← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

وَالمُهَايَأَةُ تَلْزَمُهُ فِيمَا لَمْ يَتَبَرَّعْ بِهِ وَهُوَ المَنْفَعَةُ، وَالهِبَةُ لَاقَتْ العَيْنَ، وَالوَصِيَّةُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا القَبْضُ، وَكَذَا البَيْعُ الصَّحِيحُ، وَأَمَّا البَيْعُ الفَاسِدُ وَالصَّرْفُ وَالسَّلَمُ فَالقَبْضُ فِيهَا غَيْرُ مَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهَا عُقُودُ ضَمَانٍ فَتُنَاسِبُ لُزُومَ مُؤْنَةِ القِسْمَةِ، وَالقَرْضُ وقوله: (والمهايأة)، إلى آخره جواب سؤال يرد على قولنا أنه يلزم في جواره مؤنة القسمة وهو لم يتبرع به، وهو أن يقال: ينبغي أن لا يجوز فيما لا يحتمل القسمة؛ لأنه يلزم المهايأة وهو لم يتبرع به. فقال: المهايأة تلزمه في المنفعة لا في العين، فلم يكن ذلك ضمانًا في عين ما تبرع به بل هذه من ضرورات الانتفاع بملكه. ولا يردّ على هذا ما لو أتلف الموهوب بعد التسليم حيث يضمن قيمته للموهوب له، لأن ذلك الضمان يلزمه بالإتلاف لا بعقد التبرع، وضمان المقاسمة هاهنا وإن كان بالملك فذلك الملك حكم الهبة فلا يمنع إضافة الضمان إلى الهبة، كما أن شراء القريب إعتاق وإن كان العتق بسبب الملك؛ لأن ذلك الملك حكمه، كذا في المبسوط (١). وهذا التعليل لا يتمشى في جميع الفصول ذكره في المبسوط وأجيب بأن وجود العلة يراعى في جنس الحكم لا في كل صورة، وإليه أشار في الكتاب بقوله: (لأن الحكم يدار على نفس الشيوع). قوله: (فالقبض فيها، أي: في العقود الثلاثة غير منصوص عليه)؛ لأن النص جاء باشتراط القبض فيها، أما قوله ﵊: «بعد أن يكون يدا بيد» (٢) لبيان التعيين، إلا أن التعيين في الثمنين لا يحصل إلا بالقبض، وكذا في السلم قبض رأس المال للاحتراز عن الكالئ بالكالئ، فإذا لم يكن منصوصًا لا يشترط كماله، بل يراعى وجوده فقط؛ لأن القبض فيها شرط بقاء العقد على الصحة لا شرط الابتداء، والبقاء أسهل من الابتداء.

стр. 5882

تَبَرُّعُ مِنْ وَجْهِ وَعَقْدُ ضَمَانٍ مِنْ وَجْهِ، فَشَرَطْنَا القَبْضَ القَاصِرَ فِيهِ دُونَ القِسْمَةِ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ، عَلَى أَنَّ القَبْضَ غَيْرُ مَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِيهِ. قوله: (تبرع من و وجه) بدليل أنه لا يصح ممن لا يصح منه التبرع؛ كالصبي والعبد. وعقد ضمان من وجه بدليل أن المستقرض مضمون بالمثل، فلا يبعد أن يتعلق به ضمان المقاسمة، ثم لشبهه بالتبرع شرطنا فيه القبض، ولشبهه بعقد الضمان لا يشترط فيه القسمة عملا بالشبهين، ولأن شرط القبض فيه غير منصوص عليه ليراعى وجوده على أكمل الجهات، كذا في المبسوط (١). وأما الجواب عن الآية أن المعقول حقيقة وذلك في الدين دون العين، وإسقاط الدين جائز مشاعًا كان أو غير مشاع؛ لأنه غير محتاج إلى القبض. ثم في العين كل واحد منهما مندوب إلى العفو عندنا، ولكن بطريقة وذلك بأن يهب نصيبه لصاحبه بعد القسمة، وليس في الآية ما يمنع ذلك. وكذا الجواب عن حديث وفد هوازن، يعني: «مَا كانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ المُطلب بعدَ القِسْمَةِ لَكُمْ» (٢)، مع أن هذا امتناع عن تمام الملك بالقبض. وعن حديث الكبة الشعر (٣)، إنما قال ذلك ﵊ على وجه المبالغة في النهي عن الغلول، أي: لا أملك إلا نصيبي فكيف أطيب لكم هذه الكبة من الغنيمة. ألا ترى أنه لا يصح لواحد من الغانمين أن يهب نصيبه قبل القسمة؛ لأنه لا يدري أين يقع نصيبه؟ وكان ذلك مما لا يحتمل القسمة؛ فإن الكبة من الشعر إذا قسمت بين جند عظيم لا يصيب كل واحد منهما ما ينتفع به. وأما الجواب عن قياسه بالبيع وغيره فقد ذكرنا الفرق بين الهبة وغيرها، فلا يصح القياس مع وجود الفارق المانع عن القياس، إليه أشار في المبسوط، والأسرار (٤).

стр. 5883

(وَلَوْ وَهَبَ مِنْ شَرِيكِهِ لَا يَجُوزُ)؛ لِأَنَّ الحُكْمَ يُدَارُ عَلَى نَفْسِ الشُّيُوعِ. قَالَ: (وَمَنْ وَهَبَ شِقْصًا مُشَاعًا فَالهِبَةُ فَاسِدَةٌ) لِمَا ذَكَرْنَا (فَإِنْ قَسَّمَهُ وَسَلَّمَهُ جَازَ)؛ لِأَنَّ تَمَامَهُ بِالقَبْضِ وَعِنْدَهُ لَا شُيُوعَ. قَالَ: (وَلَوْ وَهَبَ دَقِيقًا فِي حِنْطَةٍ، أَوْ دُهْنَا فِي سِمْسِمِ: فَالهِبَةُ فَاسِدَةٌ فَإِنْ طَحَنَ وَسَلَّمَ: لَمْ يَجُزْ) وَكَذَا السَّمْنُ فِي اللَّبَنِ؛ لِأَنَّ المَوْهُوبَ مَعْدُومٌ، قوله: (لأن الحكم يدار على نفس الشيوع)، وهذا في الحقيقة جواب عن قول ابن أبي ليلى فإن عنده هبة المشاع فيما يحتمل القسمة يجوز في الشريك لعدم استحقاق ضمان القسمة على المتبرع. فقلنا: إن الحكم يدار على الشيوع فلا يلزم وجود حكمة الحكم في كل الصور، أو لعدم جواز الهبة في المشاع سببان، أحدهما: استحقاق ضمان القسمة، والثاني: أن القبض ناقص في الشائع، ولهذا قلنا إن التعليل بنقصان القبض يتمشى في كل الصور. قوله: (فالهبة فاسدة)، وفي النهاية: لفظ الفساد هاهنا معدول عن ظاهره، بل معناه الهبة لا تثبت الملك، كما ذكرنا في أول المسألة. ومعنى قوله: (جاز)، أي: يثبت الملك حينئذ. ثم في الهبة الفاسدة لو قبضه مشاعًا هل يضمنه الموهوب له عند الهلاك؟ ذكر ابن رستم أنه يضمن ولا يفيد الملك، وبه أخذ الطحاوي، وقال عصام: يفيد الملك ولا تكون مضمونة في يده، وبه أخذ بعض المشايخ، كذا في فتاوى قاضي خان (١). قوله: (لأن الموهوب معدوم)، والعقد المضاف إلى المعدوم لغو، فلا ينعقد العقد إلا بالتجديد. فإن قيل: الدهن إن لم يكن موجودًا في السمسم قبل العصر وجب أن يجوز بيع الدهن بالسمسم مطلقا بلا اشتراط أن يكون الدهن الصافي أكثر مما في السمسم، ويجوز بيعه بالاعتبار، فدل أن الدهن موجود فيه.

стр. 5884

وَلِهَذَا لَوْ اسْتَخْرَجَهُ الغَاصِبُ بِمِلْكِهِ، وَالمَعْدُومُ لَيْسَ بِمَحَلِّ لِلْمِلْكِ، فَوَقَعَ العَقْدُ بَاطِلًا، فَلَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِالتَّجْدِيدِ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ المُشَاعَ مَحَلُّ لَلتَّمْلِيكِ، وَهِبَةُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَالصُّوفِ عَلَى ظَهْرِ الغَنَمِ، وَالزَّرْعِ وَالنَّخْلِ فِي الْأَرْضِ، وَالتَّمْرِ فِي النَّخِيلِ: بِمَنْزِلَةِ المُشَاعِ؛ قلنا: حدوث الدهن يضاف إلى العصر لأنه آخر المدارين، إلا أنه لا بد من وجود الدهن لا محالة فتثبت شبهة ثبوته بالسمسم قبل العصر، والشبهة كالحقيقة في باب الربا ولكن لا يكتفى لصحة الهبة. فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن لا يجوز البيع بالاعتبار أيضًا؛ لأن العقد لا ينعقد إلا في الموجود. قلنا: هذا لا يلزمنا لأن كل واحد من الدهن والسمسم موجود فلا يكون بيع الموجود بالمعدوم، وفيه نوع تأمل. بخلاف ما تقدم وهو المشاع فإنه ينقلب العقد جائزا لأن المشاع موجود وقت العقد، ويتصور القبض منه لكن لا على سبيل الكمال، ولهذا يصح بيعه بالإجماع. قوله: (وهبة اللبن في الضرع، والصوف على ظهر الغنم) إلى قوله: (بمنزلة المشاع)، يعني لا يجوز كما في المشاع، ويجوز عند الأئمة الثلاثة. ثم عندنا إذا حلب اللبن، وجز الصوف وسلّمه، وقبضه الموهوب له يملكه استحسانًا؛ كما في المشاع إذا وهبه وسلّمه، وكذا لو قطع الثمر والزرع وسلمها؛ لأن امتناع الجواز للاتصال لا لكونها معدومًا، بدليل أن الصوف على ظهر الغنم واللبن في الضرع محل للتمليك حتى يجوز الصلح عليه عند أبي يوسف، وباعتبار كونه بمنزلة الشائع وبالفضل ينعدم الشيوع، كذا في المبسوط (١). وفي الذخيرة: الأصل في جنس هذه المسائل أن اشتغال الموهوب بملك الواهب يمنع تمام القبض، والقبض الناقص يمنع صحة الهبة؛ كما في المشاع

стр. 5885

لِأَنَّ امْتِنَاعَ الجَوَازِ لِلاتِّصَالِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ القَبْضَ كَالشَّائِعِ. قَالَ: (وَإِذَا كَانَتْ العَيْنُ فِي يَدِ المَوْهُوبِ لَهُ: مَلَكَهَا بِالهِبَةِ، وَإِنْ لَمْ يُجَدِّدْ فِيهَا عندنا، وذلك لأن الموهوب ما دام مشغولاً بملك الواهب كانت يد الواهب قائمة عليه، وقيام يده عليه تمنع تمام يد الموهوب، فيمنع إتمام قبضه. فإذا ثبت هذا لو وهب دارًا فيها متاع الواهب، أو وهب جرابًا أو جوالقا فيها طعام الواهب فالهبة غير تامة فتقع فاسدة، ولا معتبر بالشغل وقت العقد إذا وقع التسليم فارغا مفرزًا، ويعتبر الإذن بالقبض بعد التفرغ، ولا يكفي قوله: سلمتها إليك، مع الشغل. أما لو وهب ما في الدار وما في الجوالق والجراب من الطعام فالهبة تامة؛ لأن الموهوب هاهنا شاغل لملك الواجب، وليس بمشغول بملكه، وذلك لا يوجب يدا للواهب أكثر ما فيه أن يد الواهب قائمة على الدار، والجوالق والجراب والمتاع والطعام فيها، إلا أن هذه الأشياء تابعة، وآلة تحفظ ما فيها، وقيام اليد على التبع لا يوجب قيام اليد على الأصل، ولا كذلك المسألة الأولى. ونظيره ما لو وهب جارية وعليها حُلِيّ فوهبها دون حليها وسلّمها، فالهبة فيها تامة، وكذا الدابة وعليها سرج أو لجام، أو وهب السرج واللجام دون الدابة. قوله: (وإذا كانت العين في يد الموهوب له ملكها)، ولا يعلم فيه خلاف، والأصل أنه متى تجانس القبضان ناب أحدهما عن الآخر؛ لأن التجانس دليل التشابه والمتشابهان ينوب كل واحد عن الآخر، وإذا تغايرا ناب الأعلى عن الأدنى؛ لأن في الأعلى ما في الأدنى وزيادة، فوجد القبض المحتاج إليه وزيادة شيء. والأدنى لا ينوب عن الأعلى؛ لأن الأدنى مع الأعلى قدر بعضه، والمحتاج إليه كله ولم يوجد فلا ينوب وهذا معنى قولهم: ومتى اختلف القبضان ناب المضمون عن غير المضمون، ولا ينوب غير المضمون عن المضمون، فعلى هذا لو كانت في يده وديعة أو عارية أو أمانة فوهبه منه يملكه،

