← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وَالسَّلَامُ: «إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا» وَلَا مُتَمَسَّكَ لِمَالِكِ ﵀ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ جوابه: (ويخفي بها)، ولكنا نقول: عرف أبو حنيفة أن بعض الأئمة لا يأخذون قوله؛ لحرمة قول علي وابن مسعود، ففرع الجواب على قولهما كما فرع مسائل المزارعة على قول من يرى جوازها (١). وفي مبسوط شيخ الإسلام: عن أبي حنيفة: أنه لا يقولها الإمام (٢)؛ لأن الإمام داع والمأموم مستمع، وإنما يؤمن المستمع لا الداعي. والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩]، فموسى ﵇ يدعو وهارون ﵇ يُؤمن، فكذلك هاهنا. وأما قوله: (إذا أمن الإمام): سمى الإمام مُؤَمِّناً باعتبار التسبيب، والمسبب يجوز أن يسمى باسم المباشر، كما يقال: بني الأمير داره. وفي الإيضاح: فإذا فرغ الإمام من الفاتحة قال: (آمين)؛ لما روي أنه ﵇ قال: «إذا أمَّنَ الإمامُ فأمنوا، فمَن وافق تأمينه الملائكة غفر له ما تقدم مِنْ ذَنبِهِ» (٣)، والمراد من الموافقة: الإخلاص والثقة بالله تعالى (٤). وفي الكشاف: روي عن النبي ﵇ أنه قال: لقيني جبريل ﵇ عند فراغي منها آمين، وقال: أنه كالختم على الكتاب (٥) وليس من القرآن، بدليل أنه لم يُثبت في المصاحف (٦). والمشهور عن أبي حنيفة وأصحابه: أنه يقولها الإمام ويخفيها، ثم السنة فيها إخفاء عندنا، وفي رواية عن مالك (٧)، والشافعي في الجديد، والأظهر عن

стр. 632

وَالسَّلَامُ: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ» مِنْ حَيْثُ القِسْمَةُ، لِأَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ: فَإِنَّ الإِمَامَ يَقُولُهَا، قَالَ: (وَيُخْفُونَهَا) لِمَا رَوَيْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، مالك: لا يقولها الإمام. وقال الشافعي: يجهر الإمام به في صلاة الجهرية (١)، وبه قال أحمد (٢)، وعطاء، وداود؛ لما روي عن أبي هريرة أنه قال: كان إذا أمن النبي ﵇ أمن من كان خلفه، حتى كان للمسجد ضجة، وفي رواية: لجة (٣)؛ وهو اختلاط الأصوات. وروي عنه بعض أصحابه أنه قال: كنت أسمع الأئمة - ابن الزبير ومن بعده - يقولون: (آمين)، ويقول من خلفهم: (آمين) حتى يكون للمسجد ضجة (٤)، وكذا روي عن عكرمة. ولأن المقتدي تابع للإمام في التأمين، إنما يؤمن لقراءته فيتبعه في الجهر كما يتبعه في التأمين. وفي الكشاف (٥): عن وائل بن حجر أنه ﵇ كان إذا قرأ (ولا الضالين) قال: (آمين) ماداً بها صوته (٦). ولأنه ﵇ لما حث على التأمين عند تأمين الإمام علم أنه مسموع. كذا في الخلاصة الغزالية (٧).

стр. 633

وَلِأَنَّهُ دُعَاءُ فَيَكُونُ مَبْنَاهُ عَلَى الإِخْفَاءِ، وَالمَدُّ وَالقَصْرُ فِيهِ وَجْهَانِ، ولنا: حديث ابن مسعود: «أربع يخفيها الإمام … » الحديث (١)، وما روى وائل بن حجر أنه ﵇ أخفى بها (٢)، وهو قول عمر، وعلي، وابن مسعود. ولأن التأمين دعاء، فإن (آمين) صوت يسمى به الفعل الذي هو استجب كرويد، حتى قال ابن عباس: سألت رسول الله ﷺ عن معنى قوله (آمن) فقال: «افعل» (٣). وقيل: هو تعريب (همين، أي همين مي خواهم، أو همين مي بايد) وهو اسم من أسماء الله تعالى؛ فمعناه: يا آمين استجب. والدليل عليه: قصة موسى وهارون ﵉. والأصل في الدعاء: الإخفاء، قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقال ﵇: «خيرُ الدّعاءِ الخَفِيّ، وخير الرزق ما يكفي» (٤)، ولأن بإخفائها يقع التمييز بين القرآن وغيره، فإنه إذا أجهر بها مع الجهر بالفاتحة يلتبس بأنها منها، وأما الأخبار والآثار إذا تعارضت يعمل بالأصل، والأصل في الدعاء الإخفاء كما ذكرنا، أو يحمل ما روى الخصم على أنه وقع اتفاقا، أو على التعليم، أو على ابتداء الأمر. وقد رد النخعي حديث وائل، وحديث أبي هريرة معارض بما روي عن عمر وعلي وابن مسعود، وأما قوله ﵇: «أنه مسموع»؛ فقلنا: يمكن أن يعرف تأمين الإمام من غير أن يجهر به؛ لأنه إذا قال: (ولا الضالين) فقد جاء أوان تأمين الإمام، فيعرف بهذا الطريق. كذا في الأسرار، ومبسوط شيخ

стр. 634

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الإسلام (١). وفي المحيط، وفتاوى الظهيرية: لو سمع المقتدي من الإمام (ولا الضَّالِّين) في صلاة لا يجهر فيها، هل يؤمن؟ قال بعض مشايخنا: [ل] يؤمن؛ لأن ذلك الجهر لغو، فلا يتبع. وعن الهندواني: يؤمن؛ لظاهر الحديث (٢). وفي الْمُجْتَبى: لا خلاف أن (آمين) ليس من القرآن، حتى قالوا بارتداد من قال أنه منه، وأنه مسنون في حق المنفرد والإمام والمأموم والقارئ خارج الصلاة (٣). واختلف القراء في التأمين بعد الفاتحة إذا أراد ضم سورة إليها، والأصح: أن يأتي بها، ثم فيه لغتان: مد الألف بدلاً عن ياء النداء، قال الشاعر (٤): يا رَبِّ إِنَّكَ ذو مَنْ وَمَغفِرَةِ … ثَبِّتْ بِعافِيَةِ لَيلَ المُحِبّينا يا رَبِّ لا تَسْلُبَنِّي حُبَّهَا أَبَدًا … وَيَرْحَمُ اللهُ عَبْدًا قَالَ آمَينَا وقصر الألف، كما قال الشاعر: تباعد مني فُطَحل (٥) إذ دعوته … آمين، فزادَ الله ما بَينَنا بعدا (٦) وعلى اللغتين مبني على الفتح، مثل: كيف وأين؛ لاجتماع الساكنين،

