← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.

стр. 6336

وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ، إِذَا أَتْلَفَهُمَا ذِمِّيٌّ عَلَى ذِمِّيِّ، أَوْ بَاعَهُمَا الذِّمِّيُّ مِنْ الدِّمِّيِّ. لَهُ: أَنَّهُ سَقَطَ تَقَوُّمُهُمَا فِي حَقِّ المُسْلِمِ فَكَذَا فِي حَقِّ الدِّمِّيِّ؛ لِأَنَّهُمْ أَتْبَاعٌ لَنَا فِي أربعة أوجه: أحدها: إتلاف المسلم خمر المسلم. والثاني: إتلاف الذمي خمر المسلم، ففي الصورتين لا ضمان بالإجماع. والثالث: إتلاف المسلم خمر الذمي. والرابع: إتلاف الذمي خمر الذمي، ففي الصورتين يجب الضمان عندنا، ومالك. وعند الشافعي، وأحمد: لا يضمن، وعلى هذا لو باع ذمي الخمر من ذمي يجوز عندنا، خلافًا للشافعي لسقوط تقومها في حق المسلم. (لأنهم) أي: أهل الذمة، أتباع لنا في الأحكام، قال ﷺ «فإذا قَبِلُوا عَقْدَ الذِّمَّةِ فَأَعْلَمَهُم أَنّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمين، وعَلَيْهِم مَا عَلَى المُسلمين» (١)، فبين أن كل حكم يثبت في حق الذمي، ولأن عقد الذمة خلف على الإسلام فكل حكم ثبت بالإسلام يثبت بعقد الذمة، فإذا سقط تقومها في حقهم أيضًا سقط الضمان، ولا يصلح بيعها، وصار كما لو باع مسلم من مسلم خمرًا وصارت كالميتة والدم والعبد المرتد للذمي، إذ اعتقاده لا يكون حجة على المتلف. ولنا: أن التقوم باقٍ في حقهم بدليل أن عمر أمر ببيعها لعماله، وأخذ العشرين ثمنها حين سألوه ماذا نصنع بما يمر به أهل الذمة من الخمور، فقالوا بعشرها، فقال عمر: لا، ولكن ولوهم بيعها وخذوا العشر من ثمنها، فقد جعلها مالا متقوما في حقهم حتى جوز بيعها، وأخذ العشر من ثمنها. ولأنه قال ﵇: «اترُكُوهُمْ ومَا يَدينون»، والخمر كانت متقومة في شريعة من كان قبلنا وفي صدر شريعتنا، والمزيل - وهو قوله تعالى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]- وجد في حقنا بدليل السباق والسياق، فبقي في

стр. 6337

الأَحْكَامِ، فَلَا يَجِبُ بِإِتْلَافِهِمَا مَالٌ مُتَقَوِّمٌ وَهُوَ الضَّمَانُ. وَلَنَا: أَنَّ التَّقْوِيمَ بَاقٍ فِي حَقِّهِمْ، إِذْ الْخَمْرُ لَهُمْ كَالخَلِّ لَنَا وَالخِنْزِيرُ لَهُمْ كَالشَّاةِ لَنَا. وَنَحْنُ أُمِرْنَا بِأَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ، وَالسَّيْفُ مَوْضُوعٌ فَيَتَعَذَّرُ الإِلْزَامُ، وَإِذَا حق من لم يدخل تحت الخطاب على ما كان من قبل. قوله: (والسيف موضوع فتعذر الإلزام) لانقطاع ولاية المحاجة أو الإلزام بالسيف لمكان عقد الذمة، قال ﵇: «اتركوهمْ وَمَا يَدينون»، والسيف موضوع بعقد الذمة؛ لأنه خلف الإسلام، والخطاب عندنا نازل في حقهم كما بينا، فبقي الحكم على ما كان بخلاف الميتة والدم؛ لأن أحدًا من أهل دين سماوي لا يتمولها. وفي المبسوط (١): تَرْكُنا إياهم وما يدينون ليس لتوسعة الأمر عليهم بل فيه استدراج، وتركهم على الجهل، وتمهيد لعقوبة الآخرة، والخلود في النار، وتحقيق لقوله ﷺ : «الدُّنيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الكَافِرِ» (٢). وقيل: المراد من الميتة الذي مات حتف أنفه، أما الذي خنقوه أو ضربوه حتى مات كما يفعله المجوس، فعند أبي يوسف يضمنها المسلم بالغصب والإتلاف. وقال محمد: لا يضمنها كالميتة؛ لأنها ليست [بمال] (٣) في اعتقاد أهل الذمة، وقد أُمِرْنا [أن نبني] (٤) أحكام المجوس على أحكام أهل الكتاب؛ لقوله ﷺ : «سنوا بالمجوس سُنَّةَ أهل الكتاب». وفي المبسوط: هذا ضعيف؛ فإن في حكم الأنكحة اعتبرنا اعتقاد المجوس من غير أن نبني ذلك على اعتقاد أهل الكتاب حتى جوزنا نكاح محارمهم، ولا يقال إذا مات المجوسي عن امرأتين وإحداهما منكوحته فإنها لا ترث بالزوجية، وقد اعتقدوا أن هذا النكاح صحيح؛ لأنا نقول: لا يلزم من

стр. 6338

بَقِيَ التَّقَوُّمُ فَقَدْ وُجِدَ إِتْلَافُ مَالٍ مَمْلُوكٍ مُتَقَوْمٍ فَيَضْمَنُهُ. بِخِلَافِ المَيْتَةِ وَالدَّمِ؛ لِأَنَّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ لَا يَدِينُ تَمَوُّلَهُمَا، إِلَّا أَنَّهُ تَجِبُ قِيمَةُ الخَمْرِ وَإِنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الأَمْثَالِ؛ لِأَنَّ المُسْلِمَ مَمْنُوعٌ عَنْ تَمْلِيكِهِ لِكَوْنِهِ إِعْزَازًا لَهُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا جَرَتْ المُبَايَعَةُ بَيْنَ الذُّمِّيِّينَ؛ لِأَنَّ الدِّمِّيَّ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنْ تَمْلِيكِ الخَمْرِ وَتَمَلُّكِهَا. وَهَذَا بِخِلَافِ الرِّبَا؛ صحة النكاح التوارث، فإنه ممتنع بالرق واختلاف الدين مع صحة النكاح، مع أن أهل الذمة لا يتوارثون بأنكحة المحارم فلذلك لم يرث بينه (١) بالزوجية. قوله: (لكونه) أي: لكون التمليك (إعزازًا له) أي: للخمر فتجب قيمته. فإن قيل: ما الفرق بين ما إذا أتلف مسلم خمر ذمي حيث تجب قيمته وبين ما إذا أتلف ذمي خمر ذمي ثم أسلم حيث لا يجب عليه شيء لا القيمة ولا الخمر عند أبي يوسف، وهو رواية عن أبي حنيفة، والرواية في المبسوط، وإسلام المقارن لا يمنع وجوب القيمة فالطارئ أولى؟ قلنا: الفرق أنه حين أتلفه لم يكن إتلافه سببًا لوجوب القيمة، ولم يوجد بعد ذلك سبب الوجوب، وعند محمد [وهو رواية عن] (٢) أبي حنيفة: عليه قيمة الخمر؛ لأنه لا يمكن إيجاب الخمر؛ لأنه مسلم، ولا يمكن إبراؤه عن الضمان؛ لأن المتلف عليه ذمي، والخمر في حقه مال متقوم، وقد أمكن إيجاب القيمة فتجب. أما في الخنزير يبقى الضمان بإسلامهما أو إسلام أحدهما بالاتفاق؛ لأن الواجب هو القيمة والإسلام لا ينافيها. قوله: (وهذا) أي: عدم التعرض في مبايعتهم (بخلاف الربا) فإنه يتعرض لهم في إبطال عقود الربا حتى لو باعا درهما بدرهمين يسترد الدرهم الزائد؛ لأنا لم نضمن له ترك التعرض في ذلك قال ﷺ : «إلَّا مَنْ أَرْبَى فَلَيْسَ بَيْنَنا وبينَهُ عَهْدٌ»، وهذا لأن ذلك فسق منهم في الاعتقاد لا ديانة، فقد ثبت بالنص حرمة

стр. 6339

لِأَنَّهُ مُسْتَثْنَى عَنْ عُقُودِهِمْ، وَبِخِلَافِ العَبْدِ المُرْتَدٌ يَكُونُ لِلذَّمِّيِّ؛ لِأَنَّا مَا ضَمِنَّا لَهُمْ تَرْكَ التَّعَرُّضِ لَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ بِالدِّينِ، وَبِخِلَافِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَامِدًا إِذَا كَانَ لِمَنْ يُبِيحُهُ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ المُحَاجَّةِ ثَابِتَةٌ. قَالَ: (فَإِنْ غَصَبَ مِنْ مُسْلِمٍ خَمْرًا فَخَلَّلَهَا، أَوْ جِلْدَ مَيْتَةٍ فَدَبَغَهُ: فَلِصَاحِبِ الخَمْرِ أَنْ يَأْخُذَ الخَلَّ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَيَأْخُذَ جِلْدَ المَيْتَةِ وَيَرُدَّ عَلَيْهِ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ)، الربا في اعتقادهم قال تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوْا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١]. قوله: (وبخلاف العبد المرتد) معطوف على قوله: (وبخلاف الربا) وكلاهما متعلقان بقوله: (لأن الذمي غير ممنوع عن تمليك الخمر) (١) لأنا أمرنا بتركهم وما يدينون؛ فأورد استحلالهم الربا، فأجاب عنه ثم أورد عليه العبد المرتد للذمي، فإن المسلم إذا [أتلفه] (٢) لا يضمن، وإن كان الذمي يعتقد أن العبد المرتد مال متقوم، ولذلك لم يعتبر اعتقاده في إيجاب الضمان، وهو المقيس عليه للشافعي، فأجاب عنه بقوله: (لأنا ما ضمنا) إلى آخره. فإن قيل: يشكل على هذا التعليل ما لو أتلف صليب نصراني حيث يضمن قيمته، مع أن في ترك التعرض في حقيقة عبادة الصليب على اعتقادهم استخفاف بالدين. قلنا: إن النصراني مقرّ على ذلك بخلاف الارتداد، كذا في الإيضاح. قوله: (وبخلاف متروك التسمية) أي: عامدا حيث لا يجب الضمان بإتلافه، مع أن الشافعي ومن تابعه قال: إنه قال: متقوم، ولم يعتبر اعتقاده بالاجتهاد، واعتبرنا اعتقاد أهل الكتاب. فأجاب بقوله: (لأن ولاية المحاجة باقية) (٣) معهم، إذ ثبت لنا بالنص أن متروك التسمية حرام ليس بمال، فلهذا لم يعتبر اعتقادهم في إيجاب الضمان.

стр. 6340

وَالمُرَادُ بِالفَصْلِ الأَوَّلِ: إِذَا خَلَّلَهَا بِالنَّقْلِ مِنْ الشَّمْسِ إِلَى الظَّلِّ وَمِنهُ إِلَى الشَّمْسِ، وَبِالفَصْلِ الثَّانِي: إِذَا دَبَغَهُ بِمَا لَهُ قِيمَةٌ كَالقَرَظِ وَالعَقْصِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَالفَرْقُ: أَنَّ هَذَا التَّخْلِيلَ تَطْهِيرٌ لَهُ، بِمَنْزِلَةِ غَسْلِ الثَّوْبِ النَّجِسِ فَيَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ إِذْ لَا تَثْبُتُ المَالِيَّةُ بِهِ وَبِهَذَا الدِّبَاغِ اتَّصَلَ بِالجِلْدِ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ لِلْغَاصِبِ كَالصَّبْغِ فِي الثَّوْبِ فَكَانَ بِمَنْزِلَتِهِ، فَلِهَذَا يَأْخُذُ الخَلَّ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَيَأْخُذُ الجِلْدَ وَيُعْطِي مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ. وَبَيَانُهُ: أَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى قِيمَتِهِ ذَكِيًّا غَيْرَ مَدْبُوعٍ، وَإِلَى قِيمَتِهِ مَدْبُوغًا فَيَضْمَنُ فَضْلَ مَا بَيْنَهُمَا، وَلِلْغَاصِبِ أَنْ يَحْبِسَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ كَحَقِّ الحَبْسِ فِي البَيْعِ. قَالَ: (وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُمَا: ضَمِنَ الخَلَّ وَلَمْ يَضْمَنْ الجِلْدَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَضْمَنُ الجِلْدَ مَدْبُوعًا، قوله: (والمراد بالفصل الأول إذا خللها) إلى آخره، وعند الشافعي، وأحمد: لا يصير الخمر طاهرا بالتخليل؛ فلا يجب ردها، بل يجب إراقتها كما قبل التخليل، أما لو خللت بنفسها يجب ردها بالإجماع، ويضمن متلفها بالإجماع، وفي جلد الميتة لو دبغه يلزم رده عند الشافعي في الأصح، وأحمد، وفي قول: لا يلزمه رده، وبه قال أحمد في وجه؛ لأنه صار مالًا متقومًا (١). (القرظ) بفتحتين: وَرَق السَّلَم يدبغ به، ومنه أديم مقروظ وبالفارسية: (بزغنج)، والعفص: (مازد). وقوله: (ويعطي) على بناء الفاعل، أي: يأخذ المالك الجلد ويعطي ما زاد الدباغ. وفي الذخيرة: قال القدوري: هذا إذا أخذ الجلد من منزل المالك، فأما إذا ألقى الميتة على الطريق فأخذها رجل ودبغ جلدها، فليس للمالك أن يأخذ الجلد. وعن أبي يوسف له أن يأخذه في هذه الصورة أيضًا. (وإن استهلكهما) أي: الغاصب الخل والجلد المدبوغ. (وقالا: يضمن الجلد مدبوعًا،) وبه قالت الأئمة الثلاثة في قول.