стр. 5886

قَبْضًا)؛ لِأَنَّ العَيْنَ فِي قَبْضِهِ وَالقَبْضُ هُوَ الشَّرْطُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَهُ مِنهُ؛ لِأَنَّ القَبْضَ فِي البَيْعِ مَضْمُونٌ فَلَا يَنُوبُ عَنْهُ قَبْضُ الأَمَانَةِ، أَمَّا قَبْضُ الهِبَةِ فَغَيْرُ مَضْمُونٍ فَيَنُوبُ عَنْهُ. قَالَ: (وَإِذَا وَهَبَ الأَبُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ هِبَةٌ: مَلَكَهَا الِابْنُ بِالعَقْدِ)؛ لِأَنَّهُ فِي قَبْضِ الأَبِ، فَيَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الهِبَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ فِي يَدِهِ أَوْ فِي يَدِ مُودِعِهِ؛ ولا يحتاج إلى قبض آخر، ولو باعه منه لا ينوب هذا القبض عن قبض البيع؛ لأن قبض الأمانة لا ينوب عن قبض الضمان، كذا في شرح الطحاوي، والذخيرة (١). وذكر أبو نصر في شرحه: لو كان مضمونًا في يده بغيره كالمبيع والمرهون لا ينوب عن قبض الواجب بالهبة، ولا بد من تجديد القبض، ولو كان مضمونًا في يده بالقيمة والمِثْل كالمقبوض على سوم الشراء والمغصوب فوُهِبَ له، ثبت الملك، ولا يحتاج إلى تجديد القبض؛ لوجود أصل القبض وزيادة، والقبض الجديد أن يرجع إلى موضع فيه العين ويمضي وقت يتمكن من قبضه. قوله: (ولو وهب لابنه الصغير) إلى آخره، وفي المبسوط: وهب لابنه شيئًا معلوما في يده جاز ذلك، وقبض الأب يكفي فيه بلا قبول الأب، والإشهاد عليه للاحتياط والتحرز عن جحود سائر الورثة بعد موته، أو بعد إدراكه (٢). وفي الذخيرة: تصح الهبة من غير قبول الأب إذ كل عقد يتولاه الواحد يكتفى فيه بالإيجاب؛ كبيع الأب ماله لابنه الصغير. (لأنه في قبض الأب،) أي: الموهوب في قبضه فينوب عن قبض الابن الصغير ولا يعلم فيه خلاف. وقال ابن عبد البر: أجمع الفقهاء على أن هبة الأب لابنه الصغير في حجره لا يحتاج إلى قبض جديد (٣).

стр. 5887

لِأَنَّ يَدَهُ كَيَدِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ مَرْهُونًا أَوْ مَغْصُوبًا، أَوْ مَبِيعًا بَيْعًا فَاسِدًا؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِ غَيْرِهِ أَوْ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، أما هل يحتاج إلى القبول لابنه فقال الشافعي، والقاضي الحنبلي: لا بد أن يقول بعد قوله: وهبته له، قبلته، وظاهر مذهب أحمد لا يحتاج إلى هذا كقولنا (١)، وقال مالك: لو وهبه ما لا يعرف بعينه كالأثمان، إلا أن يضعها على يد غيره ويشهد عليه، وعند القاضي لا فرق بين الأثمان وغيرها (٢). قوله: (لأن يده)، أي: يد المودع (كيده)، أي: كيد المودع حكما فيمكن أن يجعل قابضًا لولده باليد التي هي قائمة مقام يده. فإن قيل: لو وهب الوديعة من المودع يجوز، فلو كانت يده كيد المودع لم يكن قابضًا لنفسه. قلنا: اليد للمودع حقيقة، فباعتبار هذه الحقيقة نجعله قابضًا لنفسه بحكم يده، ويده قامت مقام يد المودع ما دام هو في الحفظ عاملًا للمودع، وذا قبل التمليك بالهبة، فأما بعده فهو عامل لنفسه. قوله: (لأنه في يد غيره)، أي: غير الأب فلا ينوب قبض المرتهن والغاصب عن قبض الهبة للولد. وقوله: (لأنه في يده) كلام تام باسم أن وخبره: (أو في ملك غيره)، أي: الموهوب في ملك غير الأب، أي: في البيع الفاسد فلا ينوب قبض المشتري بالشراء الفاسد عن قبض الهبة للولد. وفي الذخيرة: أرسل غلامه في حاجة، ثم بعد الإرسال وهبه صحت الهبة إذ بعد الإرسال في يد مولاه حكمًا، فلو لم يرجع العبد حتى مات الأب فالعبد للولد، ولا يصير ميرانا، وكذا لو وهب عبدًا آبقا له من ابنه الصغير، فما دام مترددًا في دار الإسلام تجوز الهبة، والأب قابض له بنفس الهبة. وفي المنتقى عن محمد لو وهبه داره لابنه الصغير وفيها ساكن بأجر لا

стр. 5888

وَالصَّدَقَةُ فِي هَذَا مِثْلُ الهِبَةِ، وَكَذَا إِذَا وَهَبَتْ لَهُ أُمُّهُ وَهُوَ فِي عِيَالِهَا وَالْأَبُ مَيِّتٌ وَلَا وَصِيَّ لَهُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ يَعُولُهُ. (وَإِنْ وَهَبَ لَهُ أَجْنَبِيٌّ هِبَةٌ: تَمَّتْ بِقَبْضِ الأَبِ)؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ عَلَيْهِ الدَّائِرَ بَيْنَ النَّافِعِ وَالضَّائِرِ، فَأَوْلَى أَنْ يَمْلِكَ المَنَافِعَ. يجوز، ولو كان بغير أجر يجوز؛ إذ يد الساكن بأجر يمنع قبض غيره فيمنع تمام الهبة، وبغير أجر لا يمنع فلا يمنع تمام الهبة. قوله: (وكذا كل من يعوله)؛ كالأخ، والعم والأجنبي، أي: قبض الهبة يصح لأجل اليتيم كل من يعوله، وعند الأئمة الثلاثة: إذا وهب للصبي غير الأب من الأولياء لا بد أن يوكل من يقبله له، ويقبضه له؛ ليكون الإيجاب منه والقبول والقبض من غيره كما في البيع، بخلاف الأب فإنه يجوز أن يوجب، ويَقْبَلَ، ويقبض لكونه يجوز أن يبيع لنفسه. قال ابن قدامة الحنبلي: والصحيح عندي أن الأب وغيره في هذا سواء، كقولنا لأنه عقد يجوز أن يصدر منه ومن وكيله فجاز له أن يتولى طرفيه كالأب، بخلاف البيع فيكون عاقد لنفسه (١). وفي النهاية: أطلق في الكتاب فقال: يصح من كل من يعوله، ولكن ذكر في الإيضاح: إذا كان الأب أو وصيه، أو الجد أو وصيه في الحياة لا يجوز قبض غيرهم ممن يعوله من الأجنبي، أو ذي رحم محرم؛ لأن ولاية التصرف لهؤلاء الأربعة، فقيام ولاية من يملك التصرف في ماله تمنع ثبوت حق القبض له لغيرهم. فإن لم يكن أحد من هؤلاء الأربعة جاز قبض من في عياله؛ لأنه إذا كان في عياله فله عليه ضرب ولاية، ولهذا يؤدبه، ويسلمه في الصناعة، وله حق الحضانة، ولا يجوز قبض من ليس في عياله وإن كان ذا رحم محرم لفوات الولاية، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وعندهم يجوز للحاكم أو أمينه بأمره أن يقبض للصبي.

стр. 5889

قَالَ: (وَإِذَا وَهَبَ لِلْيَتِيمِ هِبَةٌ فَقَبَضَهَا لَهُ وَلِيُّهُ، وَهُوَ وَصِيُّ الأَبِ أَوْ جَدُّ اليَتِيمِ أَوْ وَصِيُّهُ جَازَ)؛ لِأَنَّ لِهَؤُلَاءِ وِلَايَةٌ عَلَيْهِ لِقِيَامِهِمْ مَقَامَ الأَبِ (وَإِنْ كَانَ فِي حِجْرِ أُمِّهِ فَقَبْضُهَا لَهُ جَائِرٌ)؛ لِأَنَّ لَهَا الوِلَايَةَ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى حِفْظِهِ وَحِفْظِ مَالِهِ. وَهَذَا مِنْ بَابِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى إِلَّا بِالمَالِ فَلَا بُدَّ مِنْ وِلَايَةِ التَّحْصِيلِ (وَكَذَا إِذَا كَانَ فِي حِجْرِ أَجْنَبِيٌّ يُرَبِّيهِ)؛ لِأَنَّ لَهُ عَلَيْهِ يَدًا مُعْتَبَرَةً. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ أَجْنَبِيٌّ آخَرُ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنْ يَدِهِ فَيَمْلِكُ مَا يَتَمَتَّضُ نَفْعًا فِي حَقِّهِ (وَإِنْ قَبَضَ الصَّبِيُّ الهِبَةَ بِنَفْسِهِ: جَازَ) مَعْنَاهُ إِذَا كَانَ عَاقِلًا؛ لِأَنَّهُ نَافِعٌ فِي حَقِّهِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ. وَفِيمَا وُهِبَ لِلصَّغِيرَةِ: يَجُوزُ قَبْضُ زَوْجِهَا لَهَا بَعْدَ الزِّفَافِ لِتَفْوِيضِ الأَبِ أُمُورَهَا إِلَيْهِ دَلَالَةٌ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الرِّفَافِ، قوله: (وهو) أي: الصبي (من أهله)، أي: من أهل تصرف يتمحض بفعاله. وفي المبسوط: هذا جواب الاستحسان وهو قولنا، أما في القياس لا يجوز قبضه بنفسه وإن كان عاقلا، وهو قول الشافعي لأنه لا معتبر بعقله قبل البلوغ؛ لأن ولاية الغير عليه لا تزول عنه قبل البلوغ، خصوصا فيما يمكن تحصيله بفعل الغير؛ لأن اعتبار عقله للضرورة، ولا ضرورة فيما يمكن تحصيله بفعل الغير، وفيما لا يمكن تحصيله بفعل الغير كإسلامه، واختياره أحد الأبوين، ووصيته يعتبر عقله لدفع الضرر عنه. وجه الاستحسان: أن عدم اعتبار عقله للنظر ودفع الضرر عنه، وذلك فيما كان مترددًا بين النفع والضرر، أما في النافع المحض يعتبر عقله، ويلحق بالبالغ كما في كسبه للمباحات (١)، وبه قال أحمد، وفي رواية عن أحمد: إن قبضه بإذن الولي صح. قلنا: يصح قبضه بحضور الأب وبغير حضوره لأنه ينفتح عليه بأمان في تحصيل هذه المنفعة ولهذا يملك بقبض الأب أيضًا. قوله: (بعد الزفاف)، لأن قبل الزفاف لا يكون له عليها يد مستحقة، وبعده

стр. 5890

وَيَمْلِكُهُ مَعَ حَضْرَةِ الأَبِ، بِخِلَافِ الأُمِّ وَكُلِّ مَنْ يَعُولُهَا غَيْرُهَا حَيْثُ لَا يَمْلِكُونَهُ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِ الأَبِ أَوْ غَيْبَتِهِ غَيْبَةٌ مُنْقَطِعَةٌ فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ هَؤُلَاءِ لِلضَّرُورَةِ لَا بِتَفْرِيضِ الأَبِ، وَمَعَ حُضُورِهِ لَا ضَرُورَةَ. قَالَ: (وَإِذَا وَهَبَ اثْنَانِ مِنْ وَاحِدٍ دَارًا جَازَ)؛ لِأَنَّهُمَا سَلَّمَاهَا جُمْلَةٌ، وَهُوَ قَدْ قَبَضَهَا جُمْلَةٌ، فَلَا شُيُوعَ (وَإِنْ وَهَبَهَا وَاحِدٌ مِنْ اثْنَيْنِ: لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، يكون له عليها يد مستحقة؛ لأنه يعولها، فقد ذكر الزفاف في الكتاب، وذكر في الإيضاح الدخول. وفي الذخيرة وشرط في قبض الزوج على زوجته الصغيرة أن يكون يجامع مثلها، حتى لو لم يجامع مثلها لا يصح قبض الزوج عليها عند بعض أصحابنا، والصحيح أنه إذا كان يعولها يصح قبضه عليها يجامع مثلها أو لا (١)؛ لأنه لما زفت إليه أقام الأب الزوج مقام نفسه في حفظها وحفظ مالها، وقبض الهبة من باب الحفظ، ولكن بهذا لا تمتنع ولاية الأب، حتى إذا قبض الأب صح أيضًا لقيام ولايته، وليس هذا كصغير سلمه أبوه إلى أجنبي يعوله؛ لأنه لا يثبت له عليه استحقاق اليد، ولا كذلك الزوج، ولو أدركت لم يجز قبض الزوج والأب لأنها صارت ولية نفسها حتى بلغت عاقلة، كذا في المبسوط (٢). وقوله: (في الصحيح) متعلق بقوله: (ويملكه) أي الزوج مع (حضرة الأب)، وهذا احترازًا عما ذكر في الإيضاح بقوله: وتأويل المسألة أن قبض الزوج إنما يصح إذا لم يكن الأب حيا، هكذا ذكر في الحاكم في مختصره. وبقوله: (لا بتفويض الأب) يحترز عن تصرف الزوج، لما ذكرنا أن ولاية الزوج بتفويضه أمورها دلالة إليه، أما قبض غير الأب عليه إنما يصح للضرورة، ولا ضرورة عند حضور من له ولاية عليه، كذا في المبسوط (٣). قوله: (وإن وهب اثنان لواحد) إلى آخره لا خلاف فيه لأحد.

