وَإِذَا بَلَغَ الشَّفِيعُ بَيْعَ الدَّارِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الإِشْهَادُ حَتَّى يُخْبِرَهُ رَجُلَانِ، أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، أَوْ وَاحِدٌ عَدْلٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُشْهِدَ إِذَا أَخْبَرَهُ وَاحِدٌ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا صَبِيًّا كَانَ أَوْ امْرَأَةً إِذَا كَانَ الخَبَرُ حَقًّا (*).
وقع كذبًا في الابتداء، فصار كالسكوت، والصحيح أنه طلب ولا تبطل به الشفعة؛ لأنها كالإنشاء عرفًا كما في: بعت واشتريت.
وفي المحيط: ولو قال: طلبت الشفعة وأطلبها بطلت شفعته، وكذا لو قال: الشفعة لي أطلبها، تبطل. ولو قال للمشتري: أنا شفيعك وآخذ الدار منك تبطل شفعته، ولو كان المشتري واقفًا مع أبيه فسلّم قبل الطلب، إن سلم على الأب تبطل، وإن سلم على الابن لا.
ولو قال المشتري بالفارسية: (شفعت خواتيم) بطلت شفعته، ولو قال للمشتري: بارك الله في صفقتك، أو دعا له بالمغفرة بعد السلام عليه قبل الطلب تبطل شفعته، وقال الشافعي: لا تبطل؛ لأن ذلك من تتمة السلام.
قلنا: كلام بلا ضرورة ولا عرف فيه فتبطل شفعته.
وفي فتاوى قاضي خان: لو أدركت الصغيرة وثبت لها خيار البلوغ والشفعة فلو قدمت أحدهما يبطل الآخر، فالحيلة أن تقول: طلبت حقين في الشفعة والخيار، وكذا لو زعم الشفيع أن رقبة الدار المبيعة له، ويخاف أنه لو ادعى رقبته تبطل شفعته؛ لأن مالك الدار لا يكون شفيعًا، وإن ادعى الشفعة لا يمكنه دعوى الدار بعده.
قالوا: الحيلة أن يقول هذه الدار لي، وأنا أدعي رقبتها، فإن وصَلْتُ إليها وإلا فأنا على شفعتي فيها؛ لأن هذه الجملة كلام واحد فلم يتحقق منه السكوت عن طلب الشفعة.
قوله: (وواحد عدل عند أبي حنيفة)، وبه قال الشافعي في وجه، وأحمد في رواية، والمستور كالعدل عند أبي حنيفة، وزفر، وأحمد في رواية، والمرأة في ذلك كالرجل، والحر كالعبد، وبه قال أحمد.
стр. 6372
وَأَصْلُ الاخْتِلَافِ فِي عَزْلِ الوَكِيلِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِدَلَائِلِهِ، وَأَخَوَاتِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا بِخِلَافِ المُخَيَّرَةِ إِذَا أَخْبَرَتْ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِلْزَامُ حُكْمِ، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا أَخْبَرَهُ المُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ خَصْمٌ فِيهِ وَالعَدَالَةُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي الخُصُومِ وَالثَّانِي: طَلَبُ التَّقْرِيرِ وَالإِشْهَادِ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ لِإِثْبَاتِهِ عِنْدَ القَاضِي عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَلَا يُمْكِنُهُ الإِشْهَادُ ظَاهِرًا عَلَى طَلَبِ المُوَاثَبَةِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى فَوْرِ العِلْمِ بِالشِّرَاءِ فَيَحْتَاجُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى طَلَبِ الإِشْهَادِ وَالتَّقْرِيرِ، وَبَيَانُهُ مَا قَالَ فِي الكِتَابِ (ثُمَّ يَنْهَضُ مِنْهُ) يَعْنِي: مِنْ المَجْلِسِ (وَيَشْهَدُ عَلَى البَائِعِ إِنْ كَانَ المَبِيعُ فِي يَدِهِ) مَعْنَاهُ: لَمْ يُسَلَّمْ إِلَى المُشْتَرِي
وللشافعي فيه وجهان: أحدهما: كقولنا والثاني: لا يسقط بخبر المرأة والعبد، كما في خبر الفاسق والصبي، وبه قال القاضي الحنبلي.
وهذا الخلاف فيما إذا لم يصدق الشفيع المخبر، أما لو صدقه فسكت تبطل شفعته بخبر كل مخبر مميز.
قوله: (فيما تقدم) أي: في آخر فصل القضاء بالمواريث، وأراد بأخواته المولى إذا أخبر بجناية عبده والشفيع والبكر والمسلم الذي لم يهاجر.
قوله: (بخلاف المخيرة) يعني إذا أخبر المرأة أن زوجها خيرها مخير مميز صارت مخيرة عند أبي حنيفة ﵀ سواء كان المخير عدلًا أو لا، حتى لو اختارت نفسها في مجلس الخبر يقع الطلاق وإلا فلا، ولا يشترط في المخبر [أحد] (١) شطري الشهادة.
(لأنه ليس فيه) أي: خيار المخيرة إلزام حكم بل هو إبقاء ما كان على ما كان، وفي حق الشفيع إلزام حيث يلزمه ضرر سوء الجوار، وفي بعض النسخ أما في الشفعة إلزام الكف عن طلب الشفعة عند السكوت، وهذه النسخة غير مشهورة.
(وبخلاف ما إذا أخبره المشتري) أي لا يشترط عنده أيضًا في المشتري أحد شطري الشهادة.
قوله: (إن كان المبيع في يده) أي: في يد البائع، أما إذا لم يكن في يده.
стр. 6373
(أَوْ عَلَى المُبْتَاعِ أَوْ عِنْدَ العَقَارِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ: اسْتَقَرَّتْ شُفْعَتُهُ) وَهَذَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَصْمٌ فِيهِ؛ لِأَنَّ لِلْأَوَّلِ اليَدَ وَلِلثَّانِي المِلْكَ، وَكَذَا يَصِحُ الإِشْهَادُ عِنْدَ
ذكر القدوري والناطفي: لا يصح الطلب منه؛ لأنه لم يبق له يد ولا ملك، فصار كالأجنبي.
وذكر الإمام أحمد الطواوسي، والشيخ الإمام خواهر زاده: يصح استحسانًا؛ لأن الإشهاد حصل على العاقد؛ فيصح كما يصح على المشتري.
قوله: (أو على المبتاع) أي: على المشتري سواء كانت الدار في يده أو لا؛ لأن الملك له، ويأخذ الشفعة منه عند العقار؛ لتعلق الحق به، فإذا فعل ذلك استقرت شفعته، ومدة هذا الطلب مقدرة بالتمكن، حتى لو لم يطلب بعد التمكن بطلت شفعته دفعًا للضرر عن المشتري؛ لأنه ربما يتصرف فيها على تقدير أنه لا يطلب الشفعة، ثم يطلب بعد زمان، فينقض تصرفاته في الدار فيتضرر، ثم إذا تأخر تعذر بأن علم في الليل فأخره إلى الصبح، أو أقيمت الصلاة، أو يخاف فوت الصلاة فأخره لا تسقط، وبه قال الشافعي، وأحمد.
وفي المحيط: لو صلى بعد الظهر ركعتين لا تبطل شفعته، ولو صلى أكثر تبطل، ولو صلى بعد الجمعة أربعًا لا تبطل، ولو صلى أكثر من أربع تبطل، وكذا لو سمع في الأربع قبل الظهر فأتمها أربعا لا تبطل.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: الشفيع إنما يحتاج إلى طلب الإشهاد بعد طلب المواثبة، إذا لم يمكنه الإشهاد عند طلب المواثبة بأن سمع الشراء جاء غيبة المشتري أو البائع أو الدار، أما إذا سمع الشراء عند حضرة أحد هؤلاء، وطلب المواثبة، وأشهد على ذلك، فذلك يكفيه ويقوم مقام الطلبين، فلو ترك الأقرب من هذه الثلاثة وقصد الأبعد فإن كانوا جملة في مصر واحد فالقياس أن تبطل شفعته.
وفي الاستحسان: لا تبطل لأن نواحي المصر كناحية واحدة حكمًا، أما لو كان أحد الثلاثة في المصر والآخران في مصر آخر أو في رستاق، فقصد الأبعد وترك الأقرب بطلت شفعته استحسانا وقياسا؛ لأنهما لم يجعلا كمكان واحد حكما.
стр. 6374
المَبِيعِ؛ لِأَنَّ الحَقَّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، فَإِنْ سَلَّمَ البَائِعُ المَبِيعَ: لَمْ يَصِحَ الإِشْهَادُ عَلَيْهِ لِخُرُوجِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَصْمًا، إِذْ لَا يَدَ لَهُ وَلَا مِلْكَ فَصَارَ كَالأَجْنَبِيِّ. وَصُورَةُ هَذَا الطَّلَبِ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ فُلَانَا اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ وَأَنَا شَفِيعُهَا وَقَدْ كُنْت طَلَبْتِ الشَّفْعَةَ وَأَطْلُبُهَا الآنَ فَاشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ تَسْمِيَةُ المَبِيعِ وَتَحْدِيدُهُ؛ لِأَنَّ المُطَالَبَةَ لَا تَصِحُ إِلَّا فِي مَعْلُومٍ وَالثَّالِثُ، طَلَبُ الخُصُومَةِ وَالتَّمَلكِ، وَسَنَذْكُرُ كَيْفِيَّتَهُ مِنْ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ: (وَلَا تَسْقُطُ الشَّفْعَةُ بِتَأْخِيرِ هَذَا الطَّلَبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنْ تَرَكَهَا شَهْرًا بَعْدَ الإِشْهَادِ بَطَلَتْ) (*) وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، مَعْنَاهُ: إِذَا تَرَكَهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ إِذَا تَرَكَ المُخَاصَمَةَ فِي مَجْلِسٍ مِنْ
قوله: (وهو رواية عن أبي يوسف) أي: قول أبي حنيفة، وبه قال الشافعي، وأحمد، وقول محمد رواية عن أبي يوسف أيضًا.
قوله: (معناه إذا تركها من غير عذر) وفي الذخيرة، والمغني: لو ترك المرافعة إلى القاضي بعد الطلبين بعذر مرض أو حبس أو عدم قدرته على التوكيل بالطلب لم تبطل شفعته بالإجماع، أما لو ترك المرافعة بغير عذر لا تبطل عند أبي حنيفة، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وهو رواية عن أبي يوسف.
وعند محمد، وأبي يوسف في رواية: إذا طالت المدة تبطل، وهو قول زفر، واختلفت الرواية عنهما في طول المدة، وفي رواية: مقدر بثلاثة أيام، وفي رواية أخرى: مقدر بشهر، وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف.
قال شيخ الإسلام، وقاضي خان في جامعه، وصاحب المنافع والخلاصة الفتوى على هذا، فكان ما اختاره في الكتاب بأن الفتوى على قول أبي حنيفة خلافًا لرواية هذه الكتب.
وفي الذخيرة، والمغني: لو ترك المرافعة خوفًا أن القاضي يبطل شفعته بأنه لا يرى الشفعة على الجواز فهو على شفعته.
стр. 6375
مَجَالِسِ القَاضِي تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا مَضَى مَجْلِسٌ مِنْ مَجَالِسِهِ وَلَمْ يُخَاصِمْ فِيهِ اخْتِيَارًا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى إِعْرَاضِهِ وَتَسْلِيمِهِ. وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْقُطُ بِتَأْخِيرِ الخُصُومَةِ مِنْهُ أَبَدًا يَتَضَرَّرُ بِهِ المُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّصَرُّفُ حَذَارِ نَقْضِهِ مِنْ جِهَةِ الشَّفِيعِ فَقَدَّرْنَاهُ بِشَهْرٍ؛ لِأَنَّهُ آجِلٌ، وَمَا دُونَهُ عَاجِلٌ عَلَى مَا مَرَّ فِي الأَيْمَانِ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ ظَاهِرُ المَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الفَتْوَى: أَنَّ الحَقَّ مَتَى ثَبَتَ وَاسْتَقَرَّ لَا .. يَسْقُطُ إِلَّا بِإِسْقَاطِهِ وَهُوَ التَّصْرِيحُ بِلِسَانِهِ كَمَا فِي سَائِرِ الحُقُوقِ، وَمَا ذَكَرَ مِنْ الضَّرَرِ يُشْكِلُ بِمَا إِذَا كَانَ غَائِبًا،
قوله: (على ما مر في الأيمان) أي: في مسألة ليقضين حقَّهُ عاجلًا.
قوله: (وما ذكر) أي: محمد (من الضرر [يشكل] (١) بما إذا كان) أي: الشفيع (غائبًا) أي: لا فرق في لزوم الضرر على المشتري بين أن يكون الشفيع حاضرا أو غائبا ثم لم يعتبر ضرورة في الشفيع الغائب، حيث لم تبطل شفعته بتأخير هذا الطلب بالاتفاق فيجب أن لا تبطل فيما إذا كان الشفيع حاضرًا.
وفي الذخيرة: لو كان الشفيع غائبًا ينبغي أن يطلب طلب المواثبة، ثم له من الأجل على قدر المسير إلى المشتري أو البائع أو الدار المبيعة لطلب الإشهاد، ولو قدم المصر وتغيب المشتري وطلب طلب الإشهاد على البائع أو عند الدراهم، ثم تركت طلب التمليك لا تبطل شفعته، وإن طال ذلك بلا خلاف؛ لأن ذلك ترك بعذر؛ إذ لا يمكنه اتباع المشتري لأجل الخصومة؛ لأنه كلما [قدم] (٢) مصرًا فيه المشتري ليأخذ منه يهرب المشتري إلى مصر آخر.
ثم الشفعة تثبت للغائب عند جمهور العلماء إلا عند النخعي، والعكلي، والبتي حيث قالوا لا شفعة للغائب؛ لأن في إثباته ضررًا بالمشتري، حيث لا يستقر على تصرف في ملكه على حسب اختياره خوفًا من أخذه، فلم يثبت ذلك كثبوته للحاضر على التراخي، وللجمهور عموم الأحاديث، وما ذكرنا من أن ضرر الشفيع فوق ضرر المشتري.
стр. 6376
وَلَا فَرْقَ فِي حَقِّ المُشْتَرِي بَيْنَ الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَلَوْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي البَلَدِ قَاضِ لَا تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ بِالتَّأْخِيرِ بِالاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الخُصُومَةِ إِلَّا عِنْدَ القَاضِي فَكَانَ عُذْرًا.