стр. 6341

وَيُعْطِي مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ) (*) وَلَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ لَا يَضْمَنُهُ بِالإِجْمَاعِ. أَمَّا الخَلُّ؛ فَلِأَنَّهُ لَمَّا بَقِيَ عَلَى مِلْكِ مَالِكِهِ وَهُوَ مَالٌ مُتَقَوَّمٌ ضَمِنَهُ بِالإِتْلَافِ، يَجِبُ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ الخَلَّ مِنْ ذَوَاتِ الأَمْثَالِ. وَأَمَّا الجِلْدُ فَلَهُمَا أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ المَالِكِ حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ، وَهُوَ مَالٌ مُتَقَوَّمٌ فَيَضْمَنُهُ مَدْبُوعًا بِالاسْتِهْلَاكِ، وَيُعْطِيهِ المَالِكُ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ كَمَا إِذَا غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ، ثُمَّ اسْتَهْلَكَهُ وَيَضْمَنُهُ وَيُعْطِيهِ المَالِكُ مَا زَادَ الصَّبْغُ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ وَاجِبُ الرَّدِّ، فَإِذَا فَوَّتَهُ عَلَيْهِ خَلَّفَهُ قِيمَتَهُ كَمَا فِي المُسْتَعَارِ. وَبِهَذَا فَارَقَ الهَلَاكُ بِنَفْسِهِ. وَقَوْلُهُمَا: يُعْطِي مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ الجِنْسِ. أَمَّا عِنْدَ اتِّحَادِهِ وقوله: (ويُعطى) على بناء المفعول، أي: يعطى الذي دبغه ثم استهلكه، هذا محمول على اختلاف جنس ما ضمن وما أعطى على ما ذكر في الكتاب. (ولو هلك) أي: كل واحد من الخل والجلد المدبوغ لا يضمن بالإجماع. وعند الأئمة الثلاثة: لو تخللت الخمر بنفسه وهلكت في يد الغاصب يضمن، أما إذا تخلل بفعل الغاصب لا يضمنه، وفي الجلد المدبوغ على قول لا يلزمه رده لا يضمن وفي قول وجب رده يضمن. قوله: (وبهذا فارق الهلاك عن نفسه) حيث لا يضمن؛ لأنه لم يفوت شيئًا فلا يضمن كما في المستعار حيث يضمنه بالاستهلاك دون الهلاك، وكذا لو دبغه بشيء لا قيمة له بالاستهلاك دون الهلاك (١). قوله: (محمول على اختلاف الجنس) بأن قضى لأحدهما بالدراهم وللآخر بالدنانير، إذ القاضي إنما يقضي [بما] (٢) يشترى به في الأسواق ويباع. (أما عند اتحاده) بأن قومها بالدراهم أو الدنانير، فحينئذ يطرح ذلك القدر ويؤخذ منه الباقي؛ لأنه لا فائدة في الأخذ منه ثم الرد عليه.

стр. 6342

فَيَطْرَحُ عَنْهُ ذَلِكَ القَدْرَ وَيُؤْخَذُ مِنهُ البَاقِي لِعَدَمِ الفَائِدَةِ فِي الْأَخْذِ مِنهُ ثُمَّ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ. وَلَهُ: أَنَّ التَّقَوْمَ حَصَلَ بِصُنْعِ الغَاصِبِ، وَصَنْعَتُهُ مُتَقَوِّمَةٌ لِاسْتِعْمَالِهِ مَالًا مُتَقَوِّمًا فِيهِ، وَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ فَكَانَ حَقًّا لَهُ، وَالجِلْدُ تَبَعُ لَهُ فِي حَقِّ التَّقَوُّمِ، ثُمَّ الأَصْلُ وَهُوَ الصَّنْعَةُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ فَكَذَا التَّابِعُ، كَمَا إِذَا هَلَكَ مِنْ غَيْرِ صَنْعَةٍ، بِخِلَافِ وُجُوبِ الرَّدِّ حَالَ قِيَامِهِ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ المِلْكَ، وَالجِلْدُ غَيْرُ تَابِعِ لِلصَّنْعَةِ فِي حَقِّ المِلْكِ لِثُبُوتِهِ قَبْلَهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَقَوِّمًا، بِخِلَافِ الذَّكِيِّ وَالثَّوْبِ؛ لِأَنَّ التَّقَوُّمَ فِيهِمَا كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ الدَّبْغِ وَالصَّبْغِ، فَلَمْ يَكُنْ تَابِعًا لِلصَّنْعَةِ، وَلَوْ كَانَ قَائِمًا فَأَرَادَ المَالِكُ أَنْ يَتْرُكَهُ عَلَى الغَاصِبِ فِي هَذَا الوَجْهِ وَيُضَمِّنَهُ قِيمَتَهُ، قِيلَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الجِلْدَ لَا قِيمَةَ لَهُ، بِخِلَافِ صَبْغِ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّ لَهُ قِيمَةٌ. وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا: لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَرَكَهُ عَلَيْهِ وَضَمَّنَهُ عَجَزَ الغَاصِبُ عَنْ رَبِّهِ فَصَارَ كَالِاسْتِهْلَاكِ، وَهُوَ عَلَى هَذَا الخِلَافِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ. (وله) أي: لأبي حنيفة (التقوم حصل) أي: تقوم الجلد حصل بفعل الغاصب، فيكون تابعًا لما زاد الدباغ فيه؛ لظهور ماليته به فلا يضمنه بالاستهلاك كما لا يضمن الأصل، وهو ما زاد الدباغ فيه، ولهذا لا يضمن الجلد بدون هذا الوصف. (وبخلاف وجوب الرد حال قيامه) أي: الجلد (لأنه) أي: الرد (يتبع الملك) أي: تابع للملك والجلد في حكم الملك غير تابع للصنعة لثبوت الملك قبل الصنعة. قوله: في هذا الوجه أي: الذي دبغه بشيء متقوم. (قيل: ليس له ذلك) أي: مطلقا بلا خلاف؛ لأن الجلد لا قيمة له، فلا يمكن تضمينه؛ لأن التضمين للمتقوم بخلاف صبغ الثوب؛ لأن له قيمة فكان له تركه عليه وأخذ القيمة. وقوله: على هذا الخلاف على ما بيناه آنفا.

стр. 6343

ثُمَّ قِيلَ: يُضَمِّنُهُ قِيمَةَ جِلْدِ مَدْبُوعٍ، وَيُعْطِيهِ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ كَمَا فِي الاسْتِهْلَاكِ. وَقِيلَ: يُضَمِّنُهُ قِيمَةَ جِلْدِ ذَكِيٌّ غَيْرِ مَدْبُوعٍ، وَلَوْ دَبَغَهُ بِمَا لَا قِيمَةَ لَهُ كَالتُّرَابِ وَالشَّمْسِ فَهُوَ لِمَالِكِهِ بِلَا شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ غَسْلِ الثَّوْبِ. وَلَوْ اسْتَهْلَكَهُ الغَاصِبُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ مَدْبُوغًا. وَقِيلَ: طَاهِرًا غَيْرَ مَدْبُوعٍ؛ لِأَنَّ وَصْفَ الدِّبَاغَةِ هُوَ الَّذِي حَصَّلَهُ فَلَا يَضْمَنُهُ. ([ثم]) (١) قيل: يضمنه قيمة جلد (غير مدبوغ) أي: على قولهما كما في الاستهلاك، أعني الذي دبغه بشيء له قيمة. (وقيل: قيمة جلد ذكي) أي: طاهر (غير مدبوغ) لأن صفة الدباغ حصلت بفعله فلا يوجب الضمان عليه [لكن من ضرورته] (٢) زوال صفة النجاسة، وذلك [غير] (٣) حاصل بفعله بل يتميز الجلد من الدسومات النجسة. قوله: (ولو استهلكه) أي: الجلد الذي دبغه بشيء لا قيمة له (يضمن قيمته مدبوغا) أي: بالإجماع، نص في الذخيرة لأنه صار مالا على ملك صاحبه، ولا حق للغاصب فيه، فكانت المالية والتقوم جميعا حقا للمالك فيضمن بالاستهلاك. قوله: (لأن وصف الدباغة هو الذي حصله) فلا يوجب الضمان عليه، لكن من ضرورة صفة النجاسة، وذلك غير حاصل بفعله بل يتميز الجلد من الدسومات النجسة. وجه الأول: وهو أن يضمنه قيمته مدبوغا، قال القدوري: لو أن الغاصب جعل هذا الجلد أديما أو زقا أو دفترا أو جرابا أو فروا لم يكن للمغصوب منه على ذلك سبيل؛ لأنه تبدل الاسم والمعنى بصنع الغاصب، فكان هو أولى، فإن كان الجلد ذكيا فعليه قيمته يوم الغصب، وإن كان ميتة فلا شيء له، كذا في الإيضاح، والذخيرة.

стр. 6344

وَجْهُ الأَوَّلِ، وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُونَ: أَنَّ صِفَةَ الدِّبَاغَةِ تَابِعَةٌ لِلْجِلْدِ فَلَا تُفْرَدُ عَنْهُ، وَإِذَا صَارَ الأَصْلُ مَضْمُونَا عَلَيْهِ فَكَذَا صِفَتُهُ، وَلَوْ خَلَّلَ الخَمْرَ بِإِلْقَاءِ المِلْحِ فِيهِ قَالُوا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: صَارَ مِلْكًا لِلْغَاصِبِ وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ. وَعِنْدَهُمَا: أَخَذَهُ المَالِكُ وَأَعْطَى مَا زَادَ المِلْحُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ دَبْعِ الجِلْدِ، وَمَعْنَاهُ هَاهُنَا: أَنْ يُعْطِيَ مِثْلَ وَزْنِ المِلْحِ مِنْ الخَلِّ، وَإِنْ أَرَادَ المَالِكُ تَرْكَهُ عَلَيْهِ وَتَضْمِينَهُ فَهُوَ عَلَى مَا قِيلَ. وَقِيلَ: فِي دَبْغِ الجِلْدِ وَلَوْ اسْتَهْلَكَهَا لَا يَضْمَنُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا كَمَا فِي دَبْغِ الجِلْدِ، وَلَوْ خَلَّلَهَا بِإِلْقَاءِ الخَلِّ فِيهِمَا، فَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ إِنْ صَارَ خَلَّا مِنْ سَاعَتِهِ يَصِيرُ مِلْكًا لِلْغَاصِبِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِهْلَاكُ لَهُ وَهُوَ غَيْرُ مُتَقَوَّمٍ، وَإِنْ لَمْ تَصِرْ خَلَّا إِلَّا بَعْدَ زَمَانٍ بِأَنْ كَانَ المُلْقَى فِيهِ خَلَّا قَلِيلًا فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ كِلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ خَلْطَ الخَلِّ بِالخَلِّ فِي التَّقْدِيرِ، وَهُوَ عَلَى أَصْلِهِ لَيْسَ قوله: (قالوا) أي: أكثر المشايخ الخل للغاصب على قول أبي حنيفة؛ لأنه استهلاك إلا أن الخمر لم تكن متقومة، والملح كان متقوما؛ فترجح جانب الغاصب، فيكون له بغير شيء. وقال بعض المشايخ: هذا والأول سواء؛ إذ الملح صار مستهلكا فيه فلا يعتبر. قوله: (على ما قيل، وقيل في الجلد) أي: على القولين المذكورين في دبغ الجلد، وينبغي أن يقرأ بالوصل حتى يستفاد منه ذلك المعنى، ولو خللها بإلقاء الخل اختلف المشايخ فيه أيضًا. قال بعضهم على قول أبي حنيفة: يكون للغاصب بغير شيء سواء صار خلا من ساعته أو بمرور الأيام؛ لأن الخلط استهلاك، واستهلاك الخمر لا يوجب الضمان، وعلى قول أبي يوسف ومحمد إن صار خلا بمرور الزمان كان بينهما على قدر كيلهما؛ لأنه لم يصر استهلاكًا بل صار كأنه خلط الخل بالخل. (وهو): أي خلط الخل بالخل (على أصله)، وعلى أصل محمد ليس باستهلاك، إذ خلط الجنس بالجنس ليس باستهلاك، وهو قول أبي يوسف