стр. 5891

وَقَالَا: يَصِحُ) (*)؛ لِأَنَّ هَذِهِ هِبَةُ الجُمْلَةِ مِنهُمَا، إِذْ التَّمْلِيكُ وَاحِدٌ فَلَا يَتَحَقَّقُ الشُّيُوعُ، كَمَا إِذَا رَهَنَ مِنْ رَجُلَيْنِ. وَلَهُ: أَنَّ هَذِهِ هِبَةُ النِّصْفِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنهُمَا، وَلِهَذَا لَوْ كَانَتْ فِيمَا لَا يُقَسَّمُ فَقِبَلَ أَحَدُهُمَا صَحَّ، وَلِأَنَّ المِلْكَ يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي النِّصْفِ فَيَكُونُ التَّمْلِيكُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حُكْمُهُ، وَعَلَى هَذَا الاعْتِبَارِ يَتَحَقَّقُ قوله: (وقالا)، أي: أبو يوسف ومحمد وبه قالت الأئمة الثلاثة. (كما إذا رهن من رجلين)، يعني رهن داره من رجلين مشاع لا تحتمل القسمة، ولأن الشيوع إنما يؤثر إذا وجد في الطرفين جميعًا، فأما إذا حصل في أحد الطرفين فلا يؤثر؛ لأنه لا يلحق بالمتبرع ضمانًا، وأبو حنيفة يقول - وهو قول زفر -: إن هذه هبة النصف، ولهذا يثبت الملك في النصف لهذا، وفي النصف لهذا بالإجماع، ومتى ثبت الملك لهما شائعًا ثبت أن التمليك وقعه شائعًا إذ الملك حكم التمليك، ومتى حكمنا بثبوت الملك في النصف لهذا، وفي النصف لهذا فقد حكمنا بأنه تمليك النصف من هذا، والنصف من هذا فقد تحقق الشيوع، وذلك غير موجب للملك فيما يحتمل القسمة، وصار كما لو وهب النصف لكل واحد بعقد على حدة. فإن قيل: التمليك يحصل بالتسليم، ولا شيوع فيه دون القبض، والملك يتعلق بالقبض لنفي الضمان عن المتبرع فوجب أن يعتبر جانبه - وهو التسليم - لا جانب القبض. قلنا: التسليم إنما يعتبر إذا حصل به التمكن من القبض على سبيل الكمال، ولأنه طريق للقبض، فإذا لم يتمكن هو من القبض بصفة الكمال لم يعتبر التسليم، كذا في المبسوط، والإيضاح (١). قوله: (ولهذا لو كانت)، أي: الهبة فيما لا يحتمل القسمة فقبل أحدهما صح وإن لم يقبل الآخر، بخلاف ما إذا باع من اثنين فقبل أحدهما حيث لا يصح.

стр. 5892

الشُّيُوعُ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ الحَبْسُ، وَيَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَامِلًا، إِذْ لَا تَضَايُفَ فِيهِ فَلَا شُيُوعَ، وَلِهَذَا لَوْ قَضَى دَيْنَ أَحَدِهِمَا لَا يَسْتَرِدُّ شَيْئًا مِنْ الرَّهْنِ (وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى مُحْتَاجَيْنِ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ وَهَبَهَا لَهُمَا جَازَ، وَلَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى غَنِيَّيْنِ، أَوْ وَهَبَهَا لَهُمَا: لَمْ يَجُزْ، وَقَالَا: يَجُوزُ لِلْغَنِيَّيْنِ أَيْضًا) جَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَجَازًا عَنْ الآخَرِ، وَالصَّلَاحِيَّةُ ثَابِتَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَمْلِيكٌ بِغَيْرِ بَدَلٍ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَالهِبَةِ فِي الحُكْمِ. قوله: (بخلاف الرهن لأن حكمه الحبس)، ويتصور أن يكون ملك الحبس ثابتًا لكل واحد على الكمال؛ إذ لا تضايق في الحبس، فيجوز أن يكون العين محبوسًا بحق هذا على الكمال، وبحق هذا على الكمال بخلاف ملك العين فإنه لا يتصور إثباته لكل واحد على الكمال، وبخلاف الإجارة من رجلين فإنها جائزة عنده، مع أن إجازة نصف الدار باطلة؛ لأن المانع ثمة استحقاق عود المستأجر إلى يد المؤجر في مدة الإجارة بحكم المهايأة، وذا لا يوجد في الإجارة من اثنين. ولهذا جاز إجارة أحد الشريكين من شريكه بخلاف الهبة، ولأن المانع من إجارة المشاع تعذر استيفاء المنفعة التي ينالها العقد من الجزء الشائع وذلك لا يوجد في الإجارة من اثنين، وعدم جواز الهبة من اثنين باعتبار نقصان القبض بسبب الشيوع لا باعتبار ضمان المقاسمة على المتبرع، والدليل على أنه لا اعتماد هنا على انتفاء ضمان المقاسمة عن الواهب أن اثنين لو وهبا لاثنين على أن يكون نصيب أحدهما لأحدهما بعينه، ونصيب الآخر للآخر بعينه لا يجوز بالإجماع، وليس على الواهبين ضمان المقاسمة، كذا في المبسوط وغيره (١). قوله: (جعل)، أي: أبو حنيفة، (وفرق)، أي: أبو حنيفة في رواية الجامع بين الصدقة والهبة في الحكم حيث جوز الصدقة على الفقيرين، ولم يجوز الهبة على الغنيين.

стр. 5893

وَفِي الأَصْلِ سَوَّى بَيْنَهُمَا فَقَالَ: وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ؛ لِأَنَّ الشُّيُوعَ مَانِعٌ فِي الفَصْلَيْنِ، لِتَوَقُّفِهِمَا عَلَى القَبْضِ. وَوَجْهُ الفَرْقِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: أَنَّ الصَّدَقَةَ يُرَادُ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ وَاحِدٌ، وَالهِبَةُ يُرَادُ بِهَا وَجْهُ الغَنِيٌّ وَهُمَا اثْنَانِ. وَقِيلَ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَالمُرَادُ بِالمَذْكُورِ فِي الأَصْلِ الصَّدَقَةُ عَلَى غَنِيْنِ. (وفي الأصل)، أي: المبسوط (سوى)، حيث لم يجوز الصدقة على شخصين مطلقًا بقوله: (وكذلك الصدقة)، أي: لا تجوز الصدقة على رجلين عنده كما لا تجوز الهبة والظاهر أن المراد الصدقة على الفقيرين، وكان لفظ الصدقة هاهنا حقيقة. قال الحاكم: يحتمل أن يكون مراده من قوله (وكذلك الصدقة) على الغنيين فيكون ذلك بمنزلة الهبة؛ لأن فعل الهبة للفقير صدقة، والصدقة على الغني هبة، والأظهر أن في المسألة روايتين، ووجه رواية الأصل ما بينا أن تمام الصدقة بالقبض كالهبة، وقبض كل واحد يلاقي شائعًا فلا تتم به الصدقة كما تتم به الهبة. قوله: (على هذه الرواية) أي: رواية الجامع الصغير أن الصدقة تقع الله تعالى، ولهذا لم يكن فيها رجوع، وإنما للفقير نيابة عن الله تعالى بحكم الرزق الموعود، وهو واحد لا شريك له، فلا يتمكن الشيوع فيها؛ كالهبة إذا وقعت لواحد وقبضها اثنان بحكم الوكالة عن الموهوب له فلا يمكن الشيوع، بخلاف الهبة. ألا ترى أن جهالة المتصدق عليه لا تمنع الهبة، حتى إذا أوصى بثلث ماله على الفقراء يجوز بخلاف ما لو أوصى لقوم لا يحصون من الفقراء وكذا إذا أوصى بعين لفلان وللفقراء فنصفه لفلان ونصفه للفقراء باعتبار أن الصدقة لله تعالى لا للفقير. قوله: (وقيل … ، والمراد من المذكور في الأصل الصدقة على غَنِيَّين) فكان لفظ الصدقة حينئذ مجازا عن الهبة، فعلى هذا التأويل لا مخالفة بين الروايتين فلا يحتاج إلى الفرق.

стр. 5894

وَلَوْ وَهَبَ لِرَجُلَيْنِ دَارًا لِأَحَدِهِمَا ثُلُثَاهَا، وَلِلْآخَرِ ثُلُثُهَا: لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَجُوزُ. وَلَوْ قَالَ: لِأَحَدِهِمَا نِصْفُهَا، وَلِلْآخَرِ نِصْفُهَا، عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيهِ رِوَايَتَانِ، فَأَبُو حَنِيفَةَ مَرَّ عَلَى أَصْلِهِ، وَكَذَا مُحَمَّدٌ. قوله: (وقال محمد يجوز)، وبه قالت الأئمة الثلاثة. قوله: (عن أبي يوسف فيه روايتان)، وفي الذخيرة، والإيضاح وغيرهما: حاصل هذه المسائل عند أبي يوسف هو إن وهب لرجلين وأجمل ثم فصل - بالصاد المهملة -، وكان تفصيله على طريق التفاضل؛ كالثلث، والثلثين لا يجوز عنده، ولو فصل وسوى النصيبين يجوز عندهما خلافًا لأبي يوسف. ولو ابتدأ بالنصف من غير سابقة الإجمال بأن قال: وهبت لهذا نصفها، ولهذا نصفها لم يجز بلا خلاف، ولكن ذكر في الكتاب عن أبي يوسف روايتان. أما لو فصل ابتداءً على طريق التفاضل لم يذكر في هذا الكتاب فينبغي أن لا يجوز عندهما، كما لو فصل ابتداءً وسوى بين النصيبين على ما ذكره في عامة النسخ. قوله: (فأبو حنيفة مر على أصله، وكذا محمد)، لأن هذه هبة واحدة من رجلين نص على التفاضل، أو التساوي أو لا، ألا ترى أن في البيع من رجلين يجعل بيعًا واحدًا منهما نص على التفاضل أو لا، فكذا هاهنا. وأبو يوسف يقول: إنما جوزنا الهبة لاثنين على تقدير أنه لم يقصد به إثبات الحكم في الأبعاض، فإذا نص على الأبعاض على التفاوت علمنا أن قصده إثبات الحكم في البعض لهذا، والبعض لهذا فيدخل فيه الشيوع، ولهذا جوزنا الرهن من اثنين عند عدم التعرض للأبعاض، وإذا تعرض بأن قال: رهنتكما هذا الشيء على أن يكون النصف رهنا عند هذا، والنصف الآخر عند هذا كان فاسدا؛ لأن بالتفصيل يتفرق العقد، فكذا هاهنا. أما إذا نص على التناصف فقد أمكن تصحيح العقد بجعل هذا مجازا عن موجب العقد؛ لأن مطلق العقد يقتضيه، فلا تكون حالة التفصيل مخالفا لحالة الإجمال فيصير التفصيل لغوا فلا يختلف العقد، فلم يعتبر شيوعًا في العقد، بخلاف ما إذا نص على التفاوت في العقد حيث يفسد العقد؛ لأن التفصيل

стр. 5895

وَالفَرْقُ لِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّ بِالتَّنْصِيصِ عَلَى الأَبْعَاضِ يَظْهَرُ أَنَّ قَصْدَهُ ثُبُوتُ المِلْكِ فِي البَعْضِ، فَيَتَحَقَّقُ الشُّيُوعُ، وَلِهَذَا: لَا يَجُوزُ إِذَا رَهَنَ مِنْ رَجُلَيْنِ وَنَصَّ عَلَى الْأَبْعَاضِ. مخالف الإجمال فيجب اعتباره فيتفرق العقد. وفي الأسرار: وكلام محمد أوضح؛ لأن افتراق الملك في الهبة ثابتة بنفس العقد هاهنا، ولا يثبت بالتفصيل كما لو قال نصفين، وإنما يثبت بالتفصيل التفاصيل في النصيب والمبطل للهبة نفس الشيوع لا شيوع بأنصباء متفاوتة، وتأخير دليل محمد في المبسوط دليل على أن اختياره قول محمد. وفي النهاية: في تعليل أبي يوسف في قوله: (أن التنصيص بالأبعاض يظهر)، إلى آخره نوع إخلال حيث لم يعلم بما ذكر ما فيه موضع خلافه من الأبعاض، وما فيه خلاف من الأبعاض، فإنه لو نص على الأبعاض بطريق التنصيص بعد الإجمال كما لو قال: وهبتكما لهذا نصفها، ولهذا نصفها فهو جائز على ما ذكر في الأسرار، والذخيرة، والإيضاح، وإنما لا يجوز عنده التنصيص بالأبعاض إذا لم يتقدمه إجمال، وفي التنصيص بالأبعاض على التفاضل غير مشروط تقدم الإجمال، وأنه لا يجوز عنده. وفي النتف: هبة رجل من رجلين على أربعة أوجه: أحدها: أن يكون العقد مختلفًا والقبض مختلفًا. وثانيها: أن يكون العقد معا، والقبض مختلفًا، وكلاهما لا يجوز. وثالثها: أن يكون العقد مختلفًا، والقبض معا. ورابعها: أن يكون كلاهما معًا بأن يقولا: قبلناها وقبضناها فهما لا يجوز عند أبي حنيفة خلافًا لهما، وهبة العين الواحدة لاثنين من اثنين لا يجوز عنده خلافًا لهما، ولو كان من واحد لثلاثة جاز عنده خلافًا لهما، قال صاحب المجتبى: وفيه نظر. ولو وهب لابنيه صغير وكبير لا يجوز بالاتفاق لتفرق القبض. وفي الكافي: وهب متاعًا في داره، وطعامًا في جرابه وسلّمهما بما فيه

