← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.

стр. 5916

وَلَا يُمْكِنُ تَنْفِيذُ الهِبَةِ فِيهِ لِمَكَانِ التَّدْبِيرِ، فَبَقِيَ هِبَةُ المُشَاعِ أَوْ هِبَةُ شَيْءٍ هُوَ مَشْغُولٌ بِمِلْكِ الْمَالِكِ. قَالَ: (فَإِنْ وَهَبَهَا لَهُ عَلَى أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى أَنْ يَعْتِقَهَا، أَوْ أَنْ يَتَّخِذَهَا أُمَّ وَلَدٍ، عليه بأن يقال: لما لم يدخل الجنين بالتدبير في الهبة كان بمنزلة الاستثناء، وفي الاستثناء تصح الهبة وبطل الاستثناء، وقد روي في رواية: أن هبة الأم تجوز بعد تدبير ولدها، ذكره في المبسوط. فأجاب عنه بقوله: (ولم يكن شبيه الاستثناء) الحقيقي، وهو الاستثناء اللفظي فإن فيه يبطل الاستثناء ويدخل الجنين في الهبة، أما ههنا بقي الجنين على ملك الواهب، وذلك مانع هبة الأم لما ذكرنا أنه هبة مشاع يحتمل القسمة، أو هبة مشغول بملك الواهب، وشبه الإعتاق بالاستثناء من حيث إن الهبة تصح في الأم لعدم المانع. فإن قيل: في فصل التدبير ينبغي أن تصح الهبة في الأم لأنه مشاع لا يحتمل القسمة؛ لأن المعنى عدم احتمال القسمة، هو أنه لو قسمه حقيقة يهلك. قلنا: عرضية الانفصال في الحمل في ثاني الحال ثابتة فأنزل منفصلا في الحال، مع أن الجنين لم يخرج عن ملك الواهب فكان في حكم مشاع يحتمل القسمة؛ كما في هبة الجوالق وفيه طعام الواهب حيث لا تصح الهبة؛ لأن المشغول بملك الواهب كمشاع يحتمل القسمة، كذا قيل وفيه نوع تأمل. ثم جعل في الإيضاح مسألة هبة الجارية بعد التدبير شبيه الاستثناء، وهبتها بعد الإعتاق غير شبيه الاستثناء على عكس ما ذكر في الكتاب. قيل: في جوابه مراد صاحب الإيضاح بالاستثناء الاستثناء الحقيقي، ولكن لم تصح الهبة بذلك الاستثناء لمكان الشيوع، وهذا متحقق في مسألة التدبير لبقاء الملك في المدبر، وفي مسألة الإعتاق لم يكن معنى الاستثناء الذي يورث الشيوع فصح. ومراد المصنف بقوله: (فأشبه الاستثناء في مسألة الإعتاق) الاستثناء المذكور آنفا وهو استثناء الحمل فتصح الهبة.

стр. 5917

أَوْ وَهَبَ لَه دَارًا، أَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِدَارٍ عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنهَا، أَوْ يُعَوِّضَهُ شَيْئًا مِنهَا، فَالهِبَةُ جَائِزَةٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ). لِأَنَّ هَذِهِ الشَّرُوطَ تُخَالِفُ مُقْتَضَى العَقْدِ، فَكَانَتْ فَاسِدَةٌ، وَالهِبَةُ لَا تَبْطُلُ بِهَا، أَلَا تَرَى «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَجَازَ العُمْرَى وَأَبْطَلَ شَرْطَ المُعْمِرِ» بِخِلَافِ البَيْعِ «لِأَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ بَيْعِ وَشَرْطِ» وَلِأَنَّ الشَّرْطَ الفَاسِدَ فِي مَعْنَى الرِّبَا، وَهُوَ يَعْمَلُ فِي المُعَاوَضَاتِ دُونَ التَّبَرُّعَاتِ. قَالَ: (وَمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: إِذَا جَاءَ غَدٌ فَهِيَ لَكَ، أَوْ أَنْتَ مِنهَا بَرِيءٌ، أَوْ قَالَ: إِذَا أَدَّيْتَ إِلَيَّ النِّصْفَ فَلَكَ نِصْفُهُ، أَوْ أَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ النِّصْفِ البَاقِي: فَهُوَ بَاطِلٌ)؛ لِأَنَّ الإِبْرَاءَ تَمْلِيكٌ مِنْ وَجْهِ، إِسْقَاطٌ مِنْ وَجْهِ، وَهِبَةُ الدَّيْنِ مِمَّنْ عَلَيْهِ إِبْرَاءُ، قوله: (فالهبة جائزة والشرط باطل)، وبه قال الشافعي، وأحمد في رواية، وأبو ثور، وعن أحمد وأبي ثور في صحة الهبة بالشرط الفاسد وجهان بناء على الشروط الفاسدة في البيع. ثم قوله: (أو يعوضه شيئًا منها)، متصل بقوله (أو تصدق بدار)؛ لأنه لو وصل بقوله (أو وهب دارًا) كان هبة بشرط العوض، والهبة بشرط العوض صحيح، والشرط صحيح حتى تكون هبة وبيعًا انتهاءً وقد مر، وإنما لا يصح اشتراط العوض في الصدقة لا في الهبة، اللهم إلا إن أراد بقوله: (أو يعوضه شيئًا) هو أن يرد بعض الدار الموهوبة على الواهب بطريق العوض لكل الدار، فيصح صرف قوله: (أو يعوضه) حينئذ إلى قوله (أو وهب دارا) إلا أنه يلزم التكرار بلا فائدة. قوله: (وهبة الدين عمن عليه إبراء)، وبه قال الشافعي (١)، وهل يفتقر الإبراء إلى القبول عنده؟ فيه وجهان في وجه يفتقر، قيل: هذا يستقيم على قول زفر؛ فإنه قال: تتم هبة الدين بلا قبول كالإبراء، فسوى بينهما. أما عندنا: الهبة لا تتم بدون القبول، وفيه معنى التمليك، ولهذا يرتد بالرد، والإبراء يتم من غير قبول، هكذا ذكره في المبسوط (٢).

стр. 5918

وَهَذَا؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مَالٌ مِنْ وَجْهِ، وَمِنْ هَذَا الوَجْهِ كَانَ تَمْلِيكًا، وَوَصْفٌ مِنْ وَجْهِ، وَمِنْ هَذَا الوَجْهِ كَانَ إِسْقَاطًا، وَلِهَذَا قُلْنَا: إِنَّهُ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى القَبُولِ. وَالتَّعْلِيقُ بِالشُّرُوطِ يَخْتَصُّ بِالإِسْقَاطَاتِ المَحْضَةِ الَّتِي يُحْلَفُ بِهَا كَالطَّلَاقِ وَالعِتَاقِ فَلَا يَتَعَدَّاهَا. ولكن ذكر في المغني أن هبة الدين لا تتوقف على القبول في حق المديون، أما هبة الدين للكفيل تمليك فيتوقف على القبول وفيه: أن هبة دين الصرف والمسلم فيه وإبراؤه يتوقف على القبول، وفي سائر الديون لا يتوقف الإبراء باتفاق الروايات. وفي الهبة روايتان، قيل في الفرق بينهما، أن إبراء بدل الصرف والمسلم فيه يوجب انفساخ العقد؛ لأنه يوجب فوات القبض المستحق بالعقد فلم ينفرد أحد العاقدين به فيتوقف على قبول الآخر، بخلاف الإبراء عن سائر الديون؛ لأنه ليس فيه معنى فسخ عقد ثابت، وإنما فيه معنى التمليك من وجه، ومعنى الإسقاط من وجه كما ذكر في الكتاب، فلا يتوقف على القبول، كذا في الذخيرة. قوله: (وهذا لأنه)، أي: الدين مال من وجه حتى تجب فيه الزكاة، ويصح البيع بالدين، (ووصف) في الحال حتى لا يحنث لو حلف أن لا مال له. وقوله: (ولهذا يرتد بالرد) أي: أنه تمليك. وقوله: (ولا يتوقف على القبول) أمارة الإسقاط. قال الحلواني: اختلف أصحابنا الأعمش، والإسكاف في توقيت الرد بمجلس الإبراء والهبة، ولكن الرواية عن السلف المجلس وغير المجلس في الرد سواء، وإنما اختلفوا لحرف ذكره محمد، وهو أن الموهوب له لو قال مكانه: لا أقبلها كان دينًا على حالها، ذكر مكانه، فقال أحدهما: هذا توقيت بالمجلس، وقال الآخر: ليس بتوقيت كما ذكره التمرتاشي. قوله: (المحضة التي يحلف بها كالطلاق)؛ لأن التعليق بالشرط كالعفو عن القصاص والإقرار بالمال، ثم إبراء الدين وإن كان إسقاطا من وجه ولكن ليس من جنس ما يحلف بها فلا يصح تعليقه بالشرط، بخلاف ما لو قال: أنت بريء

стр. 5919

قَالَ: (وَالعُمْرَى جَائِزَةٌ لِلْمُعْمَرِ لَهُ حَالَ حَيَاتِهِ، وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ) لِمَا رَوَيْنَا. وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَجْعَلَ دَارَهُ لَهُ عُمُرَهُ. وَإِذَا مَاتَ تُرَدُّ عَلَيْهِ: فَيَصِحُّ التَّمْلِيكُ، وَيَبْطُلُ الشَّرْط من النصف على أن تؤدي إليَّ النصف الآن؛ لأن ذلك ليس بتعليق بل هو تقييد ألا ترى أنه لو قال لعبده: أنت حر على أن تؤدي إليَّ ألف درهم فقبل فإنه لا يعتق قبل الأداء، كذا ذكره قاضي خان، والمحبوبي (١). ثم يحتاج ههنا إلى بيان الإسقاطات المحض التي لا يحلف بها، والتي يحلف بها، وإلى بيان ما يصح تعليقه، والذي لا يصح تعليقه، وإلى بيان ما يصح إضافته إلى زمان في المستقبل، وما لا يصح، وإلى بيان ما يبطل بالشرط الفاسد، وما لا يبطل. قال أبو الفضل ﵀: جملة ما لا يصح تعليقه بالشرط، ويبطل بالشرط الفاسد ثلاثة عشر: البيع، والقسمة، والإجارة، والرجعة، والصلح عن مال، والإبراء عن الدين، والحجر على المأذون، وعزل الوكيل - في رواية شرح الطحاوي -، وتعليق إيجاب الاعتكاف بالشرط، والمزارعة، والمعاملة، والإقرار، والوقف - في رواية -. وما لا يبطل بالشروط الفاسدة ستة وعشرون: الطلاق، والخلع بمال، وبغير مال، والقضاء، والإمارة، والرهن، والقرض، والهبة، والصدقة، والوصاية، والشركة، والمضاربة، والتحكيم عند محمد، والكفالة، والحوالة، والإقالة، والنسب، وإذن العبد في التجارة، ودعوة الولد، والصلح عن دم العمد والجراحة التي فيها القصاص حالاً أو مؤجلا، وجناية الغصب، والوديعة، والعارية إذا ضمنها رجل وشرط فيها كفالة أو حوالة، وعقد الذمة، وتعليق الرد بالعيب بالشرط، وتعليق الرد بخيار الشرط، وعزل القاضي، والنكاح لا يصح تعليقه بالشرط ولا إضافته، ولكن لا يبطل بالشروط الفاسدة ويبطل الشرط، وكذا الحجر على المأذون لا يبطل الحجر، وكذا الهبة،

стр. 5920

لِمَا رَوَيْنَا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الهِبَةَ لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الفَاسِدَةِ وَالرُّقْبَى بَاطِلَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: جَائِزَةٌ) (*)؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: «دَارِي لَكَ» تَمْلِيكَ. وَقَوْلُهُ: والصدقة، والكتابة بشرط متعارف وغير متعارف تصح ويبطل الشرط، هذه الجملة في بيوع العدة. وذكر في إجازتها جملة ما تصح إضافته إلى زمان في المستقبل أربعة عشر: الإجارة وفسخها، والمعاملة، والمضاربة، والوكالة، والكفالة، والإيصاء، والقضاء، والإمارة، والطلاق، والعتاق، والوقف. وما يصح إضافته إلى زمان في المستقبل: البيع، وإجازة البيع، والقسمة، والشركة، والهبة، والنكاح، والرجعة، والصلح عن مال، والإبراء عن مال، والإبراء عن الدين. قوله: (لما روينا)، وهو قوله ﵊ أجاز العُمْرَى وبطل شرط المعمر (١)، وقوله ﵊: «من أعمرَ عُمرَى فَهِيَ لِلْمُعمَرِ لَهُ ولورثَتِهِ من بَعدِهِ» (٢)، وبقولنا قال الشافعي (٣)، وأحمد (٤)، وهو قول جابر بن عبد الله، وابن عباس، وابن عمر، وروي ذلك عن علي، وشريح، ومجاهد، وطاوس، والثوري (٥). وقال مالك (٦)، والليث، والشافعي في القديم (٧): العُمرى تمليك المنافع