стр. 6345

بِاسْتِهْلَاكِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: هُوَ لِلْغَاصِبِ فِي الوَجْهَيْنِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الخَلْطِ اسْتِهْلاكُ عِنْدَهُ، وَلَا ضَمَانَ فِي الاسْتِهْلَاكِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مِلْكَ نَفْسِهِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: لَا يَضْمَنُ بِالاسْتِهْلَاكِ فِي الوَجْهِ الأَوَّلِ لِمَا بَيَّنَّا. وَيَضْمَنُ فِي الوَجْهِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مِلْكَ غَيْرِهِ. وَبَعْضُ المَشَايِخِ أَجْرَوْا جَوَابَ الكِتَابِ عَلَى إِطْلَاقِهِ: أَنَّ لِلْمَالِكِ أَنْ يَأْخُذَ الخَلَّ فِي الوُجُوهِ كُلِّهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ المُلْقَى فِيهِ يَصِيرُ مُسْتَهْلَكًا فِي الخَمْرِ فَلَمْ يَبْقَ مُتَقَوَّمًا. وَقَدْ كَثُرَتْ فِيهِ أَقْوَالُ المَشَايِخِ وَقَدْ أَثْبَتْنَاهَا فِي «كِفَايَةِ المنتهي». قَالَ: (وَمَنْ كَسَرَ لِمُسْلِمِ بَرْبَطًا، أَوْ طَبْلًا، أَوْ مِزْمَارًا، أَوْ دُفًا، أَوْ أَرَاقَ لَهُ سَكَرًا، أَوْ مُنَصَّفًا: فَهُوَ ضَامِنٌ، وَبَيْعُ هَذِهِ الأَشْيَاءِ: جَائِزٌ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. أيضًا، فيكون الخل مشتركًا بينهما؛ لأنه صار خالصًا خل نفسه بخل غيره، فإذا أتلفه فقد أتلف خل نفسه وخل غيره، كذا في جامع أبي اليسر. قوله: (في الوجهين) ما إذا صارت خلا من ساعته أو بمرور الزمان. (ولا ضمان في الاستهلاك) أي: في استهلاك خمر المسلم، ولا يجوز أن يضمنه باعتبار الخل أيضًا؛ لأن الخل ملك الغاصب. قوله: (وقد كثرت فيه أقوال المشايخ) حتى قال بعضهم يصير المخلوط مشتركًا هاهنا بالإجماع؛ لأن عند أبي حنيفة إنما ينقطع حق المالك بالاستهلاك إذا ضمنه بالخلط، كالمكيل والموزون إذا غصبه وخلط بمثله من ملك نفسه، فأما إذا لم [يكن] (١) مضمونًا عليه لا ينقطع، ووجود الاستهلاك كعدمه؛ فبقي مشتركًا كالمكيل إذا اختلط بنفسه بمكيل آخر لغيره، كذا ذكره المحبوبي. وما ذكرنا من الأقوال يحتمل أن يكون هو الذي ذكره بقوله: (وقد أثبتناها في كتاب (٢) المنتهي). قوله: (أو أراق له سكرًا) وفي المُغرِب: هَراقَ الماء بمعنى أراقه أي:

стр. 6346

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا يَضْمَنُ (*)، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا. وَقِيلَ: الاخْتِلَافُ فِي الدُّفِّ وَالطَّبْلِ الَّذِي يُضْرَبُ لِلَّهْوِ. فَأَمَّا طَبْلُ الغُزَاةِ وَالدُّقُّ الَّذِي يُبَاحُ ضَرْبُهُ فِي العُرْسِ يُضْمَنُ بِالإِتْلَافِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ. وَقِيلَ: الفَتْوَى فِي الضَّمَانِ عَلَى قَوْلِهِمَا. صَبَّهُ، يُهَريق، بتحريك الهاء، وأهراق يهريق بسكون الهاء في الأول بدل عن الهمزة، وفي الثاني زائدة. وفي الصحاح: هراق الماء يهرقه بفتح الهاء هراقة، أصله أراق يريق إراقة، وأصل أَراقَ أَرْيَقَ، وأصل يُرِيقُ يُرْيِقُ، وإنما قالوا: أنا أهريقه و [هم] (١) لا يقولون: أأريقه لاستثقالهم الهمزتين، وقد زال ذلك بعد الإبدال. وفيه لغة أخرى: أهرق الماء إهراقا على أفعل يفعل. وفيه لغة ثالثة: أهراق يهريق إهراقا، فهو مهريق، والشيء مُهراق، ومُهراق أيضًا بالتحريك، وهذا شاذ. وقالا: لا يضمن، وبه قال مالك، وأحمد، وقال الشافعي: إن كان ذلك إذا فضل يصلح لنفع مباح، وإذا كسر لم يصلح له لزمه ما بين قيمته مفضلا ومكسورًا؛ لأنه أتلف بالكسر ما له قيمة، وإن كان لا يصلح لمنفعة مباحة لم يلزمه ضمانه، لو أتلف شيئًا من الملاهي التي اقتنيت في البيت لا للهو ضمن قمتها عنده، وفيه إشارة إلى أنه إذا اقتنى لأجل التلهي لا ضمان بالاتفاق. قوله: (يباح ضربه في العرس يضمن) بلا خلاف. قال أبو الليث: ضرب الدف في العرس مختلف بين العلماء، قيل: يكره، وقيل: لا يكره، أما الدف الذي يضرب في زماننا هذا مع الصيجان والجلاجلات ينبغي أن يكون مكروها. وأما الخلاف في الدف الذي كان يضرب في الزمان المتقدم، كذا في الذخيرة. (وقيل: الفتوى في الضمان على قولهما) أي: يفتى بعدم الضمان؛ لكثرة

стр. 6347

وَالسَّكَرُ: اسْمٌ لِلنِّيءِ مِنْ مَاءِ الرُّطَبِ إِذَا اشْتَدَّ. وَالمُنَصَّفُ مَا ذَهَبَ نِصْفُهُ بِالطَّبْخِ. وَفِي المَطْبُونِ أَدْنَى طَبْخَةٍ وَهُوَ البَاذَقُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ فِي التَّضْمِينِ وَالبَيْعِ لَهُمَا: أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ أُعِدَّتْ لِلْمَعْصِيَةِ فَبَطَلَ تَقَوُّمُهَا كَالخَمْرِ، وَلِأَنَّهُ فَعَلَ مَا فَعَلَ آمِرًا بِالمَعْرُوفِ وَهُوَ بِأَمْرِ الشَّرْعِ فَلَا يَضْمَنُهُ كَمَا الفساد في الناس، ذكره في جامع أبي اليسر. وذكر الصدر الشهيد عن أصحابنا: أنه يهدم البيت على من اعتاد الفسق وأنواع الفساد، حتى قالوا لا بأس بالهجوم على بيت المفسدين، ويراق العصير قبل أن يشتد على من اعتاد الفسق؛ لأنه روي عن عمر أنه هجم حين بلغه عن نائحة من نساء أهل المدينة فهجم عليها وضربها بالدرة حتى سقط خمارها، فقيل: يا أمير المؤمنين قد سقط خمارها، فقال: إنه لا حرمة لها. قالوا: معنى قوله حين اشتغلت بما لا يحل في الشرع فقد أسقطت حرمتها. وروي أنه أحرق البيت على الثقفي حين سمع شرابًا في بيته. وعن الفقيه أبي بكر البلخي أنه خرج عن بعض نهر، وكانت النساء كاشفات الرؤوس والذراع، فقيل له: كيف فعلت؟ فقال: إنه لا حرمة لهن، إنما الشك في إيمانهن كأنهن حربيات، وإنما قال ذلك استدلالًا بما قال عمر. وهل يضمن قيمة الدنان؟ إن كان بإذن الإمام لا يضمن، وإلا يضمن. وقال أبو يوسف: إن كان لا يتيسر إراقتهما إلا بشق الزق لا يضمن ككسر المعازف، وعند الشافعي وأحمد في رواية يضمن، كذا في جامع المحبوبي. قوله: (وهو بأمر) أي: الكسر والإراقة بأمر الشرع قال رسول الله ﷺ «بُعِثْتُ بِكَسْرِ المَزاميرِ» (١) وفي رواية «بُعِثْتُ لِمَحْقِ القَيناتِ والمَعازِفِ وقتل الخنازير»، وقال ﵊ «إِذَا رَأَى أحدٌ مِنْكُمْ مُنكَرًا فليُنكِرْهُ بِيَدِهِ، فإن لم يَسْتَطِعْ فبلسانِهِ، فَإِنْ لَم يَستَطِعْ فَبِقَلْبِه» (٢) وكان كسرها أمرًا بالمعروف ونهيا عن المنكر باليد فلا يضمن، كما لو فعله بأمر الإمام.

стр. 6348

إذَا فَعَلَ بِإِذْنِ الإِمَامِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهَا أَمْوَالٌ لِصَلَاحِيَّتِهَا لِمَا يَحِلُّ مِنْ وُجُوهِ الانْتِفَاعِ وَإِنْ صَلُحَتْ لِمَا لَا يَحِلُّ فَصَارَ كَالأَمَةِ المُغَنِّيَةِ. وَهَذَا؛ لِأَنَّ الفَسَادَ بِفِعْلِ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ فَلَا يُوجِبُ سُقُوطَ التَّقَوُّمِ، وَجَوَازُ البَيْعِ وَالتَّضْمِينِ مُرَتِّبَانِ عَلَى المَالِيَّةِ وَالتَّقَوُّمِ، وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ بِاليَدِ إِلَى الأَمَرَاءِ لِقُدْرَتِهِمْ، وَبِاللِّسَانِ إِلَى غَيْرِهِمْ، وفي الذخيرة، والمغني، وبستان أبي الليث: الأمر بالمعروف على وجوه: إن كان يعلم بأكبر رأيه أنه لو أمر بالمعروف يقبلون منه ويمتنعون عن المنكر فالأمر واجب عليه ولا يسعه تركه. ولو علم بأكبر رأيه أنهم يقذفونه بذلك ويشتمونه فتركه أفضل، وكذا لو علم أنهم يضربونه ولا يصبر على ذلك، وتقع بينهم العداوة ويهيج منه القتال فتركه [أفضل] (١). ولو علم أنه يصبر على ضربها ولم يشك إلى أحد فلا بأس به، وهو مجاهد. ولو علم أنهم لا يقبلون منه، ولا يخاف منهم ضربًا ولا شتما فهو بالخيار، والأمر بالمعروف أفضل. ذكر المحبوبي مطلقا، وقال: الأمر بالمعروف واجب أو فرض إذا غلب على ظنه أنهم يتركون الفسق بالمعروف، ولو غلب على ظنه أنهم لا يتركون لا يكون آثما في تركه. قوله: (لأنه) (٢) أي: نصراني (مقر على ذلك) (٣) فيضمن عندنا، وقال أحمد لا يضمن، وعند الشافعي بالتفصيل كما ذكرنا. (والدلائل ذكرها) (٤) إلى آخره، وقد بينا فيه خلاف الأئمة الثلاثة أيضًا. مسائل تتعلق بهذا الباب غصب ثوبًا فكساه المالك، أو طعاما فقدمه بين يديه فأكله وهو لا يعلم بأنه ثوبه أو طعامه يبرأ الغاصب عن الضمان، وبه قال الشافعي في قول، ومالك.

стр. 6349

وَتَجِبُ قِيمَتُهَا غَيْرُ صَالِحَةٍ لِلَّهْوِ كَمَا فِي الجَارِيَةِ المُغَنِّيَةِ، وَالكَبْشِ النَّطُوحِ، وَالحَمَامَةِ الطَّيَّارَةِ، وَالدِّيكِ المُقَاتِلِ، وَالعَبْدِ الخَصِيّ، تَجِبُ القِيمَةُ غَيْرُ صَالِحَةٍ لِهَذِهِ الأُمُورِ، كَذَا هَذَا، وَفِي السَّكَرِ وَالمُنَصَّفِ تَجِبُ قِيمَتُهُمَا، وَلَا يَجِبُ المِثْلُ؛ لِأَنَّ المُسْلِمَ مَمْنُوعٌ عَنْ تَمَلُّكِ عَيْنِهِ وَإِنْ كَانَ لَوْ فَعَلَ جَازَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا أَتْلَفَ عَلَى نَصْرَانِي صَلِيبًا حَيْثُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ صَلِيبًا؛ لِأَنَّهُ مُقَرٌّ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ أُمَّ وَلَدٍ، أَوْ مُدَبَّرَةٌ، فَمَاتَتْ فِي يَدِهِ: ضَمِنَ قِيمَةَ المُدَبَّرَةِ، وَلَا يَضْمَنُ قِيمَةَ أُمِّ الوَلَدِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَضْمَنُ قِيمَتَهُمَا (*)؛ لِأَنَّ مَالِيَّةَ المُدَبَّرَةِ مُتَقَوِّمَةٌ بِالاتِّفَاقِ، وَمَالِيَّةَ أُمِّ الوَلَدِ غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا مُتَقَوِّمَةٌ، وَالدَّلَائِلُ ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِ العِتَاقِ مِنْ هَذَا الكِتَابِ. وفي قول: لا يبرأ، ولو باعه وسلمه له، أو وهبه وسلمه، أو أودعه وسلمه، أو أعاره، وسلمه، أو أجره وسلمه، والمالك لا يعلم به يبرأ عن الضمان عندنا، وبه قال الشافعي في وجه، ومالك، وأحمد. وقال الشافعي في وجه: لا يبرأ، ولو رهنه المالك عند الغاصب لم يبرأ عن الضمان عند الشافعي، وعندنا، ومالك، وأحمد، والمزني: يبرأ. ولو حل رباط دابة، أو فتح قفص طير أو قيد عبد، فذهب عقيب ذلك لم يضمن عندنا، وبه قال الشافعي في قول. وقال في قول: يضمن وبه قال مالك، وأحمد، وعن محمد: يضمن سواء طار من فوره أو مكث ساعة ثم طار، أما لو مكث ساعة ثم طار لا يضمن عندنا، والشافعي، خلافا لمالك، وأحمد. ولو حل رأس الزق فسال المائع، أو قطع علائق قنديل فانكسر ضمن، ولو كان الدهن جامدًا، فذاب بالشمس، فسال لم يضمن، وبه قال الشافعي في وجه. وقال في وجه: يضمن، وبه قال مالك، وأحمد.