стр. 5896

بَابُ الرُّجُوعِ فِي الهِبَةِ قَالَ: (وَإِذَا وَهَبَ هِبَةٌ لِأَجْنَبِيّ: فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا رُجُوعَ صحت الهبة في المتاع والطعام، وبالعكس لا يجوز؛ لأن الموهوب مشغول بملك الواهب فيمنع صحة الهبة، بخلاف ما لو كان شاغلا لا يمنع التسليم فتصح الهبة. ففي الفصل الأول الموهوب شاغل لا مشغول؛ لأن المظروف يشغل الظرف، وفي الثاني الموهوب مشغول بملك الواهب؛ لأن الظرف لا يشغل المظروف. ولو وهب الدار ولم يسلّم حتى وهب المتاع، ووهب نصف دار ولم يسلّم حتى وهب النصف الآخر وسلم الكل جملة صحت الهبة بلا خلاف، وصار كأنه وهب الكل جملة، بخلاف ما إذا تفرق التسليم. ولو وهب زرعًا في أرض، أو ثمرًا في شجر، أو حلية سيف، أو بناء دار، أو قفيزا من صبرة وأمره بالحصاد والجذاذ، والنزع والقص، والكيل، وفعل، صح استحسانًا، ويجعل كأنه وهبه بعد الحصاد والجذاذ ونحوهما، وإن لم يأذن له بالقبض وفعل ضمن لأنه أفسد ملك غيره. ولو وهب دارًا بمتاعها، ثم استحق المتاع صحت الهبة في الدار؛ لأنه بالاستحقاق ظهر أن يده في المتاع يد غصب، وصار كما لو غصب الدار والمتاع ثم وهب له الدار، أو أودعه الدار والمتاع ثم وهب له الدار فإنه يصح. ولو وهب أرضًا وزرعًا وسلمها فاستحق الزرع بطلت الهبة في الأرض؛ لأن الزرع مع الأرض بحكم الاتصال كشيء واحد، فاستحقاق أحدهما كاستحقاق البعض الشائع فيما يحتمل القسمة فتبطل الهبة في الباقي. بَابُ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ لما ذكرنا أن الهبة غير لازم حتى يصح الرجوع فيها احتاج إلى بيان مواضع الرجوع. قوله: (هبة لأجنبي فله الرجوع)، أي: إذا لم يكن شيء من الموانع التي

стр. 5897

فِيهَا لِقَوْلِهِ ﵊: لَا يَرْجِعُ الوَاهِبُ فِي هِبَتِهِ إِلَّا الوَالِدُ فِيمَا يَهَبُ لِوَلَدِهِ وَلِأَنَّ الرُّجُوعَ يُضَادُّ التَّمْلِيكَ، وَالعَقْدُ لَا يَقْتَضِي مَا يُضَادُّهُ، بِخِلَافِ هِبَةِ الوَالِدِ لِوَلَدِهِ عَلَى أَصْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ التَّمْلِيكُ؛ لِكَوْنِهِ جُزْءًا لَهُ يذكرها، وهذا بعد التسليم إذ قبل التسليم له الرجوع في كل المواضع. ثم عند الشافعي لا رجوع في الهبة إلا للوالد فيما يهب لولده (١)، وبه قال مالك (٢)، وأحمد في ظاهر مذهبه (٣)، ثم في هبة الوالد لولده عن أحمد في رواية: لا يرجع، وعن مالك إذا رغب راغب في مواصلة الولد بسبب المال الموهوب بأن زوّج لأجله، أو جهر لابنيه لا رجوع فيه، وكذا إذا انتفع الولد به، وفي غير ذلك له الرجوع. وللشافعي في غير الأب من الأصول قولان أحدهما: لا رجوع؛ لأن الخبر ورد في الأب، وأصحهما: أنهم كالأب، كما أنهم كالأب في حصول العتق ووجوب النفقة، وسقوط القصاص. وعن مالك أنه لا رجوع لهم سوى الأم، وقال أحمد: لا رجوع لها أيضًا، فأما غير الأصول من الأقارب كالأخ، والعم، وسائر الأقارب كالأجنبي. للشافعي قوله ﵊:: «لا يَرجِعُ الواهب» (٤) الحديث، وفي رواية: «لَا يَحِلُّ لِواهِبٍ … .» الحديث. وقال الترمذي: روى طاوس، عن ابن عمر وابن عباس يرفعان إلى النبي ﷺ أنه قال: «ليس لأحدٍ أنْ يُعطِي عطيةً فيرجع فيها إلا الوالد فيما يُعطي لِوَلَدِهِ»، وقال حديث حسن (٥).

стр. 5898

وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «الوَاهِبُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنهَا» أَيْ مَا لَمْ يُعَوَّض؛ وَلِأَنَّ المَقْصُودَ بِالعَقْدِ هُوَ التَّعْوِيضُ لِلْعَادَةِ، فَتَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةُ الفَسْخِ عِنْدَ فَوَاتِهِ، إِذْ الْعَقْدُ يَقْبَلُهُ، وقال ﵊: «العائد في هبته كالعائد في قَيئِهِ» (١)، ولأنه عقد تمليك فوجب أن يلزم كالبيع وهذا لأن الرجوع يضاد المقصود بالتمليك والعقد لا ينعقد موجبا ما يضاد المقصود به وإنما يثبت حق الرجوع فيما بين الولد والوالد (٢) لأن إخراجه عن ملكه لم يتم لأن الولد كسبه أو بعضه فلم يتم التمليك كما في الزكاة إليه أشار في الأسرار والمبسوط. قوله: (ولنا قوله ﵊: الواهِبُ أحقُّ بِهبَتِهِ) (٣) إلى آخره، ولا يقال المراد منه قبل التسليم فلا يكون حجة لأنها تكون هبة حقيقة قبل التسليم؛ لأنه ﵊ جعله أحق بها، وهذا يقتضي أن يكون لغيره فيه حق، وأضافها إلى الواهب باعتبار أنها كانت له، كما يقال: أكلنا خبز فلان الخباز، وإن كان اشتراه منه ولكن هذا لا يكون إلزاما على المالك؛ لأن القبض غير مشروط عنده لثبوت الملك، ولأن المقصود بالهبة التعويض والمكافأة عادة في الأجانب، ومنه: الأيادي قروض، قال قائلهم: وإذا جوزيتَ قَرْضاً فاجْزِهِ … إنما يجزي الفَتَى لَيسَ الجَمَل أي الجاهل، يعني إنما يجاري العاقل لا الجاهل والجمل مثل في البله ذكره في المُغْرِب، وقد تأيدت العادة بالشرع، قال ﵊: «تهادوا تحابوا» (٤)، والمعروف كالمشروط والتفاعل يقتضي وجود الفعل من الجانبين.

стр. 5899

وَالمُرَادُ بِمَا رُوِيَ: نَفْيُ اسْتِبْدَادٍ وَالرُّجُوعُ وَإِثْبَاتُهُ لِلْوَالِدِ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَلَّكُهُ لِلْحَاجَةِ وَذَلِكَ يُسَمَّى رُجُوعًا. وَقَوْلُهُ فِي الكِتَابِ: فَلَهُ الرُّجُوعُ، لِبَيَانِ الحُكْمِ، أَمَّا الكَرَاهَةُ فَلَازِمَةٌ لِقَوْلِهِ ﵊: العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالعَائِدِ فِي قَيْتِهِ وَهَذَا لِاسْتِقْبَاحِهِ. قوله: (والمراد بما روي نفي استبداد والرجوع) من غير قضاء ولا رضًا إلا الوالد إذا احتاج إلى ذلك فإنه ينفرد بالأخذ لحاجته بلا قضاء ولا رضا، وسمي ذلك رجوعًا باعتبار الظاهر وإن لم يكن رجوعًا. أو المراد لا يحل الرجوع ديانة ومروءة، ولهذا جاء في أكثر الروايات بلفظ: «لا يحل» فكان بمنزلة قوله ﵇: «لا يَحِلُّ لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت شبعان وجارُهُ إِلَى جنبه طاوِيًا» (١)، أي: لا يليق ذلك ديانة ومروءة وإن كان جائزا في الحكم إذا لم يكن عليه حق واجب، وهكذا نقول لا يليق الرجوع ديانةً ومروءة، فيكون مكروها. ألا ترى إلى قوله ﵊: «العائد في هبته كالعائد في قيئه» (٢)، وهذا التشبيه في معنى الاستقباح والاستقذار لا في حرمة الرجوع كما زعم الشافعي. ألا ترى أنه قال في رواية: «كالكَلبِ يَقِيْءُ ثم يعودُ في قَيئِهِ»، وفعل الكلب يوصف بالقبح لا بالحرمة، وبه نقول إنه يستقبح. ويؤيد ما ذكرنا حديث عمر حين أراد شراء فرس حُمِلَ عليه في سبيل الله، فسأل عن ذلك رسول الله ﷺ ، فقال ﵊: «لا تَبْتَعْهُ وإنْ أعطاك بدرهم» (٣)، فلما كان هذا القول موجبًا حرمة ابتياع ما تصدق به فكذلك هذا الحديث لم يكن موجبًا حرمة الرجوع في الهبة، إليه أشار في الأسرار، والمبسوط (٤).

стр. 5900

[موانع الرجوع في الهبة] ثُمَّ لِلرُّجُوعِ مَوَانِعُ ذَكَرَ بَعْضَهَا فَقَالَ: (إِلَّا أَنْ يُعَوِّضَهُ عَنْهَا) لِحُصُولِ المَقْصُودِ (أَوْ تَزِيدَ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ)؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إِلَى الرُّجُوعِ فِيهَا دُونَ الزِّيَادَةِ؛ لِعَدَمِ الإِمْكَانِ (ثم للرجوع موانع ذكر بعضها)، أي: القدوري، وقيل: الموانع سبعة، جمعها القائل في قوله: ومانع من الرجوع في الهبة يا صاحبي … حُروفٌ: دَمع خة فالدال: الزيادة، والميم: موت الواهب أو الموهوب، والعين: العوض، والخاء: الخروج عن ملك الموهوب له، والزاي الزوجية، والقاف: القرابة، والهاء: هلاك الموهوب. أحدها: قبض العوض لما روينا، ولأن حق الرجوع كان لخلل في مقصوده، وقد عدم ذلك بوصول العوض إليه فهو كالمشتري يجد بالمبيع عينا فيزول العيب قبل أن يرده. وثانيها: الزيادة المتصلة؛ كالغرس والبناء، والسّمن، وبه قال أحمد في رواية، وقال في رواية: لا يمنع الرجوع في هبة الوالد لولده كالزيادة المنفصلة، وبه قال الشافعي بما فيها زيادة في الموهوب فلا يمنع الرجوع؛ كالزيادة قبل القبض، والزيادة المنفصلة. وقيد بالزيادة لأن النقصان لا يمنع بالإجماع، وقيد بالمتصلة لأن المنفصلة لا تمنع الرجوع بلا خلاف. وفي الذخيرة: لو ولدت الجارية بعد الهبة يرجع فيها دون الولد (١)، وقال أبو يوسف إنما يرجع فيها إذا استغنى الولد عنها (٢). والمراد بالزيادة في نفس الموهوب له شيء يوجب زيادة في قيمته، أما لو زاد في نفسه ولا يوجب ذلك زيادة في قيمته - كما لو طال الغلام - لا يمنع؛ إذ تلك الزيادة توجب نقصًا فيه فلا يمنع الرجوع، والزيادة من حيث السعر لا تمنع أيضًا، وكذا الحكم في جميع الحيوانات وغير ذلك، ذكره في المحيط.

