← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

(وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ يُظْهِرُ سَبَّ السَّلَفِ) لِظُهُورِ فِسْقِهِ بِخِلَافِ مَنْ يَكْتُمُهُ. (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إِلَّا الخَطَّابِيَّةُ) شهادته، فشكاه إلى الخليفة، فقال الخليفة: إنه وزيري، رجل دين لا يشهد بالزور، فلم رددت شهادته؟ قال: لإني سمعته يومًا قال للخليفة: أنا عبدك، فإن كان صادقًا فلا شهادة للعبد، وإن كان كاذبًا فكذلك أيضًا؛ لأنه إذا لم يبال في مجلسك بالكذب، فلا يبالي في مجلسي أيضًا، فعذره الخليفة (١). قوله: (ولا من يظهر سب السلف)، والمراد من السلف: الصحابة، والتابعون، وأبو حنيفة وأصحابه، والسلف: جمع سالف، وهو الماضي، وفي الشرع اسم لكل من يُقلّد مذهبه، ويُقتفي أثره في الدين كأبي حنيفة وأصحابه، فإنهم سلفنا، والصحابة والتابعون سلف لأبي حنيفة وأصحابه. وفي الذخيرة (٢): قال أبو يوسف: لا أجيز شهادة من يشتم أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لأنه لو شتم واحدًا من الناس لا يجوز شهادته، فهو أولى. وفي المحيط: لا تُقبل شهادة من عُرف بالمجانة، قيل: المجانة شتم أصحاب رسول الله ﷺ ، وقيل: قصور عقله ودينه ومن لم يمتنع عنها لا يمتنع عن الكذب، ولا خلاف فيه. قوله: (وتقبل شهادة أهل الأهواء) الهوى: ميلان النفس إلى ما يستلذ به من غير داعية الشرع، وإنما سموا به؛ لمتابعتهم النفس، ومخالفتهم السنة والجماعة. وفي الذخيرة (٣): تُقبل شهادته إذا كان هوى لا يكفر به صاحبه، ولا يكون ماجنا، ويكون عدلًا في تعاطيه، وهو الصحيح، واستدل محمد (٤) في الكتاب لبيان ذلك، فقال: أرأيت أن أصحاب رسول الله ساعدوا معاوية على مخالفة علي، لو شهدوا بين يدي عليّ أكان يردّ شهادتهم! ولا شك أن مخالفة علي بعد

стр. 5322

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا تُقْبَلُ، … ... … ... … ... . … ... … ... عثمان بدعة، وهوى، فكيف الخروج عليه بالمسايفة! لكن لما كان عن تأويل وبدين - لم يمنع قبول الشهادة. وأصول أهل الأهواء ستة: الجبر والقدر والرفض والخروج والتشبيه والتعطيل وكل واحد يصير اثني عشر فرقة، فيبلغ إلى اثنين وسبعين، إلا الخطابية. وفي شرح الأقطع: هم قوم ينسبون إلى أبي الخطاب، رجل كان بالكوفة قتله عيسى بن موسى، وكان يزعم أن عليا الإله الأكبر، وجعفر الصادق الإله الأصغر، وكانوا يعتقدون أن من ادعى منهم شيئًا على غيره يجب أن يشهد له بقية شيعته. وفي المغرب (١): طائفة من الرافضة نسبوا إلى أبي الخطاب محمد بن أبي وهب الأجدع، رُويَ: طرده جعفر الصادق لما ادعى في نفسه أنه إله، وزعم أتباعه أن جعفرًا إله (٢). وأما رواية الأخبار من أهل الأهواء اختلف فيه مشايخنا، والأصح عندي لا تقبل. كذا في المبسوط (٣). قوله: (وقال الشافعي (٤): لا تقبل)، في الحلية (٥): قال الشافعي: لا تردّ شهادة أحد من أهل الأهواء إلا الخطابية، فإنهم يشهد بعضهم لبعض بتصديقه، وقال أبو حامد من أصحابنا: من أهل الأهواء من يفسق كالخوارج والروافض، فلا تقبل شهادتهم، وبعضهم يكفر، كمن يقول بخلق القرآن، ونفي الرؤية، وإضافة المشيئة إلى نفسه، فلا تقبل، وهذا خلاف ظاهر كلام الشافعي.

стр. 5323

لِأَنَّهُ أَغْلَظُ وُجُوهُ الفِسْقِ. وَلَنَا: أَنَّهُ فِسْقٌ مِنْ حَيْثُ الاعْتِقَادُ وَمَا أَوْقَعَهُ فِيهِ إِلَّا تَدَيْنُهُ بِهِ وَصَارَ كَمَنْ يَشْرَبُ المُثَلَّثَ أَوْ يَأْكُلُ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عَامِدًا مُسْتَبِيحًا لِذَلِكَ، بِخِلَافِ الفِسْقِ مِنْ حَيْثُ التَّعَاطِي. أَمَّا الخَطَّابِيَّةُ: فَهُمْ مِنْ غُلَاةِ الرَّوَافِضِ، يَعْتَقِدُونَ الشَّهَادَةَ لِكُلِّ مَنْ حَلَفَ عِنْدَهُمْ. وَقِيلَ: يَرَوْنَ الشَّهَادَةَ لِشِيعَتِهِمْ وَاجِبَةٌ فَتَمَكَّنَتْ التَّهْمَةُ فِي شَهَادَتِهِمْ. قَالَ: (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مِلَلُهُمْ). وقال مالك (١): لا تُقبل شهادة أحد من أهل الأهواء. (لأنه أغلظ وجوه الفسق)، وقال أحمد (٢): لا تُقبل شهادة ثلاثة منهم: القدرية والجهمية والرافضة، وقال أبو إسحاق: من قدّم عليا على أبي بكر في الإمامة فسق، وما نقل في الكتاب قول مالك على إطلاقه، وقول أبي حامد من أصحاب الشافعي. قوله: (وما أوقعه فيه) أي: في الأهواء (إلا تدينه) أي: تعمقه في الدين، ألا ترى أن منهم من يعظم الذنب حتى يجعله كفرًا! فيكون ممتنعا عن الكذب فكان. (كمن شرب المثلث، أو [يأكل] (٣) متروك التسمية عامدًا مستبيحًا لذلك) أي: معتقدًا إباحته، فإنه لا ترد شهادته، كذا هذا. كذا في المبسوط (٤). قوله: (بعضهم على بعض) احترز به عما يأتي بعد بأن شهادة الحربي لا تقبل. وبقوله: (وإن اختلفت مللهم) احترز عن قول ابن أبي ليلى، وأبي عبيد أن في اختلاف الملة لا تقبل كشهادة اليهود على النصارى، وبالعكس؛ لقوله ﵇: «لا شَهَادَة لأهلِ المِلَّةِ لأهلِ مِلَّةٍ أُخْرَى إِلَّا الْمُسْلِمِينَ فَشَهَادَتُهُمْ

стр. 5324

وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَا تُقْبَلُ لِأَنَّهُ فَاسِقٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ فِي خَبَرِهِ، وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى المُسْلِمِ فَصَارَ كَالمُرْتَدٌ. وَلَنَا: مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَجَازَ مَقْبُولَةٌ عَلَى أهل الملل»، وقال الشافعي (١) ومالك (٢): لا تقبل، وقال أحمد (٣): لا تقبل شهادة كافر بحال. أما شهادة أهل الكتاب في السفر في الوصية إذا لم يكن غيرهم - تقبل، ويستحلف مع شهادته بعد العصر؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]، والآية نزلت في تميم الداري وعدي، وكانا نصرانيين شهدا بوصية مولى عمرو بن العاص، روى هذه القصة أبو داود وغيره (٤). وعن أحمد (٥): مثل قولنا، واحتج الشافعي (٦) بقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا … كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ [السجدة: ١٨] أراد به الكافر؛ إذ الفسق: خروج، يقال: فسقت الرطبة: إذا خرجت من قشرها، وسمّي المسلم به لخروجه عن حد الدين تعاطيا، والكافر خرج عن حد الدين اعتقادًا، فوجب التوقف في خبره بالنص، ولأنه تعالى قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وقال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والكافر ليس بعدل ولا مرضي ولا هو منا، وقال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] والظالم ليس بعدل ولا مرضي، ووقع في أكثر نسخ الهداية والكافرون هم الفاسقون. وفي النهاية: النسخة المصححة بتصحيح شيخي: قال [تعالى] (٧): للكافرين هم الفاسقون، إذ في القرآن: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٨). قوله: (فصار كالمرتد) لا تقبل شهادة المرتد على جنسه وخلاف جنسه،

стр. 5325

شَهَادَةَ النَّصَارَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الوِلَايَةِ عَلَى نَفْسِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ فَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ عَلَى جِنْسِهِ، وَالفِسْقُ مِنْ حَيْثُ الاعْتِقَادُ غَيْرُ مَانِعِ، لِأَنَّهُ يَجْتَنِبُ مَا يَعْتَقِدُهُ مُحَرَّمَ دِينِهِ، وَالكَذِبُ مَحْظُورُ الأَدْيَانِ، بِخِلَافِ المُرْتَدِّ، … ... ولهما: وإذا لم يكن من أهل الشهادة على المسلم لا يكون من أهل الشهادة على أحد، كالعبد، بل أولى؛ لأن الرّق من أثر الكفر، فإذا كان مخرجًا عن أهلية الشهادة، فأصل الكفر أولى، ولأنا لو قبلنا شهادتهم لأوجبنا الحكم على القاضي بشهادتهم، وبقولهم لا يلزم على المسلم شيء. ولنا ما روى ابن ماجه أنه ﵇ «أَجَازَ شَهَادَةَ بَعْضِ أَهْلِ الذِّمَةِ عَلَى بَعْضُهُمْ» (١)، وما روى أبو داود من قصة مولى عمرو بن العاص في سبب نزول الآية، فإذا جاز شهادتهم على وصية مسلم فمن الضرورة أن تجوز على وصية كافر، وما ثبت بضرورة النص أو دلالته كالمنصوص، ثم انتسخ ذلك في حق المسلم بانتساخ حكم ولايتهم على المسلمين بقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، فنفى حكم الشهادة فيما بينهم على نيتهم على ما ثبت بدلالة النص أو ضرورته، وليس من ضرورة انتساخ شهادتهم على المسلمين انتساخ شهادة بعضهم على بعض كالولاية، ألا ترى: روي أنه ﵊ «رَجَمَ يَهوديّين بِشَهادَةِ أربعةٍ مِنْهُم» (٢). قوله: (والكذب محظور الأديان)، فإن قيل: لا نسلم هذا، فإنه تعالى أخبر أنهم ينكرون الآيات عنادًا مع علمهم بأنها حق، وكان ذلك كذبًا منهم قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]. قلنا: ذلك في الأحبار الذين كانوا على عهد النبي ﵇، حيث تواطؤوا على كتمان بعث النبي ﵇ ونبوته، فلا شهادة لأولئك عندنا، فأما من سواهم

стр. 5326

لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ، وَبِخِلَافِ شَهَادَةِ الذِّمِّيِّ عَلَى المُسْلِمِ، لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ بِالإِضَافَةِ إِلَيْهِ، فيعتقدون الكفر؛ لأن عندهم أن الحق ما هم عليه، قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ [البقرة: ١٤٦] فتبين أن فسقهم فسق اعتقاد، وفسق الاعتقاد لا يمكن تهمة الكذب في الشهادة كما في أهل الأهواء، كذا قيل، وأما الآية فإن الرضا ثبت في حق الكافر في حق المعاملات بصفة الأمانة؛ لأنه تعالى وصفهم بذلك، قال: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] وهذه الآية خرجت مخرج الوصف له بالأمانة، وفعل الأمانة مرضي الله تعالى، وإن لم يكن الكافر مرضيه؛ لكفره، ولما كان مؤتمنا في المعاملات كن مؤتمنا في الشهادة؛ لأن الشهادة من أداء الأمانات، وأما العبد فإنه لا شهادة له؛ لعدم أهلية الولاية له، أما الكافر من أهل الولاية في جنسِهِ، فيكون من أهل الشهادة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] والمراد منه: الولاية دون الموالاة، بدليل صحة أنكحتهم فيما بينهم، ولا نكاح إلا بولي في حق الأكثرين، والمسلم إذا خطب إلى كتابي ابنته الصغيرة، فزوجها منه - جاز النكاح. وأما قوله: لأوجبنا القضاء على القاضي بقول الكافر، فقلنا: ليس كذلك؛ لأن القضاء وجب عليه بِتَقَلّدِهِ عند قيام الحجة، وباعتبار أنه التزم أداء أمانة القضاء لا أن يكون الوجوب بقوله، كما لو لزم على القاضي النظر للغائب والصغير لا بإيجاب من قبلهما؛ بل باعتبار أداء أمانة تحملها. إليه أشار في الأسرار والمبسوط (١) والإيضاح. قوله: (لأنه) أي: لأن الذمي (لا ولاية له) أي: للذمي، وفي النهاية: الضمير في (لأنه) للشأن، أي: لأن الشأن أن لا ولاية للذمي على المسلم. (بالإضافة إليه) أي: بالنسبة إلى المسلم، هذا احتراز عن الإضافة إلى الكافر، فإن له ولاية على ذمي آخر أو حربي على ما ذكرنا.

