← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي الْمُجْتَبى: فالحاصل عند محمد أن جملة العبادات بالنية المتقدمة تجوز ما لم يشتغل بعدها بعمل لا يليق بتلك العبادة، وعند أبي يوسف لا تجوز إلا في الصوم. وفي القدوري: تقديم النية على التحريمة جائز إذا لم يتخلل بينهما ما يمنع الاتصال، وعن أبي يوسف أنه خرج من منزله يريد الصلاة مع القوم، فلما انتهى إليهم كبر ولم تحضره النية جاز، ولا أعلم أحدًا من أصحابنا (١) خالف أبا يوسف فيه (٢). لأن بالإقبال على تحقيق ما نوى باق على عزمه ونيته إلى أن يوجد ما يقطعه، وما ذكره الطحاوي والكرخي أنه يكبر تكبيرة مخالطة بالنية ليس بشرط لازم، كذا في الإيضاح. وبقول الطحاوي قال الشافعي (٣)، ومالك (٤)، وأحمد (٥)، حتى لا يجوز بنية متقدمة، ولا متأخرة، وقال داود: يجب أن يقدم النية على التكبير (٦). والثالث: في كيفيتها، فيجوز النفل والسنن والتراويح بمطلق النية عند مشايخنا، والفرض لا يجوز إلا بالتعيين. (والأصل فيه)، أي: في اشتراط النية. (قوله ﵇: «الأعمالُ بالنّياتِ»)، أي: اعتبارها بالنية شرعًا. فإن قيل: كيف يصح هذا الاستقبال على شرطيتها، أو على الفضل بينهما وبين التحريمة، فإن قوله ﵇: «الأعمال بالنيات» من قبيل الاقتضاء على مذهب القاضي أبي زيد، ومن قبيل المحذوف على مذهب الشيخين، وعلى

стр. 562

وَهُوَ عَمَلٌ لَا يَلِيقُ بِالصَّلَاةِ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِالمُتَأَخِّرَةِ مِنهَا عَنْهُ، لِأَنَّ مَا مَضَى لَا يَقَعُ عِبَادَةٌ لِعَدَمِ النِّيَّةِ، التقديرين لا عموم له، وحكم الآخرة وهو الثواب مراد بالإجماع فلا يكون حكم الدنيا - وهو الجواز والفساد - مرادًا لأنه لا عموم للمقتضي، ولا للمشترك؟ قلنا: الجواز من حكم الآخرة أيضًا إذ الثواب يتعلق بالجواز، إذ لا ثواب بدونه، كذا قيل، وفيه تأمل لما عرف في الأصول أن الجواز والثواب مختلفان في المعنى، ويعرف تمام هذا البحث في الأصول. وقيل في جوابه: بعد كون العمل معتبرًا بالنية الحكم نوعان، فقلنا: يحتاج إلى النية لوقوعه معتبرا شرعًا، كذا في الكاثي. ولا يقع التميز إلا بالنية؛ لأنا أمرنا بالعبادة، ولا وجود لها بدون الإخلاص المأمور به، والإخلاص جعل أفعاله الله تعالى، وذا لا يكون إلا بالنية. (والمتقدم)، أي: القصد المتقدم (كالقائم)، أي: كالثابت عند التكبير، يعني الأصل في العبادات أن تكون النية متصلة بها تحقيقا لمعنى الإخلاص، إلا أن في الصوم سقط وصف الاتصال للحرج، ولا حرج هاهنا في الاتصال فوجب اتصالها. وشرطت في الابتداء ليقع كل أجزاء العبادات منويًا، ولم يشترط في حال البقاء للحرج أيضًا، فلابد أن يجعل المتقدم كالثانية عند التكبير ليقع الكل منويا. (بالمتأخرة منها)، أي: من النية (عنه)، أي: عن التكبير، وفي بعض النسخ: (بالمتأخرة) بدون (عنه)، فيكون المراد من ضمير (منها): التحريمة، أي بالمتأخرة عن التحريمة. (لأن ما مضى)، أي: من القيام لا يقع عبادة لعدم النية، وبه قال الشافعي (١)، وعن الكرخي: يجوز بالمتأخرة ما دام في الثناء، وقيل: إلى

стр. 563

وَفِي الصَّوْمِ جُوِّزَتْ لِلضَّرُورَةِ، وَالنِّيَّةُ هِيَ الإِرَادَةُ، وَالشَّرْطُ أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ أَيَّ صَلَاةٍ يُصَلِّي. أَمَّا الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ فَلَا مُعْتَبَرَ بِهِ، وَيَحْسُنُ ذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ عَزِيمَتِهِ القعود، وقيل: إلى ما بعد الفاتحة، وقيل: إلى الركوع، وهو مروي عن محمد. وفي القنية: عن الحلواني: كبر وغفل عن النية، ثم نواها يجوز (١). وفي المحيط: لو نوى بعد قوله: الله، وقبل قوله: أكبر لا يجزيه عند أبي حنيفة (٢). (وفي الصوم جوزت)، أي بالنية المتأخرة للضرورة؛ لأن وقت الشروع فيه وقت نوم وغفلة، وهو وقت انفجار الصبح، فلو شرطت وقت الشروع لضاق الأمر على الناس، ولا كذلك في حق الصلاة؛ لأن وقت شروعها وقت انتباه ويقظة، إليه أشار شيخ الإسلام. قوله: (والشرط أن يعلم)، وفي الكاثي: أدناها ما لو سئل لأمكنه أن يجيب. (أي صلاة)، على البديهة، ولو لم يقدر أن يجيب إلا بتأمل لم تجز صلاته. وفي القنية: قال شيخ الإسلام والأصح أن العلم لا يكون نية؛ لأنه غير النية، ألا ترى من علم الكفر لا يكفر، ولو نواه يكفر، فيتأول قول المصنف: (والشرط) قصد بعد العلم. قوله: (أما الذكر باللسان)، وفي جامع الكردري، وجمل النوازل: ويكره الذكر باللسان عند البعض؛ لأن عمر ﵁ أنكر على من سمع ذلك منه، ولأن النية عمل القلب، والله تعالى مطلع على الضمائر، فالإفصاح في حقه غير مفيد فيكره. قال شيخ الإسلام: الذكر به مع نية القلب سنة، وكذا في المحيط. وقال الطحاوي، وقاضي خان: القصد مع الذكر باللسان أفضل؛ لأنه يقرر ما في القلب ويؤكده، وذلك أن السنة شرعت لإكمال الفرض، والذكر به مؤكد

стр. 564

ثُمَّ إِنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ نَفْلًا يَكْفِيهِ مُطْلَقُ النِّيَّةِ، وَكَذَا إِنْ كَانَتْ سُنَّةٌ فِي الصَّحِيحِ، وَإِنْ للفرض فيكون سنة (١). وفي جمل النوازل: لكن لا يقول: نويت لأنه يكون كذبًا إن لم يكن نوى، ويقع إخبارًا عن المحقق إن كان نوى من غير حاجة، ولكن يقول: اللهم إني أريد أن أصلي لك كذا فيسرها لي، وتقبلها مني، كما ورد عن محمد في إحرام الحج. وفي الْمُجْتَبى: من عجز عن إحضار القلب في النية يكفيه اللسان؛ لأن التكليف بحسب الوسع (٢). وفي المبسوط: والتكلم بالنية لا يعتبر به، وإن فعله ليجمع عزيمة قلبه فحسن (٣). وقوله: (ثم إن كانت الصلاة نفلًا)، بيان كيفية النية. (مطلق النية)، أي مطلق نية الصلاة؛ لأن العمل بعموم أفرادها متعذر، إذ الجمع بين الفرائض والنوافل في تحريمةٍ واحدةٍ لا يجوز، فيكون المراد أحدهما، فكان صرف اسم الصلاة إلى النفل أولى؛ لأنه أدنى فكان متعينا، والزيادة مشكوك فيها. أو لأن النفل مشروع كل الأوقات فكان بمنزلة الحقيقة، وغيره بمنزلة المجاز، والكلام لحقيقته، كذا ذكره شيخ الإسلام. وقوله: (في الصحيح)، احتراز عما ذكر بعض المشايخ أنه لابد من أن ينوي سُنَّة الرسول إذ فيها صفة زائدة على النفل المطلق كما في الفرض. وفي التجنيس: والاحتياط أن ينوي متابعة الرسول (٤). وبه قال الشافعي، فإنه ذكر في شرح الوجيز، والحلية: النوافل ضربان، ما

стр. 565

كَانَتْ فَرْضًا فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ الفَرْضِ كَالظَّهْرِ مَثَلًا لِاخْتِلَافِ الفُرُوضِ يتعلق بسبب، أو وقت، فيشترط فيه نية فعل الصلاة والتعيين، فينوي سنة الاستسقاء، والخسوف والعيد، والتراويح، والضحى وغيرها. وفي الرواتب: يتعين بالإضافة، فيقول: سنة الفجر، أو الظهر، أو العصر، أو المغرب، أو العشاء، وفيما عداهما يكفي نية أصل الصلاة. وقيل: في السنن الرواتب سوى ركعتي الفجر تكفي نية النفل، والأول أصح (١). وفي الْمُجْتَبى: وتكفي مطلق النية للنوافل، والسنن، والتراويح عند عامة مشايخنا (٢). وهو الصحيح؛ لأن السنن نوافل؛ لأنها غير مضمونة كالنوافل، ولا أسباب لها لأنها لتكميل الفرائض؛ لأن لها أسبابًا، وباختلاف الأسباب يختلف الواجب فلا يتعين إلا بالتعيين؛ كالظهر، يعني إذا قرن بلفظة اليوم أو الوقت بأن قال: ظهر اليوم أو الوقت فإنه ذكر شيخ الإسلام في مبسوطه. وفي المحيط: لو نوى الظهر بدون ذكر اليوم، أو الوقت لا يجزيه؛ لأنه ربما كان عليه ظهر صلاة فاتته فلا يتعين، ولو نوى بلفظ الفرض لا يجزيه أيضًا لأن الفرائض متنوعة، أما لو نوى فرض الوقت في الوقت يجزيه وخارج الوقت لا؛ لأن بعد خروجه فرض الوقت العصر، والأولى أن ينوي ظهر اليوم سواء كان الوقت خارجًا أو لا لاختلاف الفروض (٣). وفي الْمُجْتَبى: لابد من نية الصلاة، ونية الفرض، ونية التعيين حتى لو نوى الفرض لا يجزيه ولو نوى فرض الوقت، أو فرض الظهر يجزيه، وإن ظهر أنه خرج الوقت، والصحيح أنه لا يجزيه. ولو نوى الظهر لا غير قيل: لا يجزيه والأصح أنه يجزيه ذكره في فتاوى