стр. 635

وَالتَّشْدِيدُ فِيهِ خَطَأً فَاحِشٌ. قَالَ: ﴿ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَرْكَعُ﴾ وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَيُكَبِّرُ مَعَ الأَنْحِطَاطِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ويجوز سكون النون فيهما، وتشديد الميم خطأ تفسد به الصلاة عندهما. وفي التجنيس: لو قال (آمين) بتشديد الميم في صلاته تفسد؛ لأنه ليس بشيء. وقيل: عندهما لا تفسد؛ لأنه يوجد في القرآن، وعليه الفتوى (١). وأصل (آمين): يا أمين استجب دعاءنا، وهو اسم من أسماء الله تعالى، إلا أنه أسقط ياء النداء، فأقيم المد مقامه. وفي الخبازية: فيه أربع لغات: فتح الألف، ومدها، وقصرها، وفتح النون في الوجهين وتسكينه (٢)، ومعنى قوله: (والتشديد فيه خطأ فاحش) أنه ليس بشيء. وقيل: معناه: قاصدين الصلاة لذكره. وقوله: (ولا الضالين): وعن الحلواني: له وجه؛ لأنه حينئذ معناه: ندعوك قاصدين إجابتك؛ صيانة لصلاة العامة (٣). وعن جعفر الصادق والحسين بن الفضل أنهما قرآه هكذا. وفي الخلاصة: المد اختيار الفقهاء؛ لموافقة المروي عن النبي ﵇، والقصر اختيار الأدباء (٤). ثم لفظ المؤتم مشترك بين اسم الفاعل والمفعول، فإن كان اسماً للفاعل يكون أصله مؤتمم، وإن كان اسماً للمفعول يكون أصله مؤتمم، ونظيره المختار؛ فإنه مشترك أيضاً بينهما. قوله: (وفي الجامع): من دأب هذا الكتاب إذا وقع نوع المخالفة بين رواية الجامع الكبير ورواية القدوري؛ التصريح بذكر الجامع، ثم المخالفة هاهنا؛ هي

стр. 636

﵊ كَانَ يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعِ … أن الأول يقتضي التكبير في محض القيام، وبه قال بعض مشايخنا؛ لأنه أحد وجهي الواو؛ لأنه قال: ثم يكبر ويركع، والثاني يقتضي مقارنة التكبير مع الانحطاط؛ لأن مع محكم في المقارنة، وبه قال البعض. كذا في المحيط (١). قال الطحاوي (٢): وهو الصحيح؛ لأنه ﵇ يكبر عند كل خفض ورفع. وفي شرح الإرشاد: ينبغي أن يكون حالة الانحطاط وحالة الرفع، لا في حالة الاستواء ولا في حالة تمام الانحناء؛ لأن هذا التكبير يفعل للانتقال، فهو في حالة الانتقال أولى (٣). وقال بنو أمية: لا يكبر حال ما يركع، بل يكبر حال ما يرفع رأسه من الركوع؛ لأنه روي أنه ﵇ فعل هكذا، ولأن التكبير حال الانتقال ما شرع مقصوداً بنفسه، وإنما شرع للإعلام، بدليل سنية الجهرية، وإنما يحتاج إلى الإعلام حال الرفع؛ لأن القوم لا يعاينون رفع الإمام رأسه من الركوع والسجود، فيحتاج إلى الإعلام، بخلاف حالة الخفض؛ فإنهم يعاينون خفضه فاستغني عنه. ومن الناس من قال: إنه يقولها حالة الخفض ولا يجهر؛ لأنه ذكر مسنون، والسنن في الأذكار المخافتة إلا لعذر، والعذر فيه تكبيرات حالة الرفع إعلام الانتقال، ولا حاجة إليه حالة الخفض فيخافت. ولنا: ما روينا «أنه ﵇ يُكبّر مع كلِّ خفض ورفع» (٤). والمعنى: أن الانتقال من ركن إلى ركن بمعنى الركن؛ لأنه لا يمكن تحصيل ما بعده من الركن إلا به، وما يتوسل إلى الفرض إلا به كان فرضاً، فوجب أن يحله ذكر مسنون كما حل سائر الأركان.

стр. 637

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأما ما رووا فنقول: أنه ﵇ كان يكبر، إلا أنه لم يسمعه الراوي - وهو عبد الرحمن بن أبزى - وسمعه غيره، أو نرجح فنقول: المصير إلى ما روينا أولى؛ لأنه أثبت متناً وأتقن رواة، وأما من قال: الجهر لا يحتاج إليه؛ فقلنا: قد يحتاج إليه؛ لأنه قد يكون خلفه أعمى، فلا يعاين خفض الإمام، كما يسر الجهر بالتكبيرة الأولى مع رفع اليدين لهذا المعنى. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (١). وفي الْمُجْتَبى: واختلف في وقت الركوع، والأصح: أنه بعد الفراغ من القراءة. وقيل: إن بقي في حالة الخرور حرف أو كلمة من القراءة؛ فلا بأس به (٢). قلت: وقول القدوري (ثم يكبر ويركع)؛ يشير إلى أنه يكبر حالة القيام، وهكذا ذكر في المحيط مستدلا بقول محمد (إذا أراد أن يركع يكبر) (٣). وقيل: يكبر عند الخرور وانتهاؤه عند انتهائه. وبه قال الشافعي. وقال الطحاوي: يخر راكعا مكبرا (٤). وفي خزانة الأكمل: لا يكره وصل القراءة بتكبير الركوع (٥). وعن أبي يوسف: ربما وصلت وربما تركت. قال أبو جعفر: يصلها وصلاً، وربما ترك أبو يوسف الأفضل؛ تعليما للرخصة (٦). ثم هذه التكبيرات كلها سنة عند الجمهور من الصحابة والتابعين من العلماء، وقالت الظاهرية، وأحمد في رواية (٧): أنها واجبات.

стр. 638

(وَيَحْذِفُ التَّكْبِيرَ حَذْفًا) لِأَنَّ المَدَّ فِي أَوَّلِهِ خَطَأً مِنْ حَيْثُ الدِّينُ، لِكَوْنِهِ اسْتِفْهَامًا، (ويحذف)؛ أي: لا يمد التكبير. قوله: (لكونه استفهاماً)؛ فهذا يقتضي أن لا يثبت عنده كبرياء الله تعالى وهو كفر، هذا من حيث الظاهر؛ فإن الهمزة للإنكار وضعاً، ولكن من حيث إنها يجوز أن تكون للتقرير لا يلزم الكفر، وما ذكره المصنف وهو أنه قال: خطأ من حيث الدين؛ فحسن. وفي الخلاصة: لو قال (الله أكبر) بمد ألف (أكبر) تكلموا في كفره، ولا تجوز صلاته، ولأنه إن لزم الكفر فظاهر، وإن لم يلزم يكون كلاما فيه احتمال الكفر، فيخشى عليه الكفر، وهو خطأ أيضاً شرعاً؛ لأن الهمزة إذا دخلت على كلام منفي كما في قوله ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] الآية؛ تكون للتقرير، لا نفي كلام مثبت ظاهراً (١). كذا [قيل] (٢). وفيه ضعف من حيث اللغة؛ وذلك لأن أفعل التفضيل لا يحتمل المد، حتى قال مشايخنا: لو أدخل المد بين الباء والراء في لفظ أكبر عند افتتاح الصلاة لا يصير شارعاً، بخلاف ما لو فعل المؤذن؛ حيث لا يجب إعادة الأذان، وإن كان خطأ؛ لأن أمره أوسع. كذا في جامع المحبوبي (٣). ثم لفظ (أوله وآخره) يحتمل أن يرجع إلى لفظ أكبر، بخلاف ما ذكر في كشف الغوامض؛ أي: لا يمد في كلمة (الله) ولا في كلمة (أكبر)، وفصله في الفوائد الظهيرية فقال: وأما إذا مد بهمزة (الله) تفسد صلاته، وكذا يصير شارعاً؛ لأنه شك، وأما إذا مد آخره؛ بأن خلل الألف بين اللام والهاء؛ فلا يضر لأنه إشباع، ولكن الحذف أولى، وأما إذا مد الهمزة من (أكبر)؛ فتفسد أيضاً لمكان الشك، وأما إذا مد الآخر؛ بأن خلل الألف بين الباء والراء؛ قال بعضهم: تفسد صلاته، وقال بعضهم: لا تفسد، ويجزم الراء من أكبر، وإن كان