стр. 5327

وَلِأَنَّهُ يَتَقَوَّلُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَغِيظُهُ قَهْرُهُ إِيَّاهُ، وَمِلَلُ الكُفْرِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ فَلَا قَهْرَ فَلَا يَحْمِلُهُمُ الغَيْظُ عَلَى التَّقَوُّلِ. قَالَ: (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الحَرْبِيّ عَلَى الذِّمِّيِّ) أَرَادَ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ: المُسْتَأْمَنُ، لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الذِّمِّيَّ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا وَهُوَ أَعْلَى حَالًا مِنهُ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ (ولأنه) أي: ولأن الذمي (يتقول عليه) أي: يفتري على المسلم. (لأنه) أي: لأن المسلم، وفي النهاية: الضمير للشأن، أي: لأن الشأن هو أن يُسخط الذمي. (قهره) أي: قهر المسلم، (إياه) أي: الذمي (١). وقوله: (وملل (٢) الكفر وإن اختلفت) إلى آخره: جواب سؤال يرد على أصل المسألة، وهو قوله: (وتقبل شهادة بعضهم وإن اختلفت مللهم) (٣) بأن يقول: المعاداة ظاهرة بين اليهود والنصارى، وهم غير محقين في ذلك، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَرَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَرَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣] فينبغي ألا تقبل، كما هو مذهب ابن أبي ليلى. فأجاب عنه يقول: (وملل الكفر وإن اختلفت) إلى آخره، يعني وإن اختلفت مللهم لم [يصر] (٤) بعضهم مقهور بعض ليحملهم ذلك على التقول، بل كلهم مقهورون تحت أيدي المسلمين، ويعطون الجزية (٥). قوله: (أراد به) أي: بالحربي (المستأمن) وإنما قيد به؛ لأن الحربي لو دخل بغير استئمان يؤخذ قهرا، ويُسترَقُ ويصير عبدًا، ولا تقبل شهادة العبد على أحد. (وهو أعلى) أي: الذمي أعلى من المستأمن؛ لأنه قبل حِلْفِ الإسلام وهو الجزية فيكون أقرب الإسلام ولهذا يقتل المسلم بالذمي (٦).

стр. 5328

الذُّمِّيِّ عَلَيْهِ كَشَهَادَةِ المُسْلِمِ عَلَيْهِ وَعَلَى الذَّمِّيِّ (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ المُسْتَأْمَنِينَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ إِذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ دَارٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ كَانُوا مِنْ دَارَيْنِ كَالرُّومِ وَالتَّرْكِ لَا تُقْبَلُ) لِأَنَّ اخْتِلَافَ الدَّارَيْنِ يَقْطَعُ الوِلَايَةَ، وَلِهَذَا يَمْنَعُ التَّوَارُثَ، بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ، لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، وَلَا كَذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُ. (وَإِنْ كَانَتْ الحَسَنَاتُ أَغْلَبُ مِنْ السَّيِّئَاتِ وَالرَّجُلُ مِمَّنْ يَجْتَنِبُ الكَبَائِرَ … ... . وقوله: (بخلاف الذمي) متصل بقوله: (وإن كانوا من دارين) يعني تقبل شهادته على المستأمن وإن كانا من أهل دارين مختلفين؛ لأن الذمي بعقد الذمة صار كالمسلم لما قلنا، وتقبل شهادة المسلم على المستأمن، فكذا شهادته، وإنما لا يجري التوارث بين الذمي والمستأمن؛ لأن المستأمن من أهل دارنا فيما يرجع إلى المعاملات، والشهادة منها، ومن أهل دار الحرب في الإرث والمال (١). قوله: (والرجل يجتنب الكبائر) أي: كلها، وقد مرَّ تفسير الكبيرة، يقال: أَلَمَّ بمعصية، أي: أذنب بمعصية صغيرة، مشتق من اللمم، وهو ما دون الفاحشة من صغار الذنوب. وفي الذخيرة (٢): والحاصل أن ارتكاب الكبيرة يوجب سقوط العدالة، وارتكاب الصغيرة لا يوجب سقوطها؛ لأن ارتكاب الكبيرة يدل على شهادة الزور؛ لأنها في الحرمة كالكبيرة، فيستدل بوجود الكبيرة على شهادة الزور، أما ارتكاب الصغيرة لا يدل على شهادة الزور؛ لأنها كبيرة، فلا يوجب سقوطها، إلا أن يُصِرَّ على الصغيرة؛ لأن الصغيرة تصير كبيرة بالإصرار، قال ﵇: «لا صَغِيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاسْتِغْفَارِ» (٣)، ولأن أحدًا من الناس لا يخلو

стр. 5329

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عن صغيرة، ولهذا روى أنه ﵇ قال: «إِنْ تَغْفِرَ اللهُمَّ فَاغْفِرْ جَمًّا، وأيُّ عبد لك لا أَلَمَّا» (١). وقال شمس الأئمة: الناس لا تخلو عن إتيان ما هو مشروع له، وعن ارتكاب صغيرة، فيُعتبر في ذلك الغالب يريد به في حق الصغائر، فإن كان غالب أحواله الإتيان بما هو مأذون به شرعًا، وإن لم يخل عن الصغيرة كان جائز الشهادة بعد أن يجتنب الكبيرة، وإليه أشار قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨] ولا خلاف فيه للفقهاء. وفي المحيط (٢): وأحسن ما قيل في صفة العدل ما روي عن أبي يوسف أن الذي لا يأتي بالكبيرة، ولا يصر على الصغيرة، ويكون ستره أكثر من هتكه، وصوابه أكثر من خَطَائِهِ، ومروءته ظاهرة، ويستعمل الصدق ويجتنب الكذب ديانة ومروءة. وقيل: المروءة في الدين الاجتناب عن الكبائر وعن الإصرار على الصغائر، ولو ترك الصلاة في الجماعة استخفافًا أو مهانة ترد شهادته، قيل: لم يُرد بالاستخفاف الاستهزاء؛ لأن الاستهزاء كفر، بل أراد التهاون والكسل، هذا إذا تركها بلا تأويل والتأويل أن يكون الإمام طامعًا، أو يؤخر الأداء وهو يعتقده في أول الوقت، والذي يبتلى بالكذب أحيانًا، ولا يكون مشهورًا به - تقبل شهادته. وقيل: الكذب من أعظم الكبائر. وقال الإسبيجابي: من أكل فوق الشبع سقطت عدالته عند الأكثر. ومن خرج لنظر عند قدوم الأمير لا تقبل شهادته. وعن شداد أنه رد شهادة شيخ صالح لمحاسبة ابنه في النفقة في طريق مكة. قال الخصاف: ركوب البحر للتجارة والتفرج مسقط للشهادة.

стр. 5330

قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ وَإِنْ أَلَمَّ بِمَعْصِيَةٍ) هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي حَدِّ العَدَالَةِ المُعْتَبَرَةِ، إِذْ لَا بُدَّ مِنْ تَوَقِّي الكَبَائِرِ كُلِّهَا، وَبَعْدَ ذَلِكَ يُعْتَبَرُ الغَالِبُ كَمَا ذَكَرْنَا، فَأَمَّا الْإِلْمَامُ بِمَعْصِيَةٍ لَا تَنْقَدِحُ بِهِ العَدَالَةُ المَشْرُوطَةُ، فَلَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ المَشْرُوعَةُ، لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ اجْتِنَابِهِ الكُلَّ سَدَّ بَابِهِ، وَهُوَ مَفْتُوحٌ إِحْيَاءٌ لِلْحُقُوقِ. قَالَ: (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الأَقْلَفِ)، وكذا التجارة إلى أرض الكفار وقرى فارس وأشباهه؛ لأنه خاطر بدينه ونفسه لينال مالاً، [فلا] (١) يؤمن أن يكذب ويأخذ المال، وقرى فارس يطعمونه الربا وهم يعلمون. والفاسق قبلت شهادته بعد ستة أشهر، وقيل: بعد سنة، قال الفضلي: روى عن أبي يوسف أنه قال: تركته بعد ستة أشهر ثم رجع، وقال: بعد سنة، وعن محمد لا يسعه ما لم يمتحنه في العقود ويرى الأمانة، وقيل: لا يكفيه ذلك ما لم يمتحنه في كل الأمانات والصداقات مرارًا. ولو عرف عدالته ثم انقطع عنه؛ إن لم يتطاول الوقت وسعه أن يزكيه بتلك المعرفة، وإلا فلا، ومدة التطاول قيل: ستة أشهر، وقيل: سنة، وقيل: من وقت في التزكية فهو مُخطئ، وهذا على ما يقع في القلب، فربما يعرف أحد في شهر، والآخر لا يعرف في سنة. وقيل: من سمع الأذان وانتظر الإقامة سقطت عدالته. ومن أخذ سوق النخاسين مقاطعة وأشهد على وثيقتها شهودًا، فلو شهدوا حل لهم اللعن؛ لأنه شهادة على الباطل، وكذا لو شهدوا على إقراره، وكذا لو شهدوا في كل إقرار بناء على باطل (٢). قوله: (وتقبل شهادة الأقلف) الذي لم يختن. وفي فتاوى الولوالجي: قال ابن عباس: لا تُقبل شهادة الأقلف، ولا تقبل له صلاة، ولا تؤكل ذبيحته، وهو مذهبه.

стр. 5331

لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالعَدَالَةِ، إِلَّا إِذَا تَرَكَهُ اسْتِخْفَافًا بِالدِّينِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بِهَذَا الصَّنِيعِ عَدْلًا (لأنه) أي: ترك الختان (لا يخل بالعدالة) إذا كان ذلك بعذر، والعذر في ذلك الكِبر وخوف الهلاك (١). ثم اختلف العلماء في الختان؛ فقال الشافعي (٢) في ظاهر مذهبه وأحمد (٣): إنه واجب؛ لأنه ﵇ أمر رجلا أسلم بالاختتان، وكذا يجب على النساء، وعندنا ومالك (٤) سنة، وبه قال الشافعي (٥) في قول؛ لقوله ﵇: «الخِتَانُ للرِّجال سُنّةٌ، والنِّساءِ مَكْرَمَةٌ» (٦). واختلفوا في مدته، فلم يقدر أبو حنيفة فيها بشيء؛ لأنه لم يرد في القرآن، ولا في الحديث، ولم ينقل فيه إجماع، وطريق معرفة المقادير: السماع. واختلف المتأخرون؛ قيل: من سبع سنين إلى عشر، وقيل: اليوم السابع من ولادته أو بعد السابع إن احتمل الصبي ذلك ولم يهلك؛ لما روي أن الحسن والحسين ختنا اليوم السابع، أو بعد السابع، ولكنه شاذ. كذا في الذخيرة (٧) وأدب القاضي للصدر الشهيد (٨). وعن بعض أصحاب الشافعي (٩): لا يختن حتى يصير ابن عشر؛ لأنه حينئذ

стр. 5332

(وَالخَصِيِّ) لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ قَبِلَ شَهَادَةَ عَلْقَمَةَ الخَصِيِّ، وَلِأَنَّهُ قُطِعَ عُضْوٌ مِنهُ ظُلْمًا فَصَارَ كَمَا إِذَا قُطِعَتْ يَدُهُ. (وَوَلَدِ الزِّنَا) لِأَنَّ فِسْقَ الأَبَوَيْنِ لَا يُوجِبُ فِسْقَ الوَلَدِ كَكُفْرِهِمَا وَهُوَ مُسْلِمٌ. وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: لَا تُقْبَلُ فِي الزِّنَا، لِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَهُ كَمِثْلِهِ فَيُتَّهَمُ. قُلْنَا: العَدْلُ لَا يَخْتَارُ ذَلِكَ وَلَا يَسْتَحِبُّهُ، وَالكَلَامُ فِي العَدْلِ. قَالَ: (وَشَهَادَةُ الخُنْثَى جَائِزَةٌ) لِأَنَّهُ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ وَشَهَادَةُ الجِنْسَيْنِ مَقْبُولَةٌ بالنص. قَالَ: (وَشَهَادَةُ العُمَّالِ جَائِزَةٌ) وَالمُرَادُ عُمَّالُ السُّلْطَانِ عِنْدَ عَامَّةِ المَشَايِخِ، لِأَنَّ نَفْسَ العَمَلِ لَيْسَ بِفِسْقٍ إِلَّا إِذَا كَانُوا أَعْوَانًا عَلَى الظُّلْمِ. أمر بالضرب على ترك الصلاة، وقال أصحابه: ختانه يجب عليه بعد بلوغه، ويُستحب في اليوم السابع. قوله: (والخصي) أي تُقبل شهادته. في المغرب (١): خصاه: نزع خصيته، يخصيه خصاء، على فعال، والمفعول: خَصِيٌّ، على فعيل، والجمع: خصيان. قوله: (وقال مالك (٢): لا تقبل في الزنا)، أما تقبل في غير الزنا. (لأنه رجل أو امرأة) يعني إذا ظهر علامة. وفي الخزانة: في الخنثى المُشكل لا يشهد مع رجل أو امرأة واحدة، أما لو شهد مع رجل وامرأة تقبل. قوله: (لأن نفس العمل ليس بفسق)، إنما الفسق هو الظلم، فإن العامل إذا كان عدلًا يستحق ثوابًا عظيمًا؛ لأنه رُوي أنه عليه الصلاة السلام قال: «سَبْعَةٌ يَظُلُّهم اللهُ يَومَ لَا ظِل إلَّا ظله» وذكر منها: «إمَامًا مُقْسِطًا» (٣) ألا ترى أن كبراء