стр. 6350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والغصب لا يتحقق في الحر بإجماع العلماء، فلا يضمن بالغصب، أما لو استعمله مكرهًا لزمه أجر مثله عند الأئمة الثلاثة؛ لأنه استوفى منافع متقومة؛ فلزمه ضمانها كمنافع العبد. وعندنا: لا ضمان في منافع العبد أيضًا كما مر، ولو حبسه مدة لا يجب أجر مثله عندنا أيضًا، وبه قال الشافعي، وأحمد في وجه، ومالك، وقال في وجه آخر: إنه يضمن كما في العبد. ولو غصب كلبًا له منفعة وحبس مدة يجب أجره في أحد الوجهين عند الشافعي، وعند أحمد، ومالك، والشافعي في وجه آخر: لا يجب، ولا يضمن إذا هلك أو أتلفه عند الأئمة الثلاثة، وعندنا يضمنه؛ لأنه مال حتى يجوز بيعه عندنا.

стр. 6351

كِتَابُ الشَّفْعَةِ الشَّفْعَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الشَّفْعِ، وَهُوَ الضَّمُّ، سُمِّيَتْ بِهَا لِمَا فِيهَا مِنْ ضَمِّ المُشْتَرَاةِ إلَى عَقَارِ الشَّفِيعِ. كِتَابُ الشَّفْعَةِ مناسبة الشفعة الغصب من حيث إن كل واحد يملك مال الغير بغير رضاه، إلا أن الغصب عدوان والشفعة مشروعة، فكان حقها التقديم لكن معرفة [أحكام] (١) الغصب [أحوج] (٢) لكثرة وقوعه، خصوصًا في هذا الزمان، ولكثرة سبب الغصب من الاستحقاق في البياعات والشركات والمزارعات وغيرها، وللشفعة سبب واحد وهو اتصال ملك العقار عندنا. ثم من محاسن الشفعة دفع ضرر الجوار وهو مادة المضار، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ في الإسلام» (٣) وأكمل (٤) الضرر في صحبة الأضداد، فالصحبة بالجار أو الشريك المضر أعظم عقوبة وقد جاء في تفسير ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [النمل: ٢١] أي: ألزمنه صحبة الأضداد. ثم الشفعة لغة: مأخوذة من الشفع لغة كما ذكر في المتن.

стр. 6352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وشرعًا: تملك البقعة بما قام على المشتري بالشركة والجوار، فكان فيها معنى اللغة، وسببها الاتصال، وشرطها معاوضة مال بمال. وقال الخصاف: الشفعة تجب بالبيع، ثم تجب بالطلب، فيه إشارة إلى أن سببها كلاهما على التعاقب، وأنه غير صحيح؛ لأن الشفعة لما وجبت بالبيع لا يتصور وجوبها ثانيًا. وقال شيخ الإسلام: الاتصال مع البيع علة لها؛ لأن حق الشفعة لا يثبت إلا بهما، ولا يجوز أن يقال بأن الشراء شرط، والاتصال سبب؛ لأن الشفيع لو سلم الشفعة قبل البيع لا يصح مع وجود الاتصال، فلو كان الاتصال سببا ينبغي أن يصح التسليم؛ لأنه حصل بعد وجود سبب الوجوب. فشرطها: أن يكون المحل عقارًا سفلا كان أو علوا، إذ الشفعة لا تثبت في المنقولات قصدًا، بل تثبت تبعًا للعقار، ومن شرطها أن يكون طلب الشفيع، وأن يكون العقد عقد معاوضة. وركنها: أخذ الشفيع المشتراة بشرائطها. وحكمها: جواز طلب الشفعة، وثبوت الملك بالقضاء أو بالرضا، إليه أشار في المبسوط، والذخيرة، والتحفة وغيرها. وهي مشروعة بالسنة المشهورة. وفي المبسوط: زعم بعض أصحابنا أن القياس يأبى جواز الشفعة؛ لأنه يملك على المشتري ملكه الصحيح بغير رضاه، فإنه من نوع الأكل بالباطل، قال ﷺ : «لا يَحِلُّ مالُ امرئ مُسلِمٍ إلا بطيبة نفسِهِ» (١)، ولأنه بالأخذ يدفع الضرر عن نفسه، ويلحق الضرر بغيره، وليس لأحد أن يدفع الضرر عن نفسه بإلحاق الضرر بغيره، ولكنا تركنا القياس بالآثار المشهورة.

стр. 6353

قَالَ: (الشَّفْعَةُ وَاجِبَةٌ لِلْخَلِيطِ فِي نَفْسِ المَبِيعِ، ثُمَّ لِلْخَلِيطِ فِي حَقِّ المَبِيعِ كَالشِّرْبِ وَالطَّرِيقِ، ثُمَّ لِلْجَارِ) أَفَادَ هَذَا اللَّفْظُ ثُبُوتَ حَقِّ الشَّفْعَةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ وَأَفَادَ التَّرْتِيبَ، والأصح أنها أصل في الشرع، فلا يجوز أن يقال: إنها مستحسنة عن القياس، بل هي ثابتة على موافقة القياس، وأجمع العلماء على ثبوت الشفعة في شريك لم يقسم ريعه إلا الأصم، وابن علية فإنهما قالا: لا تثبت الشفعة بحال؛ لما ذكرنا من وجه القياس. قوله: (الشفعة واجبة) أي: ثابتة عند تحقق سببها لا أن يكون المراد بها لزوم الإثم عند تركها بالإجماع. والخلطة بالضم: الشركة، والخليط: الشريك، يقال: خالطه أي: شاركه. قوله: (وأفاد الترتيب)، في الذخيرة صورته منزل بين اثنين وسكة غير نافذة، فباع أحد الشريكين نصيبه، فالشريك في المنزل أحق بالشفعة؛ فإن سلم فأهل السكة أحق إن سلموا، فالجار الملاصق وهو الذي على ظهر هذا المنزل وباب داره في سكة أخرى. ومسألة الجار على وجهين: إما أن تكون الدار المشتراة في سكة نافذة، وفي هذا الوجه الشركة للملاصق. وإما أن يكون في سكة غير نافذة، وفي هذا الوجه جميع أهل السكة شفعاء الملازق، والمقابل في ذلك على السواء. وقد قيل: الشفعة على أربع مراتب، ويظهر ذلك في مسألتين: إحديهما: بيت في دار في سكة غير نافذة والبيت لاثنين، والدار لقوم، فباع أحدهما نصيبه من البيت فالشفعة أولًا للشريك في البيت، فإن سلّم فلشريك الدار، فإن سلّم فلأهل السكة، فإن سلموا فالجار الملاصق، وهو الذي على ظهر المنزل وبابه في سكة أخرى.

стр. 6354

أَمَّا الثُّبُوتُ: فَلِقَوْلِهِ ﵊: «الشَّفْعَةُ لِشَرِيكٍ لَمْ يُقَاسِمْ» وَلِقَوْلِهِ ﵊: «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ وَالأَرْضِ، يَنْتَظِرُ لَهُ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا» وَلِقَوْلِهِ ﵊: «الجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا سَقَبُهُ؟ قَالَ شُفْعَتُهُ وَيُرْوَى الجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ». وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا شُفْعَةَ بِالجِوَارِ لِقَوْلِهِ ﵊: الشَّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمُ، فَإِذَا وَقَعَتْ الحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطَّرِيقُ فَلَا شُفْعَةَ وَلِأَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ سُنَنِ القِيَاسِ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَمَلُّكِ المَالِ عَلَى الغَيْرِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، وَقَدْ وَرَدَ والثانية: دار بين اثنين في سكة غير نافذة، فالشفعة أولًا للشريك في الدار، فإن سلّم فللشريك في الحائط المشترك بين الدارين، فإن سلم فلأهل السكة، فإن سلموا فللجار الملاصق. قوله: (وقال الشافعي: لا شفعة بالجوار)، وكذا بالشركة في الحقوق كالطريق والشرب؛ لأن ذلك كالجوار، وكذا فيما لا يحتمل القسمة كالنهر والبئر، وبه قال مالك وأحمد، والأوزاعي، وأبو ثور، وابن المنذر، وروي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي. وعندنا، والثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة: تثبت له الشفعة بعد الشريك في المبيع، أو في حقه. وفي شرح الوجيز: عن ابن سريج تخريج لمذهب أبي حنيفة ﵀ قال القاضي الروياني، بعض أصحابي يفتي به، وهو الاختيار للشافعي. الحديث المذكور في المتن رواه أبو داود، وهذا الحديث [يقتضي] (١) أن جنس الشفعة فيما لم يقسم إذ الألف واللام للجنس؛ لعدم المعهود، والدليل عليه أنه قال في رواية: «إنما الشفعة فيما لم يقسم»، وإنما كلمة الحصر. ويدل عليه أيضًا (فإذا صرفت الطرق) أي: حصل لكل قسم طريق على حدة (فلا شفعة). (لما فيه) أي: في حق الشفعة (تَمَلُّكُ المال على الغير بغير رضاه) وذا لا

стр. 6355

الشَّرْعُ بِهِ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، وَهَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ مُؤْنَةَ القِسْمَةِ تَلْزَمُهُ فِي الأَصْلِ يجوز لقوله ﷺ «لا يَحلُّ مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه» (١)، إلا أن القياس ترك بالسنة، وهي فيما لم يقسم. (وهذا) أي: الجار (ليس في معناه)؛ لأن حق الأخذ ثُمَّ ثبت لدفع مؤنة القسمة، إذ لو لم يأخذ يطالبه المشتري بالقسمة، فيلحقه مؤنة القسمة، وهذا لا يوجد في حق الجار. لنا ما روينا: «جارُ الدّارِ أحقُّ بالدار» رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح (٢). وقوله: «الجار أحق بسَقَبِه»، ويروى بالصاد، رواه البخاري، وأبو داود (٣)، وروى الترمذي عن جابر أنه ﷺ قال: «الجار أحق بسَقَبِهِ (٤) يَنتظِرُ بِها وإن كانَ غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا»، ثم قال: حديث حسن (٥). وفي المغرب: السَّقَب: القرب والاتصال، وأريد بالسقب هنا الساقب على معنى ذو السقب، والتسمية بالمصدر. ومعنى الحديث الجار أحق بالشفعة؛ لأنه جاء في لفظ: «الجار أحقُّ بِشُفْعَتِه» (٦)، وسئل عنه رسول الله ﷺ ما سقبه؟ قال: «شُفعته». وروى الطحاوي عن أبي بكر بن حفص: أن عمر كتب إلى شريح أن يقضي بالشفعة للجار الملاصق (٧). وبعض أهل العلم رمى حديث جابر بالوهن من جهة عبد الملك بن أبي

стр. 6356

دُونَ الفَرْعِ، وَلَنَا مَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّ مِلْكَهُ مُتَّصِلٌ بِمِلْكِ الدَّخِيلِ اتِّصَالَ تَأْبِيدٍ وَقَرَارٍ، سليمان، ولم يصب في ذلك، فإن أحاديث الثقات لا تُرَدُّ بِوَهْم، مع أن عبد الملك ثقة، ذكره الترمذي (١). فإن قيل: يطلق لفظ الجار على الشريك، كما في قول الأعشى (٢): أيا جَارَتِي بِيْنِي فَإِنَّكِ طَالِقَةْ … كَذاكِ أُمور الناس غادٍ وَطَارِقَهْ والمراد: زوجته، وهي شريكته في الفراش؛ ولأنه ﷺ قال: «الشفعة فيما لَمْ يُقسَمْ» (٣) نص على النفي عن غيره؛ لأن كلمة «إنما» للحصر، ولأن (٤) تعليلكم للاستحقاق بالجوار بسبب دفع ضرر الجوار منقوض بالجار المقابل وبالجار الملاصق بطريق الإجارة. قلنا: حمل اسم الجار على الشريك ترك الحقيقة بلا دليل، وذا لا يجوز، ولأن آخر الحديث يأبى حمله على الشريك يلغو هذا؛ لأن بالشركة تستحق الشفعة، سواء كان الطريق واحدا أو لا. قال الإمام الحلواني: تركوا العمل بمثل هذا الحديث مع شهرته وصحته، والعجب منهم أنهم سموا أنفسهم أصحاب الحديث؛ فلقبوا أنفسهم بترك العمل بالحديث بأصحاب الحديث. وقد روي أن سعدًا عرض بيتا له على جاره؛ فدل أن جميع البيت له؛ فبطل تأويله بالشريك، وسمى الزوجة جارا؛ لأنها تجاوره في الفراش لا لأنها تشاركه. وما روي يدل على ثبوت الشفعة في الشركة، وتخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي ما عداه، وإنما رواية «إنّما الشُّفَعَةُ» ليست تثبت، ولئن ثبت تقتضي نفي