قَالَ: (وَإِذَا تَقَدَّمَ الشَّفِيعُ إِلَى القَاضِي، فَادَّعَى الشَّرَاءَ وَطَلَبَ الشَّفْعَةَ، سَأَلَ القَاضِي المُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِمِلْكِهِ الَّذِي يَشْفَعُ بِهِ، وَإِلَّا كَلَّفَهُ بِإِقَامَةِ البَيِّنَةِ) لأنَّ اليَدَ ظَاهِرٌ مُحْتَمِلٌ فَلَا تَكْفِي لِإِثْبَاتِ الاسْتِحْقَاقِ. قَالَ ﵀: يَسْأَلُ القَاضِي المُدَّعِيَ قَبْلَ أَنْ يُقْبِلَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ مَوْضِعِ الدَّارِ وَحُدُودِهَا؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى حَقًّا
قوله: (لا تبطل شفعته بالتأخير بالاتفاق) أي: باتفاق أصحابنا، وقال الشافعي: تبطل لأن الأخذ بالشفعة لا يفتقر إلى حكم الحاكم عندهما؛ لأنه حق ثبت بالإجماع والنص، فلا يفتقر إلى الحكم كالرد بالعيب، وقلنا: هو نقل الملك عن مالكه إلى غيره قهرا فيحتاج إلى الحكم.
قوله: (وإذا تقدم الشفيع) إلى آخره هذا هو طلب الخصومة الذي وعده بقوله: (وسنذكر كيفيته من بعد).
قوله: (لأن اليد ظاهر محتمل) فيحتمل أنه يد ملك وغير ذلك المحتمل لا يصلح أن يكون حجة عندي.
وقال زفر، وأبو يوسف في رواية: يستحق بظاهر اليد، إذ اليد دليل، ولهذا أحل للشاهد أن يشهد بالملك بمجرد اليد.
قوله: (يسأل القاضي المدعي) أي: مدعي الشفعة (قبل أن يقبل) إلى آخره (عن موضع الدار) أي: الدار المشفوعة (وحدودها) لأن العقار يعرف بالحدود وموضعه؛ فيشترط بيانه لتكون الدعوى في المعلوم، إذ الدعوى في المجهول لا تصح، ثم بعد ذلك يسأله القاضي أن المشتري قبضها أم لا؟ إذ لا تصلح الدعوى على المشتري إذا لم يقبض الدار ما لم يحضر البائع؛ لأن اليد للبائع، فإذا ذكر القبض ينبغي أن يسأله بأي سبب يدعي الشفعة؛ لاختلاف أسباب الشفعة؛ لينظر القاضي أن ما زعمه هل هو سبب؟
فإن على قول شريح تثبت الشفعة للجار المقابل، ولينظر بعد أن يكون سببًا
стр. 6377
يَسْأَلُهُ عَنْ سَبَبِ شُفْعَتِهِ لِاخْتِلَافِ فِيهَا فَصَارَ كَمَا إِذَا ادَّعَى رَقَبَتَهَا، وَإِذَا بَيَّنَ ذَلِكَ أَسْبَابِهَا، فَإِنْ قَالَ: أَنَا شَفِيعُهَا بِدَارٍ لِي تُلاصِقُهَا الآنَ، تَمَّ دَعْوَاهُ عَلَى مَا قَالَهُ الخَصَّافُ. وَذَكَرَ فِي الفَتَاوَى تَحْدِيدَ هَذِهِ الدَّارِ الَّتِي يُشْفَعُ بِهَا أَيْضًا، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الكِتَابِ المَوْسُومِ بِالتَّجْنِيسِ وَالمَزِيدِ. قَالَ: (فَإِنْ عَجَزَ عَنْ البَيِّنَةِ، اسْتَحْلَفَ الْمُشْتَرِيَ «بِاللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مَالِكٌ لِلَّذِي ذَكَرَهُ مِمَّا يُشْفَعُ بِهِ») مَعْنَاهُ: بِطَلَبِ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى عَلَيْهِ مَعْنَى لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ، ثُمَّ هُوَ اسْتِحْلَافٌ عَلَى مَا فِي يَدِهِ فَيَحْلِفُ عَلَى العِلْمِ فَإِنْ
هل هو محجوب بغيره أم لا؟ ويسأله القاضي بعد ذلك: متى عَلِمْتَ بالشراء؟ وكيف صنعت متى أُخبِرْتَ بالشراء؟ فإنما اختاروا الإخبار؛ لأن العلم لا يثبت إلا بدليل مقطوع به، والشفعة بترك الطلب بعد [وصول] (١) الخبر، وإنما يسأله عن وقت الخبر لينظر القاضي أن المدة هل تطاولت من وقت الإخبار إلى وقت المرافعة؟ لما أن المدة إذا تطاولت لا يلتفت القاضي إلى دعواه عند أبي يوسف، ومحمد، وعليه الفتوى عند الأكثر.
ثم يسأله عن طلب المواثبة فلو قال: طلبت من غير لبث، يسأله عن طلب الإشهاد هل طلبه طلب الإشهاد بلا لبث وتقصير؟ فإن بين ذلك سأله أن الذي طلب بحضرته هل هو كان أقرب من غيره؟ فإذا بين فقد صح دعواه، فبعد ذلك يسأل المدعى عليه عن ملكه الذي يشفع به، فإن اعترف به حكم وإلا كلّفه إقامة البينة كما بينا، الكل من الذخيرة.
هذا الذي ذكرنا من الذخيرة، مما أحال بيانه على الكتاب الموسوم بالتجنيس، والمزيد، وكلاهما اسم كتاب واحد للمصنف في الفتاوى، وقال فيه: ينبغي أن يقول: إنما أطلب الشفعة بدار اشتريتها من فلان التي أحد حدودها كذا، والثاني والثالث والرابع؛ لأن الدار إنما تصير معلومة بذكر الحدود؛ وبين حدود الدار المشتراة أيضًا؛ لأن الدعوى إنما تصح بعد إعلام المدعى به، والإعلام بذكر الحدود.
قوله: (فيحلف على العلم)، وفي الذخيرة: هذا على قول أبي يوسف؛ لأنه
стр. 6378
نَكَلَ أَوْ قَامَتْ لِلشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ، ثَبَتَ مِلْكُهُ فِي الدَّارِ الَّتِي يَشْفَعُ بِهَا، وَثَبَتَ الجِوَارُ، فَبَعْدَ ذَلِكَ سَأَلَهُ القَاضِي: يَعْنِي المُدَّعَى عَلَيْهِ (هَلْ ابْتَاعَ أَمْ لَا؟ فَإِنْ أَنْكَرَ الابْتِيَاعَ قِيلَ لِلشَّفِيعِ: أَقِمْ البَيِّنَةَ)؛ لِأَنَّ الشَّفْعَةَ لَا تَجِبُ إِلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ البَيْعِ وَثُبُوتُهُ بِالحُجَّةِ. قَالَ: (فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا اسْتَحْلَفَ المُشْتَرِيَ «بِاللَّهِ مَا ابْتَاعَ»، أَوْ «بِاللَّهِ مَا اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ شُفْعَةٌ مِنْ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ») فَهَذَا عَلَى الحَاصِلِ، وَالْأَوَّلُ عَلَى السَّبَبِ وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا الكَلَامَ فِيهِ فِي الدَّعْوَى، وَذَكَرْنَا الاخْتِلَافَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا يُحَلِّفُهُ عَلَى البَتَاتِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِحْلَافُ فِعْلِ نَفْسِهِ وَعَلَى مَا فِي يَدِهِ أَصَالَةٌ، وَفِي مِثْلِهِ يَحْلِفُ عَلَى البَنَاتِ.
قَالَ: (وَتَجُوزُ المُنَازَعَةُ فِي الشَّفْعَةِ، وَإِنْ لَمْ يُحْضِرِ الشَّفِيعُ الثَّمَنَ إِلَى مَجْلِسِ القَاضِي فَإِذَا قَضَى القَاضِي بِالشَّفْعَةِ: لَزِمَهُ إِحْضَارُ الثَّمَنِ) وَهَذَا ظَاهِرُ رِوَايَةِ الأَصْلِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ لَا يَقْضِي حَتَّى يُحْضِرَ الشَّفِيعُ الثَّمَنَ، وَهُوَ رِوَايَةُ الحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ عَسَاهُ يَكُونُ مُفْلِسًا فَيَتَوَقَّفُ القَضَاءُ عَلَى إِحْضَارِهِ حَتَّى لَا يَتْوِيَ مَالُ المُشْتَرِي.
استحق الشفعة بمجرد اليد عنده، أما عند محمد: فيحلف على البتات؛ لأنه يدعي عليه استحقاق الشفعة كما ذكرنا بهذا السبب، وصار كما لو ادعى الملك بسبب الشراء أو غيره، وهناك يحلف على البتات فكذا هاهنا.
قوله: (وقد ذكرنا الاختلاف) أي: من فصل كيفية العين (١)، والاستحلاف في الدعوى في قوله: (وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، أما على قول أبي يوسف، يحلف في جميع ذلك على السبب)، إلى آخره (٢).
قوله: (وهذا ظاهر الأصل) وبه قالت الأئمة الثلاثة، وابن شبرمة، إلّا عند الشافعي، وابن شبرمة، ينتظر ثلاثة أيام، فإن أحضر وإلا فسخ عليه، وعند مالك، وأحمد: ينتظر يومًا أو يومين وإلا يفسخ عليه.
قوله: (فيتوى مال المشتري) فقد قال ﷺ : «لَا تَوَى عَلَى
стр. 6379
وَجْهُ الظَّاهِرِ: أَنَّهُ لَا ثَمَنَ لَهُ عَلَيْهِ قَبْلَ القَضَاءِ، وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ تَسْلِيمُهُ، فَكَذَا لَا يُشْتَرَطُ إِحْضَارُهُ (وَإِذَا قَضَى لَهُ بِالدَّارِ: فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَحْبِسَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ) وَيَنْفُذُ القَضَاءُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ فَصْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ فَيُحْبَسُ فِيهِ، فَلَوْ أَخَّرَ أَدَاءَ الثَّمَنِ بَعْدَمَا قَالَ لَهُ: ادْفَعْ الثَّمَنَ إِلَيْهِ، لَا تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّهَا تَأَكَّدَتْ بِالخُصُومَةِ عِنْدَ القَاضِي.
مال امرئٍ مُسلم» (١). (ووجه ظاهر الرواية أنه لا ثمن له عليه) أي: لا ثمن للمشتري على الشفيع قبل القضاء، فلا يتمكن المشتري من مطالبته، فكيف يجب إحضاره؟
وفي شرح الطحاوي: لا ينبغي للقاضي أن يقضي بالشفعة حتى يحضر الثمن، أما لو قضى ينفذ قضاؤه، ووجب عليه الثمن، فيحبس المشتري المبيع حتى يحضر الشفيع، ولو قال الشفيع: ليس عندي الثمن، أحضره اليوم وغدًا أو ما أشبه ذلك، فالقاضي لا يلتفت إلى ذلك ويبطل حقه في الشفعة.
ثم قال: والفرق بين البائع والمشتري، وبين الشفيع والمشتري، فإن المشتري في البيع لو ماطل لا يبطل الشراء، وهاهنا يبطل، أن البائع أزال ملكه قبل وصول الثمن إليه، فقد أضر بنفسه عن اختياره فلا ينظر له بإبطال ملك المشتري، وإنما ينظر بإثبات ولاية الحبس.
فأما المشتري هاهنا فلا يزيل ملكه عن نفسه باختياره ليقال: أضر بنفسه قبل وصول الثمن إليه، بل الشفيع يتملك عليه كرهًا دفعًا للضرر عن نفسه، وإنما يجوز للإنسان دفع الضرر عن نفسه عن وجه لا يضر غيره، ودفع الضرر عن المشتري بإبطال الشفعة إذا قال الشفيع: ليس عندي الثمن، أو قال أحضره غدا، كذا في الذخيرة.
قوله: (لا تبطل شفعته وفي الكافي: عند محمد. (لأنها) أي: الشفعة تأكدت بالخصومة عند القاضي) وبالقضاء للشفيع أيضًا.
стр. 6380
قال: (وَإِنْ أَحْضَرَ الشَّفِيعُ البَائِعَ، وَالمَبِيعُ فِي يَدِهِ، فَلَهُ أَنْ يُخَاصِمَهُ فِي الشَّفْعَةِ) لِأَنَّ اليَدَ لَهُ، وَهِيَ يَدٌ مُسْتَحَقَّةٌ وَلَا يَسْمَعُ القَاضِي البَيِّنَةَ حَتَّى يَحْضُرَ المُشْتَرِي، فَيَفْسَخَ البَيْعَ بِمَشْهَدٍ مِنْهُ وَيَقْضِيَ بِالشَّفْعَةِ عَلَى البَائِعِ، وَيَجْعَلَ العُهْدَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ المِلْكَ لِلْمُشْتَرِي وَاليَدَ لِلْبَائِعِ، وَالقَاضِي يَقْضِي بِهِمَا لِلشَّفِيعِ، فَلَا بُدَّ مِنْ حُضُورِهِمَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَتْ الدَّارُ قَدْ قُبِضَتْ حَيْثُ لَا يُعْتَبَرُ حُضُورُ البَائِعِ؛ لِأَنَّهُ
قوله: (وهي يد مستحقة) يعني لا يتمكن المشتري من إبطاله كرها.
قوله: (فلا بد من حضورهما) أي: حضور البائع والمشتري، إذ الشفيع يريد استحقاق الملك واليد، ولأن أخذه من يد البائع يوجب انفساخ البيع بين البائع والمشتري، وذا لا يتم إلا بمحضر من المشتري؛ فيشترط حضورهما، ثم الأخذ من يد البائع يجوز عندنا، والشافعي في وجه، وأحمد.
وقال الشافعي في قول، وأحمد في رواية: يجبر الحاكم المشتري حتى يقبضه من يد البائع، فيأخذ الشفيع من يده؛ لأن الشفيع يشتري المبيع من المشتري، فلا يأخذه من غيره، والعهدة على المشتري بكل حال عند الشافعي، ومالك، وأحمد.
وعند ابن أبي ليلى، والبتّي: على البائع بكل حال، وعندنا إن أخذه من يد البائع فالعهدة إليه، وإن أخذه من يد المشتري فالعهدة عليه.
وفي الذخيرة، والإيضاح: فإن أخذها من يد البائع فالعهدة عليه؛ لأن بالأخذ من يد البائع ينفسخ العقد الذي جرى بين البائع والمشتري، ويقع التملك على البائع، هو المذهب عندنا، ثم قال: وقيل: معنى انتقاض البيع بين البائع والمشتري، الانتقاض في حق الإضافة إليه، فإن قول البائع للمشتري: بعت هذه الدار إثبات للبيع.