стр. 5333

وَقِيلَ: العَامِلُ إِذَا كَانَ وَجِيهَا فِي النَّاسِ، ذَا مُرُوءَةٍ لَا يُجَازِفُ فِي كَلَامِهِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ كَمَا مَرَّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ فِي الفَاسِقِ، لِأَنَّهُ لِوَجَاهَتِهِ لَا يَقْدُمُ عَلَى الكَذِبِ حِفْظًا لِلْمُرُوءَةِ، وَلِمَهَابَتِهِ لَا يُسْتَأجَرُ عَلَى الشَّهَادَةِ الكَاذِبَةِ. قَالَ: (وَإِذَا شَهِدَ الرَّجُلَانِ أَنَّ أَبَاهُمَا أَوْصَى إِلَى فُلَانٍ، وَالوَصِيُّ يَدَّعِي ذَلِكَ، فَهُوَ جَائِزُ اسْتِحْسَانًا، … الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ كانوا عُمَّالًا، ولو كان نفس العمل فسقًا لتنزهوا عن ذلك. كذا في الذخيرة (١). وذكر الإمام قاضي خان أراد به عامل السلطان الذي يعينه في أخذ الحقوق الواجبة شرعًا، أما الذي يعينه على أخذ الحرام لا تقبل شهادته، ثم قال: وقيل: أراد بالعمال الذين يعملون بأيديهم ويؤاجرون أنفسهم؛ لأن من الناس من لا يقبل شهادة أهل الصناعات الخسيسة، وإنما أورد هذه المسألة ردًّا لذلك القول؛ لأن كسبهم أطيب الكسب على ما جاء في الحديث: «أَفضَلُ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى مَنْ يَأْكُل مِنْ كَسبِ يَده» (٢) فلا يوجب ذلك جرحًا. وذكر الصدر الشهيد (٣): إن شهادة الرئيس، والجابي في السكة الذي يأخذ الدراهم، والضراب الذي تجمع عنده الدراهم ويأخذها طوعًا لا تقبل. وذكر البزدوي في جامِعِهِ: من قام بتوزيع هذه النوائب على المسلمين بالقسط والمعادلة كان مأجورًا، وإن كان أصله من جهة الظلم، فعلى هذا ينبغي أن تقبل شهادة من قام بالتوزيع، ولو كان مجازفًا من العمال في كلامه لا تقبل شهادته. قوله: (فهو جائز استحسانًا) هاهنا خمس مسائل، الغريمان لهما على الميت، والغريمان عليهما دين والموصى لهما، والموصى إليهما، والوارثان، ويشهد كل فريق أن الميت أوصى إلى هذا، وهو يدعي ذلك - جازت الشهادة، ولا تجوز قياسًا.

стр. 5334

وَإِنْ أَنْكَرَ الوَصِيُّ لَمْ يَجُزْ) وَفِي القِيَاسِ: لَا يَجُوزُ إِنْ ادَّعَى، وَعَلَى هَذَا إِذَا شَهِدَ المُوصِي لَهُمَا بِذَلِكَ أَوْ غَرِيمَانِ لَهُمَا عَلَى المَيِّتِ دَيْنٌ أَوْ لِلْمَيِّتِ عَلَيْهِمَا دَيْنٌ أَوْ شَهِدَ الوَصِيَّانِ أَنَّهُ أَوْصَى إِلَى هَذَا الرَّجُلِ مَعَهُمَا. وَجْهُ القِيَاسِ: أَنَّهَا شَهَادَةٌ لِلشَّاهِدِ لِعَوْدِ المَنْفَعَةِ إِلَيْهِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةَ نَصْبِ الوَصِيِّ إِذَا كَانَ طَالِبًا (وإن أنكر الوصي ذلك لم يجز) قياسًا، واستحسانًا. (أنها شهادة للشاهد أي: لنفسه العود المنفعة إليه)، وهذا لأن الوارثين قصدا بهذه الشهادة نصيب من ينصرف لهما، ويقوم بإحياء حقوقهما، والغريمين قصدا نصيب من يستوفيان منه حقهما، ويَبرَءان بالدفع إليه، والوصيان قصدا نصيب من يعينهما على التصرف في مال الميت والموصى لهما قصدا نصيب من يدفع إليهما حقوقهما، فكان الكل يجران إلى أنفسهما نفعًا بشهادتهما، فيرد، وبه قالت الأئمة الثلاثة (١)؛ لأن شهادة الجار لنفسه نفعا لا تقبل بالإجماع (٢). وجه الاستحسان أن بهذه الشهادة لا يثبت للقاضي ولاية لم تكن، فإن له أن ينصب الوصي إذا كان الوصي طالبًا، والموت معروف، فإنما أسقطا عنه مؤنة التعيين؛ لأن القاضي يلزمه أن يتأمل في هذا الوصي أنه: هل يصلح للوصاية لأمانته وديانته وهدايته أم لا؟ وهما بهذه الشهادة زكياه وأخبرا القاضي بأنه أهل لذلك، فكفيت عنه مؤنة التعيين، وصارت كالقرعة، فإنها ليست بحجة، ويجوز استعمالهما في تعيين الأنصباء؛ لدفع التهمة عن القاضي. فإن قيل: إذا كان للميت وصيان، فالقاضي لا يحتاج إلى نصب وصي آخر عن الميت، وهو إحدى مسائل الخمس، فحينئذ يثبت للقاضي ولاية نصب وصي بشهادتهما. قلنا: إذا أخبرا أن معهما ثالثًا ملك القاضي نصب ثالث معهما؛ لعجزهما عن القيام بأمور الميت بإقرارهما، إليه أشار الإمام المحبوبي.

стр. 5335

وَالمَوْتُ، مَعْرُوفٌ، فَيَكْفِي القَاضِي بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ مُؤْنَةَ التَّعْيِينِ لَا أَنْ يَثْبُتَ بِهَا شَيْءٌ فَصَارَ كَالقُرْعَةِ، وَالوَصِيَّانِ إِذَا أَقَرًّا أَنَّ مَعَهُمَا ثَالِثًا يَمْلِكُ القَاضِي نَصْبَ ثَالِثٍ مَعَهُمَا لِعَجْزِهِمَا عَنْ التَّصَرُّفِ بِاعْتِرَافِهِمَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَنْكَرَا وَلَمْ يَعْرِفْ المَوْتَ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ نَصْبِ الوَصِيِّ فَتَكُونُ الشَّهَادَةُ هِيَ المُوجِبَةَ، وَفِي الغَرِيمَيْنِ لِلْمَيِّتِ عَلَيْهِمَا دَيْنٌ تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ المَوْتُ مَعْرُوفًا، لِأَنَّهُمَا يُقِرَّانِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا فَيَثْبُتُ المَوْتُ بِاعْتِرَافِهِمَا فِي حَقِّهِمَا (وَإِنْ شَهِدَا أَنَّ أَبَاهُمَا الغَائِبَ وَكَلَهُ بِقَبْضِ دُيُونِهِ بِالكُوفَةِ، فَادَّعَى الوَكِيلُ أَوْ أَنْكَرَهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا) لِأَنَّ القَاضِي لَا يَمْلِكُ نَصْبَ الوَكِيلِ عَنْ الغَائِبِ، فَلَوْ ثَبَتَ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِمَا وَهِيَ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِمَكَانِ التَّهْمَةِ. قَالَ: (وَلَا يَسْمَعُ القَاضِي الشَّهَادَةَ عَلَى جَرْحٍ … ... … ... … ... … . وفي الكتاب أشار إليه بقوله: (والوصيان إذا أقرّا) إلى آخره (١). قوله: (وفي الغريمين) إلى آخره، يعني ليس للقاضي ولاية نصب الوصي عند عدم ظهور موت الوصي، فكانت في شهادة الغريمين للميت عليهما تهمة، وهو يقع الإبراء بالدفع إليه، فينبغي ألا تُقبل، فقال: تُقبل هذه الشهادة؛ إذ ليس فيها تهمة؛ لأن ضررهما في ذلك أكثر من نفعهما، فكانت الشهادة على أنفسهما، وشهادة الإنسان على نفسه مقبولة، وهي الإقرار. وفي الكافي: وقيل: معنى القبول أمر القاضي إياهما بأداء ما عليهما [إليه؛ لإبرائهما عن الدين بهذا الأداء؛ لأن أداء الدين منهما حق عليهما] (٢) فتقبل، والبراءة حق لهما، فلا تقبل فيهما (٣). قوله: (ولا يحكم بذلك) أي: بالجرح. قيل: هذا تكرار؛ لأن بقوله: (لا يسمع الشهادة على جرح) يفهم. أجيب بأنه ممكن ألا يسمع، ويحكم بعلمه في صورة، فجاز الانفكاك بينهما في الجملة أو رده؛ لنفي الاحتمال في هذه الصورة. ومعنى قوله: (على جرح) أي: جرح مجرد متضمن لتفسيق الشهود من غير

стр. 5336

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أن يتضمن إيجاب حق من حقوق الشرع، أو من حقوق العباد، نحو: أن يشهد أن الشهود فسقة أو زناة أو أكلة الربا أو شَرَبَة خمر، وعلى إقرارهم أنهم شهدوا بالزور، أو إقرارهم أنهم أجراء في أداء هذه الشهادة، أو على إقرارهم أن المدعي مبطل في هذه الدعوى، أو على إقرارهم أن لا شهادة على المدعى عليه في هذه الحادثة، ففي هذه الوجوه لا تُقبل شهادتهم؛ لأن الشهادة إنما تُقبل على ما يدخل تحت حكم القاضي، وفي وسعه إلزامه، والفسق مما لا يدخل تحت الحكم، وليس في وسع القاضي إلزامه؛ لأنه يدفعه بالتوبة. ولأن فيه، أي: في الشهادة على الجرح، هذا وجه الثاني من الاستحسان، وعليه الاعتماد، يعني الشاهد بهذه الشهادة صار فاسقا؛ لأن فيه إشاعة الفاحشة، وهي حرام بالنص بلا ضرورة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ [النور: ١٩]، ولهذا قالوا: المزكي ينبغي ألا يصرح بفسقه، بل يقول: لا أعلم بحاله، ولا أدري: أهو عدل أم لا؟ (١). فإن قيل: أليس أنه ﵇ قال: «اذْكُر الفَاجِرَ بِمَا فِيهِ» (٢)؟ قلنا: هو محمول على ما إذا كان ضرورة يتعدى إلى غيره، ولا يمكن دفع الضرر عنه إلا بعد الإعلام، ولا يقال: إن فيه ضرورة، وهي كف الظالم عن الظلم بأداء الشهادة الكاذبة، وقد قال ﵇: «انْصُر أخَاكَ ظالما أو مظلومًا» (٣)؛ لأنه لا ضرورة إلى هذه الشهادة على ملأ من الناس، ويمكنه كفه عن الظلم بإخبار القاضي بذلك سرًا، إلا إذا شهدوا على إقرار المدعي أنهم فسقة، أو شهدوا بزور ونحوه؛ لأنهم شهدوا بإظهار الفاحشة عن غيرهم، فيثبت المشهود به. وكذا الإقرار مما يدخل تحت الحكم، فيقدر القاضي على الإلزام؛ لأنه لا يرتفع بالتوبة.