стр. 5921

رُقْبَى شَرْطٌ فَاسِدٌ كَالْعُمْرَى وَلَهُمَا: أَنَّهُ ﵊ أَجَازَ العُمْرَى وَرَدَّ الرُّقْبَى وَلِأَنَّ مَعْنَى الرُّقْبَى عِنْدَهُمَا: إِنْ مِتُّ قَبْلَكَ فَهُوَ لَكَ، وَاللَّفْظُ مِنْ المُرَاقَبَةِ كَأَنَّهُ يُرَاقِبُ مَوْتَهُ، وَهَذَا تَعْلِيقُ التَّمْلِيكِ بِالخَطَرِ فَبَطَلَ. وَإِذَا لَمْ تَصِحٌ تَكُونُ عَارِيَّةٌ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إِطْلَاقَ الانْتِفَاعِ بِهِ. لا تمليك العين، ويكون للمُعْمَرِ السكنى، فإذا مات عادت إلى المُعْمِرِ، وإن قال له: ولعقبه، كان سكناها لهم، فإذا انقرضوا عادت إلى المعمر؛ لأن هذا التصرف إلى المنافع؛ لأن تمليك الرقبة لا يتأقت. وعن ابن الإعرابي: لم يختلف العرب في العُمرَى، والرقبى، والاحتيال، والمنحة، والعرية، والعارية والسكنى أنها على ملك أربابها، ومنافعها لمن جعلت له، وبكل إجماع أهل المدينة على ذلك. ولنا ما روى جابر أنه عليه الصلاة السلام قال: «أمسكوا عليكم أموالكم ولا تُفسدوها فإنّه من أعمَرَ عُمرَى فَهِيَ لِلَّذِي أعْمَرَها حيا وميتا لعَقِبِهِ»، رواه مسلم (١)، وفي لفظة: قضى رسول الله ﷺ بالعمرى لمن وهبت له. متفق عليه (٢)، ورواه ابن ماجه عن ابن عمر (٣). وقد روى مالك حديث العُمرى في الموطأ (٤)، وهو صحيح، رواه جابر، وابن عمر، وابن عباس، ومعاوية، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، وما نقل من إجماع أهل المدينة غير صحيح لاختلاف كثير من الصحابة، وقول ابن الأعرابي أنها عند العرب تمليك المنافع لا تضر إذا تكفلها (٥) الشارع إلى تمليك الرقبة كما في الصلاة والزكاة. قوله: (ومعناه أن يجعل) (٦) إلى آخره، هذا في بعض النسخ، وقيل: صورة

стр. 5922

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . العُمرى أن يقول: أعمَرْتُكَ داري هذه، أو هي لكَ عُمْري، أو ما عشت، أو مدة حياتِكَ، أو ما حَبِيتَ، فإذا مِتَّ فهي رَدُّ عليَّ، أو نحو هذا، سُمِّيت عُمْرَى لتقييدها بالمُعْمر. والرُّقْبَى أن يقول: أرقبتك هذه الدار وهي لك حياتك، على أنك إن متَّ قبلي عادت إليَّ، وإن من قبلك فهي لك ولِعَقِبِكَ، فكأنه يقول: هي لآخرنا موتا، سميت رقبى لأن كل واحد يرقب موت صاحبه. وكذا لو قال: داري لك رقبى، أو حبيس، تفسيره أن يقول: هو حبيس عندي، فإن مت فهي لك. ثم الرقبى باطلة عند أبي حنيفة، ومحمد، وبه قال مالك؛ لما روي أنه ﵊ أجاز العُمرى وأبطل الرقبى (١). وقال أبو يوسف: جائزة، وبه قال الشافعي وأحمد؛ لما روي أنه ﵊ قال: «العُمرى جائزة لأهْلِها، والرُّقبى جائزة لأهلها»، رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن (٢). ولأن قوله: داري لك، تمليك صحيح، وقوله: رُقبى، أو حبيس، شرط فاسد؛ لأنه شرط رد الملك عليه بعد الموت؛ لأن معناه ملكتك داري فهي هذه وهي محبوسة عندي لك، فإن متُّ فهي لك، أو أراقب موتك ليعود إلي فيكون بمنزلة العُمْرَى. وحاصل اختلافهم راجع إلى تفسير الرُّقْبَى مع اتفاقهم أنها من المراقبة، فحمل أبو يوسف هذا اللفظ على أنه تمليك للحال، والرجوع إلى الواهب منتظر فيكون كالعُمْرَى.

стр. 5923

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقالا: المراقبة في نفس التمليك؛ لأن معناه: لآخرنا موتا، وكان هذا تعليق التمليك بالخطر وهو موت المُمَلكِ قبله وذا باطل. وفي الأسرار: حمل أبو يوسف حديث بطلان الرقبي على أنه ﵊ سئل عن الرقبة التي بمعنى المراقبة، يعني راقب موتي، إن متُ قبلك فهي لك، فعلى هذا الوجه لا يصح بالاتفاق، وعلى الوجه الأولى كالعُمرى فيصح بالاتفاق (١). وقال ابن قدامة في المغني: حديثهم أنه ﵊ أجاز العُمرى وأبطل الرقبى لا نعرفه (٢). قلنا: هذا لا يوجب الطعن؛ فإن الثقات مثل مالك، وأبو حنيفة تمسكوا به. وفي المبسوط: حديثه مروي عن ابن الزبير (٣)، عن جابر، وحديثهما مروي عن الشعبي، عن شريح، والحديثان صحيحان، فلا بد من التوفيق بينهما، فنقول: الرقبى قد يكون بمعنى الإرقاب، وقد يكون بمعنى الرقب، فحيث قال: أجاز الرقبي كان بمعنى الإرقاب، بأن يقول: رقبة داري لك، وحيث قال: رُدَّ الرقبى، كان من الترقب، وهو أن يقول: أرقب موتك وتراقب موتي، فإن مت فهي لي، وإن مِتَّ فهي لي، فيكون هذا تعليق التمليك بالخطر وهو موت المُمَلك قبله، وذلك باطل. ثم لما احتمل المعنيان، والملك لذي اليد فيها ثابت بيقين فلا يزيله بالشك. والجواب عن قوله: داري لك تمليك، وذلك إنما يصح إذا لم يفسر هذه الإضافة بشيء، أما إذا فسره بقوله: رقبى، أو: حبس، تبين أنه ليس بتمليك،

стр. 5924

فَصْلٌ: فِي الصَّدَقَةِ قَالَ: (وَالصَّدَقَةُ كَالهِبَةِ لَا تَصِحُ إِلَّا بِالقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ كَالهِبَةِ فَلَا تَجُوزُ فِي مُشَاعٍ يَحْتَمِلُ القِسْمَةَ) لِمَا بَيَّنَّا فِي الهِبَةِ (وَلَا رُجُوعَ فِي الصَّدَقَةِ)؛ لِأَنَّ المَقْصُودَ هُوَ الثَّوَابُ وَقَدْ حَصَلَ. وَكَذَا إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٌّ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ بِالصَّدَقَةِ كما في قوله: داري لك سكنى، تكون عارية. وفي المغرب: المهملة العين، وقول أبي يوسف في حديث جابر أنه أجاز الرقبي إنه من الإرقاب، بمعنى: رقبة داري لك، والاشتقاق من الرقبة مما لم يقله أحد، وإبداع الشيء ليس بمستحسن. والصواب: أنه بمعنى المراقبة والترقب. وأما قوله: الحديثان صحيحان، فإن كان كذلك فالتأويل ظاهر، وهو أن يراد بالرد والإبطال إبطال شرط الجاهلية، وبالإجازة أن يكون ذلك تمليكا مطلقا، ويدل عليه ما روى جابر أنه عليه الصلاة السلام قال: «أمسكوا عليكم أموالكم لا تعمروها فمَنْ أَعْمَرَ شيئًا فهو لَهُ»، (١) ألا ترى أنه عليه الصلاة السلام نهى ثم أجاز على اختلاف الفرضين، ويبقى الاشتقاق على أصل واحد كما هو القياس مع سلامة المعنى. فَصْلٌ فِي الصَّدَقَةِ لما بين أحكام الهبة ألحقها فصل الصدقة؛ لمشاركتها الهبة في الشروط، وبفصل على حدة لمخالفتها إياها في الحكم، وقدَّم الهبة لعمومها في الكافرة، والمسلمة، وكثرة تفريعاتها. قوله: لما بينا في الهبة، أراد به قوله: (لأن في تجويزه إلزامه شيئًا لم يلتزمه وهو القسمة). قوله: (استحسانًا)، وفي القياس ينبغي أن يرجع؛ لأن الصدقة في حق الغني هبة، وبه قال بعض أصحابنا؛ لأنه إنما يقصد به العوض منه دون الثواب فصار الهبة والصدقة فيه، كما أن الهبة والصدقة في حق الفقير سواء.

стр. 5925

عَلَى الغَنِيِّ الثَّوَابَ. وَكَذَا إِذَا وَهَبَ الفَقِيرَ؛ لِأَنَّ المَقْصُودَ الثَّوَابُ وَقَدْ حَصَلَ. (وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ: يَتَصَدَّقُ بِجِنْسِ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمِلْكِهِ: لَزِمَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالجَمِيعِ) وَيُرْوَى: أَنَّهُ وَالأَوَّلَ سَوَاءٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الفَرْقَ. وَوَجْهُ الرِّوَايَتَيْنِ فِي مَسَائِلِ القَضَاءِ وَيُقَالُ لَهُ: أَمْسِكْ مَا تُنْفِقُهُ عَلَى نَفْسِكَ وَعِيَالِكَ إِلَى أَنْ تَكْتَسِبَ، فَإِذَا اكْتَسَبَ مَالًا يَتَصَدَّقُ بِمِثْلِ مَا أَنْفَقَ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ. وجه الاستحسان: أن لفظ الصدقة يدل على أنه لم يقصد العوض، ومراعاة لفظه مع أن التصدق على الغني يكون قربة يستحق بها الثواب؛ فإن من له نصاب وله عيال كثيرة فالناس يتصدقون عليه على نيل الثواب، ولهذا تتأدى الزكاة بالتصدق عليه حالة الاشتباه، ولا رجوع فيه بالاتفاق، فكذلك عند العلم بحاله لا يثبت له حق الرجوع بالشك، كذا في المبسوط (١). قوله: (في مسائل القضاء)، أي: من هذا الكتاب في مسألة: مالي صدقة على المساكين، فقد مرت المسألة بوجوهها وتفريعاتها فيه. وفي فتاوى الكبرى: إذا تصدق عن الميت، أو دعا له بعث إلى الميت ذلك على طبق من نور، وبه قال أحمد (٢)، و [قال] (٣) الشافعي: لا يلحق الميت ما من صدقة تصدق بها له، أو دعاء يدعى له، أو قراءة قرآن (٥). يفعل عنه (٤).

стр. 5926

كِتَابُ الإِيجَارَاتِ (كِتَابُ الْإِجَارَاتِ) لما فرغ من تمليك العين بغير عوض شرع في تمليك المنفعة بعوض، وقدم الهبة على الإجارة لأنها تمليك العين، والعين مقدم على المنفعة، ولأن فيها عدم العوض، والعدم مقدم على الوجود، ووصله بفصل الصدقة. ثم من محاسن الإجارة دفع الحاجات بقليل من الأبدال، ولهذا قيل: إن الفقير ينتفع بفلوسه من الاستحمام مثل انتفاع غني يصرف الألوف لاستحمامه. ثم الإجارة لغة: فعالة من الأجر، اسم للأجرة، وهو العوض، قال تعالى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]، وسمي الثواب أجرًا لأنه تعالى يعوض العبد به. وقد آجره إذا أعطاه أجرته، من باب: طَلَبَ وضَرَبَ، فهو آجر، وذاك مأجور. وفي العين، والأساس: آجرت مملوكي، وآجرني داره فاستأجرتها، أو آجره إيجارًا فهو مؤجر، ولا تقل: مؤاجر فإنه خطأ وقبيح. أما الخطأ فظاهر، وهو أنه مهموز أفعل. وأما قوله: مؤاجر، معتل فاعل، والقبح أنه استعمل في موضع قبيح. ثم قال: وليس آجر هذا: فاعل، ولكن: أفعل، وإنما الذي هو فاعل قولك: آجر الأجير مؤاجرة، كقولك: شاهره وعارضه (١). فالحاصل أنك إذا قلت: آجره الدار، أو المملوك فهو من (أفعل) لا غير، وإذا قلت: أجر الأجير كان مؤجرًا، وأما اسم الفاعل فمن نحو: آجره الدار

