← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.

стр. 5951

قَالَ: (وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأجِرَ السَّاحَةُ لِيَبْنِيَ فِيهَا، أَوْ لِيَغْرِسَ فِيهَا نَخْلًا، أَوْ شَجَرًا)؛ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ تُقْصَدُ بِالْأَرَاضِي (ثُمَّ إِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الإِجَارَةِ: لَزِمَهُ أَنْ يَقْلَعَ البِنَاءَ وَالغَرْسَ، وَيُسْلِمَهَا إِلَيْهِ فَارِغَةٌ)؛ لِأَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لَهُمَا وَفِي إِبْقَائِهِمَا إِضْرَارًا لأن ضرره يختلف فلم يصح بلا بيان (١). وهو قولنا فيما أطلق الزرع كما ذكر في الكتاب. ثم لو زرع نوعًا من الأنواع في هذه الصورة ومضت المدة ففي القياس يجب عليه أجر المثل؛ لأنه استوفى المعقود عليه بحكم عقد فاسد فلا ينقلب إلى الجواز. وفي الاستحسان: يجب المسمى وينقل العقد جائزا؛ لأن المعقود عليه صار معلومًا بالاستعمال، لما أن الإجارة تنعقد ساعة فساعة على حسب حدوث المنفعة، والفساد كان لأجل الجهالة، فإذا ارتفعت كان الارتفاع في هذه الحالة كالارتفاع وقت العقد فيعود جائزا، وكذا لو استأجر ثوبًا للبس ولم يعين اللابس لا يجوز لتفاوت الناس في اللبس، فإن عين اللابس بعد ذلك يجوز استحسانًا لما ذكرنا، كذا في الذخيرة، وجامع قاضي خان (٢). قوله: (أن يستأجر الساحة) بالحاء المهملة، وهي الأرض الخالية عن البناء والشجر. (ويسلمها)، أي: الساحة (فارغة)، أي: يجبر على القلع، ولا يضمن صاحب الأرض قيمة النقص، وبه قال مالك (٣)، والمزني، وقال الشافعي (٤)، وأحمد (٥): إن كانا قد شرطا القلع عند انقضائها كذلك، وإن أطلقا العقد لم يجبر على القلع إلا أن يضمن المالك له قيمة نقضه؛ لأنه ﵊ قال: «ليس لعرق ظالم حَقٌّ» (٦)، وهذا ليس بضامن، ولأنه غرس بإذن المالك

стр. 5952

بِصَاحِبِ الْأَرْضِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا انْقَضَتْ المُدَّةُ وَالزَّرْعُ بَقْلٌ، حَيْثُ يُتْرَكُ بِأَجْرِ المِثْلِ ولم يشترط قلعه فلم يجبر على القلع من غير ضمان النقض، كما لو استعار أرضا للغرس مدة فرجع قبل انقضائها. وقلنا: تقدير المدة في الإجازة يقتضي التفريغ عند انقضائها، ولا يقتضي التأبيد إذ فيه ضرر لرب الأرض؛ لأنه ليس للبناء والغرس مدة معلومة، فيكون كاشتراط القلع عند الانقضاء عرفًا ودلالة. قوله: (حيث يترك بأجر المثل)، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد إن لم يكن ذلك من تفريط المستأجر، مثل أن يزرع زرعًا لم تجر العادة بكماله قبل انقضاء المدة فحكمه حكم زرع الغاصب، يخير المالك بين أخذه بالقيمة أو تركه بأجر المثل. وقال الشافعي في وجه: يلزمه نقله؛ لأن المدة ضربت لنقل الزرع فيلزم العمل بموجبه. وعندنا يترك بأجر المثل مطلقا إلى زمان الإدراك؛ لأن في التأخير مراعاة الحقين، بخلاف لو مات أحد المتعاقدين والزرع يقل حيث يترك بلا أجر المثل، بل بالمسمى لأنا أثبتنا عقد الإجارة بعد انقضاء المدة، والزرع بأجر المثل رعاية للجانبين ضرورة، وفي الموت الحاجة إلى إبقاء العقد، فيبقى ما كان مسمى في العقد، وذلك لأن الباقي حكم ذلك العقد، وذلك العقد يقتضي أن يكون مضمونا بالمسمى كذا في الإيضاح، وجامع قاضي خان (١). وحاصل ذلك أن في حق البناء والغرس اتحد الجواب في الصور الثلاث، وهي: الإجارة، والعارية، والغصب، حتى يجب عليهم القلع والتسليم فارغا، وفي الزرع اختلف الجواب، ففي الغصب يلزم القلع على الغاصب في الحال؛ لأنه متعد في الزراعة، وفي الإجارة يترك إلى وقت الإدراك استحسانًا بأجر المثل. وفي العارية المؤقتة وغير المؤقتة لا يأخذها صاحبها إلى أن

стр. 5953

إِلَى زَمَانِ الإِدْرَاكِ؛ لِأَنَّ لَهُ نِهَايَةٌ مَعْلُومَةٌ فَأَمْكَنَ رِعَايَةُ الجَانِبَيْنِ. قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَخْتَارَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَنْ يَغْرَمَ لَهُ قِيمَةَ ذَلِكَ مَقْلُوعًا وَيَتَمَلَّكَهُ فَلَهُ ذَلِكَ) وَهَذَا بِرِضَا صَاحِبِ الغَرْسِ وَالشَّجَرِ، إِلَّا أَنْ تَنْقُصَ الْأَرْضُ بِقَلْعِهِمَا فَحِينَئِذٍ يَتَمَلَّكُهُمَا بِغَيْرِ رِضَاهُ. قَالَ: (أَوْ يَرْضَى بِتَرْكِهِ عَلَى حَالِهِ، فَيَكُونَ البِنَاءُ لِهَذَا وَالأَرْضُ لِهَذَا)؛ لِأَنَّ الحَقَّ لَهُ فَلَهُ أَنْ لَا يَسْتَوْفِيَهُ. قَالَ: (وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: إِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الإِجَارَةِ، وَفِي الْأَرْضِ رَطْبَةٌ فَإِنَّهَا تُقْلَعُ)؛ لِأَنَّ الرِّطَابَ لَا نِهَايَةَ لَهَا فَأَشْبَهَ الشَّجَرَ. قَالَ: (وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الدَّوَابِّ لِلرُّكُوبِ وَالحَمْلِ)؛ لِأَنَّهُ مَنْفَعَةٌ مَعْلُومَةٌ مَعْهُودَةٌ (فَإِنْ أَطْلَقَ الرُّكُوبَ: جَازَ لَهُ أَنْ يُرْكِبَ مَنْ شَاءَ) عَمَلًا بِالْإِطْلَاقِ … ... … ... … ... . يستحصد الزرع استحسانا؛ لأنه ما كان متعديًا في الزراعة بجهة العارية، ولإدراك الزرع نهاية معلومة فيترك. قالوا: وينبغي أن يترك بأجر المثل كما في الإجارة نظرًا للجانبين، الكل من المبسوط (١). قوله: (عملا بالإطلاق)، فإن قيل: ذكر في المبسوط، والمغني، والذخيرة، وشرح الطحاوي استأجر ثوبًا ليلبسه يومًا ولم يسم من يلبسه، أو دابة ليركبها يومًا ولم يسم من يركبه، أو للعمل ولم يسم ما يعمل عليها تفسد الإجارة (٢). وكذا في شرح الأقطع، إلا أن يقول: يركب من شاء فما وجه ما ذكر في الكتاب. قلنا: قيل في التوفيق بين الروايات ما ذكر في فتاوى قاضي خان: إنه لو أركب غيره أو ركبه بنفسه انقلب جائزا بعد ما وقع فاسدًا (٣). فعلى هذا كان ما ذكره محمولاً على آخر الأحوال، فكان معنى قوله: (فإن أطلق الركوب جاز له أن يركب من شاء)، أي: لو أركبه ينقلب إلى الجواز بعد

стр. 5954

وَلَكِنْ إِذَا رَكِبَ بِنَفْسِهِ، أَوْ أَرْكَبَ وَاحِدًا، لَيْسَ لَهُ أَنْ يُرْكِبَ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ مُرَادًا مِنْ الأَصْلِ، وَالنَّاسُ يَتَفَاوَتُونَ فِي الرُّكُوبِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ نَصَّ عَلَى رُكُوبِهِ (وَكَذَلِكَ إِذَا اسْتَأْجَرَ ثَوْبًا لِلَّبْسِ وَأَطْلَقَ: جَازَ فِيمَا ذَكَرْنَا لِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ وَتَفَاوُتِ النَّاسِ فِي اللُّبْسِ وَإِنْ قَالَ: عَلَى أَنْ يَرْكَبَهَا فُلَانٌ، أَوْ يَلْبَسَ الثَّوْبَ فُلَانٌ، فَأَرْكَبَهَا غَيْرَهُ، أَوْ أَلْبَسَهُ غَيْرَهُ فَعَطِبَ: كَانَ ضَامِنًا)؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الرُّكُوبِ وَاللُّبْسِ فَصَحَّ التَّعْيِينُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّاهُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ المُسْتَعْمِلِ لِمَا ذَكَرْنَا. فَأَمَّا العَقَارُ وَمَا لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ المُسْتَعْمِلِ إِذَا شَرَطَ سُكْنَى وَاحِدٍ فَلَهُ أَنْ يُسْكِنَ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ التَّقْبِيدَ غَيْرُ مُفِيدٍ لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ الَّذِي يَضُرُّ بِالبِنَاءِ، وَالَّذِي يَضُرُّ بِالبِنَاءِ ما وقع فاسدًا، أو المراد منه ما هو المذكور في شرح الأقطع كما ذكرنا، فكان معنى قوله: (فإن أطلق الركوب)، أي: استأجرها للركوب على أن يركب عليها من شاء، واختاره صاحب الكافي. والأوجه فيه أن يقال: ما ذكره من الفساد جواب القياس، ومن الجواز جواب الاستحسان، فإنه ذكر في المبسوط بعد ما ذكرنا: فالعقد فاسد لجهالة المعقود عليه؛ لأن حمل بعض الأشياء وركوب بعض الأشخاص، أو لبس البعض غير معلوم لينصرف مطلق العقد إليه، ويقع التفاوت في الركوب واللبس والحمل، فما لم يبين لا يصير المعقود عليه معلومًا فلا يحكم بجواز العقد (١). وفي الاستحسان أن الجهالة المفسدة قد زال بركوب نفسه وإركاب غره (٢)، فجعلنا التعيين في الانتهاء كالتعيين في الابتداء. قوله: (كل ما يختلف باختلاف المستعمل)؛ كالفسطاط ونحوه، حتى لو استأجر فسطاطا ودفعه إلى غيره إجارةً، أو إعارةً فنصبه وسكن فيه ضمنه عند أبي يوسف لتفاوت الناس في نصبه واختيار مكانه، وضرب أوتاده، وعند محمد لا يضمن؛ لأنه للسكنى فصار كالدار.

стр. 5955

خَارِجٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. قَالَ: (وَإِنْ سَمَّى نَوْعًا وَقَدْرًا مَعْلُومًا يَحْمِلُهُ عَلَى الدَّابَّةِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: خَمْسَةُ أَقْفِزَةِ حِنْطَةٍ، فَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ مَا هُوَ مِثْلُ الحِنْطَةِ فِي الضَّرَرِ، أَوْ أَقَلُّ كَالشَّعِيرِ وَالسِّمْسِمِ)؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ تَحْتَ الإِذْنِ لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ، أَوْ لِكَوْنِهِ خَيْرًا مِنْ وقوله: (على ما ذكرنا)، إشارة إلى قوله: (إلا إنه لا يسكن حداد) إلى آخره. قوله: (كالشعير والسمسم)، هذا لف ونشر، فالشعير ينصرف إلى المثل، والسمسم إلى الأقل إذا كان التقدير فيها من حيث الكيل لا من حيث الوزن، هذا جواب الاستحسان. أما لو سمى قدرًا من الحنطة وزنًا فحمل مثل الوزن من الشعير يضمن، وقد بينا نظير هذا في العارية، ولكن ذكر شيخ الإسلام في مبسوطه: لا يضمن فيه هذا أيضًا، وهو الأصح؛ لأن ضرر الشعير مثل ضرر الحنطة في حق الدابة عند استوائهما وزنًا، وبه يفتي الصدر الشهيد، كذا في الذخيرة. وفي المبسوط: المسألة على أربعة أوجه، أحدها: أن يحمل ما عينه. والثاني: أن يخالف في الجنس، ففي القياس يضمن لأنه مخالف، وفي الاستحسان: لا يضمن في المثل والأخف؛ لأنه لا فائدة في تعيين الحنطة. والثالث: أن يخالف إلى ما هو أضر بأن حمل عليها حديدًا مثل وزن الحنطة، أو أجرًا، أو ملحًا فيضمن؛ لأن هذا يجتمع في موضع واحد فيدق ظهر الدابة، وكذا لو حمل وزن الحنطة قطنا يضمن؛ لأنه يأخذ من ظهر الدابة فوق ما يأخذ الحنطة فكان أضرَّ عليها من وجه، كما لو حمل عليها حطبا أو تبنا. والرابع: أن يخالف في القدر، بأن قال: عشرة مخاتيم حنطة، فحمل خمسة عشر مختومًا فهلك، يضمن ثلث قيمتها؛ لأنه في مقدار عشرة مخاتيم موافق؛ لأنه حمل بالإذن، وفيما زاد بغير الإذن، فيعتبر الجزء بالكل ويتوزع الضمان على ذلك (١). وقال الشافعي، وأحمد يضمن قيمتها كما في الغصب؛ لأنه متعد إذا لم