стр. 5337

وَلَا يَحْكُمُ بِذَلِكَ لِأَنَّ الفِسْقَ مِمَّا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الحُكْمِ، لِأَنَّ لَهُ الدَّفْعَ بِالتَّوْبَةِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الإِلْزَامُ، وَلِأَنَّهُ هَتْكُ السِّرِّ، وَالسَّتْرُ وَاجِبٌ وَالإِشَاعَةُ حَرَامٌ، وَإِنَّمَا يُرَخَّصُ ضَرُورَةَ إِحْيَاءِ الحُقُوقِ وَذَلِكَ فِيمَا يَدْخُلُ تَحْتَ الحُكْمِ، إِلَّا إِذَا شَهِدُوا عَلَى إِقْرَارِ المُدَّعِي بِذَلِكَ تُقْبَلُ لِأَنَّ الإِقْرَارَ مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ الحُكْمِ. قَالَ: (وَلَوْ أَقَامَ المُدَّعَى عَلَيْهِ البَيِّنَةَ أَنَّ المُدَّعِيَ اسْتَأْجَرَ الشُّهُودَ لَمْ تُقْبَلْ) لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ عَلَى جَرْحٍ مُجَرَّدٍ، وَالاسْتِنْجَارُ وَإِنْ كَانَ أَمْرًا زَائِدًا عَلَيْهِ فَلَا خَصْمَ فِي إِثْبَاتِهِ، لِأَنَّ المُدَّعَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَجْنَبِيٌّ عَنْهُ، حَتَّى لَوْ أَقَامَ المُدَّعَى عَلَيْهِ البَيِّنَةَ أَنَّ المُدَّعِيَ اسْتَأْجَرَ الشُّهُودَ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ لِيُؤَدُّوا الشَّهَادَةَ وَأَعْطَاهُمْ العَشَرَةَ مِنْ مَالِي الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ تُقْبَلُ، لِأَنَّهُ خَصْمٌ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ يَثْبُتُ الجَرْحُ بِنَاءً عَلَيْهِ، وَكَذَا إِذَا أَقَامَهَا عَلَى (ولو أقام رجل) أي: المدعى عليه (البينة أن المدعي استأجر الشهود) لأداء الشهادة (لم تقبل؛ لأنه على جرح مجرد) (١). وقوله: (والاستئجار) إلى آخره: جواب سؤال مقدر، بأن يقال: قول المدعى عليه أن المُدّعي استأجرهم ليس بجرح مجرد؛ بل فيه إثبات أمر زائد وهو الاستئجار، وهو حق المدعي فيثبت الجرح في ضمنه. فأجاب عنه بأن الاستئجار (أمرًا زائدًا عليه) أي: على الجرح المجرد؛ لكن لا خصم في إثباته إذ لا تعلق له بالأجرة، فيبقى جرحًا مجردًا. فإن قيل: ينبغي ألا تقبل هذه الشهادة في هذه الصورة من وجه آخر بأن يجعل شهداء المدعى عليه مزكين لشهود المدعي، ولهذا لو شهد شاهدان أنهما عدلان وآخران على الجرح، فالجرح أولى. قلنا: لما شهدا بأن الشهود أجراء كانوا قائلين بأنهم شهود زور، وهو نسبة الفسق؛ فوجب عليهم التعزير، فلم يصيروا معدلين والمعدل في زماننا يعلم القاضي في السر بفسق الشهود؛ احترازًا عن إشاعة الفاحشة وعن التعادي فيما بينهم، كما ذكرنا في مسائل التزكية (٢).

стр. 5338

أَنِّي صَالَحْتِ الشُّهُودَ عَلَى كَذَا مِنْ المَالِ. وَدَفَعْتُهُ إِلَيْهِمْ عَلَى أَنْ لَا يَشْهَدُوا عَلَيَّ بِهَذَا البَاطِلِ وَقَدْ شَهِدُوا وَطَالَبَهُمْ بِرَدِّ ذَلِكَ المَالِ، وَلِهَذَا قُلْنَا: إِنَّهُ لَوْ أَقَامَ البَيِّنَةَ أَنَّ الشَّاهِدَ عَبْدٌ أَوْ مَحْدُودٌ فِي قَذْفٍ أَوْ شَارِبُ خَمْرٍ أَوْ قَاذِفٌ أَوْ شَرِيكُ المُدَّعِي تُقْبَلُ. قَالَ: (وَمَنْ شَهِدَ وَلَمْ يَبْرَحْ حَتَّى قَالَ: أُوهِمْتُ بَعْضَ شَهَادَتِي، فَإِنْ كَانَ عَدْلًا جَازَتْ شَهَادَتُهُ) وَمَعْنَى قَوْلِهِ: أُوهِمْتُ، أَيْ: أَخْطَأت بِنِسْيَانِ مَا كَانَ يَحِقُّ عَلَيَّ ذِكْرُهُ أَوْ بِزِيَادَةٍ كَانَتْ بَاطِلَةٌ. وَوَجْهُهُ، أَنَّ الشَّاهِدَ قَدْ يُبْتَلَى بِمِثْلِهِ لِمَهَابَةِ مَجْلِسِ القَضَاءِ فَكَانَ العُذْرُ وَاضِحًا فَتُقْبَلُ إِذَا تَدَارَكَهُ فِي أَوَانِهِ وَهُوَ عَدْلٌ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَامَ عَنْ المَجْلِسِ ثُمَّ عَادَ وَقَالَ: أُوهِمْتُ، لِأَنَّهُ يُوهِمُ الزِّيَادَةَ مِنْ المُدَّعِي بِتَلْبِيسِ وَخِيَانَةِ قوله: (ولهذا قلنا) أي: ولما قلنا أنه لو أقام البينة على جرح فيه حق من حقوق العباد أو من حقوق الشرع. (إنه) أي: المدعى عليه (لو أقام بينة أن الشاهد عبد أو قاذف) والمقذوف يدعيه، (أو محدود في قذف أو شارب خمر أو سارق أو شريك المدعي) والمدعى مال (تقبل) لمكان الحاجة إلى إحياء هذه الحقوق، وفيما إذا قال: إنه محدود في قذف ليس إشاعة الفاحشة؛ لأن الإظهار حصل بقضاء القاضي، وإنما حكوا عن إظهار الفاحشة من الغير (١). قوله: (فإن كان عدلًا) أي: عدالته ظاهرة عند القاضي، وإن لم يكن فسأل عنه، فقيل: إنه عدل جازت شهادته كذا في جامع البرهاني. بزيادة كانت أي: الزيادة (باطلة) والجملة الفعلية صفة للنكرة وهي (بزيادة) (٢). قوله: (إذا تداركه في أوانه)، وأوانه قبل البراح من مكانه. قوله: (ثم عاد) إلى المجلس (وقال: أوهمت) حيث لا يقبل منه ذلك؛ لجواز أنه غرّه المُدّعِي أو المُدّعى عليه بأطماع حطام الدنيا، ثم قيل: يقضي بجميع ما شهد؛ لأن ما شهد به صار حقًا للمدعي على المدعى عليه؛ فلا يبطل

стр. 5339

فَوَجَبَ الاحْتِيَاطُ، وَلِأَنَّ المَجْلِسَ إِذَا اتَّحَدَ لَحِقَ المُلْحَقُ بِأَصْلِ الشَّهَادَةِ فَصَارَ كَكَلَامِ وَاحِدٍ، وَلَا كَذَلِكَ إِذَا اخْتَلَفَ. وَعَلَى هَذَا: إِذَا وَقَعَ الغَلَطُ فِي بَعْضِ الحُدُودِ أَوْ فِي بَعْضِ النَّسَبِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ مَوْضِعَ شُبْهَةٍ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ فَلَا بَأْسَ بِإِعَادَةِ الكَلَامِ أَصْلًا، مِثْلُ: أَنْ يَدَعَ لَفْظَةَ الشَّهَادَةِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَى ذَلِكَ، وَإِنْ قَامَ عَنْ المَجْلِسِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا. بقوله: أوهمت، وقيل: يقضي بما بقي، حتى لو شهد بالألف، ثم قال: غلطت في خمسمائة، بل هو خمسمائة يُقضى عليه بخمسمائة؛ لأن ما حدث بعد الشهادة قبل القضاء يجعل كحدوثه عند الشهادة، ولو شهد بخمسمائة لم يقض بألف، كذا هنا، وإليه مال شمس الأئمة السرخسي (١). قوله: (في بعض الحدود) بأن ذكر الجانب الشرقي مكان الجانب الغربي أو على العكس أو في بعض النسب بأن ذكر محمد بن أحمد بن عمر فكان محمد بن علي بن عمر مثلا يقبل شهادته إذا تداركه في المجلس ولا يقبل بعده (٢). قوله: (وهذا) أي: اعتبار اتحاد المجلس في عدم التلبيس. (فأما إذا لم يكن) أي: موضع شبهة. بأن يدع لفظة الشهادة، أو ما يجري مجرى ذلك بأن تدارك اسم المدعي أو المدعى عليه، أو يترك الإشارة إلى أحدهما (٣). فإن قيل: ففيما فيه يقبل التدارك في المجلس أو بعده، أي: وقت فرض صورة المسألة قبل القضاء أو بعده؟ قلنا: في حق ترك لفظة الشهادة قبل القضاء؛ لامتناع القضاء بدون لفظ: أشهد، وفي موضع شبهة التلبيس، وهو موضع الزيادة والنقصان. ففي الذخيرة (٤) وجامع المحبوبي: لا يتفاوت ذلك قبل القضاء وبعده فيما روى الحسن عن أبي حنيفة، وروى بسر عن أبي يوسف في رجل شهد ثم جاء بعد ذلك بيوم فقال: شككت في كذا وكذا في شهادتي، فإن كان القاضي يعرفه

стр. 5340

وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي غَيْرِ المَجْلِسِ إِذَا كَانَ عَدْلًا، وَالظَّاهِرُ (*) مَا ذَكَرْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. بَابُ الِاخْتِلَافِ فِي الشَّهَادَةِ قَالَ: (الشَّهَادَةُ إِذَا وَافَقَتْ الدَّعْوَى قُبِلَتْ، وَإِنْ خَالَفَتْهَا لَمْ تُقْبَلْ) لِأَنَّ تَقَدُّمَ الدَّعْوَى فِي حُقُوقِ العِبَادِ شَرْطُ قَبُولِ الشَّهَادَةِ، وَقَدْ وُجِدَتْ فِيمَا يُوَافِقُهَا … ... … ... بالصلاح تُقبل شهادته فيما نفى، وإن لم يعرفه بالصلاح، وقال: رجعت عن شهادتي في كذا وكذا من هذا المال - فهذه تهمة، وكذا الحكم في: غلطت في ذلك أو نسيت، فهو مثل قوله: قد شككت في الشهادة. وفي المغني: في نوادر ابن سماعة: عن محمد: إذا شهد بالدار للمدعي وقضى القاضي بشهادتهم، ثم قالا: لا ندري لمن البناء لا نضمنهم قيمة البناء، كأنهم قالوا: شككنا في شهادتنا، وإن قالا: ليس البناء للمدعي ضمنوا قيمة البناء للمشهود عليه. فعلم أن بقولهم: (شككنا) لا يختلف الحكم بعد القضاء وقبله (١) في أنه يقبل هذا القول منهم إذا كانوا عدولًا. قوله: (يقبل قوله) أي: قول الشاهد (في غير المجلس) أي: في جميع المسائل، والظاهر ما ذكرنا، وهو أنه يقبل في المجلس في موضع شبهة التلبيس وبعده، وفي غير موضع شبهة التلبيس يقبل في جميع الأوقات (٢). بَابُ الِاخْتِلَافِ فِي الشَّهَادَةِ لما فرغ من مسائل الاتفاق في الشهادة شرع في مسائل الاختلاف فيها؛ إذ الأصل هو الاتفاق؛ إذ الاختلاف بعارض الجهل والكذب، وكلاهما عارض خصوصا في حق العدول (٣). قوله: (لأن تقدم الدعوى في حقوق العباد شرط)، واحترز به عن حقوق

стр. 5341

وَانْعَدَمَتْ فِيمَا يُخَالِفُهَا. قَالَ: (وَيُعْتَبَرُ اتِّفَاقُ الشَّاهِدَيْنِ فِي اللَّفْظِ وَالمَعْنَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ وَالآخَرُ بِأَلْفَيْنِ لَمْ تُقْبَلْ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا: تُقْبَلُ عَلَى الْأَلْفِ الله تعالى، فإن الشهادة فيها تُقبل بدون تقدم الدعوى؛ إذ حقوق الله تعالى واجبة على كل أحد، فكان كل واحد خصمًا في إثباتها، أما في حق العباد لا بد من دعوى مدع؛ لأن حق العبد يتوقف على مطالبته أو مطالبة من يقوم مقامه؛ لأن القاضي نصب لفصل الخصومة، ولا خصومة بدون الدعوى (١). قوله: (وانعدمت) أي: الدعوى فيما يخالفها؛ لأن الشهادة لتصديق الدعوى، فإذا خالفتها فقد كذبتها، والدعوى الكاذبة وجودها كعدمها، واعتبرنا صدق الشاهد لا صدق المدّعي في المخالفة؛ لأن الأصل في الشهود العدول الصدقُ لا في المدعي؛ لعدم شرطية العدالة فيه. وفي الذخيرة (٢): كما يشترط التوافق بين الدعوى والشهادة تشترط الموافقة بين الشاهدين أيضًا؛ لأن القضاء إنما يجوز بالحُجّة، والحجة شهادة المثنى، وبالمخالفة تنعدم الحجة. قوله: (في اللفظ والمعنى) إذ مطلق الموافقة في اللفظ والمعنى (عند أبي حنيفة)، والمراد باتفاقهما لفظًا تطابق لفظيهما على إعادة المعنى بطريق الوضع، كما قال أحدهما: الهبة، والآخر: العطية لا بطريق التضمن. (وعندهما تقبل)، وبه قال الشافعي (٣) في وجه، وأحمد (٤) في رواية، وقالا: يحلف ويستحق الألف الأخرى. وكذا الخلاف لو شهد أحدهما بدرهم والآخر بدرهمين، أو شهد بأربعة والآخر بخمسة، وقال الشافعي في وجه، وأحمد في رواية: يستحق الألف بالحلف.