стр. 6357

فَيَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الشُّفْعَةِ عِنْدَ وُجُودِ المُعَاوَضَةِ بِالمَالِ اعْتِبَارًا بِمَوْرِدِ الشَّرْعِ، وَهَذَا لِأَنَّ الاتِّصَالَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ إِنَّمَا انْتَصَبَ سَبَبًا فِيهِ لِدَفْعِ ضَرَرِ الجِوَارِ، إِذْ هُوَ مَادَّةُ الشبهة الثابتة بسبب التركة عملا بما [روينا] (١)، أو يقتضي [تأكيد] (٢) المذكور بطريق الكمال كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ﴾ [الرعد: ٧] وكما يقال: إن العالم في البلد زيد أي: الكامل فيه، والمشهور به زيد، والشريك في البقعة كامل في سبب استحقاق الشفعة دون نفي غيره بدليل سياق الحديث، فإنه قال في آخره «فإذا وقعت الحدود وصرف الطريق فلا شفعة» (٣). وعند الشافعي: لا شفعة هناك أيضًا، فكان آخر الحديث حجة لنا أيضًا، مع أنه قيل: هذا من كلام الراوي لا من الحديث، فلو صح أنه من الحديث فمعنى قوله: لا شفعة بوقوع الحدود وصرف الطريق، فكان الموضع موضع إشكال؛ لأن في القسمة معنى المبادلة، ربما يشكل هل يستحق بها الشفعة؟ فبين النبي ﷺ أنه لا يستحق الشفعة بالقسمة، ولا يلزم الجار المقابل؛ لأن الضرر هناك ليس بسبب اتصال الملك. ولأن الأخذ بالشفعة لما كان لحق الملك صار فرعًا من فروعه؛ فلا يكون إلا لمن له الاتصال به ملكا على الدوام، وهذا لأن المقصود دفع ضرر التأذي بسوء المجاورة على الدوام، فلهذا لا تثبت لجار السكني كالمستأجر والمستعير؛ لأن جواره ليس بمستدام، ولأن الملك الحادث بالإجارة ملك منفعة، ولا اتصال بين ملك الجار وبين منفعة جاره؛ فلا تثبت الشفعة له، كذا في المبسوط، والأسرار وغيرهما. قوله: (اعتبارًا بمورد الشرع) وهو الخليط في نفس المبيع. قوله: (لأن الاتصال بهذه) أي: بصفة أنه شريك في البقعة. (لدفع ضرر الجوار) أي: لدفع التأذي بسوء المجاورة على الدوام حتى لا تثبت للمستأجر والمستعير (إذ هو) أي: الجوار على الدوام مادة المضار من

стр. 6358

المَضَارٌ عَلَى مَا عُرِفَ، وَقَطْعُ هَذِهِ المَادَّةِ بِتَمَلُّكِ الأَصْلِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ فِي حَقِّهِ بِإِزْعَاجِهِ عَنْ خُطَّةِ آبَائِهِ أَقْوَى، وَضَرَرُ القِسْمَةِ مَشْرُوعٌ لَا يَصْلُحُ عِلَّةٌ لِتَحْقِيقِ ضَرَرِ غَيْرِهِ. حيث إيقاد النار، وإعلاء الجدار، ومنع ضوء النهار، وإثارة الغبار. وقوله: (وضرر القسمة مشروع) إلى آخره، جواب عن قول الشافعي: أن مؤنة القسمة تلزمه عند بيع أحد الشريكين، ومنشأ الخلاف بيننا وبينه راجع إلى معنيين: فعندنا: المعنى المؤثر لثبوت الشفعة اتصال الملك؛ ليدفع الشفيع بثبوت حق الشفعة سوء ضرر الجوار، سواء كان ذلك الاتصال في نفس المبيع أو حقه أو بالجار الملاصق. وعنده: المعنى المؤثر لزوم مؤنة القسمة، وعن هذا قال: لا يثبت فيما لا يحتمل القسمة، وكذا في الجار؛ لأنه لا قسمة هناك، وكذا في المنقولات؛ لأنه يتمكن من دفع مؤنة القسمة ببيع نصيبه، والبيع والشراء في المنقول معتاد بخلاف العقار، ولما كان كذلك بقي الشأن في الترجيح. فقلنا: ما ذكرنا معنى فيه؛ لأنه يبقى بينهما منازعة دائمة، فلو قال الخصم: يمكن دفع ضرر الجار بالمرافعة إلى السلطان. قلنا: ذاك ضرر أشد من السكوت والتصبر؛ لأنه يحتاج إلى المرافعة، وربما لا يندفع بها؛ فتبقى السخيمة الزائدة، وما ذكر من ضرر القسمة ليس بضرر؛ لأنه حق مستحق عليه شرعًا، وإبقاء المستحق لا يعد من الأضرار (١) على أن مثل هذا الضرر يتحقق في المنقول المشترك، فكان ضرر مؤنة القسمة مشروعًا. أما ملك مال الغير بغير رضاه غير مشروع؛ فلا يحتمل غير المشروع لدفع المشروع، فعلم أن المؤثر في الأصل دفع ضرر الجوار، إليه أشار في المبسوط، والإيضاح.

стр. 6359

وَأَمَّا التَّرْتِيبُ: فَلِقَوْلِهِ ﵊: «الشَّرِيكُ أَحَقُّ مِنْ الخَلِيطِ، وَالخَلِيطُ أَحَقُّ مِنْ الشَّفِيعِ» فَالشَّرِيكُ فِي نَفْسِ المَبِيعِ، وَالخَلِيطُ فِي حُقُوقِ المَبِيعِ وَالشَّفِيعُ هُوَ الجَارُ. وَلِأَنَّ الاتِّصَالَ بِالشَّرِكَةِ فِي المَبِيعِ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ فِي كُلِّ جُزْءٍ، وَبَعْدَهُ الاتِّصَالُ فِي الحُقُوقِ؛ لِأَنَّهُ شَرِكَةٌ فِي مَرَافِقِ المِلْكِ، وَالتَّرْجِيحُ يَتَحَقَّقُ بِقُوَّةِ السَّبَبِ، وَلِأَنَّ ضَرَرَ القِسْمَةِ إِنْ لَمْ يَصْلُحْ عِلَّةً صَلَحَ مُرَجِّحًا. قَالَ: (وَلَيْسَ لِلشَّرِيكِ فِي الطَّرِيقِ وَالشِّرْبِ وَالجَارِ شُفْعَةٌ مَعَ الخَلِيطِ فِي الرَّقَبَةِ) لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ مُقَدَّمٌ. قَالَ: (فَإِنْ سَلَّمَ فَالشَّفْعَةُ لِلشَّرِيكِ فِي الطَّرِيقِ، فَإِنْ سَلَّمَ أَخَذَهَا الجَارُ) لِمَا بَيَّنَّا مِنْ التَّرْتِيبِ، وَالمُرَادُ بِهَذَا الجَارُ: المُلَاصِقُ، وَهُوَ الَّذِي عَلَى ظَهْرِ الدَّارِ المَشْفُوعَةِ وَبَابُهُ فِي سِكَّةٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ مَعَ وُجُودِ الشَّرِيكِ فِي الرَّقَبَةِ لَا شُفْعَةَ لِغَيْرِهِ سَلَّمَ أَوْ اسْتَوْفَى؛ لِأَنَّهُمْ مَحْجُوبُونَ بِهِ. وَوَجْهُ الظَّاهِرِ: أَنَّ السَّبَبَ تَقَرَّرَ فِي حَقِّ الكُلِّ، إِلَّا أَنَّ لِلشَّرِيكِ حَقَّ التَّقَدُّم، فَإِذَا سَلَّمَ كَانَ لِمَنْ يَلِيهِ بِمَنْزِلَةِ دَيْنِ الصِّحَّةِ مَعَ دَيْنِ المَرَضِ، وَالشَّرِيكُ فِي المَبِيعِ قَدْ قوله: (لأنه) أي: الاتصال بالشركة (في كل جزء). (وبعده) أي: بعد الاتصال بالشركة؛ لأنه لم يكن في كل جزء من المبيع الذي هو المقصود بل في مرافقه وتوابعه، فكان دون الأول؛ فتأخر عنه، ولأن ضرر القسمة إن لم يصلح علة عندنا، خلافا للشافعي يصلح مرجحا، إذ الترجيح يقع بما لا يكون عليه الاستحقاق، كما في الأخ لأب وأم مع الأخ لأب، إذ العصوبة لا تثبت مع قرابة الأم. قوله: (ووجه الظاهر) أي: ظاهر الرواية أن السبب وهو الاتصال تقرير في حق الكل، ولهذا قلنا: يجب للجار أن يطلب الشفعة مع الشريك إذا علم بالبيع؛ حتى يتمكن من الأخذ إذا سلم الشريك حتى لو لم يطلب بعد علمه بالبيع لا حق له بعد تسليم الشريك الشفعة، ذكره في المبسوط. قوله: (مع دَيْنِ المرض) أي: الذي غير معروفة الأسباب، إذ معروفة

стр. 6360

يَكُونُ فِي بَعْضٍ مِنهَا، كَمَا فِي مَنْزِلٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الدَّارِ أَوْ جِدَارٍ مُعَيَّنِ مِنهَا، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الجَارِ فِي المَنْزِلِ، وَكَذَا عَلَى الجَارِ فِي بَقِيَّةِ الدَّارِ فِي أَصَحُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ اتِّصَالَهُ أَقْوَى وَالبُقْعَةَ وَاحِدَةٌ. ثُمَّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ أَوْ الشِّرْبُ خَاصًا حَتَّى تَسْتَحِقَّ الشَّفْعَةُ بِالشَّرِكَةِ فِيهِ، فَالطَّرِيقُ الخَاصُّ أَنْ لَا يَكُونَ نَافِذًا، وَالشَّرْبُ الخَاصُ أَنْ يَكُونَ نَهْرًا لَا تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ، الأسباب المرض مع دينِ الصحة سواء، وقد مر في الإقرار. قوله: (أو جدار معين منها) أي: من الدار أي: الجدار مع أرضه مقدم على الجار والمنزل. صورته: أرض بينهما غير مقسومة، فبنيا حائيًا في وسطها، ثم اقتسما الباقي، فيكون الحائط وما تحته مشتركًا بينهما، فكان هذا الجار شريكا في بعض المبيع؛ فيكون مقدمًا على الشريك. أما لو اقتسما الأرض قبل بناء الحائط وخطا خطا في وسطها، ثم أعطى كل واحد شيئًا حتى بنيا حائطا، فكل واحد صار لصاحبه في الأرض شريكا في البناء لا غير لا يوجب الشفعة، كذا في الذخيرة، والمغني. (وكذا على الجار في بقية الدار) يعني الشريك مع أرضه مقدم على الجار في بقية الدار. في الذخيرة: والمعنى ذكره القدوري أن الشريك في الأرض التي تحت الحائط يستحق الشفعة في كل المبيع عند محمد، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف، فيكون مقدمًا على الجار في كل المبيع، وفي رواية عن أبي يوسف يستحق الشفعة في الحائط بحكم الشركة، وفي الباقي بحكم الجوار، فيكون ذلك مع جار آخر بينهما. قوله: (لا تجري فيه السفن) قال عبد الواحد أراد السفن الصغير مثل الزورق، حتى لو كان نهرًا كبيرًا يجري فيه الزورق فالجار أحق؛ لأن هؤلاء

стр. 6361

وَمَا تَجْرِي فِيهِ فَهُوَ عَامٌ. وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ الخَاصَّ أَنْ يَكُونَ نَهْرًا يُسْقَى مِنْهُ قَرَاحَانِ، أَوْ ثَلَاثَةٌ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ عَامٌ، وَإِنْ كَانَتْ سِكَةٌ غَيْرَ نَافِئَةٍ يَتَشَعَّبُ مِنهَا سِكَةٌ غَيْرُ نَافِذَةٍ، وَهِيَ مُسْتَطِيلَةٌ فَبِيعَتْ دَارٌ فِي السُّفْلَى فَلِأَهْلِهَا الشَّفْعَةُ خَاصَّةٌ دُونَ أَهْلِ العُلْيَا، وَإِنْ بِيعَتْ لِلْعُلْيَا فَلِأَهْلِ السِّكَتَيْنِ، وَالمَعْنَى مَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ أَدَبِ القَاضِي. وَلَوْ كَانَ نَهْرٌ صَغِيرٌ يَأْخُذُ مِنهُ نَهْرٌ أَصْغَرُ مِنْهُ فَهُوَ عَلَى قِيَاسِ الطَّرِيقِ فِيمَا بَيَّنَّاهُ. قَالَ: (وَلَا يَكُونُ الرَّجُلُ بِالجُذُوعِ عَلَى الحَائِطِ شَفِيعَ شَرِكَةٍ، وَلَكِنَّهُ شَفِيعُ جوار)؛ ليس بشركاء في الشرب، ذكره في المبسوط (١). وفي الذخيرة: النهر الكبير من يشرب منه لا يحصون، واختلفوا في حد ما لا يحصى وما يحصى، قيل: ما لا يحصى خمسمائة، وقيل: أربعون، وقيل: مائة، وقيل: أصح ما قيل أنه مفوض إلى رأي كل مجتهد في زمانه، إن رآهم كبيرا كان كبيرا وإلا كان صغيرًا. القَرَاحُ من الأرض: كل قطعة ليس فيها شجر ولا شائبة سَبْخ، وقد يجمع على أقرحة، كمكان وأمكنة، كذا في المغرب. (وهي) أي: السكة الصغيرة النافذة (مستطيلة). (فبيعت دار في السفلى) أي: في المتشعبة (فلأهلها) أي: لأهل المُتَشَعبة لا لأهل العليا؛ لأنه لا شركة لهم فيها ولا حق المرور، ولهذا ليس لهم أن يفتحوا بابًا فيها، وكانت كالمملوكة لأهلها، وقد مرت صورته في مسائل شتى من كتاب القضاء. قوله: (ولأهل السكتين) لأن أهل السفلى حَقَّ المرور فيها. قوله: (فهو على قياس الطريق) يعني لو بيع أرض متصلة بالنهر الأصغر فالشفعة لأهله لا لأهل الصغير، كما ذكرنا الحكم في السكة المتشعبة مع السكة المستطيلة، كذا ذكره في الذخيرة.