стр. 5956

الأَوَّلِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ مَا هُوَ أَضَرُّ مِنْ الحِنْطَةِ، كَالمِلْحِ وَالحَدِيدِ لِانْعِدَامِ الرِّضَا فِيهِ (وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا قُطْنًا سَمَّاهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا مِثْلَ وَزْنِهِ حَدِيدًا)؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ أَضَرَّ بِالدَّابَّةِ، فَإِنَّ الحَدِيدَ يَجْتَمِعُ فِي مَوْضِعِ مِنْ ظَهْرِهَا وَالقُطْنُ يَنْبَسِطُ عَلَى ظَهْرِهَا. قَالَ: (وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَرْكَبَهَا فَأَرْدَفَ مَعَهُ رَجُلًا، فَعَطِبَتْ ضَمِنَ نِصْفَ قِيمَتِهَا، وَلَا مُعْتَبَرَ بِالثَّقَلِ)؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ قَدْ يَعْقِرُهَا جَهْلُ الرَّاكِبِ الخَفِيفِ وَيَخِفُّ عَلَيْهَا رُكُوبُ الثَّقِيلِ لِعِلْمِهِ بِالفُرُوسِيَّةِ، وَلِأَنَّ الآدَمِيَّ غَيْرُ مَوْزُونٍ فَلَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الوَزْنِ فَاعْتُبِرَ عَدَدُ يكن معها صاحبها، وإن كان صاحبها معها فإن تلف بعد التسليم إلى صاحبها لم يضمن، وإن تلف في حال الحمل ضمن، وفي قدر الضمان قولان، أحدهما: نصف قيمته، والثاني: أنه يقسط، وما قابل الزيادة يجب، وإذا لم يهلك يجب المسمى، وفيما زاد أجر المثل، وعن مالك خير المالك بين تضمين القيمة بالتعدي، وبين أجر المثل. قوله: (فأردف معه رجلًا) قيد بالإرداف لأنه لو ركبها وحمل على عاتقه غيره يضمن كل القيمة وإن كانت الدابة تطيق ذلك؛ لأن ثقل الراكب مع الذي حمله يجتمعان في مكان واحد فيكون أشق عليها، فصار كما لو حملها مثل وزن الحنطة حديدًا. (ضمن نصف قيمتها)، أي: مع تمام الأجر إذا كان الهلاك بعد البلوغ إلى المقصد، ثم المالك بالخيار إن شاء ضمن المستأجر، ولا يرجع المستأجر على الغير سواء كان الغير مستعيرًا أو مستأجرًا، وإن ضمن الرديف يرجع على المستأجر إن كان الغير مستأجرًا، وإن كان مستعيرًا لا يرجع، وهذا إذا كانت الدابة تطيق ذلك، فإن لم تطق يضمن جميع قيمتها، وهو قياس قول الشافعي، وأحمد. وقال الشافعي في قول: يجب على المرتدف نصف الضمان كقولنا، وقال في قول: يقسط على أوزانهما أن يطيق ذلك. قوله: (لعلمه بالفروسية)، فرُبَّ خفيف لا يحسن الركوب فيضر بالدابة،

стр. 5957

الرَّاكِبِ كَعَدَدِ الجُنَاةِ فِي الجِنَايَاتِ. قَالَ: (وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا مِقْدَارًا مِنَ الحِنْطَةِ، فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْهُ، فَعَطِبَتْ: ورب ثقيل يحسن الركوب فلا يضر بالدابة، ولهذا قال الحلواني: هذا إذا أردف مثله، أما لو أردف صبيًا لا يستمسك بنفسه فكان بمنزلة الحمل فيضمن بقدر ثقله. قوله: (كعدد الجناة)، يعني يعتبر عدد الجناة لا عدد الجنايات، حتى لو جرح إنسان عشر جراحات وجرح آخر جراحة يتنصف الضمان، فربما يهلك الإنسان من جراحة ويسلم من عشر جراحات. فإن قيل: ينبغي أن يضمن كل القيمة؛ لأنه لو استأجرها ليركبها بنفسه، وفي مثله لو أركب غيره يجب عليه ضمان كل القيمة، وههنا وجد إركاب الغير مع ركوب نفسه، فركوبه بنفسه إن لم يوجب عليه زيادة ضمان على ضمان الإركاب ينبغي أن لا يوجب نقصان ضمان منه، وكذا ينبغي أن لا يجب عليه الأجر؛ لأن الأجر مع الضمان لا يجتمعان، وههنا يجب عليه نصف الضمان فينبغي أن لا يجب عليه نصف الأجر. قلنا: إنما ينتفي الأجر عند وجوب الضمان إذا ملكه بالضمان بطريق الغصب؛ لأنه لا أجر في ملكه، وههنا لم يملك بهذا الضمان شيئًا مما شغله بركوب نفسه، وجميع المسمى بمقابلة ذلك، وإنما يضمن ما شغله غيره ولا أجر بمقابلة ذلك ليسقط عنه لما بينا أن الضرر في الدابة ليس من قبيل ثقل الراكب وخفته، فلهذا يوزع الضمان نصفين، وهذا هو الجواب عما سأل بقوله. فإن قيل: قد تقرر عليه ضمان نصف القيمة، وقد ملك نصف الدابة من حين ضمن، فينبغي أن لا يلزمه نصف الأجر. والجواب عن قوله - وفي مثله: لو أركب غيره يجب عليه ضمان كل القيمة - أنه إذا أركب غيره فهو مخالف في الكل، وإذا ركبها بنفسه فهو موافق فيما شغله بنفسه، مخالف فيما شغله بغيره، ألا ترى أنه لو استأجرها لركوبه لم يجب الأجر إذا حمل عليها غيره، ووجب الأجر إذا ركبها وحمل مع نفسه غيره، كذا

стр. 5958

ضَمِنَ مَا زَادَ الثَّقَلُ)؛ لِأَنَّهَا عَطِبَتْ بِمَا هُوَ مَأذُونٌ فِيهِ وَمَا هُوَ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ وَالسَّبَبُ الثَّقَلُ فَانْقَسَمَ عَلَيْهِمَا إِلَّا إِذَا كَانَ حِمْلًا لَا يُطِيقُهُ مِثْلُ تِلْكَ الدَّابَّةِ فَحِينَئِذٍ يَضْمَنُ كُلَّ قِيمَتِهَا لِعَدَمِ الإِذْنِ فِيهَا أَصْلًا لِخُرُوجِهِ عَنْ العَادَةِ. في المبسوط (١). وفيه: هذا إذا كانت الدابة تطيق ذلك حمل رجلين، فإن لم تطق فإن كان يعلم أن لا تطيق ذلك فهو متلف يضمن جميع قيمتها. قوله: (فانقسم)، أي: الضمان (عليهما)، أي: على ما هو مأذون فيه، وعلى ما هو غير مأذون، وهذا بخلاف ما لو استأجر ثورًا ليطحن به عشرة مخاتيم فطحن أحد عشر فهلك حيث يضمن جميع قيمتها ولا يتوزع؛ لما أن الطحن يكون شيئًا فشيئًا، فكما طحن عشرة مخاتيم انتهى إذن المالك، فبعد ذلك في الطحن مخالف في جميع الدابة، مستعمل لها بغير إذن مالكها فيضمن جميعها. أما الحمل فيكون جملة واحدة، فهو في البعض مستعمل بالإذن، وفي البعض مخالف فيتوزع الضمان، كذا في المبسوط (٢). وعن هذا قال في المغني في مسألة الحنطة التي زاد على المسمى: هذا الجواب الذي ذكره في الكتاب فيما إذا حمل عليها أحد عشر مختوما دفعة واحدة، أما إذا حمل عليها عشرة مخاتيم، ثم حمل عليها مختوما وعطب يضمن جميع قيمتها كما في مسألة الطحن. وقوله: (ضمن ما زاد الثقل) مقيد بما إذا كان المزيد من جنس المسمى كما ذكرنا في مخاتيم الحنطة؛ لأنه إذا لم يكن المزيد من جنس المسمى، كما لو استأجرها ليحمل عليها كُرَّ شعير فحمل عليها حنطة بمثل ذلك الكيل فهلك ضمن جميع قيمتها؛ لأن الحنطة بمثل كيل الشعير أثقل، فيكون ضررها أكثر. والفرق أن المزيد إذا كان من جنس المسمى كان في حق المزيد عليه ما ذكرنا، وفي حق الزيادة فلا يضمن لما أذن فيه.

стр. 5959

قالَ: (وَإِنْ كَبَحَ الدَّابَّةَ بِلِجَامِهَا، أَوْ ضَرَبَهَا فَعَطِبَتْ: ضَمِنَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: لَا يَضْمَنُ إِذَا فَعَلَ فِعْلًا مُتَعَارَفًا) (*)؛ لِأَنَّ المُتَعَارَفَ مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ مُطْلَقِ أما إذا كانت الزيادة من غير جنس المسمى كانت المخالفة في الجميع فيضمن؛ لأن هناك ما عمل غير داخل تحت العقد إلا أنا نسقط حكم الخلاف إذا تساويا في الضرر، فإذا لم يتساويا ظهر موجب الخلاف وهو نظير الحائط المشترك، أما إذا مال فاشهد على أحدهما ثم سقط فقتل إنسانًا فإنه يضمن بقدر نصيبه، إليه أشار في الذخيرة، والإيضاح. قوله: (وإن كبح الدابة)، أي: جذبها إلى نفسه لتقف ولا تجري، كذا في الصحاح (١). قوله: (وقالا)، أي: أبو يوسف ومحمد: (لا يضمن إذا فعل فعلا متعارفًا)، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور؛ لأن المتعارف يدخل تحت العقد إذ المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، والضرب والكبح باللجام معتاد فيثبت الإذن بهما دلالة. ولو أذن فيهما لم يضمن بالاتفاق فكذا إذا ثبت عرفًا، وقد صح أنه عليه الصلاة السلام نخس بعير جابر وضربه (٢)، وكان أبو بكر يحرش بعيره بمحجنه (٣). ولأبي حنيفة أنه تلف بجنايته فيضمن كغير المستأجر، وذلك لأن المستحق السير لا نهايته، وبالكبح والضرب يستخرج منها نهايته، ومطلق السير قد يستخرج بالتحريك والصياح فلا يكون الضرب من اللوازم، على أنه إن أبيح له الضرب يتقيد بشرط السلامة لأنه إنما أبيح له لمنفعة نفسه لا لحق المالك، فإن حق المالك يتقرر في الأجر بدونه، وصار كتعزير الزوج زوجته، ورمي الرجل

стр. 5960

العَقْدِ، فَكَانَ حَاصِلا بِإِذْنِهِ فَلَا يَضْمَنُهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ الإِذْنَ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ، إِذْ يَتَحَقَّقُ السَّوْقُ بِدُونِهِ، وَإِنَّمَا هُمَا لِلْمُبَالَغَةِ فَيَتَقَيَّدُ بِوَصْفِ السَّلَامَةِ كَالمُرُورِ فِي الطَّرِيقِ. قَالَ: (وَإِنِ اسْتَأْجَرَهَا إِلَى الحِيرَةِ فَجَاوَزَ بِهَا إِلَى القَادِسِيَّةِ ثُمَّ رَدَّهَا إِلَى الحِيرَةِ ثُمَّ نَفَقَتْ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَكَذَلِكَ العَارِيَّةُ) وَقِيلَ: تَأْوِيلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِذَا اسْتَأْجَرَهَا ذَاهِبًا لَا جَائِيًا؛ لِيَنْتَهِيَ العَقْدُ بِالوُصُولِ إِلَى الحِيرَةِ فَلَا يَصِيرُ بِالعَوْدِ مَرْدُودًا إِلَى يَدِ المَالِكِ مَعْنَى. وَأَمَّا إِذَا اسْتَأْجَرَهَا ذَاهِبًا وَجَائِيًا: فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ المُودَعِ إِذَا خَالَفَ ثُمَّ عَادَ إِلَى الوِفَاقِ. وَقِيلَ: لَا، بَلْ الجَوَابُ مُجْرَى عَلَى الإِطْلَاقِ. إلى الصيد، ومشيه في الطريق فإن هذا كله مباح شرعًا ويتقيد بشرط السلامة. بخلاف ما إذا أذن نصا فإن بعده فعله كفعل المالك، كذا في المبسوط (١). وفعل النبي ﵊ يدل على إباحته، وهذا لا ينفي الضمان؛ لأنه مقيد بشرط السلامة. أما الأب إذا ضرب ابنه للتأديب ضربًا يضرب مثله فمات من ذلك ضمن الدية والكفارة، وبه قال الشافعي؛ لأنه يمكنه التأديب بغير الضرب، وعندهما ومالك، وأحمد لا يضمن، وعلى هذا الخلاف الوصي، ولو أسرف في الضرب، أو ضرب من لا عقل له فعليه الضمان بالإجماع. (الحيرة) بكسر الحاء مدينة على ميل من الكوفة. قوله: (فهو ضامن)، وكذلك العارية، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد. وهل يجب أجر المثل في الزيادة؟ فعندنا والثوري لا يجب، وعند الشافعي وأحمد يجب أجر المثل في الزيادة، وحكي عن مالك: إذا تجاوز بها إلى مسافة بعيدة خير صاحبها بين أجر المثل وبين المطالبة بقيمتها يوم التعدي؛ لأنه متعد بإمساكها فكان لصاحبها تضمينها إياه. قوله: (مجرى على الإطلاق)، أي: سواء استأجرها ذاهبًا أو جائيًا أو لا،