стр. 5927

(الإِجَارَةُ: عَقْدٌ عَلَى المَنَافِعِ بِعِوَضٍ) لِأَنَّ الإِجَارَةَ فِي اللُّغَةِ بَيْعُ المَنَافِعِ، وَالقِيَاسُ يَأْبَى جَوَازَهُ؛ لِأَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ المَنْفَعَةُ، وَهِيَ مَعْدُومَةٌ، وَإِضَافَةُ التَّمْلِيكِ إِلَى مَا سَيُوجَدُ لَا يَصِحُّ، إِلَّا أَنَّا جَوَّزْنَاهُ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَقَدْ شَهِدَتْ بِصِحَّتِهَا الآثَارُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: «أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» مؤجر، والأجر في معناه غلط محض، واسم المفعول من: أجره الدار مؤجر لا مؤاجر، ومن أجر الأجير: مؤجر ومؤاجر؛ لأنه يحتمل أن يكون قوله: آجر الأجير من أفعل، أو من فاعل، هذا حاصل ما ذكره في المغرب (١). والإجارة في اللغة كذا يعني يستعملونه في بيع المنفعة، وفي الشرع: بيع منفعة معلومة بأجر معلوم. قوله: (وقد شهدت بصحتها الآثار)، أي: ثبتت شرعيتها بالآثار، والكتاب أيضًا، قال تعالى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]، وقال تعالى في قصة موسى: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]، وشريعة من قبلنا لازم علينا ما لم يقم دليل انتساخه. قوله: (وهو)، أي: الأثر، أو الآثار، أو ذكره بالنظر إلى الخبر: «أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ» (٢)، فالأمر بإعطاء الأجر دليل صحة العقد. وفي المبسوط: بعث النبي ﵊ والناس يباشرونه فأقرهم على ذلك وبين أحكامه (٣). والسنة في الباب كثيرة، وأجمع أهل كل عصر وكل مصر على جواز الإجارة، إلا ما حكي عن عبد الرحمن الأصم أنه قال: لا يجوز وذلك لأنه غرر، يعني بعقد على منافع لم تخلق، وهذا غلط لا يمنع انعقاد الإجماع الذي سبق. وركنها: الإيجاب والقبول بالألفاظ الموضوعة لعقد الإجارة، وتنعقد

стр. 5928

وَقَوْلُهُ ﵊: «مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ» … بلفظين يعبر بهما عن الماضي، نحو أن يقول أحدهما: آجرت، ويقول الآخر: قبلت. ولا ينعقد بلفظين يعبر بأحدهما عن المستقبل نحو أن يقول: أجرني، فيقول الآخر: آجرتُ، اعتبار البيع المنفعة ببيع العين. وتنعقد بلفظ الإعارة، حتى لو قال: أعرتك هذه الدار شهرًا بكذا، أو قال: كل شهر بكذا، أو هذا الشهر بكذا تنعقد، وكذا لو قال: وهبتك منافع هذه الدار شهرًا بكذا، أو ملكتك منافعها بكذا يجوز. وينعقد بالتعاطي فإن محمدًا ذكر في إجارات الأصل: استأجر قدورًا بغير أعيانها لا يجوز؛ لتفاوت القدور من حيث الصغر، والكبر، فإن جاء بقدور وقبلها منه على الكراء الأول جاز، وتكون هذه إجارة مبتدأ بالتعاطي. وقال شيخ الإسلام: لا تنعقد بلفظ البيع، وينبغي أن يجوز استعارة لفظ البيع، إن أضيف إلى الدار فهو صالح لتمليك عينها، فلا يجوز أن يجعل مجازا عن غيره، وإن أضيف إلى المنفعة والمنفعة معدومة، والمعدوم لا يصلح لإضافة العقد. وقيل: على هذا ينبغي أن لا تنعقد بلفظ الهبة والتمليك، وبالإجماع تنعقد بهما. وفي العيون: لو باشر العقد على العين بلفظ الإجارة، أو باشر على المنفعة بلفظ الإجارة يجوز؛ لأن لفظ الإجارة لا يختص بتمليك الأعيان، وكل لفظ لا يختص بتمليك الأعيان ملحق بلفظ الإجارة، وكل لفظ يختص بتمليك الأعيان لا يلحق بالإجارة، والبيع يختص بتمليك الأعيان فلا يلحق بالإجارة، والعارية والهبة والتمليك لا تختص بتمليك الأعيان فتلحق بالإجارة؛ لأن الإجارة على خلاف القياس؛ لأنها ترد على المعدوم، والمعدوم لا يصلح للعقد، إلا أن الشرع ورد بجوازها إذا باشر العقد بلفظ الإجارة فينعقد به وبما هو ملحق به،

стр. 5929

وَتَنْعَقِدُ سَاعَةً فَسَاعَةً عَلَى حَسَبِ حُدُوثِ المَنْفَعَةِ، وَالدَّارُ أُقِيمَتْ مَقَامَ المَنْفَعَةِ فِي فبقي لفظ البيع على أصل القياس (١)، وعند الشافعي (٢)، وأحمد (٣) في وجه ينعقد بلفظ البيع لجواز استعارة السبب للمسبب، وعن أحمد لا ينعقد بلفظ البيع كقولنا (٤). قوله: (وتنعقد ساعة فساعة) إلى آخره، اعلم أن محل العقد المنافع، وهو قول مالك، وأحمد، وأكثر أصحاب الشافعي، وأكثر أهل العلم، وقال بعض أصحاب الشافعي: محل العقد العين؛ لأنها الموجودة، والعقد يضاف إليها، فيقول: أجرتك داري. وقلنا: المعقود عليه هو المستوفى بالعقد وذلك المنافع لا الأعيان؛ لأن الأجر في مقابلة المنفعة دون العين، وإضافة العقد إلى العين لأنها محل المنفعة، ولهذا قال أصحابنا: ينعقد ساعة فساعة في حق المحل على حسب حدوث المنافع، والعين جعلت خلفًا بالعقد حال وجود المنفعة. وهذا كالسلم فإنه مقام الذمة التي هي محل للمسلم فيه مقام المعقود عليه في حق جوار السلم. وعند الأئمة الثلاثة تجعل المنافع المعدومة كالموجودة حكمت ضرورة تصحيح العقد. وفي الإيضاح، والأسرار: ينبني على هذا الأصل مسائل الشافعي، منها: أن الأجرة تملك بنفس العقد عنده، ويستوفي للحال لأنه أعطى للمنافع المعدومة حكم الوجود فصارت بمنزلة بيع عين موجود، وذلك يوجب الثمن حالا. ومنها: ما لو آجر داره فلم يسلمها مدة لم يجبر على التسليم في باقي المدة، كما لو اشترى شيئين صفقة ولم يسلمها حتى هلك أحدهما.

стр. 5930

حَقُّ إِضَافَةِ العَقْدِ إِلَيْهَا لِيَرْتَبِطَ الإِيجَابُ بِالقَبُولِ، ثُمَّ عَمَلُهُ يَظْهَرُ فِي حَقِّ المَنْفَعَةِ مِلْكًا وَاسْتِحْقَاقًا حَالَ وُجُودِ المَنْفَعَةِ. (وَلَا تَصِحُ حَتَّى تَكُونَ المَنَافِعُ مَعْلُومَةً، وَالأجْرَةُ مَعْلُومَةً) لِمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّ الجَهَالَةَ فِي المَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَفِي بَدَلِهِ تُفْضِي إِلَى المُنَازَعَةِ كَجَهَالَةِ الثَّمَنِ وَالمُثَمَّنِ فِي ومنها: إذا مات أحد المتعاقدين لم يبطل العقد عنده وورث المنافع. ومنها: لو مات الموصى له بسكنى الدار ورث عنده السكني. ومنها: ما لو آجر عبده، ثم أعتقه بقي العقد؛ لأن منافعه صارت في حكم المملوك للمستأجر. ومنها: ما لو أجر الوصي اليتيم سنة ثم بلغ لم يملك نقض العقد، كما لو باع ماله. ومنها: ما أجاز (١) سكنى داره بسكنى دار أخرى يجوز عنده كبيع الدار بالدار. وما قلنا أولى مما قال؛ لأن الدار خلف في حق إضافة العقد بلا خلاف. ثم بعد ذلك يتأخر عمل اللفظ إلى حين وجود المنفعة، وحكم العقد يقبل الفصل من العقد كما في البيع بخيار الشرط، فكان ما قلنا تغيير أمر شرعي بدليل شرعي؛ فإن إقامة السبب مقام المسبب أصل في الشرع كإقامة السفر مقام المشقة والبلوغ مقام كمال العقل وهلم جرا من النظائر، وفيما ذكره قلب الحقيقة، وفيه نوع تأمل. قوله: (ولا تصح) أي، العقد (حتى تكون المنافع معلومة) إلى آخره، هذا شروع في بيان شروط عقد الإجارة، وشرط كون المنفعة والأجرة معلومة بلا خلاف. وقوله: (لما روينا) إشارة إلى قوله ﵇: «مَنِ استأجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أجره» (٢)، فعبارته تدل على اشتراط إعلام الأجرة، وبدلالته على اشتراط إعلام

стр. 5931

البَيْعِ (وَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا فِي البَيْعِ جَازَ أَنْ يَكُونَ أُجْرَةٌ فِي الإِجَارَةِ)؛ لِأَنَّ الأُجْرَةَ ثَمَنُ المَنْفَعَةِ، فَتُعْتَبَرُ بِثَمَنِ المَبِيعِ. وَمَا لَا يَصْلُحُ ثَمَنًا يَصْلُحُ أُجْرَةً أَيْضًا كَالأَعْيَانِ. فَهَذَا اللَّفْظُ لَا يَنْفِي صَلَاحِيَّةَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ مَالِيٌّ (وَالْمَنَافِعُ تَارَةً تَصِيرُ المنافع؛ لأن اشتراط إعلامها لقطع المنازعة، والمنفعة يشاركها في هذا المعنى، بل هي الأصل في العقد فجهالتها أولى أن تكون مانعة للصحة. قوله: (كالأعيان)، أي: الأعيان التي ليست من ذوات الأمثال؛ كالحيوانات والعدديات المتفاوتة فإنها لا تصلح ثمنًا أصلا لما ذكرنا في البيوع أن الأصول ثلاثة: ثمن محض: كالدراهم، ومبيع محض: كالأعيان التي ليست من ذوات الأمثال، وما كان بينهما كالمكيلات والموزونات. ثم الأعيان إنما تصلح أجرة إذا كانت معينة، أما إذا كانت دينا لا تصلح أجرة لأن الحيوان لا يثبت في الذمة بدلا عما هو مال، كذا في المغني. قوله: (وهذا اللفظ)، أي: قوله (ما جاز أن يكون ثمنًا في البيع) إلى آخره. (لا ينفي صلاحية غيره)، أي: غير الثمن، (لأنه)، أي: الأجرة على تأويل الأجر عوض مالي فيعتمد وجود المال، والأعيان مال، وبه قالت الأئمة الثلاثة حتى قالوا: يجوز إجارة سكنى دار بسكنى دار؛ لأن السكنى يجوز أن تكون ثمنًا فيجوز أن تكون أجرة، وتجيء هذه المسألة. وكره الثوري الإجارة بطعام موصوف في الذمة؛ لأن المنفعة غير موجودة في الحال فيلزم بيع الكالئ بالكالئ. وقلنا: إنه عوض يجوز في البيع فيجوز في الإجارة؛ كالذهب والفضة. ثم الأجرة إن كانت من النقود يشترط بيان جنسها وحقيقتها بأنها جيدة، أو وسط، أو رديء، وإن كانت مكيلا أو موزونًا أو عدديًا متقاربا يشترط فيها بيان القدر والصفة، ويحتاج إلى بيان مكان الإيفاء إذا كان له حمل ومؤنة عند أبي حنيفة، خلافًا لباقي العلماء.

стр. 5932

مَعْلُومَةٌ بِالمُدَّةِ كَاسْتِنْجَارِ الدُّورِ لِلسُّكْنَى وَالأَرْضِينَ لِلزِّرَاعَةِ، فَيَصِحُ العَقْدُ عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ أَي مُدَّةٍ كَانَتْ؛ لِأَنَّ المُدَّةَ إِذَا كَانَتْ مَعْلُومَةً كَانَ قَدْرُ المَنْفَعَةِ فِيهَا مَعْلُومًا إِذَا كَانَتْ المَنْفَعَةُ لَا تَتَفَاوَتُ. وَقَوْلُهُ: «أَيِّ مُدَّةٍ كَانَتْ» إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ طَالَتْ المُدَّةُ أَوْ قَصُرَتْ لِكَوْنِهَا مَعْلُومَةً، وَلِتَحَقُّقِ الحَاجَةِ إِلَيْهَا عَسَى، … ... … ... . وإن كان عرضًا أو ثوبًا يشترط فيه شرائط السلم؛ لأن وجوبه في الذمة عرف بالشرع، والشرع ورد بطريق السلم، وفي هذا كله إذا كانت الأجرة عينًا فإعلامه بالإشارة لأنها أبلغ أسباب التعريف، وإن كانت الأجرة حيوانا لا يجوز إلا إذا كان عينًا لعدم ثبوت الحيوان في الذمة بدلا عما هو مال. قوله: (أي مدة كانت)، وبه قال كافة أهل العلم، إلا أن أصحاب الشافعي اختلفوا في مذهبه، فمنهم من قال له قولان أحدهما: كقول سائر [أهل] (١) العلم، وهو الصحيح، والثاني: لا يجوز أكثر من سنة؛ لأن جوازه للحاجة، ولا حاجة في أكثر من السنة. ومنهم من قال قول ثالث: إنها لا تجوز أكثر من ثلاث سنين؛ لأن الغالب أن الأعيان لا تبقى أكثر منها، وتتغير الأسعار والأجر. وقلنا: هذا مخالف لقوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يقم دليل على نسخه، ولأن ما جاز العقد عليه سنة جاز أكثر منها؛ كالبيع، والنكاح والمساقاة، والتقدير لسنة، أو ثلاث سنين تحكم لا دليل عليه. قوله: (إذا كانت المنفعة لا تتفاوت)، وبهذا يحترز عن استئجار الأرض للزراعة إلى مدة معلومة حيث لا يصح، حتى يسمي ما يزرع فيها على ما يجيء. قوله: (طالت المدة أو قصرت)، إلى قوله: (لتحقق الحاجة إليها عسى)، وفي الذخيرة: لو وقتا مدة الإجارة وقتًا لا يعيش إليها أحدهما قيل: لا يصح، وبه أفتى القاضي أبو عاصم العامري؛ لأن الغالب كالمتيقن في حق الأحكام، فكانت الإجارة مؤبدة، والتأبيد يبطل الإجارة.