стр. 5901

وَلَا مَعَ الزِّيَادَةِ؛ لِعَدَمِ دُخُولِهَا تَحْتَ العَقْدِ. قوله: (لعدم دخولها)، أي: الزيادة في العقد، وليست بموهوبة فلم يصح الرجوع فيها، والفصل غير ممكن ليرجع في الأصل دون الزيادة، فامتنع الرجوع أصلا. فإن قيل: حق الرجوع ثابت في حق الأصل فيسري إلى أوصافه. قلنا: ثبوت الحكم في التبع ثبوته في الأصل؛ لأنه عرض قائم بالواهب، وليس بوصف للمحل ولا يقال: الملك لا بوصف اللزوم من أوصاف الأصل؛ لأن العدم ليس بشيء حتى يعد من أوصافه، كذا قيل. في الذخيرة: الزيادة من حيث السعر لا تمنع لأنها ليست بزيادة في العين بل هي زيادة رغبات الناس، والعين بحالها. ولو علمه القرآن، أو الحرفة، أو أسلم، أو قضى دينه فهذا لا يمنع الرجوع عند أبي حنيفة وزفر؛ لأنها ليست بزيادة في العين كالسعر، وعند أبي يوسف ومحمد وأحمد، تُمنع لأنها زيادة معنوية، وهذا بخلاف الرد بالعيب في المبيع فإن الزيادة المتصلة لا تمنع الرد والمنفصلة تمنع؛ لأنه لو رد الولد لا يمنع إما أن يرده مقصودًا أو تبعًا لأمه فلا وجه للأول؛ لأن الرد فسخ العقد والفسخ إنما يرد فيما يرد فيه العقد، والعقد لم يرد في الولد، ولا وجه لفسخه تبعًا؛ لأن الولد بعد الانفصال ليس بتبع للأم حقيقة، ولا حكمًا، فإن شيئًا من أحكام البيع لا يثبت في الولد الحادث بعد القبض. ولا وجه لفسخ العقد في حق الأصل دون الولد؛ لأن الولد مبيع من وجه؛ لأنه متولد منها، والمتولد من الشيء يحدث على صفة الأصل؛ كالمتولد من المدبر، والمكاتب، وما يكون مبيعًا من كل وجه لا يسلم للمشتري بعد الفسخ مجانًا لأنه ربا، فكذا ما يكون مبيعًا من وجه، وههنا هكذا بعد الفسخ في الأصل فإن الولد يسلم للمشتري مجانا في ضمن البيع وهو عين الربا، وهذا المعنى لا يمكن اعتباره في الهبة لعدم لزوم الربا. أما الزيادة المتصلة تمنع الرجوع في الهبة؛ لأن الزيادة غير موهوبة فلا يمكن الرجوع فيها بطريق التبعة لعدم رضى الموهوب له في الرجوع بخلاف رد

стр. 5902

قَالَ: (أَوْ يَمُوتَ أَحَدُ المُتَعَاقِدَيْنِ)؛ لِأَنَّ بِمَوْتِ المَوْهُوبِ لَهُ يَنْتَقِلُ المِلْكُ إِلَى الوَرَثَةِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا انْتَقَلَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، وَإِذَا مَاتَ الوَاهِبُ فَوَارِثُهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْ العَقْدِ إِذْ هُوَ مَا أَوْجَبَهُ. قَالَ: (أَوْ تَخْرُجَ الهِبَةُ عَنْ مِلْكِ المَوْهُوبِ لَهُ)؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِتَسْلِيطِهِ فَلَا يَنْقُضُهُ، وَلِأَنَّهُ تَجَدُّدُ المِلْكِ بِتَجَدُّدِ سَبَبِهِ. المبيع مع الزيادة المتصلة؛ لأن من له الحق في الزيادة - وهو المشتري - راض بكون الزيادة تبعًا للأصل؛ لأنه هو الذي يرده بدون اختيار البائع، إليه أشار في الذخيرة (١)، والإيضاح. ولو اختلفا في الزيادة فالقول للواهب؛ لأنه ينكر لزوم العقد، وعند زفر القول للموهوب له؛ لأنه ينكر حق الواهب في الرجوع. قوله: (إذا ما أوجبه)، أي: ما أوجب الملك للموهوب له فلا يكون له حق الرجوع بالنص؛ لأنه أوجب الرجوع للواهب وهو ليس بواهب، ولأنه ربما كان غرض الواهب إظهار الجود والسخاء، ورجوع الوارث يبطل عليه ذلك. وعند الأئمة الثلاثة في هبة الولد يمنع الرجوع إذا خرجت عن ملك الولد ببيع، أو هبة، أو وقف، أو إرث أو غير ذلك كمذهبنا. (لأنه)، أي: خروج ملك الموهوب عن ملك الموهوب له (حصل) بتسليط الواهب فلا ينقضه؛ لأن سعي الإنسان في نقض ما تم من جهته مردود، ولا يبدل الملك كتبدل العين وقد يبدل الملك بتجدد السبب. ولو وهب لمكاتب رجل ثم عجز المكاتب فليس له أن يرجع فيها عند محمد؛ لأن هذه هبة للمكاتب وكان حقيقة، ولهذا كان حق القبول للمكاتب فكان ملكا له، ولهذا يتصرف فيه تصرف الملاك، وبالعجز انتقل ملكه إلى مولاه فصار كانتقاله إلى إنسان آخر. وعند أبي يوسف له الرجوع؛ لأن الهبة وقعت للمكاتب من وجه وللمولى من وجه وبالعتق يصير ملكا له من كل وجه، وبالعجز لسيده من كل وجه، ثم إذا

стр. 5903

قَالَ: (فَإِنْ وَهَبَ لِآخَرَ أَرْضًا بَيْضَاءَ، فَأَنْبَتَ فِي نَاحِيَةٍ مِنهَا نَخْلًا، أَوْ بَنَى بَيْتًا، أَوْ دُكَّانًا، أَوْ آرِيًّا، وَكَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِيهَا: فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي شَيْءٍ مِنهَا)؛ لِأَنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ. وَقَوْلُهُ: «وَكَانَ ذَلِكَ زِيَادَةٌ فِيهَا»؛ لِأَنَّ الدُّكَّانَ قَدْ يَكُونُ صَغِيرًا حَقِيرًا لَا يُعَدُّ زِيَادَةً أَصْلًا، وَقَدْ تَكُونُ الأَرْضُ عَظِيمَةً … يُعَدُّ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي قِطْعَةٍ مِنهَا، عتق له أن يرجع، فكذا إذا عجز، ولو وهب دارًا أو قبضها فباع نصفها له الرجوع في الباقي. قوله: (أو آريا) الآريُّ هو المعلف عند العامة وهو مراد الفقهاء، وعند العرب: الآري وهي عروة حبل تشد إليها الدابة في محبسها، فاعول من تأرى بالمكان إذا أقام فيه، كذا في المغرب (١). قوله: (وكان ذلك زيادة)، الواو للحال، أي: وقد كان. وفي الذخيرة: وإن كان ذلك لا يعد زيادة كالآري، أو يعد نقصا كالتنور في الكاشانة لا يمنع الرجوع (٢). وفي جامع أبي اليسر: وقوله وكان ذلك زيادة يريد بهذا أن بنى دكانا بعد ذلك زيادة في الدار؛ لأن الزيادة في جانب الدار تعد زيادة في كل الدار فإن القيمة تزداد بها فيها، كما لو كان في إحدى عيني الجارية بياضًا فزال يعد ذلك زيادة، وإن كان في موضع خاص. وفي الفتاوى: قصر الثوب يمنع الرجوع وغسله لا، ولو علق سلسلة أو (حبلا) (٣) في المسجد، أو وضع فيه بواري، أو بابا، أو خصص ليس له الرجوع لأنها تترك عادة، ولو وضع فيه خباء، أو علق قنديلا له الرجوع، والفتل والثقب في اللؤلؤة إن كان يزيد في الثمن يسقط الرجوع، ولو وهب عبدًا صغيرًا فشاخ ونقصت قيمته سقط الرجوع؛ لأنه زاد في يده، ولو ازداد قيمته بالنقل إلى بلد آخر سقط بخلاف ما إذا غلا السعر ثم في الهبة لذي رحم محرم لا رجوع

стр. 5904

فَلَا يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ فِي غَيْرِهَا. قَالَ: (فَإِنْ بَاعَ نِصْفَهَا غَيْرَ مَقْسُومٍ: رَجَعَ فِي البَاقِي)؛ لِأَنَّ الاِمْتِنَاعَ بِقَدْرِ المَانِعِ (وَإِنْ لَمْ يَبِعْ شَيْئًا مِنهَا: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي نِصْفِهَا)؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي كُلِّهَا فَكَذَا فِي نِصْفِهَا بِالطَّرِيقِ الأَوْلَى. قَالَ: (وَإِنْ وَهَبَ هِبَةٌ لِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنهُ: فَلَا رُجُوعَ) فِيهَا لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا كَانَتْ الهِبَةُ لِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ لَمْ يَرْجِعْ فِيهَا»؛ وَلِأَنَّ المَقْصُودَ فِيهَا صِلَةُ الرَّحِمِ، وَقَدْ حَصَلَ وَكَذَلِكَ مَا فيها عندنا وبه قالت الأئمة وفي هبة أحد الزوجين لا رجوع فيها عندنا، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد في رواية، وقال أحمد في رواية: يرجع في هبة المرأة لزوجها دون العكس. قوله: (لقوله ﵇: «إذا كانت الهِبَةُ لِذِي رَحِمٍ») (١) الحديث قيل هذا قول عمر ذكره مالك في الموطأ وقلنا: هذا مما لا يعرف بالرأي فقاله سماعا وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه عليه الصلاة السلام قال: «لا يَرجِعُ واهب في هِبَتِهِ لذِي الرَّحِمِ المُحَرَّم». قوله: (وقد حصل)، أي المقصود، وكل عقد أفاد مقصوده يلزم فإن وهب لقن أخيه أو لأخيه القِنِّ يرجع، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يرجع في الأولى؛ لأن الملك يقع لمولاه وهو أخوه. ولأبي حنيفة أن الهبة تقع للمولى من وجه وهو ملك الرقبة، وللعبد من وجه وهو ملك اليد، ألا ترى أنه أحق به ما لم يفضل عن حاجته، فلو اعتبرنا أحد الجانبين يلزم ولو اعتبرنا الجانب الآخر لا يلزم فلا يلزم بالشك في المسألتين. قوله: (لأن المقصود فيها)، أي: هبة أحد الزوجين لآخر (الصلة)؛ لأن الزوجية نظير القرابة القريبة، ولهذا يتعلق بها التوارث من الجانبين من غير حجب، ويمتنع قبول شهادة أحدهما للآخر، وكان المقصود بالهبة تحقيق ما بينهما من معنى السكن والازدواج، وفي الرجوع إيقاع العداوة بينهما والنفرة،

стр. 5905

وَهَبَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ)؛ لِأَنَّ المَقْصُودَ فِيهَا الصِّلَةُ كَمَا فِي القَرَابَةِ، وَإِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى هَذَا المَقْصُودِ وَقْتَ العَقْدِ، حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَمَا وَهَبَ لَهَا فَلَهُ الرُّجُوعُ، وَلَوْ أَبَانَهَا بَعْدَمَا وَهَبَ فَلَا رُجُوعَ. قَالَ: (وَإِذَا قَالَ المَوْهُوبُ لَهُ لِلْوَاهِبِ: خُذْ هَذَا عِوَضًا عَنْ هِبَتِكَ، أَوْ بَدَلًا والزوجية لمعنى الألفة والمودة فلا يجوز لأحدهما الإقدام على ما يضاده كما في بين القرابات، كذا في المبسوط (١). قوله: (بعدما تزوج)، أي: بعد ما تزوج ووهب، وفي بعض النسخ: (بعدما وهب)، وهو ظاهر فلا رجوع لأنه علم أنه لم يكن مقصوده العوض بخلاف ما لو تزوجها بعد الهبة فإنه يعلم أن مقصوده العوض لوقوع الهبة لأجنبية، ولم ينل ذلك فله الرجوع. وفي جامع قاضي خان: وهبت لزوجها ضيعة على أن لا يطلقها وقتًا معلومًا فطلقها قبله فالهبة باطلة، وإن لم يؤقت ثم طلقها فالهبة صحيحة؛ لأنه وفي بالشرط. قوله: (خذ هذا عوضًا) إلى آخره، ولا خلاف فيه، وفي جامع قاضي خان، وفتاواه: صورة التعويض أن يذكر لفظا يعلم الواهب أنه عوض هبته بأن يقول الموهوب: خذ هذا عوضًا، أو جزاء هبتك، أو ثواب هبتك. أما إذا وهب شيئًا ولم يعلم الواهب أنه عوض هبته كان لكل واحد منهما الرجوع في هبته (٢). وفي المبسوط: سواء كان الهبة شيئًا قليلًا أو كثيرًا، من جنس الهبة، أو من غير جنسها؛ لأنها ليست بمعاوضة محضة فلا يتحقق فيه الربا وإنما هو لقطع حق الرجوع (٣). ويشترط شرائط الهبة في العوض من القبض، والإقرار لأنه تبرع، ولابد أن