стр. 5961

وَالفَرْقُ: أَنَّ المُودَعَ بِأُمُورِ بِالحِفْظِ مَقْصُودًا، فَبَقِيَ الْأَمْرُ بِالحِفْظِ بَعْدَ العَوْدِ إِلَى الوِفَاقِ، فَحَصَلَ الرَّدُّ إِلَى يَدِ نَائِبِ المَالِكِ، وَفِي الإِجَارَةِ وَالعَارِيَّةِ يَصِيرُ الحِفْظُ مَأْمُورًا بِهِ تَبَعًا لِلاسْتِعْمَالِ لَا مَقْصُودًا، فَإِذَا انْقَطَعَ الاِسْتِعْمَالُ لَمْ يَبْقَ هُوَ نَائِبًا، فَلَا فلا يبرأ بالعود؛ لأنه بالمجاورة صار غاصبا، ودخلت الدابة في ضمانه، والغاصب لا يبرأ عن الضمان إلا بالرد على المالك، أو على من هو مأمور بالحفظ من جهة المالك ولم يوجد. فإن قيل: غاصب الغاصب إذا رد المغصوب على الغاصب فإنه يبرأ وإن لم يوجد الرد على هذين. قلنا: يريد في المأخذ فيقول: إنما يبرأ بالرد إلى أحد هذين، أو إلى من لم يوجد منه سبب ضمان يرتفع بالرد عليه ضمانه من قبل، والغاصب الأول لم يوجد منه سبب ضمان يرتفع بالرد عليه كذا في الفوائد الظهيرية. طعن عيسى بن أبان وقال: إلحاق الإجارة بالعارية كما ذكره في الكتاب غير مستقيم؛ لما أن يد المستأجر كيد المالك حتى يرجع بما لحقه من الضمان على المالك كما في الوديعة، ولهذا مؤنة الرد على المالك بخلاف العارية حيث لا ير. يرجع المستعير على المالك بشيء. قلنا: يد المستأجر يد نفسه لأنه قبضه لمنفعة نفسه كالمستعير، ولكن رجوعه بالضمان للغرور المتمكن بعقد المعاوضة، وذلك لا يدل على أن يده لست كيد نفسه كالمشتري يرجع بضمان المغرور. فإن قيل: لو استأجرت المرأة ثوبًا لتلبسه أياما فلبست بالليل كانت ضامنة، ثم إذا جاء النهار برئت من الضمان فعلم أن المستأجر إذا عاد إلى الوفاق يبرأ من الضمان. قلنا: وجوب الضمان عليها بالاستعمال دون اليد فلها أن تمسكه بالليل، وههنا وجوب الضمان باعتبار إمساك الدابة بعد المجاوزة بدليل أنه لو لم يركبها فهلكت يضمن، والإمساك وإن أعادها إلى الحيرة يزول بالرد على المالك [أو إلى] (١) من هو قائم مقامه ولم يوجد، كذا ذكره المحبوبي.

стр. 5962

يَبْرَأُ بِالعَوْدِ وَهَذَا أَصَحٌ. قَالَ: (وَمَنْ اكْتَرَى حِمَارًا بِسَرْجِ فَنَزَعَ السَّرْجَ وَأَسْرَجَهُ بِسَرْجِ يُسْرَجُ بِمِثْلِهِ الحُمُرُ: فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ يُمَائِلُ الأَوَّلَ تَنَاوَلَهُ إِذْنُ المَالِكِ، إِذْ لَا فَائِدَةَ فِي التَّقْيِيدِ بِغَيْرِهِ، إِلَّا إِذَا كَانَ زَائِدًا عَلَيْهِ فِي الوَزْنِ فَحِينَئِذٍ يَضْمَنُ الزِّيَادَةَ (وَإِنْ كَانَ لَا يُسْرَجُ بِمِثْلِهِ الحُمُرُ: ضَمِنَ)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْإِذْنُ مِنْ جِهَتِهِ فَصَارَ مُخَالِفًا (وَإِنْ أَوْكَفَهُ بِإِكَافٍ لَا يُوكَفُ بِمِثْلِهِ الحُمُرُ: يَضْمَنُ) لِمَا قُلْنَا فِي السَّرْجِ، وَهَذَا أَوْلَى (وَإِنْ أَوْكَفَهُ بِإِكَافٍ يُوكَفُ بِمِثْلِهِ الحُمُرُ: يَضْمَنُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، قوله: (وهذا)، أي: الجواب على الإطلاق (أصح)، وفي الكافي: وقيل الأول أصح. قوله: (إذ لا فائدة في التقييد بغيره)، أي: من حيث المنع، أي: لا فائدة في القول بأن هذا مقيد بأن لا يسرج بغير هذا السرج الذي عينه صاحب الدابة إذا كان غير ذلك السرج يماثل السرج الذي عينه، والأولى في اللفظ ههنا أن يقال: إذ لا فائدة في التقييد بعينه، أي بعين ذلك السرج الذي عينه المالك كما قاله المحبوبي. قوله: (وإن كان لا يسرج بمثله الحُمُر) بأن أسرج الحمار سرج البِرْدَوْن (١) ضمن)، أي: جميع القيمة. وفي الفوائد الظهيرية: ضمن القيمة، ولم يذكر فيه خلافًا، ولا يقال التفاوت بين السَّرْجَيْنِ دون التفاوت بين الإكاف والسرج؛ لأن السرج جنس واحد. أما الإكاف: فمخالف للسرج جنسًا فيجب أن لا يضمن جميع القيمة عندهما كما لو أوكف المسرج؛ لأنا نقول: التفاوت بين السرجين دون التفاوت بين السرج والإكاف في الصورة والانتفاع، أما في حق الإضرار بالدابة بين سرج الحمير، وبين إكاف يوكف بها الحمير أقل من التفاوت بين سرج الحمير وسرج البَرَاذِين، وحكم الضمان يتعلق بالضرر.

стр. 5963

وَقَالَا: يَضْمَنُ بِحِسَابِهِ) (*)؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ يُوكَفُ بِمِثْلِهِ الحُمُرُ: كَانَ هُوَ وَالسَّرْجُ سَوَاءٌ، فَيَكُونُ المَالِكُ رَاضِيًا بِهِ، إِلَّا إِذَا كَانَ زَائِدًا عَلَى السَّرْجِ فِي الوَزْنِ فَيَضْمَنُ الزِّيَادَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِالزِّيَادَةِ فَصَارَ كَالزِّيَادَةِ فِي الحَمْلِ المُسَمَّى إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ الإِكَافَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ السَّرْجِ؛ لِأَنَّهُ لِلْحَمْلِ، وَالسَّرْجُ لِلرُّكُوبِ، وَكَذَا يَنْبَسِطُ أَحَدُهُمَا عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ مَا لَا يَنْبَسِطُ عَلَيْهِ الْآخَرُ، فَكَانَ مُخَالِفًا، كَمَا إِذَا حَمَلَ الحَدِيدَ وَقَدْ شَرَطَ لَهُ الحِنْطَةَ. قَالَ: (وَإِنْ اسْتَأْجَرَ حَمَّالًا لِيَحْمِلَ لَهُ طَعَامًا فِي طَرِيقِ كَذَا، فَأَخَذَ فِي طَرِيقٍ غَيْرِهِ يَسْلُكُهُ النَّاسُ، فَهَلَكَ المَتَاعُ: فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ بَلَغَ، فَلَهُ الْأَجْرُ) وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ تَفَاوُتٌ؛ لِأَنَّ عِنْدَ ذَلِكَ التَّقْبِيدَ غَيْرُ مُفِيدٍ، أَمَّا إِذَا كَانَ تَفَاوُتُ قوله: (وقالا يضمن بحسابه)، قال بعض المشايخ: ليس في المسألتين اختلاف الروايتين عن أبي حنيفة؛ لأنه لم يذكر في الجامع الصغير أنه ضامن جميع القيمة، ولكن قال: هو ضامن، ولم يبين أي قدر ما يضمن، فكان المطلق محمولا على المفسر. وقيل: عن أبي حنيفة روايتان في رواية الإجارات: يضمن بقدر ما زاد، وفي رواية الجامع: يضمن جميع القيمة، قال شيخ الإسلام: وهو الأصح. وتكلموا في معنى قولهما: (يضمن بحسابه)، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة. قيل: المراد هو المساحة، حتى لو كان السرج يأخذ من ظهر الدابة قدر شبرين، والإكاف قدر أربعة أشبار يضمن نصف قيمتها، وقيل: بحسابه بالثقل والخفة، كذا في جامع المحبوبي. قوله: (أما إذا كان التفاوت)، وهو أن يكون الذي سلكه أشق، أو أبعد، أو أخوف فهلك يضمن، ولا يعلم فيه خلاف، وإن بلغ إليه المتاع مع ذلك فله الأجر لحصول المقصود، كذا في الفوائد الظهيرية، ولا خلاف فيه (١).

стр. 5964

يَضْمَنُ لِصِحَّةِ التَّقْيِيدِ: فَإِنَّ التَّقْيِيدَ مُفِيدٌ، إِلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ التَّفَاوُتِ إِذَا كَانَ طَرِيقًا يَسْلُكُهُ النَّاسُ فَلَمْ يُفَصِّلْ (وَإِنْ كَانَ طَرِيقًا لَا يَسْلُكُهُ النَّاسُ فَهَلَكَ: ضَمِنَ)؛ لِأَنَّهُ صَحَّ التَّقْيِيدُ فَصَارَ مُخَالِفًا (وَإِنْ بَلَغَ فَلَهُ الأَجْرُ)؛ لِأَنَّهُ ارْتَفَعَ الخِلَافُ مَعْنَى، وَإِنْ بَقِيَ صُورَةٌ. قَالَ: (وَإِنْ حَمَلَهُ فِي البَحْرِ فِيمَا يَحْمِلُهُ النَّاسُ فِي البَرِّ ضَمِنَ) لِفُحْشِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ البَرِّ وَالبَحْرِ (وَإِنْ بَلَغَ فَلَهُ الأَجْرُ) لِحُصُولِ المَقْصُودِ وَارْتِفَاعِ الخِلَافِ مَعْنَى. قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا حِنْطَةٌ فَزَرَعَهَا رَطْبَةٌ ضَمِنَ مَا نَقَصَهَا) لِأَنَّ وقوله: (إلا أن الظاهر)، إلى آخره جواب إشكال يرد على التفصيل وهو أن يقال: أن محمدًا أطلق الرواية بأنه لا ضمان عليه فيما أخذ في الطريق الذي يسلكه الناس ولم يقيد، فكيف يقيدها بهذا: (وإن بلغ فله الأجر) إلى آخره، وكذلك في مسألة البحر. فإن قيل: اجتمع الضمان مع الأجر - وقد ذكرنا من المبسوط أنهما لا يجتمعان -. قلنا: ليس كذلك؛ لأن الضمان حال عدم التبليغ، والأجر في حالة التبليغ وإن سلم، لكن مثل هذا الجمع يجوز؛ كما في العبد المحجور إذا أجر نفسه، فإن تلف في العمل كان المستأجر ضامنًا، وإن سلم يجب الأجر فهذا مثله، ذكره المحبوبي. قوله: (لفحش التفاوت بين البر والبحر)، حتى أن للمودع أن يسافر بالوديعة من طريق البر دون البحر، وعن العباس ﵁ أنه كان يشترط على المضارب أن لا يركب بحرًا، ولا ينزل واديًا، ولا يشتري ذا كبد (١)، قيل: أن البحر دور على عود. قوله: (ضمن ما نقصها)، ولا يعلم فيه خلاف.