стр. 566

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . العتابي، وعند الشافعي ينوي الظهر المفروض وقال ابن أبي هريرة من أصحابه تجزيه نية الظهر أو العصر كما هو مذهبنا وجه قول الشافعي أنه قد يوجد من الصبي وممن صلى ثم أعاد في الجماعة ولا يكون فرضاً فوجب التمييز (١). وقلنا: ظهر اليوم يدل على الفرضية في حق المصلي وإن لم يكن فرضًا في حق الصبي، وفي حق من أعادها في الجماعة لا يكون ظهر اليوم، وإنما يقال: أعاد الظهر، مجازا وإن كان نفلاً حقيقةً، وفرض الوقت متحد، والقضاء عارض. وفي جمل النوازل: لو نوى فرض الوقت يجزيه. وفي الْمُجْتَبى: ولابد في الفرض من تعيينه كالعصر، والظهر، وفي اشتراط نية فرض الوقت ونية استقبال القبلة اختلاف المشايخ (٢)، ولم يذكره في ظاهر الرواية، فعند الفضلي شرط، وعند الحامدي إن أتى به فحسن، وإن تركه لا يضر. وفي الخزانة: وهو الصحيح. وبعض المشايخ قالوا: إن كان يصلي في المحراب كما قال الحامدي، وإن كان يصلي في الصحراء فكما قال الفضلي، كذا في شرح الطحاوي. ولو نوى فرض الوقت بعد ما خرج لا يجوز، وإن شك في خروجه فنوى فرض الوقت جاز بناءً على جواز القضاء بنية الأداء، وعند الشافعي لا يجوز في أصح الوجهين؛ لأنه لو تذكر فائتة عند آخر الظهر كان في وقتها بالحديث، وليس هي بظهر، مع أنه فرض الوقت (٣). وقلنا: وقتها، ولكن غير متعين للفائتة فلا يصدق عليها أنها فرض الوقت. ثم لابد من نية العبادة وهي التذلل والخضوع على أبلغ الوجوه، وفيه

стр. 567

(وَإِنْ كَانَ مُقْتَدِيًا بِغَيْرِهِ ينوي الصَّلَاةَ وَمُتَابَعَتَهُ) لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ فَسَادُ الصَّلَاةِ مِنْ جِهَتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ التِزَامِهِ. الطاعة وهي فعل ما أراد الله منه، ونية القربة وهي طلب الثواب بالفعل، ثم يستديم هذه النيات من أول الصلاة إلى آخرها، خصوصًا عند الانتقال من ركن إلى ركن. ولابد من نية العبادة في كل ركن، والنفل كالفرض فيها، إلا في وجه وهو أن ينوي من النوافل أنها لطف في الفرائض وتسهيل لها. والأصح أنه يستحب ذكر النية باللسان، ويقول في الفرائض: اللهم إني أريد أن أصلي الفجر، أو الظهر، أو الجمعة، أو الوتر، أو العيد، فيسِّرْهُ وتَقبَّله مني. ولابد من تعيين الوقت في القضاء دون الأداء، بأن نوى قضاء فجر يوم كذا وكذا والباقي، أو قضاء أول فجر عليه (١). وفي جامع الكردري: ينوي الجمعة، ولا ينوي فرض الوقت؛ لأنه مختلف فيه، وينوي الوتر لا الوتر الواجب لأنه مختلف فيه، وفي صلاة الجنازة ينوي الصلاة لله تعالى، والدعاء للميت. قوله: (وإن كان مقتديًا) إلى آخره، وفي المحيط: لو نوى الشروع في صلاة الإمام أو الاقتداء به في صلاته يجزيه ولو نوى الاقتداء به لا غير، قيل: لا يجزيه، والأصح أنه يجزيه؛ لأنه جعل نفسه تبعًا له مطلقا، والمطلق لن يكون تبعا له من كل وجه، وهذا لو كان مُصلِّيًا بصلاته، ولو قال: نويت صلاة الإمام لا يجزيه؛ لأنه تعيين لصلاته، وليس باقتداء، كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٢). وفي شرح الطحاوي: لو نوى صلاة الإمام أجزأه، وقام مقام نيتين، وبه قال السَّرَخْسِي، والكرماني، والجلابي (٣).

стр. 568

قَالَ: (وَيَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] ثُمَّ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَفَرْضُهُ إِصَابَةُ عَيْنِهَا، وَمَنْ كَانَ غَائِبًا فَفَرْضُهُ إِصَابَةٌ جِهَتِهَا، وقيل: متى انتظر تكبير الإمام ثم كبر بعده كفاه عن نية الاقتداء؛ لأن الانتظاره قصد منه للاقتداء (١)، والصحيح لا يصير مقتديا بمجرد الانتظار؛ لأنه متردد بين أن يكون للاقتداء، وبين أن يكون بحكم العادة، فما لم يقصد الاقتداء لا يصير مقتديًا. قالوا: ولو أراد تسهيل الأمر على نفسه يقول: شرعت في صلاة الإمام، فيكفيه. قال ظهير الدين المرغيناني: ينبغي أن يزيد على هذا ويقول: اقتداء به. وفي فتاوى قاضي خان يقول: نويت أن أصلي مع الإمام ما يصلي الإمام (٢). وفي فتاوى الظهيرية: ينبغي للمقتدي أن لا يُعَيِّنَ الإمام عند كثرة القوم، وكذا في صلاة الجنازة عندها ينبغي أن لا يُعيَّنَ الميت، ولا يشترط نية أعداد الركعات بالإجماع مقتديا كان أو لا. وفي الخلاصة: المقتدي يحتاج إلى أربعة أشياء: نية الصلاة، وتعيين الصلاة ونية الاقتداء، ونية القبلة عند البعض، والصحيح أنها ليست بشرط، وقد مر الاختلاف فيه. والمنفرد يحتاج إلى ثلاثة: نية الصلاة، وتعيينها، ونية القبلة حتى يكون جائزا عند الكل، والإمام كالمنفرد، ولا تشترط نية الإمامة (٣). قوله: (إصابة جهتها)، أي جهة الكعبة، وهو الصحيح. قال شيخي ﵀: جهتها هي الجانب الذي إذا توجه إليه الإنسان يكون مساميًا للكعبة، أو لهوائها تحقيقا أو تقريبا.

стр. 569

هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِحَسَبِ الوُسْعِ. ومعنى التحقيق: أنه لو فرض خط من تلقاء وجهه على زاوية قائمة إلى الأفق يكون مارًا على الكعبة أو هواها، ومعنى التقريب: أن يكون ذلك منحرفا عنها، أو لهواها انحرافا لا تزول به المقابلة بالكلية، بأن بقي شيء من سطح الوجه مسامتا لها، أو لهواها. وبيانه: أن مقابلة الشيء بالشيء إذا وقعت في مسافة قريبة تزول بانتقال قليل من اليمين أو الشمال - مناسب لتلك المسافة، وإذا وقعت في مسافة بعيدة لا تزول بمثل ذلك الانتقال، بل بانتقال مناسب لذلك البعد. فإن إنسانا لو قابل إنسانًا في مسافة ذراع مثلا تزول تلك المقابلة بانتقال أحدهما يمينا بمقدار ذراع أو نحوها، وإذا وقعت المقابلة بينهما في مقدار ميل، أو فرسخ لا تزول تلك المقابلة إلا بمقدار مائة ذراع أو نحوها، بل يحتاج في زوال المقابلة إلى مسافة بعيدة مناسبة لذلك البعد على ما عرف تحقيقه في موضعه. ثم إن مكة لما بعدت عن ديارنا بعدًا مفرطًا تتحقق المقابلة إليها في مواضع كثيرة، في مسافة بعيدة؛ فإنا لو فرضنا خطا من تلقاء وجه من استقبل القبلة على التحقيق في هذه البلاد، ثم فرضنا خطا آخر يقطع ذلك الخط على زاويتين قائمتين من جانب يمين المستقبل وشماله لا تزول تلك المقابلة والتوجه بالانتقال إلى اليمين والشمال على ذلك الخط بفراسخ كثيرة، فلذلك وضع العلماء القبلة في بلدة، أو بلدتين، وبلاد قريبة على سمت واحد بأن جعلوا القبلة ببخاري، وسمرقند، ونسف، وكش، وترمذ، وبلخ، ومرو، وسرخس موضع غروب الشمس إذا كانت في آخر الميزان وأول العقرب كما اقتضته الدلائل الموضوعة لمعرفة القبلة لبقاء المقابلة، وتحقق التوجه في هذا القدر ونحوه من المسافة، ولم يخرجوا لكل مسجد على حدة سمت الكعبة على التحقيق؛ لأن ذلك خارج عن الوسع. وقوله: (وهو الصحيح)، احتراز عن قول أبي عبد الله الجرجاني حيث

стр. 570

(وَمَنْ كَانَ خَائِفًا يُصَلِّي إِلَى أَيِّ جِهَةٍ قَدَرَ) لِتَحَقُّقِ العُذْرِ، فَأَشْبَهَ حَالَةَ الِاشْتِبَاءِ يشترط إصابة عينها للكل (١). وثمرة الاختلاف تظهر في اشتراط عينها، فعلى قوله يشترط؛ لأن نية عينها في وسعه، وعلى قول العامة لا يشترط؛ لأن إصابة عينها ليس في وسع الغائب، وإن أمكن بعيدًا لكن فيه حرج عظيم وهو مدفوع شرعًا، وفيه ما ليس في وسعه غير معتبر. وفي الحلية: ومن كان غائبا ولم يجد من يخبره بالقبلة اجتهد في طلبها، وفي فرضه قولان قال في الأم: فرضه إصابة العين بالاجتهاد (٢)، وهو قول الجرجاني من أصحاب أبي حنيفة ﵁. والثاني: ما نقله المزني: إصابة الجهة (٣)، وهو قول الباقين من أصحابه، ومن كان بمكة وبينه وبين الكعبة حائل يمنع المشاهدة كالأبنية فالأصح أن حكمه حكم الغائب، ولو كان الحائل أصليا كالجبل فله أن يجتهد، والأولى أن يصعد على الجبل حتى تكون صلاته إلى الكعبة يقينا (٤). وفي الْمُجْتَبى: وعن الفضلي ينوي بها مع استقبال القبلة (٥)، قلت: وهذا أحوط. وفي النظم: الكعبة قبلة من في المسجد الحرام والمسجد قبلة من بمكة ومكة قبلة الحرم والحرم قبلة العالم، وبه قال مالك. قال أستاذنا: وهذا على التقريب فأما على التحقيق فالكعبة قبلة العالم. قوله: (ومن كان خائفًا)، ولا فرق بين أن يكون الخوف من سبع، أو عدو، ويكون في البحر على خشبة يخاف الانحراف والفقه فيه أن المصلي يخدم الله تعالى فلابد من الإقبال على من يخدمه، والله تعالى منزه عن الجهة