стр. 5933

إِلَّا أَنَّ فِي الأَوْقَافِ لَا تَجُوزُ الإِجَارَةُ الطَّوِيلَةُ كَيْ لَا يَدَّعِيَ المُسْتَأْجِرُ مِلْكَهَا وَهِيَ مَا زَادَ عَلَى ثَلَاثِ سِنِينَ هُوَ المُخْتَارُ. قَالَ: (وَتَارَةً تَصِيرُ مَعْلُومَةٌ بِنَفْسِهِ، كَمَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا عَلَى صَبْغِ ثَوْبِهِ، أَوْ خِيَاطَتِهِ، أَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةٌ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا مِقْدَارًا مَعْلُومًا، أَوْ يَرْكَبَهَا مَسَافَةٌ سَمَّاهَا)؛ لِأَنَّهُ إِذَا بَيَّنَ الثَّوْبَ وَلَوْنَ الصَّبْغِ وَقَدْرَهُ وَجِنْسَ الخِيَاطَةِ وَالقَدْرَ المَحْمُولَ وَجِنْسَهُ وَالمَسَافَةَ. صَارَتْ المَنْفَعَةُ مَعْلُومَةٌ فَيَصِحُ العَقْدُ، وَرُبَّمَا يُقَالُ: الإِجَارَةُ قَدْ تَكُونُ عَقْدًا عَلَى العَمَلِ كَاسْتِنْجَارِ القَصَّارِ وَالخَيَّاطِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ العَمَلُ مَعْلُومًا وَذَلِكَ فِي الأَجِيرِ المُشْتَرَكِ، وَقَدْ تَكُونُ عَقْدًا عَلَى المَنْفَعَةِ … ... وقال الخصاف: يجوز؛ لأن العبرة للفظ، وأنه يقتضي التوقيت، ولا عبرة بموت أحدهما قبل انتهاء المدة؛ لأن ذلك عسى يوجد، وعسى لا يوجد، كما لو زوج امرأة إلى مائة سنة فإنه توقيت لا تأبيد حتى يكون منعه، وإن كانت المدة لا يعيش إليها غالبًا وجعل نكاحًا مؤقتًا اعتبارًا للفظ. قوله: (هو المختار)، تكلموا في إجارة الأوقاف أكثر من ثلاث سنين، قال مشايخ بلخ: لا يجوز، وقال غيرهم: يجوز، وبه قال أكثر أهل العلم، ولكن يرفع إلى الحاكم حتى يبطله، وبه أفتى الفقيه أبو الليث، كذا في التتمة. والحيلة في الجواز أكثر من ثلاث سنين أن يرفع إلى حاكم حتى يجوزه، كذا في جامع أبي اليسر. وكان الصدر الشهيد يفتي بالجواز في ثلاث سنين في الضياع، إلا إذا كانت المصلحة في عدم الجواز (١) فيما زاد على سنة. وفي شرح حيل الخصاف: قال بعض مشايخنا: الحيلة لجواز إجارة الطويلة على الأوقاف أن يعقدوا عقودًا متفرقة على الأوقاف، كل عقد إلى سنة فيكتب في الصك كذلك، فيكون العقد الأول لازما، والثاني غير لازم؛ لأنه مضاف، كذا في الذخيرة. قوله: (تصير معلومة)، أي: المنافع معلومة بنفس عقد الإجارة.

стр. 5934

كَمَا فِي أَجِيرِ الوَحْدِ، وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الوَقْتِ. قَالَ: (وَتَارَةً تَصِيرُ المَنْفَعَةُ مَعْلُومَةً بِالتَّعْيِينِ وَالإِشَارَةِ، كَمَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَنْقُلَ لَهُ هَذَا الطَّعَامَ إِلَى مَوْضِعِ مَعْلُومٍ)؛ لِأَنَّهُ إِذَا آرَاهَ مَا يَنْقُلُهُ وَالمَوْضِعَ الَّذِي يَحْمِلُ إِلَيْهِ كَانَتْ المَنْفَعَةُ مَعْلُومَةً فَيَصِحُ العَقْدُ. بَابُ الْأَجْرِ مَتَى يُسْتَحَق قَالَ: (الْأُجْرَةُ لَا تَجِبُ بِالعَقْدِ، قوله: (كما في أجير الوحدِ)، وفي بعض النسخ: (الأجير الوحد)، والأول أصح لأنه ذكر في المغرب: أجير الوحد على الإضافة، أي: أجير المستأجر الواحد بخلاف الأجير، وفي معناه: الأجير الخاص، ولو حرك الحاء صح؛ لأنه يقال: رجل وحد، أي: واحد (١). بَابُ الْأَجْرِ مَتَى يَسْتَحِقُّ لما ذكر أن صحة الإجارة موقوفة إلى إعلام الأجرة احتاج إلى بيان وقت وجوبها، وتسليمها. قوله: (لا تجب بالعقد)، عن العلامة مولانا حافظ الدين: أي لا يجب تسليمها وأداؤها، يؤيده ما ذكر في الذخيرة: يجب أن يعلم أن الأجرة لا تملك بنفس العقد، ولا يجب إيفاؤها إلا بعد استيفاء المنفعة إذا لم يشترط تعجيلها، سواء كانت عينًا، أو دينًا، هكذا ذكر محمد في الجامع. وذكر في الإجارات: إن كانت عينًا لا يملك بنفس العقد، وإن كانت دينا يملك بنفس العقد، ويكون بمنزلة الدين المؤجل، فعامة المشايخ على أن الصحيح ما ذكره في الجامع، وقال بعضهم: ما ذكره في الإجارات قوله أولا، وما ذكره في الجامع آخرًا، وهو الأصح لأن الإجارة عقد معاوضة فيوجب المساواة بين البدلين ما أمكن ما لم يغير بالشرط، فلو قلنا أن إيفاءها قبل استيفاء المنفعة تزول المساواة، وبه قال مالك (٢).

стр. 5935

وَتُسْتَحَقُّ بِأَحَدِ مَعَانٍ ثَلَاثَةِ: إِمَّا بِشَرْطِ التَّعْجِيلِ، أَوْ بِالتَّعْجِيلِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، أَوْ بِاسْتِيفَاءِ المَعْقُودِ عَلَيْهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُمْلَكُ بِنَفْسِ العَقْدِ؛ لِأَنَّ المَنَافِعَ المَعْدُومَةَ صَارَتْ مَوْجُودَةٌ حُكْمًا ضَرُورَةَ تَصْحِيحِ العَقْدِ، فَيَثْبُتُ الحُكْمُ فِيمَا يُقَابِلُهُ مِنْ البَدَلِ. وَلَنَا: أَنَّ العَقْدَ يَنْعَقِدُ شَيْئًا فَشَيْئًا عَلَى حَسَبِ حُدُوثِ المَنَافِعِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَالعَقْدُ مُعَاوَضَةٌ، وَمِنْ قَضِيَّتِهَا المُسَاوَاةُ، قوله: (بأحد معاني)، وفي بعض النسخ: (بإحدى معاني ثلاثة) على تأويل العلل، فالصحيح: (بأحد معاني) يعرف بالتأمل. قوله: (وقال الشافعي: تملك بنفس العقد)، وبه قال أحمد لما ذكرنا أن الأعيان كالموجودة عنده فصار كالبيع، ولهذا صح الإبراء عن الأجرة قبل استيفاء المنفعة بالإجماع، وصح الارتهان به بالإجماع، وصح الكفالة به بالإجماع، ولو شرط التعجيل تملك بالإجماع. فلو كان مقتضى العقد تأخر الملك في الأجر لما وجب بالشرط كما قلتم في الإجارة المضافة إلى وقت في المستقبل، ولأن الشرع لما جوز العقد على المنافع المعدومة فقد جعلها كالموجودة؛ لاشتراط كون المعقود عليه موجودًا لنهيه عن بيع ما لم يوجد. وللشارع ولاية جعل المعدوم موجودًا كما جعل النطفة في الرحم ولا حياة فيها كالحي حكمًا، وكالسلم فإنه جعل العين المعدوم حقيقةً كالموجود حكمًا في حق جواز السلم. والدليل على أن المنفعة في حكم العين صحة الاستئجار بأجر مؤجل، وما ليس بعين فهو دين، والدينُ بالدَّينِ حرام، وكذا يجوز جعل السكني مهرًا، والمهر لا يكون إلا بالمال لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] الآية، وكذا الحيوان لا يثبت دينا في الذمة بدل المنفعة عندكم، ويثبت بدلا عما ليس بمال كما في النكاح، والخلع، والصلح عن دم العمد، فعلم أن المنفعة في حكم المال. ولنا ما ذكرنا أن عقد الإجارة عقد معاوضة فتجب المساواة كما أشار إليه في الكتاب بقوله: (ومن قضيتها المساواة) إلى آخره، يؤيده قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ

стр. 5936

فَمِنْ ضَرُورَةِ التَّرَاخِي فِي جَانِبِ المَنْفَعَةِ التَّرَاخِي فِي البَدَلِ الْآخَرِ. وَإِذَا اسْتَوْفَى المَنْفَعَةَ يَثْبُتُ المِلْكُ فِي الأَجْرِ لِتَحَقُّقِ التَّسْوِيَةِ. وَكَذَا إِذَا شَرَطَ التَّعْجِيلَ أَوْ عَجَّلَ؛ لِأَنَّ المُسَاوَاةَ تُثْبِتُ حَقًّا لَهُ وَقَدْ أَبْطَلَهُ. ﴿أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وقوله ﵊: «أعْطُوا الأجير أجره قبل أن يَجِفَّ عَرَقُهُ» (١)، فخصص الوعيد بالامتناع بعد العمل، فدل على أنهما حالة الوجوب، وفيه نوع تأمل. وجواز العقد باعتبار إقامة العين التي هي سبب لوجود المنفعة مقامها في صحة الإيجاب والقبول. ثم انعقاد العقد في حق المعقود عليه على حسب حدوث المنافع كما ذكرنا، وكيف يقال أن المنفعة المعدومة جعلت موجودة حكمًا، فإن الموجود من المنفعة حقيقة لا تقبل العقد؛ لأنها عرض لا يبقى زمانين، فلا يتصور تسليمه بحكم العقد، وما لا يتصور تسليمه بحكم العقد لا يكون محلا لعقد المعاوضة، بل اعتبار إقامة العين وهو السبب مقامها، وهو المسبب كما ذكرنا من تقرير صاحب الأسرار، والإيضاح. ولما أقمنا السبب مقام المسبب ضرورة تصحيح العقد، ولا ضرورة في ملك البدل بنفس البدل، بل في حق البدل؛ كالعقد المضاف إلى وقت الحدوث، وما قلنا أولى كما ذكرنا. وأما جواز السلم باعتبار أن المسلم فيه أخذ حكم الثمن، ولهذا شرط قبض رأس المال في المجلس كيلا يكون دينا بدين، ولو كان له حكم العين الموجود لما اشترط قبض رأس المال في المجلس، كما لو باع حنطة بعينها بدرهم. وأما صحة الإبراء قول محمد خلافًا لأبي يوسف، كذا في الإيضاح، وإليه أشار في المبسوط (٢)، وذكر في الأسرار مطلقًا.

