاصُ وَالحَبْسُ بِالدَّيْنِ بَيْنَهُمَا، وَلَا مُعْتَبَرَ بِمَا فِيهِ مِنْ النَّفْعِ لِثُبُوتِهِ ضِمْنًا كَمَا فِي الغَرِيمِ إِذَا شَهِدَ لِمَدْيُونِهِ المُفْلِسِ. وَلَنَا: مَا رَوَيْنَاهُ، وَلِأَنَّ الاِنْتِفَاعَ مُتَّصِلٌ عَادَةً، وَهُوَ المَقْصُودُ، فَيَصِيرُ شَاهِدًا والنخعي (١): لا تقبل شهادة الزوجة لزوجها؛ لأن لها حقا في ماله؛ لوجوب نفقتها فيه، وتقبل شهادة الزوج لها؛ لعدم التهمة. قوله: (والأيدي متحيزة) أي: مجتمعة بنفسها، غير متصرفة في ملك الغير، غر متعدية إليه؛ إذ الزوجية قد تكون سببًا للتنافر والعداوة، وقد تكون سببًا للميل والإيثار، فكانت الزوجية نظير الأخوة أو دونها؛ لأن الزوجية تحتمل القطع دون الأخوة، بخلاف الوالد والولد؛ لأن كل واحد منهما يتصرف في مال صاحبه (٢). قوله: (ولنا ما روينا)، وهو قوله ﵇: «وَلَا المَرْأَةُ لِزَوْجِهَا» (٣) إلى آخره، وبقولنا قال مالك (٤) وأحمد (٥). قوله: (ولأن الانتفاع متصل عادة) حتى تعد منفعة صاحبه منفعته، ويعد الزوج غنيا بمالها. قيل: تأويل قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨] أي: بمال خديجة، وهذا لأن الاتحاد بين الزوجين أكثر ما يكون بين الوالد والولد في العادة والشريعة، فإنهما بالزوجية يصيران كشخص واحد في إقامة أسباب المعيشة. وقد قال ﵇: «أُمُورُ دَاخِلَ البَيْتِ عَلَى فَاطِمَة، وأمورُ خَارِج البَيْتِ على عليّ»، فالتهمة بينهما أكثر مما بين الآباء والأولاد؛ بل أظهر، فإن الإنسان قد يعادي والديه ليرضي زوجته، ولهذا يستحق أحدهما الميراث من الآخر بغير حجب.

стр. 5310

لِنَفْسِهِ مِنْ وَجْهِ أَوْ يَصِيرُ مُتَهَمّا، بِخِلَافِ شَهَادَةِ الغَرِيمِ، لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ عَلَى المَشْهُودِ به. ولو وطئ جارية امرأته وقال: ظننت أنها تحل لي لا يُحدّ، كما في جارية الأب والجد، ولأن الزوجية بمنزلة أصل الولادة؛ لأن الولادة تثبت من الزوجية، والحكم الثابت للفرع يثبت في الأصل (١) وإن عدم ذلك المعنى فيه، ألا ترى أن المحرم إذا كسر بيض صيد تلزمه قيمته، وليس فيه معنى الصيدية، ولكن أصل الصيد، إلا أن هذا الأصل إنما يلحق بالولادة في حكم يتصور قيام الزوجية عند موته، وفي القصاص لا يتصور قيام الزوجية بعد قتل أحدهما صاحبه، فكان هذا جوابًا عن تعلق الشافعي بجريان القصاص بينهما. كذا في المبسوط (٢) والأسرار. وفي المحيط (٣): ولا تقبل شهادته لمعتدته من رجعي أو بائن؛ لقيام النكاح في بعض الأحكام، ولو شهد أحدهما لآخر في حادثة، فَرُدَّتْ، فارتفعت الزوجية، فأعاد تلك الشهادة - لا تقبل، وبه قال مالك (٤) وأحمد (٥) والشافعي (٦) في الأصح؛ لأن القاضي لما ردها صار مكذبًا في تلك الشهادة شرعًا، فكان مكذبًا، فلا تقبل. أما العبد والكافر والصبي إذا ردّت شهادتهم، ثم أُعتق وأسلم وبلغ، وأعاد تلك الشهادة - تقبل، وبه قال الشافعي (٧) وأحمد (٨)، وعن مالك (٩) وأحمد (١٠) في رواية: لا تقبل، كما في الفسق.