стр. 639

وَفِي آخِرِهِ لَحْنُ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ (وَيَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَيُفَرِّجُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ) لِقَوْلِهِ أصله الرفع بالخبرية؛ لأنه روي عن إبراهيم النخعي موقوفا عليه، ومرفوعاً إلى النبي ﵇ أنه قال: «الأذان جزم والإقامة جزم والتكبير جزم» (١). وقال الحلواني: وإن شاء فخم التكبير. وفي المبسوط: ولو مد ألف (الله) لا يصير شارعاً، وخيف عليه الكفر إن كان قاصداً، وكذا لو مد ألف (أكبر)، وكذا بمد بائه لا يصير شارعاً؛ لأن أكبار جمع الكبر، فكان فيه إثبات الشركة (٢). وقيل: (أكبار) اسم الشيطان، ولو مد هاء (الله) فهو خطأ لغة، وكذا لو مد راء (أكبر)؛ لأنه يصير صيغة جمع الأخبار، ولو مد لام (الله) فهو صواب، ولو قال (الله) بجزم الهاء فهو خطأ؛ لأنه لم يجيء إلا في ضرورة الشعر. وفي البدرية (٣): ومعنى شرعية التكبير عند الانتقال من ركن إلى ركن؛ أنه أكبر من أن يؤدى حقه بهذا القدر من العبادة، فالله تعالى أعلى من أن يعبده أحد كما هو مستحقه، أو يثني عليه حق ثنائه، فإن معنى قوله ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] في حق المؤمنين؛ أي: ما أثنوا عليه حق ثنائه، وفي حق الكفار؛ ما عرفوه حق معرفته، وهذا كما قالت الملائكة: ما عبدناك حق عبادتك. قوله: (ويعتمد): في المبسوط (٤): كان ابن مسعود وأصحابه يقولون بالتطبيق، وصورته: أن يضم إحدى كفيه إلى الأخرى، ويرسلهما بين فخذيه، ورأى سعد بن [أبي] (٥) وقاص ابنه يطبق فنهاه، فقال: رأيت عبد الله بن مسعود

стр. 640

﵊ لِأَنَسِ ﵁: «إِذَا رَكَعْت فَضَعْ يَدَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ وَفَرِّجْ بَيْنَ أَصَابِعِكَ» وَلَا يُنْدَبُ إِلَى التَّفْرِيجِ إِلَّا فِي هَذِهِ الحَالَةِ، لِيَكُونَ أَمْكَنَ مِنَ الْأَخْذِ، وَلَا إلى الضَّمِّ إِلَّا فِي حَالَةِ السُّجُودِ، وَفِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ يُتْرَكُ عَلَى العَادَةِ (وَيَبْسُطُ ظَهْرَهُ) يفعل هكذا، فقال: رحم الله ابن أم عبد كنا أمرنا بهذا ثم نهينا عنه (١). وفي حديث الأعرابي حين علمه النبي ﷺ الصلاة [قال] (٢) «ثم اركع وضع يديك على ركبتيك» (٣). وفي شرح الإرشاد: عن ابن عمر أنه ﵇ ما فعل التطبيق إلا مرة واحدة. وفي الآثار: روي أن أبا حميد الساعدي لما وصف صلاة رسول الله ﷺ في عشرة من الصحابة؛ وضع الراحتين على الركبتين، فلما فرغ من صلاته قالوا له: صدقت (٤)، فكان التطبيق مكروهاً. أمكن من الأخذ؛ أي: أخذ الركبة لما روي عن عمر، ﵁ أنه قال: يا معشر الناس أمرنا بالركب خذوا بالركب (٥) إلا في حالة السجود أي يتكلف بضم الأصابع فيها لأن اليد أقوى في الاعتماد عليه وتزداد قوتها عند الضم ولتقع رؤوس الأصابع مواجهة إلى القبلة فقد قال ﵇: «إذا سجد أحدُكُم فَلْيُوضع من أعضائه إلى القبلة ما استطاع» وفيما وراء ذلك أي حالة الركوع وحالة السجود وحالة الافتتاح وغيرها. (وبسط ظهره): في المبسوط (٦): روى أبو هريرة (٧)

стр. 641

لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﵊ كَانَ إِذَا رَكَعَ بَسَطَ ظَهْرَهُ»، (وَلَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَلَا يُنَكِّسُهُ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ إِذَا رَكَعَ لَا يُصَوِّبُ رَأْسَهُ وَلَا يُقَنِّعُهُ وعائشة (١) أنه ﵇ كان إذا ركع بسط ظهره، حتى لو وضع على ظهره قدح ماء لاستقر وما يصب، وفي رواية: «لو صب على ظهره قطرة لم تزل (٢). وفي الإيضاح: لو صب على ظهره ماء ما انصب قطرة» (٣). قوله: (ولا ينكسه) نكست الشيء؛ قلبته على رأسه، والناكس: المطأطئ رأسه، وصَوَّب رأسه خفضه، وأقنع رأسه إذا رفعه، ومنه قوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم:: ٤٣]. كذا في الصحاح. (٤) والاعتدال في الركوع: أن يكون ظهره مستوياً من الجانبين، لا يرفع رأسه أعلى من عجزه، ولا عجزه أعلى من رأسه. كذا في المبسوطين (٥) روت عائشة ﵂ «أنه ﵇ كان إذا ركع لم يُشخص رأسه ولم يُصَوِّبْهُ» (٦)، وروي أنه ﵇ قال: «إذا ركع أحدكم فلا يَدْبَحْ تدبيح الحمار» (٧) أي لا يخفض.

стр. 642

(وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي العَظِيمِ ثَلَاثًا وَذَلِكَ أَدْنَاهُ) لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا كذا في الإيضاح (١). وفي شرح الوجيز التذبيح بالذال والدال المهملة، والأول أشهر؛ وهو أن يبسط ظهره ويطأطئ رأسه، فيكون رأسه أشد انحطاطاً من إليته (٢). وفي الْمُجْتَبى: ويكره أن يحني ركبتيه شبه القوس، والسنة في الركوع إلصاق الكعبين واستقبال الأصابع القبلة، وهذا كله في حق الرجال، فأما المرأة تنحني في الركوع يسيراً ولا تعتمد، ولا تفرج أصابعها، ولكن تضم يدها، وتضع على ركبتيها وضعاً، وتحني ركبتيها، ولا تجافي عضديها؛ لأن ذلك أستر لها (٣). وفي شرح الوجيز: والخنثى كالمرأة (٤). قوله: (وذلك أدناه): وذلك في رواية ابن مسعود، وروى عقبة أنه ﵇ يقول في ركوعه: «سُبْحَانَ رَبِّي العَظِيمِ، ثَلَاثًا»، وفي سجوده: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى، ثَلَاثاً» (٥). وقوله: (وذلك أدناه) ليس بمثبت في روايته، وإنما قال (أدناه)؛ لأن الزيادة مستحبة، وفي بعض النسخ: أدنى كمال السنة، ولكن الأول أولى؛ لأنه موافق للفظ المبسوطين؛ فإنه ذكر في مبسوط السَّرَخْسِي: لم يرد بهذا اللفظ أدنى الجواز، إنما المراد أدنى الكمال؛ لجواز الركوع والسجود بلا ذكر، إلا على قول [ابن] (٦) أبي مطيع البلخي؛ فإن عنده الثلاث فرض (٧). وفي مبسوط شيخ الإسلام يريد به أدنى من حيث جمع العدد؛ فإن أقل