وقوله: (منك) إضافة فإذا أخذها الشفيع صار ذلك البيع مضافًا إلى الشفيع، بعد أن كان مضافًا إلى المشتري، وانتقضت الإضافة إلى المشتري.
مثاله في المحسوس: من رمى سهما (١) إلى رجل فتقدم عليه غيره وأصاب
стр. 6381
صَارَ أَجْنَبِيًّا، إِذْ لَا يَبْقَى لَهُ يَدٌ وَلَا مِلْكٌ. وَقَوْلُهُ:
السهم، فالرمي في نفسه لم ينقطع، ولكن التوجه إلى الأول انقطع بتخلل هذا الثاني، فخرج الأول من أن يكون مقصودًا بالرمي.
فإن قيل: يلزم على هذا ما ذكر في شفعة الجامع الكبير: أن المشتري لو اشترى دارًا قد رآها قبل الشراء فليس له خيار الرؤية، فلو أخذها الشفيع ثبت له خياره، ولو كان الأخذ بطريق التحول لما ثبت للشفيع، كالموكل إذا تملك المشتري من الوكيل تتحول الصفقة، فإنه لا يثبت له خيار الرؤية إذا لم يثبت لوكيله.
وكذا لو اشترى الدار وبرئ البائع من كل عيب ولم يقبضها المشتري، ثم أخذها الشفيع من يد البائع، فله أن يردها بالعيب، ولو كان الأخذ بطريق التحول من المشتري لما ثبت للشفيع [ولاية] (١) الرد.
قلنا: تتحول إلى الشفيع من المشتري بتجديد عقد بينهما عند عامة المشايخ استدلالًا بما ذكرنا من المسألتين.
وعند بعض المشايخ: تتحول من غير تجديد عقد بين المشتري والشفيع، وأجابوا عن هاتين المسألتين: أن مقتضى العقد سلامة المعقود عليه من العيب، والبراءة عنه تثبت بشرط المشتري، والشرط وجد في حق المشتري لا في حق الشفيع.
وكذا المشتري رأى عيبًا بالدار عند الشراء وقبله، ولم ير الشفيع، كان له أن يردها بالعيب وخيار الرؤية؛ لأن عدم الرد بالعيب وخيار الرؤية بعارض من المشتري، ولم يوجد ذلك العارض من الشفيع، والأصل هو السلامة، كذا في الجامع الكبير للإمام المعروف بصدر حميد.
وأما مسألة الوكيل فإن الموكل أقام الوكيل مقام نفسه، ورضي بما فعل، فكان سقوط الخيار من الموكل ضررًا مرضيا بتوكيله، فلم يمكن الرد بخلاف الشفيع.
стр. 6382
فَيَفْسَخُ البَيْعَ بِمَشْهَدٍ مِنْهُ إِشَارَةٌ إِلَى عِلَّةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ البَيْعَ فِي حَقِّ المُشْتَرِي إِذَا كَانَ يَنْفَسِخُ لَا بُدَّ مِنْ حُضُورِهِ لِيَقْضِيَ بِالفَسْخِ عَلَيْهِ، ثُمَّ وَجْهُ هَذَا الفَسْخِ المَذْكُورِ: أَنْ يَنْفَسِخَ فِي حَقِّ الإِضَافَةِ لِامْتِنَاعِ قَبْضِ المُشْتَرِي بِالْأَخْذِ بِالشَّفْعَةِ وَهُوَ يُوجِبُ الفَسْخَ، إِلَّا أَنَّهُ يَبْقَى أَصْلُ البَيْعِ لِتَعَدُّرِ انْفِسَاخِهِ؛ لِأَنَّ الشَّفْعَةَ بِنَاءٌ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ تَتَحَوَّلُ الصَّفْقَةُ إِلَيْهِ وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ هُوَ المُشْتَرِي مِنهُ، فَلِهَذَا يَرْجِعُ بِالعُهْدَةِ عَلَى البَائِعِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَبَضَهُ المُشْتَرِي فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ حَيْثُ تَكُونُ العُهْدَةُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالقَبْضِ. وَفِي الوَجْهِ الأَوَّلِ: امْتَنَعَ قَبْضُ المُشْتَرِي وَأَنَّهُ يُوجِبُ الفَسْخَ، وَقَدْ طَوَّلْنَا الكَلَامَ فِيهِ فِي «كِفَايَةِ المُنتَهِي» بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى.
قوله: (إشارة إلى علة أخرى)، يعني اشتراط حضور المشتري معلول بعلتين:
إحداهما: يصير مقضيا عليه في حق الملك؛ لأنه قال قبل هذا؛ لأن الملك للمشتري واليد للبائع، فلا بد من حضوره.
وثانيها: أن يصير مقضيا عليه بحق الفسخ كما ذكر هاهنا، فلا بد من حضوره إذ القضاء على الغائب لا يجوز.
قوله: (هذا الفسخ المذكور)، وهو قوله: (فينفسخ البيع بمشهد منه)، أي: ينفسخ البيع أي: عند فسخ القاضي في حق الإضافة، يعني يكون البيع مضافًا إلى الشفيع بعد أن كان مضافًا إلى المشتري، كما ذكرنا من رواية الذخيرة، والإيضاح.
لامتناع قبض المشتري المبيع بسبب الأخذ بالشفعة، فصار [كأن] (١) المبيع هلك قبل قبض المشتري، وذلك يوجب انفساخ العقد.
وقوله: (يبقى أصل البيع) إلى آخره، يعني ينفسخ في حق المشتري لا البائع؛ لأنه لو انفسخ البيع في حقهما من كل وجه صار كأن البيع لم يكن أصلا؛ لأن الانفساخ من كل وجه عبارة عنه، فحينئذ يبطل حق الشفعة، إذ
стр. 6383
قَالَ: (وَمَنْ اشْتَرَى دَارًا لِغَيْرِهِ، فَهُوَ الخَصْمُ لِلشَّفِيعِ)؛ لِأَنَّهُ هُوَ العَاقِدُ، وَالأَخْذُ بِالشَّفْعَةِ مِنْ حُقُوقِ العَقْدِ فَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ. قَالَ: (إِلَّا أَنْ يُسَلِّمَهَا إِلَى المُوَكِّلِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ يَدٌ وَلَا مِلْكٌ، فَيَكُونُ الخَصْمُ هُوَ المُوَكَّلُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الوَكِيلَ كَالبَائِعِ مِنْ المُوَكِّلِ عَلَى مَا عُرِفَ، فَتَسْلِيمُهُ إِلَيْهِ كَتَسْلِيمِ البَائِعِ إِلَى المُشْتَرِي، فَتَصِيرُ الخُصُومَةُ مَعَهُ، إِلَّا أَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ قَائِمٌ مَقَامَ المُوَكِّلِ فَيَكْتَفِي بِحُضُورِهِ فِي الخُصُومَةِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، وَكَذَا إِذَا كَانَ البَائِعُ وَكِيلَ الغَائِبِ، فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ إِذَا كَانَتْ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ عَاقِدٌ وَكَذَا إِذَا كَانَ البَائِعُ وَصِيًّا لِمَيِّتٍ فِيمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِمَا ذَكَرْنَا.
الشفعة إنما تجب بالبيع، فاحتاج الشيخ إلى هذا الاستثناء لذلك، ويمكن أن يكون ما طول في كفاية المنتهى ما نقلنا من الذخيرة مع السؤال والجواب.
قوله: (على ما عرف)، أي: في باب الوكالة، أن بيع الوكيل والموكل بيع حكما.
(فتسليمه)، أي: تسليم الوكيل إلى الموكل كتسليم البائع إلى المشتري، فتصير الخصومة إليه.
وقوله: (إلا أنه) جواب سؤال مقدر، وهو أن يقال: لو كان الوكيل والموكل كالبائع والمشتري، ينبغي أن يشترط حضورهما، كما شرط ثُمَّ، فقال: إنه ثابت عن الموكل فلا يشترط حضور الموكل؛ لما أن حضور نائبه كحضوره، بخلاف البائع والمشتري، فإنه لا يكتفى بحضور البائع حتى يحضر المشتري؛ لأن البائع ليس بنائب عن المشتري.
(لأنه عاقد) أي: لأن الوكيل عاقد، ولا يشترط حضور الغائب لحضور نائبه كما ذكرنا.
قوله: (وصيا لميت)، أي: يكون الخصم للشفيع هو الوصي، يعني إذا كانت الورثة صغارًا، وقيد فيما يجوز بيعه؛ لأن بيع الوصي وشراءه يجوز بالغبن اليسير لا الفاحش، وكذا لو كانت الورثة كلها كبارًا لا يجوز بيع الوصي إذا لم يكن على الميت دين، فكان قوله: (فيما يجوز بيعه) احترازا عن هذين البيعين.
стр. 6384
قَالَ: (وَإِذَا قَضَى القَاضِي لِلشَّفِيعِ بِالدَّارِ، وَلَمْ يَكُنْ رَآهَا، فَلَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ، وَإِنْ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا، فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا، وَإِنْ كَانَ المُشْتَرِي شَرَطَ البَرَاءَةَ مِنْهُ) لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشَّفْعَةِ بِمَنْزِلَةِ الشِّرَاءِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ مُبَادَلَةُ المَالِ بِالمَالِ، فَيَثْبُتُ فِيهِ الخِيَارَانِ كَمَا فِي الشَّرَاءِ، وَلَا يَسْقُطُ بِشَرْطِ البَرَاءَةِ مِنْ المُشْتَرِي وَلَا بِرُؤْيَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَائِبٍ عَنْهُ فَلَا يَمْلِكُ إِسْقَاطَهُ.
فَصْلٌ فِي مَسَائِلِ الاخْتِلَافِ
قَالَ: (وَإِنْ اخْتَلَفَ الشَّفِيعُ وَالمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ، فَالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي)؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَدَّعِي اسْتِحْقَاقَ الدَّارِ عَلَيْهِ عِنْدَ نَقْدِ الأَقَلِّ وَهُوَ يُنْكِرُ، وَالقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا يَتَحَالَفَانِ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ إِنْ كَانَ يَدَّعِي عَلَيْهِ اسْتِحْقَاقَ الدَّارِ فَالْمُشْتَرِي لَا يَدَّعِي عَلَيْهِ شَيْئًا
وعند الأئمة الثلاثة في مسألة الوكيل يأخذ من يد الموكل؛ لأن حقوق [العقد] (١) ترجع إليه عندهم، ومسألة وكيل الغائب للشافعي وجهان: أحدهما: مثل قولنا، وهو قول أحمد. (لأنه)، أي: المشتري ليس بنائب عن الشفيع (فلا يملك إسقاطه) أي: إسقاط الخيار الثابت للشفيع كما ذكرنا.
فَصْلٌ فِي الاخْتِلَافِ
لما ذكر مسائل الاتفاق بين الشفيع والمشتري شرع في بيان اختلافهما، إذ الأصل هو الاتفاق.
قوله: (في الثمن)، وفي المبسوط، والكافي: والدار مقبوضة (٢).
(فالقول قول المشتري) أي: مع يمينه، وبه قالت الأئمة الثلاثة إلا أشهب المالكي قال: إن أتى المشتري بما يشبه فالقول له بلا يمين وإلا مع اليمين.
قوله: (فالمشتري لا يدعي عليه) أي: على الشفيع (شيئًا)؛ لأنه لم يجب له
стр. 6385
لِتَخَيَّرِهِ بَيْنَ التَّرْكِ وَالْأَخْذِ وَلَا نَصَّ هَاهُنَا، فَلَا يَتَحَالَفَانِ.
قَالَ: (وَلَوْ أَقَامَا البَيِّنَةَ: فَالبَيِّنَةُ لِلشَّفِيعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: البَيِّنَةُ بَيِّنَةُ المُشْتَرِي) (*)؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إِثْبَانًا، فَصَارَ كَبَيِّنَةِ البَائِعِ وَالوَكِيلِ وَالمُشْتَرِي مِنْ العَدُوِّ وَلَهُمَا: أَنَّهُ لَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا، فَيُجْعَلُ كَأَنَّ المَوْجُودَ بَيْعَانِ،
على الشفيع شيء حتى يحلف الشفيع.
(التخيّره) أي: لتخير الشفيع، إذ المدعي هو الذي لو تركه ترك، والمختص بهذه الصفة هو الشفيع لا المشتري، ولا نصَّ هاهنا، إنما النص في البائع والمشتري مع وجود معنى الإنكار في الطرفين هناك، فوجب التحالف لذلك، ولم يوجد الإنكار هاهنا في طرف الشفيع؛ لأن المشتري لا يدعي عليه شيئًا، فلم يكن في معنى ما ورد فيه النص، وإن كان الشفيع والمشتري بمنزلة البائع والمشتري، فلذلك لم يجب التحالف.
قوله: (فالبينة للشفيع عند أبي حنيفة ومحمد)، وبه قال الشريف الحنبلي، وقال الشافعي وأحمد تعارضت البينتان وتساقطتا، والقول للمشتري مع يمينه، ويحتمل أن يقرع بينهما؛ لأنهما تنازعا في العقد، ولا يد لهما عليه، فصارا كالمتنازعين عينا في يد غيرهما.
قوله: (والمشتري من العدو)، أي: كبينة المشتري من العدو، والعبد المأسور مع المالك القديم في ثمن العبد، فبينة المشتري أولى؛ لأنها أكثر إثباتًا وكذا هذا.
قوله: (لهما أنه لا تنافي) بين بينة الشفيع وبينة المشتري في حق الشفيع؛ لأنه يجوز أن يشتري مرتين مرة بألف ومرة بألفين، فأمكن تصديق البينتين؛ فيثبت البيعان في حق الشفيع، فيأخذ بأيهما شاء، بخلاف البائع مع المشتري؛ لأن العمل بالبينتين غير ممكن، فالعقد الثاني لا يتصور إلا بانفساخ الأول في حقهما، فصرنا إلى الترجيح بالزيادة.