стр. 5311

(وَلَا شَهَادَةُ المَوْلَى لِعَبْدِهِ) لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ لِنَفْسِهِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى العَبْدِ دَيْنٌ أَوْ مِنْ وَجْهِ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، لِأَنَّ الحَالَ مَوْقُوفٌ مُرَاعَى (وَلَا لِمُكَاتَبِهِ) لِمَا قُلْنَا. (وَلَا شَهَادَةُ الشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ فِيمَا هُوَ مِنْ شَرِكَتِهِمَا) لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ لِنَفْسِهِ مِنْ وَجْهِ لِاشْتِرَاكِهِمَا، وَلَوْ شَهِدَ بِمَا لَيْسَ مِنْ شَرِكَتِهِمَا تُقْبَلُ لِانْتِفَاءِ التَّهْمَةِ. (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الأَخِ لِأَخِيهِ وَعَمِّهِ) لِانْعِدَامِ التَّهْمَةِ، لِأَنَّ الْأَمْلَاكَ وَمَنَافِعَهَا مُتَبَايِنَةٌ وَلَا بُسُوطَةَ لِبَعْضِهِمْ فِي مَالِ البَعْضِ. وقلنا: رد شهادتهم لعدم الأهلية لا لتهمة الكذب، فإذا صاروا أهلًا تُقبل، إليه أشار في الذخيرة (١). قوله: (ولا شهادة المولى لعبده)، وكذا المدبرة وأم ولده ومكاتبه، وبه قالت الأئمة الثلاثة (٢). وفي المبسوط (٣): وكذا لا تُقبل شهادة أبي المولى وابنه وامرأته لهؤلاء، وكذا شهادة المرأة لزوجها المملوك؛ لأن وصلة الزوجية كوصلة الولاد في المنع من القبول، خلافًا للشافعي. قوله: (لأن الحال) أي: حال العبد (موقوف) بين أن يصير للغرماء بسبب تبعهم في دينهم، أو تبقى للمولى كما كان بسبب قضائه دينه (٤). قوله: (لما قلنا) وهو قوله: (شهادة لنفسه من وجه) أو من وجه. قوله: (من شركتهما تقبل) هذا في شركة العنان، أما في المفاوضة لا تقبل إلا في الحدود والقصاص والنكاح والطلاق والعتاق؛ لأن ما عداها مشترك بينهما (٥). قوله: (وتقبل شهادة الأخ لأخيه وعمه) ولا خلاف فيه، إلا أن مالكا (٦)

стр. 5312

قَالَ: (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مُخَنَّثٍ) وَمُرَادُهُ المُخَنَّثُ فِي الرَّدِيءِ مِنْ الأَفْعَالِ لِأَنَّهُ فَاسِقٌ، فَأَمَّا الَّذِي فِي كَلَامِهِ لِينٌ وَفِي أَعْضَائِهِ تَكَسُّرٌ فَهُوَ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ. (وَلَا نَائِحَةٍ وَلَا مُغَنِّيَةٍ) لِأَنَّهُمَا يَرْتَكِبَانِ مُحَرَّمًا فَإِنَّهُ ﵊ «نَهَى عَنْ الصَّوْتَيْنِ الْأَحْمَقَيْنِ النَّائِحَةُ وَالمُغَنِّيَةُ» شرط ألا يكون في عياله، قال بعض أصحابه: يجوز بشرط ألا يكون مبررا له. وقيل: بشرط أن لم تنله صلته، وقال أشهبُ: يجوز في اليسير دون الكثير، إلا أن يكون مبررًا فيجوز في الكثير. وقيل: تُقبل إلا فيما تتضح فيه التهمة، مثل أن يشهد له مما يكتسب به شرفًا وجاها، أو يدفع به مضرة، أو تقتضي الطباع [والعصبية] (١) فيه الغضب والحمية، كشهادته بأن فلانًا قتله أو جرحه. كذا في جواهرهم (٢). قوله: (ومراد المخنث من في الرديء من الأفعال) إنما ذكر هذا لأن المُخَنّث يقولون لمن تحنث في كلامه. في المغرب (٣): تركيب الخنث [يدل] (٤) على لين وتكسر، فقال: المراد به الذي يباشر الرديء من الأفعال أي: أفعال النساء من التزين بزيهن، والتشبه بهن في الفعل والقول، فالفعل: مثل كونه محلا للواطة، والقول: مثل تليين الكلام باختياره تشبها بالنساء. إليه أشار العلامة مولانا حميد الدين ﵀. وفي الذخيرة (٥): التَخَنَّتُ معصية، قال ﵇: «لَعَنَ اللهُ المُؤنثِينَ مِنَ الرِّجَالِ والمُذكرات من النساءِ» (٦). فأما الذي لم يشتهر بشيء من الأفعال الرديئة، ولكن في كلامه لين خلقةً فهو عدل مقبول الشهادة ألا ترى أن هيتا المخنث كان يدخل بيوت أزواج النبي ﵇، حتى سَمِعَ منه النبي ﵇ كلمة شنيعة، أمر بإخراجه. قوله: (الصوتين الأحمقين) وصف الصوت بصفة صاحبه.