стр. 643

رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ فِي رُكُوعِهِ سُبْحَانَ رَبِّي العَظِيمِ ثَلَاثًا وَذَلِكَ أَدْنَاهُ» أَيْ أَدْنَى كَمَالِ الجَمْعِ جمع العدد ثلاثة، ثم المصنف جمع بين هذين اللفظين فقال: أدنى كمال الجمع (١). قال مولانا فخر الدين المايمرغي: إنما نحمله على أدنى كمال الجمع المسنون، لا لبيان الجمع الحقيقي؛ فإنه ﵇ بعث لبيان الشرائع لا الحقائق والضمير في أدناه راجع إلى المصدر الذي في (يقول)؛ أي: أدنى القول المسنون. كذا سمعت عن شيخي (٢). وفي المستصفى (٣): راجع إلى الاستحباب أو الندب؛ أي: أدنى الاستحباب أو الندب، فإن الركوع بدون هذا الذكر جائز. وقيل: أدنى كمال التسبيح المسنون. وقيل: أدنى التسبيح المسنون. فروع تكره قراءة القرآن في الركوع والسجود والتشهد بإجماع الأئمة الأربعة (٤)؛ لقوله ﵇: «نُهيتُ أَنْ أَقرَأ القرآن رَاكِعًا أو ساجدًا». رواه مسلم (٥). وفي المحيط: متى تحل العقدة؟ قال محمد: تحلها عند الركوع، وقال أبو يوسف: عند السجود (٦). وقيل: هذا بعيد؛ لأن وضع اليدين على الركبتين سنة، فلابد من حلها للوضع.

стр. 644

(ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَيَقُولُ المُؤْتَمُّ: رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، وَلَا يَقُولُهَا الإِمَامُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَقُولُهَا فِي نَفْسِهِ) (*) لِمَا رَوَى أَبُو وفي الروضة: يكره أن تنحني ركبتيه فيه شبه القوس عند أهل العلم. قوله: (سمع الله لمن حمده)؛ أي: قيل: الله حمد من حمده، والسماع يذكر ويراد به القبول مجازا، كما يقال: سمع الأمير كلام فلان إذا قبل، ويقال: ما سمع كلامه؛ أي: رده ولم يقبله وإن سمعه حقيقة، وفي الحديث: أعوذ بك من دعاء لا يسمع؛ أي لا يستجاب. وفي الفوائد الحميدية: الهاء في حمده للسكتة والاستراحة لا للكناية. كذا نقل عن الثقات (١). وفي المستصفى (٢): الهاء للكناية كما في قوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [العنكبوت: ١٧]. (ويقول المؤتم)؛ أي: المقتدي (ربنا لك الحمد)؛ ليوافق مبتدأ الركعة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، ويختمها بربنا لك الحمد، ثم فرق بين المبدأ والمختم بتقديم الظرف في المختم وتأخيره في المبدأ، فإن المبدأ يشير إلى أن المحامد كلها له، والمختم يشير إلى أنها له لا لغيره؛ لأن تقديم الظرف يفيد الحصر. وفي شرح الطحاوي واختلفت الأخبار في التحميد؛ في بعضها: (ربنا لك الحمد)، وفي بعضها: (ربنا ولك الحمد)، وفي بعضها: (اللهم ربنا لك الحمد)، وفي بعضها: (اللهم وربنا لك الحمد)، والأول أظهر (٣). (ولا يقولها؛ أي: ربنا لك الحمد الإمام عند أبي حنيفة)، وبه قال مالك (٤)، وأحمد (٥).

стр. 645

هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ وَلِأَنَّهُ حَرَّضَ غَيْرَهُ فَلَا يَنْسَى نَفْسَهُ. وقال أبو يوسف ومحمد: يقولها الإمام في نفسه، وهو رواية الحسن عنه (١). ولا يقول المؤتم: (سمع الله لمن حمده) عند علمائنا، ومالك (٢)، وأحمد (٣). وقال الشافعي (٤): يجمع الإمام والمؤتم بينهما، فقال: إذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، وإذا استوى قائماً قال: ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد؛ لما روى ابن عمر (٥) وعبد الله بن أبي أوفى (٦) أنه ﵇ كان إذا رفع رأسه قال: «سَمِعَ اللهُ لمَن حَمِدَه وربَّنا لك الحمد». وفي رواية عبد الله زاد أنه ﵇ يقول: «ملء السموات … » إلى آخره (٧)، وعن علي ﵁ كان ﵇ يقول مع ذلك: «أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد، كلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» (٨)، والإمام لا يأتي بهذه الزيادة الأخيرة؛ لئلا يمل القوم. كذا في شرح الوجيز (٩).

стр. 646

وَلأَبِي حَنِيفَة: قَوْلُهُ ﵊: إِذَا قَالَ الإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ هَذِهِ قِسْمَةٌ وَأَنَّهَا تُنَافِي الشَّرِكَةَ، لِهَذَا لَا يَأْتِي المُؤْتَمُ وفيه: والأشهر عن أحمد (١): أن الإمام والمنفرد يجمع بينهما، فلا ينسى نفسه حتى يدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]؛ نزلت في رؤساء اليهود، حيث أمروا أتباعهم باتباع محمد ﷺ ، لكن العبرة لعموم اللفظ، لا لخصوص السبب. وفي المبسوط (٢): روى ابن عباس وعائشة أنه ﵇ يجمع بينهما. وقال ابن مسعود: أربع يخفيهن الإمام، وذكر منها: ربنا لك (٣)، ولأنا لا نجد شيئاً من أذكار الصلاة يأتي به المقتدي دون الإمام، أما الإمام فيختص ببعضها كالقراءة. وفي فتاوى الظهيرية (٤): كان الفضلي، والطحاوي، وجماعة من المتأخرين يميلون إلى قولهما، وهو قول أهل المدينة، فاختاروا قولهما. (وأنها)؛ أي: القسمة تنافي الشركة؛ لقوله ﵇: «البينة على المُدَّعي واليمين على مَنْ أنكَر» (٥) أول الحديث إنّما جُعِلَ الإمام إماماً لِيُؤتَم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال: سمعَ اللهُ لمَن حَمِدَه قولوا: ربَّنا لك الحمد (٦). فإن قيل: أليس قال: «إذا قال الإمام: (ولا الضالين) … » (٧) إلى آخره، ولم يقتضي نفي المشاركة حيث يقولها الإمام. قلنا: ظاهر القسمة يقتضي نفي الشركة، إلا أن المشاركة ثمة ثبت بدليل

стр. 647

بِالتَّسْمِيعِ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ وَلِأَنَّهُ يَقَعُ تَحْمِيدُهُ بَعْدَ تَحْمِيدِ المُقْتَدِي، وَهُوَ خِلَافُ مَوْضِعِ الإِمَامَةِ، وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الاِنْفِرَادِ (وَالْمُنْفَرِدُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا آخَر؛ وهو ما روي أنه ﵇ قال: «فإنّ الإمام يقولُها» (١) أو بقوله: «إذا أمَّنَ الإمام فأمنوا» (٢). فإن قيل: ما جواب أبي حنيفة عما رُوي عن ابن مسعود أنه قال: أربع يخفيهن الإمام، وذكر منها التحميد. قلنا: قال في الأسرار (٣): إنه غريب، أو نرجح أحدهما على الآخر، فقلنا: الرجحان لحديث القسمة؛ لأنه خبر مرفوع إلى النبي ﵇ برواية أبي موسى الأشعري. وفي الكافي: فإن قيل: قال ﵇: «اليمين للوضوء واليَسارُ لِلمَقْعَد» (٤) ومع ذلك يجوز الغسل باليسرى. قلنا: الغسل باليسرى تبعاً لليمنى؛ باعتبار أن الغسل باليد الواحدة سنة، أما هاهنا يلزم خلاف موضوع الإمام، فإن الاقتداء عقد موافقة - أي: متابعة لا مسابقة (٥). وفيه تأمل؛ لإمكان مقارنة تحميد الإمام بتحميد المقتدي. كذا قيل. وما رواه أبو هريرة محمول على حالة الانفراد، أو على النفل؛ لأنه ﵇ لا يصلي ظاهرا منفرداً، وكذا ما روى ابن عمر وعبد الله ابن أبي أوفى على حالة الانفراد والنفل.