стр. 5965

الرِّطَابَ أَضَرُّ بِالْأَرْضِ مِنْ الحِنْطَةِ، لِانْتِشَارِ عُرُوقِهَا فِيهَا وَكَثْرَةِ الحَاجَةِ إِلَى سَقْيِهَا، فَكَانَ خِلَافًا إِلَى شَرِّ، فَيَضْمَنُ مَا نَقَصَهَا (وَلَا أَجْرَ لَهُ)؛ لِأَنَّهُ غَاصِبٌ لِلْأَرْضِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ. قَالَ: (وَمَنْ دَفَعَ إِلَى خَيَّاطٍ ثَوْبًا لِيَخِيطَهُ قَمِيصًا بِدِرْهَمٍ، فَخَاطَهُ قَبَاءٌ: فَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ الثَّوْبِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ القَبَاءَ وَأَعْطَاهُ أَجْرَ مِثْلِهِ لَا يُجَاوَزُ بِهِ دِرْهَمًا) قِيلَ: مَعْنَاهُ القَرْطَقُ الَّذِي هُوَ ذُو طَاقٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ القَمِيصِ، وَقِيلَ: هُوَ مُجْرَى عَلَى إِطْلَاقِهِ؛ لِأَنَّهُمَا يَتَقَارَبَانِ فِي المَنْفَعَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يُضَمِّنُهُ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ؛ لِأَنَّ القَبَاءَ خِلَافُ جِنْسِ القَمِيصِ. قوله: (لا أجر له لأنه غاصب)، وعند الشافعي وأحمد رب الأرض مخير بين أخذ الأجر وما نقصت الأرض، وبين أخذ أجر المثل للجميع، وعند أحمد في رواية: عليه أجر المثل كالغاصب. قوله: (على ما قررناه) إشارة إلى قوله لأن الرطاب أضر بالأرض. قوله: (قيل: معناه القُرْطَق (١) الذي) إلى آخره، القرطق تعريب كرته، (ويك تاهي) والقرطق الذي يلبسه الأتراك مكان القميص، ويقال بالفارسية: (يكتهي)، وفي المغرب: القرطق قباذ وطاق واحد، (٢) يعني يكتاه. قال الإمام ظهير الدين: القميص إذا قُدَّ من قبل كان قباء طاق، وإذا خيط جانباه كان قميصا وهو المراد من القرطق، كذا في الخبازية. قوله: (وعن أبي حنيفة)، وهو رواية الحسن عنه (يضمنه من غير خيار)،

стр. 5966

وَوَجْهُ الظَّاهِرِ: أَنَّهُ قَمِيصٌ مِنْ وَجْهِ؛ لِأَنَّهُ يُشَدُّ وَسَطُهُ، فَمِنْ هَذَا الوَجْهِ: يَكُونُ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّ القَمِيصَ لَا يُشَدُّ وَيُنْتَفَعُ بِهِ انْتِفَاعُ القَمِيصِ فَجَاءَتْ المُوَافَقَةُ وَالمُخَالَفَةُ فَيَمِيلُ إِلَى أَيِّ الجِهَتَيْنِ شَاءَ، إِلَّا أَنَّهُ يَجِبُ أَجْرُ المِثْلِ لِقُصُورِ جِهَةِ المُوَافَقَةِ، وَلَا يُجَاوِزُ بِهِ الدِّرْهَمَ المُسَمَّى كَمَا هُوَ الحُكْمُ فِي سَائِرِ الإِجَارَاتِ الفَاسِدَةِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَوْ خَاطَهُ سَرَاوِيلَ، وَقَدْ أَمَرَ بِالقَبَاءِ، قِيلَ: يَضْمَنُ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ لِلتَّفَاوُتِ فِي المَنْفَعَةِ، وَالأَصَحُ: أَنَّهُ يُخَيَّرُ لِلاتِّحَادِ فِي أَصْلِ المَنْفَعَةِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا أُمِرَ بِضَرْبِ طَسْتٍ مِنْ شَبَهِ فَضَرَبَ مِنهُ كُورًا، فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ كَذَا هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أي: لا خيار لرب الثوب، والخياط ضامن قيمة ثوبه، وهو قياس قول الأئمة الثلاثة. هذا أيضًا إذا تصادقا على الأمر بخياطة القميص، ولو تخالفا فقال رب الثوب: أمرتك بخياطة القميص، وقال الخياط: لا، بل أمرتني بخياطة القباء، فالقول لرب الثوب، وبه قال مالك، وأحمد وابن أبي ليلى، وأبو ثور. وقال أحمد في رواية: القول للخياط لأنهما اتفقا على الإذن، واختلفا في صفته، فكان القول قول المأذون له كالمضارب. واختلف أصحاب الشافعي، فمنهم من قال: في المسألة قولان كالمذهبين ومنهم من قال: الصحيح أن القول لرب الثوب، ومنهم من قال: له قول ثالث أنهما يتحالفان كالمتبايعين يختلفان في الثمن. قوله: (لا يجاوز به الدرهم المسمى) عندنا خلافًا للأئمة الثلاثة كما يجيء في الإجارة الفاسدة. قوله: (يضمن من غير خلاف)، وبه قالت الأئمة الثلاثة. قوله: (للاتحاد في أصل المنفعة)، وهو اللبس والستر. والله أعلم.

стр. 5967

بَابُ الْإِجَارَةِ الفَاسِدَةِ قَالَ: (الإِجَارَةُ تُفْسِدُهَا الشُّرُوطُ، كَمَا تُفْسِدُ البَيْعَ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَتِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَقْدٌ يُقَالُ وَيُفْسَخُ وَالوَاجِبُ فِي الإِجَارَةِ الفَاسِدَةِ: أَجْرُ المِثْلِ لَا يُجَاوَزُ بِهِ المُسَمَّى) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: يَجِبُ بَالِغَا مَا بَلَغَ اعْتِبَارًا بِبَيْعِ الْأَعْيَانِ. وَلَنَا: أَنَّ المَنَافِعَ لَا تَتَقَوَّمُ بِنَفْسِهَا، بَلْ بِالعَقْدِ، لِحَاجَةِ النَّاسِ، بَابُ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ لما ذكر حكم الصحيحة شرع في الفاسدة لأنها تأخذ الحكم من الصحيحة. قوله: (تفسدها الشروط، أي: شرط مخالف لموجب العقد، كما لو استأجر رحى ماء على أنه إن انقطع ماؤه فالأجر عليه، فإن موجب العقد أن لا يجب الأجر إلا بالتمكن من استيفاء المعقود، فكل شرط مخالف لموجب العقد يفسد لأن الإجارة بنيت على المضايقة والمماكسة فيفسد بالشرط كالبيع؛ لأن اشتراطه يكون سببًا للمنازعة. ألا ترى أن النكاح لا يفسد بالشرط لما أنه بني على المسامحة، ولا يعلم فيه خلاف. قوله: والواجب في الإجارة الفاسدة إلى آخره، هذا الحكم إذا كان فساد الإجارة بسبب شرط فاسد لا باعتبار جهالة المسمى، ولا باعتبار عدم التسمية؛ لأنه لو كان باعتبار واحد منهما يجب الأجر بالغًا ما بلغ، ذكره في المغني، والذخيرة، وفتاوى قاضي خان (١). قوله: (وقال زفر والشافعي)، وبه قال مالك وأحمد؛ لأن المنافع متقومة عندهم، فإذا تعذر إيجاب المسمى للفساد يجب المصير إلى القيمة كما في الأعيان. ولنا أن المنافع لا تتقوم بنفسها؛ لأن التقوم يستدعي سبق الإحراز، وما لا يبقى كيف يحرز، كما ذكر في الأصول. بل بالعقد) يعني صارت متقومة شرعًا بالعقد لضرورة حاجة الناس إليه.

стр. 5968

فَيُكْتَفَى بِالضَّرُورَةِ فِي الصَّحِيحِ مِنهَا، إِلَّا أَنَّ الفَاسِدَ تَبَعٌ لَهُ، وَيُعْتَبَرُ مَا يُجْعَلُ بَدَلًا فِي الصَّحِيحِ عَادَةً، لَكِنَّهُمَا إِذَا اتَّفَقَا عَلَى مِقْدَارٍ فِي الفَاسِدِ فَقَدْ أَسْقَطَا الزِّيَادَةَ، وَإِذَا نَقَصَ أَجْرُ المِثْلِ لَمْ يَجِبْ زِيَادَةُ المُسَمَّى لِفَسَادِ التَّسْمِيَةِ، بِخِلَافِ البَيْعِ؛ لِأَنَّ العَيْنَ مُتَقَوِّمَةٌ فِي نَفْسِهَا وَهِيَ المُوجِبُ الأَصْلِيُّ، فَإِنْ صَحَّتْ التَّسْمِيَةُ انْتَقَلَ عَنْهُ وَإِلَّا فَلَا. (فيكتفى بالضرورة في الصحيح)، أي: تقوم المنافع للضرورة فيكتفى في العقد الصحيح دون الفاسد. (ويعتبر ما جعل بدلًا في الصحيح) بدلا في الفاسد؛ لأن الفاسد ملحق بالصحيح لكونه تبعًا له، والتبع يثبت بحسب ثبوت الأصل، وهذا لأن الفاسد مشروع بأصله دون وصفه، وفي تمييزه من الصحيح حرج فألحقناه به، فإذا التحق به يعتبر فيه ما يعتبر في الصحيح من البدل عادة وهو أجر المثل، إلا أنه إذا كان المسمى أقل يجب المسمى لاتفاقهما على هذا القدر. (فقد أسقطا الزيادة) والإسقاط وإن كان في ضمن التسمية لكن لا يفسد بفسادها لرضاه بسقوط الزيادة، وعدم تقوم المنافع في نفسها فلم يظهر التقويم فيما زاد على ذلك. (وإذا نقص أجر المثل) يحسب أجر المثل (لفساد التسمية). (فإن صحت التسمية انتقل)، أي: التسمية على تأويل ذكر التسمية. (عنه)، أي: عن الموجب الأصلي وهو القيمة في الأعيان. وفي الحاصل من شرح الطحاوي: في الإجارة الفاسدة لا يجب الأجر إذا لم ينتفع به عندنا وأحمد، وعند الشافعي ومالك: يجب أجر المثل بالتمكن من الاستيفاء كالصحيح، ولو استأجر شيئًا ثم أجره قبل قبضه لا يجوز بلا خلاف، وقيل: يجوز في العقار عند أبي حنيفة، وإن أجره بعد القبض يجوز بلا خلاف. فلو كانت الأجرة الثانية أكثر لا يطيب له الفضل عندنا والثوري، والشعبي، [والنخعي] (١)، وابن المسيب، وأحمد في رواية. وقال الشافعي وأحمد، وأبو ثور، وعطاء، والحسن، والزهري: يطيب

стр. 5969

قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَارًا كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ: فَالعَقْدُ صَحِيحٌ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ، فَاسِدٌ فِي بَقِيَّةِ الشُّهُورِ، إِلَّا أَنْ يُسَمِّيَ جُمْلَةَ شُهُورٍ مَعْلُومَةٍ)؛ لِأَنَّ الأَصْلَ: أَنَّ كَلِمَةَ «كُلِّ» إِذَا دَخَلَتْ فِيمَا لَا نِهَايَةَ لَهُ تَنْصَرِفُ إِلَى الوَاحِدِ، لِتَعَدُّرِ العَمَلِ بِالعُمُومِ، فَكَانَ الشَّهْرُ الوَاحِدُ مَعْلُومًا فَصَحَّ العَقْدُ فِيهِ، وَإِذَا تَمَّ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنهُمَا أَنْ يَنْقُضَ الإِجَارَةَ لِانْتِهَاءِ العَقْدِ الصَّحِيحِ (وَلَوْ سَمَّى جُمْلَةَ شُهُورٍ مَعْلُومَةٍ: جَازَ)؛ لِأَنَّ المُدَّةَ لملكه المنفعة بعقد الإجارة. وقلنا: هذا ربح ما لم يضمن، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك (١). قوله: (فالعقد صحيح في شهر واحد)، وبه قال الشافعي في الإملاء، واختاره الإِصْطَخْرِي من أصحابه، وأحمد، وقال الشافعي في الأصح: الإجارة باطلة لأن كل اسم للعدد فإذا لم يقدره كان مبهما مجهولًا فيكون فاسدًا، وقال مالك: الإجارة صحيحة، وكلما مضى شهر استحق الأجرة؛ لأن الإجارة لا تكون لازمة عنده، لأن المنافع مقدرة بتقدير الأجر فلا يحتاج إلى ذكر المدة. أما لو قال: أجرتك دارًا عشرين شهرًا كل شهر بدرهم يجوز عند الجميع ولا خلاف فيه؛ لأن المدة صارت معلومة. قوله: (لأن الأصل) إلى آخره، معناه أنه لا يمكن تصحيح العقد على جملة الشهور لجهالتها، ولا على ما بين الأدنى والكل لعدم أولوية بعضها على البعض فتعين الأدنى. (وإذا تم)، أي: الشهر الأول (كان لكل واحد نقض الإجارة). ثم إذا فسخ أحدهما الإجارة من غير محضر صاحبه هل يصح؟ قال بعض المشايخ على الخلاف، على قول أبي يوسف يصح، وعلى قول أبي حنيفة