стр. 5313

(وَلَا مُدْمِنِ الشُّرْبِ عَلَى اللَّهْوِ) لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ مُحَرَّمَ دِينِهِ. اعلم أن التغني للهوى ولجمع المال حرام بلا خلاف، والتغني لدفع حزن نفسه مباح بلا خلاف، والنوح كذلك، خصوصًا إذا كان من المرأة؛ لأن رفع الصوت منها حرام بلا خلاف. وفي الذخيرة (١): ولم يرد بالنائحة التي تنوح في مصيبتها، وإنما أراد التي تنوح في مصيبة غيرها، اتخذت ذلك مكسبة، فلهذا لم يقيده بقوله: للناس، قال ﵇: «لَعَنَ الله النَّائِحَاتِ»، ولأنها ارتكبت معصية، وهي الغناء والنوح لطمعه في المال، فلا يؤمن أن يرتكب شهادة الزور لأجل المال، فذلك أيسر عليه من الغناء والنوح في مدة طويلة. قوله: (وَلَا مُدْمِنِ الشُّرْبِ عَلَى اللَّهْوِ)، في الصحاح (٢): يقال: رجل مدمن خمر، أي: مداوم شربها، ثم أطلق الشرب على اللهو ليتناول جميع الأشربة المحرمة، كالخمر والسكر وغيرها، فشرط الإدمان في الخمر ليظهر ذلك عند الناس، حتى لو شرب الخمر سرًا ولا يظهر ذلك - لا يخرج من العدالة وإن كان شرب الخمر كثيرًا، أو إنما تسقط عدالتهُ إذا كان يظهر ذلك، ويخرج السكران فيلعب به الصبيان. كذا في فتاوى قاضي خان (٣). وفي الذخيرة (٤): إذا شرط الإدمان في الشرب، وأراد به الإدمان في النية، يعني يشرب ومن نيته أنه يشرب بعد ذلك إذا وجده، ولا تجوز شهادة مدمن السكر، أي: في الأشربة المسكرة غير الخمر، فشرط الإدمان على السكر؛ لأن المحرم في سائر الأشربة السكر عندنا. وكذا من يجلس مجالس الشرب والفجور لا تقبل شهادته وإن لم يشرب؛ لأنه تشبه بهم، ولم يحترز أن يظهر عليه ما يظهر عليهم، فلا يحترز عن شهادة الزور. وعند الشافعي (٥): بمجرد شرب النبيذ لا تَرَدُّ شهادته، قال بعض أصحابه:

стр. 5314

(وَلَا مَنْ يَلْعَبُ بِالطُّيُورِ) لِأَنَّهُ يُورِثُ غَفْلَةً، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَقِفُ عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ بِصُعُودِهِ عَلَى سَطْحِهِ لِيُطَيِّرَ طَيْرَهُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَلَا مَنْ يَلْعَبُ بِالطُّنْبُورِ، وَهُوَ المُغَنِّي إن كان يعتقد حرمته ترد بمجرد الشرب دون السكر، قال مالك (١): ترد بمجرد شربه ويحد، والمزني (٢) يختار ألا يحد، كما ترد شهادته بمجرد الشرب. قوله: (ولا من يلعب بالطيور)، ولا خلاف فيه لأهل العلم، وفي قوله: (يلعب) إشارة إلى أنه لو اتخذ الحمام في بيته يستأنس بها، أو لحمل الكتب كما في ديار مصر والشام لا يكون حراما، ولا تسقط عدالته. ذكره في المبسوط (٣). وفي المغني لابن قدامة الحنبلي (٤)، وفي المبسوط (٥): اتخاذ الحمام في البيوت للاستئناس مباح، وكذا اتخاذ برج الحمام. وفي الذخيرة (٦) ناقلا عن شيخ الإسلام: هذا إذا كان لا يطيرهن. أما لو يأتي بيت حمامته حمامات غيره فَتُفَرِّخُ، ثم هو يبيع ذلك ويأكل، لا يعرف حمامته من حمامة غيره يصير مرتكبا محرمًا، وآكلا حرامًا، فعلى هذا التقدير لا تقبل شهادته، وإن لم يقف على عورات النساء بصعود سطحه. قوله: (وفي بعض النسخ: ولا من يلعب بالطنبور) أي: نسخ المختصر (وهو المغني). وفي المغني لابن قدامة (٧): الملاهي نوعان: محرم، وهو الآلات المطربة من غير غناء، كالمزمار، سَوَاءَ كان من عود أو قصب كالشبابة، أو غيره كالطنبور والعود والمعزفة؛ لما روى أبو أمامة أنه ﵇ قال: ﴿إِنَّ الله تَعَالَى بَعَثَنِي رحمَةً لِلعَالَمِينَ، وَأَمَرَنِي بِمَحْقِ المَعَازِفِ والمَزَامِير﴾ (٨)، ولأنه مطرب مصد عن ذكر الله تعالى.