стр. 5906

عَنْهَا، أَوْ فِي مُقَابَلَتِهَا، فَقَبَضَهُ الوَاهِبُ: سَقَطَ الرُّجُوعُ لِحُصُولِ المَقْصُودِ، وَهَذِهِ العِبَارَاتُ تُؤَدِّي مَعْنَى وَاحِدًا (وَإِنْ عَوَّضَهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْ المَوْهُوبِ لَهُ مُتَبَرِّعًا، فَقَبَضَ الوَاهِبُ العِوَضَ: بَطَلَ الرُّجُوعُ)؛ لِأَنَّ العِوَضَ لِإِسْقَاطِ الحَقِّ فَيَصِلُّ مِنْ الأَجْنَبِيِّ كَبَدَلِ الخُلْعِ وَالصُّلْحِ: قَالَ: (وَإِذَا اسْتَحَقَّ نِصْفَ الهِبَةِ: رَجَعَ بِنِصْفِ العِوَضِ)؛ لِأَنَّهُ يكون العوض من مال غير الموهوب له، حتى لو عوض شيئًا من الموهوب بأن كانت الهبة ألف درهم والعوض درهم واحد من تلك الدراهم لا يجوز، وكذا لو كانت الهبة دارًا والعوض بيت منها لا يجوز، وعند زفر يجوز؛ لأن ملك الموهوب له تم في الهبة بالقبض فالتحق بسائر أمواله. ولنا أن المقصود لا يحصل بهذا للواهب لأنا نعلم يقينا أنه بهبته ما قصد تحصيل درهم من تلك الدراهم؛ لأن ذلك كان سالمًا له فعلم أن قصده العوض الآخر. وقوله: (متبرعًا) ما هو قيد فإن الحكم في غير المتبرع كذلك، حتى لو عوضه الأجنبي بأمر الموهوب له، أو عوضه بشرط أن يرجع على الموهوب له بطل الرجوع، وإنما ذكر هذا ليعلم بطلان الرجوع في غير المتبرع بالطريق الأولى، ولكن لو عوضه بأمر الموهوب له لا يرجع بالعوض عليه إلا أن يضمنه الموهوب له صريحًا، بخلاف قضاء الدين فإنه لو قضى دين آخر بأمره يرجع عليه سواء ضمنه صريحا أو لا. والفرق أن الأداء في قضاء الدين مستحق عليه فكان في الأمر بالأداء إسقاط المطالبة بمال مستحق فيملك ما في ذمته فيرجع عليه، أما العوض في الهبة غير مستحق على الموهوب له فإنما أمره بأن يتبرع عنه بمال نفسه، والتبرع بمال نفسه على غيره لا يثبت حق الرجوع من غير ضمان، ألا ترى أنه فيما فوق هذا لا يرجع بالأمر بدون شرط الضمان نحو ما إذا قال: كفر يميني من طعامك، وأد زكاة مالي، فهذا أولى، كذا في المبسوط (١). قوله: (لإسقاط) أي: لإسقاط حق الرجوع لا لتمليك العين. قوله: (والصلح) أي: الصلح عن دم العمد، أو كصلح الأجنبي مع

стр. 5907

لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ مَا يُقَابِلُ نِصْفَهُ (وَإِنْ اسْتَحَقَّ نِصْفَ العِوَضِ لَمْ يَرْجِعْ فِي الهِبَةِ إِلَّا أَنْ يَرُدَّ مَا بَقِيَ ثُمَّ يَرْجِعُ) وَقَالَ زُفَرُ: يَرْجِعُ بِالنِّصْفِ اعْتِبَارًا بِالعِوَضِ الْآخَرِ. وَلَنَا: أَنَّهُ صاحب الدين من دينه على مال نفسه يجوز ويسقط الدين (١) عن المديون، ذكره في المبسوط (٢). فهذا مثله لأنه بدل ماله لإسقاط حق فصح من الأجنبي كما صح ممن عليه الحق. قوله: (اعتبارًا بالعوض الآخر)، وهو الهبة، وهذا لأن كل واحد منهما صار مقابلا بالآخر؛ كبيع العرض بالعرض فيرجع في نصف الهبة كالعكس. (ولنا أنه)، أي: الباقي يصلح عوضًا للكل من الابتداء، والمستحق خرج من أن يكون عوضًا فصار كأنه عوضه ابتداء بهذا النصف، ولو كان كذلك لم يرجع في شيء من الهبة فكذا ههنا. وإنما يمكن الخلل في رضى الواهب به فكان تأثيره في إثبات الخيار له في العوض بين أن يرد الباقي ويرجع في الهبة، وبين أن يمسك ما بقي ولم يرجع بشيء، كذا في المبسوط (٣). وفي الأسرار: بخلاف ما إذا كان العوض مشروطًا في العقد؛ لأنها تتم بيعًا ومبادلة فيعود البدل على المبدل. أما في مسألتنا فالسقوط حكم، والعوض علة، والحكم يثبت بالعلة ولا يتوزع على العلل وإن كثرت، فلا يبطل شيء من الحكم بذهاب بعض ما يصلح علة إذا بقي ما يصلح علة، وبخلاف ما إذا استحق بعض الهبة؛ لأن المعوض ما ملكه العوض إلا جزاء فيعتبر حكم المقابلة في حقه، أما الواهب فملك الهبة ابتداءً من غير أن يقابله شيء فلم يعتبر معنى المقابلة، وهذا جواب قياس زفر. ولأن للعوض شبه ابتداء الهبة من حيث أن المعوض مختار فيه متبرع، وشبه المبادلة من حيث إنه ملكه مضافًا إلى الهبة، فلشبهه بالمبادلات

стр. 5908

يَصْلُحُ عِوَضًا لِلْكُلِّ مِنَ الابْتِدَاءِ، وَبِالِاسْتِحْقَاقِ ظَهَرَ أَنَّهُ لَا عِوَضَ إِلَّا هُوَ، إِلَّا أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ؛ لِأَنَّهُ مَا أَسْقَطَ حَقَّهُ فِي الرُّجُوعِ إِلَّا لِيَسْلَمَ لَهُ كُلُّ العِوَضِ وَلَمْ يَسْلَمْ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ. قَالَ: (وَإِنْ وَهَبَ دَارًا فَعَوَّضَهُ مِنْ نِصْفِهَا رَجَعَ الوَاهِبُ فِي النِّصْفِ الَّذِي لَمْ يُعَوِّضْ)؛ لِأَنَّ المَانِعَ خَصَّ النِّصْفَ. قَالَ: (وَلَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ إِلَّا بِتَرَاضِيهِمَا، أَوْ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ)؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ بَيْنَ العُلَمَاءِ، وَفِي أَصْلِهِ: وَهَاءُ، وَفِي حُصُولِ المَقْصُودِ وَعَدَمِهِ: خَفَاءٌ، فَلَا بُدَّ من إذا استحق الكل رجع في الهبة، ولشبهه بابتداء الهبة إذا استحق النصف لا يرجع في شيء من الهبة إلا أن يرد ما بقي، كذا في المبسوط (١). قوله: (لأن المانع خص النصف)، فإن قيل: لما كان العوض لإسقاط حق الرجوع حتى يصح من الأجنبي كبدل الخلع والصلح فينبغي أن يعمل في كله؛ لأن الإسقاطات لا تتجزأ كما في الطلاق. قلنا: إن كان في العوض معنى الإسقاط، لكن فيه شبه آخر كما ذكرنا من شبهة الهبة وشبهة المبادلة، فمن هذين الشبهين كان التعويض محتملا للتجزيء، فإذا أضافه إلى البعض اقتصر الحكم عليه، وذلك لأنه يجوز أن يثبت حق الرجوع في النصف دون النصف ابتداء؛ كما لو وهبه النصف وتصدق عليه بالنصف كذا قيل، وإليه أشار في المبسوط (٢). قوله: (إلا بتراضيهما أو بحكم)، حتى لو استردها بغير قضاء ولا رضى كان غاصبا، فلو هلك في يده يضمن قيمته للموهوب له، وقال الشافعي (٣)، وأحمد (٤): يجوز الرجوع بدون القضاء أو الرضا؛ لأنه خيار في فسخ العقد فلا يفتقر إلى القضاء أو الرضا؛ كالفسخ بخيار الشرط. وقلنا (إنه) أي: الرجوع (مختلف بين العلماء، وفي أصله الرجوع وهاء)

стр. 5909

الفَصْلِ بِالرِّضَا أَوْ بِالقَضَاءِ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ الهِبَةُ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ قَبْلَ القَضَاءِ، نَفَذَ، وَلَوْ مَنَعَهُ فَهَلَكَ: لَمْ يَضْمَنْ؛ لِقِيَامِ مِلْكُهُ فِيهِ، وَكَذَا إِذَا هَلَكَ فِي يَدِهِ بَعْدَ القَضَاءِ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ القَبْضِ غَيْرُ مَضْمُونٍ، وَهَذَا دَوَامٌ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَمْنَعَهُ بَعْدَ طَلَبِهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَدَّى، وَإِذَا رَجَعَ بِالقَضَاءِ أَوْ بِالتَّرَاضِي يَكُونُ فَسْخًا مِنْ الأَصْلِ حَتَّى لَا يَشْتَرِطُ قَبْضَ الوَاهِبِ هكذا وقع في أكثر النسخ، وفي بعض النسخ: (وهي)، في المغرب: وهاء، أي: ضعف بالمد خطأ، وإنما هو الوهي مصدر وهي الحبل يهي وهيا إذا ضعف (١). وفي حصول المقصود وعدمه خفاء؛ لأنه يحتمل أن يكون غرض الواهب العوض الدنياوي، ويحتمل أن يكون غرضه ثواب الآخرة، ويحتمل أن يكون غرضه إظهار الجود والسماحة، فعلى الوجهين الأخيرين ليس الرجوع (٢) لحصول مقصوده، وعلى الوجه الأول له الرجوع، فلما تردد بين الأمرين احتاج إلى القضاء ليترجح جانب الرجوع على عدمه. وكذا اختلاف العلماء في جواز الرجوع وعدمه دليل على أن صحة حكم الرجوع ليس بقطعي فلا بد أن يتصل بالقضاء حتى يكون قطعيا، ولأن الرجوع فسخ العقد فلا يصح إلا ممن له ولاية العامة وهو القاضي، أو منهما لولايتهما على أنفسهما كالرد بالعيب بعد القبض. قوله: (الرجوع بالتراضي فسخًا من الأصل)، وبه قال الشافعي وأحمد، وقال زفر: الرجوع بغير القضاء بمنزلة الهبة المبتدأة لعود الملك إليه بتراضيهما فيعتبر عقدًا جديدًا في حق ثالث فأشبه الرد بالعيب بعد القبض بغير قضاء. وقلنا: عقد الهبة وقع جائزا موجبًا حق الفسخ، فكان الواهب بالفسخ مستوفيا حقًا ثابتًا له فيظهر على الإطلاق؛ لأن استيفاء الحق لا يتوقف على القضاء إذ حقه مقصور على العين، وفي مثله القضاء وعدمه سواء كالأخذ بالشفعة، وهذا لأنهما فعلا بدون القاضي عَيْنَ ما أمَرَ به القضاء أن لو رفعا إليه،

стр. 5910

وَيَصِحُ فِي الشَّائِعِ؛ لِأَنَّ العَقْدَ وَقَعَ جَائِزا مُوجِبًا حَقَّ الفَسْخِ، فَكَانَ بِالفَسْخِ مُسْتَوْفِيًا حَقًّا ثَابِتًا لَهُ فَيَظْهَرُ عَلَى الإِطْلَاقِ، وإنما يكون التراضي موجبًا ملكًا مبتدأ إذا تراضيا على سبب موجب للملك كالهبة، والصدقة، والوصية، وههنا تراضيا على رفع السبب الأول، وذلك لا يصلح موجبا ملكًا مبتدأ، بخلاف الرد بالعيب بغير القضاء فإن حق المشتري في عين الرد بل بالمطالبة بالجزء الفائت. ولهذا لو تعذر الرد يرجع بحصة (١) العيب من الثمن، وإذا كان حقه في وصف السلامة وكذا لو زال العيب قبل الرد لا تكون ولاية الرد، فإذا لم يكن سليما وفات المشروط كان له أن لا يرضى فيثبت حق الفسخ ضرورة، فيتوقف لزوم موجب الفسخ في حق الثالث على القضاء لعموم ولايته وقصور ولايتهما عليهما. ولا يلزم على هذا الرد في المرض فإنه لو رد في مرضه بغير قضاء يعتبر من الثلث، ولو كان الرد بالتراضي فسخًا من الأصل لاعتبر ذلك من جميع ماله كما في الرد بالقضاء؛ لأن فيه روايتين. وعن ابن سماعة في المسألة قياس واستحسان في القياس يعتبر، وفي الاستحسان من الثلث؛ لأنه تمليك مبتدأ، ولكن الرد في مرضه باختياره يتهم بالقصد إلى إبطال حق الورثة عما تعلق حقهم، فلرد قصده جعل معتبرا من الثلث لا لأنه تمليك مبتدأ، كذا في المبسوط (٢). قوله: (ويصح في الشائع)، أي: الرجوع يصح في الشائع الذي يحتمل القسمة بأن وهب دارًا أو نحوها ورجع في نصفها، ولو كان الرجوع هبة مبتدأ كما قال زفر ينبغي أن لا يصح، وحيث يصح فعلم أنه فسخ، كذا في المبسوط (٣). قوله: (فيظهر)، أي: الفسخ في الرجوع (على الإطلاق)، أي: من كل وجه في الصورتين وهما: بالرد بالقضاء، والرضا.