стр. 5970

صَارَتْ مَعْلُومَةٌ. قَالَ: (وَإِنْ سَكَنَ سَاعَةً مِنْ الشَّهْرِ الثَّانِي: صَحَّ العَقْدُ فِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُؤَجِّرِ أَنْ يُخْرِجَهُ إِلَى أَنْ يَنْقَضِيَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ شَهْرٍ سَكَنَ فِي أَوَّلِهِ سَاعَةٌ)؛ لِأَنَّهُ تَمَّ العَقْدُ بِتَرَاضِيهِمَا بِالسُّكْنَى فِي الشَّهْرِ الثَّانِي، إِلَّا أَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ هُوَ القِيَاسُ، وَقَدْ مَالَ إِلَيْهِ بَعْضُ المَشَايِخِ، وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ: أَنْ يَبْقَى الخِيَارُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي اللَّيْلَةِ الأُولَى مِنْ الشَّهْرِ الثَّانِي وَيَوْمِهَا؛ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ الأَوَّلِ بَعْضَ الحَرَج. ومحمد لا يصح، وقال بعضهم: لا يصح الفسخ هاهنا إلا بمحضر صاحبه بالاتفاق، والوجه من الطرفين مذكور في الذخيرة. قوله: (فإن سكن ساعة من الشهر الثاني تم العقد)، وبه قال أحمد؛ لأن التراضي منهما جرى مجرى ابتداء العقد كالبيع بالمعاطاة. قوله: (إلا) أن الذي ذكره في الكتاب من قوله: (إذا سكن ساعة من الشهر الثاني تم العقد) (هو القياس)، وقد مال إليه بعض المتأخرين؛ لأن رأس الشهر في الحقيقة هو الساعة التي يهل فيها الهلال، فإذا هل مضى رأس الشهر فلا يمكن الفسخ. وفي ظاهر الرواية: لكل واحد منهما الخيار في الليلة الأولى من الشهر ويومها؛ لأن ذلك رأس الشهر عرفًا، وفي اعتبار الأول نوع حرج، كذا في المبسوط (١). وفي الذخيرة: قيل: لم يردَّ محمد بقوله: (لكل منهما) أن ينقض الإجارة رأس الشهر من حيث الحقيقة، بل مراده رأس الشهر من حيث العرف والعادة، وهي الليلة التي يهل فيها الهلال مع يومها؛ كما قال محمد في كتاب الأيمان: حلف ليقضين حقه رأس الشهر فقضاه في الليلة التي يهل فيها لم يحنث استحسانا (٢). وقيل: طريق فسخه أن يقول الفاسخ قبل مجيء الشهر: فسخت الإجارة رأس الشهر، فتنفسخ الإجارة إذا أهل؛ إذ عقد الإجارة مضافًا يصح فكذا فسخه.

стр. 5971

قَالَ: (وَإِنْ اسْتَأْجَرَ دَارًا سَنَةٌ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ: جَازَ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ قِسْطَ كُلِّ شَهْرٍ مِنْ الأَجْرَةِ)؛ لِأَنَّ المُدَّةَ مَعْلُومَةٌ بِدُونِ التَّقْسِيمِ فَصَارَ كَإِجَارَةِ شَهْرٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ قِسْطَ كُلِّ يَوْمٍ، (ثُمَّ يُعْتَبَرُ ابْتِدَاءُ المُدَّةِ مِمَّا سَمَّى، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا فَهُوَ مِنْ الوَقْتِ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ)؛ لِأَنَّ الأَوْقَاتِ كُلَّهَا فِي حَقِّ الإِجَارَةِ عَلَى السَّوَاءِ فَأَشْبَهَ اليَمِينَ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ اللَّيَالِيَ لَيْسَتْ بِمَحَلٌ لَهُ (ثُمَّ إِنْ كَانَ العَقْدُ حِينَ يَهِلُّ الهِلَالُ: فَشُهُورُ السَّنَةِ كُلَّهَا بِالأَهِلَّةِ)؛ وذكر الحاكم أحمد السمرقندي في شروطه في هذه المسألة: لو عجل أجرة شهرين أو ثلاثة وقبض الآجر الأجر ذلك ليس لأحدهما الفسخ في قدر ما عجل به إذ التعجيل دلالة العقد فيما عجل. قوله: (استأجر دارًا سنة) إلى آخره، ولا يعلم فيه خلاف. قوله: (يعتبر ابتداء المدة مما سمى) بأن يقول: من شهر رجب من هذه السنة، وإن لم يُسَمِّ شيئًا فهو من الوقت الذي استأجرها لتساوي الأوقات كلها، وفي مثله يتعين الزمان الذي يتعقب السبب كما في الأيمان، والآجال، بأن حلف لا يكلم فلانًا شهرًا، بخلاف الصوم فإنه إذا نذر أن يصوم شهرًا لم يعين الشهر الذي يلي النذر؛ لأنه يختص الشروع فيه ببعض الأوقات؛ لأن الليل ليست بمحل للصوم (١). وفي المبسوط: لو استأجر كل شهر بكذا ولم يسم أول الشهر فهو الوقت المتصل بالعقد عندنا، وعند الشافعي: لا تصح الإجارة إلا أن يتصل ابتداء المدة بالعقد، ولا يتصل إلا بالشرط؛ لأنه نَكَّر الشهر والشهر المتصل بالعقد معين فلا يتعين باسم النكرة، كما لو قال: الله عليَّ أن أصوم شهرًا، لا يتعين الشهر الذي يعقب نذره، قلنا: الأوقات كلها، إلى آخر ما ذكرنا (٢). قوله: (يُهل الهلال) بضم الياء وفتح الهاء على بناء المفعول، أي: يبصر الهلال، أراد به اليوم الأول من الشهر.

стр. 5972

لِأَنَّهَا هِيَ الأَصْلُ (وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ فَالكُلُّ بِالأَيَّامِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ الأَوَّلُ: بِالأَيَّامِ وَالبَاقِي بِالأَهِلَّةِ؛ لِأَنَّ الأَيَّامَ يُصَارُ إِلَيْهَا ضَرُورَةٌ، وَالضَّرُورَةُ فِي الأَوَّلِ مِنهَا. وَلَهُ: أَنَّهُ مَتَى تَمَّ الأَوَّلُ بِالأَيَّامِ ابْتَدَأَ الثَّانِيَ بِالأَيَّامِ ضَرُورَةٌ، وَهَكَذَا إِلَى آخِرِ السَّنَةِ، وَنَظِيرُهُ العِدَّةُ وَقَدْ مَرَّ فِي الطَّلَاقِ. (لأنها)، أي: الأهلة هي الأصل في الشهور، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٩]، والأيام بدل عن الأهلة، ألا ترى إلى قوله ﵊: «صُومُوا لِرُؤيَتِهِ، وأَفْطِرُوا لِرُؤيَتِهِ، فإِن غُمَّ عَلَيْكُمُ الهلالُ فأَكْمِلُوا عِدَّةَ شعبان ثلاثين يوما» (١)، وإنما يصار إلى البدل إذا تعذر اعتبار الأصل، وهاهنا ممكن فكان له أن يسكنها إلى أن يهل الهلال من الشهر الداخل. (وإذا كان في أثناء الشهر) فقد تعذر اعتباره بالأهلة (فيعتبر بالأيام)، يعني: لو وقعت الإجارة في نصف الشهر، أو بعد مضي أيام كلها بالأيام عند أبي حنيفة بثلاثمائة وستين يوما، وبه قال الشافعي في قول، وأحمد في رواية، وفي قول آخر، ورواية أخرى كقول محمد، وعند محمد الشهر الأول بالأيام، والثاني بالأهلة. وفي الذخيرة: على قول محمد يعتبر الشهر الأول بالأيام ويكمل من الشهر الآخر وباقي الشهور بالأهلة (٢). قوله: (ونظيره)، أي: نظير هذا الاختلاف مسألة العدة، (وقد مر في الطلاق)، قال صاحب النهاية: هذه حوالة غير رابحة فإن مثل هذا الاختلاف لم يمر في الطلاق وما يتعلق به. قال الإمام المحقق برهان الدين السمرقندي: ناقله (٣) المصنف غلط صاحب النهاية فإن الحوالة رابحة؛ لأنه ذكر في أول الكتاب الطلاق: (ثم إن

стр. 5973

قَالَ: (وَيَجُوزُ أَخْذُ أَجْرَةِ الحَمَّامِ وَالحَجَّامِ) أَمَّا الحَمَّامُ فَلِتَعَارُفِ النَّاسِ، وَلَمْ كان الطلاق في أول الشهر بقية الشهور بالأهلة) إلى قوله: (وفي حق العدة كذلك عند أبي حنيفة) إلى آخره (١). قوله: (ويجوز أخذ [أجرة] (٢) الحمام، والحجام) إلى آخره، وإنما خصهما بالذكر لأن لبعض الناس فيه خلافًا، فقال القاضي الحنبلي، عن أحمد: أنه لا يباح أجر الحجام، وممن كره كسبه: عثمان وأبو هريرة، والحسن، والنخعي، وذلك لأنه ﵊ قال: «كَسْبُ الحَجامِ خَبيثُ»، رواه مسلم (٣)، وقال: «أطعمهُ نَاضِحَكَ ورَقِيقَكَ» (٤). وفي المبسوط: كره بعض العلماء غلة الحجام والحمام أخذا بظاهر الحديث وقالوا: الحمام بيت الشياطين، وسماه رسول الله ﷺ شر بيت، فإنه تكشف فيه العورات، وتصب فيه الغسالات والنجاسات. ومنهم من فصل بين حمّام الرجال، وحمّام النساء، فقالوا: يكره اتخاذ حمام النساء لأنهن منعن من الخروج، واجتماعهن قلما يخلو عن فتنة، وروي أن نساء دخلن على عائشة ﵂ قالت: أهنّ من اللاتي يدخلن الحمام؟ وأمرت بإخراجهن (٥). وعند أكثر العلماء والمجتهدين لا بأس باتخاذ الحمام للرجال والنساء للضرورة خصوصا في ديار البرد، وقد صح أنه ﵊ دخل حمام جحفة (٦).

стр. 5974

تُعْتَبَرُ الجَهَالَةُ لِإِجْمَاعِ المُسْلِمِينَ. قَالَ: ﵊: «مَا رَآهُ المُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» وَأَمَّا الحَجَّامُ فَلِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ احْتَجَمَ وَأَعْطَى الحَجَّامَ الأَجْرَةَ» وَلِأَنَّهُ اسْتِنْجَارٌ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ فَيَقَعُ جَائِزًا. قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ أُجْرَةِ عَسْبِ التَّيْسِ) وَهُوَ أَنْ يُؤَجَّرَ فَحْلًا لِيَنْزُوَ عَلَى الإِنَاثِ، لِقَوْلِهِ ﵊: «إِنَّ مِنْ السُّحْتِ عَسْبَ التَّيْسِ» وَالمُرَادُ أَخْذُ وتأويل ما روي من الكراهة إذا كان مكشوف العورة، ولا كراهة في غلّة الحمام كما لا كراهة في غلة الدور والحوانيت. وأما كسب الحجام فأصحاب الظاهر يأخذون بظاهر الحديث؛ وهو ما روي أنه ﵊ نهى عن عسب التيس، وكسب الحجام، وقفيز الطحان (١)، وروى أبو هريرة أنه عليه الصلاة السلام قال: «مِنَ السُّحْتِ عَسْبُ التيس، ومَهرُ البَغْيِّ، وكَسَبُ الحَجام» (٢). ولنا ما روى ابن عباس: أنه عليه الصلاة السلام احتجم وأعطى الحجام أجره، متفق عليه (٣)، ولو علمه حرامًا لم يعطه، والنهي عن كسب الحجام قد انتسخ بدليل ما ذكره في آخر حديث أبي هريرة قال: فأتاه رجل من الأنصار وقال: إن لي عيالا، وحجامًا، وناضحًا أفأعلف ناضحي من كسبه؟ قال: «نعم»، وقال آخر: إن لي عيالا وحجامًا أفأطعم عيالي من كسبه؟ قال: «نعم»، فالرخصة بعد النهي دليل انتساخ الحرمة؛ إذ لو بقيت لما جاز أن يطعم رقيقه وعياله فإنهم آدميون يحرم ما حرم الله عليهم. قوله: (ولا يجوز أخذ أجرة عسب التيس)، أي: لا يجوز إجارة الفحل

стр. 5975

الأَجْرَةِ عَلَيْهِ. قَالَ: (وَلَا الاسْتِنْجَارُ عَلَى الأَذَانِ وَالحَجِّ، وَكَذَا الإِمَامَةُ وَتَعْلِيمُ القُرْآنِ وَالفِقْهِ) وَالأَصْلُ: أَنَّ كُلَّ طَاعَةٍ يَخْتَصُّ بِهَا المُسْلِمُ، لَا يَجُوزُ الاسْتِنْجَارُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ يَصِحُ فِي كُلِّ مَا لَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْأَجِيرِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِنْجَارُ عَلَى للضقراب، وبه قالت الأئمة الثلاثة (١) وأكثر العلماء، وخرج أبو الخطاب الحنبلي وبعض أصحاب الشافعي وجها في جوازه، وقال: انتفاع مباح، والحاجة تدعو إليه فيجوز؛ كإجارة الظئر للإرضاع، والبئر للاستقاء، ولهذا يباح الانتفاع به بالإعارة فيستباح بالإجارة. ولنا أنه ﵊ نهى عن عَسْبِ التيس، رواه البخاري (٢)، وفي لفظة: عن "ضراب الجمل" (٣)، ولأنه يلتزم ما لا يقدر على الوفاء به وهو الإحبال فإن ذلك ليس في وسعه إذ هو يبتني على نشاط الفحل ولأنه أخذ مال بمقابلة الماء وهو مهين لا قيمة له كالميتة والدم وفي المُغرِب عَسْبُ الفحل: ضرابه يقال: عسب الفحل الناقة يعسبها عسبا والمراد [عن كراء] (٤) العسب على حذف مضاف. قوله: (وعند الشافعي يصح في كل ما لا يتعين على الأجير)، حتى لو تعين بأن كان الإمام أو المفتي واحدًا لا يجوز الاستئجار بالإجماع، وبقوله قال مالك، وأحمد في رواية أبي الخطاب عنه، وأبو ثور، وأبو قلابة، ونص أحمد مثل قولنا. وبقولنا قال عطاء، والضحاك، والزهري، والحسن، وابن سيرين، وطاوس، والنخعي، والشعبي. للشافعي أنه ﵊ زوج رجلًا بما معه من القرآن، متفق