وهاهنا الفسخ لا يظهر في حق الشفيع، فيجمع بين البينتين، ولا يصار إلى
стр. 6386
وللشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ، وَهَذَا بِخِلَافِ البَائِعِ مَعَ المُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَالَى بَيْنَهُمَا عَقْدَانِ إِلَّا بِانْفِسَاخِ الأَوَّلِ وَهَاهُنَا الفَسْخُ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ وَهُوَ التَّخْرِيجُ لِبَيِّنَةِ الوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ كَالبَائِعِ وَالمُوَكِّلِ كَالمُشْتَرِي مِنهُ، كَيْفَ وَأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَأَمَّا المُشْتَرِي مِنْ العَدُوِّ فَقُلْنَا: ذُكِرَ فِي «السِّيَرِ الكَبِيرِ»:
الترجيح، كما لو اختلف العبد مع المولى، فقال العبد: قلت: إن أديت ألفًا فأنت حر، وقال المولى: قلتُ: إن أديتَ ألفين، وبرهنا فيجمع بينهما، إذ لا منافاة بينهما، فيجعلا كأن الكلامين صدرا من المولى، فيعتق العبد بأداء أيهما شاء.
قوله: (على ما روي عن محمد) روى ابن سماعة أن بينة الموكل أولى. وجه الظاهر: أن الوكيل مع الموكل كالبائع مع المشتري، وقد بينا العذر فيه.
قوله: (ذكر في السير الكبير) إلى آخره، ولم يذكر فيه قول أبي يوسف؛ لما بينهما من الوحشة حين صنف السير، وبعد التسليم العمل بالبينتين غير ممكن؛ لأن الشراء الثاني فاسخ للأول فصرنا إلى الترجيح، وهذه طريقة أبي حنيفة في هذه المسألة، حكاها محمد، والطريقة الثانية حكاها أبو يوسف، وهي قوله: في الكتاب.
(ولأن بينة الشفيع) (١) إلى آخره، وإنما قلنا: إن بينة الشفيع ملزمة؛ لأنه إذا قبلت بينته وجب على المشتري تسليم الدار شاء أو أبي، وإذا قبلت بينة المشتري لا يجب على الشفيع شيء، ولكنه يتخير بين الأخذ بالشفعة وبين الترك، وبه فارق بينة البائع مع المشتري، والوكيل مع الموكل؛ لأن كل واحدة منهما [تلزمه] (٢)، فرجحنا بالزيادة.
وفي مسألة المشتري من العدو نقول على هذه الطريقة: البينة بينة المالك القديم؛ لأنها ملزمة، وبينة المشتري غير ملزمة.
قوله: (أخذها الشفيع بما قال البائع) (٣) سواء كانت الدار في يد البائع أو
стр. 6387
أَنَّ البَيِّنَةَ بَيِّنَةُ المَالِكِ القَدِيمِ. فَلَنَا أَنْ نَمْنَعَ وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ نَقُولُ: لَا يَصِحُ الثَّانِي هُنَالِكَ إلَّا بِفَسْخِ الأَوَّلِ، أَمَّا هَاهُنَا فَبِخِلَافِهِ، وَلِأَنَّ بَيْنَةَ الشَّفِيعِ مُلْزِمَةٌ وَبَيِّنَةَ المُشْتَرِي غَيْرُ مُلْزِمَةٍ وَالبَيِّنَاتُ لِلْإِلْزَامِ.
قَالَ: (وَإِذَا ادَّعَى المُشْتَرِي ثَمَنًا، وَادَّعَى البَائِعُ أَقَلَّ مِنهُ وَلَمْ يَقْبِضُ الثَّمَنَ، أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِمَا قَالَهُ البَائِعُ، وَكَانَ ذَلِكَ حَقًّا عَنْ المُشْتَرِي)؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْأَمْرَ إِنْ كَانَ عَلَى مَا قَالَ البَائِعُ فَقَدْ وَجَبَتْ الشَّفْعَةُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَا قَالَ المُشْتَرِي فَقَدْ حَطَّ البَائِعُ بَعْضَ الثَّمَنِ، وَهَذَا الحَطُّ يَظْهَرُ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلِأَنَّ التَّمَلُّكَ عَلَى البَائِعِ بِإِيجَابِهِ، فَكَانَ القَوْلُ قَوْلَهُ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ مَا بَقِيَتْ مُطَالَبَتُهُ، فَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ بِقَوْلِهِ. قَالَ: (وَلَوْ ادَّعَى البَائِعُ الْأَكْثَرَ يَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ، وَأَيُّهُمَا نَكَلَ ظَهَرَ أَنَّ الثَّمَنَ مَا يَقُولُهُ الآخَرُ، فَيَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ بِذَلِكَ، وَإِنْ حَلَفَا: يَفْسَخُ القَاضِي البَيْعَ عَلَى مَا عُرِفَ، وَيَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ بِقَوْلِ البَائِعِ)؛ لِأَنَّ فَسْخَ البَيْعِ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ حَقِّ الشَّفِيعِ. قَالَ: (وَإِنْ كَانَ قَبَضَ الثَّمَنَ أَخَذَ بِمَا قَالَ المُشْتَرِي إِنْ
في يد المشتري.
قوله: (ولو ادعى البائع الأكثر) أي: أكثر مما قاله المشتري أو الشفيع، فإنه وضع المسألة في المبسوط، والذخيرة في اختلاف هؤلاء بأن قال الشفيع: الثمن ألف، وقال المشتري: ألفان، وقال البائع: ثلاثة آلاف، وأقاما البينة، فالبينة بينة البائع؛ لأنها تثبت الزيادة، ويأخذ الشفيع بما قاله البائع.
وقال الشافعي وأحمد يأخذ بما قال المشتري؛ لأنه مقر باستحقاق الشفيع بالألف، ويزعم أن بينة البائع كاذبة، ويأخذ البائع الألف الأخرى من المشتري؛ لأن الثابت باليد كالثابت عيانًا، ولو اختلفوا في مقداره فإن كان ما قاله البائع أكثر مما قالا فالبائع مع المشتري يتحالفان إلى آخر ما ذكر في الكتاب.
قوله: (لأن فسخ البيع لا يوجب بطلان حق الشفيع) خصوصًا على قول العامة، فإن من ضرورة الأخذ بالشفعة فسخ البيع الذي جرى بين البائع
стр. 6388
شَاءَ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِ البَائِعِ)؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَوْفَى الثَّمَنَ انْتَهَى حُكْمُ العَقْدِ، وَخَرَجَ هُوَ مِنْ البَيِّنِ وَصَارَ هُوَ كَالأَجْنَبِيِّ، وَبَقِيَ الاخْتِلَافُ بَيْنَ المُشْتَرِي وَالشَّفِيعِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ. وَلَوْ كَانَ نَقْدُ الثَّمَنِ غَيْرَ ظَاهِرٍ فَقَالَ البَائِعُ، بِعْتِ الدَّارَ بِأَلْفِ وَقَبَضْت الثَّمَنَ، يَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ بِأَلْفِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا بَدَأَ بِالإِقْرَارِ بِالبَيْعِ تَعَلَّقَتْ الشُّفْعَةُ بِهِ، فَبِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: قَبَضْتُ الثَّمَنَ: يُرِيدُ إِسْقَاطَ حَقِّ الشَّفِيعِ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ. وَلَوْ قَالَ: قَبَضْت الثَّمَنَ وَهُوَ أَلْفٌ لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ بِالأَوَّلِ وَهُوَ الإِقْرَارُ بِقَبْضِ الثَّمَنِ خَرَجَ مِنْ البَيِّنِ وَسَقَطَ اعْتِبَارُ قَوْلِهِ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ.
والمشتري على ما ذكرناه من رواية الجامع الكبير، فكان الفسخ مقررًا حق الشفيع لا رافعًا، ولأن حقه ثبت بطلبه عند سماع البيع، وقد وقع لازما فلا يرتفع بفسخ المتبايعين بعد ذلك؛ لأن حق الشفيع منفصل عن حقهما.
قوله: (لأنه) أي: البائع (لما بدأ بالإقرار تعلقت الشفعة به) أي: بالإقرار بالبيع (فبقوله) أي: بقول البائع (قبضت الثمن يريد إسقاط حق الشفيع) أي: حقه الذي تعلق بالبيع بما قال البائع من مقدار الثمن؛ لأنه لو تحقق استيفاء الثمن كان البائع أجنبيًا من هذا البيع، فلما وقع تسليم الدار إلى المشتري، واستيفاء الثمن من البائع كان البائع أجنبيا، فلا يسمع قول الأجنبي في مقدار الثمن فكذا قول البائع.
(ولو قال: قبضت الثمن) إلى آخره، يعني لما بدأ بالإقرار بالاستيفاء لا يصح منه بيان مقدار الثمن بعد ذلك؛ لأنه لم يبق ذا حظ من هذا العقد بل صار كالأجنبي، فلا يصح منه بيان مقدار الثمن كالأجنبي، بخلاف ما لو بدأ بالإقرار بالبيع، فإن حق الشفيع يتعلق بإقراره كما ذكرنا، وبعد ذلك قوله: (قبضت الثمن) يبطل ذلك الحق كما ذكرنا إليه أشار في الذخيرة، والإيضاح.
وفي الإيضاح: روى الحسن عن أبي حنيفة أن المبيع إذا كان في يد البائع فأقر بقبض الثمن، وزعم أنه ألف، فالقول قوله؛ لأن التملك يقع على البائع، فيرجع إلى قوله.
стр. 6389
فَصْلٌ فِيمَا يُؤْخَذُ بِهِ المَشْفُوعُ
قَالَ: (وَإِذَا حَطَّ البَائِعُ عَنْ المُشْتَرِي بَعْضَ الثَّمَنِ يَسْقُطُ ذَلِكَ عَنِ الشَّفِيعِ، وَإِنْ حَطَّ جَمِيعَ الثَّمَنِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْ الشَّفِيعِ) لِأَنَّ حَطَّ البَعْضِ يَلْتَحِقُ بِأَصْلِ العَقْدِ فَيَظْهَرُ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ مَا بَقِيَ، وَكَذَا إِذَا حَطَّ بَعْدَمَا أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِالثَّمَنِ، يَحُطُّ عَنْ الشَّفِيعِ حَتَّى يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ القَدْرِ، بِخِلَافِ حَطَّ الكُلِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْتَحِقُ بِأَصْلِ العَقْدِ بِحَالٍ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي البُيُوعِ.
(وَإِنْ زَادَ المُشْتَرِي لِلْبَائِعِ: لَمْ تَلْزَمُ الزِّيَادَةُ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ)؛ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ الزِّيَادَةِ ضَرَرًا بِالشَّفِيعِ لِاسْتِحْقَاقِهِ الأَخْذَ بِمَا دُونَهَا بِخِلَافِ الحَطَّ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لَهُ، وَنَظِيرُ الزِّيَادَةِ إِذَا جَدَّدَ العَقْدَ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الأَوَّلِ لَمْ يَلْزَمُ الشَّفِيعَ حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالثَّمَنِ الأَوَّلِ لِمَا بَيَّنَّا كَذَا هَذَا.
قَالَ: (وَمَنْ اشْتَرَى دَارًا بِعَرَضٍ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِقِيمَتِهِ)؛ لِأَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ القِيَمِ
فَصْلٌ فِيمَا يُؤْخَذُ بِهِ الْمَشْفُوعُ
لما فرغ من بيان أحكام المشفوع، وهو الأصل شرع في بيان ما يؤخذ به وهو التبع لأنه ثمن والثمن بيع.
قوله: (يسقط ذلك) أي: بعض الثمن المحطوط (عن الشفيع) وقال الشافعي وأحمد لا يحط عن الشفيع؛ لأن ذلك هبة مبتدأة لا تلحق بأصل العقد، كما في حط الكل.
واختلف أصحاب مالك فقال ابن القاسم: إن كان ما حط مما جرت به العادة يلحق بأصل العقد ولا يحط عن الشفيع، وقال أشهب: يلتحق الحط على الإطلاق من غير تفصيل.
وقوله: (وقد بيناه في البيوع) أي: في فصل من اشترى شيئًا مما ينقل من قوله: () إن حط البعض يلتحق بأصل العقد ويخرج المحطوط من أن يكون ثمنًا، وحط الكل لا يلتحق؛ لأنه يصير العقد بلا ثمن.
قوله: (أخذها الشفيع بقيمته) أي: بقيمة العرض، والمراد بالعرض ما يكون من ذوات القيم كالثياب، والحيوان والعبيد لا العرض من ذوات الأمثال كالحنطة، وغيرها.
стр. 6390
(وَإِنْ اشْتَرَاهَا بِمَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ أَخَذَهَا بِمِثْلِهِ) لِأَنَّهُمَا مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ. وَهَذَا لِأَنَّ الشَّرْعَ أَثْبَتَ لِلشَّفِيعِ وِلَايَةَ التَّمَلُّكِ عَلَى المُشْتَرِي بِمِثْلِ مَا تَمَلَّكَهُ، فَيُرَاعَى بِالقَدْرِ المُمْكِن كَمَا فِي الإِثْلَافِ وَالعَدَدِيِّ المُتَقَارِبِ مِنْ ذَوَاتِ الأَمْثَالِ.
وذكر في المبسوط: العبد مكان العرض، وبه قال عامة أهل العلم، وحكي عن الحسن البصري، وسوار القاضي أنهما قالا: لا تثبت الشفعة هاهنا؛ لأنها تجب بمثل الثمن، وهذا لا مثل له، فتعذر الأخذ، فلم يثبت كما لو جهل الثمن، ولأن القيمة بالحزر والظن، وذلك يمنع من استحقاق الشفعة.
وفي المبسوط: قال أهل المدينة: يأخذها بقيمة الدار لا بقيمة العرض؛ لأن المبيع مضمون بنفسه عند تعذر إيجاب المسمى كما في البيع الفاسد (١).
وقلنا: إنه أحد نوعي الثمن، فيثبت به كالمثلي، ولأن القيمة مثل من حيث المعنى فلم يتعذر أخذه، ثم تعتبر قيمته يوم الشراء، وبه قال الشافعي، وأحمد، وحكي عن مالك أنه تعتبر قيمته يوم المحاكمة.
وقال ابن سريج من أصحاب الشافعي: تعتبر قيمته حين استقرار العقد بانقضاء الخيار، إذا كان فيه خيار، وبه قال أحمد؛ لأنه وقت الاستحقاق، وقلنا: وقت الاستحقاق وقت الشراء.
وفي المبسوط: لو مات العبد قبل أن يقبضه البائع ينتقض الشراء؛ لفوات القبض المستحق بالعقد، فإن العبد معقود عليه من وجه، وقد هلك قبل التسليم، وللشفيع أن يأخذها بقيمة العبد.
وقال زفر: لا يأخذها بالشفعة؛ لأن العقد قد انتقض من الأصل بهلاك العبد قبل التسليم.