стр. 5937

(وَإِذَا قَبَضَ المُسْتَأْجِرُ الدَّارَ: فَعَلَيْهِ الأَجْرُ، وَإِنْ لَمْ يَسْكُنْهَا)؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَ عَيْنِ قوله: قول أبي يوسف ظاهر لأنه إبراء قبل الوجوب، ووجه قول محمد أن الإبراء بعد وجود سبب الوجوب جائز؛ كعفو المجروح عن القصاص، وأما صحة الرهن والكفالة فإنهما وثيقتان، والتوثيق يلائم هذا الدين، كما لو رهن بشرط الخيار، كذا في الإيضاح. وفي المبسوط: الأجرة وإن لم تجب بنفس العقد فالسبب الموجب قد وجد، والكفالة بعد وجود السبب صحيحة؛ كالكفالة بالدرك، والكفالة بما يدون له على فلان، وموجب الرهن ثبوت يد الاستيفاء، واستيفاء الأجر قبل وجوبه صحيح؛ لأن تعجيل الأجر صحيح. وأما صحة الملك إذا استوفى أو شرط التعجيل لأن المساواة ثبت حقا له، وقد أبطله، بخلاف الإجارة المضافة فإن امتناع ثبوت الملك في البدل هناك ليس بمقتضى العقد، بل بالتصريح بالإضافة إلى وقت في المستقبل. وأما قوله (١): وما ليس بعين هو دين فليس كذلك؛ لأن الدين محله الذمة، وهو لا يلتزم المنفعة في الذمة فلم يكن حينئذ بيع دين بدين. وأما صحة النكاح لا تتعلق بالمهر بحال فلا يتغير حكمه لأجله، بخلاف الإجارة فإن المنافع فيها مبيعة، والأجرة ثمن، فكانت المنافع أصلا. وأما قوله: أن الشرع جعل المعدوم حقيقة موجودًا حكمًا إلى آخره، فقلنا: نعم، إنما عهد ذلك فيما يمكن التقدير؛ لأنه إنما يقدر الشيء حكمًا إذا كان يتصور حقيقة، كما فيما استشهدوا به فإن الميت تتصور فيه الحياة، ولا تصور لوجود المنافع التي تحدث في المدة جملة، فلا يجوز أن يقدر حكمًا، إليه أشار في المبسوط (٢)، والأسرار. قوله: (وإن لم يسكنها)، هذا إذا تمكنت من الاستيفاء، والإجارة صحيحة حتى لو منعه المالك أو الأجنبي، أو سلم الدار والدار مشغولة بمتاعه ولم يتمكن من الاستيفاء لا يجب الأجر، وبه قال أكثر أهل العلم.

стр. 5938

المَنْفَعَةِ لَا يُتَصَوَّرُ فَأَقَمْنَا تَسْلِيمَ المَحَلِّ مَقَامَهُ، إِذْ التَّمَكُنُ مِنْ الانْتِفَاعِ يَثْبُتُ بِهِ. قَالَ: (فَإِنْ غَصَبَهَا غَاصِبٌ مِنْ يَدِهِ سَقَطَتْ الأَجْرَةُ)؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَ المَحَلِّ إِنَّمَا أُقِيمَ مَقَامَ تَسْلِيمِ المَنْفَعَةِ لِلتَّمَكَّنِ مِنْ الانْتِفَاعِ، فَإِذَا فَاتَ التَّمَكُنُ فَاتَ التَّسْلِيمُ، وَانْفَسَخَ العَقْدُ فَسَقَطَ الأَجْرُ، (وَإِنْ وُجِدَ الغَصْبُ فِي بَعْضِ المُدَّةِ سَقَطَ الْأَجْرُ بِقَدْرِهِ). إِذْ الانْفِسَاخُ وفي الذخيرة، وشرح الأقطع: التمكن من المستأجر يجب أن يكون في المكان الذي وقع العقد في حقه، حتى إذا استأجر دابة إلى الكوفة فسلمها المؤجر فأمسكها المستأجر ببغداد حتى مضت مدة تمكنه المسير إلى الكوفة فلا أجر، وإن ساقها معه إلى الكوفة ولم يركبها وجب الأجر (١). وقال الشافعي، وأحمد: يجب الأجر في الوجهين؛ لأن المنافع تلفت تحت يده باختياره. وقلنا: العقد وقع فبالتسليم في غيرها لا يستحق البدل، وينبغي أن يكون التمكن من الاستيفاء في المدة، فلو استأجر [دابَّةٌ] (٢) إلى مكة فلم يركبها، فإن كان بغير عذر في الدابة فعليه الأجر، وإن كان بعذر لم يقدر على الركوب لا أجر عليه، ولو استأجر ثوبا (٣) ليلبسه كل يوم بدانق فوضعه في بيته ولم يلبسه حتى مضى عليه سنون فعليه لكل يوم دانق ما دام في الوقت الذي يعلم أنه لو كان لبسه لا يتخرق لتمكن اللبس، فإذا مضى وقت يعلم أنه لو كان يلبسه يتخرق سقط عنه الأجر لتعذر جعله منتفعا به. قوله: (وانفسخ العقد)، ذكر الفضلي، وقاضي خان في الفتاوى: لا تنفسخ الإجارة، ولكن يسقط الأجر ما دامت في يد الغاصب، وبه قال الشافعي، ولكن له حق الفسخ، ولو وجد الغصب في بعض المدة سقط من الأجر بقدره، ولا يعلم فيه خلاف (٤).

стр. 5939

فِي بَعْضِهَا. قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَارًا فَلِلْمُؤَجِّرِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِأُجْرَةِ كُلِّ يَوْمٍ)؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ (إِلَّا أَنْ يُبَيِّنَ وَقْتَ الاِسْتِحْقَاقِ بِالعَقْدِ)؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّأْجِيلِ (وَكَذَلِكَ إِجَارَةُ الْأَرَاضِي) لِمَا بَيَّنَّا. (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ بَعِيرًا إِلَى مَكَّةَ، فَلِلْجَمَّالِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِأُجْرَةِ كُلِّ مَرْحَلَةٍ)؛ لِأَنَّ سَيْرَ كُلِّ مَرْحَلَةٍ مَقْصُودٌ. وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ أَوَّلا: لَا يَجِبُ الأَجْرُ إِلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ المُدَّةِ وَانْتِهَاءِ السَّفَرِ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ؛ لِأَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ جُمْلَةُ المَنَافِعِ فِي المُدَّةِ فَلَا يَتَوَزَّعُ الْأَجْرُ عَلَى أَجْزَائِهَا، كَمَا إِذَا كَانَ المَعْقُودُ عَلَيْهِ العَمَلَ. وَوَجْهُ القَوْلِ المَرْجُوعِ إِلَيْهِ: أَنَّ القِيَاسَ يَقْتَضِي اسْتِحْقَاقَ الأَجْرِ سَاعَةً فَسَاعَةً لِتَحَقُّقِ المُسَاوَاةِ، إِلَّا أَنَّ المُطَالَبَةَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ تُفْضِي إِلَى أَنْ لَا يَتَفَرَّغَ لِغَيْرِهِ فَيَتَضَرَّرُ بِهِ، فَقَدَّرْنَا بِمَا ذَكَرْنَا. قَالَ: (وَلَيْسَ لِلْقَصَّارِ وَالخَيَّاطِ أَنْ يُطَالِبَ بِأَجْرِهِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ العَمَلِ)؛ قوله: (ومن استأجر دارًا) إلى مدة معلومة. قوله: (بأجرة كل مرحلة)، في المبسوط، والإيضاح: هذا قول الكرخي، وأما في قول أبي حنيفة المرجوع لم يقدر بتقدير، بل قال: كلما سار مسيرا، له من الأجر شيء فله أن يأخذه بذلك، وهو قولهما، كما إذا كان المعقود عليه العمل؛ فإنه لو استأجر خياطًا ليخيط له ثوبًا لا يلزمه إيفاء الأجر ما لم يفرغ من العمل (١). قوله: (إلا أن المطالبة في كل ساعة) إلى آخره، يعني لو أخذنا بالقياس يقتضي أنه كلما سار شيئًا ولو خطوة يجب تسليم ما يقابله من الأجر، ولكن ذلك القدر لا يعرف، ولو أخذنا بالقياس لم يتفرغ لشغل آخر، بل يسلم الأجر في كل خطوة وذلك بعيد، كذا في المبسوط (٢). قوله: (فقدرنا بما ذكرنا)، أي: استحسانًا وهو بيوم ومرحلة. قوله: (حتى يفرغ من العمل)، يعني إن كان حصته ما استوفى من العمل معلومًا.

стр. 5940

لِأَنَّ العَمَلَ فِي البَعْضِ غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ فَلَا يَسْتَوْجِبُ بِهِ الْأَجْرَ، وَكَذَا إِذَا عَمِلَ فِي بَيْتِ المُسْتَأْجِرِ لَا يَسْتَوْجِبُ الأَجْرَ قَبْلَ الفَرَاغِ لِمَا بَيَّنَا. قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ التَّعْجِيلَ) لِمَا مَرَّ أَنَّ الشَّرْطَ فِيهِ لَازِمٌ. قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ خَبَّارًا لِيَحْبِزَ لَهُ فِي بَيْتِهِ قَفِيرًا مِنْ دَقِيقٍ بِدِرْهَم: لَمْ يَسْتَحِقَّ الأَجْرَ حَتَّى يُخْرِجَ الخُبْزَ مِنْ التَّنُّورِ)؛ لِأَنَّ تَمَامَ العَمَلِ بِالإِخْرَاجِ فَلَوْ احْتَرَقَ أَوْ وقوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله (لأن العمل في البعض غير منتفع به)، وفي النهاية: هذا الذي ذكره في الحكم في أن العامل في بيت المستأجر لا يستوجب الأجر قبل الفراغ من العمل مخالف لعامة روايات الكتب من المبسوط، والذخيرة، والمغني، والجامع لفخر الإسلام، وقاضي خان يستحق الأجر بقدر عمله، حتى لو سرق الثوب فله الأجر بقدر عمله؛ لأن كل جزء من العمل يصير مسلمًا إلى صاحب الثوب بالفراغ منه. ولعل المصنف اتبع صاحب التجريد أبا الفضل الكرماني في هذا الحكم، والله أعلم بما هو الحق عنده. وعند الشافعي وأحمد يستحق المطالبة بعد الفراغ من العمل، ولكن يجب بنفس العقد. قوله: (لأن تمام العمل بالإخراج)، فليس كل أحد يحسنه على وجه لا ينقطع. فإن قيل: استحقاق الأجر بعد إخراج الخبز من التنور يدل على أن هذا أجير مشترك لا أجير وحد، فإن الأجير الوحد يستحق الأجر بمجرد تسليم النفس، ولا يتوقف استحقاقه إلى الفراغ من العمل، واستعمال المستأجر في بيته يدل على أنه أجير وحد؛ لأن الوحد هو الذي لا يعمل إلا المستأجر الواحد فلذلك سمي به. فالخيار في هذه المسألة إن كان أجير وحد ينبغي أن يستحق الأجر بمجرد تسليم النفس أخرج الخبز من التنور أو لا، وإن كان أجيرًا مشتركا ينبغي أن يستحق الأجر بقدر عمله على ما مر من روايات عامة الكتب.

стр. 5941

سَقَطَ مِنْ يَدِهِ قَبْلَ الإِخْرَاجِ، فَلَا أَجْرَ لَهُ لِلْهَلَاكِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، (فَإِنْ أَخْرَجَهُ ثُمَّ احْتَرَقَ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ فَلَهُ الأَجْرُ)؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسَلَّمًا إِلَيْهِ بِالوَضْعِ فِي بَيْتِهِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ مِنهُ الجِنَايَةُ. قَالَ: وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، قلنا: الصحيح إنه أجير مشترك لأنه وقع العقد في حقه على العمل بدون ذكر المدة فكان استحقاق الأجر موقوفا على الفراغ من العمل، والأجير الوحد من وقع العقد في حقه على المدة، ووقع العقد ههنا على العمل، وإنما يستحق الأجر بقدر عمله في بيت المستأجر إذا كان لعمله قدر وقيمة كما في الخياطة، وههنا لا قيمة للخبز قبل الإخراج فلا يستحق الأجر بحسب ذلك القدر، إليه أشار الإمام قاضي خان (١). قوله: (للهلاك قبل التسليم)، وفي المبسوط: وهو ضامن لأن هذا جناية يده ويخير صاحب الخبز إن شاء ضمنه مخبوزا وأعطاه الأجر، وإن شاء ضمنه دقيقا وإن لم يكن [له] (٢) أجر (٣). قوله: (قال ﵀: وهذا)، أي: عدم الضمان في الهلاك بعد الإخراج (قول أبي حنيفة) إلى آخره، وهذا الذي ذكره من الاختلاف اختيار القدوري، وأما عند غيره مجرى على ظاهره ولا ضمان عليه بالاتفاق. أما عند أبي حنيفة؛ لأنه لم يهلك من عمله، وأما عندهما فلأنه هلك بعد التسليم، وبه قالت الأئمة الثلاثة. وقال القدوري: إن العين مضمونة على الأجير بمنزلة المغصوب في يد الغاصب، فلا يبرأ عن الضمان إلا بالتسليم دون الوضع في بيته كما في المغصوب. ثم على قوله: إذا وجب الضمان كان لصاحب الدقيق الخيار إن شاء ضمنه دقيقا ولا أجر له، وإن شاء ضمنه مخبوزا وأعطاه الأجر، ولا ضمان عليه في الحطب والملح عندهما؛ لأن ذلك صار مستهلكا قبل وجوب الضمان عليه فهو