стр. 5976

عَمَلٍ مَعْلُومٍ غَيْرِ مُتَعَيَّنٍ عَلَيْهِ فَيَجُوزُ. وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «اقْرَؤُوا القُرْآنَ وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ» وَفِي آخِرِ مَا عَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ أَبِي العَاصِ: «وَإِنْ اتَّخِذْتَ مُؤَذِّنَا فَلَا تَأْخُذْ عَلَى الأَذَانِ أَجْرًا» وَلِأَنَّ القُرْبَةَ مَتَى حَصَلَتْ وَقَعَتْ عَنْ العَامِلِ، وَلِهَذَا تُعْتَبَرُ أَهْلِيَّتُهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الأَجْرِ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَلِأَنَّ التَّعْلِيمَ مِمَّا لَا يَقْدِرُ المُعَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا بِمَعْنَى مِنْ قِبَلِ المُتَعَلِّمِ، فَيَكُونُ مُلْتَزِمًا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ فَلَا يَصِحٌ. وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا اسْتَحْسَنُوا الِاسْتِنْجَارَ عَلَى عليه (١)، فإذا جاز تعليم القرآن عوضًا في باب النكاح فجاز أخذ الأجرة عليه في الإجارة، وقد قال ﵊: «أَحَقُّ ما أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كتاب الله» (٢)، حديث صحيح. وثبت أن أبا سعيد رَقَى رجلًا بفاتحة الكتاب على جعل فأخذ أصحابه الجُعْلَ، فأتوا به النبي ﷺ فقال ﵊: «لَعَمْرِي لَمَنْ أَكلَ بِرُقِيَةٍ باطِلَةٍ، لقد أَكَلْتَ برُقيةِ حَقٌّ، كُلوا واضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمِ» (٣)، فإذا جاز أخذ الجعل جاز أخذ الأجر عليه؛ كبناء المسجد، والقناطر إذ الحاجة تدعو إليه، فإنه قد يحتاج إلى الاستنابة في الحج عمن وجب عليه الحج وعجز عن فعله، ولا يكاد يوجد متبرع بذلك فيحتاج إلى بدل الأجر فيه. ولنا قوله ﵊: «اِقْرَؤُوا القُرآنَ ولَا تَأْكُلُوا بِهِ» (٤)، وحديث عثمان بن أبي العاص المذكور في المتن قال الترمذي: هذا حديث حسن (٥).

стр. 5977

تَعْلِيمِ القُرْآنِ اليَوْمَ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ التَّوَانِي فِي الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ. فَفِي الامْتِنَاعِ تَضْيِيعُ حِفْظِ القُرْآنِ وَعَلَيْهِ الفَتْوَى. وروى الأثرم في سننه عن عبد الرحمن بن شبل الأنصاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقْرَؤُوا القُرآنَ ولا تُغْلُوا فِيهِ، ولا تَجْفُوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تَسْتَكثِرُوا بِهِ» (١)، ولأن القربة متى حصلت وقعت عن الفاعل لغيره، ولهذا يعتبر أهلية الفاعل ونيته لا نية الأمر وأهليته كما في الزكاة، حتى لو كان المأمور كافرًا يصح أداء الزكاة منه عن المسلم، فكان الأجر على عمل نفسه لا للمستأجر فلا يجوز كما في الصلاة والصوم. وأما حديث النكاح بالتعليم فليس فيه تصريح بأن التعليم صداق، إنما قال ﵊: «زَوَّجْتُكَها بِما معكَ مِنَ القُرآنِ» (٢)، فيحتمل أنه زوجها إياه بغير صداق إكرامًا له، كما زوج أبا طلحة أم سليم على إسلامه، أو تزوجها بسببه (٣)، ومع ذلك يجب مهر المثل فإن النكاح يصح بدون ذكر المهر. ويجوز أن تكون الباء مكان اللام، أي: "لما معك من القرآن"؛ لأن ذلك سبب للاجتماع بينهما، ولعل المرأة وهبت مهرها له باعتبار ذلك. وأما حديث أبي سعيد فإن الرقية نوع مداواة، والمأخوذ عليها جُعل، والمداواة يباح أخذ الأجر عليها، مع أن الجعالة أوسع من الإجارة، ولهذا تجوز الجعالة مع جهالة العمل، والمدة دون الإجارة ومعنى قوله عليه الصلاة

стр. 5978

قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ الاسْتِئْجَارُ عَلَى الغِنَاءِ وَالنَّوْحِ، وَكَذَا سَائِرُ المَلَاهِي)؛ لِأَنَّهُ والسلام: «أحقُّ ما أَخَذْتُم عليهِ أجرًا كتابُ اللَّهِ» (١)، يعني الجعالة في الرقية لأنه ذكر ذلك في سياق خبر الرقية. وأما الرزق من بيت المال فيجوز على ما يتعدى نفعه من هذه الأمور؛ لأن بيت المال لمصالح المسلمين فجرى مجرى الوقف على من يقوم بهذه المصالح، بخلاف الأجر. وأما الاستنابة عن الحج فللآمر ثواب الإنفاق، وبه يسقط الفرض عنه كما ذكر في الأصول، فيكون لخدمته، أو لقطع مسافته، وعلى تقدير أن الأفعال تقع عن الأمر لا يكون إجارة على الحج بل هو إنفاق على النائب، فلا يكون إجارة. قوله: (وبعض مشايخنا) (٢) إلى آخره، وهم أئمة بلخ؛ فإنهم اختاروا أقوال أهل المدينة وقالوا: إن المتقدمين منعوا ذلك لرغبة الناس في التعليم حسبة، ومروءة المتعلمين في مجازاة الإحسان بالإحسان بلا شرط، وفي زماننا قد زال المعنيان ففي الامتناع عنه تضييع حفظ القرآن، ولا يبعد أن يختلف الحكم باختلاف الأوقات. ألا ترى أن النساء كن يحرصن إلى الجماعات في زمن النبي ﵊، وزمن أبي بكر حتى منعهن عمر عن ذلك، وكان ما رآه صوابا، فيفتي بالجواز، وكذا يفتى بجواز الإجارة على تعليم الفقه لما ذكرنا إذا ضربوا لذلك مدة، حتى يجبر الأب على دفع الأجر إلى المعلم، وإن لم يضرب المدة يجب أجر المثل ويجبر على دفعه، وكذا يجبر على الحلوة المرسومة، وقال الإمام الخَيْزَاخَزِي (٣): يجوز في زماننا للإمام والمؤذن والمعلم أخذ الأجر، كذا في الروضة، والذخيرة. قوله: (وكذا سائر الملاهي)؛ كالمزامير والطبل وغيرهما، وبه قالت الأئمة

стр. 5979

اسْتِئْجَارٌ عَلَى المَعْصِيَةِ وَالمَعْصِيَةُ لَا تُسْتَحَقُّ بِالعَقْدِ. قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ إِجَارَةُ المُشَاعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَّا مِنْ الشَّرِيكِ، وَقَالَا: إِجَارَةُ الثلاثة، وأبو ثور، وقال الشعبي، والنخعي: يكره ذلك ويجوز، أما الاستئجار لكاتب يكتب له غناءً ونحوحًا (١) يجوز عند أبي حنيفة خلافًا لصاحبيه وللأئمة الثلاثة، وعلى هذا الخلاف استئجار على حمل الخمر. قوله: (والمعصية لا تستحق بالعقد)؛ إذ لا يستحق على أخذ شيء يكون به عاصيًا شرعًا لئلا تصير المعصية مضافة إلى الشرع، ولأن الآجر مع المستأجر يشتركان في منفعة ذلك فتكون الإجارة واقعة على عمل هو شريك، كذا في الذخيرة. قوله: (ولا يجوز إجارة المشاع إلا من الشريك عند أبي حنيفة)، وزفر، وأحمد فيما يقسم كالأرض، وفيما لا يقسم كالعبد، وعند أبي يوسف، ومحمد، والشافعي، ومالك: يجوز ويتهايئان، ويجبران على ذلك. وصورته: أن يُؤَجِّر نصيبًا من داره، أو نصيبه من دار مشتركة بينه وبين غيره من غير الشريك، أو يُؤَجِّر نصف عبد، أو نصف دابة من غير الشريك. لهم: أن هذا عقد معاوضة فيجوز في الشائع كالبيع، وهذا لأن موجب الإجارة ملك المنفعة، وللجزء الشائع منفعة، ولهذا إذا سكن المستأجر فيها يجب أجر المثل على قول أبي حنيفة ولو كانت فائتة أصلًا لما انعقد أصلًا؛ كالإجارة على منافع الرضيع، والتسليم ممكن بالتخلية، أو بالتهايؤ، فصار كما لو أجر من شريكه. ولو كان الشيوع مانعًا جاز من شريكه؛ كالهبة، ولو أجار (٢) من رجلين يجوز، وكل واحد من المستأجرين يملك منفعة النصف شائعًا، ولأنه لو أعار نصف داره شائعًا يجوز، وأثر الشيوع في منع التبرع أكبر من المنع من المعاوضة [وَ] أَوْلَى.

стр. 5980

المُشَاعِ جَائِزَةٌ) (*) وَصُورَتُهُ: أَنْ يُؤَاجِرَ نَصِيبًا مِنْ دَارِهِ، أَوْ نَصِيبَهُ مِنْ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ مِنْ غَيْرِ الشَّرِيكِ. لَهُمَا: أَنَّ لِلْمُشَاعِ مَنْفَعَةٌ وَلِهَذَا يَجِبُ أَجْرُ المِثْلِ، وَالتَّسْلِيمُ مُمْكِنُ بِالتَّخْلِيَةِ، أَوْ بِالتَّهَا يُةِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا آجَرَ مِنْ شَرِيكِهِ، أَوْ مِنْ رَجُلَيْنِ وَصَارَ كَالبَيْعِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ. أَنَّهُ آجَرَ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ فَلَا يَجُوزُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَ المُشَاعِ وَحْدَهُ لَا يُتَصَوَّرُ، وَالتَّخْلِيَةُ اعْتُبِرَتْ تَسْلِيمًا لِوُقُوعِهِ تَمْكِينًا وَهُوَ الْفِعْلُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ التَّمَكُنُ وَلَا تَمَكَّنَ فِي المُشَاعِ بِخِلَافِ البَيْعِ لِحُصُولِ التَّمَكَّنِ فِيهِ، وَأَمَّا التَّهَايُؤُ فَإِنَّمَا ولأبي حنيفة أنه آجر ما لا يقدر تسليمه؛ إذ تسليم المشاع وحده غير متصور، واستيفاء المنفعة في النصف شائعًا لا يتصور؛ لأن الانتفاع أمر حسي، والشائع لا يحتمله، والسكنى من الساكن لا تتصور في جزء شائع، وإنما يحل جزءا عينا، وكذا سائر الانتفاعات لا تتصور في الشائع. وقوله: (والتخلية) إلى آخره جواب سؤال، وهو أن التخلية تكون تسليما في البيع فكذا في الإجارة، فقال: إنما اعتبرت التخلية تسليما في البيع (لوقوعه)، أي: لوقوع التخلية بتأويل رفع المانع. (تمكينا)، أي: من القبض، وهو الفعل الذي يحصل به التمكن من القبض، أي من المشتري؛ كالبيع والإعتاق، والانتفاع بالتهايؤ. (ولا تمكن في المشاع) أي: في إجارة المشاع؛ لأن القبض في الاستئجار للانتفاع حقيقةً وحسا، ولا يحصل في المشاع بالتخلية؛ لأن ذلك حكمي وليس بحقيقي، وحكم البيع ثبوت الملك وهو أمر شرعي فيجوز أن يقوم التخلي مقام القبض؛ لأن بناء الشراء ليس على الانتفاع الحقيقي، ولهذا يجوز بيع الجحش لتحقق حكم البيع فيه وهو الملك، ولا يجوز إجارته لعدم تحقق حكم الإجارة وهو الانتفاع الحقيقي، فلا يكون التخلي في باب الإجارة قبضا، إليه أشار في الأسرار. قوله: (وأما التهايؤ) إلى آخره جواب سؤال آخر بأن يقال: يمكن الانتفاع بالتهايؤ.