стр. 5315

قال: (وَلَا مَنْ يُغَنِّي لِلنَّاسِ) والنوع الثاني: مباح، وهو الدُّف في النكاح، وفي معناه ما كان من حادث سرور، ويكره غيره؛ لما روي عن عمر أنه لما سمع صوت الدف بعث فنظر؛ فإن كان في وليمة أو ختان سكت، وإن كان في غيره عمد بالدرة، فهو مكروه على كل حال للتشبه بالنساء. قوله: (ولا من يغني للناس)، ولا يقال: إن فيه تكرارًا؛ لأن من يُغنّي للناس يكون من الرجال والنساء، والمُغنيّة من النساء خاصة، وقيل: والأصح من الجواب أنه إنما ذكر النائحة والمغنية هناك، مع أن النوح والغناء مشترك بين الرجال والنساء؛ لورود الحديث بذلك اللفظ، ويفهم منه حكم الرجال تبعًا، فأعاد حكم الرجال جريًا على الأصل؛ إذ الأصل أن حكم النساء يستفاد من حكم الرجال؛ إذ لو اقتصر على الأول لتوهم أن ذلك حكم مخصوص بالنساء. وقيد بقوله: (للناس) لأن التغني للناس مكروه باتفاق المشايخ، والتغني الإسماع الغير مكروه عند عامة المشايخ، ومن الناس من أباح ذلك في العرس والوليمة كما أبيح ضرب الدف فيهما، وإن كان فيه نوع لهو، ومنهم من قال: إذا تغنى ليستفيد به نظم القوافي ويصير فصيح اللسان لا بأس به. وأما التغني لنفسه فقيل: لا يكره، وبه [أخذ] (١) السرخسي؛ لما روي عن أنس أنه دخل على أخيه البراء بن مالك، وهو من زهاد الصحابة، وكان يغني. وقيل: جميع ذلك مكروه، وبه أخذ شيخ الإسلام خواهر زاده، ويحمل حديث البراء على أنه كان ينشد الأشعار المباحة التي فيها ذكر الوعظ والحكمة، وإنشاد الشعر لا بأس به، وإن كان فيه صفة المرأة؛ فإن كانت حية يكره، وإن كانت ميتة لا يكره. كذا في الذخيرة (٢). وفي المغني: إذا تغنى الرجل الصالح بشعر فيه محبة لا تبطل عدالته. أما القراءة بالألحان أباحها قوم وحظرها قوم، والمختار إن كانت الألحان

стр. 5316

لِأَنَّهُ يَجْمَعُ النَّاسَ عَلَى ارْتِكَابِ كَبِيرَةٍ. (وَلَا مَنْ يَأْتِي بَابًا مِنْ الكَبَائِرِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا الحَدُّ) لِلْفِسْقِ. قَالَ: (وَلَا مَنْ يَدْخُلُ الحَمَّامَ مِنْ غَيْرِ مِثْزَرٍ) لِأَنَّ كَشْفَ العَوْرَةِ حَرَامٌ. لا تغير الحروف عن نظمها مباح، وإن كانت تغير الحروف غير (١) مباح. ذكره في الحلية بلا خلاف. وفي التنبيه (٢): ولا تقبل شهادة القوّال والرقاص والمشعوذ. قوله: (على ارتكاب كبيرة)، وهو اللهو واللعب، ويصر على نوع فسق، فلا يمتنع عادة عن المحارم والكذب. قوله: (بابا من الكبائر)، ولا خلاف [فيه] (٣). واختلفوا في تفسير الكبيرة قيل: هي التسع التي ذكرها رسول الله ﷺ في الحديث المعروف، وهو: «الإشراك باللهِ، والفِرَارُ مِنَ الرِّحفِ، وعُقُوقُ الوالدين، وقتل النفس بغير حق، ونهب المؤمن، والزنا، وشُرب الخمر» (٤) وهو قول أهل الحجاز وأهل الحديث، وزاد بعضهم على هذه التسع أكل الربا وأكل مال اليتيم بغير حق. وقيل: ما ثبتت حرمته بنص القرآن، وقيل: ما فيه حد أو قتل، وقيل: ما كان حرامًا بعينه، وقيل: وأصح ما قيل فيه ما نقل عن الحلواني: ما كان شنيعا بين المسلمين، وفيه هتك حرمة الله تعالى والدين، فهو كبيرة، وكذا الإعانة على المعاصي والفجور والحث عليها من جملة الكبائر. كذا في الذخيرة والمحيط (٥). قوله: (لأن كشف العورة حرام)، قال ﵇: «لَعَنَ اللهُ الناظر والمنظور إليه» (٦)، وقبول الشهادة كرامة فلا يستحقها من يستحق اللعن، ولا خلاف فيه