стр. 571

(فَإِنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ القِبْلَةُ وَلَيْسَ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَسْأَلُهُ عَنْهَا اجْتَهَدَ وَصَلَّى) «لِأَنَّ فيستحيل الإقبال عليه (١)، فابتلانا بالتوجه إلى الكعبة لا أن العبادة لها، حتى لو سجد لها يكفر، فلما عزاه الخوف تحقق العذر، فأشبه حال الاشتباه في تحقق العذر فيتوجه إلى أي جهة قَدَرَ؛ لأن الكعبة لم تعتبر لعينها، بل للابتلاء فيتحقق المقصود بالتوجه إلى أي جهة قدر. وقيد بقوله: (وليس بحضرته من يسأله)، فإنه لو أخبره أحد من أهل ذلك الموضع لا يجوز العمل بالاجتهاد، كذا في المحيط (٢). وفي فتاوى الظهيرية: المراد بمن يسأله من هو من أهل ذلك الموضع وهو يعلم جهة القبلة؛ لأنه أعرف بقبلتهم عادةً من غيرهم، حتى لو يكن من أهل ذلك الموضع، ولم يكن عالمًا بالجهة فهو والمتحري سواء، كذا في التجنيس للمصنف (٣). وفي قوله: (ليس بحضرته) إشارة إلى أنه ليس عليه أن يطلب من يسأله. وقوله (اجتهد) يشير إلى أنه لو صلّى بلا تحرّ فأصاب لم تجز صلاته لصيرورة جهة التحري قبل حالة الاشتباه، وعن أبي حنيفة ﵁: لو صلى في هذه الحالة بدون تحرّ يخشى عليه الكفر وإن أصاب؛ لأن الصحابة تحروا (٤). في السهيلي: روى عامر بن ربيعة -، وفي شرح الإرشاد: عبد الله بن عمر مكان عامر بن ربيعة - قال: كنا مع رسول الله ﷺ في ليلة مظلمة فلم يعرف

стр. 572

الصَّحَابَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - تَحَرَّوْا وَصَلَّوْا وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﵊»، وَلِأَنَّ العَمَلَ بِالدَّلِيلِ الظَّاهِرِ وَاجِبٌ عِنْدَ انْعِدَامِ دَلِيلٍ فَوْقَهُ، وَالِاسْتِخْبَارُ فَوْقَ التَّحَرِّي (فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَخْطَأَ بَعْدَمَا صَلَّى لَا يُعِيدُهَا) وَقَالَ أحد القبلة فصلينا، فجعل كل منا بين يديه أحجار فإذا أصبحنا إذا نصلي على غير القبلة، فذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ [البقرة: ١١٥] (١). وفي الكشاف: أي جهة التي أمرنا بها وارتضاها (٢). وفي شرح التأويلات: فثم قبلة الله، وفي شرح الإرشاد: قال ﵇ لهم: «تمَّت صلاتكم»، وفي رواية قال: «لا إعادة عليكم»، والاستخبار فوق التحري؛ لأن الخبر قد يكون حجة على الغير والتحري لا يكون حجة على الغير، وقال الشافعي يعيدها في ظاهر مذهبه؛ لأنه لما يتيقن بالخطأ ويمكن من أداء الفرض بيقين فيعيده (٣)، كما لو تحرى في ثوبين أحدهما نجس، ثم ظهر بعد الصلاة في أحدهما بالتحري أنه نجس يقينا يعيد الصلاة بالإجماع، وكذا التحري في الأواني. وفي قوله الآخر: لم تجب عليه الإعادة (٤)، وهو مذهبنا، ومالك (٥)، وأحمد (٦)، واختيار المزني، وفي حلية المؤمن: وهو الاختيار؛ لأن التكليف مقيد بالوسع، وليس في وسعه إلا جهة التحري.

стр. 573

الشَّافِعِيُّ ﵀: يُعِيدُهَا إِذَا اسْتَدْبَرَ لِتَيَقُنِهِ بِالخَطَأ، وَنَحْنُ نَقُولُ: لَيْسَ فِي وُسْعِهِ التَّوَجُّهُ فإن قيل: هذا التعليل لا يكون جوابًا لما ذكره الشافعي فإن له أن نقول: سلمنا أنه مقيد بالوسع لكن هذا حال العمل؛ فإن له أن يعمل حال توجه الخطاب لما في وسعه ولا يأثم بما فعل عند عدم الظهور بالخطأ، فأما لو ظهر الخطأ يقينا فكان فعله كلا فعله في حق وجوب الإعادة، كما لو تحرى في ثوبين أحدهما نجس وصلى فيه بالتحري أو توضأ بماء نجس بالتحري أنه طاهر، ثم ظهر كون الثوب أو الماء نجسا فإنه تلزمه الإعادة، وكما لو حكم حاكم باجتهاده ثم وجد نصا بخلافه تجب الإعادة، وما نحن بصدده من هذا القبيل. قلنا: في هذا التعليل جواب له؛ لأن التكليف بالذي غاب عنه علمه على نوعين، أحدهما: ما غاب عنه علمه حقيقةً، ولكن لو استقصى في طلبه ممكن دركه، ويمكن العمل على وجه لا تبقى فيه شبهة. والثاني: ما غاب عنه علمه حقيقةً، ولا يدرك حقيقته أحد وإن استقصاه، فمن الأول ما ذكرته من المسائل، وذلك لأن القاضي لما قضى باجتهاده ثم روي له نص بخلافه كان الجهل به جاء من تقصيره في الطلب، وكذا المصلي بالتحري في ثوب؛ لأن في وسعه إصابة الطاهر حقيقة لأنه يقدر على غسل ذلك بالماء، وإنما خفي نسيانه الطاهر منهما، وكذا في ماء الوضوء إذ في وسعه الاستخبار ممن له العلم بنجاسته، وإن لم يكن في وسعه كان في وسعه إراقته والتيمم الذي يخلفه بلا شبهة. وأما علمه جهة الكعبة فمن النوع الثاني؛ لأن مبنى علمه جهة الكعبة للغائب عنها على النجم لا على خبر الناس؛ فإن المخبر إنما يخبره عن النجم أيضاً، ثم كل منهما عجز عن الاستدلال بالنجم لعارض الغيم، وذلك من الله تعالى، فيسقط به خطابه تعالى لما [لم] (١) يعطه قدرة إزالته إياه فلم يعمل فيما مضى، وإن ظهر خطؤه بيقين كنص نزل بعد العمل بخلافه، أو نزل ولم يبلغه لا بتقصير منه كما في ابتداء حرمة الخمر وفيه نزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى

стр. 574

إِلَى جِهَةِ التَّحَرِّي وَالتَّكْلِيفُ مُقَيَّدٌ بِالوُسْعِ (وَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ اسْتَدَارَ إِلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] إلى ﴿فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣]. ومن نظير النوعين جهل الذمي بالشرائع بعد الإسلام حيث يجب عليه قضاء ما مضى، وجهل الحربي بها بعده حيث لا يجب عليه قضاء ما مضى، هذا حاصل ما ذكره في الأسرار. فلما كان كذلك كان قول المصنف: (والتكليف مقيد بحسب الوسع) راجع إلى الوسع الذي لو بالغ في الجهد لأصابه؛ لأنه محلى باللام فكان مستغرقًا لجميع ما ينطلق عليه اسم الوسع. أو نقول في الفرق بينهما: أن النجاسة لا تحتمل الانتقال فلم يجز له العمل إلا بظاهر ما أدى إليه اجتهاده، فإذا ظهر ما هو أقوى منه أبطله؛ لأنه غير قابل للانتقال حتى يقال: إنه كان طاهرًا في ذلك الوقت، ثم تنجس بعده باليقين، وكذا في مسألة القضاء. أما القبلة فتحتمل الانتقال، ألا ترى أنها انتقلت من بيت المقدس إلى الكعبة، ومن عين الكعبة إلى جهتها إذا بَعُد من مكة، ومن جهتها إلى سائر الجهات إذا كان راكبًا متنفلا، فبعد ما صلى إلى جهة بالتحري إذا تحول رأيه ينتقل فرض التوجه إلى تلك الجهة فكان تبدل الرأي فيه بمنزلة النسخ فيعمل به في المستقبل، ولا يظهر به بطلان ما مضى كما في النسخ الحقيقي؛ لأن الشرط أن يكون مبتلى بالتوجه إذ هو المقصود في الأمر بالتوجه كما بينا. وهذا المقصود يحصل في أي توجه كان، ولهذا لو أدى اجتهاده إلى جهة فصلى إلى غيرها لم تجز صلاته وإن كان مصيبًا عند أبي حنيفة، ومحمد، والشافعي؛ لأن الجهة التي أدى إليها اجتهاده لما كانت قبلة في حقه حال الاشتباه، فإذا تركها فقد ترك المفروض عليه. وعنه لو صلى بغير تحر يخشى عليه الكفر وإن أصاب لاستخفافه بحكم من أحكام الشرع، وقال أبو يوسف: يجوز إذا أصاب لحصول المقصود من التحري وهو التوجه، كما في الأواني إذا تحرى وتوضأ بغير ما أدى إليه اجتهاده، ثم تبين صوابه.