стр. 5342

إِذَا كَانَ المُدَّعِي يَدَّعِي الأَلْفَيْنِ) (*). وَعَلَى هَذَا: المِائَةُ وَالمِائَتَانِ، وَالطَّلْقَةُ وَالطَّلْقَتَانِ، وَالطَّلْقَةُ وَالثَّلَاثُ. لَهُمَا: أَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الأَلْفِ أَوْ الطَّلْقَةِ وَتَفَرَّدَ أَحَدُهُمَا بِالزِّيَادَةِ فَيَثْبُتُ مَا اجْتَمَعَا عَلَيْهِ دُونَ مَا تَفَرَّدَ بِهِ أَحَدُهُمَا، فَصَارَ كَالأَلْفِ وَالأَلْفِ وَالخَمْسِمِائَةِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا لَفْظًا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ المَعْنَى، لِأَنَّهُ يُسْتَفَادُ بِاللَّفْظِ، وَهَذَا لِأَنَّ الأَلْفَ لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الأَلْفَيْنِ، بَلْ هُمَا جُمْلَتَانِ مُتَبَايِنَتَانِ فَحَصَلَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَصَارَ كَمَا إِذَا اخْتَلَفَ جِنْسُ المَالِ. وقيد بقوله: (إذا كان المدعي يدعي ألفين) لأنه لو ادعى الألف فقد كذب الشاهد في الزيادة، فلا تقبل، أما إذا ادعى الأكثر؛ لأنه يدعي ما شهد به صاحب الأقل وزيادة، فلا يكون مكذبًا له، وهذا الاختلاف في الدين، أما إذا كان في البيع أو في الكتابة والدعوى فلا تُقبل في شيء بالاتفاق كما يجيء. قوله: (بل هما) أي: الألف والألفان (جملتان) أي: كلمتان (متباينتان) كزيد وعمر، ولم يرد بها الجملة المركبة من فاعل وفعل، أو مبتدأ وخبر كما في النحو؛ لأن ما ثبت بألف غير ما ثبت بالألفين، وليس على كل واحد من اللفظين إلا شهادة واحدة. فإن قيل: الألف موجود في الألفين. قلنا: نعم إذا ثبت الألفان ثبت في ضمنه الألف، وإذا لم يثبت المتضمن [كيف يثبت المُتضمَّن!] (١)، ألا ترى أنه لو شهد أحدهما بأنه قال لامرأته: أنت خلية، وشهد الآخر بأنه قال: أنت بريّة لا يثبت شيء وإن اتفق المعنى، وصار كما إذا اختلف الجنسان بأن يقول أحدهما: كرّ حنطة، والآخر: كر شعير، أو قال أحدهما: بيض، والآخر: سود، وللبيض فضل على السود، والمدعي يدعي السود لا يُقبل؛ لأنه ادعى أقل المالين، فصار مكذبًا شاهد البيض، إلا أن يوقف المدعي فيقول: كان لي عليه إلا أني ابرأته عن صفة الجودة، علم

стр. 5343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ذلك الشاهد أو لم يعلم، فحينئذ يُقبل، ولو ادعى البيض تُقبل شهادته؛ لأنهما اتفقا على الأقل لفظا ومعنى، وكذا في جميع المواضع في الجنس الواحد، بخلاف الجنسين. كذا في الذخيرة (١). فإن قيل: يشكل على قول أبي حنيفة ما لو ادعى ألفين، وشهدا بألف تُقبل بالاتفاق، ذكره في المبسوط، مع أن شرط صحة القضاء الموافقة بين الدعوى والشهادة، ولم يوجد. قلنا: الاتفاق في اللفظ بين الدعوى والشهادة ليس بشرط لصحة الدعوى حسب اتفاقه بين الشاهدين، ألا ترى أنه لو ادعى الغصب أو القتل، وشهدا بإقراره به - تقبل، ولو شهد أحدهما بالغصب، والآخر بالإقرار بالغصب لا تقبل! وهذا لأن الشهادة تعتمد التلفظ، ألا ترى أنها لم تُقبل ما لم يقل: أشهد! بخلاف الدعوى، فإنه لو صحح العقد دعواه بالكتابة تُقبل دعواه. وفي المبسوط (٢) والأسرار: والذي يبطل مذهبهما ما لو شهد شاهدان بتطليقة وآخران بثلاث تطليقات، وفرّق القاضي بينهما قبل الدخول، ثم رجعوا - كان ضمان نصف المهر على شاهدي الثلاث لا على شاهدي الواحدة، ولو اعتبر ما قالا - أن الواحدة توجد في الثلاث لكان الضمان عليهما جميعًا، ولأن مدعي إلهين اثنين أو الثلاثة لا يكون مقرًا بالواحد؛ إذ لو كان مقرًا بالواحد لكان مرتدا بالشرك بعد ذلك، فينبغي أن تقبل، ولا يلزم ما إذا قال لامرأته: طلقي نفسك ثلاثا، فقالت: طلقت واحدة؛ لأن الزوج لما فوّض إليها الثلاث فصارت الثلاث في يدها مع أبعاضها، كمن ملك عبدًا يملك رجله ويده، ولا يلزم ما لو طلق امرأته ألفًا فإن الثلاث تقع؛ لأن الرجل تكلم بالطلاق عن ملك لا عن أمر من حيث إنه ملك التطليق فيملك ما يشاء من العدد، إلا أنه لا يتقيد إلا بقدر المحل.

стр. 5344

قَالَ: (وَإِذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالأَلْفِ وَالآخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَالمُدَّعِي يَدَّعِي أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ، قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الأَلْفِ) لِاِتِّفَاقِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَيْهَا لَفْظًا وَمَعْنَى، لأَنَّ الأَلْفَ وَالخَمْسَمِائَةِ جُمْلَتَانِ عُطِفَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى وَالعَطْفُ يُقَرِّرُ الأَوَّلَ، وَنَظِيرُهُ الطَّلْقَةُ وَالطَّلْقَةُ، وَالنِّصْفُ وَالمِائَةُ، وَالمِائَةُ وَالخَمْسُونَ، بِخِلَافِ العَشَرَةِ وَالخَمْسَةَ عَشَرَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا حَرْفُ العَطْفِ، فَهُوَ نَظِيرُ الْأَلْفِ وَالأَلْفَيْنِ (وَإِنْ قَالَ المُدَّعِي: «لَمْ يَكُنْ لِي عَلَيْهِ إِلَّا الأَلْفُ» فَشَهَادَةُ الَّذِي شَهِدَ بِالْأَلْفِ وَخَمْسِمِائَةٍ بَاطِلَةٌ) لِأَنَّهُ كَذَّبَهُ المُدَّعِي فِي المَشْهُودِ بِهِ، وَكَذَا إِذَا سَكَتَ، إِلَّا عَنْ دَعْوَى الأَلْفِ، لِأَنَّ التَّكْذِيبَ ظَاهِرٌ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّوْفِيقِ، وَلَوْ قَالَ: كَانَ أَصْلُ حَقِّي أَلْفُ وَخَمْسُمِائَةٍ وَلَكِنِّي اسْتَوْفَيْت خَمْسَمِائَةٍ أَوْ أَبْرَأَتُهُ عَنْهَا قُبِلَتْ لِتَوْفِيقِهِ. قوله: (ونظيره الطلقة، والطلقة والنصف) إلى آخره، يعني: شهد أحدهما بالطلقة، والآخر بالطلقة والنصف تقبل شهادته على الطلقة بالاتفاق. (بخلاف العشرة والخمسة عشر) يعني ادعى المدعي خمسة عشر، حيث لا تثبت العشرة عند أبي حنيفة؛ لأن الموافقة بين اللفظين شرط ولم يوجد؛ لأن الألف والخمسمائة مع الألف يتفقان في لفظ الألف، والخمسمائة عطف عليه كما ذكر في المتن والعشرة والخمسة عشر ما هو كذلك؛ لأن خمسة عشر يذكر بغير حرف العطف، فكانت كلمة واحدة غير العشرة، فلم توجد الموافقة. ذكره الإمام قاضي خان (١). وفي النهاية: هذا كله فيما إذا لم يدع المدعي عقدًا، أما إذا كان في دعوى العقد فهي ثمان مسائل: البيع والإجارة، والكتابة والرهن، العتق على مال، والصلح عن دم العمد، والخلع، والنكاح، ويجيء هذا كله مشروحًا في هذا الباب. قوله: (لأنه) أي: الشاهد (كذبه المدعي) بدعوى الأقل، وتكذيب الشاهد تفسيق له، فكان مبطلا شهادته، فبقي شاهد واحد (٢). قوله: (فلا بد من التوفيق) ولم يوجد حتى وفق وقال: كان أصل حقي ألفًا

стр. 5345

قَالَ: (وَإِذَا شَهِدَا بِأَلْفٍ وَقَالَ أَحَدُهُمَا: قَضَاهُ مِنْهَا خَمْسَمِائَةٍ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا بِالْأَلْفِ) لاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ (وَلَمْ يُسْمَعْ قَوْلُهُ: إِنَّهُ قَضَاهُ) لِأَنَّهُ شَهَادَةُ فَرْدٍ (إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ مَعَهُ آخَرُ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ يَقْضِي بِخَمْسِمِائَةٍ، لِأَنَّ شَاهِدَ القَضَاءِ مَضْمُونُ شَهَادَتِهِ أَنْ لَا دَيْنَ إِلَّا خَمْسُمِائَةٍ. وَجَوَابُهُ مَا قُلْنَا. قَالَ: (وَيَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ) إِذَا عَلِمَ بِذَلِكَ (أَنْ لَا يَشْهَدَ بِأَلْفٍ حَتَّى يُقِرَّ المُدَّعِي أَنَّهُ قَبَضَ خَمْسَمِائَةٍ) كَيْ لَا يَصِيرَ مُعِينًا عَلَى الظُّلْمِ. (وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَجُلَانِ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ بِقَرْضِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَشَهِدَ وخمسمائة كما شهد، ولكني استوفيت خمسمائة وأبرأته عنها، ولم يعلم بذلك الشاهد قبلت لزوال التكذيب بالتوفيق، وقد نقلنا من الذخيرة (١) أيضًا مثله في السود والبيض. وذكر التمرتاشي: ما ذكر في السكوت جواب الاستحسان، أما في القياس يقبل الإنكار والتوفيق، ولكن الأصح أن يذكر التوفيق صريحًا، ولا يكتفي بالاحتمال. قوله: (لاتفاقهما عليه) أي: على وجوب الألف. قوله: (وجوابه ما قلنا)، وهو قوله: (لاتفاقهما) على وجوب الألف. فإن قيل: المدعي كذب شاهدي القضاء؛ لأنه لما ادعى الألف في الحال كان ذلك تكذيبا لمن شهد بالقضاء بخمسمائة، فينبغي ألا يقبل. قلنا: هذا يكون له فيما شهد عليه، وهو القضاء، لا فيما شهد له، فلا يقدح في شهادته له (٢). قوله: (وينبغي للشاهد) إلى آخره. وفي جامع أبي الليث: لا يُحل للشاهد الذي يعلم القضاء أن يشهد على أصل الدين؛ لعلمه بأن المُدَّعي يَدَّعي بغير حق. قوله: (في الجامع الصغير) إلى آخره: التفات بين مسألة الجامع وبين

стр. 5346

أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَدْ قَضَاهَا، فَالشَّهَادَةُ جَائِزَةٌ عَلَى القَرْضِ) لاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ، وَتَفَرَّدَ أَحَدُهُمَا بِالقَضَاءِ عَلَى مَا بَيَّنَا. وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ ﵀، لِأَنَّ المُدَّعِيَ أَكْذَبَ شَاهِدَ القَضَاءِ. قُلْنَا: هَذَا إِكْذَابٌ فِي غَيْرِ المَشْهُودِ بِهِ الأَوَّلِ وَهُوَ القَرْضُ وَمِثْلُهُ لَا يَمْنَعُ القَبُولَ. المسألة التي ذكرها قبلها، أي: في مسألة الجامع شهد أحدهما بقضاء كل الدين، وفي التي قبلها شهد بقضاء بعض الدين. وفي كشف الغوامض: وقد كان لقائل أن يقول في مسألة الجامع: لا تقبل شهادة شاهد القضاء على وجوب المال متقدمًا؛ لأن في المسألة الأولى للشاهد أن يقول: تحملت الشهادة، واحتاج إلى الخروج منها ليقضي به خمسمائة، ولكني أشهد كما أشهدت عليه، وهو الألف، إذا ظهرت شهادته مع شهادة الآخر - قضي له بالألف. أما في مسألة الجامع فالشاهد يذكر أن الشهادة سقطت عنه، وليس علي أداؤها، فشهادتي باطلة، فرواية الجامع أزالت هذه الشهادة، وثبت جواز الشهادة؛ لأنه يصدق فيما ينكر من القبض متقدمًا، ولا ينظر الحاكم إلى اعتقاده؛ بل ينظر إلى أدائه الشهادة، فإذا اجتمعا عليها قضي بها (١). قوله: (وهو القرض) أي: المشهود به الأول، وهو القرض، لم يوجد في حقه التكذيب وهو له، وإنما وجد التكذيب فيما عليه، وهو الشهادة بالقضاء، وهو غير المشهود به الأول. (ومثله لا يمنع القبول)، ولهذا لو شهد بألف ومائة دينار إذا ادعى المُدّعِي ألف درهم تُقبل شهادتهما وإن كذبهما المدعي في المائة. إليه أشار في الجامع والفوائد (٢). وحاصله أن بفسق المدعي يوجب رد الشهادة، وبفسق المدعى عليه لا يوجب؛ لأن في زعمه أن الشهود فَسَقَة؛ إذ لو اعتبر تفسيقه لا يسد باب القضاء بالشهادة مؤثر في حق المدعي؛ لأنه زعم أحدهما أن لا شيء عليه، فلو قضى بالمال لكان قضى بشهادة واحد، وأنه لا يجوز.