стр. 5942

وَعِنْدَهُمَا: يَضْمَنُ مِثْلَ دَقِيقِهِ وَلَا أَجْرَ لَهُ (*)؛ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ فَلَا يَبْرَأُ إِلَّا بَعْدَ حَقِيقَةِ التَّسْلِيمِ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ الخُبْزَ، وَأَعْطَاهُ الْأَجْرَ. قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ طَبَّاخًا لِيَطْبُخَ لَهُ طَعَامًا لِلْوَلِيمَةِ فَالغَرْفُ عَلَيْهِ) اعْتِبَارًا لِلْعُرْفِ. قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ إِنْسَانًا لِيَضْرِبَ لَهُ لَبِنَا: اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ إِذَا أَقَامَهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَسْتَحِقُهَا حَتَّى يُشَرِّجَهَا (**))؛ لِأَنَّ التَّشْرِيجَ مِنْ تَمَامِ عَمَلِهِ، إِذْ لَا يُؤْمَنُ مِنْ الفَسَادِ قَبْلَهُ، فَصَارَ كَإِخْرَاجِ الخُبْزِ مِنْ التَّنُّورِ؛ وَلِأَنَّ الأَجِيرَ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّاهُ عُرْفًا، وَهُوَ المُعْتَبَرُ فِيمَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ العَمَلَ قَدْ تَمَّ بِالإِقَامَةِ، وَالتَّشْرِيجُ عَمَلٌ زَائِدٌ كَالنَّقْلِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ قَبْلَ التَّشْرِيحِ بِالنَّقْلِ إِلَى رماد لا قيمة له، كذا في الذخيرة. قوله: (طعامًا للوليمة)، قيد به لأنه لو استأجره لطبخ قدر خاص بعينه لا يكون الغرف عليه، ذكره في المغني، والمحيط، والإيضاح (١). والمرجع في الجميع العرف الطبخ من حد: نَصَرَ، والغرف وهو جعل الطعام في القصعة من حد: ضَرَبَ. قوله: (إذا أقامها عند أبي حنيفة) إلى آخره، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وعندهما لا يستحق الأجر بدون التسريح استحسانًا، اعتبارًا للعرف بمنزلة الغرف على الطباخ. وفي المبسوط: هذا كله إذا كان يقيم العمل في ملك المستأجر، أما في غير ملكه فلما لم يعد عليه ويسلمه إليه لا يستحق الأجر بالاتفاق، حتى لو فسد قبل العد لا أجر له إلا على قول زفر (٢). في نظم الزندويستي: لو صرفه في ملك نفسه لا يجب الأجر عنده إلا بالعد عليه بعد إقامته، وعندهما بالعد عليه بعد التسريح.

стр. 5943

مَوْضِعِ العَمَلِ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الإِقَامَةِ؛ لِأَنَّهُ طِينٌ مُنْتَشِرٌ، وَبِخِلَافِ الخُبْزِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ قَبْلَ الإِخْرَاجِ. قَالَ: (وَكُلُّ صَانِعِ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ فِي العَيْنِ كَالقَصَّارِ وَالصَّبَّاغِ فَلَهُ أَنْ يَحْبِسَ العَيْنَ بَعْدَ الفراغ من عمله حَتَّى يَسْتَوْفِي الأَجْرَ)؛ لِأَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ وَصْفٌ قَائِمٌ فِي الثَّوْبِ قوله: (فله حق الحبس)، وبه قال الشافعي في وجه (١)، وعند زفر، والشافعي في وجه (٢)، وأحمد (٣): لا حق له في الحبس؛ لأن المعقود عليه وقع في يد المستأجر باعتبار اتصاله بملكه، وذا يعدُّ قبضا؛ كمن استقرض من آخر كُر بر وأمره أن يبذره في أرض المستقرض فإنه يصير قابضًا. وقلنا: المعقود عليه هو العمل حقيقة، ولكن من حيث الاعتبار المعقود عليه وصف أحدثه وهو قائم في الثوب فله حق حبسه لاستيفاء البدل، كما في بيع العين، ولا يمكن حبسه إلا بحبس العين فيكون له حبس العين ضرورة، ووقوعه في يده بغير رضاه فلا يبطل حقه في الحبس، كما إذا قبض المشتري المبيع بغير رضى البائع بخلاف مسألة الكر فإن الأمر بأن يبذره، فإذا بذره صار كالأمر بأن يجعله في غرائره وجعله، فيصير قابضا؛ لأنه برضاه. فإن قيل: في القصار عمله في إزالة الدرن والوسخ لا إحداث البياض في أنه صفة أصلية له. قلنا: لما غلب الدرن والوسخ حتى استتر به صار في حكم المعدوم، وحين أظهره القصار بعمله جعل ظهوره مضافًا إلى عمله، فيكون أثر عمله قائما في المعمول، كذا في المبسوط (٤). وفي جامع قاضي خان: ظهر أثر عمله في الثوب باستعمال النشاستجة (٥)

стр. 5944

فَلَهُ حَقُّ الحَبْسِ؛ لِاسْتِيفَاءِ البَدَلِ كَمَا فِي المَبِيعِ، وَلَوْ حَبَسَهُ فَضَاعَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدِّ فِي الحَبْسِ فَبَقِيَ أَمَانَةٌ كَمَا كَانَ عِنْدَهُ، وَلَا أَجْرَ لَهُ لِهَلَاكِ المَعْقُودِ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: العَيْنُ كَانَتْ مَضْمُونَةٌ قَبْلَ الحَبْسِ فَكَذَا بَعْدَهُ (*)، لَكِنَّهُ بِالخِيَارِ إِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَعْمُولٍ وَلَا أَجْرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ مَعْمُولًا وَلَهُ الأَجْرُ، وَسَيُبَيِّنُ مِنْ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: (وَكُلُّ صَانِعِ لَيْسَ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ فِي العَيْنِ: فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ العَيْنَ لِلْأَجْرِ كَالحَمَّالِ وَالمَلاحِ)؛ لِأَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ نَفْسُ العَمَلِ، وَهُوَ غَيْرُ قَائِمٍ فِي العَيْنِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ حَبْسُهُ، فَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الحَبْسِ، وَغَسْلُ الثَّوْبِ نَظِيرُ الحَمْلِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الآبِقِ، حَيْثُ يَكُونُ لِلرَّادٌ حَقٌّ حَبْسِهِ لِاسْتِيفَاءِ الجُعْلِ، وَلَا أَثَرَ لِعَمَلِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى شَرَفِ الهَلَاكِ وَقَدْ أَحْيَاهُ فَكَأَنَّهُ بَاعَهُ مِنْهُ فَلَهُ حَقُّ الحَبْسِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مَذْهَبُ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ. وَقَالَ زُفَرُ: لَيْسَ لَهُ حَقُّ الحَبْسِ فِي الوَجْهَيْنِ؛ كان له حق الحبس، وإن لم يكن لعمله إلا إزالة الدرن اختلفوا فيه، والأصح أن له حق الحبس على كل حال؛ لأن البياض مستتر وقد ظهر بفعله بخلاف الحمل؛ لأنه ما ظهر أثر عمله في العين. قوله: (كالحمال) روي هذا بروايتين بالحاء المهملة، وبالجيم، وهو مكاري الجمل، وكان بخط شيخي بالجيم، ولا خلاف فيه. قوله: (وغسل الثوب نظير الحمل)، وهذا مخالف لما ذكرنا من رواية المبسوط، وجامع قاضي خان من الأصح. وذكر في الذخيرة مثل غسل الثوب بدون النشاستجة، وفيه خلاف بلا ذكر الأصح، فوقع اختيار المصنف على اختيار البعض. قوله: (في الوجهين)، أي: فيما لعمله أثر، وقد بينا خلافه قبل.

стр. 5945

لِأَنَّهُ وَقَعَ التَّسْلِيمُ بِاتِّصَالِ المَبِيعِ بِمِلْكِهِ فَيَسْقُطَ حَقُّ الحَبْسِ. وَلَنَا: أَنَّ الاِتِّصَالَ بِالمَحَلِّ ضَرُورَةُ إِقَامَةِ تَسْلِيمِ العَمَلِ فَلَمْ يَكُنْ هُوَ رَاضِيًا بِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ تَسْلِيمٌ فَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الحَبْسِ، كَمَا إِذَا قَبَضَ المُشْتَرِي بِغَيْرِ رِضَا البَائِعِ. قَالَ: (وَإِذَا شَرَطَ عَلَى الصَّانِعِ أَنْ يَعْمَلَ بِنَفْسِهِ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ غَيْرَهُ)؛ لِأَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ العَمَلُ فِي مَحَلٌ بِعَيْنِهِ فَيَسْتَحِقُّ عَيْنَهُ كَالمَنْفَعَةِ فِي مَحَلٌ بِعَيْنِهِ (وَإِنْ أَطْلَقَ لَهُ العَمَلَ: فَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَعْمَلُهُ)؛ لِأَنَّ المُسْتَحَقَّ عَمَلٌ فِي ذِمَّتِهِ، وَيُمْكِنُ إِيفَاؤُهُ بِنَفْسِهِ وَبِالِاسْتِعَانَةِ بِغَيْرِهِ بِمَنْزِلَةِ إِيفَاءِ الدَّيْنِ. فَصْلٌ: [بَيَانُ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِ تَمَامِ الْأَجْرِ أَوْ بَعْضِهِ] (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَذْهَبَ إِلَى البَصْرَةِ فَيَجِيءَ بِعِيَالِهِ، فَذَهَبَ فَوَجَدَ بَعْضَهُمْ قَدْ مَاتَ فَجَاءَ بِمَنْ بَقِيَ: فَلَهُ الأَجْرُ بِحِسَابِهِ)؛ لِأَنَّهُ أَوْفَى بَعْضَ المَعْقُودِ عَلَيْهِ فَيَسْتَحِقُّ العِوَضَ بِقَدْرِهِ، وَمُرَادُهُ إِذَا كَانُوا مَعْلُومِينَ. قوله: (باتصال المبيع)، أي: المعقود عليه (بملكه)، وفي بعض النسخ: (باتصال المعقود عليه)، وهو الأظهر. قوله: (لأنه)، أي: الآبق كان على شرف الهلاك فصار (كأنه أحياه)، أي: الآبق وملكه منه فله حق الحبس، أما ههنا لم يوجد إحياء العين، ولا وصف قائم بالعين فلا يملك الحبس، كذا ذكره قاضي خان. قوله: (ومراده إذا كانوا معلومين)، وهذا اختيار الهندواني، وعن الفضلي: استأجر في المصر ليحمل الحنطة من القرية، فذهب لم يجد الحنطة فعاد، إن كان قال: استأجرتك من المصر حتى أحمل الحنطة من القرية، يجب نصف الأجر بالذهاب، ولو كان قال: استأجرتك حتى أحمل من القرية، لا يجب شيء؛ لأن في الأول العقد على شيئين: الذهاب إلى القرية، والحمل منها، وفي الثانية: شرط الحمل، ولم يوجد، فلا يجب شيء، كذا في الذخيرة، وجامع التمرتاشي (١).

стр. 5946

(وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَذْهَبَ بِكِتَابِهِ إِلَى فُلَانٍ بِالبَصْرَةِ وَيَجِيءَ بِجَوَابِهِ، فَذَهَبَ فَوَجَدَ فُلَانًا مَيْتًا فَرَدَّهُ فَلَا أَجْرَ لَهُ) هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. قوله: (ليذهب بكتابه)، في المسألة قيود، قيد الذهاب بالكتاب ليشير إلى هذا الحكم فيما ليس له حمل ومؤنة، حتى لو استأجر بالذهاب والمسألة بحالها فلا أجر له بالاتفاق، وعند زفر يجب، وهو قياس قول الأئمة الثلاثة؛ لأن المعقود عليه حمل الطعام إلى البصرة، وقد وجد فوفَّى بالشرط، ثم هو في رده جان فلا يسقط حقه في الأجر. وقيد بالمجيء بالجواب لأنه لو لم يشترط المجيء بالجواب وترك الكتاب ثمة فيما إذا كان ميتا أو غائبًا فإنه يجب الأجر كاملا. وقيد بالذهاب بالكتاب حتى لو ذهب إلى فلان بلا كتاب فلا أجر له. وقيد بأنه وجده ميتًا لأنه إذا لم يجده ميتًا وأتى بالجواب يستحق الأجر كملا. وقيد بأنه وجده ميتا حتى لو وجده غائبًا ودفع الكتاب إلى آخر ليدفعه إليه، أو دفعه إلى فلان وهو لم يقرأ ورجع بالجواب فله أجر الذهاب. وقيد استئجاره بتبليغ الكتاب؛ لأنه لو استأجره لتبليغ الرسالة إلى فلان بالبصرة فذهب ولم يجده، أو وجده ولم يبلغ رسالته ورجع له الأجر بالإجماع. وقيد بأنه رد لأنه لو ترك الكتاب ثمة يستحق أجر الذهاب بالإجماع. وهذه القيود استفيدت من الذخيرة، وجامع قاضي خان، وأشير إلى الفرق بين الرسالة والكتاب في الذخيرة على قولهما، فقال: لما رد الكتاب فقد نقص عمله لأنه غير مأذون بالرد لا نصا، ولا دلالة. أما نصا فظاهر، وأما دلالة لأن الإذن إنما يثبت باعتبار أن للكاتب فيه سرا ولا يطلع عليه غير فلان، ولا يصح ذلك في الكتاب؛ لما أنه مختوم أو لا، فإن كان لا يطلع عليه غير فلان وإن لم يكن فيه سرا، وأما الرسالة فلا تخلو عن الأسرار، وما اختار الرسالة على الكتابة إلا لتستر سره عن غير الرسول، والمرسل إليه، فكان الستر مقصودًا فيها، فلهذا إذا ذهب ولم يجد فلانا يستحق الأجر.