стр. 575

القِبْلَةِ وَبَنَى عَلَيْهِ) لِأَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ لَمَّا سَمِعُوا بِتَحَوُّلِ القِبْلَةِ اسْتَدَارُوا كَهَيْئَتِهِمْ فِي الصَّلَاةِ، وَاسْتَحْسَنَهُ النَّبِيُّ ﵊، وَكَذَا إِذَا تَحَوَّلَ رَأْيُهُ إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى تَوَجَّهَ إِلَيْهَا لِوُجُوبِ العَمَلِ بِالاجْتِهَادِ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ مِنْ غَيْرِ نَقْضِ المُؤَدَّى قَبْلَهُ. وقد قلنا الفرق بين التحري في الأواني وبين التحري في القبلة، إليه أشير في الإيضاح. في الحضر صلى بغير تحري حالة الاشتباه، ثم تبين أنه أصاب، فعند أبي يوسف يمضي في صلاته؛ لأنه لو استأنف يصلي إلى هذه الجهة فلا فائدة في القطع ثم الاستئناف. ولهما: أن حاله بعد العلم أقوى من حاله قبل العلم، فلو مضى يلزم بناء القوي على الضعيف وذا لا يجوز، بخلاف ما لو علم بعد الفراغ فإن ثمة لا يحتاج إلى البناء، وكذا في فتاوى قاضي خان، ولكنه لم يذكر فيه خلاف أبي يوسف وذكر أنه يقطع ويستقبل (١). وفي فتاوى العتابي: تحرّى ولم يقع تحريه على شيء، قيل: يؤخر الصلاة، وقيل: يصلي إلى أربع جهات، وقيل: يخير. وفي المحيط: دخل مصرًا وعاين المحاريب لا يتحرى، وبه قال الشافعي، ولو دخل مسجدًا لا محراب له وبحضرته أهله لا يجزيه التحري إلا إصابة، ولو سألهم ولم يخبروه فتحرى وصلّى جاز (٢). (قباء) مقصور وممدود، قرية من قرى المدينة، وفي الكافي: كيفية الاستدارة أن يبدأ من الجانب الأيمن لا من الجانب الأيسر، ومن علم منهم. وفي تجنيس المصنف: تحرَّى القبلة فأخطأ فدخل في الصلاة وهو لا يعلم، ثم علم حول وجهه إلى القبلة، ولو دخل رجل في صلاته وقد علم حاله الأولى لا تجوز صلاة الرجل؛ لأنه دخل في صلاته وعلم أن الإمام على الخطأ في أول صلاته، وفيه خلاف أبي يوسف (٣).

стр. 576

قَالَ: (وَمَنْ أَمَّ قَوْمًا فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَتَحَرَّى القِبْلَةَ وَصَلَّى إِلَى المَشْرِقِ وَتَحَرَّى مَنْ خَلْفَهُ فَصَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى جِهَةٍ، وَكُلُّهُمْ خَلْفَهُ وَلَا يَعْلَمُونَ مَا صَنَعَ الإِمَامُ أَجْزَأَهُمْ لِوُجُودِ التَّوَجُهِ إِلَى جِهَةِ التَّحَرِّي، وَهَذِهِ المُخَالَفَةُ غَيْرُ مَانِعَةٍ، كَمَا فِي جَوْفِ الكَعْبَةِ (وَمَنْ عَلِمَ مِنْهُمْ بِحَالِ إِمَامِهِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ إِمَامَهُ عَلَى الخَطَا وَكَذَا لَوْ كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَى الإِمَامِ) لِتَرْكِهِ فَرْضِ المَقَامِ. بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ (وهذه المخالفة)، إلى آخره، يعني وقع صلاتهم إلى القبلة؛ لأن جهة تحري كل أحد قبلةً له، فلا بأس بالاختلاف، كما لو صلى في جوف الكعبة بالجماعة، وبه قال الشافعي (١)، وقال بعض أصحابه: عليهم الإعادة؛ لأن فعل الإمام في اعتقادهم متردد بين الخطأ والصواب، ولو لم يتعين للإمام بأن رأى رجلين يصليان فنوى الاقتداء بواحد لا بعينه لا يجوز، وكذا لم يتعين فعل الإمام. (وكذا لو كان متقدمًا عليه)، يعني لو علم أنه تقدم أمامه. [بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ] في البدرية: لما فرغ عن بيان الشروط شرع في بيان المشروط ليكون الذكر على وفاق الوجود. ثم الوصف والصفة مصدران؛ كالوعظ والعظة، والوعد والعدة، والوزن والزنة، وفي الصحاح: وصف الشيء وصفًا وصفةً، فالهاء عوض عن الواو (٢)، كما في الوعد والعدة. وفي اصطلاح المتكلمين: الوصف ما قام بالواصف، وهو قوله: زيد عالم، والصفة ما قام بالموصوف. ثم قوله: (صفة الصلاة) من قبيل إضافة الجزء إلى الكل؛ لأن كل صفة مما

стр. 577

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قاله في الكتاب جزء الصلاة إلا التكبير والقعدة الأخيرة، ويعني بالأوصاف الذاتية أي الأجزاء ولهذا قيل: شرط الشيء ما يتوقف عليه ذلك الشيء، وهو خارج عن ماهيته، وركنه ما يتوقف عليه وهو داخل في ماهيته. وفي الغاية: شرط الشيء ما يتوقف عليه صحة الشيء، وركنه ما يتوقف وجوده وتصوره عليه. وفي التتمة لأصحاب الشافعي: الركن لو تركه عامداً تبطل صلاته، ولو تركه ساهياً يلزم العود إليه، ولا ينجبر بالسجود، وفيه تأمل. وفي المستصفى: هذا من قبيل إضافة الشيء إلى نفسه؛ لأن هذه الصفات التي نحن بصددها ليست وراء الصلاة (١)، وفيه تأمل. وعن مولانا حميد الدين: يشترط لثبوت الشيء ستة أشياء: العين، وهي عبارة عن ماهية الشيء، والركن وهو عبارة عن جزء الماهية، والحكم وهو الأثر الثابت به، والمحل، والشرط، والسبب. فالعين: الصلاة هاهنا، وهو الأركان: القيام والقراءة، والسجود، والركوع. والمحل: المكلف، والشرط: ما يقدم في باب الشروط. والحكم: الجواز، والثواب، والسبب: الأوقات. ثم قال: (ستة) (٢)، والقياس أن يقول: ست؛ لأن الفرائض جمع فريضة وهي مؤنثة؛ لأن علامة التأنيث من الثلاثة إلى العشرة حذف التاء، لكنه قال على تأويل الفروض كقول الشاعر (٣): وَلَا أَرْضَ أَبْقَلَ إِبْقَالُهَا فَلا مُزنَةً وَدَقَتْ وَدْقَها

стр. 578

(فَرَائِضُ الصَّلَاةِ سِتَّةُ: التَّحْرِيمَةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] على تأويل المكان، وفي بعض النسخ: (ست)، وهو الأصح. وإنما قال: (فرائض) لا الأركان؛ لأن لفظ الفرائض أعم من الأركان، والشروط، وقد عد التحريمة والقعدة الأخيرة، وإنهما فرضان وليستا بركنين، وإنما عدَّ التحريمة في باب صفة الصلاة وإن كانت من الشروط؛ لأنها متصلة بالصلاة بحيث لا يفصل بينهما، بخلاف سائر الشروط. (التحريمة) جعل الشيء مُحرَّمًا، والهاء لتحقيق الإسمية، وإنما اختصت التكبيرة الأولى بهذا الاسم لأن بها تحرم الأشياء المباحة قبله بخلاف سائر التكبيرات، كذا في المستصفى (١). قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣]، أي: الذي ربَّاك خُصَّهُ بالتكبير، وهو الوصف بالكبرياء، روي أنه لما نزلت قال ﵇: «الله أكبر»، فكبرت خديجة وفرحت وأيقنت أنه الوحي؛ فإن سورة المدثر أول سورة نزلت، ودخلت الفاء بمعنى الشرط، كأنه قيل: أي شيء كان فلا تدع تكبيره، كذا في الكشاف (٢). ثم الشروع في الصلاة بالتكبير عرف ذلك بالكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] نزلت هذه الآية في التكبيرة الأولى، وقوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣]، والمراد به في الصلاة إذ لا يجب خارج الصلاة بإجماع أهل التفسير. أما السنة: فما روى أبو هريرة ﵁، وأبو سعيد الخدري: أنه ﵇ قال: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (٣).

стр. 579

وَالمُرَادُ تَكْبِيرَةُ الافْتِتَاحِ، (وَالقِيَامُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. أما الإجماع: فلأنه لم يخالف أحد في فرضيته، كذا في مبسوط شيخ الإسلام. وفي مبسوط السَّرَخْسِي: أما التكبير فلا بد للشروع في الصلاة، إلا على قول أبي بكر الأصم، وإسماعيل ابن علية فإنهما يقولان: يصير شارعًا بمجرد النية، والأذكار كالتكبير والقراءة عندهما زينة الصلاة وليست من الواجبات (١)؛ لأن مبنى الصلاة على الأفعال لا على الأركان، ألا ترى أن العاجز عن الأذكار تلزمه الصلاة إن كان قادرًا على الأفعال بخلاف العكس. قلنا: تعظيم الله تعالى واجب بكل الأعضاء، واللسان أشرف الأعضاء فلا بد من أن يتعلق به شيء من الصلاة، وظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] يبين أن المقصود ذكر الله تعالى على سبيل التعظيم، فيبعد أن يقال ما هو المقصود لا يكون فرضًا، وقال ﵇: «تحريمها التكبير»، فدل أنه لا يصير شارعًا بدونه. قوله: (والمراد تكبيرة الافتتاح)، أي بإجماع أئمة التفسير، ولأن سائر التكبيرات ليس بفرض بالإجماع، فتعين هذا للفرضية لئلا يؤدي إلى تعطيل النص. (﴿قَنِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨])، أي خاضعين، والقنوت الخضوع، أو مطيعين. وفي المغرب: القنوت الطاعة (٢). قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا﴾ [المزمل: ٢٠] نزل في شأن الصلاة بدليل سياق الآية، وسياقها قال الله تعالى: ﴿أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ الَّيْلِ وَنِصْفَهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، ولأن الأمر للوجوب، وهذه الأفعال لا تجب في غير الصلاة، فثبت أنها تجب في

стр. 580

(وَالْقِرَاءَةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] (وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] وَالقَعْدَةُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ الصلاة، كذا في الأسرار. قوله: (القعدة في آخر الصلاة)، وفي الإيضاح: أنها فرض وليست بركن؛ لأن ركن الشيء ما يفسر به ذلك الشيء، والصلاة لا تفسر بالقعدة الأخيرة، ولهذا لو حلف أن لا يصلي فقام وقرأ وركع وسجد يحنث، فلو كانت القعدة ركنا لتوقف الحنث عليها؛ لأن الحنث لا يتحقق إلا بعد وجودها. ولو كان الفقه في عدم ركنيتها أن الصلاة تعظم، وأصل التعظيم في القيام، ويزداد بالركوع، ويتناهى بالسجود، فأما القعدة فللخروج عنها فكانت معتبرة لغيرها لا لعينها فلم تكن ركنا. والفرق بينها وبين القعدة الأولى ما روي أنه ﵇ قام إلى الخامسة فسبح فرجع، وقام إلى الثالثة فسبح فلم يرجع، فدل على اختلاف حكمهما، وقال ﵇ «إذا رفعت رأسك من آخر سجدة وقعدت - وفي رواية - وقعدت قدر التشهد فقد تمت صلاتك» (١)، علق التمام بالقعود والفقه مستنبط من هذا اللفظ وقدر الفرض في القعدة مقدار قراءة التشهد لأنه لما قام دليل فرضيتها وقد ورد الشرع بقراءة التشهد فيها استدللنا بذلك على أنه مقدر به. وقيل: مقدار ما يأتي بالشهادتين والأول هو الأصح، علق التمام يعني قراءة التشهد بدون القعدة لا يكون محسوبا بالإجماع فيكون التمام معلقا بالفعل ولأنه ثبت باتفاق الأخبار أنه ﵇ ما سلم إلا بعد القعدة والأمر بالصلاة مجمل فيكون فعله بيانا كذا في الأسرار. فإن قيل: لو كان الفعل فرضًا بقوله: «إذا قلت هذا»، فما فائدة قوله: «أو فعلت»؟ قال الكردري: تثبت فرضيتها بقوله: «إذا قلت»، وفرضية القعدة بانفراده بقوله: «أو فعلت».