стр. 5317

(أَوْ يَأْكُلُ الرِّبَا أَوْ يُقَامِرُ بِالنَّرْدِ وَالشَّطْرَنْجِ) لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ الكَبَائِرِ، وَكَذَلِكَ مَنْ تَفُوتُهُ الصَّلَاةُ لِلاشْتِغَالِ بِهِمَا، فَأَمَّا مُجَرَّدُ اللَّعِبِ بِالشَّطْرَنْجِ فَلَيْسَ بِفِسْقٍ مَانِعِ مِنْ الشَّهَادَةِ، لِأَنَّ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَسَاغًا. للفقهاء، وقد مرَّ بيان العورة في الصلاة، وعن الكرخي: من مشى في طريق بسراويل ليس عليه غيره لا تُقبل شهادته. قوله: (لأن للاجتهاد) فإن الشافعي (١) ومالك (٢) قالا بإباحته مع الكراهة إذا لم يكن بالشرائط الثلاثة المذكورة، وأبو زيد الحكيم يختار قولهما. ذكره في الذخيرة (٣). وعندنا وأحمد (٤) حرام لقوله ﵇: «مَنْ لَعِبَ بالنردشير فَقَد عصى الله وَرَسُوله»، رواه أبو داود (٥). قيل: هو الشطرنج. ومرَّ علي ﵇ على قوم يلعبون بالشطرنج، فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون! أما النرد فحرام بالإجماع، قال ﵇: «مَنْ لَعِبَ بالنرد ملعون» ذكره في الذخيرة (٦)، وسيجيئ في الكراهة إن شاء الله تعالى. واللعب بالشطرنج يمنع قبول الشهادة بالإجماع (٧) إذا كان مدمنا عليه، أو يُقامر، أو تفوته الصلاة، أو أكثر عليه الحلف بالكذب والباطل. وفي التنبيه (٨): من لعب بالشطرنج في الطريق لا تقبل شهادته.

стр. 5318

وَشَرَطَ فِي الأَصْلِ: أَنْ يَكُونَ آكِلُ الرِّبَا مَشْهُورًا بِهِ، لِأَنَّ الإِنْسَانَ قَلَّمَا يَنْجُو عَنْ مُبَاشَرَةِ العُقُودِ الفَاسِدَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ رِبَا. قَالَ: (وَلَا مَنْ يَفْعَلُ الأَفْعَالَ المُسْتَحْقَرَةَ، كَالبَوْلِ عَلَى الطَّرِيقِ وَالْأَكْلِ عَلَى الطَّرِيقِ) لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِلْمُرُوءَةِ، وَإِذَا كَانَ لَا يَسْتَحْيِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ عَنْ الكَذِبِ فَيُتَهُمُ. قوله: (وشرط) أي: محمد (في الأصل) أي: المبسوط (١). (وكل ذلك ربا) أي: في معنى الرّبا، والرّبا حرام بالنص، فعلم أن عدالته لا تسقط بمجرد أكل الربا إذا لم يكن مشهورًا ومصرا عليه، وعن هذا وقع الفرق بين الربا وأكل مال اليتيم، فإن الإدمان فيه غير شرط. واختلف المشايخ في علته قيل: إنما شرط ذلك؛ لأن الإنسان عسى أن يبتلى بذلك؛ لأنه لا يمكنه التحرز عن البياعات الفاسدة، فقد لا يهتدي إلى ذلك، فلو ردت شهادة من ابتلي به لا يبقى في الدنيا مقبول الشهادة، فلذلك شرط أن يكون مشهورًا به، وقيل: إنما شرط ذلك؛ لأن الربا ليس بحرام محض؛ لأن عقد الربا يفيد الملك في الزيادة عندنا بعد القبض، والملك مبيح للأكل في غير الخمر وإن كانت حرمة السبب تمنع الأكل، فلم يكن حرامًا محضًا، فكان ناقصًا في كونه كبيرة، فشرط الإدمان. قوله: (المستحقرة)، وفي بعض النسخ: (المستقبحة)، وفي بعضها: (المستخفة) من الاستحقار والاستقباح، والاستخفاف، وصحح في المغرب هذه الأخيرة دون غيرها، وقال: سخيفة نسبة إلى السخف، وهو رقة العقل، من قولهم: ثوب سخيف: إذا كان قليل الغزل وعليه ما في المختصر: لا تقبل شهادة من يفعل الأفعال المستخفة (٢)، ثم قال: وهكذا كان بخط شيخنا وتصحيحه، والمستخفة، بفتح الخاء وكسرها (٣). (أو يأكل على الطريق) يعني بمرأى الناس (لأنه تارك للمروءة). وفي فتاوى قاضي خان (٤): لا تُقبل شهادة من يأكل في السوق بين أيدي