стр. 5947

وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَهُ الأَجْرُ فِي الذَّهَابِ؛ لِأَنَّهُ أَوْفَى بَعْضَ المَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَطْعُ المَسَافَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ الأَجْرَ مُقَابَلٌ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ المَشَقَّةِ دُونَ حَمْلِ الكِتَابِ لِخِفَّةِ مُؤْنَتِهِ. وَلَهُمَا: أَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ نَقْلُ الكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ المَقْصُودُ أَوْ وَسِيلَةٌ إِلَيْهِ وَهُوَ العِلْمُ بِمَا فِي الكِتَابِ، وَلَكِنَّ الحُكْمَ مُعَلَّقٌ بِهِ، وَقَدْ نَقَضَهُ فَيَسْقُطُ الْأَجْرُ كَمَا فِي الطَّعَامِ، وَهِيَ المَسْأَلَةُ الَّتِي تَلِي هَذِهِ المَسْأَلَةَ (وَإِنْ تَرَكَ الْكِتَابَ فِي ذَلِكَ المَكَانِ وَعَادَ: يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ بِالذَّهَابِ بِالإِجْمَاعِ)؛ لِأَنَّ الحَمْلَ لَمْ يُنْتَقَضْ. (وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَذْهَبَ بِطَعَام إِلَى فُلَانٍ بِالبَصْرَةِ، فَذَهَبَ فَوَجَدَ فُلَانًا مَيْتًا فَرَدَّهُ، فَلَا أَجْرَ لَهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا)؛ لِأَنَّهُ نَقَضَ تَسْلِيمَ المَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَهُوَ حَمْلُ الطَّعَامِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الكِتَابِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ؛ وأما التبليغ في الكتاب فممكن بقدر الإمكان بأن يترك الكتاب ثمة، ولما لم يفعل لم يستحق الأجر. قوله: (وقال محمد: له الأجر في الذهاب)، وعند الأئمة الثلاثة له الأجر في الذهاب والرد أيضًا؛ لثبوت الإذن بالرد دلالة إذا وجده ميتا، إذ ليس له سوى رده إلا بصنيعه فتعين رده. وذكر أبو الليث قول أبي يوسف مع محمد وغيره مع أبي حنيفة. لمحمد أنه أوفى بعض المعقود دون البعض فيستحق الأجر بقدره. (وهذا لأن الأجر يقابل به)، أي: يقطع المسافة لما فيه من المشقة لا لحمل الكتاب، وحمل الجواب لخفة مؤنته، وقد قطعها له في الذهاب، فصار كما لو ترك الكتاب وعاد فإنه يستحق أجر الذهاب إجماعًا. قوله: (أو وسيلة إليه)، أي: إلى المقصود إما حقيقةً أو اعتبارًا؛ فلأن ترك الكتاب ثمة مفيد لأنه ربما يصل إلى ورثته فينتفعون به، أو الكتاب يُنتفع به، فإذا رده فقد فات ما هو المقصود بالإجارة فيكون ناقصًا للعمل اعتبارًا، كذا ذكره المرغيناني في شروطه. قوله: (بخلاف مسألة الكتاب على قول محمد) فإنه يقول: نقل الطعام عمل يقابل الأجر لما فيه من المشقة، وقد نقضه بالرد كما في مسألة خاطه فنقص،

стр. 5948

لِأَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ هُنَاكَ قَطْعُ المَسَافَةِ عَلَى مَا مَرَّ. بَابُ مَا يَجُوز من الإِجارَةِ وَمَا يَكُونُ خِلافًا فِيهَا قَالَ: (وَيَجُوزُ اسْتِنْجَارُ الدُّورِ وَالحَوَانِيتِ لِلسُّكْنَى، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنُ مَا يَعْمَلُ فِيهَا)؛ لِأَنَّ العَمَلَ المُتَعَارَفَ فِيهَا السُّكْنَى فَيَنْصَرِفُ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَا يَتَفَاوَتُ فَصَحَ العَقْدُ (وَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ كُلَّ شَيْءٍ) لِلْإِطْلَاقِ وأما نقل الكتاب فليس بعمل يقابل به الأجر لخفة مؤنته، وإنما الأجر مقابل بقطع المسافة وقد قطعها في الذهاب. بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الْإِجَارَةِ وَمَا يَكُونُ خِلَافًا فِيهَا لما ذكر الإجارة ومقدماتها شرع في هذا الباب في بيان ما يجوز وما لا يجوز منها. قوله: (لأن العمل المتعارف) إلى آخره، وفي القياس: لا يجوز لأن المقصود من الدار والحانوت الانتفاع، والانتفاع قد يكون من حيث السكني، وقد يكون من حيث وضع الأمتعة، فينبغي أن لا يجوز ما لم يبين شيئًا من ذلك، وبه قال أبو ثور. وفي الاستحسان: يجوز؛ لأن المقصود وهو السكني معلوم بالعرف فينصرف إليه؛ لأن المعروف كالمشروط، وله أن يسكنها ويُسكنها من شاء لأنه لا يتفاوت الناس في ذلك، وله أن يعمل فيه كل شيء إلا ما يضر بالبناء للإطلاق، ولا نعلم فيه خلافا للأكثر. قوله: (وله أن يعمل كل شيء)، من الوضوء، ووضع المتاع، وكسر الحطب، وربط الدواب؛ لأن سكناها لا يتم إلا بذلك فيكون من توابع السكني، فكان قوله: (وله أن يعمل كل شيء) صورة المسألة، وقوله: (لإطلاقها) دليلنا. في المبسوط، والذخيرة: إنما يكون له ولاية ربط الدواب إذا كان فيها موضع معد لربط الدواب وهو المربط، أما إذا لم يكن فليس له ولاية ربط

стр. 5949

(إِلَّا أَنَّهُ لَا يُسْكِنُ حَدَّادًا وَلَا قَصَّارًا وَلَا طَحَّانًا)؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ يُوهِنُ البِنَاءَ فَيَتَقَيَّدُ العَقْدُ بِمَا وَرَاءَهَا دَلَالَةٌ. قَالَ: (وَيَجُوزُ اسْتِنْجَارُ الأَرَاضِي لِلزِّرَاعَةِ)؛ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ مَعْهُودَةٌ فِيهَا الدواب (١). وما ذكر في الكتاب يعني ربط الدواب فهو بناء على عرفهم، فإن في عرف ديارهم المربط يكون في الدار لسعة دورهم، أما في ديارنا فبخلافه؛ لأن المنازل ببخارى تضيق عن سكنى الناس، فكيف يتسع لإدخال الدواب فيها، وإنما هذا الجواب في عرف الكوفة. قوله: (إلا أنه لا يسكن) إلى آخره لفظ يسكن يجوز بفتح الياء وضمها، وعلى تقدير الفتح انتصاب (حدادًا) على الحال، وعلى الضم على المفعول، وعلى التقديرين لا يختلف حكم المسألة، ذكره في المغرب، والذخيرة، وإليه أشار في المبسوط. وفيه وفي الذخيرة بعدما ذكر قوله: (ما خلا الرحا): المراد رحا الماء، أو رحا الثور، أما رحا اليد فلا يمنع منه؛ لأن هذا لا يضر بالبناء، وهو من توابع السكنى عادة. والحاصل أن كل عمل يضر بالبناء ويوهنه فذلك لا يصير مستحقا بمطلق العقد للمستأجر، وعلى هذا كسر الحطب بالقدر المعتاد منه لا يوهن البناء، فإن زاد على ذلك وكان بحيث يوهن البناء فليس له أن يفعل إلا برضى صاحب الدار (٢). وفي الذخيرة: ورحا اليد إذا كان يضر بالبناء يمنع عنه وإلا لا، هكذا اختاره الحلواني، وعليه الفتوى. ثم قال: فلو أقعد حدادًا أو غيره فانهدم شيء من البناء ضمن ذلك؛ لأن الانهدام أثر الحدادة، ولا أجر عليه فيما ضمن لأن الأجر مع الضمان لا يجتمعان، وإن لم ينهدم شيء لا يجب الأجر قياسًا؛ لأن عمل الحدادة

стр. 5950

(وَلِلْمُسْتَأْجِرِ الشَّرْبُ وَالطَّرِيقُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِط) لِأَنَّ الإِجَارَةَ تُعْقَدُ لِلانْتِفَاعِ، وَلَا انْتِفَاعَ فِي الحَالِ إِلَّا بِهِمَا فَيَدْخُلَانِ فِي مُطْلَقِ العُقَدِ، بِخِلَافِ البَيْعِ؛ لِأَنَّ المَقْصُودَ مِنهُ مِلْكُ الرَّقَبَةِ لَا الانْتِفَاعُ فِي الحَالِ، حَتَّى يَجُوزُ بَيْعُ الجَحْشِ وَالْأَرْضِ السَبِخَةِ دُونَ الإِجَارَةِ، فَلَا يَدْخُلَانِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الحُقُوقِ وَقَدْ مَرَّ فِي البُيُوعِ (وَلَا يَصِحُ العَقْدُ حَتَّى يُسَمِّيَ مَا يَزْرَعُ فِيهَا)؛ لِأَنَّهَا قَدْ تُسْتَأجَرُ لِلزِّرَاعَةِ وَلِغَيْرِهَا، وَمَا يُزْرَعُ فِيهَا مُتَفَاوِتٌ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ كَيْ لَا تَقَعَ المُنَازَعَةُ (أَوْ يَقُولَ: عَلَى أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا مَا شَاءَ)؛ لِأَنَّهُ لَمَّا فَوَّضَ الخِيَرَةَ إِلَيْهِ ارْتَفَعَتْ الجَهَالَةُ المُفْضِيَةُ إِلَى المُنَازَعَةِ. والقصارة غير داخل تحت العقد، ولهذا كان سببًا للضمان، فإذا لم يدخل تحت العقد فالحال قبل العقد وبعده سواء، ويجب استحسانًا، وبه قالت الأئمة الثلاثة لأن المعقود عليه السكنى وفي الحدادة السكني وزيادة، فقد استوفى المعقود عليه فيجب الأجر. وهكذا كمن استأجر دابة ليحمل عليها عشرة مخاتيم كذا فحمل أحد عشر وسلمت الدابة يجب الأجر فكذلك ههنا، ولو اختلف المستأجر والآجر في ذلك فقال المستأجر: استأجرتها للحدادة، والآجر يقول: لسكنى دون الحدادة، فالقول للآجر لأنه أنكر الإجارة أصلا، ولو أقاما البينة فالبينة بينة المستأجر؛ لأنه يثبت زيادة الشرط. وفي المغرب: المستعمل لفظ المؤجر لا الآجر، ولكن ذكره في كتب الفقه كذلك (١). قوله: (وللمستأجر الشَّرْبُ والطريق)، يعني وإن لم يشترطهما، وهذه من مسائل الجامع الصغير، (بخلاف البيع) يعني لا يدخلان في البيع إلا بالذكر، وقد مر في البيوع في باب الحقوق. قوله: (حتى يسمي ما يزرع فيها) بفتح الياء على بناء الفاعل. وقوله: (وما يُزرع فيها متفاوت) بضم الياء، وفي المغني لابن قدامة: استأجرها للزرع مطلقًا، أو قال: لتزرعها ما شئت فإنه يصح ولو زرع ما شاء، وهو مذهب الشافعي، ومالك، وعن ابن سريج: لا يصح حتى يُبين ما يزرع؛