стр. 581

(مِقْدَارَ التَّشَهُدِ) لِقَوْلِهِ ﵊ لِابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، حِينَ عَلَّمَهُ التَّشَهَّدَ: إِذَا قُلْت هَذَا أَوْ فَعَلْت هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ عَلَّقَ التَّمَامَ بِالفِعْلِ قَرَأَ أَوْ لَمْ يَقْرَأ. قَالَ: (وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ سُنَّةٌ) أَطْلَقَ اسْمَ السُّنَّةِ، وَفِيهَا وَاجِبَاتٌ فإن قيل: تثبت الفرضية بالكتاب، أو المتواتر، ولم يوجد كلاهما. قلنا: لابد من الخروج عن الصلاة، وهو يثبت بخبر متواتر، فكان هذا بيانًا من الشرع، كذا في كشف الأسرار. وفي الكافي، والخبازية: ذكر في القرآن: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] ولم يعلم تمامها في أي وقت، فالحديث بين تمامها بالقاعدة. وفي البدرية، والمستصفى: أن الفرضية لا تثبت ابتداءً بخبر الواحد، أما البيان به فيصح، كما في مسح الرأس، ولأنا نجعل القعدة شرط صحة التسليم الذي هو تحليل لا ركن لا تتم الصلاة بدونها، والثابت بالكتاب الصلاة والفروض تثبت بالسنة، فكذا شروطها تثبت بها (١). وحقيقة هذا الكلام أن القعدة فرض عملًا لا اعتقادًا، وبخبر الواحد يثبت هذا الفرض؛ كالوتر عند أبي حنيفة؛ لأنه في درجة الواجب، ولهذا لا يكفر منكر فرضيتها كمالك (٢)، وأبي بكر الأصم، والزهري؛ لما عرف في الأصول فإنها عندهم سنة إلا مقدار إيقاع السلام، ولأن الإتيان بالسلام واجب، ومحله القعدة فيراد القعود لغيره فيتقدر به كذا في شرح الجمع. وذكر في المنظومة: القعدة الأخيرة ليست بفرض عند مالك مطلقًا. قوله: (وما سوى ذلك)، وفي الْمُجْتَبَى: يحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى الفرائض المذكورة، وإليه ذهب أكثر الشارحين، ويحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى قدر التشهد فيكون إخبارًا عن القعود الذي يصلي فيه على النبي ﷺ ويدعو ويسلم، وهو الأشبه؛ لأن الفقهاء جعلوا أفعال الصلاة أقسامًا واجبات، وسننا، و آدابا (٣).

стр. 582

كَقِرَاءَةِ الفَاتِحَةِ وَضَمِّ السُّورَةِ إِلَيْهَا وَمُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ فِيمَا شُرِعَ مُكَرَّرًا مِنْ الأَفْعَالِ، فإنه ذكر في مبسوط شيخ الإسلام، والتحفة للصلاة واجبات، وسنن، وآداب، فالواجبات ثمانية، وهي مذكورة في الكتاب والسنن: وهو ما فعله النبي ﵇ على المواظبة ولم يتركها إلا بعذر؛ كالثناء، والتعوذ، وتكبيرات الركوع والسجود، والآداب ما فعله النبي ﵇ مرةً، أو مرتين؛ كزيادة التسبيحات فيهما، والزيادة على القراءة المسنونة (١). إنما لم يذكر المصنف قراءة التشهد في القعدة الأولى من الواجبات وهي منها، ذكره في المبسوطين (٢). ولم يذكر تعديل الأركان أنه واجب عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأنه ما التزم ذكر جميع الواجبات، بل أرى عددًا من نظائرها بقوله: (كقراءة الفاتحة) إلى آخره. ولأنه ذكر أن قراءة التشهد في القعدة الأولى سنة، وفي عامة النسخ: (والأصح أنها واجبة)، فجاز أن يقع اختياره على أنها سنة، وهو اختيار صاحب التحفة (٣). وكذا في تعديل الأركان اختلاف، فعند الكرخي واجب، وعند الجرجاني سنة، فعلى هذا يجوز إن ترك ذكرهما الاختلاف. (فيما شرع مكررًا)، أي في ركعة واحدة كالسجدة؛ فإن الترتيب بين السجدتين واجب أي التوالي بينهما، حتى لو قام إلى الثانية بعد السجدة الأولى

стр. 583

وَالقَعْدَةِ الأُولَى، وَقِرَاءَةِ التَّشَهُدِ فِي القَعْدَةِ الأَخِيرَةِ، وَالقُنُوتِ فِي الوِتْرِ، وَتَكْبِيرَاتِ العِيدَيْنِ، وَالجَهْرِ فِيمَا يُجْهَرُ، فِيهِ وَالمُخَافَتَةِ فِيمَا يُخَافَتُ فِيهِ، وَلِهَذَا تَجِبُ عَلَيْهِ سَجْدَنَا السَّهْوِ بِتَرْكِهَا، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، قبل الثانية يكون القيام معتدا به؛ لأنه لم يترك إلا الواجب، ويقضي السجدة الثانية في الركعة الثانية، أما لو لم يقض أصلا تفسد صلاته، كذا في الكافي (١). وفي الخبازية: الترتيب فرض فيما اتحدت شرعيته في كل ركعة؛ كالقيام، والركوع، أو اتحدت شرعيته في جميع الصلاة؛ كالقعدة، حتى لو قعد قدر التشهد ثم عاد إلى السجدة الصلبية أو تذكر في الركوع أنه لم يقرأ السورة يرتفض ما أدى قبله من الركوع والقعدة. والترتيب ليس بفرض فيما تعددت شرعيته فيه، أو في كل ركعة، حتى لو تذكر في ركوع الركعة الثانية أنه ترك السجدة من الركعة الأولى فانحط من ركوعه فسجدها لا يلزم عليه إعادة الركوع، وكذا الترتيب فيما بين الركعات ليس بفرض حتى. قلنا: المسبوق يقضي أول صلاته، وإنما كان كذلك لأن ما اتحدت يراعى وجوده صورة ومعنى في محله تحرزا عن تفويت ما تعلق به جزءًا أو كلا؛ إذ لا يمكن استيفاء ما تعلق به جزءًا أو كلا من جنسه ضرورة اتخاذه في شرعيته، والأفراد في الشرعية دليل توقف ذلك عليه. (هذا)، أي وجوب سجدة السهو، أو كونها واجبات هو الصحيح، وهو احتراز عن جواب القياس في تكبيرات العيد، وقنوت الوتر فإن فيهما القياس والاستحسان، لكن الصحيح جوابه. في المبسوط: يترك التشهد في القعدة الأولى، وتكبيرات العيد، والوتر ساهيًا لا يسجد للسهو في القياس؛ لأن هذه الأذكار سُنة فبتركها لا يجب السهو؛ لعدم تمكن كثير نقصان في الصلاة، كما في ترك الثناء، والتعوذ، وسجود السهو، عرف بفعل النبي صلى عليه وسلم، وما نقل ذلك إلا في

стр. 584

وَتَسْمِيَتُهَا سُنَّةٌ فِي الكِتَابِ لِمَا أَنَّهُ ثَبَتَ وُجُوبُهَا بِالسُّنَّةِ. قَالَ: (وَإِذَا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ) لِمَا تَلَوْنَا، وَقَالَ ﵊: الأفعال (١). وفي الاستحسان: يسجد للسهو؛ لأن هذه السنة تضاف إلى جميع الصلاة، يقال: تكبيرات العيد، وقنوت الوتر، وتشهد الصلاة، فبتركها يتمكن النقصان في الصلاة، فأما ثناء الاستفتاح فغير مضاف إلى الصلاة، فبتركه لا يتمكن النقصان فيها. وفي الخبازية: قوله (وهو الصحيح) احتراز عما قال البعض أن يترك الجهر أو المخافتة فيما يجهر ويخافت لا يجب السهو؛ لأنهما ليستا بمقصودين، فكانا كالقومة بين الركوع والسجود. وقلنا: نعلق بالجهر الاستماع وهو مقصود، وبالمخافتة دفع إيذاء الكفرة، قال تعالى حاكيًا عنهم: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ [فصلت: ٢٦]، وإذا تعلق معنى مقصود بهما صارا مقصودين بنفسيهما فيتعلق بتركهما سجود السهو. (ثبت وجوبها)، أي وجوب هذه الأشياء بالسُّنَّة، وفي البدرية: هذا إطلاق اسم السبب على المسبب. قوله: (وإذا شرع)، أي أراد الشروع؛ لأنه يصير شارعًا بعد التكبير فيكون حقيقة غير مراد، ولهذا صرح محمد في المبسوط بقوله: وإذا أراد الدخول في الصلاة كبر، وهذا من قبيل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨]، أي: أردت قراءته، فيكون إطلاق الاسم الملزوم على اللازم (٢)، وقد مرَّ بيان كون التكبير تحريما. ثم الشروع فيها فرضها ونفلها لا يصح بدون تكبيرة الافتتاح عند عامة العلماء إلا في الأخرس والأمّي حيث يصير شارعًا فيها بدون التكبير، بالنية، ولا يجب عليهما تحريك اللسان عندنا (٣)، وأحمد (٤)، وعند الشافعية يجب