стр. 6362

لِأَنَّ العِلَّةَ هِيَ الشَّرِكَةُ فِي العَقَارِ وَبِوَضْعِ الجُذُوعِ لَا يَصِيرُ شَرِيكًا فِي الدَّارِ، إِلَّا أَنَّهُ جَارٌ مُلَازِقٌ. قَالَ: (وَالشَّرِيكُ فِي الخَشَبَةِ تَكُونُ عَلَى حَائِطِ الدَّارِ جَارُ) لِمَا بَيَّنَّا . قَالَ: (وَإِذَا اجْتَمَعَ الشُّفَعَاءُ، فَالشَّفْعَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِ رُؤُوسِهِمْ، وَلَا يُعْتَبَرُ اخْتِلَافُ الأَمْلَاكِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هِيَ عَلَى مَقَادِيرِ الأَنْصِبَاءِ؛ لِأَنَّ الشَّفْعَةَ مِنْ مَرَافِقِ المِلْكِ؛ قوله: (والشريك في الخشبة تكون على حائط الدار)، وبالفارسية يقال: (شر شيح). تأويله: إذا كان حق وضع الخشبة على الحائط من غير أن يملك شيئًا من رقبة الحائط؛ لأنه إذا كان هكذا فله حق الشغل لا غير؛ فكان جارا لا شريكا. وقوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله: (لأن العلة هي الشركة في العقار). قوله: (وقال الشافعي: هي) أي: الشفعة (على مقادير الأنصباء) وهو قول منه. وفي شرح الوجيز وهو الأصح، وبه قال مالك، وأحمد في المشهور منه، وقال الشافعي في قول، وأحمد في رواية: فالشفعة على عدد الرؤوس كقولنا، واختاره المزني، وابن عقيل من أصحاب أحمد، وهو قول الشعبي، والنخعي، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة. صورة المسألة: دار بين ثلاثة، لأحدهم نصفها، ولآخر سدسها، ولآخر ثلثها، فباع صاحب النصف نصيبه، فالشفعة بينهما أثلاثا عند الشافعي بقدر ملكهما، ولو باع صاحب السدس كان بينهما أخماسًا عنده، ولو باع صاحب الثلث كان بينهما أرباعًا عنده، وعندنا بينهما أنصافا في الكل. قوله: (من مرافق الملك) أي: فوائده؛ لأنه يستفاد به؛ فيكون على قدر الملك كالولد، واللبن والثمرة والربح والغلة في الملك المشترك، ويشكل على هذا ثلاث مسائل: أحدها (١): ما لو أعتق اثنان نصيبهما في عبد مشترك بين ثلاثة على التفاوت، فالمعتقان إذا كانا موسرين يغرمان نصيب الثالث بالسوية.

стр. 6363

أَلَا يَرَى أَنَّهَا لِتَكْمِيلِ مَنْفَعَتِهِ فَأَشْبَهَ الرِّبْحَ، وَالغَلَّةَ، وَالوَلَدَ، وَالثَّمَرَةَ. وَلَنَا: أَنَّهُمْ اسْتَوَوْا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَهُوَ الاتِّصَالُ، فَيَسْتَوُونَ فِي الاسْتِحْقَاقِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ انْفَرَدَ وَاحِدٌ مِنهُمْ اسْتَحَقَّ كُلَّ الشُّفْعَةِ. وَهَذَا آيَةٌ كَمَالِ السَّبَبِ وَكَثْرَةُ الاتِّصَالِ تُؤْذِنُ بِكَثْرَةِ العِلَّةِ، وَالتَّرْجِيحُ بِقُوَّةِ الدَّلِيلِ لَا بِكَثْرَتِهِ، وَلَا قُوَّةَ هَاهُنَا لِظُهُورِ الْأُخْرَى والثانية: لو مات مالك الدار عن اثنين، ثم مات أحدهما وله ابنان، ثم باع أحد الابنين نصيبه، فالأخ والعم في الشفعة سواء مع تفاوت حصصهما. والثالثة: إذا مات الشفيع قبل أن يأخذ لورثة الشفيع أن يأخذوا ما كان يأخذه أبوهم على العدد امرأته وابنه في ذلك سواء. وبهذه المسائل رجح المزني القول الثاني، وهو قولنا فأجابوا عن مسألة العتق بأنه على القولين، ولو سلم أنه قول واحد فالفرق أن ذلك ضمان إتلاف، لا فائدة ملك حتى يتقدر بقدره، وفيه ضعف. وعن المسألة الثانية: أن للشافعي قولين في القديم، وبه قال مالك. الأخ يختص بالشفعة؛ لأن ملكه أقرب إلى ملك الأخ، وفي الجديد: وقول أبي حنيفة، وأحمد والمزني: أن العم والأخ يشتركان نظرا للملك لا إلى سبب الملك؛ لأن الضرر المحوج إلى إثبات الشفعة لا يختلف، وفيه ضعف كما ترى. وعن الثالثة: أن فيها قولين، وعلى قول الاستواء أن الأصل الاستحقاق باعتبار الإرث، وفي هذا لا يختلف كذا في شرح الوجيز، وفي الكل ضعف كما ترى. قوله: (وهذا آية كمال السبب) لأنه علم أن نفس الملك علة تامة لا قَدْرُهُ. قوله: (والترجيح بقوة الدليل لا بكثرته) أي: بكثرة الدليل كما في الشهود، وكثرة الجراحات، وكثرة الأقيسة. (ولا قوة [هاهنا] (١)) أي: لم يظهر الترجيح في مسألتنا؛ إذ لو ظهر لكان

стр. 6364

بِمُقَابِلَتِهِ وَتَمَلُّكُ مِلْكِ غَيْرِهِ لَا يُجْعَلُ ثَمَرَةٌ مِنْ ثَمَرَاتِ مِلْكِهِ، بِخِلَافِ الثَّمَرَةِ المرجوح مدفوعًا بالراجح، وهاهنا لا يبطل حق صاحب القليل، فعرفنا أنه لا ترجيح في جانبه إليه أشار في المبسوط. فإن قال الشافعي: لا يلزمني ذلك لجواز أن تكون العلة الواحدة مثبتة لكمال الحكم، ولكن عند الانضمام مع أخرى يثبت استحقاق أحدهما أكثر عما ثبت عند الانفراد، كما في الرِّجَالة في الغنيمة إذا انفردوا يستحقون الغنيمة، وكذا الفرسان إذا انفردوا يستحقون الكل أيضًا، وعند الاجتماع يقسم على التفاوت. وكذا لو مات وترك بنتا وأختا أو أما فللبنت النصف، والباقي للأخت، أو للأخ بحق العصوبة. أما لو ترك بنتًا وأخا وأختا كان النصف بينهما أثلاثا فكذا هاهنا. وكذا لو كان الحائط المائل مشتركا بين اثنين أثلاثا فأشهد عليهما، ثم سقط وأصاب مالاً أو نفسًا؛ فالضمان بينهما أثلاثًا بقدر الملك، فيجب أن تكون الشفعة كذلك. قلنا: تفضيل الفارس ثبت شرعًا بخلاف القياس، مع أن الفرس بانفراده لا يصلح علة للاستحقاق فيصلح مرجحًا. أما في مسألتنا: ملك كل جزء علة تامة للاستحقاق؛ فلا يصلح مرجحًا، وأما مسألة الميراث فليس نظرنا؛ لأن نصيب الأخ والأخت عند الانضمام باعتبار أن الشرع جعل عصوبة الأنثى بالذَّكَر عِلَّةً لاستحقاق نصف ما للذكر؛ لتفاوتهما في نفس العلة لا أن العلة مرجحة بعلة أخرى؛ إذ العصوبة بالأخ غير العصوبة بالبنت، فإذا جاءت العصوبة بالأخ زالت العصوبة بالبنت، والعصوبة بالأخ متفاوتة شرعًا؛ فلم يكن من قبيل ترجيح العلة بالعلة. وأما مسألة الحائط فقلنا: إن مات بجرح الحائط فالضمان عليهما نصفان؛ لاستوائهما في العلة، وإن مات بثقل الحائط فالضمان عليهما أثلاثا؛ لأن التساوي في العلة لم يوجد، إذ ثقل نصيب صاحب القليل لا يكون كثقل نصيب صاحب الكبير؛ فكان هذا راجعًا إلى ما يتولد من الملك كالولد، والثمرة،

стр. 6365

وَأَشْبَاهِهَا، وَلَوْ أَسْقَطَ بَعْضُهُمْ حَقَّهُ فَهِيَ لِلْبَاقِينَ فِي الكُلِّ عَلَى عَدَدِهِمْ؛ لِأَنَّ الانْتِقَاصَ لِلْمُزَاحَمَةِ مَعَ كَمَالِ السَّبَبِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَقَدْ انْقَطَعَتْ. وَلَوْ كَان البَعْضُ غُيَّبًا يَقْضِي بِهَا بَيْنَ الحُضُورِ عَلَى عَدَدِهِمْ؛ لِأَنَّ الغَائِبَ لَعَلَّهُ لَا يَطْلُبُ، وَإِنْ والشفعة ليست من ثمرات الملك؛ لأن تملك ملك غيره لا يكون من ثمرات ملكه؛ لأنه يحصل باختياره والثمرة تحصل بدون اختياره، إليه أشار في المبسوط، والأسرار، والإيضاح. قوله: (في الكل على عددهم) عندنا، وعند الأئمة الثلاثة: على قدر ملكهم. أما أن يريد أن يأخذ حصته دون حصة الباقي ليس له ذلك بإجماع العلماء؛ لأن في ذلك تفريق الصفقة والإضرار بالمشتري في تنقيص الملك عليه، وهذا الذي ذكرنا قبل القضاء حتى لو قضى القاضي بالشفعة لأحدهما، ثم سلّم أحدهما نصيبه، لم يجز للآخر أن يأخذ الجميع؛ لأنه لما قضى بالدار بينهما بالشفعة صار كل واحد منهما مقضيا عليه من جهة صاحبه فيما قضى به لصاحبه، فبطل حق شفعته فيما قضى لصاحبه ضرورة. وهكذا إذا قضى للخليط، ثم سلّم الشفعة لم يكن للشريك في المرافق أن يأخذ بالشفعة؛ لبطلان حقه الضعيف بالقضاء، وكذا لو قضى للشريك في المرافق ثم سلّم، لم يكن للجار أن يأخذ لما ذكرنا، ذكره في المبسوط. قوله: (لأن الغائب لعله لا يطلب) وحق الحاضر ثابت في كل الدار بصفة التأكد؛ لأن تأكد الشفعة بالطلب وقد وجد، وحق الغائب لم يتأكد؛ فكان مشكوكًا فيه؛ فلا يؤخر الحق المتأكد لأجله. وفي المبسوط، والذخيرة: شفيعان أحدهما حاضر والآخر غائب، وقضى للحاضر بكل الدار فللغائب أن يأخذ نصفه، ولو جعل بعض الشفعاء لآخر، لم يصح الجعل وسقط حقه، وقسمت على عدد من بقي، وإن قال الذي قضي له بالشفعة لآخر: أنا أُسلّم لك الكل، فإما أن يأخذ الكل أو يدع، فليس له ذلك. وللثاني أن يأخذ النصف، ولو كان الحاضر لم يحضرها بالشفعة، ولكن اشتراها من المشتري فحضر الغائب إن شاء أخذ كلها بالبيع الأول أو بالبيع

стр. 6366

قَضَى لِحَاضِرِ بِالجَمِيعِ، ثُمَّ حَضَرَ آخَرُ، يَقْضِي لَهُ بِالنِّصْفِ، وَلَوْ حَضَرَ ثَالِثُ فَبِثُلُثِ مَا فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ تَحْقِيقًا لِلتَّسْوِيَةِ، فَلَوْ سَلَّمَ الحَاضِرَ بَعْدَمَا قَضَى لَهُ بِالجَمِيعِ لَا يَأْخُذُ القَادِمُ إِلَّا النِّصْفَ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ القَاضِي بِالكُلِّ لِلْحَاضِرِ يَقْطَعُ حَقَّ الغَائِبِ عَنْ النِّصْفِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ القَضَاءِ. قَالَ: (وَالشَّفْعَةُ تَجِبُ بِعَقْدِ البَيْعِ) وَمَعْنَاهُ: بَعْدَهُ، لَا أَنَّهُ هُوَ السَّبَبُ؛ لِأَنَّ سَبَبَهَا الاتِّصَالُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَالوَجْهُ فِيهِ: أَنَّ الشَّفْعَةَ إِنَّمَا تَجِبُ إِذَا رَغِبَ البَائِعُ عَنْ مِلْكِ الدَّارِ، الثاني؛ لأن الحاضر أسقط حقه بالإقدام على الشراء، وخرج من البين، ولو كان المشتري الأول شفيعًا أيضًا فاشتراها شفيع حاضر أيضًا منه فحضر الغائب، إن شاء أخذ نصف الدار بالبيع الأول، وإن شاء أخذ الكل بالبيع الثاني؛ لأن المشتري الأول لم يثبت له حق قبل الشراء حتى يكون بشرائه معرضًا عنه، فبقي هو شفيعًا في البيع الأول؛ فلا يكون للغائب بالبيع الأول إلا النصف. أما العقد الثاني فقد ثبت للشفيع الحاضر حق الشفعة بسبب البيع الأول، وقد أسقطه بالإقدام على الشراء، فللغائب أن يأخذ كله بالبيع الثاني. قوله: (والشفعة تجب بالعقد معناه بعده) إلى آخره، وفي النهاية هذا التأويل والتعليل مخالف لعامة روايات الكتب من المبسوط، والذخيرة، والمغني، وغيرها لما أنها صرح بأن سبب وجوبها البيع والشراء، وفساد تأويل الكتاب ظاهر؛ لما أن سبب ثبوتها لو كان الاتصال ينبغي أن لو سلم الشفعة قبل البيع تبطل شفعته، ولم تبطل بالإجماع. وقد صرح في المبسوط أنه إسقاط قبل السبب قيل في جوابه: هذا لا يلزم على الشيخ؛ لأنه قال: يثبت بعده وأنكر سببية الاتصال قبل وجود الشرط، وهو العقد؛ لأن الشرط يمنع السبب عندنا عن الاتصال بالمحل؛ فيسلم الشفعة قبل العقد ككفارة اليمين قبل الحنث، فلا يجوز؛ لأن العقد سبب. وقوله: (على ما بينا) إشارة إلى قوله: (استووا في سبب الاستحقاق وهو