стр. 5911

بِخِلَافِ الرَّدِّ بِالعَيْبِ بَعْدَ القَبْضِ؛ لِأَنَّ الحَقَّ هُنَاكَ فِي وَصْفِ السَّلَامَةِ لَا فِي الفَسْخِ فَافْتَرَقَا. قَالَ: (وَإِذَا تَلِفَتِ العَيْنُ المَوْهُوبَةُ وَاسْتَحَقَّهَا مُسْتَحِقٌ، وَضَمِنَ المَوْهُوبُ لَهُ: لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الوَاهِبِ بِشَيْءٍ)؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ، فَلَا يَسْتَحِقُّ فِيهِ السَّلَامَةَ، وَهُوَ غَيْرُ عَامِلٍ لَهُ، وَالغُرُورُ فِي ضِمْنِ عَقْدِ المُعَاوَضَةِ سَبَبُ الرُّجُوعِ لَا فِي غَيْرِهِ. (بخلاف الرد بالعيب بعد القبض)، قيد به لأن الرد بالعيب قبل القبض فسخ من الأصل سواء كان بالقضاء، أو الرضى. قوله: (كما في العارية) حيث لا يرجع المستعير بضمان الاستحقاق على المعير (وهو) أي: الموهوب له (غير عامل له) أي: للواهب فلا يرجع، ويحترز به عن المودع فإنه يرجع بما ضمن على المودع؛ لأن المودع عامل للمودع في الحفظ. وقوله: (والغرور) إلى آخره جواب عما قال الشافعي إنه يرجع على الواهب لأنه غره بالهبة؛ كالبائع إذا غر المشتري. قلنا: مجرد الغرور لا يثبت حق الرجوع ما لم يوجد ضمان السلامة إما نصا، أو في ضمن عقد المعاوضة، حتى لو ضمن الواهب سلامة الموهوب للموهوب له نصا يرجع على الواهب، ذكره في الذخيرة. ولهذا لو وهب الغاصب ما غصب، أو باع، أو تصدق، أو أجر، أو رهن، أو أودع، أو أعار فهلك ضمنوا، ولا يرجع الموهوب له على الغاصب والمتصدق عليه على الغاصب، ويرجع المستأجر والمرتهن ويرجع المشتري بالثمن، ولا يرجع السارق من الغاصب، ولا غاصب الغاصب، كذا في الفصول للأَسْتَرَوْشَنِي. وفي المبسوط: مجرد الغرور لا يكفي لإثبات حق الرجوع، فإن من أخبر إنسانًا بأمن الطريق فسلك فيه فأخذه اللصوص لم يرجع على المخبر بشيء، وإنما يثبت حق الرجوع باعتبار عقد المعاوضة لأن صفة السلامة مستحقة (١).

стр. 5912

قَالَ: (وَإِذَا وَهَبَ بِشَرْطِ العِوَضِ: اُعْتُبِرَ التَّقَابُضُ في المَجْلِسِ فِي العِوَضَيْنِ، وَتَبْطُلُ بِالشُّيُوعِ)؛ لِأَنَّهُ هِبَةٌ ابْتِدَاءً فَإِنْ تَقَابَضَا: صَحَّ العَقْدُ وَصَارَ فِي حُكْمِ البَيْعِ، يُرَدُّ بِالعَيْبِ وَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ، وَتُسْتَحَقُّ فِيهِ الشُّفْعَةُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ انْتِهَاءً. وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللهُ: هُوَ بَيْعٌ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً؛ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى البَيْعِ وَهُوَ التَّمْلِيكُ بِعِوَضٍ، وَالعِبْرَةُ فِي العُقُودِ لِلْمَعَانِي، وَلِهَذَا كَانَ بَيْعُ العَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ إِعْتَاقًا. وَلَنَا: أَنَّهُ اشْتَمَلَ عَلَى جِهَتَيْنِ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا مَا أَمْكَنَ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ، وَقَدْ قوله: (وإذا وهب بشرط العوض) إلى آخره، قال المحبوبي في جامعه: هذا إذا ذكر بكلمة (على)، أما لو ذكره بحرف الباء بأن قال: وهبتك بهذا الثوب، أو بألف درهم، وقبله الآخر يكون بيعًا ابتداءً وانتهاء بالإجماع. قوله: (والعبرة في العقود للمعاني)، ألا ترى أن الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة، وكذا الحوالة بشرط عدم الأصيل كفالة، ولو وهب ابنته لرجل كان نكاحًا، ولو وهب امرأته لنفسها كان طلاقًا، ولو وهب عبده لنفسه كان إعتاقًا، ولو وهب الدين لمن عليه كان إبراء، فاللفظ واحد، والعقود مختلفة لاختلاف المعنى والمقصود. وقوله: (بيع العبد) من قبيل إضافة المصدر إلى المفعول، أي: بيع المولى العبد من نفسه. قوله: (عملا بالشبهين)؛ كالإقالة لما اشتملت على معنى البيع والفسخ جمعنا بينهما، وقد أمكن الجمع ههنا كما ذكر في المتن، وهذا لأن اللفظ قالب المعنى فلا بد من اعتباره، إلا إذا تعذر الجمع للمنافاة كما فيما ذكرا من المسائل فوجب اعتبار المعنى وسقط اعتبار اللفظ ترجيحا للمعنى عليه، ولا منافاة ههنا. فإن قيل: المنافاة ههنا ثابتة لأن قضية البيع اللزوم، وترتب الملك عليه بلا فصل، وحكم الهبة على عكسه، وتنافي اللازمين مستلزم لتنافي الملزومين فتتحقق المنافاة بين البيع والهبة ضرورة. قلنا: البيع قد يكون غير لازم كالبيع بالخيار، وقد لا يترتب الملك عليه كما في البيع الفاسد؛ لتوقفه على القبض، فلم يكن اللزوم والترتب من لوازمه ضرورة.

стр. 5913

أَمْكَنَ؛ لِأَنَّ الهِبَةَ مِنْ حُكْمِهَا تَأَخُرُ المِلْكِ إِلَى القَبْضِ، وَقَدْ يَتَرَاضَى عَنْ البَيْعِ الفَاسِدِ وَالبَيْعُ مِنْ حُكْمِهِ اللُّزُومُ، وَقَدْ تَنْقَلِبُ الهِبَةُ لَازِمَةً بِالتَّعْوِيضِ فَجَمَعْنَا بَيْنَهُمَا، بِخِلَافِ بَيْعِ نَفْسِ العَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ البَيْعِ فِيهِ، إِذْ هُوَ لَا يُصْلَحُ مَالِكًا لِنَفْسِهِ. فَصْلٌ: [مَسَائِلُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالهِبَةِ] قَالَ: (وَمَنْ وَهَبَ جَارِيَةً إِلَّا حَمْلَهَا: صَحَّتْ الهِبَةُ، وَبَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ)؛ لِأَنَّ الهبة قد تقع لازمة كهبة القريب وبالعوض، وقد يترتب الملك عليها بلا فصل؛ كما لو كانت الهبة في يد الموهوب له، فلم يكن عدم اللزوم وعدم الترتب من لوازمه ضرورة، على أن المستحيل الجمع بين المتناقضين في حالة واحدة، فأما إذا جعلناها هبة ابتداء وبيعا انتهاء فلا، بخلاف بيع العبد من نفسه فإنه يجعل إعتاقا؛ لأن العبد لا يملك غيره مالا فكيف يملك نفسه مالا. فَصْلٌ لما ذكر مسائل الهبة ألحقها بمسائل فيها بغير الهبة من استثناء وتعليق وغيرها. قوله: (إلا حملها صحت الهبة) في الأم والولد. (وبطل الاستثناء)، اعلم أن استثناء ما في البطن على ثلاثة أقسام، قسم يجوز التصرف ويبطل الاستثناء؛ كالهبة، والنكاح، والخلع، والصلح عن عدم العمد؛ لأن الاستثناء لا يعمل إلا في المحل الذي يعمل فيه العقد، فإذا لم يصح عقد الهبة على ما في البطن لكونه وصفًا - على ما مر في البيوع - لم يكن محلا للاستثناء، وكان هذا شرطا فاسدًا. والهبة ونحوها لا تبطل بالشروط الفاسدة، فيبطل الشرط ويصح العقد؛ لأن الملك في الهبة تعلق بفعل حسي وهو القبض، والفعل الحسي لا يبطل بالشروط الفاسدة، وإنما الشرط الفاسد يؤثر في العقود الشرعية؛ لأن الحسيات إذا وجدت لا مردّ لها فلا يمكن أن يجعل عدمًا. يؤيده ما روي أنه عليه الصلاة السلام أجاز العُمْرَى، وأبطل شرط

стр. 5914

الاسْتِثْنَاءَ لَا يَعْمَلُ إِلَّا فِي مَحَلٌ يَعْمَلُ فِيهِ العَقْدُ، وَالهِبَةُ لَا تَعْمَلُ فِي الحَمْلِ، لِكَوْنِهِ وَصْفًا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي البُيُوعِ، فَانْقَلَبَ شَرْحًا فَاسِدًا، وَالهِبَةُ لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ المعمر (١). وفي قسم: لا يجوز أصل التصرف به؛ كالبيع والإجارة، والرهن؛ لأن هذه العقود تبطل بالشروط الفاسدة على ما عرف فكذا باستثناء الحمل يجوز التصرف والاستثناء جميعًا كالوصية؛ لأن إفراد الحمل بالوصية جائز فكذا استثناؤه. فإن قيل: ينبغي أن لا يفسد الرهن بالشرط كالهبة لتوقف عقد الرهن على القبض وهو فعل حسي. قلنا: القبض في باب الرهن حكم للرهن؛ لأن حكم الرهن ثبوت يد الاستيفاء، وحكم العقد يضاف إلى العقد، والشرط الفاسد يؤثر في العقد، أما في الهبة الحكم هو الملك والملك يثبت بالقبض فكان للقبض حكم رهن الغلة، والفساد لا يؤثر في الركن فلغى الشرط، كذا في الإيضاح. وكأنه أراد بالركن غير العقد كما في أركان العبادات، كذا قيل وفيه نوع تأمل. قوله: (على ما بيناه في البيوع) أي: في الفصل المتصل بأول كتاب البيوع. (فانقلبت)، أي: الاستثناء شرطًا فاسدًا لما أن الجارية يتناول الحمل تبعًا لكونه جزءًا منها، فلما استثناه كان الاستثناء مخالفًا لمقتضى العقد وهو معنى الشرط الفاسد فيفسد. فإن قيل: اللبن والصوف على ظهر الغنم كالجزء له؛ كالحمل، وهبة اللبن في الضرع، والصوف على ظهر الغنم، مع أمره بحلب اللبن، وجز الصوف،

стр. 5915

الفَاسِدَةِ، وَهَذَا هُوَ الحُكْمُ فِي النِّكَاحِ وَالخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ العَمْدِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الفَاسِدَةِ، بِخِلَافِ البَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ؛ لِأَنَّهَا تَبْطُلُ بِهَا. (وَلَوْ أَعْتَقَ مَا فِي بَطْنِهَا ثُمَّ وَهَبَهَا: جَازَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ الجَنِينُ عَلَى مِلْكِهِ فَأَشْبَهَ الاسْتِثْنَاءَ، (وَلَوْ دَبَّرَ مَا فِي بَطْنِهَا ثُمَّ وَهَبَهَا: لَمْ يَجُزْ)؛ لِأَنَّ الحَمْلَ بَقِيَ عَلَى مِلْكِهِ فَلَمْ يَكُنْ شَبِيهَ الاسْتِثْنَاءِ، … ... … .. وقبض ذلك يجوز استحسانًا، وفي الحمل لا يجوز ما وجه الفرق؟ أما إذا لم يأمره بالجز والحَلْب لا يجوز عندنا، وعند الشافعي، وأحمد لا يجوز في الوجهين أيضًا كما في الحمل. قلنا: من أصحابنا من قال: إن أمره في الحمل بقبضه بعد الولادة فقبض ينبغي أن يجوز استحسانا كما في الصوف واللبن، والأصح أنه لا يجوز في الحمل أصلا؛ لأن ما في البطن ليس بمال أصلا ولا يعلم وجوده حقيقة، ولأن إخراج الولد ليس في وسعه فلا يمكن أن يجعل نائبًا في ذلك عن الواهب بخلاف الجزاز والحلب، كذا في المبسوط (١). وعند أحمد وأبي ثور صح استثناء الحمل فتصح الهبة في الأم دون الولد؛ لأنه تبرع بالأم دون الولد فأشبه العتق وبه يقول في العتق والولد المنفصل. وقلنا: الحمل كالجزء منها فكيف تصح الهبة فيه بدون الأم، والعتق ممنوع والمنفصل محل للهبة؟ قوله: (لم يجز)، أي: الهبة والفرق أن التدبير لا يزيل ملك المدبر، والموهوب متصل بما ليس بموهوب في ملك الواهب فصار كهبة المشاع فيما يقسم، أو كهبة شيء هو مشغول بملك الواهب فلم يجز، فأما الإعتاق يزيل ملكه، فإذا وهب الأم بعد إعتاق الجنين فالموهوب غير متصل بما ليس بموهوب في ملك الواهب فصار كما لو وهب أرضًا وفيها ابن الواهب واقف، وسلمها إلى الموهوب له فإن الهبة تتم كذا هذا، كذا في المبسوطين (٢). قوله: (فلم يكن شبيه الاستثناء)، أي: فصل التدبير، هذا لنفي شبهة ترد