стр. 648

في الأَصح) وقوله: (في الأصح)؛ احتراز عن الروايتين المذكورتين بعد. قال شيخ الإسلام (١): والأصح عند أبي حنيفة المنفرد: يأتي بالتحميد لا غير، ثم ذكر وجه الأقوال الثلاثة فقال: وجه الرواية التي يأتي بالسميع - وهي رواية بعض النوادر -: أن الإمام يأتي به فكذا المنفرد؛ لأنه إمام في نفسه، وعليه القراءة كما على الإمام. ووجه ما روى الحسن عن أبي حنيفة: أنه يجمع بينهما؛ لأنه إمام في نفسه، فيأتي بالتسميع، ومتى حث على الحمد ولم يمتثل به أحد فكان عليه أن يجيب بنفسه. وجه ما ذكر في الجامع الصغير: أنه يأتي بالتحميد لا غير؛ لأنه متى جمع بين الذكرين يقع الذكر الثاني في حالة الاعتدال، ولم يشرع اعتدال للانتقال ذكر مسنون، كما في القعدة بين السجدتين. وفي فتاوى الظهيرية: وكان الحلواني والسَّرَخْسِي يفتي بذلك. (٢). وفي جامع فخر الإسلام: أما المنفرد - على الصحيح من الجواب - يجمع بينهما (٣)؛ لأن الحديث قد صح أنه ﵇ كان يجمع بينهما، وبه قال مالك (٤). وفي شرح الأقطع: عن أبي حنيفة: يجمع بينهما الإمام والمؤتم (٥)، كقول الشافعي. قيل: هذه رواية شاذة. ثم يأتي بالتسميع حالة الرفع، وبالتحميد حالة الاستواء، فإن لم يأت به حالة الرفع؛ لا يأت بحالة الاستواء.

стр. 649

وَإِنْ كَانَ يُرْوَى الِاكْتِفَاءُ بِالتَّسْمِيعِ وَيُرْوَى بِالتَّحْمِيدِ، وَالإِمَامُ بِالدَّلَالَةِ عَلَيْهِ آتِ بِهِ مَعْنَى. قَالَ: (ثُمَّ إِذَا اسْتَوَى قَائِمًا كَبَّرَ وَسَجَدَ) أَمَّا التَّكْبِيرُ وَالسُّجُودُ فَلِمَا بَيَّنَّا، … وقيل: يجمع بينهما حالة الرفع. كذا في جامع التمرتاشي (١). قوله: (والإمام بالدلالة) إلى آخره جواب عن قولهما؛ لأنه حرض غيره فلا ينسى نفسه. (آت به معن): لأن الدال على الخير كفاعله. كذا ورد في الخبر (٢). وأما الجواب عن الآية؛ فلأنها محمولة على الأمر بالمعروف، والإمام لم يأمر، بل حث غيره، مع أنه قد أتى به معنى، أو هو محمول على أنه لم يفعل قط. فإن قيل: مثل هذه الدلالة موجودة في حق المنفرد أيضاً، فينبغي أن يكتفي هو بالسميع أيضاً. قلنا: لا دلالة على اكتفاء المنفرد من جهة الشارع بخلاف الإمام، فإنه قام الدليل على ترك التحميد في حقه. وفي الْمُجْتَبى (٣): ثم في الرواية التي يجمع بينهما يأتي بالتسميع حال الرفع، وإذا استوى قائماً قال: ربنا لك الحمد، هكذا رواه زين المشايخ في أذكار الصلاة عن أبي هريرة أنه ﵇ كان يفعل كذلك (٤). فإن قيل: روي أنه ﵇ كان يكبر عند كل خفض ورفع، فلم يترك التكبير عند رفع الرأس من الركوع. قلنا: عد في المحيط قبيل مسائل الأذان التكبير عند رفع الرأس منه من جملة السنن (٥).

стр. 650

وَأَمَّا الِاسْتِوَاءُ قَائِمًا فَلَيْسَ بِفَرْضِ، وَكَذَا الجِلْسَةُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَالطَّمَانِينَةُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وفي شرح الآثار: أن النبي ﵇ وأبا بكر وعمر وعليا وأبا هريرة ﵃ كانوا يكبرون عند كل خفض ورفع، ثم ادعى الإجماع على أن الخروج من الركوع والسجود فيه تكبير، فكذا الدخول، ثم قال: قال الطحاوي فيه: فكانت هذه الأوقات المروية في التكبير في كل خفض ورفع قد تواتر العمل بها من بعد النبي ﵇ إلى يومنا هذا، لا ينكره منكر ولا يدفعه دافع (١). قال أستاذنا: وإن كان العمل بتركه في زماننا منصوصاً أيضاً، فقد ذكر في خزانة الفقه والنظم: أن تكبيرات فرائض يوم وليلة أربع وتسعون، ولم يكن كذلك إلا إذا لم يكن عند الرفع تكبير. والجواب الثاني: أن يكون المراد بالتكبير؛ الذكر الذي فيه تعظيم الله تعالى، سواء كان فيه لفظ التكبير أو لا؛ جمعاً بين الروايات والأخبار والآثار (٢). قوله: (وأما الاستواء قائماً فليس بفرض) وبه قال بعض أصحاب مالك. وقال بعض أصحابه: واجب (٣)، كما قال أبو يوسف، والشافعي (٤)، وأحمد (٥). وفي مبسوط شيخ الإسلام: فإن لم يأت بالطمأنينة يجزيه ويكون مسيئا، وهذا قولهما خلافا لأبي يوسف، ولم يذكر هذا الخلاف في ظاهر الرواية، وإنما ذكر المعلى في نوادره وفي شرح الطحاوي: القومة ليست بفرض في ظاهر الرواية، خلافا لأبي يوسف (٦).

стр. 651

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: يُفْتَرَضُ ذَلِكَ كُلُّهُ (*) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ اللَّهُ لِقَوْلِهِ ﵀: «قُمْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» قَالَهُ لِأَعْرَابِيِّ حِينَ أَخَفَّ الصَّلَاةَ. وقال أبو الليث: لم يذكر الاختلاف، ولكن تلقيناه من [فقه] (١) الفقيه أبي جعفر، وكذلك لم يذكر في الأسرار (٢). ثم اختلف في الطمأنينة؛ قال الكرخي: إنه واجب على قولهما، وقال أبو عبد الله الجرجاني: سُنَّة. وجه قوله: بأن الطمأنينة مشروعة لإكمال ركن مقصود بنفسه، فيكون واجباً قياساً على القراءة، بخلاف الانتقال؛ لأنه ليس بمقصود، وإنما المقصود غيره؛ وهو إمكان أداء ركن آخر. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٣). ولأبي يوسف: ما رُوي أنه ﵇ قال: «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صلاة من لَم يُقِمْ صُلْبَهُ في الركوع والسجود» (٤)، وما رُوي أنه ﵇ قال للمسيء صلاته: «أتم الركوع حتى تعتدل قائماً» (٥)، وما رُوي أنه ﵇ رأى رجلاً تاركاً للتعديل، فلما فرغ قال له: «إن أسوأ الناسِ سَرِقَةً؛ من يسرِقُ مِنْ صَلاتِهِ» (٦)، وفسره بترك التعديل، والصلاة لا تتجزأ صحة، فإذا سرق بعضها ذهب كلها. وما روي في رواية أنه قال له: «قُمْ فَصَلِّ فإنكَ لَم تُصَلِّ» (٧) أمره بالإعادة، ورأى حذيفة بن اليماني رجلا يصلي ولا يتم الركوع والسجود، فقال له: منذ كم تصلي هكذا؟ فقال: منذ كذا، فقال: إنك لم تصل منذ كذا، ومثل هذا