стр. 585

«تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ» وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀، حَتَّى إِنَّ مَنْ تَحَرَّمَ لِلْفَرْضِ كَانَ لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ بِهَا التَّطَوُّعَ عِنْدَنَا. التحريك (١)، وقال الزهري، والأوزاعي، وأبو بكر الأصم وطائفة: يدخل فيها بالنية بلا تكبير؛ لأن مبنى الصلاة على الأفعال دون الأقوال والأذكار، ولهذا تجب الصلاة على العاجز عن الأقوال والقادر عليها دون العكس، وللعامة قوله ﵇: «تحريمها التكبير»، الحديث. (وهو)، أي: التكبير شرط عندنا (٢)، أي التكبير شرط، وذكر فخر الإسلام في مبسوطه، وجامعه أنه ركن (٣)، كما قال الشافعي (٤)، ومالك (٥)، وأحمد (٦) وغيرهم؛ لأنه من نفس الصلاة، ولا تتصور الصلاة بدونه، حتى أن من تحرم - وفي جامع الكردري: أدى - الصلاة بشرط واحد يجوز، وبركن واحد لا يجوز. فإن قيل: تعيين المسألة في بناء النفل على الفرض دون غيره من بناء الفرض على تحريمة الفرض، أو النفل على النفل، أو الفرض على النفل، يشير إلى أنه لا يجوز وكونها شرطًا يقتضي الجواز في الكل؛ لأن أداء الصلوات بشرط واحد يجوز، كما في الطهارة، ولبس الثوب. قلنا: ذكر في فتاوى الظهيرية: أما بناء الفرض على تكبيرة الفرض، قيل: لا يجوز، وقال أبو اليسر: يجوز. وفي الأسرار، وجامع فخر الإسلام: يجوز بناء النفل على النفل، ولا يجوز بناء الفرض على الفرض؛ لأن إحرام أحد الفرضين لا ينتظم الفرض الآخر. وأما بناء الفرض على النفل فما وجد فيه رواية، ولكن يجب أن لا يجوز

стр. 586

وَهُوَ يَقُولُ: بتعليل فخر الإسلام، وصدر الإسلام؛ فإنهما جوزا بناء المثل على المثل، وذلك لا يدل على جواز بناء الأقوى على الأضعف، وروي عن أبي اليسر أنه يجوز بناء الفرض على النفل (١). وأما الجواب عن قوله (كما في الطهارة ولبس الثوب) فيما قاله صاحب الأسرار: أن مع كونه شرطًا عقد على الأداء كعقد الإجارة على أداء عمل في مقابلة آخر، والعقد على الفرض يتضمن مطلق الصلاة فيجوز بناء النفل عليه، ومن حيث إنه عقد على الأداء كعقد الإجارة لا يكون عقدًا على فعل آخر، ولكن لما كان المبني أدنى حالا من المبني عليه عملنا بجهة الشرطية، وفي غيره بمعنى العقدية بخلاف الطهارة، ولبس الثوب فإنهما شرطان محضان. وفي الإيضاح: ثمرة الخلاف تظهر في جواز بناء النفل على تحريمة الفرض، فعندنا يجوز خلافًا له. وفي الْمُجْتَبى: فائدته تظهر في جواز بناء النفل والسنة على الفرض. وفي النظم (٢): يجوز أداء صلوات كثيرة بتكبيرة واحدة عندنا خلافًا له، حتى لو بنى على الظهر ركعتيه، أو العصر، أو فائتته، أو على النفل نفل آخر أجزأه، وقال أبو الفضل (٣): لا يجوز بناء الفرض على الفرض، ولا الفرض على النفل دون عكسه؛ كالاقتداء (٤). ويظهر أيضًا فيما إذا كبر وفي يده نجاسة فألقاها عند فراغه منها، أو مكشوف العورة يسترها عند الفراغ منها بعمل يسير، أو شرع في التكبير قبل الزوال، ثم زال عند الفراغ منها لا تفسد صلاته عندنا. (هو يقول)، أي الشافعي، في الإيضاح: قال الشافعي هذا شروع منه فيها، والشروع عبارة عن أول جزء فكان ركنا كالجزء الثاني.

стр. 587

إِنَّهُ يُشْتَرَطُ لَهَا مَا يُشْتَرَطُ لِسَائِرِ الأَرْكَانِ وَهَذَا آيَةُ الرُّكْنِيَّةِ. وَلَنَا: أَنَّهُ عَطَفَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] وَمُقْتَضَاهُ المُغَايَرَةُ، وَلِهَذَا لَا يَتَكَرَّرُ كَتَكَوُّرِ الأَرْكَانِ، وَمُرَاعَاةُ الشَّرَائِطِ (ولهذا يشترط لها)، أي: للتحريمة ما يشترط لسائر الأركان من الطهارة، واستقبال القبلة، وستر العورة. (وهذا)، أي: اشتراط ما يشترط لسائر الأركان علامة الركنية، يؤيده قوله ﵇: «إِنَّ صَلاتَنا هذه لا يَسَعُ (١) فيها شيءٌ من كلام الناس، وإنّما هي التكبير، والتسبيح، وقراءة القرآن» (٢). (ولنا أنه)، أي: الله تعالى، أو الشارع. (عطف الصلاة عليه)، أي على التكبير في النص، وهو قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى … وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ، فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥]، عطف الصلاة بحرف الفاء على الذِّكْرِ، والذكر الذي تعقبه الصلاة بلا فصل ليس إلا التحريمة بالاتفاق، فيقتضي هذا النص أن يكون التكبير خارج الصلاة؛ إذ التكبير لا يجب مرتين بالإجماع، فتكون الصلاة المعطوفة خالية عنه. وهو معنى قوله (ومقتضاه)، أي: ومقتضى العطف (المغايرة) على سبيل التعقيب. وفي الكافي: العطف يوجب المغايرة، والجزء لا يغاير الكل عند أهل السنة والجماعة؛ كالواحد من العشرة وعطف الكل على الجزء لا يجوز كما يقال: رأيت زيداً ورأسه ولا يجوز عطف الجزء على الكل أيضاً لعدم المغايرة بينهما والعطف يقتضي المغايرة وفيه تأمل. وأما قوله أنه شروع في الأداء غير مسلم بل هو عقد على الأداء كما بينا والأداء يكون بعده ولئن كان شروعاً فلا يلزم أن يكون ركنا إذ الأداء بعده وأما الحديث فليس بمجرئ على ظاهر فإن التسبيح ليس بركن الإجماع مع أنه قال: شرع لكذا، وهذا لا يدل

стр. 588

لِمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ القِيَامِ (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ، وَهُوَ سُنَّةٌ) «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَاظَبَ على الركنية، وأما القراءة فإنما هي ركن بنص آخر. وقوله: ومراعاة الشرائط جواب عما قال الشافعي يشترط للتكبير ما يشترط لسائر الأركان يعني مراعاتها لأجل القيام الذي يتصل بالتكبير لأجله عملاً بموجب الفاء في النص فلو لم يشترط فيه ما يشترط في الصلاة يؤدي ذلك إلى الفصل بينه وبينها وهذا كعبد اشتراه الهاشمي يأخذ حكم مولاه في حرمان الزكاة لاتصاله به لا لذاته، كذا في الخبازية مع أن هذا منقوض بالنية فإنها شرط بالإجماع ويشترط لها ما يشترط لسائر الأركان. قوله: (ويرفع يديه): يجعل باطن كفيه نحو القبلة، ولا يفرج كل التفريج. وفي المبسوط: لا يتكلف بتفريق الأصابع عند الرفع، والذي روي أنه ﵇ "كبر ناشراً أصابعه "؛ معناه: ناشراً من طيها؛ بأن لم يجعلها مَثْنِيًّا بضم الأصابع إلى الكف (١). وفي مبسوط شيخ الإسلام وظن البعض أنه المراد بالنشر التفريج، وهو غلط؛ بل أراد به النشر على الطَّيّ؛ يعني: يرفعهما مبسوطتين لا مضمومتين حتى يكون الأصابع مع الكف مستقبل القبلة (٢). وفي جمل النوازل استقبال القبلة بالكفين ونشر الأصابع فيه سنة، كذا روي عن النبي ﵇، وإخراج اليدين عن الكمين سنة إزالة للتكبير (٣). (وهو)؛ أي: رفع اليدين. (سنة)؛ لأنه ﵇ علم الأعرابي الصلاة، وبين الأركان والواجبات، ولم يذكر رفع اليدين، لكن واظب عليه، فيكون سنة. كذا في المبسوط (٤). ولهذا لو كبر ولم يرفع يديه حتى فرغ من التكبير؛ لم يأت به؛ لكونه سنة فات محلها، ولو ذكره في أثناء التكبير رفع، وإن رفعهما قدر ما أمكن رفعهما

стр. 589

عَلَيْهِ»، وَهَذَا اللَّفْظُ يُشِيرُ إِلَى اشْتِرَاطِ المُقَارَنَةِ، وَهُوَ المَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَالمَحْكِيُّ عَنِ الطَّحَاوِي (*)، وَالأَصَحُ أَنَّهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ أَوَّلًا ثُمَّ يُكَبِّرُ، لِأَنَّ فِعْلَهُ نَفْيُ ولم يمكنه إلا بالزيادة على المسنون رفعهما؛ لأنه أتى به وزيادة. وبالكل: قال الشافعي (١)، وأحمد (٢). (وهذا اللفظ)؛ أي: قوله: مع التكبير. يشير إلى اشتراط المقارنة؛ لأن كلمة (مع) للمقارنة. (وهو المروي عن أبي يوسف، والمحكي عن الطحاوي): وهو اختيار شيخ الإسلام خواهر زاده، وقاضي خان (٣)، وصاحب التحفة، وبه قال أحمد (٤)، ومالك في المشهور منه (٥)؛ لأن الرفع شرع لزيادة الإعلام، فيكون تبعاً للتكبير، كالجهر به، وإذا كان كذلك؛ يجب أن يكون مقارنا لتكبير الركوع والسجود والقيام، فإن من سنتها المقارنة. (والأصح أنه)؛ أي: المصلي يرفع [يديه] أولاً. وفي المبسوط: وعليه عامة المشايخ؛ لأن في قوله وفعله معنى النفي والإثبات؛ إذ برفع اليدين ينفي الكبرياء عن غير الله، وبالتكبير يثبته الله تعالى، فيكون النفي مقدماً عليه، كما في كلمة الشهادة (٦)، إلا أن أبا يوسف يقول: يثبت التقدم فيها ضرورة التكلم، ولا ضرورة هاهنا. والأولى أن لا يخلو فعل من أفعال الصلاة عن الذكر، فعلى [هذا] (٧) قيل: ينبغي أن يكون ابتداء التكبير مع ابتداء الرفع، وانتهاؤه مع انتهاء إرسال اليدين؛ حتى لا يخلو شيء منها عن الذكر.