وقلنا: بدل الدار في الحقيقة قيمة العبد، وهو قادر على أخذها بعد هلاك العبد كما قيد، وليس في هلاك العبد الانفساخ بين البائع والمشتري، وذلك لا يمنع بقاء حق الشفيع كما بينا، بخلاف استحقاق العبد فإنه يتبين به أن أصل البيع لم يكن صحيحًا، وأن حقه لم يثبت.
стр. 6391
(وَإِنْ بَاعَ عَقَارًا بِعَقَارٍ أَخَذَ الشَّفِيعُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنهُمَا بِقِيمَةِ الْآخَرِ)؛ لِأَنَّهُ بَدَلُهُ وَهُوَ ذَوَاتُ القِيمِ فَيَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ. قَالَ: (وَإِذَا بَاعَ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ فَلِلشَّفِيعِ الخِيَارُ، إِنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِثَمَنِ حَالٌ، وَإِنْ شَاءَ صَبَرَ حَتَّى يَنْقَضِيَ الأَجَلُ ثُمَّ يَأْخُذُهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا فِي الحَالِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ) وَقَالَ زُفَرُ: لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي القَدِيمِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مُؤَجَّلًا وَصْفٌ فِي الثَّمَنِ كَالزِّيَافَةِ وَالأَخْذِ بِالشَّفْعَةِ بِهِ، فَيَأْخُذُ بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ كَمَا فِي الزُّيُوفِ. وَلَنَا: أَنَّ الأَجَلَ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِالشَّرْطِ، وَلَا شَرْطَ فِيمَا بَيْنَ الشَّفِيعِ وَالبَائِعِ أَوْ المُبْتَاعِ، وَلَيْسَ الرِّضَا بِهِ فِي حَقِّ المُشْتَرِي رِضًا بِهِ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ لِتَفَاوُتِ النَّاسِ فِي المَلَاءَةِ، وَلَيْسَ الأَجَلُ وَصْفَ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ المُشْتَرِي؛ وَلَوْ كَانَ وَصْفًا لَهُ لَتَبِعَهُ فَيَكُونُ حَقًّا لِلْبَائِعِ كَالثَّمَنِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ ثُمَّ وَلَّاهُ غَيْرَهُ لَا يَثْبُتُ الأَجَلُ إِلَّا بِالذِّكْرِ، كَذَا هَذَا، ثُمَّ إِنْ أَخَذَهَا بِثَمَنٍ حَالٌ مِنْ البَائِعِ سَقَطَ الثَّمَنُ عَنْ المُشْتَرِي لِمَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ، وَإِنْ أَخَذَهَا مِنْ المُشْتَرِي رَجَعَ
قوله: (وإذا باع بثمن مؤجل) أي: بأجل معلوم، إذ بالأجل المجهول يصير البيع فاسدًا، ولا شفعة في البيع الفاسد، كذا في الذخيرة.
وللشفيع الخيار، إن شاء أخذها بالثمن الحال، وإن شاء صبر، وبه قال الشافعي في الصحيح، وقال مالك، وأحمد بالثمن المؤجل، وبه قال الشافعي في قول، وزفر، واختاره أبو حامد من أصحاب الشافعي.
قوله: (والأخذ بالشفعة به) أي: بالثمن لا يقتضيه العقد، إذ الأجل يثبت بشرط المشتري ورضا البائع.
(ولا شرط بين الشفيع والبائع أو المبتاع) أي: المشتري، فلا يثبت في حق الشفيع كالخيار.
(وليس الرضا) أي: بالأجل (في حق المشتري رضاً في حق الشفيع).
التفاوت الناس في الملاءة بفتح الميم أي: الغنى، مصدر مَلأ الرجل بالضم ملاءة، والمليء: الغني المقتدر.
قوله: (ولاه غيره) أي: باعه تولية.
وقوله: لما بينا من قبل أراد به قوله: (لامتناع قبض المشتري بالأخذ
стр. 6392
البَائِعُ عَلَى المُشْتَرِي بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ كَمَا كَانَ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُمَا لَمْ يَبْطُلْ بِأَخْذِ الشَّفِيعِ، فَبَقِيَ مُوجِبُهُ، فَصَارَ كَمَا إِذَا بَاعَهُ بِثَمَنٍ حَالٌ وَقَدْ اشْتَرَاهُ مُؤَجَّلًا، وَإِنْ اخْتَارَ الانْتِظَارَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ لَا يَلْتَزِمَ زِيَادَةَ الضَّرَرِ مِنْ حَيْثُ النَّقْدِيَّةُ. وَقَوْلُهُ فِي «الكِتَابِ»: وَإِنْ شَاءَ صَبَرَ حَتَّى يَنْقَضِيَ الأَجَلُ: مُرَادُهُ الصَّبْرُ عَنْ الْأَخْذِ، أَمَّا الطَّلَبُ عَلَيْهِ فِي الحَالِ حَتَّى لَوْ سَكَتَ عَنْهُ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ خِلَافًا لِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الآخَرِ (*)؛ لِأَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِالبَيْعِ، وَالْأَخْذُ يَتَرَاخَى عَنْ الطَّلَبِ، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الأَخْذِ فِي الحَالِ بِأَنْ يُؤَدِّيَ الثَّمَنَ حَالًا فَيُشْتَرَطُ الطَّلَبُ عِنْدَ العِلْمِ بِالبَيْعِ.
قَالَ: (وَإِنْ اشْتَرَى ذِمِّيٌّ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ دَارًا، وَشَفِيعُهَا ذِمِّيُّ، أَخَذَهَا بِمِثْلِ
بالشفعة وهو يوجب) الفسخ إلى آخره.
قوله: (وإن اختار) أي: الشفيع (الانتظار) للمشتري ولكن على الشفيع أن يطلب الشفعة في الحال عندهما، خلافا لأبي يوسف روى ابن مالك عنه أنه كان يقول كقولهما ثم رجع وقال: يأخذه عند حلول الأجل وإن لم يطلبه في الحال.
فأبو يوسف يقول: الطلب غير مقصود بل للأخذ، وهو في الحال لا يتمكن من الأخذ على الوجه الذي يطلبه، ولا فائدة في طلبه ولا إعراضه عن الأخذ.
وجه ظاهر الرواية: أن حقه في الشفعة ثبت في الحال بدليل أنه لو أخذه بثمن حال كان له ذلك، فالسكوت عن الطلب يبطل شفعته، كذا في المبسوط (١).
قوله: (إذا اشترى ذمي بخمر أو خنزير) إلى آخره. اعلم أن الشفعة تجب للذمي بلا خلاف للعلماء، وهل تثبت لكافر على مسلم؟ فيه خلاف قال أحمد، والحسن، والشعبي: لا شفعة له على مسلم؛ لما روى الدارقطني بإسناده عن أنس أن رسول الله ﷺ قال «لَا شُفَعَةَ لِنَصْرَانِي».
стр. 6393
الخَمْرِ وَقِيمَةِ الخِنْزِيرِ) لِأَنَّ هَذَا البَيْعَ مَقْضِيٌّ بِالصِّحَّةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَحَقُّ الشَّفْعَةِ يَعُمُّ المُسْلِمَ وَالذُّمِّيَّ، وَالخَمْرُ لَهُمْ كَالخَلِّ لَنَا وَالخِنْزِيرُ كَالشَّاةِ، فَيَأْخُذُ فِي الأَوَّلِ بِالمِثْلِ وَالثَّانِي بِالقِيمَةِ. قَالَ: (وَإِنْ كَانَ شَفِيعُهَا مُسْلِمًا أَخَذَهَا بِقِيمَةِ الخَمْرِ وَالخِنْزِيرِ)
وعندنا، والشافعي، ومالك، والثوري، والنخعي، والعنبري، وشريح، وعمر بن عبد العزيز [له] (١): الشفعة لعموم قوله ﷺ : «لَا يَحِلُّ لِلشَّرِيكِ أَنْ يَبِيعَ حتَّى يَسْتَأْذِنَ شَريكَهُ، وإن باعَهُ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهْوَ أَحَقُّ بِهِ» (٢)، ولعموم ما جاء في الشفعة، ولأنه خيار ثابت لدفع الضرر، فيستوي فيه المسلم والكافر كالرد.
وحديث أنس ليس على عمومه، فإنه يثبت له إذا كان شريكه نصرانيا بالإجماع، مع أنه غير مشهور، ثم قيد شراءه بالخمر والخنزير احترازًا عما اشتراه بالميتة، فالبيع باطل ولا شفعة فيه، وقيد بالذمي احترازا عن المرتد، فإن المرتد لو كان شفيعه مرتدا لا شفعة له سواء قتل في ردته أو لحق بدار الحرب، ومبنى شفعته على صحة تصرفه، وقد مر فيه الخلاف، فكل من صحح تصرفه يقول بشفعته، وكل من يقول بعدم صحته لا يقول بشفعته، وبعد لحوقه بدار الحرب لا يأخذ بالشفعة وارثه؛ لأن الشفعة لا تورث عندنا، وأحمد، خلافًا للشافعي، ومالك، إذا مات بعد الطلب.
أما الحربي المستأمن في حق الشفعة له وعليه في دار الإسلام كالذمي؛ لأنه من المعاملات وقد التزم حكم المعاملات، ثم إذا جرى التبايع بين ذميين بخمر أو خنزير وأخذ الشفيع بذلك لم ينقض ما فعلوه، وإن كان التقابض جرى بين المتبايعين دون الشفيع وترافعوا إلينا فعندنا نحكم بالشفعة، وبه قال أبو الخطاب الحنبلي.
وقال الشافعي، وأحمد: لا نحكم بالشفعة؛ لأنه بيع عقد بخمر وخنزير، فصار كبيعهم بالميتة؛ فلا نحكم بالشفعة، واعتقادهم حل الخمر والخنزير لا يجعلهما مالا.
стр. 6394
أَمَّا الخِنْزِيرُ فَظَاهِرٌ، وَكَذَا الخَمْرُ لِامْتِنَاعِ التَّسَلَّمِ وَالتَّسْلِيمِ فِي حَقِّ المُسْلِمِ، فَالتَحَقَ بِغَيْرِ المِثْلِيِّ، وَإِنْ كَانَ شَفِيعُهَا مُسْلِمًا وَذِمِّيًا أَخَذَ المُسْلِمُ نِصْفَهَا بِنِصْفِ قِيمَةِ الخَمْرِ، وَالذُّمِّيُّ نِصْفَهَا بِنِصْفِ مِثْلِ الخَمْرِ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالكُلِّ، فَلَوْ أَسْلَمَ الزِّمِّيُّ أَخَذَهَا
وفي المغني: اشترى الذمي من ذمي كنيسة أو بيعة، فللشفيع الشفعة إذا كان من ديانتهم أن الملك لا يزول بجعله بيعة أو كنيسة، والحربي المستأمن في حق الشفعة كالذمي لالتزام أحكام المعاملات فلو اشترى الحربي دارا ولحق بدار الحرب فالشفيع على شفعته متى لقيه؛ لأن لحاقه كموته، وموت المشتري لا يبطل الشفعة.
ولو اشترى مسلم في دار الحرب وشفيعها مسلم، ثم أسلم أهل الدار لا شفعة للشفيع؛ لأن حق الشفعة من أحكام الإسلام، وحكم الإسلام لا يجري في دار الحرب، كما لو زنيا ثم خرجا لا يحكم بالحد وكل حكم لا يفتقر إلى القضاء كصحة البيع والشراء، والاستيلاد، ونفاذ العتق، ووجوب الصلاة والصوم، نحكم في حق من أسلم في دار الحرب بثبوته.
قوله: (أما الخنزير فظاهر)؛ لأنه من ذوات القيم، ووجوب القيمة في ذوات القيم أمر ظاهر، ولا يقال إيجاب قيمة الخنزير كإيجاب الخنزير على المسلم، وذلك غير جائز، وهذا لأن للقيمة في ذوات القيم حكم العين، ولهذا إذا مر الذمي على العاشر بالخنزير لا يأخذ العاشر من قيمة الخنزير شيئًا، وقد مر في الزكاة؛ لأن للقيمة حكم العين؛ لأنا نقول قيمة الخنزير كعين الخنزير معنى، ولكن في كونها بمنزلة الخنزير شبهة، فلما كان متضمنا إبطال حق العبد لم يعمل بهذه الشبهة، بل نعمل بالشبهة فيما إذا لم يكن متضمنا إبطال حق الغير، وفي مسألتنا يتضمن إبطال حق الغير، فلم يعمل بها، بخلاف ما إذا مر على العاشر.
وفي المبسوط: طريق معرفة قيمة الخمر والخنزير الرجوع إلى من أسلم من أهل الذمة، أو إلى من تاب من فسقة المسلمين، فلو وقع الاختلاف في ذلك فالقول للمشتري، كما لو اختلف الشفيع والمشتري [في] (١) مقدار الثمن.
стр. 6395
بِنِصْفِ قِيمَةِ الخَمْرِ لِعَجْزِهِ عَنْ تَمْلِيكِ الخَمْرِ، وَبِالإِسْلَامِ يَتَأَكَّدُ حَقَّهُ لَا أَنْ يَبْطُلَ، فَصَارَ كَمَا إِذَا اشْتَرَاهَا بِكُرِّ مِنْ رُطَبٍ فَحَضَرَ الشَّفِيعُ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ يَأْخُذُ بِقِيمَةِ الرُّطَبِ كَذَا هَذَا.
فَصْلٌ
قَالَ: (وَإِذَا بَنَى المُشْتَرِي فِيهَا أَوْ غَرَسَ ثُمَّ قُضِيَ لِلشَّفِيعِ بِالشَّفْعَةِ، فَهُوَ بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِالثَّمَنِ وَقِيمَةِ البِنَاءِ وَالغَرْسِ،
قوله: (بعد انقطاعه) أي: انقطاع الرطب عن أيدي الناس.
وفي المبسوط: ولو أسلم أحد المتبايعين والخمر غير مقبوض، والدار مقبوضة أو غير مقبوضة ينتقض البيع بينهما؛ لفوات القبض المستحق، ولكن لا يبطل في حق الشفيع؛ لأن وجوب الشفعة بأصل البيع، وقد كان صحيحًا، وبقاؤه ليس بشرط لبقاء الشفعة، كما لو اشترى دارًا بعبد، فمات العبد قبل التسليم، انتقض البيع ولم يبطل حق الشفيع.
فَصْلٌ
مسائل هذا الفصل مبنية على تغير المشفوع، وكان فرعًا على غير المتغير، ولذا ذكرها بعد المسائل المبنية على عدم التغير.