стр. 652

وَلَهُمَا: أَنَّ الرُّكُوعَ هُوَ الاِنْحِنَاءُ، وَالسُّجُودَ هُوَ الاِنْخِفَاضُ لُغَةٌ، فَتَتَعَلَّقِ الرُّكْنِيَّةُ بِالأَدْنَى فِيهِمَا، وَكَذَا فِي الانْتِقَالِ إِذْ هُوَ غَيْرُ مَقْصُودٍ. لا يقال بالرأي، بل يقول سماعاً. والمعنى: أن هذا ركن من أركان الصلاة، فوجب أن لا يتأدى بأدنى ما ينطلق عليه الاسم، بل بزيادة طمأنينة توجد بعد، قياساً على القيام والقراءة والقعدة الأخيرة، ولأن الركوع ركن شرع فيه تسبيح؛ فوجب أن يكون رفع الرأس عنه ركنا، قياسًا على السجدة. ولهما: قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، والركوع: هو الانحناء لغة، من قولهم: ركعت النخلة إذا مالت، ولهذا يحنث في يمينه أن لا يركع بمجرد الانحناء، والطمأنينة دوام الانحناء، والأمر بالفعل يوجب أصل الفعل لا الدوام عليه، وكذا السجود، ولا يجوز أن يقال لأحد الدوام ركن بالسنة لا بالكتاب؛ لأن ما روي فيه من أخبار الآحاد، فلا يجوز نسخ الجواز الثابت بالكتاب به. وما روي أنه ﵇ كان في المسجد مع أصحابه، فدخل رجل وصلى وخفف، فلما خرج أساؤوا القول فيه، فقالوا: أخرها ثم لم يحسن أداءها، فقال ﵇: «ألا أحد يشتري صلاتَهُ مِنهُ؟»، فخرج أبو هريرة واشتراه بدرهم فأبى، فما زال يزيد حتى ضجر الرجل، فقال له: لو أعطيتني ملء الأرض ذهباً ما بعتكها، فعاد إلى النبي ﵇ فأخبره بذلك، فقال: «أَلَمْ أنهَكُم عن المُصَلِّين؟» (١)، فقد جعل فعله صلاة معتبرة.

стр. 653

وَفِي آخِرِ مَا رُوِيَ تَسْمِيَتُهُ إِيَّاهُ صَلَاةَ، حَيْثُ قَالَ: وَمَا نَقَصْتَ مِنْ هَذَا شَيْئًا فَقَدْ وسئل ابن عباس عن صلاة الأعراب الذين ينقرون نقراً، فقال: ذلك خير من لا شيء، والركنية لا تثبت إلا بالنص لا بخبر الواحد، مع أنه معارض بأحاديث أخر. كذا في المبسوط (١). وأما حديث الأعرابي فهو يشهد لنا؛ لأنه ﵇ تركه حتى فرغ من صلاته، ولو كان ما ترك من الطمأنينة ركنا لفسدت صلاته، فكان المضي بعد ذلك عبثاً، فلا يحل للنبي ﵇ أن يتركه، فكان تركه دليلا على جواز صلاته، إلا أنه ترك الأكمل، فأمره بالإعادة زجراً له عن هذه العبادة (٢)، بدليل ما قال في آخر الحديث: «وَمَا نَقَصْتَ مِنْ صَلاتِكَ» (٣)، فقد وصف صلاته بالنقصان، وهو يقتضي وجود أصل الفعل. وقوله ﵇: «فَصَلِّ فإِنكَ لَم تُصَلِّ» (٤)؛ إشارة إلى النقصان الفاحش، وكذا قوله ﵇ للمسيء: «أتم الركوع» (٥)، أمره بالإتمام ليعتاد الكمال، وأما قوله [عليه] (٦) السلام: «لا يقبلُ الله … » (٧) إلى آخره؛ لنفي الفضيلة، ولئن ثبث؛ فهو محمول على التهديد لا على التحقير، كما قال ﵇: «لا يقبلُ الله صلاة العبد الآبق ولا صلاة المرأة الناشزة» (٨)، ولأن عدم القبول لا يدل على نفي الجواز، كما في صلاة المرائي. وأما اعتباره بالقيام؛ فالركن في القيام عندنا أدنى ما ينطلق عليه

стр. 654

نَقَصْت مِنْ صَلَاتِكَ، ثُمَّ القَوْمَةُ وَالجِلْسَةُ سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا، وَكَذَا الطُّمَانِينَةُ فِي تَخْرِيجِ الجُرْجَانِي. اسم القيام، وإنما التقدير بسبب القراءة؛ ألا ترى أنه متى سقطت القراءة كان نفس القيام يكفيه، كما في الثالثة والرابعة، وفيمن أدرك الإمام في الركوع، وأما القراءة؛ فالركن عندنا فيها أدنى ما ينطلق عليه اسم القراءة وذلك آية، وأما ما دونها وإن كان قرآنا حقيقة فليس بقرآن حكمًا، حتى حل قراءته للجنب والحائض، وأما القعدة؛ فإنما لم يكتف فيها بأدنى ما ينطلق عليه الاسم؛ لأن الخروج يلاقي القعدة ويتصل بها، فالجزء الذي يلاقيه القطع يخرج من أن يكون صلاة، والباقي مما لا ينطلق عليه اسم القعدة، وإذا وجبت الزيادة قدرت بالتقدير الذي ورد به الشرع، بخلاف غيرها من الأركان؛ فإنه لا يتصل بها، فيبقى القدر الذي وجدنا ركنا. وأما قوله: (ركن تضمن تسبيحاً) إلى آخره؛ فقلنا: رفع الرأس في السجدة ليس بفرض، وإنما الفرض هو الانتقال؛ لأنه لا يمكنه أداء الثانية إلا به، إلا أنه لا يمكنه الانتقال إلا بعد الرفع، فلزمه الرفع ضرورة مكان الانتقال، حتى لو أمكنه الانتقال من غير الرفع؛ بأن سجد على وسادة فأزيلت الوسادة حتى وقعت جبهته على الأرض أجزأه. هكذا قاله القدوري في التجريد (١). وأما في الركوع فالانتقال إلى السجود ممكن من غير الرفع، فلا يجعل الرفع ركنا. وفي الحقائق (٢): أما قومة الركوع وقعدة السجود سنتان لا واجبتان بالاتفاق. وعن أصحابنا: أنه يأثم بترك قومة الركوع. وفي فتاوى الظهيرية (٣): قال أبو اليسر: من ترك الاعتدال تلزمه الإعادة،