стр. 5319

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الناس؛ لأن ذلك لا يفعل من كان له مروءة، وكل فعل فيه ترك المروءة يوجب سقوط شهادته بلا خلاف بين الأئمة الأربعة، حتى لو مشى في السوق أو في مجامع الناس بسراويل واحد لا تقبل شهادته، وكذا من يمد رجليه عند الناس، أو يكشف رأسه في موضع لا عادة فيه، وما أشبه ذلك مما يجتنبه أهل المروءات بلا خلاف؛ لقوله ﵇: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَك الناس من كلام النبوة الأولى: إِذا لم تَسْتَحْيِ فَاصْنَع ما شئت» (١)، ولأنه إذا لم يكن له مروءة لا يأنف من الكذب، وفي أصحاب الصنائع الدنيئة، كالكساح والزبال والكناس والحجار، والحائك فيه وجهان. قال بعض العلماء: لا تقبل شهادة أهل الصناعات، وبه قال الشافعي (٢) وأحمد (٣) في وجه؛ لكثرة خلفهم في الوعد، ودناءة صنعتهم في الدنية، وقال عامة العلماء: يجوز إذا كانوا عدولًا، وبه قال الشافعي (٤) في وجه، وأحمد (٥) ومالك (٦)، وهو الأصح؛ لأنه قد تولاها كثير من الصالحين وأهل المروءة. وفي المحيط (٧): لا تُقبل شهادة النخاسين والدلالين؛ لأنهم يكذبون كثيرًا، فأما من كان عدلا منهم تقبل شهادته. بائع الأكفان لا تقبل، قال شمس الأئمة: هذا إذا ترصد لذلك العمل، فأما إذا كان يبيع ويشتري الثياب، ويشتري منه الأكفان تقبل؛ لعدم تمنيه الموت والطاعون. في الذخيرة (٨) قيل: لا تُقبل شهادة الصكاكين؛ لأنهم يكتبون: هذا ما اشترى فلان بن فلان وقبض المبيع، والبائع الثمن وضمن الدرك، ولم يكن

стр. 5320

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . شيء من ذلك، فيكون كذبا محضا، ولا فرق في (١) بين الكذب [بين القول] (٢) والكتابة، والصحيح أنه يقبل إذا كان غالب أحوالهم الصلاح. ولا تقبل شهادة القروي والأعرابي البدوي عند بعض العلماء، وعند مالك (٣) لا تقبل شهادة البدوي على القروي في غير الدماء. ذكره في الجواهر (٤). وقال عامة العلماء: تقبل إذا كان عدلا، عالما بكيفية الشهادة تحملا وأداء. وقيل: حقيقة المروءة ألا يأتي الإنسان ما يعتذر منه مما يبخسه عن مرتبته عند أهل الفضل. وقيل: المراد بها السمت الحسن، وحفظ واللسان، وتجنب السخف والمجون، والارتفاع عن كل خلق رديء. ذكره في الجواهر المالكية (٥). وفي مناقب أبي حنيفة: لا تقبل شهادة البخيل، وقال مالك (٦): إن أفرط في البخل لا تقبل؛ لأن الإفراط فيه يؤديه إلى منع الحقوق، وأخذ ما ليس بحق. ولا تقبل شهادة الطفيلي والمشعوذ والرقاص والمسخرة بلا خلاف. قال نصير بن يحيى: من شتم أهله ومماليكه كثيرا في كل ساعة لا تقبل شهادته، وإن كان أحيانا تقبل (٧). وفي المحيط (٨): لا تقبل شهادة الشتام للناس والحيوان. وفي جامع شمس الأئمة: ولا تقبل شهادة من يجازف في كلامه، ولا خلاف فيه، وحكي أن الفضل بن ربيع وزير الخليفة شهد عند أبي يوسف فرد

стр. 5321

(وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ يُظْهِرُ سَبَّ السَّلَفِ) لِظُهُورِ فِسْقِهِ بِخِلَافِ مَنْ يَكْتُمُهُ. (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إِلَّا الخَطَّابِيَّةُ) شهادته، فشكاه إلى الخليفة، فقال الخليفة: إنه وزيري، رجل دين لا يشهد بالزور، فلم رددت شهادته؟ قال: لإني سمعته يومًا قال للخليفة: أنا عبدك، فإن كان صادقًا فلا شهادة للعبد، وإن كان كاذبًا فكذلك أيضًا؛ لأنه إذا لم يبال في مجلسك بالكذب، فلا يبالي في مجلسي أيضًا، فعذره الخليفة (١). قوله: (ولا من يظهر سب السلف)، والمراد من السلف: الصحابة، والتابعون، وأبو حنيفة وأصحابه، والسلف: جمع سالف، وهو الماضي، وفي الشرع اسم لكل من يُقلّد مذهبه، ويُقتفي أثره في الدين كأبي حنيفة وأصحابه، فإنهم سلفنا، والصحابة والتابعون سلف لأبي حنيفة وأصحابه. وفي الذخيرة (٢): قال أبو يوسف: لا أجيز شهادة من يشتم أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لأنه لو شتم واحدًا من الناس لا يجوز شهادته، فهو أولى. وفي المحيط: لا تُقبل شهادة من عُرف بالمجانة، قيل: المجانة شتم أصحاب رسول الله ﷺ ، وقيل: قصور عقله ودينه ومن لم يمتنع عنها لا يمتنع عن الكذب، ولا خلاف فيه. قوله: (وتقبل شهادة أهل الأهواء) الهوى: ميلان النفس إلى ما يستلذ به من غير داعية الشرع، وإنما سموا به؛ لمتابعتهم النفس، ومخالفتهم السنة والجماعة. وفي الذخيرة (٣): تُقبل شهادته إذا كان هوى لا يكفر به صاحبه، ولا يكون ماجنا، ويكون عدلًا في تعاطيه، وهو الصحيح، واستدل محمد (٤) في الكتاب لبيان ذلك، فقال: أرأيت أن أصحاب رسول الله ساعدوا معاوية على مخالفة علي، لو شهدوا بين يدي عليّ أكان يردّ شهادتهم! ولا شك أن مخالفة علي بعد