стр. 5347

قَالَ: (وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ قَتَلَ زَيْدًا يَوْمَ النَّحْرِ بِمَكَّةَ، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ قَتَلَهُ يَوْمَ النَّحْرِ بِالكُوفَةِ، وَاجْتَمَعُوا عِنْدَ الحَاكِمِ لَمْ يَقْبَلِ الشَّهَادَتَيْنِ) لِأَنَّ إِحْدَاهُمَا كَاذِبَةٌ قلنا: لا كذلك؛ لأن قوله: قد قضاها شهادة على الدين، وعلى شيء آخر، وهو القضاء، وقضاء الدين ليس بمشهود به، فلا يظهر تكذيبه في حق القرض (١). قوله: (لم يقبل الشهادتين) وبه قال الشافعي (٢)، وأحمد (٣) وفي الذخيرة (٤): لو شهد أحدهما بالقتل والآخر بالإقرار بالقتل - لا تقبل؛ لأن القتل فعل، والإقرار قول غير الفعل، فاختلف المشهود به، وكذا لو شهدا بالقتل واختلفا في المكان والزمان؛ لأن الفعل الثاني غير الفعل الأول، وكذا كل ما يكون من باب الفعل بحق الشجة وغير ذلك، فاختلافهما في الإنشاء والإقرار، وفي الزمان والمكان يمنع القبول، وكذا إذا اختلفا في الآلة التي كان بها القتل لا تقبل. وفي المغني أيضًا: وكل شهادة على فعل اختلاف الزمان والمكان يمنع القبول، إلا في مسألة واحدة ذكرها داود بن رستم عن محمد: ذمي شهدا عليه، فقال أحدهما: يصلي في مسجد بني زائدة شهرًا، وآخر يصلي في مسجد بني عامر شهرًا، أو قال أحدهما: يصلي بالكوفة شهرًا، وقال آخر: رأيته يصلي بالشام، فإني أجيز شهادتهما، وأجبره على الإسلام، ولكن لا أقبله. وفي الكافي: اختلافهما في الزمان أو المكان في البيع والشراء، والطلاق والعتاق والوكالة والوصية والرهن والدين والقرض والبراءة والكفالة والحوالة والقذف لا يمنع القبول، وفي الجناية والغصب والقتل والنكاح يمنع. والأصل أن المشهود به إن كان قولا كالبيع ونحوه، فاختلافهما في الزمان

стр. 5348

بِيَقِينِ وَلَيْسَتْ إِحْدَاهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الأُخْرَى (فَإِنْ سَبَقَتْ إِحْدَاهُمَا وَقَضَى بِهَا ثُمَّ حَضَرَتْ الأُخْرَى لَمْ تُقْبَلْ) لِأَنَّ الأُولَى تَرَجَّحَتْ بِاتِّصَالِ القَضَاءِ بِهَا فَلَا تُنْتَقَضُ بِالثَّانِيَةِ. (وَإِذَا شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ بَقَرَةً، وَاخْتَلَفَا فِي لَوْنِهَا، قُطِعَ، وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: بَقَرَةً، وَقَالَ الآخَرُ: ثَوْرًا، لَمْ يُقْطَعْ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (وَقَالَا: لَا يُقْطَعُ فِي الوَجْهَيْنِ) (*) جَمِيعًا، وَقِيلَ: الاخْتِلَافُ فِي لَوْنَيْنِ يَتَشَابَهَانِ كَالسَّوَادِ أو المكان لا يمنع، وبه قال أحمد (١) في رواية؛ لأن القول مما يعاد ويكرر، وإن كان المشهود به فعلا كالغصب ونحوه، أو قولا لكن الفعل شرط صحته كالنكاح فإنه قول، وحضور الشاهدين فعل، وهو شرط، فاختلافهما في الزمان والمكان يمنع القبول؛ لأن الفعل في زمان أو مكان غير الفعل في زمان أو مكان غيره، فاختلف المشهود به. وقال الشافعي (٢) وأحمد (٣) في ظاهر روايته اختلافهما في الزمان أو المكان يمنع في الجيمع إلا فيما إذا شهد أحدهما أنه طلقها يوم الخميس، وقال الآخر: أقر بطلاقها يوم الجمعة فإنه يُقبل، وكذا في البيع والنكاح وغيرهما فلا ينتقض بالثانية؛ لأن القضاء بالأول قضاء ببطلان الثاني ضمنا؛ إذ قتل شخص واحد لا يكون في موضعين (٤). قوله: (وقالا: لا يقطع في الوجهين)، وبه قالت الأئمة الثلاثة (٥). قال التمرتاشي: هذا الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه فيما إذا ادعى سرقة بقرة فقط، أما إذا ادعى سرقة بقرة بيضاء أو سوداء لا تقبل شهادتهما بالإجماع؛ لأنه كذب أحد الشاهدين، وكذا الخلاف فيما إذا ادعى سرقة ثوب فقط، فقال

стр. 5349

وَالحُمْرَةِ، لَا فِي السَّوَادِ وَالبَيَاضِ، وَقِيلَ: هُوَ فِي جَمِيعِ الأَلْوَانِ. لَهُمَا: أَنَّ السَّرِقَةَ في السَّوْدَاءِ غَيْرُهَا فِي البَيْضَاءِ فَلَمْ يَتِمَّ عَلَى كُلِّ فِعْلٍ نِصَابُ الشَّهَادَةِ وَصَارَ كَالغَصْبِ بَلْ أَوْلَى، لِأَنَّ أَمْرَ الحَدَّ أَهَمُّ وَصَارَ كَالذُّكُورَةِ وَالأُنُوثَةِ. وَلَهُ: أَنَّ التَّوْفِيقَ مُمْكِنٌ، لِأَنَّ التَّحَمُّلَ فِي اللَّيَالِي مِنْ بَعِيدٍ، … ... .. أحدهما: هروي، وقال الآخر: مروزي، فإن اختلفا في الزمان أو المكان لم تقبل بالإجماع. قوله: (لا في السواد والبياض)، يعني لا في لونين لا يتشابهان كالسواد والبياض، فإنه حينئذ لا يُقبل بالإجماع. كذا ذكره الكرخي. والأصح أن الكل على الخلاف. ذكره في المبسوط (١) والفوائد الظهيرية. قوله: (وصار كالغصب) يعني شهدا بغصب بقرة، واختلفا في لونها. (بل أولى) لأن الثابت بالغصب ضمان لا يسقط بالشبهات، [والثابت هنا حد يسقط بالشبهات] (٢) وهذا معنى قوله: (لأن أمر الحد أهم) أي: أعسر في الإثبات، ولهذا لا يثبت بالشهادة على الشهادة، ولا بشهادة النساء، ولا بأقل من أربعة. وفي الأسرار، بعد ذكر وجه قولهما: وهذا أحق وأدق: فالحد يسقط بالشبهات، وهذا الاختلاف مما يقع في الغصب، فلا بد أن يوجب شبهة هنا. قوله: (لأن التحمل في الليالي) إذ أكثر السرقات تكون في الليالي، فيكون التحمل فيها غالبًا. فإن قيل: في هذا احتيال لإثبات الحدّ، والحَدُّ يحتالُ دَرْؤُه لا إثباته. قلنا: القطع لا يضاف إلى إثبات الوصف؛ لأنهما لم يكلفا نقله، فصار كما إذا اختلفا في ثياب السارق، وهذا لأنهما يكلّفان لبيان القيمة ليعلم أنه: هل كان نصابًا؟ فأما اللون فلا، وإذا لم يكن القطع مضافًا إلى إثبات الوصف صار هذا بمنزلة الحقوق التي تثبت مع الشبهات، فصح الاحتيال فيه للإثبات إحياء للحقوق بقدر الإمكان، والتوفيق ممكن. كذا ذكره الكاساني.

стр. 5350

وَاللَّوْنَانِ يَتَشَابَهَانِ أَوْ يَجْتَمِعَانِ فِي وَاحِدٍ، فَيَكُونُ السَّوَادُ مِنْ جَانِبِ وَهَذَا يُبْصِرُهُ، وَالبَيَاضُ مِنْ جَانِبِ آخَرَ وَهَذَا الْآخَرُ يُشَاهِدُهُ، بِخِلَافِ الغَصْبِ، لِأَنَّ التَّحَمُّلَ فِيهِ بِالنَّهَارِ عَلَى قُرْبٍ مِنهُ، وَالذُّكُورَةُ وَالأُنُوثَةُ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي وَاحِدَةٍ، وَكَذَا الوُقُوفُ عَلَى ذَلِكَ بِالقُرْبِ مِنهُ فَلَا يَشْتَبِهُ. قَالَ: (وَمَنْ شَهِدَ لِرَجُلٍ أَنَّهُ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ فُلَانٍ بِأَلْفٍ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ فَالشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ) لِأَنَّ المَقْصُودَ إِثْبَاتُ السَّبَبِ وَهُوَ العَقْدُ وَيَخْتَلِفُ ثم إذا وقفنا وقبلنا الشهادة يجب الحد ضرورة لا قصدًا. كذا في الكافي (١). قوله: (واللونان يتشابهان) كالحمرة والصفرة، (أو يجتمعان) كما ذكره. فإن قيل: لو كانت البقرة على هذه الصفة يقال لها بلقاء، لا سوداء ولا بيضاء. قلنا: نعم كذلك، ولكن في حق من يعرف اللونين، أما في حق من لا يعرف إلا أحدهما يكون عنده ذلك اللون. كذا في المبسوط (٢). وفي المبسوط (٣): الاختلاف [في الصفة ليس الاختلاف] (٤) في جنس الشهادة؛ لأنهما لم يكلفا نقل صفته، حتى لو سكتا عن بيانها تقبل شهادتهما، وإذا لم يكن بيانها من جنس الشهادة، فالاختلاف فيما ليس من جنس الشهادة على وجه يمكن التوفيق لا يمنع القبول عنده. قوله: (لأن التحمل فيه) أي: في الغصب (بالنهار) غالبًا. قوله: (وكذا الوقوف على ذلك) أي: الوقوف على صفة الذكورة والأنوثة لا يكون إلا بقرب منه؛ لأن الحيوان لا يشتمل عليهما، وعند القرب لا يقع الاشتباه، فلا يشتغل بالتوفيق. كذا في المبسوط (٥). (فالشهادة باطلة) لأنهما لم يتفقا على حد واحد؛ إذ الشراء

стр. 5351

بِاخْتِلَافِ الثَّمَنِ، فَاخْتَلَفَ المَشْهُودُ بِهِ، وَلَمْ يَتِمَّ العَدَدُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، وَلِأَنَّ المُدَّعِيَ يُكَذِّبُ أَحَدَ شَاهِدَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ المُدَّعِي هُوَ البَائِعَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَدَّعِيَ المُدَّعِي أَقَلَّ المَالَيْنِ أَوْ أَكْثَرَهُمَا لِمَا بَيَّنَّا (وَكَذَلِكَ الْكِتَابَةُ) لِأَنَّ المَقْصُودَ هُوَ بالألف وخمسمائة، والمقصود في إثبات السبب هو العقد، وإذا اختلف المشهود به تعذر الحكم؛ لقصور الحُجّة عن كمال العدد على ما يدعيه المُدّعي، وكذا إذا كان المدعي هو البائع، سواء ادعي أقل المالين أو أكثرهما؛ لما بينا، وهو أن المقصود إثبات السبب. وفي الفوائد الظهيرية: عن السيد الإمام الشهيد السمرقندي: تُقبل؛ لأن الشراء الواحد قد يكون بألف، ثم يصير بألف وخمسمائة، بأن اشترى ثم يزيد في الثمن، فقد اتفقا على الشراء الواحد، بخلاف ما لو قال أحد: اشترى بألف درهم، والآخر بألف دينار، حيث لا تقبل؛ لأن الشراء الواحد لا يكون بألف ثم يصير بمائة دينار، وفيه نوع تأمل. وإنما قلنا: المقصود إثبات السبب لا الملك المطلق، فلو كان المراد الملك لما احتاج إلى ذكر السبب، وقد وقع الاختلاف بينهما في حق السبب؛ إذ في الملك لا يقع الاختلاف (١). قوله: (وكذلك الكتابة)، وفي جامع قاضي خان: الكتابة بمنزلة البيع إن كان الدعوى من العبد؛ لأنه يدّعي العقد، وإن كان الدعوى من المولى لا يفيد؛ لأن العبد متمكن من الفسخ؛ إذ الكتابة غير لازمة في حق العبد، وكذا في جامع شمس الأئمة، وفيه: وكذا الخلع إذا ادعته المرأة وأنكر الزوج، أما لو ادعى المولى والزوج يثبت العتق والطلاق بالإقرار، وإنما بقي مجرد دعوى المال، وهو يدعي ألفًا وخمسمائة فيقضى له بشهادتهما بألف لاتفاق الشاهدين لفظًا ومعنى، ولأن الزوج غير مكذب لمن شهد بالأقل؛ بل هو يدعي ذلك وزيادة، فأما إذا كان الدعوى من العبد والمرأة فالحاجة إلى القضاء بالسبب، وقد اختلف الشاهدان فيه.