стр. 655

وَفِي تَخْرِيجِ الكَرْخِيُّ وَاجِبَةٌ، حَتَّى تَجِبُ سَجْدَتَا السَّهْوِ بِتَرْكِهَا سَاهِيًا عِنْدَهُ ولو أعاد؛ يكون الفرض الثاني لا الأول. وذكر السَّرَخْسِيُّ لزوم الإعادة، ولم يتعرض أن الفرض أيهما. وفي الحقائق: الطمأنينة: الاعتدال في الركوع والسجود، واعتدال السجود برفع الرأس منه (١). وفي المحيط: الاعتدال في القومة والجلسة سنة قدر التسبيحة (٢). قال النخعي: إذا رأيت الرجل يخففهما أرحم على عياله؛ أي: من ضيق المعيشة. وسئل الزبيري عمن لا يتم الركوع والسجود، أيشتغل بالتطوعات أم بقضاء ما صلى بلا اعتدال؟ على قول أبي يوسف، والشافعي: قال: ما دام الوقت يؤمر بالإعادة، وإذا خرج لا يؤمر، ولكن يثاب بها. وقال أبو يوسف و محمد: الاشتغال بقضائها أولى في الحالين. كذا في تتمة الدهر (٣). وفي شرح الطحاوي (٤): كيفية الانتقال من السجود والقيام منه؛ أن يكون أول ما يقع على الأرض ركبتاه، ثم يداه ثم وجهه، فقال بعضهم: يضع أنفه ثم جبهته، والأولى أن يضع أولاً ما كان أقرب إلى الأرض، وإذا رفع يرفع ما كان أقرب إلى السماء، وبه قال الشافعي (٥)، وأحمد (٦)، هذا إذا كان الرجل حافيًا، فلو كان ذا خف لا يمكنه ما قلنا؛ يضع يديه أولاً ويقدم اليمنى على اليسرى. وقال الأوزاعي: يضع يديه ثم ركبتيه، قال أبو هريرة: قال النبي عليه

стр. 656

(وَيَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ عَلَى الأَرْضِ) لِأَنَّ وَائِلَ بْنَ حُجْرٍ ﵁ وَصَفَ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «فَسَجَدَ وَادَّعَمَ عَلَى رَاحَتَيْهِ وَرَفَعَ عَجِيزَتَهُ» قَالَ: (وَوَضَعَ وَجْهَهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ وَيَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ فَعَلَ كَذَلِكَ. السلام: «إذا سجد أحدكم فلا يبرُك بروكَ الجَملِ، وَلْيَضَعْ يديه قبل ركبتيه». رواه النسائي، وأبو داود (١). وقال أصحاب مالك: إن شاء وضع ركبتيه أولاً، وإن شاء يديه، والبداية بوضع اليدين أحسن (٢). ولنا: ما روي عن وائل بن حجر أنه قال: «رأيتُ النبي ﵇ يضع ركبتيه قبل يديه، ويرفع يديه قبل ركبتيه» (٣) - يعني: من السجود. وعن سعد بن أبي وقاص: كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بالركبتين قبل اليدين، وهذا يدل على نسخ ما تقدم ذكره ابن خزيمة في صحيحه (٤). قوله: (وادعم)؛ أي: اتكئ واعتمد، وهو افتعال من دعمت الشيء دعما؛ أي: جعلته دعامة، والعُجزَة للمرأة خاصة، وتستعار للرجل، والعجز عام؛ وهو ما بين الوركين، والضمير في عجيزته لوائل، وهو الذي وصف صلاة النبي ﵇ بالفعل. قوله: (وضع وجهه بين كفيه): وبه قال أحمد (٥). في المبسوط: الدليل عليه: أن آخر الركعة معتبر بأولها، فكما يجعل رأسه بين يديه في أول الركعة عند التكبير، فكذا في آخرها (٦). وفي بعض النسخ: يديه حذاء أذنيه.

стр. 657

قَالَ: (وَسَجَدَ عَلَى أَنْفِهِ وَجَبْهَتِهِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ وَاظَبَ عَلَيْهِ، وفي الكافي (١): لو وضع وجهه بين كفيه؛ يكون واضعاً يديه حذاء أذنيه ضرورة، فما فائدة قوله (ويديه)؟. قيل: لا يعلم من وضع الوجه بين كفيه حذاء أذنيه، فلهذا صرح لفظ اليد، ولأنه يحتمل أن يكون الساعد على الأرض، فيكون الكف محاذياً ولا يكون الساعد محاذيًا، فقال: (ويديه)؛ لأجل أن يرتفع الساعد منها حالة السجود، وحتى تكون الكف والساعد محاذيين للأذن، أو ذكر اليد لأجل التأكيد؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا طَيْرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]. وقال الشافعي (٢): يضع يديه حذو منكبيه؛ لحديث حميد أنه ﵇ كان إذا سجد مكن جبهته وأنفه من الأرض، ونحى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه. رواه الترمذي وصححه، وأبو داود (٣). لنا: ما رواه البراء بن عازب أنه ﵇ يضع وجهه إذا سجد بين كفيه. رواه الترمذي (٤)، وما رواه وائل أنه ﵇ سجد فجعل كفيه بحذاء أذنيه (٥)، وروي ذلك عن ابن عمر، وسعيد بن جبير. قوله: (وسجد على أنفه): قدم الأنف على الجبهة؛ لأن في الأنف المجرد اختلاف. وذكر شيخ الإسلام: أجمعوا أن المستحب وضع الجبهة والأنف (٦)؛ لما روي أنه ﵇ فعل هكذا وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصلِّي» (٧)، ولأن السجود إنما يوجد بوضع الوجه على الأرض، أما الأرض فلابد منه لغة؛ لأنه

стр. 658

(فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: لَا يَجُوزُ الاقْتِصَارُ عَلَى الأَنْفِ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ) (*) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْهُ، لِقَوْلِهِ ﵊: «أُمِرْت أَنْ يبني على الوضع على الأرض، كقولهم: (سجدت الناقة إذا وضعت جرانها على الأرض). وأما الوجه ثبت محلا بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧]، جاء في التفسير: المراد به الوجه، ثم وضع جميع الوجه غير ممكن؛ لأن الأنف والجبهة عظمان ناتئان يمنعان وضع الجميع، وإذا تعذر وضع الكل؛ كان المأمور به وضع البعض، ثم وضعهما أولى؛ لوجهين: أحدهما: أن الشرع عينهما. والثاني: إن وضعهما مما يتأتى مع استقبال القبلة، بخلاف وضع الخد؛ لأنه ينحرف عنها، ثم وإن كان يوجد الاستقبال مع وضع الذقن؛ لكن لم يجعل وضعه سجدة شرعاً؛ لأن السجود على الذقن لم يعرف تعظيماً فيما بينا، والصلاة شرعت بأفعال تعرف تعظيما فيما بينا. وفي المبسوط: السجدة على الأنف جائز عند أبي حنيفة ويكره، ولو لم يجز عندهما، وهو رواية أسد بن عمرو عن أبي حنيفة (١). وفي شرح المجمع: وعليه الفتوى (٢)، وبه قال الشافعي (٣)، وأحمد في رواية، وفي رواية: قال أحمد: يجب السجود عليهما (٤). وقال إسحاق وبعض أصحاب مالك: إن تعمد تركه على الأنف؛ بطلت صلاته. قال بعض أصحاب مالك: إن اقتصر على وضع الجبهة؛ أعاد في الوقت،