стр. 5322

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا تُقْبَلُ، … ... … ... … ... . … ... … ... عثمان بدعة، وهوى، فكيف الخروج عليه بالمسايفة! لكن لما كان عن تأويل وبدين - لم يمنع قبول الشهادة. وأصول أهل الأهواء ستة: الجبر والقدر والرفض والخروج والتشبيه والتعطيل وكل واحد يصير اثني عشر فرقة، فيبلغ إلى اثنين وسبعين، إلا الخطابية. وفي شرح الأقطع: هم قوم ينسبون إلى أبي الخطاب، رجل كان بالكوفة قتله عيسى بن موسى، وكان يزعم أن عليا الإله الأكبر، وجعفر الصادق الإله الأصغر، وكانوا يعتقدون أن من ادعى منهم شيئًا على غيره يجب أن يشهد له بقية شيعته. وفي المغرب (١): طائفة من الرافضة نسبوا إلى أبي الخطاب محمد بن أبي وهب الأجدع، رُويَ: طرده جعفر الصادق لما ادعى في نفسه أنه إله، وزعم أتباعه أن جعفرًا إله (٢). وأما رواية الأخبار من أهل الأهواء اختلف فيه مشايخنا، والأصح عندي لا تقبل. كذا في المبسوط (٣). قوله: (وقال الشافعي (٤): لا تقبل)، في الحلية (٥): قال الشافعي: لا تردّ شهادة أحد من أهل الأهواء إلا الخطابية، فإنهم يشهد بعضهم لبعض بتصديقه، وقال أبو حامد من أصحابنا: من أهل الأهواء من يفسق كالخوارج والروافض، فلا تقبل شهادتهم، وبعضهم يكفر، كمن يقول بخلق القرآن، ونفي الرؤية، وإضافة المشيئة إلى نفسه، فلا تقبل، وهذا خلاف ظاهر كلام الشافعي.

стр. 5323

لِأَنَّهُ أَغْلَظُ وُجُوهُ الفِسْقِ. وَلَنَا: أَنَّهُ فِسْقٌ مِنْ حَيْثُ الاعْتِقَادُ وَمَا أَوْقَعَهُ فِيهِ إِلَّا تَدَيْنُهُ بِهِ وَصَارَ كَمَنْ يَشْرَبُ المُثَلَّثَ أَوْ يَأْكُلُ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عَامِدًا مُسْتَبِيحًا لِذَلِكَ، بِخِلَافِ الفِسْقِ مِنْ حَيْثُ التَّعَاطِي. أَمَّا الخَطَّابِيَّةُ: فَهُمْ مِنْ غُلَاةِ الرَّوَافِضِ، يَعْتَقِدُونَ الشَّهَادَةَ لِكُلِّ مَنْ حَلَفَ عِنْدَهُمْ. وَقِيلَ: يَرَوْنَ الشَّهَادَةَ لِشِيعَتِهِمْ وَاجِبَةٌ فَتَمَكَّنَتْ التَّهْمَةُ فِي شَهَادَتِهِمْ. قَالَ: (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مِلَلُهُمْ). وقال مالك (١): لا تُقبل شهادة أحد من أهل الأهواء. (لأنه أغلظ وجوه الفسق)، وقال أحمد (٢): لا تُقبل شهادة ثلاثة منهم: القدرية والجهمية والرافضة، وقال أبو إسحاق: من قدّم عليا على أبي بكر في الإمامة فسق، وما نقل في الكتاب قول مالك على إطلاقه، وقول أبي حامد من أصحاب الشافعي. قوله: (وما أوقعه فيه) أي: في الأهواء (إلا تدينه) أي: تعمقه في الدين، ألا ترى أن منهم من يعظم الذنب حتى يجعله كفرًا! فيكون ممتنعا عن الكذب فكان. (كمن شرب المثلث، أو [يأكل] (٣) متروك التسمية عامدًا مستبيحًا لذلك) أي: معتقدًا إباحته، فإنه لا ترد شهادته، كذا هذا. كذا في المبسوط (٤). قوله: (بعضهم على بعض) احترز به عما يأتي بعد بأن شهادة الحربي لا تقبل. وبقوله: (وإن اختلفت مللهم) احترز عن قول ابن أبي ليلى، وأبي عبيد أن في اختلاف الملة لا تقبل كشهادة اليهود على النصارى، وبالعكس؛ لقوله ﵇: «لا شَهَادَة لأهلِ المِلَّةِ لأهلِ مِلَّةٍ أُخْرَى إِلَّا الْمُسْلِمِينَ فَشَهَادَتُهُمْ