стр. 590

الكِبْرِيَاءِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، وَالنَّفْيُ مُقَدَّمٌ عَلَى الإِثْبَاتِ (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِإِبْهَا مَيْهِ وذكر البقالي في صلاته: هذا قول علمائنا جميعاً، ولم يذكر الخلاف (١)، وهو قول بعض أصحاب الشافعي، وهو رواية ابن حجر عن النبي ﵇. وفي الحلية: وهو الأصح (٢). وقال بعض أصحابه: يرفع اليدين ثم يبتدئ التكبير مع ابتداء الإرسال، ويتم التكبير مع تمام الإرسال، وهو رواية أبي حميد الساعدي عنه ﵇. وقال بعضهم: يرفعهما ثم يكبر، ثم يرسلهما بعد ذلك، وهو رواية ابن عمر عنه ﵇، وعليه يدل ظاهر كلام الشافعي في الأم. كذا في تتمتهم (٣). (له)؛ أي: للشافعي (٤)، وبه قال مالك (٥)، ما روي أن أبا حميد الساعدي أنه كان في عشرة من الصحابة فقال: أنا أشبهكم صلاة بصلاة النبي ﵇، فقام، وصلى، فلما أراد أن يكبر رفع يديه حذو منكبه، فلما فرغ قالوا له: صدقت (٦). والأولى أن يجمع بين الجميع، فيرفع اليد بحيث يكون الكف حذاء المنكبين، ورأس الإبهام حذاء شحمة الأذنين، وأطراف الأصابع حذاء فروع الأذنين. وما روي أنه ﵇ «رفع إلى فروع أذنيه» (٧)؛ محمول عليها، وما روي عنه ﵇ «رفع إلى شحمة أذنيه» (٨)؛ محمول على الإبهام، وما روي

стр. 591

شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀: يَرْفَعُ إِلَى مَنْكِبَيْهِ، وَعَلَى هَذَا تَكْبِيرَةُ القُنُوتِ «حَذْوَ منكبيه» (١) على الكفين. كذا في تتمتهم (٢). وفي المبسوط (٣): السنة أن يرفع يديه حتى يحاذي بإبهاميه شحمتي أذنيه، وأصابعه فروع أذنيه، وهو قول أبي موسى الأشعري، وقول الشافعي مذهب ابن عمر. ولنا: حديث وائل، والأخذ بما قلنا أولى. وتأويل حديثهم: أنه كان عند العذر في زمان البرد حين كانت أيديهم تحت ثيابهم، وكان طاووس يرفع يديه فوق رأسه ولا يأخذ به؛ لأنه ﵇ رأى رجلاً يصلي قد شخص ببصره نحو السماء، ورفع يديه فوق رأسه فقال: غض بصرك؛ فإنك لن تراه، وكف يديك؛ فإنك لن تناله. وفي الْمُجْتَبى: وحديث حميد محمول على الأكف أو حال العذر (٤)، وهذا يشير إلى أن الأولى الجميع كما ذكر في تتمتهم. وعند أحمد: مخير بين الرفع إلى الأذنين والمنكب؛ لصحة الحديث فيهما. وعنده: يضم الأصابع بعضها إلى بعض مع المد (٥). وعند الشافعي: ينشر فيها لإعلام الأصم (٦). فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن لا يرفع المنفرد والمقتدي لعدم رؤية الأصم. قلنا: الأصل الصلاة بالجماعة؛ لأنها أداء كامل، والصلاة منفرداً خلاف الأصل، فلا يعتبر، مع أن حكمة الحكم يراعى في الجنس لا في كل فرد، كالسفر مع المشقة وأمثاله، وفي رفع يد المقتدي فائدة أيضاً؛ لاحتمال أن الأصم بعيد من الإمام، فلا يرى رفع يديه، ويرى رفع يد المقتدي، فيستدل

стр. 592

وَالأَعْيَادِ وَالجِنَازَةِ، لَهُ: حَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِي ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى مَنْكِبَيْهِ» وَلَنَا: رِوَايَةُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ وَالبَرَاءِ وَأَنَسِ ﵃ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ» وَلِأَنَّ رَفْعَ اليَدِ لِإِعْلَامِ الأَصَمِّ وَهُوَ بِمَا قُلْنَاهُ، وَمَا رَوَاهُ يُحْمَلُ عَلَى حَالَةِ العُذْرِ وَالمَرْأَةُ تَرْفَعُ يَدَيْهَا حِذَاءَ مَنْكِبَيْهَا وَهُوَ الصَّحِيحُ، برفع يديه على رفع يد الإمام، كما في صلاة العيد. كذا في الكاثي (١). (ترفع إلى منكبيها): وفي المجتبي: إلى منكبيها حذو ثدييها (٢). وعن أحمد في رواية: ترفع دون رفع الرجل. وفي أخرى: لا ترفع (٣). وقوله: (هو الصحيح)؛ احتراز عن رواية الحسن عن أبي حنيفة: أنها ترفع حذاء أذنيها؛ لأن رفع يديها بالكف، وكفها ليست بعورة، فكانت كالرجل، بخلاف سائر الأفعال؛ فإنها تفعل فيها على أستر ما يكون لها. وروى محمد بن مقاتل عن أصحابنا: أنها ترفع إلى المنكبين؛ لأن ذلك أستر لها. وفي المحيط: الأمي والأخرس لو افتتحا بالنية جاز؛ لأنهما أتيا بأقصى ما في وسعهما (٤). ولا يصح الافتتاح إلا في حالة القيام، حتى لو كبر قاعداً ثم قام لا يصير شارعًا؛ لأن القيام فرض حالة الافتتاح كما بعده. ولو جاء إلى الإمام فحنى ثم كبر، فإن كان إلى القيام أقرب يصح، وإلا فلا، ولو كبر قبل إمامه لا تجوز صلاته. ولو مد الإمام التكبير ففرغ المقتدي قبله؛ جاز على قياس قولهما.

стр. 593

لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا (فَإِنْ قَالَ بَدَلَ التَّكْبِيرِ اللَّهُ أَجَلُّ أَوْ أَعْظَمُ، أَوْ الرَّحْمَنُ أَكْبَرُ أَوْ لَا إِلَهَ … إِلَّا اللَّهُ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَجْزَأَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِنْ كَانَ يُحْسِنُ التَّكْبِيرَ لَمْ يُجْزِتُهُ إِلَّا قَوْلُهُ: اللَّهُ أَكْبَرُ أَوْ اللَّهُ الْأَكْبَرُ أَوْ اللَّهُ وعلى قياس أبي يوسف: لا يجزيه (١). ولو كبر قبل الإمام ولم يعلم أنه كبر قبله؛ يجزيه على قياس قولهما. وفي فتاوى الصغرى: ولو وقع تكبيره قبل تكبير الإمام؛ لا يصير شارعاً في صلاة الإمام، وهل يصير شارعاً في صلاة نفسه، فيه روايتان، والاعتماد أنه لا يصير شارعاً (٢). قوله: (بدل التكبير): وفي البدرية: فيه إشارة إلى أن الأصل هو التكبير (٣). قال مالك (٤)، وأحمد (٥): لا يجزئه إلا قول الله أكبر؛ لقوله ﵇: «لا يقبلُ الله صلاة امرئ حتّى يضع الظهور مواضِعَهُ، فيغسل وجهَهُ ثم يَدَيْهِ، ثم يمسح رأسَهُ، ثم يغسلُ رِجلَيْهِ» (٦)، ثم يقول: الله أكبر، ونفي القبول يدل على انتفاء الجواز. ولأنه المنقول من النبي ﵇ والصحابة والتابعين، والأصل فيه التوقيف. وقال الشافعي (٧): لا يجزئه إلا قوله: (الله أكبر)، ودليله ما ذكره مالك،

стр. 594

الكَبِيرُ) (*) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِالأَوَّلَيْنِ. وَقَالَ مَالِكَ ﵀: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِالأَوَّلِ، لِأَنَّهُ هُوَ المَنْقُولُ وَالْأَصْلُ فِيهِ التَّوْقِيفُ. وَالشَّافِعِيُّ ﵀ يَقُولُ: إِدْخَالُ الأَلِفِ وَاللَّامِ فِيهِ أَبْلَغُ فِي الثَّنَاءِ فَقَامَ مَقَامَهُ. إلا أن قوله: (الله الأكبر)؛ أبلغ من قوله: (الله أكبر)، وهذا معنى قوله: (إدخال الألف واللام أبلغ). وعند أبي يوسف: يجزئه ثلاثة ألفاظ: (الله أكبر، الله الأكبر، الله الكبير). كذا ذكره شيخ الإسلام، وفخر الإسلام (١). وذكر السَّرَخْسِي أربعة ألفاظ (٢). وعن أبي يوسف: لو قال: (أكبر الله) يصير شارعًا، وهو أحد قولي الشافعي (٣). وعنه: لو قال: (الله الكبار) يصير شارعًا؛ لأن الكبار لغة في الكبير، وعندهما: يصير شارعًا. ولكن اختلف في الكراهة، فقيل: لا يكره، وقيل: يكره، وهو الأصح. كذا في المحيط (٤). وعند أبي حنيفة ومحمد: يجوز الشروع بكل اسم من أسمائه تعالى، كقوله: (الرحمن أكبر، والحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله). ثم اختلف المشايخ، أن الشروع عندهما بالأسماء الخاصة، أو بها وبالمشتركة، كالرحيم والكريم، والأظهر والأصح أنه بكل اسم من أسمائه. كذا ذكره الكرخي، وأفتى به المرغيناني (٥). وعن الحسن عن أبي حنيفة: ولو قال: (الله) ولم يزد عليه شيئا؛ يصير

стр. 595

وَأَبُو يُوسُفَ ﵀ يَقُولُ: إِنَّ أَفْعَلَ وَفَعِيلًا فِي صِفَاتِهِ تَعَالَى سَوَاءٌ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ لَا يُحْسِنُ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ إِلَّا عَلَى المَعْنَى. شارعًا، وهكذا كل اسم من أسمائه التسعة والتسعين، وهو أحد قولي محمد؛ لاشتمال الاسم على التعظيم وهو المقصود (١). واختلفت روايات المشايخ في كراهة الشروع بغير اللفظ المجمع عليه، وهو قوله: (الله أكبر): ذكر القدوري: أنه يكره؛ لأنه ﵇ واظب عليه، وأقل أحواله الدلالة على الأفضلية. وعن الفقيه أبي جعفر: لا يكره، ولكنه ترك الأفضلية. كذا في الْمُجْتَبى (٢). وفي المحيط: والأصح: أنه لا يكره؛ لما روي عن مجاهد أنه قال: كان الأنبياء ﵈ يفتتحون الصلاة بلا إله إلا الله (٣)، ونبينا ﵇ من جملتهم. وفي المبسوط: ولو قال: (الله) ولم يزد عليه؛ لا يصير شارعاً عند أبي يوسف ومحمد؛ لأن تمام التعظيم بذكر الاسم والصفة (٤). وفي شرح المجمع: لا بد من ذكر الخبر؛ لأن الحكم بشيء على شيء إنما يتم بالخبر، والتعظيم حكم على المعظم، فلا بد من لفظ يدل عليه (٥). وفائدة الخلاف: تظهر في حائض طهرت في آخر الوقت، فإن اتسع للاسم فقط؛ يجب الصلاة عليها عنده، خلافاً لأبي يوسف ومحمد (٦). (في صفات الله سواء)؛ لأنه لا يراد (بأكبر) إثبات الزيادة في صفات الله تعالى؛ لأنه لا يساويه أحد في أصل الكبرياء، كما يكون في أوصاف