стр. 6367

وَالبَيْعُ يُعَرِّفُهَا، وَلِهَذَا يُكْتَفَى بِثُبُوتِ البَيْعِ فِي حَقِّهِ حَتَّى يَأْخُذَهَا الشَّفِيعُ إِذَا أَقَرَّ البَائِعُ بِالبَيْعِ وَإِنْ كَانَ المُشْتَرِي يُكَذِّبُهُ، قَالَ: (وَتَسْتَقِرُّ … بِالإِشْهَادِ، وَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِ المُوَاثَبَةِ) لِأَنَّهُ حَقٌّ ضَعِيفٌ يَبْطُلُ بِالإِعْرَاضِ، فَلَا بُدَّ مِنْ الإِشْهَادِ وَالطَّلَبِ، لِيُعْلَمَ بِذَلِكَ رَغْبَتُهُ فِيهِ دُونَ إِعْرَاضِهِ عَنْهُ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتِ طَلَبِهِ عِنْدَ القَاضِي وَلَا يُمْكِنُهُ إِلَّا بِالإِشْهَادِ، قَالَ: (وَتُمْلَكُ … بِالأَخْذِ إِذَا سَلَّمَهَا المُشْتَرِي، أَوْ حَكَمَ بِهَا الحَاكِمُ)؛ لِأَنَّ المِلْكَ لِلْمُشْتَرِي قَدْ تَمَّ، فَلَا يَنْتَقِلُ إِلَى الشَّفِيعِ إِلَّا بِالتَّرَاضِي، أَوْ قَضَاءِ القَاضِي كَمَا فِي الرُّجُوعِ وَالهِبَةِ. وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ هَذَا: فِيمَا إِذَا مَاتَ الشَّفِيعُ بَعْدَ الطَّلَبَيْنِ وَبَاعَ دَارَهُ المُسْتَحَقَّ بِهَا الشَّفْعَةُ، أَوْ بِيعَتْ دَارٌ بِجَنْبِ الدَّارِ المَشْفُوعَةِ قَبْلَ حُكْمِ الحَاكِمِ، أَوْ تَسْلِيمِ المُخَاصِمِ لَا تُوَرَّثُ عَنْهُ فِي الصُّورَةِ الأُولَى، وَتَبْطُلُ شُفْعَتُهُ فِي الثَّانِيَةِ، وَلَا يَسْتَحِقُهَا فِي الثَّالِثَةِ، لِانْعِدَامِ المِلْكِ لَهُ ثُمَّ قَوْلُهُ: «تَجِبُ بِعَقْدِ البَيْعِ» بَيَانٌ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إِلَّا عِنْدَ مُعَارَضَةِ المَالِ بِالمَالِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. بَابُ طَلَبِ الشَّفْعَةِ وَالخُصُومَةِ فِيهَا الاتصال) (١)، (والبيع يعرفها) أي: رغبة البائع عنه. قوله: (حق ضعيف يبطل بالإعراض)، قال ﷺ : «الشَّفَعَةُ كَحَلَّ العُقَالِ إِنْ قَيدُ ثَبَتَ»، وهو كناية عن سرعة سقوطه. قوله: (أو قضاء القاضي) في الذخيرة للشفيع أن يمتنع من الأخذ، وإن بدل المشتري له حتى يقضي القاضي؛ لأن في القضاء زيادة فائدة، وهي معرفة القاضي سبب ملكه وعلمه بمنزلة شهادة شاهدين، وكان الأخذ بالقضاء أحوط. قوله: (وتظهر فائدة هذا) وهو توقف الملك في المشفوعة إلى التراضي أو القضاء بعد الطلبين. والله أعلم. بَابُ طَلَبِ الشَّفْعَةِ وَالْخُصُومَةِ فِيهَا لما لم تثبت الشفعة بدون الطلب شرع في بيانه وكيفيته وتقسيمه.

стр. 6368

قَالَ: (وَإِذَا عَلِمَ الشَّفِيعُ بِالبَيْعِ، أَشْهَدَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ عَلَى المُطَالَبَةِ) اعْلَمْ أَنَّ الطَّلَبَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهِ: طَلَبُ المُوَاثَبَةِ، وَهُوَ أَنْ يَطْلُبَهَا كَمَا عَلِمَ، حَتَّى لَوْ بَلَغَ الشَّفِيعُ البَيْعَ وَلَمْ يَطْلُبْ شُفْعَةٌ بَطَلَتْ الشُّفْعَةُ، لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ قوله: (طلب المواثبة) سُمِّي به تبركا بلفظ الحديث، قال ﷺ : «الشَّفعةُ لِمَنْ واتبها»، أي: طَلَبَها على وجه السرعة والمبادرة، وهي مفاعلة من الوثوب على الاستعارة؛ لأن من يثب يسرع في طي الأرض بمشيه. (وهو) أي: طلب المواثبة أن يطلبها كما علم، سواء كان عنده أحد أو لا. وفي شرح الأقطع: وإنما يفعل ذلك وإن لم يكن عنده أحد؛ لئلا يسقط حقه ديانة. وفي المبسوط: لكي يتمكن من الحلف إذا حلَّفه المشتري. وفي المغني: لو علم البيع فسكت لا تبطل شفعته حتى يعلم المشترى أو الثمن ثم يترك هذا الطلب تبطل شفعته عندنا، والشافعي في الجديد، وأحمد على المنصوص منه، وابن شبرمة والبتي، والأوزاعي، والعنبري. وعن أحمد في رواية الشفعة على التراخي فلا تسقط ما لم يوجد منه دليل على الرضا بالسقوط من عفو ومطالبة بقسمة، وهو قول مالك، والشافعي في قول، وابن أبي ليلى، والثوري، إلا أن مالكًا قال: تنقطع بمضي سنة، وعنه: بمضي مدة تُعلِمُ أنه تارك لها، وعنه: بمضي أربعة أشهر؛ لأن الشفعة حق ثابت فلم يسقط بالتأخر كحق القصاص، ولا ضرر له في تراخيه، ولا عدم النفع للمشتري؛ لأنه يستغل المبيع ولو أحدث فيه عمارة من غراس وبناء فله قيمته. وقدَّر ابن أبي ليلى، والثوري أن الخيار مقدر بثلاثة أيام، وهو أحد أقوال الشافعي؛ لأن الثلاث صلحت حدا لمدة خيار الشرط، فصلحت لهذا الخيار أيضًا؛ لأن الشفيع يحتاج إلى النظر والتأمل أنه ينتفع بجوار هذا المشتري، فلا يطلب الشفعة، أو يتضرر فيطلب، فصار كخيار الشرط. ولنا ما روى [ابن] (١) البيلماني عن أبيه عن عمر أنه ﷺ قال: «الشَّفَعَةُ كَحَل

стр. 6369

وَالسَّلَامُ: الشَّفْعَةُ لِمَنْ وَاثَبَهَا وَلَوْ أُخْبِرَ بِكِتَابٍ وَالشَّفْعَةُ فِي أَوَّلِهِ، أَوْ فِي وَسَطِهِ، فَقَرَأَ الكِتَابَ إِلَى آخِرِهِ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ وَعَلَى هَذَا عَامَّةُ المَشَايِخِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ. وَعَنْهُ: أَنَّ لَهُ مَجْلِسَ العِلْمِ، وَالرِّوَايَتَانِ فِي النَّوَادِرِ. وَبِالثَّانِيَةِ أَخَذَ الكَرْخِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ لَهُ خِيَارُ التَّمَلُّكِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ زَمَانِ التَّأَمُّلِ كَمَا فِي المُخَيَّرَةِ، وَلَوْ قَالَ بَعْدَمَا بَلَغَهُ البَيْعُ الحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ» أَوْ قَالَ «سُبْحَانَ اللَّهِ» لَا العُقال» وفي رواية (كنَشْطِ العُقالِ إِنْ قُيِّدَتْ ثَبَتَتْ وإِن تُرِكَتْ فَاللُّومُ عَلَى مَنْ تَرَكَها) وروى الفقهاء في كتبهم أنه عليه الصلاة السلام قال «الشفعةُ لِمَنْ واثَبَها». ولأنه خيار لدفع الضرر عن المال فكان على الفور كخيار الرد بالعيب، ولأن السكوت عن الطلب بعد العلم بالعقد دليل الرضى بمجاورة المشتري، ودليل الرضى كصريحه إذ لو [لم] (١) يجعل سكوته دليل الرضى لتضرر المشتري على تقدير التصرف فيه اعتمادًا على سكوته، كذا في المبسوط. قوله: (وهو رواية عن محمد)، وفي المحيط: وهي رواية مشهورة صحيحة، وعليه عامة المشايخ، وبه قال الشافعي في الأصح، وأحمد في المنصوص. قوله: (كما في المخيرة)، فإن لها الخيار ما دامت في مجلسها، والجامع حاجة الرأي والتأمل، ولأن الشرع أوجب له حق التملك ببدل، ولو أوجب البائع له ذلك بإيجاب البيع كان له خيار القبول ما دام في مجلسه، فهذا مثله. (ولو قال بعدما بلغه الخبر: الحمد لله) أي: على رواية الكرخي: (لو قال بعد البيع: الحمد لله) إلى آخره، يعني هذه الألفاظ لا تدل على الإعراض؛ لأن الأول حمد على الخلاص من سواء جوار البائع مع الأمن من ضرر الدخيل بالشفعة، والثاني تعجب منه لقصد إضراره، والثالث لافتتاح كلامه كما هو عرف بعض الناس، فإنهم يفتتحون كلامهم بسبحان الله. وكذا إذا قال: من ابتاعها؟ وبكم بيعت؟ فليس بإعراض؛ لأنه قد يرضى

стр. 6370

تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّ الأَوَّلَ: حَمْدٌ عَلَى الخَلَاصِ مِنْ جِوَارِهِ وَالثَّانِيَ: تَعَجَّبُ مِنهُ لِقَصْدِ إِضْرَارِهِ، وَالثَّالِثَ: لِافْتِتَاحِ كَلَامِهِ فَلَا يَدُلُّ شَيْءٌ مِنْهُ عَلَى الإِعْرَاضِ، وَكَذَا إِذَا قَالَ مَنْ ابْتَاعَهَا: وَبِكُمْ بِيعَتْ؛ لِأَنَّهُ يَرْغَبُ فِيهَا بِثَمَن دُونَ ثَمَنٍ وَيَرْغَبُ عَنْ مُجَاوَرَةِ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وَالمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي الكِتَابِ: أَشْهَدُ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ عَلَى المُطَالَبَةِ طَلَبَ المُوَاثَبَةِ، وَالإِشْهَادُ فِيهِ لَيْسَ بِلَازِمٍ، إِنَّمَا هُوَ لِنَفْيِ التَّجَاحُدِ وَالتَّقْبِيدُ بِالمَجْلِسِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا اخْتَارَهُ الكَرْخِيُّ. وَيَصِحُ الطَّلَبُ بِكُلِّ لَفْظ يُفْهَمُ مِنهُ طَلَبُ الشَّفْعَةِ، كَمَا لَوْ قَالَ: طَلَبْتِ الشَّفْعَةَ، أَوْ أَطْلُبُهَا، أَوْ أَنَا طَالِبُهَا؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ لِلْمَعْنَى، بمجاورة إنسان دون غيره، وقد يصلح له بثمن دون ثمن، فكان التعرف عن هذا تحقيقا للطلب لا إعراضا. قوله: (والإشهاد فيه) أي: في طلب المواثبة (ليس بلازم) لأن طلب المواثبة ليس لإثبات الحق، وإنما شرط هذا الطلب ليعلم أنه غير معرض عن الشفعة، حتى يمكنه الحلف حين طلب المشتري حلفه أنه طلبها كما سمع. وفي الذخيرة: وإنما ذكر أصحابنا الإشهاد عند الطلب لا لأنه شرط صحة هذا الطلب، بل لاعتبار ثبوته على المشتري عند إنكاره الطلب. كما قالوا: إذا وهب لابنه الصغير وأشهد على ذلك فما ذكروا الإشهاد لصحة الهبة، بل لإثباتها عند إنكار الأب، وكما ذكروا الإشهاد في الحائط المائل على طريق الاحتياط لا لأنه شرط صحة التفريع. قوله: (لأن الاعتبار للمعنى)، إذ في العرف يراد بهذه الألفاظ الطلب للحال لا الخبر عن أمر خاص مستقبل، حتى قال الفضلي: إذا سمع الرستاقي [بيع] (١) أرض بجنب أرض وقال: شفعة شفعة كان ذلك منه طلبًا كذا في الذخيرة. وفي المغني: قيل: لو قال طلبت الشفعة وأخذتها بطلت شفعته؛ لأن كلامه

стр. 6371

وَإِذَا بَلَغَ الشَّفِيعُ بَيْعَ الدَّارِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الإِشْهَادُ حَتَّى يُخْبِرَهُ رَجُلَانِ، أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، أَوْ وَاحِدٌ عَدْلٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُشْهِدَ إِذَا أَخْبَرَهُ وَاحِدٌ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا صَبِيًّا كَانَ أَوْ امْرَأَةً إِذَا كَانَ الخَبَرُ حَقًّا (*). وقع كذبًا في الابتداء، فصار كالسكوت، والصحيح أنه طلب ولا تبطل به الشفعة؛ لأنها كالإنشاء عرفًا كما في: بعت واشتريت. وفي المحيط: ولو قال: طلبت الشفعة وأطلبها بطلت شفعته، وكذا لو قال: الشفعة لي أطلبها، تبطل. ولو قال للمشتري: أنا شفيعك وآخذ الدار منك تبطل شفعته، ولو كان المشتري واقفًا مع أبيه فسلّم قبل الطلب، إن سلم على الأب تبطل، وإن سلم على الابن لا. ولو قال المشتري بالفارسية: (شفعت خواتيم) بطلت شفعته، ولو قال للمشتري: بارك الله في صفقتك، أو دعا له بالمغفرة بعد السلام عليه قبل الطلب تبطل شفعته، وقال الشافعي: لا تبطل؛ لأن ذلك من تتمة السلام. قلنا: كلام بلا ضرورة ولا عرف فيه فتبطل شفعته. وفي فتاوى قاضي خان: لو أدركت الصغيرة وثبت لها خيار البلوغ والشفعة فلو قدمت أحدهما يبطل الآخر، فالحيلة أن تقول: طلبت حقين في الشفعة والخيار، وكذا لو زعم الشفيع أن رقبة الدار المبيعة له، ويخاف أنه لو ادعى رقبته تبطل شفعته؛ لأن مالك الدار لا يكون شفيعًا، وإن ادعى الشفعة لا يمكنه دعوى الدار بعده. قالوا: الحيلة أن يقول هذه الدار لي، وأنا أدعي رقبتها، فإن وصَلْتُ إليها وإلا فأنا على شفعتي فيها؛ لأن هذه الجملة كلام واحد فلم يتحقق منه السكوت عن طلب الشفعة. قوله: (وواحد عدل عند أبي حنيفة)، وبه قال الشافعي في وجه، وأحمد في رواية، والمستور كالعدل عند أبي حنيفة، وزفر، وأحمد في رواية، والمرأة في ذلك كالرجل، والحر كالعبد، وبه قال أحمد.