стр. 5352

العَقْدُ، إِنْ كَانَ المُدَّعِي هُوَ العَبْدَ فَظَاهِرٌ، وَكَذَا إِذَا كَانَ هُوَ الْمَوْلَى، لِأَنَّ العِتْقَ لَا يَثْبُتُ قَبْلَ الأَدَاءِ، فَكَانَ المَقْصُودُ إِثْبَاتَ السَّبَبِ (وَكَذَا الخُلْعُ وَالإِعْتَاقُ عَلَى مَالٍ وَالصُّلْحُ عَنْ دَمِ العَمْدِ، إِذَا كَانَ المُدَّعِي هُوَ المَرْأَةَ أَوْ العَبْدَ أَوْ القَاتِلَ) لِأَنَّ المَقْصُودَ إِثْبَاتُ العَقْدِ وَالحَاجَةُ مَاسَّةٌ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى مِنْ جَانِبِ آخَرَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ دَعْوَى الدَّيْنِ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ الوُجُوهِ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ العَفْوُ وَالعِتْقُ وَالطَّلَاقُ بِاعْتِرَافِ صَاحِبِ الحَقِّ، فَبَقِيَ الدَّعْوَى فِي الدَّيْنِ وَفِي الرَّهْنِ، إِنْ كَانَ المُدَّعَى هُوَ الرَّهْنَ لَا يُقْبَلُ، لِأَنَّهُ لَا حَظَّ لَهُ فِي الرَّهْنِ فَعَرِيَتْ الشَّهَادَةُ عَنْ الدَّعْوَى، وَإِنْ كَانَ المُرْتَهِنَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ دَعْوَى الدَّيْنِ. قوله: (والحاجة ماسة إليه) أي: إلى إثبات العقد ليثبت الطلاق والعتاق والعفو. قوله: (وإن كان الدعوى من الجانب الآخر) بأن قال الزوج: طلقتك على ألف وخمسمائة، والمرأة تدعي الألف، وكذا المولى وولي القصاص إذا ادعيا أكثر المالين. (لأنه لا حظ له في الرهن) أي: لا فائدة للراهن في هذه الدعوى؛ لأنه ليس له أن يسترد الرهن قبل قضاء الدين، فلما لم تفد الدعوى فائدتها صارت كأنها لا دعوى. إليه أشار المحبوبي (١). قوله: (وإن كان) أي: المدعي هو (المرتهن فهو بمنزلة دعوى الدين) أي: يقضى بأقل المالين إجماعا. فإن قيل: الرهن لا يثبت إلا بإيجاب وقبول، فكان عقدا كسائر العقود، فينبغي أن يكون اختلاف الشاهدين في قدر المال بمنزلة اختلافهما في البيع أو الشراء وإن كانت الدعوى من المرتهن. قلنا: لما كان عقد الرهن غير لازم في حق المرتهن؛ لأن له أن يرد الرهن متى شاء، بخلاف الراهن؛ لأنه ليس له ولاية استرداد الرهن متى شاء، فكان الاعتبار لدعوى الدين في جانب المرتهن؛ إذ الرهن لا يكون إلا بالدين، فتقبل

стр. 5353

وَفِي الإِجَارَةِ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ المُدَّةِ فَهُوَ نَظِيرُ البَيْعِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ وَالمُدَّعِي هُوَ الآخِرُ فَهُوَ دَعْوَى الدَّيْنِ. قَالَ: (فَأَمَّا النِّكَاحُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِأَلْفِ اسْتِحْسَانًا، وَقَالَا: هَذَا بَاطِلٌ فِي النِّكَاحِ بينته في حق ثبوت الدين، ويثبت الرهن بالألف ضمنًا وتبعا للدين. إليه أشار قاضي خان (١). قوله: (والمدعي هو الآجر فهو دعوى الدين) إذ لا حاجة هنا إلى إثبات العقد، وإن كان المدعي هو المستأجر بعد مضي المدة كان ذلك منه اعترافا بمال الإجارة، فيجب عليه ما اعترف، فلا حاجة فيه حينئذ إلى اتفاق الشاهدين أو اختلافهما (٢). قوله: (فأما النكاح) إلى آخره، وفي الفوائد الظهيرية: إن كان المدعي هو الزوج فهو كدعوى البيع والشراء، فلا تُقبل إجماعًا؛ لأن الزوج لا يقصد إلا العقد، وإن كانت المرأة هي المُدّعية، فالجواب عند أبي حنيفة كالجواب في دعوى الدين، وعندهما كالجواب في دعوى البيع. وجه قولهما أن الحاجة هاهنا إلى إثبات العقد؛ إذ العقد لا يثبت بإقرار المرأة وحدها، والنكاح بألف غير النكاح بألف وخمسمائة، كالبيع والشراء. ولأبي حنيفة أن التسمية في النكاح كما تصح عند العقد تصح بعده، فالتسمية في الصحة لا تفتقر إلى إنشاء العقد، وإنما تفتقر إلى قيام العقد، وقيام العقد تارة يكون حال ابتداء العقد، وطورًا يكون حالة، البقاء، والبينة على العقد لا تقبل حالة البقاء؛ لأن البقاء لعدم الدليل المزيل، والشهادة على يعرف لعدم الدليل المزيل لم تقبل كالشهادة على النفي، وإذا لم يمكن إثبات البقاء بالبينة لا يشترط لقبول البينة على التسمية قبول البينة على بقاء العقد، وابتداء العقد ليس بشرط لصحة التسمية، فلم يكن قبول البينة شرطًا لا ابتداء ولا بقاء لصحة القضاء بالتسمية، فكانت البينة القائمة على التسمية والبينة القائمة على المنفرد سواء، بخلاف البيع؛ لأن البينة إذا امتنع في حق العقد امتنع في حق التسمية؛

стр. 5354

أَيْضًا) (*) وَذَكَرَ فِي الأَمَالِي قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ مَعَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَهُمَا: أَنَّ هَذَا اخْتِلَافُ فِي العَقْدِ، لِأَنَّ المَقْصُودَ مِنْ الجَانِبَيْنِ السَّبَبُ فَأَشْبَهَ البَيْعَ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ المَالَ فِي النِّكَاحِ تَابِعُ، وَالأَصْلُ فِيهِ الحِلُّ وَالِازْدِوَاجُ وَالمِلْكُ، وَلَا اخْتِلَافَ فِي مَا هُوَ الأَصْلُ فَيَثْبُتُ، ثُمَّ إِذَا وَقَعَ الاخْتِلَافُ فِي التَّبَعِ يَقْضِي بِالأَقَلِّ لاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ، وَيَسْتَوِي دَعْوَى أَقَلِّ المَالَيْنِ أَوْ أَكْثَرِهِمَا فِي الصَّحِيحِ. ثُمَّ قِيلَ: لِاخْتِلَافٍ فِيمَا إِذَا كَانَتْ المَرْأَةُ هِيَ المُدَّعِيَةَ وَفِيمَا إِذَا كَانَ المُدَّعِي هُوَ الزَّوْجَ إِجْمَاعٌ عَلَى أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ، لِأَنَّ مَقْصُودَهَا قَدْ يَكُونُ المَالَ، وَمَقْصُودَهُ لَيْسَ إِلَّا العَقْدَ. وَقِيلَ: الاخْتِلَافُ فِي الفَصْلَيْنِ وَهَذَا أَصَحٌ، وَالوَجْهُ مَا ذَكَرْنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. لعدم صحة التسمية، فلا عقد، وبخلاف ما إذا كان المدعي هو الزوج؛ لأن الحاجة إلى إثبات العقد، وقد تعذر (١). قال الصدر الشهيد: يصح النكاح بأقل المالين، سواء كان المدعي الزوج أو المرأة، والمدعي يدعي الأقل والأكثر، كما أطلق في الكتاب. وفي النهاية: وفيه نظر، والجواب فيه على التفصيل كما ذكره في الفوائد الظهيرية، وسمعت عن شيخي ﵀: وفيه نظر، وينبغي أن يكون الجواب فيه كالجواب في الدين إذا كان المُدّعِي يَدّعِي أكثر المالين عنده؛ لأن ما ثبت بالنكاح، وهو ملك البضع ثابت من غير اختلاف، فبقي المال منفردًا، والجواب فيه ما قلنا. قوله: (يقضي بالأقل) لاتفاقهما عليه. فإن قيل: لا، بل في هذا تكذيب لأحد الشاهدين، كما في البيع. قلنا: المال ليس بمقصود هاهنا؛ لما أن النكاح يجوز بدون ذكره، وإنما لزم التكذيب في البيع؛ لأن المال مقصود فيه، فالتكذيب في المقصود يوجب نفي الحكم؛ لانعدامه نصاب الشهادة وفي النكاح، فالتكذيب فيه لا يوجب التكذيب في الأصل، وهو العقد (٢).

стр. 5355

فَصْلٌ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِرْثِ قَالَ: (وَمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى دَارٍ أَنَّهَا كَانَتْ لِأَبِيهِ أَعَارَهَا أَوْ أَوْدَعَهَا الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا، وَلَا يُكَلَّفُ البَيِّنَةَ أَنَّهُ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَهُ) وَأَصْلُهُ أَنَّهُ مَتَى ثَبَتَ مِلْكُ المُورَثِ لَا يَقْضِي بِهِ لِلْوَارِثِ حَتَّى يَشْهَدَ الشُّهُودُ أَنَّهُ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ ﵀. هُوَ يَقُولُ: إِنَّ مِلْكَ الوَارِثِ مِلْكُ المُورَثِ فَصَارَتْ الشَّهَادَةُ بِالمِلْكِ لِلْمُورَثِ شَهَادَةٌ بِهِ لِلْوَارِثِ (*)، وَهُمَا يَقُولَانِ: فَصْلٌ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِرْثِ لما فرغ من الشهادة في حق الأحياء شرع في بيان الشهادة فيما يتعلق بالأموات؛ إذ الموت بعد الحياة. قوله: (وتركها ميرانا له)، وفي الفوائد الظهيرية: هذا بالإجماع، لكن على اختلاف التجريح؛ فعند أبي يوسف بسبب أنه لا يقول في الميراث باشتراط الحر، والانتقال من المورث إلى الوارث في قبول البيّنة، وهما وإن كانا يشترطان ذكر الحر والانتقال، أما هاهنا لم يشترطا؛ لأن المدعي أثبت لمورثه يدا في المدعى بما أقام من البينة؛ لأن يد المودع والمستعير يد المودع والمعير، فصار كأنه أقام البينة؛ لأن أباه مات والدار في يده، ولو كان كذلك كانت البينة مقبولة، فكذا هذا (١). قوله: (متى ثبت الملك للمورث) أي: مطلقًا، من غير أن يثبت أنه كان ملكًا له وقت الموت. قوله: (إن ملك الوارث ملك المورث) لكون الوراثة خلافة، ولهذا يرد بالعيب، ويرد عليه بالعيب، ويصير مغرورًا فيما كان المورث مغرورًا فيه (٢). قوله: (هما يقولان) إلى آخره، يعني هما، وإن كانا يشترطان الحر؛ لأن