стр. 5981

يَسْتَحِقُّ حُكْمًا لِلْعَقْدِ بِوَاسِطَةِ المِلْكِ، وَحُكْمُ العَقْدِ يَعْقُبُهُ وَالقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ شَرْطُ العَقْدِ وَشَرْطُ الشَّيْءِ يَسْبِقُهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ المُتَرَاخِي سَابِقًا، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا آجَرَ مِنْ شَرِيكِهِ، فَالكُلُّ يَحْدُثُ عَلَى مِلْكِهِ فَلَا شُيُوعَ، وَالاخْتِلَافُ فِي النِّسْبَةِ لَا يَضُرُّهُ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُ فِي رِوَايَةِ الحَسَنِ عَنْهُ، وَبِخِلَافِ الشُّيُوعِ الطَّارِي؛ … ... … ... … ... . فأجاب عنه فقال: التهايؤ إنما يستحق حكمًا لملك المنفعة، وملك المنفعة حكم عقد الإجارة، وكونه مقدور التسليم شرط العقد، فينبغي أن يكون سابقا على العقد، أو حالة العقد فلا يمكن أن يجعل المتأخر سابقا؛ لأنه قلب الحكم شرطًا، وذا لا يجوز. قوله: (والاختلاف في النسبة لا يضره)، يعني كل المنفعة تحدث على ملك الشريك فلا يظهر معنى الشيوع، وإنما يظهر الاختلاف في حق السبب، فالبعض يحدث بحكم الملك، والبعض بحكم الإجارة، ولا عبرة لاختلاف الأسباب مع اتحاد الحكم. وإذا لم يظهر الشيوع صح العقد، على أنه لا يصح في رواية الحسن عن أبي حنيفة؛ لأن استيفاء المنفعة التي تناولها عقد الإجارة لا يتأتى إلا بغيرها وهو منفعة نصيبه، وذلك مفسد للإجارة؛ كمن استأجر أحد زوجي المقراض لمنفعة قرض الثياب فإنه لا يجوز. وجه ظاهر الرواية أن استيفاء المعقود عليه على الوجه الذي استحقه بالعقد يتأتى هاهنا كما ذكرنا، بخلاف الإجارة من غيره فهناك يتقدر الاستيفاء لما ذكرنا وهذا نظير بيع الآبق عمن في يده يجوز لكون التسليم مقدورا عليه ومن غيره لا يجوز للعجز عن التسليم .. قوله: (وبخلاف الشيوع الطارئ) بأن مات أحد المستأجرين فإن العقد يبقى في الحي شائعًا في ظاهر الرواية، وذكر الطحاوي عن خالد بن صبيح، عن أبي حنيفة: أنه يفسد في حق الحي؛ لأن الإجارة تجدد انعقادها بحسب حدوث المنفعة، فكان هذا في معنى الشيوع المقترن بالعقد. وجه الظاهر أن تجدد الانعقاد في حق المعقود عليه، فأما أصل العقد فمنعقد لازم في الحال، والشيوع طارئ، والشيوع الطارئ ليس كالمقارن؛ كما

стр. 5982

لِأَنَّ القُدْرَةَ عَلَى التَّسْلِيمِ لَيْسَتْ بِشَرْطِ لِلْبَقَاءِ، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا آجَرَ مِنْ رَجُلَيْنِ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ يَقَعُ جُمْلَةٌ ثُمَّ الشُّيُوعُ بِتَفَرُّقِ المِلْكِ فِيمَا بَيْنَهُمَا طَارِيٌّ. قَالَ: (وَيَجُوزُ اسْتِنْجَارُ الظُّهْرِ بِأَجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَتَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وَلِأَنَّ التَّعَامُلَ بِهِ كَانَ جَارِيًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَبْلَهُ في الهبة بأن وهب جميع الدار وسلمها، ثم رجع في نصفها، كذا في الأسرار، والمبسوط (١). وذكر في الأسرار: كلام أبي حنيفة أدق، وكلامهما أظهر؛ لأن أصل المنفعة قائمة في الشيوع. وفي المغني: الفتوى على قولهما في إجارة المشاع، ولو أراد حيلة ليجوز على قول الكل يرفع العقد إلى القاضي يحكم به، ولو تعذر المرافعة يُعقد العقد في الكل، ثم يفسخان العقد في بعضه بقدر ما يتفق عليه العاقدان؛ لأن الشيوع الطارئ لا يمنع الجواز بالاتفاق على ظاهر الرواية. قوله: (لأن التسليم يقع جملة) إذ العقد أضيف إلى كل الدار ولا شيوع فيه، وإنما الشيوع يظهر بتفرق الملك. وقوله: (بتفرق الملك) بالباء الجارة فيما بينهما، وهي طارئ. وفي المبسوط: ثم المهايأة بعد ذلك تكون بين المستأجرين بحكم ملكهما، وهو نظير الرهن من رجلين فهو جائز لوجود المعقود عليه (٢). وإنما وجب أجر المثل إذا سكن لأن الفساد للعجز عن التسليم لا يمنع الانعقاد على الفساد، كما لو باع آبقًا بألف فالعقد ينعقد على الفساد، حتى لو قبض الألف ملكها بحكم العقد الفاسد، ولو استأجر طريقًا ليمر فيه ولم يبين موضعه لم يجز عند أبي حنيفة خلافًا لهما، وهو فرع اختلافهم في إجارة المشاع. قوله: (قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]) والمراد بعد الطلاق، وبعث النبي ﵊ والناس يتعاطونه فأقرهم عليه، واجتمعت

стр. 5983

وَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ. ثُمَّ قِيلَ: إِنَّ العَقْدَ يَقَعُ عَلَى المَنَافِعِ وَهِيَ خِدْمَتُهَا لِلصَّبِيِّ وَالْقِيَامُ بِهِ وَاللَّبَنُ يُسْتَحَقُّ عَلَى طَرِيقِ التَّبَعِ بِمَنْزِلَةِ الصَّبْغِ فِي الثَّوْبِ. وَقِيلَ: إِنَّ العَقْدَ يَقَعُ عَلَى اللَّبَنِ، وَالخِدْمَةُ تَابِعَةٌ، وَلِهَذَا لَوْ أَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِ شَاةٍ لَا تَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ. وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إِلَى الفِقْهِ؛ الأمة على جوازها بأجرة معلومة، ولأن الحاجة ماسة إليه إذ الصغير لا يتربى إلا بلبن الآدمية، والأم قد تعجز عن الإرضاع المرض، أو موت، أو حَبَلٍ فلا يحصل المقصود إلا بالاستئجار. (ثم قيل) المعقود عليه المنفعة، وهو القيام بخدمة الولد وما يحتاج إليه، واللبن يستحق على طريق التبع وهو اختيار صاحب الذخيرة، والإيضاح، والهداية، وبعض أصحاب أحمد، والشافعي. (وقيل: إن العقد يقع على اللبن)، وهو اختيار شمس الأئمة السرخسي فإنه ذكر في المبسوط والأصح أن العقد يرد على اللبن لأنه المقصود، وما سواه من القيام بمصالح الولد يحتاج إليه في الإرضاع تبع له، هكذا ذكر ابن سماعة عن محمد فإنه قال: استحقاق لبن الآدمي بعقد الإجارة دليل على أنه لا يجوز بيعه، وجواز بيع لبن الأنعام دليل على أنه لا يجوز استحقاقه بعقد الإجارة، وقد ذكر بعد هذا في الكتاب: ولو أرضعته بلبن الشاة فلا أجر لها، وهذا يدل أيضًا أن اللبن غير تابع بل معقود عليه (١). قال صاحب النهاية: عجبت لمن تبع غيره مع الدليل الواضح معه، والرواية المنصوصة عن محمد مثله. وقال القاضي الحنبلي: وهو الأشبه؛ لأن المقصود هو اللبن دون الخدمة ولهذا لو أرضعته بلا خدمة تستحق الأجر، ولأنه تعالى قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فجعل الأجر مرتبًا على الإرضاع، كذا في المغني لابن قدامة الحنبلي (٢)، وبه قال بعض الشافعية. قوله: (والأول)، وهو أن العقد يقع على المنافع (أقرب إلى الفقه).

стр. 5984

لِأَنَّ عَقْدَ الإِجَارَةِ لَا يَنْعَقِدُ عَلَى إِتْلَافِ الأَعْيَانِ مَقْصُودًا، كَمَا إِذَا اسْتَأْجَرَ بَقَرَةً؛ لِيَشْرَبَ لَبَنَهَا. وَسَنُبَيِّنُ العُذْرَ عَنْ الإِرْضَاعِ بِلَبَنِ الشَّاةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا يَصِحُ إِذَا كَانَتْ الأَجْرَةُ مَعْلُومَةً اعْتِبَارًا بِالِاسْتِنْجَارِ عَلَى الخِدْمَةِ. قَالَ: (وَيَجُوزُ بِطَعَامِهَا وَكِسْوَتِهَا اسْتِحْسَانًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَجُوزُ) (*)؛ لِأَنَّ الأَجْرَةَ مَجْهُولَةٌ، فَصَارَ كَمَا إِذَا اسْتَأْجَرَهَا لِلْخَبْزِ وَالطَّبْخِ. وَلَهُ: أَنَّ الجَهَالَةَ لَا تُفْضِي إِلَى المُنَازَعَةِ؛ لِأَنَّ فِي العَادَةِ التَّوْسِعَةَ عَلَى الْأَظارِ شَفَقَةٌ عَلَى الأَوْلَادِ فَصَارَ كَبَيْعِ قَفِيزِ مِنْ صُبْرَةٍ، بِخِلَافِ الخَبْزِ وَالطَّبْنِ؛ لِأَنَّ الجَهَالَةَ فِيهِ تُفْضِي وفي الكافي: وهو الصحيح؛ لأن عقد الإجارة لا ينعقد على إتلاف الأعيان قصدًا، كما لو استأجر بقرة أو شاة مدة معلومة ليشرب لبنها. وفي المغني: وإنما جاز هذا في الآدميين دون سائر الحيوانات للضرورة إلى حفظ الآدمي، والحاجة إلى إبقائه (١). قوله: (استحسانا عند أبي حنيفة)، وبه قال مالك، وأحمد، وعند مالك، وأحمد يجوز - في رواية - في كل أجير بطعامه وكسوته، ويكون له ما يكون لمثله من الوسط. (وقالا)، أي: أبو يوسف ومحمد: (لا يجوز)، وبه قال الشافعي (٢) لجهالة الأجرة، إذ الطعام مجهول الجنس والقدر والصفة، وكذا الكسوة، فصار كما لو استأجرها بطعامها وكسوتها للخبز والطبخ، وهذا لا يلزم على مالك وأحمد لما أنه يجوز عندهما. (وله)، أي: ولأبي حنيفة الجهالة إنما تفسد العقود لما أنها تفضي إلى المنازعة لا لعينها، وهذه الجهالة لا تفضي إلى المنازعة؛ لأن العادة التوسعة على الأظار والجري على موجب مرادهن؛ لأن منفعة ذلك يرجع إلى الولد،

стр. 5985

إِلَى المُنَازَعَةِ (وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: فَإِنْ سَمَّى الطَّعَامَ دَرَاهِمَ وَوَصَفَ جِئْسَ الكِسْوَةِ وَأَجَلَهَا وَذَرْعَهَا: فَهُوَ جَائِزٌ يَعْنِي بِالْإِجْمَاعِ. وَمَعْنَى تَسْمِيَةِ الطَّعَامِ دَرَاهِمَ: أَنْ يَجْعَلَ الأَجْرَةَ دَرَاهِمَ ثُمَّ يَدْفَعُ الطَّعَامَ مَكَانَهُ، وَهَذَا لَا جَهَالَةَ فِيهِ (وَلَوْ سَمَّى الطَّعَامَ وَبَيَّنَ قَدْرَهُ جَازَ أَيْضًا لِمَا قُلْنَا، وَلَا يُشْتَرَطُ تَأْجِيلُهُ)؛ لِأَنَّ أَوْصَافَهَا أَثْمَانُ. وَيُشْتَرَطُ بَيَانُ مَكَانِ الإِيفَاءِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي البُيُوعِ (وَفِي الكِسْوَةِ يُشْتَرَطُ بَيَانُ الْأَجَلِ أَيْضًا مَعَ بَيَانِ القَدْرِ بخلاف الخبز، والطبخ والطحن وغير ذلك؛ لأن الجهالة ثمة تفضي إلى المنازعة لجريان العادة بالمنافسة والاستقصاء فيها. قوله: (ومعنى تسمية الطعام دراهم أن يجعل) إلى آخره، قيل: هذا التفسير الذي ذكره لا يستفاد من لفظ الجامع، ولكن يحتمل أن يكون معناه: أي سمى الدراهم المقدرة بمقابلة الطعام بأن قال: عشرة بمقابلة الطعام، وبعده أعطاها طعامًا بإزاء العشرة، فإنه ذكر في جامع فخر الإسلام وإذا سمى الطعام دراهم فإنما معناه بأن يجعل الدراهم بدلا فلا شك في جوازه، ثم يستبدل به طعامًا فيصح. وقوله: (لما قلنا) إشارة إلى قوله (لا جهالة فيه). قوله: (لأن أوصافها)، أي: أوصاف الطعام على تأويل الحنطة (أثمان)، أي: المكيل والموزون إذا كان موصوفًا غير مشار ثمن بدليل ثبوته في الذمة، فلا يشترط بيان الأجل كما في سائر الأثمان، وهذا احتراز عن الطعام إذا كان مسلما فيه فإن الطعام فيه مبيع مع كونه دينا فاشترط تأجيله، ولكن بشرط بيان مكان الإيفاء عند أبي حنيفة إن كان له حمل ومؤنة خلافًا لهما، وقد مر في البيوع. قوله: (وفي الكسوة)، يعني إذا استأجرها بثياب يشترط فيه جميع شرائط السلم من بيان الأجل، وبيان القدر والجنس؛ لأن وجوب الثياب دينا في الذمة عرف شرعًا بخلاف القياس فيقتصر على مورده، والشرع ورد بطريق السلم فيشترط جميع شرائط السلم.