стр. 6372

وَأَصْلُ الاخْتِلَافِ فِي عَزْلِ الوَكِيلِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِدَلَائِلِهِ، وَأَخَوَاتِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا بِخِلَافِ المُخَيَّرَةِ إِذَا أَخْبَرَتْ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِلْزَامُ حُكْمِ، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا أَخْبَرَهُ المُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ خَصْمٌ فِيهِ وَالعَدَالَةُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي الخُصُومِ وَالثَّانِي: طَلَبُ التَّقْرِيرِ وَالإِشْهَادِ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ لِإِثْبَاتِهِ عِنْدَ القَاضِي عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَلَا يُمْكِنُهُ الإِشْهَادُ ظَاهِرًا عَلَى طَلَبِ المُوَاثَبَةِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى فَوْرِ العِلْمِ بِالشِّرَاءِ فَيَحْتَاجُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى طَلَبِ الإِشْهَادِ وَالتَّقْرِيرِ، وَبَيَانُهُ مَا قَالَ فِي الكِتَابِ (ثُمَّ يَنْهَضُ مِنْهُ) يَعْنِي: مِنْ المَجْلِسِ (وَيَشْهَدُ عَلَى البَائِعِ إِنْ كَانَ المَبِيعُ فِي يَدِهِ) مَعْنَاهُ: لَمْ يُسَلَّمْ إِلَى المُشْتَرِي وللشافعي فيه وجهان: أحدهما: كقولنا والثاني: لا يسقط بخبر المرأة والعبد، كما في خبر الفاسق والصبي، وبه قال القاضي الحنبلي. وهذا الخلاف فيما إذا لم يصدق الشفيع المخبر، أما لو صدقه فسكت تبطل شفعته بخبر كل مخبر مميز. قوله: (فيما تقدم) أي: في آخر فصل القضاء بالمواريث، وأراد بأخواته المولى إذا أخبر بجناية عبده والشفيع والبكر والمسلم الذي لم يهاجر. قوله: (بخلاف المخيرة) يعني إذا أخبر المرأة أن زوجها خيرها مخير مميز صارت مخيرة عند أبي حنيفة ﵀ سواء كان المخير عدلًا أو لا، حتى لو اختارت نفسها في مجلس الخبر يقع الطلاق وإلا فلا، ولا يشترط في المخبر [أحد] (١) شطري الشهادة. (لأنه ليس فيه) أي: خيار المخيرة إلزام حكم بل هو إبقاء ما كان على ما كان، وفي حق الشفيع إلزام حيث يلزمه ضرر سوء الجوار، وفي بعض النسخ أما في الشفعة إلزام الكف عن طلب الشفعة عند السكوت، وهذه النسخة غير مشهورة. (وبخلاف ما إذا أخبره المشتري) أي لا يشترط عنده أيضًا في المشتري أحد شطري الشهادة. قوله: (إن كان المبيع في يده) أي: في يد البائع، أما إذا لم يكن في يده.

стр. 6373

(أَوْ عَلَى المُبْتَاعِ أَوْ عِنْدَ العَقَارِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ: اسْتَقَرَّتْ شُفْعَتُهُ) وَهَذَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَصْمٌ فِيهِ؛ لِأَنَّ لِلْأَوَّلِ اليَدَ وَلِلثَّانِي المِلْكَ، وَكَذَا يَصِحُ الإِشْهَادُ عِنْدَ ذكر القدوري والناطفي: لا يصح الطلب منه؛ لأنه لم يبق له يد ولا ملك، فصار كالأجنبي. وذكر الإمام أحمد الطواوسي، والشيخ الإمام خواهر زاده: يصح استحسانًا؛ لأن الإشهاد حصل على العاقد؛ فيصح كما يصح على المشتري. قوله: (أو على المبتاع) أي: على المشتري سواء كانت الدار في يده أو لا؛ لأن الملك له، ويأخذ الشفعة منه عند العقار؛ لتعلق الحق به، فإذا فعل ذلك استقرت شفعته، ومدة هذا الطلب مقدرة بالتمكن، حتى لو لم يطلب بعد التمكن بطلت شفعته دفعًا للضرر عن المشتري؛ لأنه ربما يتصرف فيها على تقدير أنه لا يطلب الشفعة، ثم يطلب بعد زمان، فينقض تصرفاته في الدار فيتضرر، ثم إذا تأخر تعذر بأن علم في الليل فأخره إلى الصبح، أو أقيمت الصلاة، أو يخاف فوت الصلاة فأخره لا تسقط، وبه قال الشافعي، وأحمد. وفي المحيط: لو صلى بعد الظهر ركعتين لا تبطل شفعته، ولو صلى أكثر تبطل، ولو صلى بعد الجمعة أربعًا لا تبطل، ولو صلى أكثر من أربع تبطل، وكذا لو سمع في الأربع قبل الظهر فأتمها أربعا لا تبطل. وفي مبسوط شيخ الإسلام: الشفيع إنما يحتاج إلى طلب الإشهاد بعد طلب المواثبة، إذا لم يمكنه الإشهاد عند طلب المواثبة بأن سمع الشراء جاء غيبة المشتري أو البائع أو الدار، أما إذا سمع الشراء عند حضرة أحد هؤلاء، وطلب المواثبة، وأشهد على ذلك، فذلك يكفيه ويقوم مقام الطلبين، فلو ترك الأقرب من هذه الثلاثة وقصد الأبعد فإن كانوا جملة في مصر واحد فالقياس أن تبطل شفعته. وفي الاستحسان: لا تبطل لأن نواحي المصر كناحية واحدة حكمًا، أما لو كان أحد الثلاثة في المصر والآخران في مصر آخر أو في رستاق، فقصد الأبعد وترك الأقرب بطلت شفعته استحسانا وقياسا؛ لأنهما لم يجعلا كمكان واحد حكما.

стр. 6374

المَبِيعِ؛ لِأَنَّ الحَقَّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، فَإِنْ سَلَّمَ البَائِعُ المَبِيعَ: لَمْ يَصِحَ الإِشْهَادُ عَلَيْهِ لِخُرُوجِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَصْمًا، إِذْ لَا يَدَ لَهُ وَلَا مِلْكَ فَصَارَ كَالأَجْنَبِيِّ. وَصُورَةُ هَذَا الطَّلَبِ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ فُلَانَا اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ وَأَنَا شَفِيعُهَا وَقَدْ كُنْت طَلَبْتِ الشَّفْعَةَ وَأَطْلُبُهَا الآنَ فَاشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ تَسْمِيَةُ المَبِيعِ وَتَحْدِيدُهُ؛ لِأَنَّ المُطَالَبَةَ لَا تَصِحُ إِلَّا فِي مَعْلُومٍ وَالثَّالِثُ، طَلَبُ الخُصُومَةِ وَالتَّمَلكِ، وَسَنَذْكُرُ كَيْفِيَّتَهُ مِنْ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: (وَلَا تَسْقُطُ الشَّفْعَةُ بِتَأْخِيرِ هَذَا الطَّلَبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنْ تَرَكَهَا شَهْرًا بَعْدَ الإِشْهَادِ بَطَلَتْ) (*) وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، مَعْنَاهُ: إِذَا تَرَكَهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ إِذَا تَرَكَ المُخَاصَمَةَ فِي مَجْلِسٍ مِنْ قوله: (وهو رواية عن أبي يوسف) أي: قول أبي حنيفة، وبه قال الشافعي، وأحمد، وقول محمد رواية عن أبي يوسف أيضًا. قوله: (معناه إذا تركها من غير عذر) وفي الذخيرة، والمغني: لو ترك المرافعة إلى القاضي بعد الطلبين بعذر مرض أو حبس أو عدم قدرته على التوكيل بالطلب لم تبطل شفعته بالإجماع، أما لو ترك المرافعة بغير عذر لا تبطل عند أبي حنيفة، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وهو رواية عن أبي يوسف. وعند محمد، وأبي يوسف في رواية: إذا طالت المدة تبطل، وهو قول زفر، واختلفت الرواية عنهما في طول المدة، وفي رواية: مقدر بثلاثة أيام، وفي رواية أخرى: مقدر بشهر، وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف. قال شيخ الإسلام، وقاضي خان في جامعه، وصاحب المنافع والخلاصة الفتوى على هذا، فكان ما اختاره في الكتاب بأن الفتوى على قول أبي حنيفة خلافًا لرواية هذه الكتب. وفي الذخيرة، والمغني: لو ترك المرافعة خوفًا أن القاضي يبطل شفعته بأنه لا يرى الشفعة على الجواز فهو على شفعته.

стр. 6375

مَجَالِسِ القَاضِي تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا مَضَى مَجْلِسٌ مِنْ مَجَالِسِهِ وَلَمْ يُخَاصِمْ فِيهِ اخْتِيَارًا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى إِعْرَاضِهِ وَتَسْلِيمِهِ. وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْقُطُ بِتَأْخِيرِ الخُصُومَةِ مِنْهُ أَبَدًا يَتَضَرَّرُ بِهِ المُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّصَرُّفُ حَذَارِ نَقْضِهِ مِنْ جِهَةِ الشَّفِيعِ فَقَدَّرْنَاهُ بِشَهْرٍ؛ لِأَنَّهُ آجِلٌ، وَمَا دُونَهُ عَاجِلٌ عَلَى مَا مَرَّ فِي الأَيْمَانِ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ ظَاهِرُ المَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الفَتْوَى: أَنَّ الحَقَّ مَتَى ثَبَتَ وَاسْتَقَرَّ لَا .. يَسْقُطُ إِلَّا بِإِسْقَاطِهِ وَهُوَ التَّصْرِيحُ بِلِسَانِهِ كَمَا فِي سَائِرِ الحُقُوقِ، وَمَا ذَكَرَ مِنْ الضَّرَرِ يُشْكِلُ بِمَا إِذَا كَانَ غَائِبًا، قوله: (على ما مر في الأيمان) أي: في مسألة ليقضين حقَّهُ عاجلًا. قوله: (وما ذكر) أي: محمد (من الضرر [يشكل] (١) بما إذا كان) أي: الشفيع (غائبًا) أي: لا فرق في لزوم الضرر على المشتري بين أن يكون الشفيع حاضرا أو غائبا ثم لم يعتبر ضرورة في الشفيع الغائب، حيث لم تبطل شفعته بتأخير هذا الطلب بالاتفاق فيجب أن لا تبطل فيما إذا كان الشفيع حاضرًا. وفي الذخيرة: لو كان الشفيع غائبًا ينبغي أن يطلب طلب المواثبة، ثم له من الأجل على قدر المسير إلى المشتري أو البائع أو الدار المبيعة لطلب الإشهاد، ولو قدم المصر وتغيب المشتري وطلب طلب الإشهاد على البائع أو عند الدراهم، ثم تركت طلب التمليك لا تبطل شفعته، وإن طال ذلك بلا خلاف؛ لأن ذلك ترك بعذر؛ إذ لا يمكنه اتباع المشتري لأجل الخصومة؛ لأنه كلما [قدم] (٢) مصرًا فيه المشتري ليأخذ منه يهرب المشتري إلى مصر آخر. ثم الشفعة تثبت للغائب عند جمهور العلماء إلا عند النخعي، والعكلي، والبتي حيث قالوا لا شفعة للغائب؛ لأن في إثباته ضررًا بالمشتري، حيث لا يستقر على تصرف في ملكه على حسب اختياره خوفًا من أخذه، فلم يثبت ذلك كثبوته للحاضر على التراخي، وللجمهور عموم الأحاديث، وما ذكرنا من أن ضرر الشفيع فوق ضرر المشتري.
следующие страницы →