قوله: (وقيمة البناء والغرس) أي: مقلوعين، وإن شاء كلف المشتري قلعه، ولا يضمن ما نقص بالقلع، وبه قال الثوري، وحماد بن سليمان (١).
وعند الشافعي، ومالك، وابن أبي ليلى والشعبي، والأوزاعي، والبتي، وسوار، وإسحاق، والليث: يضمن له ما نقص بالقلع؛ لعموم قوله ﷺ : «لا ضَرَرَ ولا ضرار في الإسلام» (٢) ولأنه بنى في ملكه الذي يملك بيعه، فلم يكلف
стр. 6396
وَإِنْ شَاءَ كَلَّفَ المُشْتَرِيَ قَلْعَهُ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ القَلْعَ، وَيُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ بِالثَّمَنِ وَقِيمَةِ البِنَاءِ وَالغَرْسِ وَبَيْنَ أَنْ يَتْرُكَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، إِلَّا أَنَّ عِنْدَهُ لَهُ أَنْ يُقْلِعَ وَيُعْطِي قِيمَةَ البِنَاءِ، لِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ مُحِقٌ فِي البِنَاءِ، لِأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ الدَّارَ مِلْكُهُ، وَالتَّكْلِيفُ بِالقَلْعِ مِنْ أَحْكَامِ العُدْوَانِ، وَصَارَ كَالمَوْهُوبِ لَهُ وَالمُشْتَرِي شِرَاءٌ فَاسِدًا، وَكَمَا إِذَا زَرَعَ المُشْتَرِي
قلعه مع الأرض مع الإضرار؛ لأن له أن لا يرضى بضرر هذا الجار، ولكن ليس له أن يضره بنقض بنائه.
(وبه قال الشافعي) أي: بالتخيير، وهذا قول من الشافعي، وذكرنا قوله المذكور في كتبهم.
قوله: (قيمة البناء والغرس) أي: قائمين على الأرض غير مقلوعين وبين أن يترك، كذا في شرح (١) الطحاوي.
قوله: (كالموهوب له) يعني أن الموهوب له إذا بنى ليس للواهب أن يقلع بناءه، ويرجع في الأرض؛ لأنه بناه في ملكه، وكذا المشترى شراء فاسدًا إذا بنى وغرس.
قوله: (وكما إذا زرع المشتري) يعني الشفيع لا يكلفه قلع الزراعة بالاتفاق.
(وهذا) أي: القول بعدم إيجاب القلع، ووجوب قيمة البناء والغرس والأخذ بها دفع أعلى الضررين بتحمل الأدنى، يعني اجتمع هاهنا ضرران:
أحدهما: على الشفيع، وهو ضرر زيادة الثمن على الشفيع في الأخذ مع قيمة البناء.
والثاني: ضرر على المشتري، وهو ضرر قلع بنائه من غير شيء كما قاله أبو حنيفة، ومحمد رحمهما الله.
ثم الضرر الذي يلزم الشفيع أهون من ضرر المشتري؛ لأنه يدخل في ملكه بمقابلة الزيادة عوض، وهو البناء والغرس، وفي القول بالقلع من غير شيء
стр. 6397
فَإِنَّهُ لَا يُكَلَّفُ القَلْعَ، وَهَذَا لِأَنَّ فِي إِيجَابِ الأَخْذِ بِالقِيمَةِ دَفْعَ أَعْلَى الضَّرَرَيْنِ بِتَحَوُّلِ الأَدْنَى فَيُصَارَ إِلَيْهِ.
وَوَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ: أَنَّهُ بَنَى فِي مَحِلٌ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ مُتَأَكِّدٌ لِلْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ تَسْلِيطٍ مِنْ جِهَةِ مَنْ لَهُ الحَقُّ فَيُنْقَضُ، كَالرَّاهِنِ إِذَا بَنَى فِي المَرْهُونِ، وَهَذَا لِأَنَّ حَقَّهُ أَقْوَى مِنْ حَقِّ المُشْتَرِي، لِأَنَّهُ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ وَهَذَا يَنْقُضُ بَيْعَهُ وَهِبَتَهُ وَغَيْرَهُ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ، بِخِلَافِ الهِبَةِ وَالشَّرَاءِ الفَاسِدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّهُ حَصَلَ بِتَسْلِيطٍ مِنْ جِهَةِ مَنْ لَهُ الحَقُّ، وَلِأَنَّ حَقَّ الاسْتِرْدَادِ فِيهِمَا ضَعِيفٌ، وَلِهَذَا لَا يَبْقَى بَعْدَ البِنَاءِ، وَهَذَا الحَقُّ يَبْقَى،
يبطل ملك المشتري بلا عوض، فكان ضرر الشفيع أهون، فكان القول به أولى، إليه أشار في المبسوط.
قوله: (تعلق به) أي: بالمحل.
وقوله: (من غير تسليط من جهة من له الحق) احترازًا عن بناء الموهوب له، وعن بناء المشتري شراءً فاسدًا حيث ينقض؛ لأن بناءهما بتسليط من جهة من له الحق وهاهنا الشفيع ما سلطه على البناء.
(وهذا لأن حقه) أي: حق الشفيع (أقوى من حق المشتري لتقدمه) أي: لتقدم حق الشفيع على حق المشتري، ولهذا ينقض بيعه، وهبته، وتسليمه، وإجارته، وجعله مسجدًا، أو مقبرة، وجعل ذلك كالتصرف في ملك الشفيع في حق النقض، فكذا تصرفه بناء وغرسًا؛ لأنه يضر بالشفيع من حيث إنه يلزمه زيادة في الثمن ولم يرض به.
قوله: (عند أبي حنيفة) قيد به؛ لأن عندهما يسترد بعد البناء في البيع الفاسد كالشفيع، ومسألة استرداد البائع في الفاسد بعد البناء من المسائل التي خطأ فيها أبو يوسف محمدًا في حفظ الرواية، وقد مر (١) في البيع الفاسد.
(ولأن حق الاسترداد فيهما) أي: في الهبة والبيع الفاسد ضعيف.
(وهذا الحق) أي: حق الشفيع (يبقى) أي: بعد البناء، وهذا الحق قوي،
стр. 6398
فَلَا مَعْنَى لِإِيجَابِ القِيمَةِ كَمَا فِي الاسْتِحْقَاقِ، وَالزَّرْعُ يُقْلَعُ قِيَاسًا
وَإِنَّمَا لَا يُقْلَعُ اسْتِحْسَانًا، لِأَنَّ لَهُ نِهَايَةٌ مَعْلُومَةً وَيَبْقَى بِالْأَجْرِ وَلَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ
يبقى بعده، فلا معنى لإيجاب القيمة كما في الاستحقاق.
وهذا جواب عن قول أبي يوسف: أن الشفيع يأخذها بالثمن، وقيمة البناء فقال: لا معنى لإيجاب القيمة على الشفيع؛ لتأكد حقه كما لا يجب على المستحق قيمة بناء المشترى بقيمة البناء على البائع؛ لأنه مغرور من جهته، فكذا هاهنا لا يرجع على الشفيع، لأنه غير مغرور من جهته.
وأما الجواب عن قوله: في إيجاب القيمة دفع أعلى الضررين بالأدنى، فلأن الترجيح بعد المساواة في أصل الحق، ولا مساواة هاهنا؛ لتقدم حق الشفيع، وربما لا يوافقه لو أخذه، فيحتاج إلى قلعه فيلزمه ضرر زائد، كذا في المبسوط (١).
فإن قيل: لو صبغ الشفيع المشفوعة، ثم أخذها الشفيع إن شاء أعطاه ما زاد فيها، وإن شاء ترك، والمسألة في العيون، فما الفرق بين البناء والصبغ؟
قلنا: قيل هو أيضًا على الاختلاف، ولو كان على الاتفاق ففرق محمد وقال: البناء إذا نقض لا يلحق المشتري كبير ضرر؛ لأنه يسلم له النقض، ولا كذلك إذا نقض الصبغ؛ إليه أشار في الذخيرة.
قوله: (ويبقى بالأجر) بالاتفاق كما في الإجارة، وبه قال بعض أصحاب الشافعي.
وعن أبي يوسف: أنه يبقى بلا أجر؛ لأن المشتري مالك الأرض، وإيجاب الأجر على المالك غير مستقيم، وبه قال أحمد، وبعض الشافعية.
وقلنا: في إيجاب أجر المثل رعاية للحقين كما في الإجارة؛ لأنه مجبور عليه، يعني التزم البائع سلامة المبيع عن الاستحقاق، فصار المشتري مغرورا من جهته، ولا غرور في حق الشفيع؛ لأنه يملك على صاحب اليد جبرا بغير اختيار فيه، فلا يرجع.
стр. 6399
ضَرَرٍ، وَإِنْ أَخَذَ بِالقِيمَةِ يَعْتَبِرُ قِيمَتَهُ مَقْلُوعًا كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الغَصْبِ (وَلَوْ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ فَبَنَى فِيهَا أَوْ غَرَسَ، ثُمَّ اسْتُحِقَّتْ رَجَعَ بِالثَّمَنِ) لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقٌّ وَلَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ البِنَاءِ وَالغَرْسِ، لَا عَلَى البَائِعِ إِنْ أَخَذَهَا مِنهُ، وَلَا عَلَى المُشْتَرِي إِنْ أَخَذَهَا مِنهُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يَرْجِعُ، لِأَنَّهُ مُتَمَلِّكٌ عَلَيْهِ فَنَزَلَا مَنْزِلَةَ البَائِعِ وَالمُشْتَرِي، وَالفَرْقُ عَلَى مَا هُوَ المَشْهُورُ: أَنَّ المُشْتَرِيَ مَغْرُورٌ مِنْ جِهَةِ البَائِعِ وَمُسَلَّطٌ عَلَيْهِ مِنْ جِهَتِهِ، وَلَا غُرُورَ وَلَا تَسْلِيطَ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ مِنْ المُشْتَرِي، لِأَنَّهُ مَجْبُورٌ عَلَيْهِ، قَالَ: (وَإِذَا انْهَدَمَتْ الدَّارُ، أَوْ احْتَرَقَ بِنَاؤُهَا، أَوْ جَفَّ شَجَرُ البُسْتَانِ بِغَيْرِ فِعْلِ أَحَدٍ: فَالشَّفِيعُ بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ) لِأَنَّ البِنَاءَ وَالغَرْسَ تَابِعٌ حَتَّى دَخَلَا فِي البَيْعِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ، فَلَا يُقَابِلُهُمَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ مَا لَمْ يَصِرْ
ولأن البائع سلط المشتري بإيجاب البيع على البناء، والمأخوذ منه الشفعة لم يسلط الشفيع على البناء، بل هو مجبر على التسليم إلى الشفيع، فلا يرجع بقيمته عليه كجارية أسرها الكفار وأحرزوها [بدراهم] (١)، ثم أخذها المسلمون فوقعت في سهم غاز، أخذها المالك القديم بالقيمة واستولدها، فجاء مستحق وأقام بينة أنها أمته دبرها قبل الأسر ردت عليه؛ لأنها لا تملك بالإحراز، ويضمن المالك القديم العقر وقيمة الولد، ويرجع على الغازي بقيمتها التي دفع إليها؛ لأنه دفعها إليه لتسليم الجارية، ولم يسلم، ولا يرجع عليه بقيمة الولد والعقر؛ لأن المأخوذ منه مجبر على الدفع، فلا يصير غارا.
وكذا لو قسمت بين اثنين، فبنى أحدهما ثم استحقت حصته، لا يرجع عليه بقيمة البناء؛ لأن كل واحد منهما يجبر على القسمة بخلاف الدارين، فإنهما لو اقتسماها وبنى أحدهما في دار نصيبه ثم استحقت، فإنه يرجع على شريكه بنصف قيمة البناء؛ لأنه بمنزلة البيع، كذا في الإيضاح والمبسوط (٢).
قوله: (فلا يقابلهما) أي: البناء والغرس وفي بعض النسخ: (فلا يقابله) أي: كل واحد من البناء والغرس؛ لأنه تابع أو التابع، وبه قال الشافعي في
стр. 6400
مَقْصُودًا، وَلِهَذَا جَازَ بَيْعُهَا مُرَابَحَةٌ بِكُلِّ الثَّمَنِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا غَرِقَ نِصْفُ الأَرْضِ حَيْثُ يَأْخُذُ البَاقِيَ بِحِيَّتِهِ، لِأَنَّ الفَائِتَ بَعْضُ الأَصْلِ. قَالَ: (وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ) لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ تَمَلُّكِ الدَّارِ بِمَالِهِ. قَالَ: (وَإِنْ نَقَضَ المُشْتَرِي البِنَاءَ، قِيلَ لِلشَّفِيعِ: إِنْ شِئت فَخُذْ الأرض بِحِيَّتِهَا، وَإِنْ شِئْتَ فَدَعْ) (لِأَنَّهُ صَارَ مَقْصُودًا بِالإِتْلَافِ فَيُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ، بِخِلَافِ الأَوَّلِ، لِأَنَّ الهَلَاكَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ) (وَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ النَّقْضَ) لِأَنَّهُ صَارَ مَفْصُولًا فَلَمْ يَبْقَ تَبَعًا. قَالَ: (وَمَنْ ابْتَاعَ أَرْضًا
قول، وأحمد في رواية، وهو رواية المزني عنه وهو الأصح.
وقال الشافعي وأحمد، والعنبري، والثوري: يأخذه بالحصة، وهو رواية البويطي، والزعفراني، والربيع عنه.
وأصله: أن الثمن بمقابلة الأصل دون الأوصاف عندنا، وعنده في قول يقابلها شيء من الثمن، وقد مر في البيوع، وهذا لأن قوام البناء بالأرض كقوام الوصف بالموصوف، ولهذا كان له أن يبيعه مرابحة بكل الثمن عندنا، وعنده يمنع من ذلك.
قوله: (بخلاف ما إذا غرق نصف الأرض حيث يأخذ الباقي بالحصة) بلا خلاف، والتقييد بالنصف لا لإخراج غيره؛ لأن الحكم في الثلث وغيره، كذا ذكره في المبسوط إلا أن المصنف اتبع وضع المبسوط.
قوله: (فللشفيع أن يأخذ الأرض بحصتها) من الثمن فيقسم الثمن على قيمة البناء، وعلى قيمة الأرض.
(وليس للشفيع أن يأخذ النقض) أي المنقوض لأنه منقول، وإنما يأخذه قبل النقض بعلة التبعية، وقد زالت التبعية، ولم يذكر في الكتاب حكم ما إذا هدمه أجنبي. وفي المبسوط: سواء، لكن تسلم قيمة البناء للمشتري؛ لأن سلامة بدل البناء للمشتري بمنزلة سلامة البناء، كما [لو] (١) هدمه بنفسه وأخذ النقض، والنقض بضم النون وكسرها، وعن الغوري بالكسر لا غير.