стр. 596

وَلَهُمَا: أَنَّ التَّكْبِيرَ هُوَ التَّعْظِيمُ لُغَةٌ وَهُوَ حَاصِلٌ (فَإِنِ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ بِالفَارِسِيَّةِ، العباد، فكان أفعل بمعنى فعيل بهذه الدلالة. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (١). ولكن ذكر في المغرب: (الله أكبر)؛ أي: أكبر من كل شيء، وتفسيرهم إياه بالكبير ضعيف (٢). (ولهما: أن التكبير هو التعظيم لغة): قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف: ٣١]؛ أي: عظمنه، ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣]؛ أي: فعظم، والتعظيم يحصل بقوله: (الله أعظم)، فيكون أُتي بالتكبير حقيقة. ولأن قوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] علق الصلاة بمطلق ذكر اسم الله تعالى؛ فإن الفاء للتعليق، فمن زاد قيد التكبير؛ فقد نسخه بخبر الواحد، وهو قوله ﵇: «تحريمها التكبير» (٣). كذا ذكره شيخ الإسلام، وصاحب المحيط (٤). وفي الأسرار، والفوائد الظهيرية: عِظَمُ الله تعالى ينبئ على القدم والقهر والقدرة، وكل صفة محمودة، وكذا التكبير والكبرياء. فإن قيل: قوله ﵇: «لا يقبلُ اللهُ تعالى صلاة امرئ حتى يضع الطّهور مواضِعَهُ … » الحديث (٥)، يقتضي أن لا يجوز لغيره؛ لأنه يصير بياناً لقوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣]. قلنا: عين المروي غير مراد بالإجماع، فعلم أن المراد هو أو ما يؤدي معناه، مع أن المطلق لا يحتاج إلى البيان، ولكن لا يلزم هذا على مالك. وقيل: نفي القبول يدل على نفي الأفضلية لا الجواز؛ لعدم استلزام عدم

стр. 597

أَوْ قَرَأَ فِيهَا بِالفَارِسِيَّةِ، أَوْ ذَبَحَ وَسَمَّى بِالفَارِسِيَّةِ، وَهُوَ يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ، أَجْزَأَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا فِي الذَّبِيحَةِ (*) وَإِنْ لَمْ يُحْسِنِ العَرَبِيَّةَ أَجْزَاهُ) أَمَّا الكَلَامُ فِي الافْتِتَاحِ، فَمُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي العَرَبِيَّةِ … القبول عدم الجواز، مع أن فيه ضعف؛ قال يحيى بن معين: راويه عقيل، وهو ضعيف في كل أمره. قوله: (إلا في الذبيحة)؛ يعني: لو سمى عند الذبح بالفارسية أولى عند الإحرام بها، أو من بها، أو بأي لسان كان؛ يجوز بالإجماع، سواء كان يحسن العربية أو لا. كذا في شرح الطحاوي، والمبسوط (١). وزاد التمرتاشي على هذه الشهادة: عند الحكام واللعان والعقود؛ يصح بالإجماع (٢). وكذا لو حلف لا يدعو فلانا فدعاه بالفارسية يحنث. وحاصل الخلاف: أن عنده يجوز ولكن يكره، وبه قال زفر. وعندهما: لا يجوز إلا عند العجز عن العربية، وهو رواية عن أبي حنيفة، وبه قال الشافعي (٣)، ومالك (٤)، وأحمد (٥). وقال المحبوبي: الخلاف فيمن لا يتهم بشيء، وقد قرأ في الصلاة كلمة بالفارسية أو أكثر منها، أما لو اعتاد قراءة القرآن أو كتابة المصحف بها؛ يمنع أشد المنع، حتى قال الفضلي: من تعمد ذلك يكون زنديقاً أو مجنوناً، والمجنون يداوى، والزنديق يقتل (٦). (مع أبي حنيفة): حتى قال: الله أجل أو الأعظم يجوز.

стр. 598

وَمَعَ أَبِي يُوسُفَ فِي الفَارِسِيَّةِ، لِأَنَّ لُغَةَ العَرَبِ لَهَا مِنْ المَزِيَّةِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهَا. وَأَمَّا الكَلَامُ فِي القِرَاءَةِ، فَوَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ القُرْآنَ اسْمٌ لِمَنْظُومٍ عَرَبِيٌّ كَمَا نَطَقَ بِهِ النَّصُّ، إِلَّا أَنَّ عِنْدَ العَجْزِ يُكْتَفَى بِالمَعْنَى كَالإِيمَاءِ، بِخِلَافِ التَّسْمِيَةِ، لِأَنَّ الذِّكْرَ (ومع أبي يوسف في الفارسية): حتى قال: لا يجوز القراءة والافتتاح بها. قوله: (ما ليس لغيرها)؛ وذلك لأنه ﵇ قال: «أنا عربي والقرآن عربي ولسان أهل الجنة عربي» (١)، ذكره في معرض الأثرة والتفضيل على سائر الألسنة. كذا في الفوائد الظهيرية (٢). (نطق به النص): قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]، وقال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]، ولأنه مأمور بقراءة القرآن، وهو اسم للنظم والمعنى بالاتفاق، وإنه - أي: القرآن - ﴿لَفِى زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [الأعلى: ١٨] ولم يكن لفظ العربي فيها، فتعين المعنى. وقيل: ﴿مِنَ﴾ في قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] للتبعيض، والمعنى: بعضه فيجوز، ولكن الصحيح أن (من) فيه للبيان. وروي أن أهل فارس وهو قلعة كتبوا إلى سلمان أن يكتب لهم الفاتحة بالفارسية، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم بنان يزدان يحشاوند يحشا ونذكر، فكانوا يقرؤون ذلك في الصلاة حتى لانت ألسنتهم، وبعد ما كتب عرض على النبي ﵇ ثم بعثه، ولم ينكر عليه النبي ﵇. كذا في المبسوط (٣)، ولهذا يجوز به عند العجز. في المحيط: فلو لم يكن قرآنا لما جاز كإنشاد الشعر. وفي المستصفى: القرآن اسم للنظم والمعنى (٤)، إلا أن أبا حنيفة لم يجعل

стр. 599

يَحْصُلُ بِكُلِّ لِسَانٍ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ لَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦)﴾ [الشعراء: ١٩٦] وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا بِهَذِهِ اللُّغَةِ، وَلِهَذَا يَجُوزُ عِنْدَ العَجْزِ، إِلَّا أَنَّهُ يَصِيرُ مُسِيئًا لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ المُتَوَارَثَةَ، وَيَجُوزُ بِأَيِّ لِسَانٍ كَانَ سِوَى الفَارِسِيَّةِ، هُوَ الصَّحِيحُ لِمَا النظم ركنا لازمًا في حق جواز الصلاة خاصة كما عرف في الأصول، وجعل المعنى ركنا لازمًا، والقرآن اسم لكلام قائم بذات الله تعالى، ليس من جنس الحروف والأصوات حقيقة، ولا يمكن قراءته، فيكون مأموراً بقراءة ما يدل عليه، والعربي يسمى قرآنا، وتجوز الصلاة لتأدي ما هو القرآن به حقيقة، والفارسية كذلك، فيثبت الحكم فيه دلالة، وفيه تأمل. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْتَهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] لا يوجب اختصاص القرآن بهذه اللغة؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [الرعد: ٣٧]، وهذا لا يوجب اختصاص الحكم بلغة العرب، وتمام هذا البحث يعرف في الأصول. (السنة المتوارثة)؛ وهي القراءة بلسان العرب. (بأي لسان كان)؛ أي: يجوز بلسان آخر. (سوى الفارسية) وبها يجوز أيضاً؛ لأنه من قبل هذا أن بها يجوز، فقال بعد هذا: (بأي لسان كان سوى الفارسية)؛ يعني: يجوز بالفارسية وبأي لسان آخر. وقوله: (هو الصحيح)؛ احتراز عن قول أبي سعيد البردعي؛ فإنه قال: إنما جوز أبو حنيفة بها دون غيرها؛ لقرب الفارسية بالعربية، ولاختصاص أهل الجنة بهما على ما جاء في الخبر: لسان أهل الجنة العربي والفارسي الدري (١)، أي: الفصيح (٢).

стр. 600

تَلَوْنَا، وَالمَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ اللُّغَاتِ، وَالخِلافُ فِي الاعْتِدَادِ، وَلَا خِلَافَ قال ظهير الدين المرغيناني: الدرية الفصيحة نسبت إلى در (١). وقال الكرخي: والصحيح النقل إلى أي لغة كانت كذا في جامع المحبوبي، والتمرتاشي (٢). وفي فتاوى الظهيرية: قال بعض المشايخ: إنما يجوز بالمعنى إذا كان على نظم القرآن، كما لو قرأ (تنكا) مكان (ضنكا وسراؤة) (٣). وقيل: يجوز كيف ما كان. وقيل: إنما يجوز إذا كان ثناء، مثل سورة الإخلاص، أما القصص فلا يجوز، والأصح: أنه يجوز في الكل. ولو قرأ التوراة والإنجيل والزبور؛ لا يجوز، سواء كان عاجزا عن العربية أو لا. وقيل: إن كان معناه معنى القرآن؛ يجوز عنده، وإن كان معنى التسبيح لا يجوز، ولكن لا تفسد صلاته، وإن كان لا يدري معناه تفسد؛ لأنه لا يؤمن من أن يكون من المُحرَّف. (والخلاف في الاعتداد)؛ أي: في أنه هل يقع محسوبًا عن فرض القراءة أم لا. قال أبو اليسر: والجواز عند العجز بالفارسية نص على أن القراءة بها لا تفسد الصلاة، إنما الشأن في جوازها بها. كذا في جامع قاضي خان. أما لو قرأ على سبيل التفسير تفسد بالإجماع؛ لأنه غير مقطوع به، ولا يمكن رعايته. كذا في المبسوط (٤)، وغيره. وعند الشافعي: تفسد بالقراءة بالفارسية (٥)، وبه قال مالك (٦) وأحمد (٧) عند
следующие страницы →