стр. 5916

وَلَا يُمْكِنُ تَنْفِيذُ الهِبَةِ فِيهِ لِمَكَانِ التَّدْبِيرِ، فَبَقِيَ هِبَةُ المُشَاعِ أَوْ هِبَةُ شَيْءٍ هُوَ مَشْغُولٌ بِمِلْكِ الْمَالِكِ. قَالَ: (فَإِنْ وَهَبَهَا لَهُ عَلَى أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى أَنْ يَعْتِقَهَا، أَوْ أَنْ يَتَّخِذَهَا أُمَّ وَلَدٍ، عليه بأن يقال: لما لم يدخل الجنين بالتدبير في الهبة كان بمنزلة الاستثناء، وفي الاستثناء تصح الهبة وبطل الاستثناء، وقد روي في رواية: أن هبة الأم تجوز بعد تدبير ولدها، ذكره في المبسوط. فأجاب عنه بقوله: (ولم يكن شبيه الاستثناء) الحقيقي، وهو الاستثناء اللفظي فإن فيه يبطل الاستثناء ويدخل الجنين في الهبة، أما ههنا بقي الجنين على ملك الواهب، وذلك مانع هبة الأم لما ذكرنا أنه هبة مشاع يحتمل القسمة، أو هبة مشغول بملك الواهب، وشبه الإعتاق بالاستثناء من حيث إن الهبة تصح في الأم لعدم المانع. فإن قيل: في فصل التدبير ينبغي أن تصح الهبة في الأم لأنه مشاع لا يحتمل القسمة؛ لأن المعنى عدم احتمال القسمة، هو أنه لو قسمه حقيقة يهلك. قلنا: عرضية الانفصال في الحمل في ثاني الحال ثابتة فأنزل منفصلا في الحال، مع أن الجنين لم يخرج عن ملك الواهب فكان في حكم مشاع يحتمل القسمة؛ كما في هبة الجوالق وفيه طعام الواهب حيث لا تصح الهبة؛ لأن المشغول بملك الواهب كمشاع يحتمل القسمة، كذا قيل وفيه نوع تأمل. ثم جعل في الإيضاح مسألة هبة الجارية بعد التدبير شبيه الاستثناء، وهبتها بعد الإعتاق غير شبيه الاستثناء على عكس ما ذكر في الكتاب. قيل: في جوابه مراد صاحب الإيضاح بالاستثناء الاستثناء الحقيقي، ولكن لم تصح الهبة بذلك الاستثناء لمكان الشيوع، وهذا متحقق في مسألة التدبير لبقاء الملك في المدبر، وفي مسألة الإعتاق لم يكن معنى الاستثناء الذي يورث الشيوع فصح. ومراد المصنف بقوله: (فأشبه الاستثناء في مسألة الإعتاق) الاستثناء المذكور آنفا وهو استثناء الحمل فتصح الهبة.

стр. 5917

أَوْ وَهَبَ لَه دَارًا، أَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِدَارٍ عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنهَا، أَوْ يُعَوِّضَهُ شَيْئًا مِنهَا، فَالهِبَةُ جَائِزَةٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ). لِأَنَّ هَذِهِ الشَّرُوطَ تُخَالِفُ مُقْتَضَى العَقْدِ، فَكَانَتْ فَاسِدَةٌ، وَالهِبَةُ لَا تَبْطُلُ بِهَا، أَلَا تَرَى «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَجَازَ العُمْرَى وَأَبْطَلَ شَرْطَ المُعْمِرِ» بِخِلَافِ البَيْعِ «لِأَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ بَيْعِ وَشَرْطِ» وَلِأَنَّ الشَّرْطَ الفَاسِدَ فِي مَعْنَى الرِّبَا، وَهُوَ يَعْمَلُ فِي المُعَاوَضَاتِ دُونَ التَّبَرُّعَاتِ. قَالَ: (وَمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: إِذَا جَاءَ غَدٌ فَهِيَ لَكَ، أَوْ أَنْتَ مِنهَا بَرِيءٌ، أَوْ قَالَ: إِذَا أَدَّيْتَ إِلَيَّ النِّصْفَ فَلَكَ نِصْفُهُ، أَوْ أَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ النِّصْفِ البَاقِي: فَهُوَ بَاطِلٌ)؛ لِأَنَّ الإِبْرَاءَ تَمْلِيكٌ مِنْ وَجْهِ، إِسْقَاطٌ مِنْ وَجْهِ، وَهِبَةُ الدَّيْنِ مِمَّنْ عَلَيْهِ إِبْرَاءُ، قوله: (فالهبة جائزة والشرط باطل)، وبه قال الشافعي، وأحمد في رواية، وأبو ثور، وعن أحمد وأبي ثور في صحة الهبة بالشرط الفاسد وجهان بناء على الشروط الفاسدة في البيع. ثم قوله: (أو يعوضه شيئًا منها)، متصل بقوله (أو تصدق بدار)؛ لأنه لو وصل بقوله (أو وهب دارًا) كان هبة بشرط العوض، والهبة بشرط العوض صحيح، والشرط صحيح حتى تكون هبة وبيعًا انتهاءً وقد مر، وإنما لا يصح اشتراط العوض في الصدقة لا في الهبة، اللهم إلا إن أراد بقوله: (أو يعوضه شيئًا) هو أن يرد بعض الدار الموهوبة على الواهب بطريق العوض لكل الدار، فيصح صرف قوله: (أو يعوضه) حينئذ إلى قوله (أو وهب دارا) إلا أنه يلزم التكرار بلا فائدة. قوله: (وهبة الدين عمن عليه إبراء)، وبه قال الشافعي (١)، وهل يفتقر الإبراء إلى القبول عنده؟ فيه وجهان في وجه يفتقر، قيل: هذا يستقيم على قول زفر؛ فإنه قال: تتم هبة الدين بلا قبول كالإبراء، فسوى بينهما. أما عندنا: الهبة لا تتم بدون القبول، وفيه معنى التمليك، ولهذا يرتد بالرد، والإبراء يتم من غير قبول، هكذا ذكره في المبسوط (٢).

стр. 5918

وَهَذَا؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مَالٌ مِنْ وَجْهِ، وَمِنْ هَذَا الوَجْهِ كَانَ تَمْلِيكًا، وَوَصْفٌ مِنْ وَجْهِ، وَمِنْ هَذَا الوَجْهِ كَانَ إِسْقَاطًا، وَلِهَذَا قُلْنَا: إِنَّهُ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى القَبُولِ. وَالتَّعْلِيقُ بِالشُّرُوطِ يَخْتَصُّ بِالإِسْقَاطَاتِ المَحْضَةِ الَّتِي يُحْلَفُ بِهَا كَالطَّلَاقِ وَالعِتَاقِ فَلَا يَتَعَدَّاهَا. ولكن ذكر في المغني أن هبة الدين لا تتوقف على القبول في حق المديون، أما هبة الدين للكفيل تمليك فيتوقف على القبول وفيه: أن هبة دين الصرف والمسلم فيه وإبراؤه يتوقف على القبول، وفي سائر الديون لا يتوقف الإبراء باتفاق الروايات. وفي الهبة روايتان، قيل في الفرق بينهما، أن إبراء بدل الصرف والمسلم فيه يوجب انفساخ العقد؛ لأنه يوجب فوات القبض المستحق بالعقد فلم ينفرد أحد العاقدين به فيتوقف على قبول الآخر، بخلاف الإبراء عن سائر الديون؛ لأنه ليس فيه معنى فسخ عقد ثابت، وإنما فيه معنى التمليك من وجه، ومعنى الإسقاط من وجه كما ذكر في الكتاب، فلا يتوقف على القبول، كذا في الذخيرة. قوله: (وهذا لأنه)، أي: الدين مال من وجه حتى تجب فيه الزكاة، ويصح البيع بالدين، (ووصف) في الحال حتى لا يحنث لو حلف أن لا مال له. وقوله: (ولهذا يرتد بالرد) أي: أنه تمليك. وقوله: (ولا يتوقف على القبول) أمارة الإسقاط. قال الحلواني: اختلف أصحابنا الأعمش، والإسكاف في توقيت الرد بمجلس الإبراء والهبة، ولكن الرواية عن السلف المجلس وغير المجلس في الرد سواء، وإنما اختلفوا لحرف ذكره محمد، وهو أن الموهوب له لو قال مكانه: لا أقبلها كان دينًا على حالها، ذكر مكانه، فقال أحدهما: هذا توقيت بالمجلس، وقال الآخر: ليس بتوقيت كما ذكره التمرتاشي. قوله: (المحضة التي يحلف بها كالطلاق)؛ لأن التعليق بالشرط كالعفو عن القصاص والإقرار بالمال، ثم إبراء الدين وإن كان إسقاطا من وجه ولكن ليس من جنس ما يحلف بها فلا يصح تعليقه بالشرط، بخلاف ما لو قال: أنت بريء

стр. 5919

قَالَ: (وَالعُمْرَى جَائِزَةٌ لِلْمُعْمَرِ لَهُ حَالَ حَيَاتِهِ، وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ) لِمَا رَوَيْنَا. وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَجْعَلَ دَارَهُ لَهُ عُمُرَهُ. وَإِذَا مَاتَ تُرَدُّ عَلَيْهِ: فَيَصِحُّ التَّمْلِيكُ، وَيَبْطُلُ الشَّرْط من النصف على أن تؤدي إليَّ النصف الآن؛ لأن ذلك ليس بتعليق بل هو تقييد ألا ترى أنه لو قال لعبده: أنت حر على أن تؤدي إليَّ ألف درهم فقبل فإنه لا يعتق قبل الأداء، كذا ذكره قاضي خان، والمحبوبي (١). ثم يحتاج ههنا إلى بيان الإسقاطات المحض التي لا يحلف بها، والتي يحلف بها، وإلى بيان ما يصح تعليقه، والذي لا يصح تعليقه، وإلى بيان ما يصح إضافته إلى زمان في المستقبل، وما لا يصح، وإلى بيان ما يبطل بالشرط الفاسد، وما لا يبطل. قال أبو الفضل ﵀: جملة ما لا يصح تعليقه بالشرط، ويبطل بالشرط الفاسد ثلاثة عشر: البيع، والقسمة، والإجارة، والرجعة، والصلح عن مال، والإبراء عن الدين، والحجر على المأذون، وعزل الوكيل - في رواية شرح الطحاوي -، وتعليق إيجاب الاعتكاف بالشرط، والمزارعة، والمعاملة، والإقرار، والوقف - في رواية -. وما لا يبطل بالشروط الفاسدة ستة وعشرون: الطلاق، والخلع بمال، وبغير مال، والقضاء، والإمارة، والرهن، والقرض، والهبة، والصدقة، والوصاية، والشركة، والمضاربة، والتحكيم عند محمد، والكفالة، والحوالة، والإقالة، والنسب، وإذن العبد في التجارة، ودعوة الولد، والصلح عن دم العمد والجراحة التي فيها القصاص حالاً أو مؤجلا، وجناية الغصب، والوديعة، والعارية إذا ضمنها رجل وشرط فيها كفالة أو حوالة، وعقد الذمة، وتعليق الرد بالعيب بالشرط، وتعليق الرد بخيار الشرط، وعزل القاضي، والنكاح لا يصح تعليقه بالشرط ولا إضافته، ولكن لا يبطل بالشروط الفاسدة ويبطل الشرط، وكذا الحجر على المأذون لا يبطل الحجر، وكذا الهبة،

стр. 5920

لِمَا رَوَيْنَا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الهِبَةَ لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الفَاسِدَةِ وَالرُّقْبَى بَاطِلَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: جَائِزَةٌ) (*)؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: «دَارِي لَكَ» تَمْلِيكَ. وَقَوْلُهُ: والصدقة، والكتابة بشرط متعارف وغير متعارف تصح ويبطل الشرط، هذه الجملة في بيوع العدة. وذكر في إجازتها جملة ما تصح إضافته إلى زمان في المستقبل أربعة عشر: الإجارة وفسخها، والمعاملة، والمضاربة، والوكالة، والكفالة، والإيصاء، والقضاء، والإمارة، والطلاق، والعتاق، والوقف. وما يصح إضافته إلى زمان في المستقبل: البيع، وإجازة البيع، والقسمة، والشركة، والهبة، والنكاح، والرجعة، والصلح عن مال، والإبراء عن مال، والإبراء عن الدين. قوله: (لما روينا)، وهو قوله ﵊ أجاز العُمْرَى وبطل شرط المعمر (١)، وقوله ﵊: «من أعمرَ عُمرَى فَهِيَ لِلْمُعمَرِ لَهُ ولورثَتِهِ من بَعدِهِ» (٢)، وبقولنا قال الشافعي (٣)، وأحمد (٤)، وهو قول جابر بن عبد الله، وابن عباس، وابن عمر، وروي ذلك عن علي، وشريح، ومجاهد، وطاوس، والثوري (٥). وقال مالك (٦)، والليث، والشافعي في القديم (٧): العُمرى تمليك المنافع
следующие страницы →