стр. 6401
وَعَلَى نَخْلِهَا ثَمَرٌ: أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِثَمَرِهَا) وَمَعْنَاهُ: إِذَا ذُكِرَ الثَّمَرُ فِي البَيْعِ، لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ اسْتِحْسَانٌ، وَفِي القِيَاسِ: لَا يَأْخُذُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَبَع؛ أَلَّا يَرَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي البَيْعِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ فَأَشْبَهَ المَتَاعَ فِي الدَّارِ. وَجْهُ الاسْتِحْسَانِ: أَنَّهُ بِاعْتِبَارِ الاتِّصَالِ صَارَ تَبَعًا، لِلْعَقَارِ كَالبِنَاءِ فِي الدَّارِ، وَمَا كَانَ مُرَكَّبًا فِيهِ فَيَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ. قَالَ: (وَكَذَلِكَ إِنْ ابْتَاعَهَا وَلَيْسَ فِي النَّخِيلِ ثَمَرٌ فَأَثْمَرَ فِي يَدِ المُشْتَرِي) يَعْنِي يَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ، لِأَنَّهُ مَبِيعٌ تَبَعًا لِأَنَّ البَيْعَ سَرَى إِلَيْهِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي وَلَدِ المَبِيعِ. قَالَ: (فَإِنْ جَنَّهُ المُشْتَرِي ثُمَّ جَاءَ الشَّفِيعُ لَا يَأْخُذُ الثَّمَرَ فِي الفَصْلَيْنِ جَمِيعًا) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ تَبَعًا لِلْعَقَارِ وَقْتَ الأَخْذِ حَيْثُ صَارَ مَفْصُولًا عَنْهُ فَلَا يَأْخُذُهُ.
قَالَ فِي الكِتَابِ: (وَإِنْ جَذْهُ المُشْتَرِي سَقَطَ عَنْ الشَّفِيعِ حِصَّتُهُ) قَالَ ﵁ (وَهَذَا جَوَابُ الفَصْلِ الأَوَّلِ) لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي البَيْعِ مَقْصُودًا فَيُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ (أَمَّا فِي الفَصْلِ الثَّانِي يَأْخُذُ مَا سِوَى الثَّمَرِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ) لِأَنَّ الثَّمَرَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَ العَقْدِ، فَلَا يَكُونُ مَبِيعًا إِلَّا تَبَعًا فَلَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وفي القياس: لا يأخذه، وبه قال أحمد والشافعي، فهو للمشتري مبقى إلى الجذاذ كالزرع، وكذا الثمرة المحدثة في يد المشتري كان له، ويبقى إلى الجذاذ كالزرع عندهما، وقول مالك كقولنا.
قوله: (وما كان مركبا فيه) أي: في المشفوع كالأبواب والسرر المركبة.
قوله: (في ولد المبيع) يعني إذا ولدت المبيعة قبل قبض المشتري يسري حكم البيع إليه، فيكون ملك المشتري كأمه.
قوله: (قال في الكتاب) أي: القدوري، فإن جَذَّه المشتري سقط عن الشفيع حصته.
(وهذا جواب الفصل الأول) وهو ما إذا ابتاع أرضًا على نخلها تمر، والفصل الثاني إذا ابتاعها وليس في النخيل تمر، فأثمر يأخذه بجميع الثمن.
(فاشترى الثمر) إلى آخره وهذا جواب ظاهر الرواية.
وعن أبي يوسف في قوله: الأول يأخذها بحصتها من الثمن في الفصل الثاني؛ لأن حال المشتري مع الشفيع كحاله مع البائع، ولهذا يتناول الثمار
стр. 6402
بَابُ مَا تَجِبُ فِيهِ الشَّفْعَةُ وَمَا لَا تَجِبُ
الحادثة، حتى لا يبيعها مرابحة بلا بيان كالثمار الموجودة، فكذا في حق الشفيع.
وجه ظاهر الرواية وهو الذي رجع إليه أبو يوسف: أنه لا حصة له من الثمن؛ لأنه لم يرد عليه العقد ولا القبض الذي له شبهة العقد، ففواتها لا يوجب سقوط شيء من الثمن، أما لو كانت موجودة في يد المشتري كأن يضمنه إلى الأصل، ويبيع الكل مرابحة، فإذا تناول ذلك لا يبيعها مرابحة بلا بيان، إلا أن يكون أنفق عليه مثل ما أكل.
أما الثمار الموجودة وقت العقد إذا أخذها المشتري، فلها حصة من الثمن، ولا حق للشفيع فيها بعد الجذاذ، ويطرح حصتها من الثمن عن الشفيع، كذا في المبسوط.
وفي الإيضاح: ولو أثمرت في يد البائع بعد البيع قبل القبض فأتلفه البائع برفع حصته؛ لأن ما حدث قبل القبض له حصة من الثمن، على اعتبار صيرورتهما مقصودًا بالقبض أو بالإتلاف، وعند الشافعي، وأحمد: ترفع حصة الثمن في جميع الصور.
بَابُ مَا تَجِبُ فِيهِ الشَّفْعَةُ وَمَا لَا تَجِبُ
ذكر تفصيل ما تجب فيه الشفعة بعد ذكر نفس الشفعة مجملا إذ التفصيل يحتاج إلى سبق ذكر الإجمال.
العقار كل مال له أصل من دار أو ضيعة وإن كان مما لا يقسم، ثم عند الشافعي ومالك وأحمد في رواية لا شفعة فيما لا يقسم كالحمام، والرحى، والنهر، والبئر، والطريق، وعندنا والثوري ومالك في رواية وأحمد في رواية وابن سريج من أصحاب الشافعي تثبت.
ولو كان البئر واسعة يمكن أن يبنى فيها ويجعل بئرين، والحمام كثير البيوت يمكن جعله حمامين، أو يمكن جعل كل بيت بيتين، أو الطاحونة كبيرة تجعل طاحونتين لكل واحدة حجران تثبت الشفعة فيها عند الشافعي على الأصح وبه قال أحمد وإن لم يكن كذلك وهو الغالب في هذه العقارات فلا شفعة فيها
стр. 6403
قَالَ: (الشَّفْعَةُ وَاجِبَةٌ فِي العَقَارِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُقْسَمُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا شُفْعَةَ فِيمَا لَا يُقْسَمُ، لِأَنَّ الشَّفْعَةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ دَفْعًا لِمُؤنَةِ القِسْمَةِ، وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا لَا يُقْسَمُ وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: الشَّفْعَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ عَقَارٌ أَوْ رَبْعٌ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ العُمُومَاتِ، وَلِأَنَّ الشَّفْعَةَ سَبَبُهَا الاتِّصَالُ فِي المِلْكِ، وَالحِكْمَةُ دَفْعُ ضَرَرِ سُوءِ الجِوَارِ عَلَى مَا مَرَّ، وَأَنَّهُ يَنْتَظِمُ القِسْمَيْنِ مَا يُقْسَمُ وَمَا لَا يُقْسَمُ وَهُوَ الحَمَّامُ وَالرَّحَى وَالبِثْرُ وَالطَّرِيقُ.
قَالَ: (وَلَا شُفْعَةَ فِي العُرُوضِ وَالسُّفُنِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا شُفْعَةَ إِلَّا فِي رَبْعِ أَوْ حَائِطٍ» وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكِ فِي إِيجَابِهَا فِي السُّفُنِ،
على الأصح كذا في شرح الوجيز.
للشافعي قوله ﷺ : «لَا شُفَعَةَ في فناء ولا طريق ولا منقبة»، والمنقبة الطريق الضيق، رواه أبو الخطاب.
وعن عثمان أنه قال: لا شفعة في بئر ولا محل، ولأن الشفعة تدفع ضرر مؤنة القسمة وفيما لم يقسم لا يتحقق فيه هذا المعنى، ولأن النص جاء بالشفعة في العقار والبئر غير العقار ولا يمكن التعدية من محل الوفاق من غير جنس هذا الضرر فلا يمكن التعدية.
ولنا قوله ﷺ : «الشفعة في كلّ شيءٍ»، الحديث رواه جابر (١).
الربع: الدار، والرحى: أي بيتُ الرَّحى مع الرَّحي، والحائط البستان، ولأن الحمام لو كان مهدومًا فباع أحدهما نصيبه تثبت الشفعة، فكذا إذا كان غير مهدوم كالشقص من الدار.
ثم الشفعة في الرحى والحمام ما كان متصلا بهما كالبناء، ولا يأخذ القصاع لأنها غير متصلة، كذا في المبسوط (٢).
وقدر الحمام يدخل في بيته بلا ذكر الحقوق فيأخذ الشفيع وحديث أبي الخطاب غير معروف وحديث عثمان يمكن أن يكون مذهبه إن ثبت وقد بينا أن الشفعة لدفع ضرر سوء الجوار وهذا يشمل الكل.
قوله: (وهو) أي: هذا الحديث حجة على مالك، فإنه قال في رواية: إن
стр. 6404
وَلِأَنَّ الشَّفْعَةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ لِدَفْعِ ضَرَرِ سُوءِ الجِوَارِ عَلَى الدَّوَامِ، وَالمِلْكُ فِي المَنْقُولِ لَا يَدُومُ حَسَبَ دَوَامِهِ فِي العَقَارِ فَلَا يُلْحَقُ بِهِ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ «الْمُخْتَصَرِ»: وَلَا شُفْعَةَ فِي البِنَاءِ وَالنَّخْلِ إِذَا بِيعَتْ دُونَ العَرْصَةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ مَذْكُورٌ فِي الأَصْلِ، لِأَنَّهُ لَا قَرَارَ لَهُ فَكَانَ نَقْلِيًّا،
الشفعة تثبت في السفن من المنقولات فقط، وقال في رواية: تثبت الشفعة في جميع المنقولات كالحيوان والثياب، والسفن، ونحوها.
وعن أحمد في رواية: تثبت الشفعة فيما لا ينقسم كالحجر، والسيف، والحيوان، وما في معنى ذلك، وعنه في رواية أخرى: أنها تثبت في البناء، والغراس، وإن بيع منفردًا، وهو قول مالك؛ لعموم قوله ﷺ : «الشفعة في كل شيءٍ» (١) وقوله ﵊: «الشفعة فيما لَا يَنقَسِمُ» (٢) ولأن الشفعة وضعت لدفع الضرر، وحصول الضرر بالشركة، ولنا الحديث المذكور في المتن.
(ولأن الشفعة) إلى آخره.
قوله: (حسب) بسكون السين وفتحها المقدار يعني الملك في المنقول لا يدوم كما يدوم في العقار، لا يشترى عادة للبيع بل لمصلحة المعاش بخلاف المنقول، فلا يلحق بالعقار.
قوله: (فكان نقليًّا) أي: البناء، والنخل، والشفعة في الأراضي الذي يملك رقابها، حتى لو باع الإمام الأراضي التي حازها لبيت المال، ويدفع إلى الناس مزارعة، فصار لهم فيها بناء وأشجار، فلو بيعت هذه الأراضي فبيعها باطل، وبيع البناء والشجر يجوز، ولكن لا شفعة فيها.
وكذا لو بيعت دار بجنب دار الوقف فلا شفعة للوقف، ولا يأخذها المتولي، وكذا إذا كانت هذه الدار وقفًا على رجل، فلا يكون للموقوف عليه الشفعة بسبب هذه الدار، كذا في الذخيرة، والمغني.
стр. 6405
وَهَذَا بِخِلَافِ العُلُوِّ، حَيْثُ يُسْتَحَقُّ بِالشُّفْعَةِ وَيُسْتَحَقُّ بِهِ الشَّفْعَةُ فِي السُّفْلِ إِذَا لَمْ يَكُنْ طَرِيقُ العُلُوِّ فِيهِ، لِأَنَّهُ بِمَا لَهُ مِنْ حَقِّ القَرَارِ التَحَقَ بِالعَقَارِ. قَالَ: (وَالمُسْلِمُ وَالذُّمِّيُّ فِي الشَّفْعَةِ سَوَاءٌ) لِلْعُمُومَاتِ، وَلِأَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِي السَّبَبِ وَالحِكْمَةِ فَيَسْتَوِيَانِ فِي
ولا يلزم على هذا استحقاق العبد المأذون والمكاتب الشفعة، ولا ملك لهما في رقبة الأرض؛ لأن استحقاقهما التصرف بالبيع والشراء قام مقام ملك الرقبة، كما قال أبو حنيفة ﵀ بالشفعة للمشتري الذي له الخيار إذا بيعت دار بجنب تلك الدار المشتراة، مع أنه لا يقول له بالملك.
وعند الأئمة الثلاثة: لا شفعة بشركة الوقف، وإن كان الموقوف عليه معينا، وفي المشتري الذي له الخيار تثبت له الشفعة كما يجيء.
قوله: (بخلاف العلو حيث يستحق بالشفعة) أي: يؤخذ بالشفعة لو بيع العلو، فكان لذلك العلو طريق في دار رجل، صار صاحب الدار التي فيها الطريق أولى من صاحب الدار التي عليها العلو، لما أن الشريك في الطريق مقدم على الجار، ولو سلم صاحب الطريق وللعلو جار ملازق أخذها بالشفعة مع صاحب السفل؛ لاستوائهما في الجوار.
(ويستحق به) أي: بالعلو الشفعة في السفل بالجوار، وليس بشريك إذا لم يكن طريق العلو في السفل، كذا في الإيضاح.
وقوله: (إذا لم يكن طريق فيه) أي: في السفل لبيان استحقاق الشفعة بالعلو بسبب الجوار لا بسبب الشركة لا لنفي الشفعة، إذا كان له طريق في السفل يأخذ الشفعة بسبب الشركة في الطريق لا بسبب الجوار، ويكون مقدما على الجار الملازق، كذا في الإيضاح، ولم يكن نظير البناء والنخل.
قوله: (والمسلم والذمي في الشفعة سواء)، وبه قال مالك، والشافعي، وأكثر أهل العلم.
وقال أحمد وابن أبي ليلى والحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز: لا شفعة لكافر على مسلم؛ لما روى الدارقطني بإسناده عن أنس أنه ﷺ قال: «لا
стр. 6406
الاسْتِحْقَاقِ، وَلِهَذَا يَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرُ وَالكَبِيرُ، وَالبَاغِي وَالعَادِلُ،
شُفعة لِنَصْرَانِي» (١) ولأن الشفعة لدفع الضرر، ولا يجوز دفع ضرر الكافر بإلحاق الضرر على المسلم، ولأن هذا رفق شرعي فلا يستحقه منكر الشريعة.