стр. 5986

وَالجِنْسِ)؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَصِيرُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ إِذَا صَارَ مَبِيعًا، وَإِنَّمَا يَصِيرُ مَبِيعًا عِنْدَ الأَجَلِ كَمَا فِي السَّلَمِ. قَالَ (وَلَيْسَ لِلْمُسْتَأجِرِ أَنْ يَمْنَعَ زَوْجَهَا مِنْ وَطْئِهَا)؛ لِأَنَّ الوَطْءَ حَقُّ الزَّوْجِ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الإِجَارَةَ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ صِيَانَةٌ لِحَقِّهِ، قوله: (ليس للمستأجر أن يمنع زوجها)، وبه قال الشافعي، وأحمد، وقال مالك: ليس له وطؤها إلا برضى المستأجر لأنه ينقص اللبن وقد يقطعه بالحبل. وقلنا: الولي مستحق له قبل العقد بعقد النكاح وعقد النكاح باق فيبقى ما كان حقا له ولا يسقط لأمر مشكوك. قوله: (إذا لم يعلم به)، أي: بعقد الإجارة. وفي المبسوط: أجرت نفسها للإرضاع بغير إذن الزوج، وللزوج أن يفسخ الإجارة، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وعند الشافعي في وجه: لا يصح العقد بغير رضاه، وبه قال أحمد. ولو زوج بعد عقد الإجارة له الفسخ بالإجماع. وقيل: إن كان الزوج ممن يشينه أن تكون امرأته ظئرا فله الفسخ لدفع الضرر عن نفسه، وإلا لا يكون له الفسخ، والأصح أن له فسخ ذلك في الوجهين؛ لأنها إن كانت مرضعة في بيت أبويه فللزوج منعها عن الخروج عن منزله، ولأنها في الإرضاع والسهر بالليل تتعب، وذلك ينقص من جمالها، وجمالها حق الزوج، وكان له أن يمنعها من الإضرار به، ففي حقه أولى، كما يمنعها من التطوعات (١). وهذا إذا كان زوجها معروفًا فلو كان مجهولاً لا يعرف أنها امرأته إلا بقولها فليس له الفسخ؛ لأن العقد قد لزمها وقولها غير مقبول في حق المستأجر، ولأنه يمكن تهمة المواضعة مع هذا الرجل وهو نظير المنكوحة إذا كانت مجهولة الحال فأقرت بالرق على نفسها لا تصدق في إبطال النكاح.

стр. 5987

إِلَّا أَنَّ المُسْتَأْجِرَ يَمْنَعُهُ عَنْ غِشْيَانِهَا فِي مَنْزِلِهِ؛ لِأَنَّ المَنْزِلَ حَقَّهُ (فَإِنْ حَبِلَتْ كَانَ لَهُمْ قوله: (كان لهم) (١)، أي: لأولياء الصبي أن يفسخوا، وكذا إذا مرضت أيضًا لهم أن يفسخوا الإجارة، فالحاصل أن العقد لازم من الجانبين، إلا أن الإجارة تفسخ بالعذر عندنا. ثم من العذر لهم أن لا يأخذ الصبي من لبنها، وكذا إذا كانت سارقة فيخافون على متاعهم، وكذا إذا تقيأ الصبي لبنها، وكذا إذا كانت فاجرة بينا فجورها لأنها تشتغل بالفجور، وتنتقص من قيامها بمصالح الصبي. وهذا بخلاف ما لو كانت كافرة حيث لا يكون عذرًا في الفسخ؛ لأن كفرها في اعتقادها، ولا يضر ذلك بالصبي، ولا يبعد أن يقال: عيب الفجور في هذا فوق عيب الكفر؛ لما أن في بعض نساء الرسل كانت كافرة؛ كامرأة نوح، وامرأة لوط، وما بغت امرأة نبي قط، هكذا قاله النبي ﵊ (٢)، وكذا لو أرادوا السفر فتأبى الخروج معهم فهو عذر. وأما عذرها فمرض يصيبها لا تستطيع معه الإرضاع، وكذا إن لم تكن معروفة بالظؤورة فلها أن تفسخ؛ لأنها ربما لا تعرف عند ابتداء ما تبتلى به من المقاساة والسهر، فإذا جربت ذلك تضررت، وكذا إذا لم يكفوا عن إيذائها بألسنتهم كان لها الفسخ، كذا في المبسوط (٣). ولو استأجر امرأته ليرضع ولده منها لا يجب الأجر، وبه قال الشافعي، والقاضي الحنبلي، وقال مالك وأحمد: يجوز؛ لأن كل عقد يصح أن يعقد مع غيره يصح أن يعقده مع زوجه كالبيع، ولأن منافعها في الرضاع والحضانة غير مستحقة للزوج، ولهذا لا يملك إجبارها على الإرضاع والحضانة فيجوز أخذ العوض عنها منه كما يجوز من غيره.

стр. 5988

أَنْ يَفْسَخُوا الإِجَارَةَ إِذَا خَافُوا عَلَى الصَّبِيِّ مِنْ لَبَنِهَا)؛ لِأَنَّ لَبَنَ الحَامِلِ يُفْسِدُ الصَّبِيَّ، وَلِهَذَا كَانَ لَهُمْ الفَسْخُ إِذَا مَرِضَتْ أَيْضًا (وَعَلَيْهَا أَنْ تُصْلِحَ طَعَامَ الصَّبِيِّ)؛ وقلنا: إن ذلك مستحق عليها ديانة، قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وإن كانت لا تجبر على ذلك فلا تستوجب الأجر، كما لو استأجرها لكنس البيت، أو الطبخ، أو الغسل وغير ذلك، كذا في المبسوط (١). وحكي عن الشافعي أنه قال: استحق حبسها والاستمتاع بها بعوض، فلا يجوز أن يلزمه عوض آخر، كذلك ورد بأن الاستمتاع بها في غير الحضانة، واستحقاق منفعة من وجه لا يمنع استحقاقها سواها بعوض آخر، كما لو استأجرها أولا ثم تزوجها. وفي المبسوط: ولو استأجرها لإرضاع ولدها منه بمال الولد وللولد مال صح في رواية ابن رستم عن محمد، ويكون لها الأجر في مال الولد (٢). وبعض المشايخ أخذوا بهذه الرواية؛ لأن الإرضاع بمنزلة النفقة، ونفقة الصغير تجب في ماله إذا كان له مال. ولو استأجرها لإرضاع ولده من غيرها بغير خلاف وكان لها الأجر؛ لأن ذلك غير مستحق عليها ديانة، ولو استأجر خادمها ليرضع ولده منها لا يجب الأجر، ولو استأجر مكاتبتها جاز، ولو أرضعت خادمة الظئر الصبي فلها الأجر؛ لأنه لم يشترط الإرضاع بثديها، وهذا كمن استأجر قصارا أو خياطا ولم يشترط العمل بنفسه فعمل بغيره يستحق الأجر، كذا هذا، بخلاف ما لو شرط الإرضاع بنفسها، كذا في الذخيرة، وفتاوى قاضي خان (٣). وقال أحمد وأبو ثور: لا أجر لها؛ لأنها لم ترضعه، فصار كما لو سقته لبن الغنم، ويجوز استئجار أمه، وأخته وابنته لرضاع ولده، وكذا سائر أقاربه بلا خلاف.

стр. 5989

لِأَنَّ العَمَلَ عَلَيْهَا. وَالحَاصِلُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيمَا لَا نَصَّ عَلَيْهِ العُرْفُ فِي مِثْلِ هَذَا البَابِ، فَمَا جَرَى بِهِ العُرْفُ مِنْ غَسْلِ ثِيَابِ الصَّبِيِّ وَإِصْلَاحِ الطَّعَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَهُوَ عَلَى الظُّفْرِ أَمَّا الطَّعَامُ فَعَلَى وَالِدِ الوَلَدِ، وَمَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ: أَنَّ الدُّهْنَ وَالرَّيْحَانَ عَلَى الظُّفْرِ فَذَلِكَ مِنْ عَادَةِ أَهْلِ الكُوفَةِ. (وَإِنْ أَرْضَعَتْهُ فِي المُدَّةِ بِلَبَنِ شَاةٍ: فَلَا أَجْرَ لَهَا)؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَأْتِ بِعَمَلٍ مُسْتَحَقٌ عَلَيْهَا، وَهُوَ الإِرْضَاعُ، فَإِنَّ هَذَا إِيجَارٌ وَلَيْسَ بِإِرْضَاعِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الْأَجْرُ … ... . قوله: (يعتبر فيما لا نص عليه العرف)، يعني الأصل أن الإجارة إذا وقعت على عمل فما كان من توابع ذلك العمل ولم يشترط في الإجارة على الأجير فالمرجع فيه العرف، فكل عمل راجع إلى منفعة الصبي على الظئر؛ كالحضانة، وغسل ثيابه، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وعن الشافعي في وجه: لا يلزمها. قوله: (ولو أرضعته بلبن الشاة لا أجر لها)، وبه قالت الأئمة الثلاثة. قوله: (لأنها لم تأت بعمل مستحق عليها)، وهو الإرضاع، يعني لا باعتبار أن المعقود عليه اللبن وهو العين بدليل أن الصبي لو أوجر بلبن الظئر في المدة لا تستحق الأجر، فعلم أن المستحق هو الإرضاع والعمل دون العين، كذا في الأوضح. وهذا هو العذر الموعود قبله بقوله: (وسنبين عن الإرضاع) إلى آخره (١). قال شيخي صاحب النهاية ﵀: يجوز أن يكون هذا الحكم غير مُسَلَّمٍ عند شمس الأئمة. فإن قيل: ذكر في المبسوط: لو ضاع الصبي في يدها، أو وقع فمات، أو سرق من حلي الصبي، أو من متاعه وثيابه في يدها لم تضمن الظئر؛ لأنها بمنزلة الأجير الخاص لورود العقد على منافعها في المدة، بخلاف الأجير المشترك على قول من يضمنه (٢). وذكر في الذخيرة: لو أجرت الظئر نفسها من قوم آخرين ترضع صبيا لهم

стр. 5990

لِهَذَا المَعْنَى أَنَّهُ اخْتَلَفَ العَمَلُ. ولا يعلم بذلك أهلها الأولون حتى يفسخوها، فأرضعت كل واحد منهما وفرغت فقد أثمت، وهذه جناية منها، ولها الأجر كاملا على الفريقين. وهذه تدل على أنها الأجير المشترك، وإلا لما وجب الأجر كاملا، ولو وجب الأجر كما ينبغي أن لا تأثم. قلنا: الوجه أن الأجير الوحد في الرضاع يشبه الأجير المشترك من حيث إنه يمكنه إيفاء العمل لكل واحد منهما كما في الخياط، ثم لو كانت أجير وحد حقيقة لم تستحق الأجر كاملا، فلشبهها بالأجير المشترك تستحق الأجر كاملا، ولشبهها بالأجير الوحد تأثم، كذا قرره شيخي صاحب النهاية. وقوله: (لأنه اختلف العمل)، بدل من قوله: (لهذا المعنى)، أي: إنما لم يجب الأجر لاختلاف المعنى. الوجور: الدواء (١) الذي يصب في وسط الفم، يقال: أوجرته، ووجرته. ولو استأجر رجلًا ليقتل قاتل وليه قصاصًا لم يجز عندهما، وعند محمد يجوز، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد، وأبو ثور؛ لأنه عمل معلوم فصار كذبح الشاة، أو كاستيفاء القصاص في الطرف. ولهما أنه لا تعارف فيه، وجواز الإجارة بالتعارف، ذكره في الكافي. وفي المغني لابن قدامة: أبو حنيفة لا يجوز الإجارة لاستيفاء القصاص في النفس لأن عدد الضربات يختلف، وموضع [الضربات] (٢) غير متعين؛ إذ يمكن أن يضرب مما يلي الرأس، ومما يلي الكتف فكان مجهولا (٣). ويجيب عنه ويبطل قوله بخياطة الثوب فإن عدد الغرزات مجهول. وقوله: ومحله غير متعين أنه متقارب فلا يمنع صحته؛ كموضع الخياطة من الحاشية، هكذا ذكره، لكن هذا الذي قاله ما نقل عنه، بل المنقول ما قلنا.
следующие страницы →