стр. 5324

وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَا تُقْبَلُ لِأَنَّهُ فَاسِقٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ فِي خَبَرِهِ، وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى المُسْلِمِ فَصَارَ كَالمُرْتَدٌ. وَلَنَا: مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَجَازَ مَقْبُولَةٌ عَلَى أهل الملل»، وقال الشافعي (١) ومالك (٢): لا تقبل، وقال أحمد (٣): لا تقبل شهادة كافر بحال. أما شهادة أهل الكتاب في السفر في الوصية إذا لم يكن غيرهم - تقبل، ويستحلف مع شهادته بعد العصر؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]، والآية نزلت في تميم الداري وعدي، وكانا نصرانيين شهدا بوصية مولى عمرو بن العاص، روى هذه القصة أبو داود وغيره (٤). وعن أحمد (٥): مثل قولنا، واحتج الشافعي (٦) بقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا … كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ [السجدة: ١٨] أراد به الكافر؛ إذ الفسق: خروج، يقال: فسقت الرطبة: إذا خرجت من قشرها، وسمّي المسلم به لخروجه عن حد الدين تعاطيا، والكافر خرج عن حد الدين اعتقادًا، فوجب التوقف في خبره بالنص، ولأنه تعالى قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وقال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والكافر ليس بعدل ولا مرضي ولا هو منا، وقال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] والظالم ليس بعدل ولا مرضي، ووقع في أكثر نسخ الهداية والكافرون هم الفاسقون. وفي النهاية: النسخة المصححة بتصحيح شيخي: قال [تعالى] (٧): للكافرين هم الفاسقون، إذ في القرآن: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٨). قوله: (فصار كالمرتد) لا تقبل شهادة المرتد على جنسه وخلاف جنسه،

стр. 5325

شَهَادَةَ النَّصَارَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الوِلَايَةِ عَلَى نَفْسِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ فَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ عَلَى جِنْسِهِ، وَالفِسْقُ مِنْ حَيْثُ الاعْتِقَادُ غَيْرُ مَانِعِ، لِأَنَّهُ يَجْتَنِبُ مَا يَعْتَقِدُهُ مُحَرَّمَ دِينِهِ، وَالكَذِبُ مَحْظُورُ الأَدْيَانِ، بِخِلَافِ المُرْتَدِّ، … ... ولهما: وإذا لم يكن من أهل الشهادة على المسلم لا يكون من أهل الشهادة على أحد، كالعبد، بل أولى؛ لأن الرّق من أثر الكفر، فإذا كان مخرجًا عن أهلية الشهادة، فأصل الكفر أولى، ولأنا لو قبلنا شهادتهم لأوجبنا الحكم على القاضي بشهادتهم، وبقولهم لا يلزم على المسلم شيء. ولنا ما روى ابن ماجه أنه ﵇ «أَجَازَ شَهَادَةَ بَعْضِ أَهْلِ الذِّمَةِ عَلَى بَعْضُهُمْ» (١)، وما روى أبو داود من قصة مولى عمرو بن العاص في سبب نزول الآية، فإذا جاز شهادتهم على وصية مسلم فمن الضرورة أن تجوز على وصية كافر، وما ثبت بضرورة النص أو دلالته كالمنصوص، ثم انتسخ ذلك في حق المسلم بانتساخ حكم ولايتهم على المسلمين بقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، فنفى حكم الشهادة فيما بينهم على نيتهم على ما ثبت بدلالة النص أو ضرورته، وليس من ضرورة انتساخ شهادتهم على المسلمين انتساخ شهادة بعضهم على بعض كالولاية، ألا ترى: روي أنه ﵊ «رَجَمَ يَهوديّين بِشَهادَةِ أربعةٍ مِنْهُم» (٢). قوله: (والكذب محظور الأديان)، فإن قيل: لا نسلم هذا، فإنه تعالى أخبر أنهم ينكرون الآيات عنادًا مع علمهم بأنها حق، وكان ذلك كذبًا منهم قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]. قلنا: ذلك في الأحبار الذين كانوا على عهد النبي ﵇، حيث تواطؤوا على كتمان بعث النبي ﵇ ونبوته، فلا شهادة لأولئك عندنا، فأما من سواهم
следующие страницы →