ولنا عمومات الأحاديث ولا تعارض لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] لأن المراد نفي السبيل حكمًا لا حقيقة، ونفي السبيل بالاسترقاق مراد بالإجماع، فلا يراد غيره؛ لأن المقتضى لا عموم له، كذا قيل وفيه نوع تأمل.
ولأنه خيار ثابت لدفع الضرر بالشراء فيستوي فيه المسلم والكافر كخيار العيب؛ لأن الذمي التزم أحكامنا في المعاملات، فكان الضرر مدفوعا عنه وقد قضى شريح بالشفعة للذمي فأمضاه عمر، أما حديث الدارقطني فغريب وما ثبت صحته.
قوله: (والصغير والكبير) وفي المبسوط: قال ابن أبي ليلى: لا شفعة للصغير، يروى هذا عن النخعي، والحارث العكلي؛ لأن الصبي لا يمكنه الأخذ، ولا يمكن انتظاره حتى يبلغ؛ لما فيه من الإضرار بالمشتري، وليس للمولى الأخذ؛ لأن من لا يملك العفو لا يملك الأخذ، ولأن الصغير في الجوار تبع فهو في معنى المستعير والمستأجر.
وللعامة العمومات، ولأن سبب الاستحقاق الشركة والجوار، يستوي فيه الصغير والكبير والصغير محتاج إلى الأخذ؛ لدفع الضرر في ثاني الحال، وإن لم يكن محتاجًا إلى ذلك في الحال، والولي يملك الأخذ كالرد بالعيب نظرًا له، وإنما لا يملك العفو؛ لأن فيه إسقاط حقه، وفيه ضرر له.
وفي المبسوط: يثبت حق الشفعة للحمل الذي لم يولد؛ لأن الحمل من أهل الملك بالإرث، فيتحقق سبب الاستحقاق في حقه، حتى لو وضعت الحبلى حملها، وقد ثبت نسبه شرك الورثة في الشفعة، وإن كان الوضع بعد البيع لأكثر
стр. 6407
وَالحُرُّ وَالعَبْدُ، إِذَا كَانَ مَأْذُونَا أَوْ مُكَاتَبًا. قَالَ: (وَإِذَا مَلَكَ العَقَارَ بِعِوَضٍ هُوَ مَالٌ وَجَبَتْ فِيهِ الشَّفْعَةُ) لِأَنَّهُ أَمْكَنَ مُرَاعَاةُ شَرْطِ الشَّرْعِ فِيهِ وَهُوَ التَّمَلُّكُ بِمِثْلِ مَا تَمَلَّكَ المُشْتَرِي صُورَةٌ أَوْ قِيمَةٌ عَلَى مَا مَرَّ قَالَ: (وَلَا شُفْعَةَ فِي الدَّارِ الَّتِي يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ عَلَيْهَا، أَوْ يُخَالِعُ المَرْأَةَ بِهَا، أَوْ يَسْتَأْجِرُ بِهَا دَارًا أَوْ غَيْرَهَا، أَوْ يُصَالِحُ بِهَا عَنْ دَمِ عَمْدٍ، أَوْ يَعْتِقُ عَلَيْهَا عَبْدًا) لِأَنَّ الشَّفْعَةَ عِنْدَنَا إِنَّمَا تَجِبُ فِي مُبَادَلَةِ المَالِ بِالمَالِ لِمَا
من ستة أشهر؛ لأنا لما حكمنا بثبوت نسبه من الميت فقد حكمنا بالإرث له، وبكونه موجودًا عند البيع فصار كما لو كان أحد الشركاء غائبًا ثم حضر، له أن يشركهم في الشفعة ويأخذ حصته، وكذا لو كان من أهل البدع، له الشفعة عند عامة العلماء كالفاسق بالأعمال (١).
وعن أحمد: لا شفعة لغلاة الروافض الذين يحكم بكفرهم؛ لأنه لا شفعة لكافر على مسلم.
قوله: (إذا كان مأذونا) يسعى، يستحق الشفعة العبد المأذون إذا كان بائع الدار غير المولى بلا خلاف، وإذا كان البائع مولى العبد يأخذ بالشفعة إذا كان عليه دين، ذكره في المبسوط.
وقياس قول الأئمة الثلاثة: لا يأخذ كما لو لم يكن عليه دين.
قوله: (وإذا ملك العقار بعوض)، قيد به لأنه إذا ملك العقار بالهبة، والصدقة، والوصية، والإرث لا شفعة له عند عامة أهل العلم، ومنهم مالك، والشافعي، وأحمد.
وحكي عن مالك رواية في المنتقل بصدقة أو هبة فيه الشفع، وبه قال ابن أبي ليلى، ويأخذه الشفيع بقيمته؛ لأن الشفعة لدفع ضرر الشريك أو الجار، وهذا موجود في التمليك كيفما كان، ولا الإقدام على الشراء دليل، وبذل بدله أيضًا دليل فانتزاعه منه أعظم ضررًا من أخذه ممن لم يؤخذ منه دليل الحاجة وهو الموهوب للعامة أنه انتقل بغير عوض فأشبه الميراث.
ولأن النص ورد في البيع والهبة ليست في معناه فلا تلحق به.
стр. 6408
بَيَّنَا، وَهَذِهِ الأَعْوَاضُ لَيْسَتْ بِأَمْوَالٍ، فَإِيجَابُ الشَّفْعَةِ فِيهَا خِلَافُ المَشْرُوعِ وَقَلْبُ المَوْضُوعِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَجِبُ فِيهَا الشَّفْعَةُ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْوَاضَ مُتَقَوِّمَةٌ عِنْدَهُ فَأَمْكَنَ الْأَخْذُ بِقِيمَتِهَا إِنْ تَعَذَّرَ بِمِثْلِهَا كَمَا فِي البَيْعِ بِالعَرْضِ، بِخِلَافِ الهِبَةِ، لِأَنَّهُ لَا عِوَضَ فِيهَا رَأْسًا، وَقَوْلُهُ: يَتَأَنَّى فِيمَا إِذَا جَعَلَ شِقْصًا مِنْ دَارٍ مَهْرًا أَوْ مَا يُضَاهِيهِ،
(وعند الشافعي يجب فيها)، أي: في هذه الصورة الشفعة وبقوله قال مالك وأحمد في رواية ابن حامد عنه وابن شبرمة وابن أبي ليلى والحارث العكلي.
ثم اختلفوا بم يأخذه؟ قال مالك وابن شبرمة، وابن أبي ليلى: يأخذه بقيمة الشقص؛ لأنا لو أوجبنا عليه مهر المثل لقومنا البضع على الأجانب.
وقال الشافعي، وأبو حامد والعكلي: أخذه بالمهر في التزوج والخلع والمتعة بأن صالح على متعتها؛ لأن البدل مما لا مثل له فيأخذ بقيمة البدل وهي المهر، وبقولنا قال أحمد ظاهرًا، والحسن والشعبي، وأبو ثور، وابن المنذر.
قوله: (لأن هذه الأعواض متقومة) كالأعيان فإذا جعل الدلو عوضا عن البضع أو نحوه وقد تعذر على الشفيع الأخذ به، فيأخذ بقيمته، وهو مهر المثل كما لو اشترى بعبد.
قوله: (ويضاهيه) كبدل الخلع والأجرة، وبدل الصلح، وبدل العتق.
وقلنا: المال ليس بمثل للمستحق بعقد النكاح لا صورة ولا معنى، فلم يصلح قيمة له؛ لأن قيمة الشيء ما يقوم مقامه؛ لاتحادهما في المعنى الخاص، وهو المالية، وهذا المعنى لا يتحقق بين المستحق بالنكاح وبين المال.
غير أن الشرع جعل ملك النكاح مضمونًا بالمهر إبانة لخطر المحل، وصونًا لهذا العقد عن التشبه بالإباحة على ما قرر في الأصول، فظهر تقومه في حق هذا المعنى خاصة، على خلاف القياس لمكان الضرورة، فلا يظهر التقوم في حق غيره، وكذا الدم، والعتق غير متقوم؛ لأن قيمة الشيء ما يقوم مقامه في المعنى الخاص المطلوب، وهو معدوم فيهما، وإنما وجب الدية صيانة للدم عن الهدر، والإعتاق إزالة المالية وإسقاطها، فأنى يقوم المال مقامه؟
стр. 6409
لِأَنَّهُ لَا شُفْعَةَ عِنْدَهُ إِلَّا فِيهِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ تَقَوُّمَ مَنَافِعِ البُضْعِ فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهَا بِعَقْدِ الإِجَارَةِ ضَرُورِيٌّ فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الشَّفْعَةِ، وَكَذَا الدَّمُ وَالعِتْقُ غَيْرُ مُتَقَوْمٍ، لِأَنَّ القِيمَةَ مَا يَقُومُ مَقَامَ غَيْرِهِ فِي المَعْنَى الخَاصُ المَطْلُوبِ وَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِمَا، وَعَلَى هَذَا: إِذَا تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ مَهْرٍ ثُمَّ فَرَضَ لَهَا الدَّارَ مَهْرًا، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ المَفْرُوضِ فِي العَقْدِ فِي كَوْنِهِ مُقَابِلًا بِالبُضْعِ بِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَهَا بِمَهْرِ المِثْلِ أَوْ بِالمُسَمَّى، لِأَنَّهُ مُبَادَلَهُ مَالٍ بِمَالٍ، وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى دَارٍ عَلَى أَنْ تَرُدَّ عَلَيْهِ أَلْفًا، فَلَا شُفْعَةَ فِي جَمِيعِ الدَّارِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: تَجِبُ فِي حِصَّةِ الأَلْفِ لِأَنَّهُ مُبَادَلَةٌ مَالِيَّةٌ فِي حَقِّهِ.
وَهُوَ يَقُولُ: مَعْنَى البَيْعِ فِيهِ تَابِعٌ، وَلِهَذَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ، وَلَا يَفْسُدُ بِشَرْطِ
قوله: (في كونه) أي: في كون المفروض بعد العقد مقابلا بالبضع، وفي النهاية والأولى في تعليل هذه المسألة، ما ذكره في المبسوط، وهو أن الشفعة تختص بمعاوضة مال بمال مطلق، والبضع ليس بمال، فكان المملوك صداقًا بمنزلة الموهوب، فلا تجب فيه الشفعة، وهذا لأن الشفيع إنما يتملك بمثل السبب الذي تملك به المشتري، فإن الشرع قدم الشفيع على المشتري في حق الأخذ له بذلك السبب لا بإنشاء سبب آخر (١).
ولهذا لا تجب الشفعة في الموهوب؛ لأنه لو أخذه أخذه بعوض؛ فكان سببًا آخر غير السبب الذي تملك به المتملك، فكذلك هاهنا المرأة ملكتها صداقا، ولو أخذها الشفيع كان شراء، فكان سببا آخر، وإنما قلنا هذا؛ لأن الصفة المضافة إلى المشترى تنتقل إلى الشفيع عند الأخذ كما ذكرنا.
وقيل: هذا في الحقيقة ما ذكره في الكتاب.
قوله: (وقالا يجب في حصة الألف) أي: يقسم الدار على مهر مثلها، وألف درهم فما أصاب الألف يجب فيه الشفعة، وبه قال أحمد اعتبارا للبعض بالكل.
(وهو) أي: أبو حنيفة يقول: البيع تبع للنكاح هاهنا؛ لأن العقد حصل بلفظ النكاح، ولو كان هذا أصلا لكان نكاحًا في بيع فيفسد البيع، ولما جاز
стр. 6410
النِّكَاحِ فِيهِ، وَلَا شُفْعَةَ فِي الأَصْلِ فَكَذَا فِي التَّبَعِ، وَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ شُرِعَتْ فِي المُبَادَلَةِ المَالِيَّةِ المَقْصُودَةِ، حَتَّى أَنَّ المُضَارِبَ إِذَا بَاعَ دَارًا وَفِيهَا رِبْحٌ لَا يَسْتَحِقُّ رَبُّ المَالِ الشَّفْعَةَ فِي حِصَّةِ الرِّبْحِ لِكَوْنِهِ تَابِعًا فِيهِ. قَالَ: (أَوْ يُصَالِحُ عَلَيْهَا بِإِنْكَارٍ، فَإِنْ صَالَحَ عَلَيْهَا بِإِقْرَارٍ وَجَبَتْ الشَّفْعَةُ) قَالَ ﵁: هَكَذَا ذُكِرَ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ المُخْتَصَرِ، وَالصَّحِيحُ: أَوْ يُصَالِحُ عَنْهَا بِإِنْكَارِ مَكَانَ قَوْلِهِ: أَوْ يُصَالِحُ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ إِذَا صَالَحَ عَنْهَا بِإِنْكَارِ … ... ..
ثبت أنه تبع، ولا شفعة في الأصل، فكذا في البيع.
قوله: (لكونه) أي: الربح تابعًا لرأس المال، وليس في مقابلة رأس المال شفعة؛ لأن المضارب وكيل رب المال في البيع، وكل من يبيع له لا تجب الشفعة له، فكذا لا يجب في البيع.
وفي الإيضاح، والمغني فلو باع المضارب دارًا من المضاربة ورب المال شفيعها لا شفعة له، سواء كان في الدار ربح أو لا، وهذا الخلاف قالوا اشترى المضارب دارًا ورب المال شفيعها، حيث يأخذها رب المال وإن وقع الشراء له، ولكن في الحكم كأنه قال ثالث: ألا ترى أنه لا يقدر أن ينزعه من يده فيكون أن يأخذه.
وذكر محمد في المسألة الأولى: وليس إذا كان رب المال لا يملك نهيه عن البيع، ما يدل على أن المضارب ليس بوكيل بالبيع من جهته، ألا ترى أن رجلا رهن دارًا وسلط العدل على بيعها عند حلول الأجل، لم يكن للراهن أن ينهاه عن البيع، ولو باعها العدل والراهن شفيعها لا شفعة للراهن؛ لأن العدل وكيله مع أن الراهن لا يملك نهيه عن البيع.
قوله: (فإن صالح عليها بإقرار وجبت الشفعة)، ولا خلاف للأئمة الثلاثة فيها.
قوله: (والصحيح أن يصالح عنها، مكان يصالح عليها) لأنه عطف في المختصر.
قوله: (أو يصالح بإنكار) على الصور التي لا شفعة فيها، وهي التزوج،