стр. 5951

قَالَ: (وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأجِرَ السَّاحَةُ لِيَبْنِيَ فِيهَا، أَوْ لِيَغْرِسَ فِيهَا نَخْلًا، أَوْ شَجَرًا)؛ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ تُقْصَدُ بِالْأَرَاضِي (ثُمَّ إِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الإِجَارَةِ: لَزِمَهُ أَنْ يَقْلَعَ البِنَاءَ وَالغَرْسَ، وَيُسْلِمَهَا إِلَيْهِ فَارِغَةٌ)؛ لِأَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لَهُمَا وَفِي إِبْقَائِهِمَا إِضْرَارًا لأن ضرره يختلف فلم يصح بلا بيان (١). وهو قولنا فيما أطلق الزرع كما ذكر في الكتاب. ثم لو زرع نوعًا من الأنواع في هذه الصورة ومضت المدة ففي القياس يجب عليه أجر المثل؛ لأنه استوفى المعقود عليه بحكم عقد فاسد فلا ينقلب إلى الجواز. وفي الاستحسان: يجب المسمى وينقل العقد جائزا؛ لأن المعقود عليه صار معلومًا بالاستعمال، لما أن الإجارة تنعقد ساعة فساعة على حسب حدوث المنفعة، والفساد كان لأجل الجهالة، فإذا ارتفعت كان الارتفاع في هذه الحالة كالارتفاع وقت العقد فيعود جائزا، وكذا لو استأجر ثوبًا للبس ولم يعين اللابس لا يجوز لتفاوت الناس في اللبس، فإن عين اللابس بعد ذلك يجوز استحسانًا لما ذكرنا، كذا في الذخيرة، وجامع قاضي خان (٢). قوله: (أن يستأجر الساحة) بالحاء المهملة، وهي الأرض الخالية عن البناء والشجر. (ويسلمها)، أي: الساحة (فارغة)، أي: يجبر على القلع، ولا يضمن صاحب الأرض قيمة النقص، وبه قال مالك (٣)، والمزني، وقال الشافعي (٤)، وأحمد (٥): إن كانا قد شرطا القلع عند انقضائها كذلك، وإن أطلقا العقد لم يجبر على القلع إلا أن يضمن المالك له قيمة نقضه؛ لأنه ﵊ قال: «ليس لعرق ظالم حَقٌّ» (٦)، وهذا ليس بضامن، ولأنه غرس بإذن المالك

стр. 5952

بِصَاحِبِ الْأَرْضِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا انْقَضَتْ المُدَّةُ وَالزَّرْعُ بَقْلٌ، حَيْثُ يُتْرَكُ بِأَجْرِ المِثْلِ ولم يشترط قلعه فلم يجبر على القلع من غير ضمان النقض، كما لو استعار أرضا للغرس مدة فرجع قبل انقضائها. وقلنا: تقدير المدة في الإجازة يقتضي التفريغ عند انقضائها، ولا يقتضي التأبيد إذ فيه ضرر لرب الأرض؛ لأنه ليس للبناء والغرس مدة معلومة، فيكون كاشتراط القلع عند الانقضاء عرفًا ودلالة. قوله: (حيث يترك بأجر المثل)، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد إن لم يكن ذلك من تفريط المستأجر، مثل أن يزرع زرعًا لم تجر العادة بكماله قبل انقضاء المدة فحكمه حكم زرع الغاصب، يخير المالك بين أخذه بالقيمة أو تركه بأجر المثل. وقال الشافعي في وجه: يلزمه نقله؛ لأن المدة ضربت لنقل الزرع فيلزم العمل بموجبه. وعندنا يترك بأجر المثل مطلقا إلى زمان الإدراك؛ لأن في التأخير مراعاة الحقين، بخلاف لو مات أحد المتعاقدين والزرع يقل حيث يترك بلا أجر المثل، بل بالمسمى لأنا أثبتنا عقد الإجارة بعد انقضاء المدة، والزرع بأجر المثل رعاية للجانبين ضرورة، وفي الموت الحاجة إلى إبقاء العقد، فيبقى ما كان مسمى في العقد، وذلك لأن الباقي حكم ذلك العقد، وذلك العقد يقتضي أن يكون مضمونا بالمسمى كذا في الإيضاح، وجامع قاضي خان (١). وحاصل ذلك أن في حق البناء والغرس اتحد الجواب في الصور الثلاث، وهي: الإجارة، والعارية، والغصب، حتى يجب عليهم القلع والتسليم فارغا، وفي الزرع اختلف الجواب، ففي الغصب يلزم القلع على الغاصب في الحال؛ لأنه متعد في الزراعة، وفي الإجارة يترك إلى وقت الإدراك استحسانًا بأجر المثل. وفي العارية المؤقتة وغير المؤقتة لا يأخذها صاحبها إلى أن

стр. 5953

إِلَى زَمَانِ الإِدْرَاكِ؛ لِأَنَّ لَهُ نِهَايَةٌ مَعْلُومَةٌ فَأَمْكَنَ رِعَايَةُ الجَانِبَيْنِ. قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَخْتَارَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَنْ يَغْرَمَ لَهُ قِيمَةَ ذَلِكَ مَقْلُوعًا وَيَتَمَلَّكَهُ فَلَهُ ذَلِكَ) وَهَذَا بِرِضَا صَاحِبِ الغَرْسِ وَالشَّجَرِ، إِلَّا أَنْ تَنْقُصَ الْأَرْضُ بِقَلْعِهِمَا فَحِينَئِذٍ يَتَمَلَّكُهُمَا بِغَيْرِ رِضَاهُ. قَالَ: (أَوْ يَرْضَى بِتَرْكِهِ عَلَى حَالِهِ، فَيَكُونَ البِنَاءُ لِهَذَا وَالأَرْضُ لِهَذَا)؛ لِأَنَّ الحَقَّ لَهُ فَلَهُ أَنْ لَا يَسْتَوْفِيَهُ. قَالَ: (وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: إِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الإِجَارَةِ، وَفِي الْأَرْضِ رَطْبَةٌ فَإِنَّهَا تُقْلَعُ)؛ لِأَنَّ الرِّطَابَ لَا نِهَايَةَ لَهَا فَأَشْبَهَ الشَّجَرَ. قَالَ: (وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الدَّوَابِّ لِلرُّكُوبِ وَالحَمْلِ)؛ لِأَنَّهُ مَنْفَعَةٌ مَعْلُومَةٌ مَعْهُودَةٌ (فَإِنْ أَطْلَقَ الرُّكُوبَ: جَازَ لَهُ أَنْ يُرْكِبَ مَنْ شَاءَ) عَمَلًا بِالْإِطْلَاقِ … ... … ... … ... . يستحصد الزرع استحسانا؛ لأنه ما كان متعديًا في الزراعة بجهة العارية، ولإدراك الزرع نهاية معلومة فيترك. قالوا: وينبغي أن يترك بأجر المثل كما في الإجارة نظرًا للجانبين، الكل من المبسوط (١). قوله: (عملا بالإطلاق)، فإن قيل: ذكر في المبسوط، والمغني، والذخيرة، وشرح الطحاوي استأجر ثوبًا ليلبسه يومًا ولم يسم من يلبسه، أو دابة ليركبها يومًا ولم يسم من يركبه، أو للعمل ولم يسم ما يعمل عليها تفسد الإجارة (٢). وكذا في شرح الأقطع، إلا أن يقول: يركب من شاء فما وجه ما ذكر في الكتاب. قلنا: قيل في التوفيق بين الروايات ما ذكر في فتاوى قاضي خان: إنه لو أركب غيره أو ركبه بنفسه انقلب جائزا بعد ما وقع فاسدًا (٣). فعلى هذا كان ما ذكره محمولاً على آخر الأحوال، فكان معنى قوله: (فإن أطلق الركوب جاز له أن يركب من شاء)، أي: لو أركبه ينقلب إلى الجواز بعد

стр. 5954

وَلَكِنْ إِذَا رَكِبَ بِنَفْسِهِ، أَوْ أَرْكَبَ وَاحِدًا، لَيْسَ لَهُ أَنْ يُرْكِبَ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ مُرَادًا مِنْ الأَصْلِ، وَالنَّاسُ يَتَفَاوَتُونَ فِي الرُّكُوبِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ نَصَّ عَلَى رُكُوبِهِ (وَكَذَلِكَ إِذَا اسْتَأْجَرَ ثَوْبًا لِلَّبْسِ وَأَطْلَقَ: جَازَ فِيمَا ذَكَرْنَا لِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ وَتَفَاوُتِ النَّاسِ فِي اللُّبْسِ وَإِنْ قَالَ: عَلَى أَنْ يَرْكَبَهَا فُلَانٌ، أَوْ يَلْبَسَ الثَّوْبَ فُلَانٌ، فَأَرْكَبَهَا غَيْرَهُ، أَوْ أَلْبَسَهُ غَيْرَهُ فَعَطِبَ: كَانَ ضَامِنًا)؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الرُّكُوبِ وَاللُّبْسِ فَصَحَّ التَّعْيِينُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّاهُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ المُسْتَعْمِلِ لِمَا ذَكَرْنَا. فَأَمَّا العَقَارُ وَمَا لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ المُسْتَعْمِلِ إِذَا شَرَطَ سُكْنَى وَاحِدٍ فَلَهُ أَنْ يُسْكِنَ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ التَّقْبِيدَ غَيْرُ مُفِيدٍ لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ الَّذِي يَضُرُّ بِالبِنَاءِ، وَالَّذِي يَضُرُّ بِالبِنَاءِ ما وقع فاسدًا، أو المراد منه ما هو المذكور في شرح الأقطع كما ذكرنا، فكان معنى قوله: (فإن أطلق الركوب)، أي: استأجرها للركوب على أن يركب عليها من شاء، واختاره صاحب الكافي. والأوجه فيه أن يقال: ما ذكره من الفساد جواب القياس، ومن الجواز جواب الاستحسان، فإنه ذكر في المبسوط بعد ما ذكرنا: فالعقد فاسد لجهالة المعقود عليه؛ لأن حمل بعض الأشياء وركوب بعض الأشخاص، أو لبس البعض غير معلوم لينصرف مطلق العقد إليه، ويقع التفاوت في الركوب واللبس والحمل، فما لم يبين لا يصير المعقود عليه معلومًا فلا يحكم بجواز العقد (١). وفي الاستحسان أن الجهالة المفسدة قد زال بركوب نفسه وإركاب غره (٢)، فجعلنا التعيين في الانتهاء كالتعيين في الابتداء. قوله: (كل ما يختلف باختلاف المستعمل)؛ كالفسطاط ونحوه، حتى لو استأجر فسطاطا ودفعه إلى غيره إجارةً، أو إعارةً فنصبه وسكن فيه ضمنه عند أبي يوسف لتفاوت الناس في نصبه واختيار مكانه، وضرب أوتاده، وعند محمد لا يضمن؛ لأنه للسكنى فصار كالدار.

стр. 5955

خَارِجٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. قَالَ: (وَإِنْ سَمَّى نَوْعًا وَقَدْرًا مَعْلُومًا يَحْمِلُهُ عَلَى الدَّابَّةِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: خَمْسَةُ أَقْفِزَةِ حِنْطَةٍ، فَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ مَا هُوَ مِثْلُ الحِنْطَةِ فِي الضَّرَرِ، أَوْ أَقَلُّ كَالشَّعِيرِ وَالسِّمْسِمِ)؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ تَحْتَ الإِذْنِ لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ، أَوْ لِكَوْنِهِ خَيْرًا مِنْ وقوله: (على ما ذكرنا)، إشارة إلى قوله: (إلا إنه لا يسكن حداد) إلى آخره. قوله: (كالشعير والسمسم)، هذا لف ونشر، فالشعير ينصرف إلى المثل، والسمسم إلى الأقل إذا كان التقدير فيها من حيث الكيل لا من حيث الوزن، هذا جواب الاستحسان. أما لو سمى قدرًا من الحنطة وزنًا فحمل مثل الوزن من الشعير يضمن، وقد بينا نظير هذا في العارية، ولكن ذكر شيخ الإسلام في مبسوطه: لا يضمن فيه هذا أيضًا، وهو الأصح؛ لأن ضرر الشعير مثل ضرر الحنطة في حق الدابة عند استوائهما وزنًا، وبه يفتي الصدر الشهيد، كذا في الذخيرة. وفي المبسوط: المسألة على أربعة أوجه، أحدها: أن يحمل ما عينه. والثاني: أن يخالف في الجنس، ففي القياس يضمن لأنه مخالف، وفي الاستحسان: لا يضمن في المثل والأخف؛ لأنه لا فائدة في تعيين الحنطة. والثالث: أن يخالف إلى ما هو أضر بأن حمل عليها حديدًا مثل وزن الحنطة، أو أجرًا، أو ملحًا فيضمن؛ لأن هذا يجتمع في موضع واحد فيدق ظهر الدابة، وكذا لو حمل وزن الحنطة قطنا يضمن؛ لأنه يأخذ من ظهر الدابة فوق ما يأخذ الحنطة فكان أضرَّ عليها من وجه، كما لو حمل عليها حطبا أو تبنا. والرابع: أن يخالف في القدر، بأن قال: عشرة مخاتيم حنطة، فحمل خمسة عشر مختومًا فهلك، يضمن ثلث قيمتها؛ لأنه في مقدار عشرة مخاتيم موافق؛ لأنه حمل بالإذن، وفيما زاد بغير الإذن، فيعتبر الجزء بالكل ويتوزع الضمان على ذلك (١). وقال الشافعي، وأحمد يضمن قيمتها كما في الغصب؛ لأنه متعد إذا لم
следующие страницы →