стр. 5356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كون الدار ملكًا لذي اليد ثبت باستصحاب الحال؛ لأنهم شهدوا أنها كانت لأبيه، والثابت بالاستصحاب يصلح لإبقاء ما كان على ما كان، لا لإثبات ما لم يكن. وفي جامع المحبوبي: ما جوابهما عن بينة قامت المدعي بملكية هذا العين له فإنه يقضي للمدعي وإن لم يشهدوا له في الحال، وكذا فيمن أقام بينة على عين في يد إنسان أنه اشتراها من فلان الغائب، ولم يقم البينة على ملك البائع، وذو اليد ينكر ملك البائع، فإنه يحتاج إلى إقامة البينة أنه ملك البائع يوم البيع؛ لثبوته اقتضاء، فوجب أن يكون في مسألتنا كذلك، وهذه المسألة أشبه بمسألتنا؛ إذ الشراء والإرث كل واحد سبب الملك. قلنا: جوابه أن يكون هذا العين ملكًا للمورث بالاستصحاب لا البينة، والثابت بالاستصحاب حُجّة لإبقاء ما كان لا لإثبات ما لم يكن ثابتا، كالملك الثابت بظاهر اليد لا يصلح للأخذ بالشفعة إذا أنكر المشتري ملكه، فكذا هاهنا مالكية الوارث لم تكن ثابتة، وإنما تثبت للحال، فكان ملكًا متجددا من وجه، حتى لو كانت صدقة تحل له، ويجب الاستبراء عليه، فيأخذ الاعتبارين إن وجب القضاء بهذه البينة، فباعتبار الآخر لا يجب، فلا يجب بالشك. بخلاف ما لو شهدا أنها كانت للمُدّعي وهو حي؛ إذ ليس في القضاء بتلك الشهادة إثبات أمر لم يكن؛ لأن ملك المُدّعي إذا ثبت في الماضي يبقى إلى وقت آخر، واستصحاب الحال حجة فيه، أما هاهنا الاستصحاب لإثبات مالكية الوارث؛ لأنها لم تكن ثابتة من الوجه الذي قلنا، وبخلاف مسألة الشراء؛ لأن ملك المشتري مضاف إلى الشراء الثابت بالبينة لا إلى بقاء ملك البائع في المبيع، وإن كان لا بد لإثبات ملك المشتري من بقاء ملك البائع؛ لأن الشراء آخرهما وجودًا، وأنه سبب موضوع للملك حتى لا يتحقق من غير إيجاب الملك فيكون مضافًا إلى الشراء، وأنه ثابت بالبينة. أما هاهنا ثبوت الملك للوارث مضاف إلى كون المال ملكًا للمورث وقت الموت لا إلى الموت؛ لأن الموت ليس بسبب موضوع للملك؛ بل هو موضوع لإبطال الملك، فكم من موت ليس فيه إيجاب الملك لأحد، وعن هذا وقع

стр. 5357

إِنَّ مِلْكَ الوَارِثِ مُتَجَدِّدٌ فِي حَقِّ العَيْنِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ الاسْتِبْرَاءُ فِي الجَارِيَةِ المَوْرُوثَةِ، وَيَحِلُّ لِلْوَارِثِ الغَنِيِّ مَا كَانَ صَدَقَةٌ عَلَى المُورَثِ الفَقِيرِ فَلَا بُدَّ مِنْ النَّقْلِ، إِلَّا أَنَّهُ يَكْتَفِي الفرق بين التعليق بالشراء والتعليق بالموت حتى لو قال لأمة: إن اشتريتك فأنت حرة صح اليمين، ولو قال: إن مات مولاك فأنت حرة، والحالف وارثه لا يصح اليمين، وبقاء ملك الميت إلى يوم الموت فيما نحن فيه ثابت باستصحاب الحال، وأنه لا يصلح لإثبات ما لم يكن ثابتا، وإن صح لإبقاء ما كان ثابتا (١). قوله: (فلا بد من النقل) أي: الجر، وهو أن يقول الشهود أنه مات وتركها ميراثًا له، وهو تفسير الحر في الشهادة في المواريث، ولهذا لو ادعى دينا على المورث وشهدا أنه كان له على الميت دين لا تقبل حتى يقولوا: إنه مات وهو عليه. ذكره في القنية (٢). قوله: (إلا أنه يكتفي) إلى آخره: استثناء من قوله: (لا بد من النقل) [يعني عندهما لا بد من النقل] (٣) والجرّ، إلا أن الشهادة على قيام ملك المورث وقت الموت على الدار، أو قيام يد المورث عليها وقت الموت قائم مقام قولهم: كانت لأبيه، مات وتركها ميراثاً؛ لأن الشهادة باليد يوم الموت شهادة بالملك له وقت الموت؛ لأن اليد المجهولة تنقلب يد ملك عند الموت؛ لأن الظاهر من حال من حضره الموت أن يسوي أسبابه، ويبين ما كان عنده من الودائع أو المغصوب، فإذا لم يبين فالظاهر أن ما في يده ملكه. وروى الحسن بن زياد، وعلي بن يزيد الطبري صاحب محمد بن الحسن أنه لا تقبل الشهادة في هذه الصورة؛ لأنهم شهدوا بيد عرف القاضي زوالها، ولم يشهدوا بالملك للمورث، ولكن ما ذكر في ظاهر الرواية أصح؛ لما ذكرنا أن الأيدي المجهولة تنقلب عند الموت يد ملك، أما لو شهدوا أنها كانت لأبيه ولم يجروا فالقاضي لا يقبل الشهادة في قولهما، وهو قول أبي يوسف أولا، ثم

стр. 5358

بِالشَّهَادَةِ عَلَى قِيَامِ مِلْكِ المُورَثِ وَقْتَ المَوْتِ لِثُبُوتِ الانْتِقَالِ ضَرُورَةٌ، وَكَذَا عَلَى قِيَامِ يَدِهِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَقَدْ وُجِدَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى اليَدِ فِي مَسْأَلَةِ الكِتَابِ، لِأَنَّ يَدَ المُسْتَعِيرِ وَالمُودَعِ وَالمُسْتَأجِرِ قَائِمَةٌ مَقَامَ يَدِهِ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ الجَرِّ وَالنَّقْلِ (وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدِ فُلَانٍ مَاتَ وَهِيَ فِي يَدِهِ جَازَتْ الشَّهَادَةُ) لِأَنَّ الْأَيْدِي عِنْدَ المَوْتِ تَنْقَلِبُ يَدَ مِلْكِ بِوَاسِطَةِ الضَّمَانِ، وَالأَمَانَةُ تَصِيرُ مَضْمُونَةٌ بِالتَّجْهِيلِ … ... … . رجع أبو يوسف، وقال: تقبل، ولو شهدوا أنها لابنه لا تُقبل. ذكره محمد في كتاب الدعوى من غير ذكر خلاف. واختلف المشايخ؛ قيل: لا تُقبل على قولهما، وتقبل عند أبي يوسف. وقيل: لا تقبل هذه الشهادة بلا خلاف. كذا في الذخيرة (١) والمغني. وقوله: (على ما نذكره) إشارة إلى ما ذكر بعده بقوله: (لأن الأيدي عند الموت تنقلب يد ملك). قوله: (والأمانة تصير مضمونة بالتجهيل) يعني إذا مات المودع، ولم يبين أنها وديعة يضمن ولو هلكت الوديعة بعد موته يجب ضمانه في تركته؛ لأنه لما مات بدون البيان ترك الحفظ والمودع بترك الحفظ كان متعديًا، والتعدي موجب للضمان، ولما صار ضامنًا صار المضمون ملكًا بواسطة وجوب الضمان فيثبت أن الشهادة على اليد شهادة على الملك عند الموت، والملك الثابت عند الموت ينقل إلى الوارث ضرورة، فلذلك استغنى عن ذكر الجر. إليه أشار قاضي خان (٢) وغيره. فإن قيل: يشكل على قوله: (لأن الأيدي تنقلب) إلى آخره مسائل: منها: لو شهدا أن أباه دخل في هذه الدار ومات فيها. ومنها: لو شهدا أنه كان فيها حتى مات. ومنها: لو شهدا أنه مات فيها. ومنها: لو شهدا أنه قاعد على هذا البساط، أو نائم على هذا الفراش ومات عليه.

стр. 5359

فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى قِيَامِ مِلْكِهِ وَقْتَ المَوْتِ. (وَإِنْ قَالُوا لِرَجُلٍ حَيٍّ: نَشْهَدُ أَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدِ المُدَّعِي مُنْذُ شَهْرٍ، لَمْ تُقْبَلْ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهَا تُقْبَلُ، لِأَنَّ اليَدَ مَقْصُودَةٌ كَالمِلْكِ؛ ومنها: لو شهدا أنه مات وهذا الثوب موضوع على رأسه لا تقبل هذه الشهادات، حتى لا يستحق الوارث شيئًا منها، وإن كانت هذه الأشياء في يده وقت الموت. قلنا: حصل جواب هذه المسائل بما ذكره بقوله: ملكه بواسطة الضمان؛ إذ هذه الأشياء ليست بموجبة للضمان، وإن كانت في يده في حالة الموت. وقال التمرتاشي: لم يستحق المُدّعِي بهذه الأشياء؛ لأن اليد على المحل لا تثبت بهذه الأشياء، بدليل أنه لا يصير غاصبا، ولا يصير ذو اليد مقرا له، فكذا في الشهادة، بخلاف الشهادة بالركوب والحمل واللبس؛ لأن اليد تثبت بهذه الأشياء بدليل (١). قوله: (فصار) أي: فصار قول الشاهد بأنها كانت في يده وقت الموت (بمنزلة الشهادة على قيام ملكه وقت الموت). قوله: (الرجل) (حي) يعني إذا كانت الدار في يد رجل حي، فادعاها رجل آخر، وليست الدار في يده أنها له، فشهدوا على هذا الطريق، وقيد بقوله: (حي)؛ لأنهم لو شهدوا للميت بأنها كانت في يده وقت الموت تقبل بالإجماع كما ذكرنا، وقيد بقوله: (أنها كانت في يد المدعي) لأنهم لو شهدوا أنها كانت له تقبل بالإجماع. كذا في جامع قاضي خان. وأما قوله: (منذ شهر) وجوده كعدمه؛ لأن الخلاف ثابت فيما لم يذكره. قال التمرتاشي: لو شهدوا لحي أن العين كانت في يده لم تقبل؛ لأن اليد محتملة يد غصب أو يد ملك، فإن كانت يد غصب لا تجب إعادته، وإن كانت يد ملك تجب إعادته، فلا يجب بالشك. قوله: (لأن اليد مقصودة كالملك) فالملك متى ثبت يبقى إلى أن يوجد المزيل، فكذا في اليد.

стр. 5360

وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهَا كَانَتْ مِلْكَهُ تُقْبَلُ، فَكَذَا هَذَا، صَارَ كَمَا إِذَا شَهِدُوا بِالْأَخْذِ مِنْ المُدَّعِي. وَجْهُ الظَّاهِرِ (*): وَهُوَ قَوْلُهُمَا، أَنَّ الشَّهَادَةَ قَامَتْ بِمَجْهُولٍ، لِأَنَّ اليَدَ مُنْقَضِيَةٌ وَهِيَ مُتَنَوِّعَةٌ إِلَى مِلْكِ وَأَمَانَةٍ وَضَمَانِ، فَتَعَذَّرَ القَضَاءُ بِإِعَادَةِ المَجْهُولِ، قوله: (شهدوا بالأخذ من المدعي) يعني لو شهد أنها كانت في يد المدعي، وأخذها المدعى عليه الذي هو صاحب اليد تقبل الشهادة، وترد الدار إلى المدعي، وكذا إذا أقر المدعى عليه بأنها كانت في يد المدعي ترد على ما ذكرنا في الكتاب (١). قوله: (لأن اليد منقضية) أي: زائلة، يعني يد المُدعِي زائلة في الحال، وليست بقائمة حتى يحمل على الملك باعتبار الظاهر. (وهي) أي: اليد (متنوعة إلى ملك وأمانة وضمان) فلما كانت كذلك كانت مجهولة، فلم يجب الرد؛ لأنه لو وجب الرد من وجه لم يجب من وجهين، فلا يجب بالشك، وبخلاف الأخذ؛ لأنه معلوم وموجبه معلوم شرعًا، وهو الرد كيفما كان، قال عليه الصلاة السلام: «على اليد ما أخذَتْ حَتَّى تُردَّ» (٢)، ولأن يد ذي اليد معاين، ويد المدعي مشهود به، والمعاين راجح؛ لأن المعاينة توجب العلم، والشهادة عليه الظن، فما كان موجبًا للعلم أولى (٣). فإن قيل: يشكل هذا بمسألة بينة الخارج مع ذي اليد، وكذا بينة دعوى مطلق الملك على ذي اليد، مع أن بينة الخارج أولى، وبينة صاحب الملك أقوى، وما ترجح ذو اليد باليد المعاين. قلنا: ذاك مُسلّم فيما لا يتنوع، وما أثبته بينة الخارج أو ملك المطلق لا يتنوع إلى ضمان وأمانة، وعدم وجود الرد إلى المدعي هنا باعتبار احتمال اليد
следующие страницы →