стр. 659

أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ»، وَعَدَّ مِنهَا الجَبْهَةَ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ السُّجُودَ يَتَحَقَّقُ وإن اقتصر على الأنف؛ أعاد أبداً (١). وفي التجنيس: لو وضع جبهته على حجر صغير، إن وضع أكثرها على الأرض يجوز، وإلا فلا، وأبو حنيفة يقول: ينبغي أن يضع من جبهته بمقدار الأنف حتى جاز، وإلا فلا (٢). قوله: (على سبعة أعظم): وفي رواية: «عَلَى سَبْعَةِ آرَابٍ» (٣)؛ أي: أعضاء اليدين والركبتين والقدمين والجبهة والمشهور: والوجه. وروى مسلم والبخاري في صحيحيهما (٤) عن ابن عباس قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نسجد على سبعة أعضاء، ولا نَكُفَّ شَعراً ولا ثوباً: الجبهة (٥) واليدين والركبتين والرجلين، وفي رواية (٦) قال: «الجبهة» وأشار إلى الأنف. وجه التمسك: أن الجبهة مأمور بالسجود عليها مطلقاً في الروايتين، والأنف مشار إليه خارج الأعضاء السبعة، فكانت السبعة أصلاً فيه، والأنف تبعاً يتعلق به الكمال، ولهذا جاز الاقتصار على الجبهة بالإجماع، والتبع لا يقوم مقام الأصل إلا عند الضرورة. ووجه التمسك على رواية الوجه: أن المراد بعض الوجه بالإجماع؛ إذ وضع الكل غير ممكن لما بينا، فزاد بعض خاص، وغير الجبهة والأنف لم يرد بالإجماع، ولا هذان جميعاً إجماعاً، فيكون المراد أحدهما؛ لأن عنده أحدهما على الإطلاق، وعندهما على التعيين وهو الجبهة، وهي مراد بالإجماع، حتى يجوز الاقتصار عليها بالإجماع، فلا يكون الأنف مراداً، أو الجبهة أحق بالإرادة؛ إذ المتعارف التعظيم بوضعها كما بينا، على أن الأكبر أحق بالأصالة،

стр. 660

بِوَضْعِ بَعْضِ الوَجْهِ، وَهُوَ المَأمُورُ بِهِ إِلَّا أَنَّ الخَدَّ وَالذَّقَنَ خَارِجٌ بِالإِجْمَاعِ، والأصغر أحق بالتبعية، فكان الأنف تبعاً، والتبع لا يقوم مقام الأصل إلا عند الضرورة. فإن قيل: كيف يتم الاستدلال بهذا الحديث، مع أنه لو ترك وضع اليدين والركبتين لجازت سجدته بالإجماع، وهذه الأعضاء من تلك السبعة، بل يستقيم الاستدلال به لأبي حنيفة؟. قلنا: إيراد الحديث لبيان هذه الأعضاء محال السجدة لا غيرها، لا لبيان أن وضع هذه الأعضاء لازم لا محالة، والأنف غير هذه الأعضاء، فيجب أن لا يتأدى به فرض السجود، كما لا يتأدى فرض مسح الرأس بمسح الأذنين. ولهما أيضاً: قوله ﵇: «مَكِّنْ جَبْهَتَكَ وأنفَكَ على الأرض» (١)، فإذا وضع الجبهة فقد أتى بالأكبر، فيقع معتدا به. كذا في الإيضاح (٢). (وهو المأمور به)؛ أي: بعض الوجه مأمور به بقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، إلا أن الذقن والخد خارج بالإجماع، فيتعين أحدهما مطلقاً، والمشهور في الحديث الوجه والمراد بعضه بالإجماع. وذكر شيخ الإسلام في خبرهما: وجوب السجدة على الجبهة، لا نفي السجود على الأنف، بل هو مسكوت عنه، وفي المشهور وجوب السجدة عليهما؛ إذ الجبهة والأنف داخلين على السواء، فيجمع بينهما؛ إذ العمل بهما ممكن، ولو اكتفى بها يجوز بالإجماع، فكذا بالأنف. ولأنه لائح من أن يكون محلا للفرض أو لا، فلا يجوز أن لا يكون محلا؛ لأن الفرض ينتقل إليه عند العجز بالإجماع؛ لأن غير المحل لا يصير محلًّا عند العذر، كالذقن والخد، هذا هو المعنى القاطع للسبب، ويحمل ما ذكر في الإيضاح على الاستحباب.

стр. 661

وَالمَذْكُورُ فِيمَا رُوِيَ الوَجْهُ فِي المَشْهُورِ، وَوَضْعُ اليَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ سُنَّةٌ عِنْدَنَا لِتَحَقُّقِ السُّجُودِ بِدُونِهِمَا، وَأَمَّا وَضْعُ القَدَمَيْنِ فَقَدْ ذَكَرَ القُدُورِيُّ ﵀ أَنَّهُ فَرِيضَةٌ فِي السُّجُودِ. وفي الْمُجْتَبى: ولأن الجبهة عظم مثلث، والأنف طرفها الثالث، ووضع جميع أطراف الجبهة ليس بشرط بالإجماع، فإذا اقتصر على بعض الجبهة جاز وإن قل. كذا ذكره الفقيه أبو جعفر، فكذا على الأنف (١). ثم السنة في السجود عندنا؛ أن يسجد على الجبهة والأنف، واليدين والركبتين والقدمين. وقال زفر، والشافعي في قول (٢)، وأحمد (٣): يجب وضع اليدين والركبتين والقدمين في السجود؛ لحديث ابن عباس. وقلنا، ومالك (٤)، والشافعي في قول: مطلق السجود لا يقتضي وضع اليد والركبة لغة واسماً، ولهذا تصح صلاة المكتوف بالإجماع، والأمر محمول على الندب. وفي الْمُجْتَبى (٥): قال شيخ الإسلام: ذكر الأنف وهو اسم لما صلب؛ دليل على أنه لا يكفيه السجود على الأرنبة، وأن عليه أن يمكن ما صلب منه. وعن أبي حنيفة ﵁: إذا وضع أرنبة الأنف لا يجوز، وإنما يجوز إذا وضع عظم أنفه، وذكر القدوري والكرخي والجصاص وضع القدمين على الأرض حال السجود فرض، وذكر الجلابي في صلاته سنة، وما ذكر القدوري يقتضي أنه إذا رفع أحد قدميه لا يجوز؛ حيث قال: فرض السجود يتأدى بالقدمين والجبهة والأنف عند أبي حنيفة، وعندهما لا يتأدى بالأنف، وقد رأيت في بعض النسخ أن فيه روايتين. وفي الخلاصة (٦): ولو وضع إحدى رجليه يجوز ولم يذكر الكراهة، وذكر

стр. 662

قَالَ: (فَإِنْ سَجَدَ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ أَوْ فَاضِلِ ثَوْبِهِ جَازَ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ الكراهة في فتاوى قاضي خان، وعدم الجواز عند ترك وضع الرجلين (١). وفي جامع التمرتاشي: لو لم يضع اليدين أو الرجلين جاز (٢)، وهذا يوافق ما ذكره شيخ الإسلام؛ حيث ذكر ما يدل على أن وضع ما سوى الجبهة والأنف ليس بفرض. وفي المحيط: لو لم يضع ركبتيه على الأرض عند السجود لا يجزيه، وهكذا ذكر أبو الليث، وفتوى مشايخنا على أنه يجوز. هكذا ذكره القدوري (٣). قوله: (على كور عمامته) كور العمامة دورها من دار العمارة، وكورها إذا دارها على رأسه. كذا في المغرب (٤). وبقولنا: قال مالك (٥)، وأحمد (٦)، ولكن يكره. وقال الشافعي (٧)، وأحمد في رواية: لا يجوز على كورها، وكذا على طرتها وطرفها، وعلى كمه وذيله. وفي التجنيس والمختلف: والخلاف فيما إذا وجد حجم الأرض، أما بدونه فلا يجوز إجماعاً، وتفسير وجدان الحجم ما قالوا أنه لو بالغ لا تنسفل رأسه أبلغ من ذلك (٨). للشافعي: قوله ﵇: «مكن جبهتك من الأرض حتى تجد حجمها» (٩) وهذا مانع، وروي عن خباب قال: شكونا إلى النبي ﷺ حرَّ الرمضاء في جباهنا، فلم يشكنا - أي: لم يزل شكوانا -، فلو جاز السجود

стр. 663

يَسْجُدُ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ، وَيُرْوَى أَنَّهُ ﷺ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يَتَّقِي بِفُضُولِهِ حَرَّ على كورهما لأشكالهم، وروي عنه ﵇ أنه قال: «ترب جبينيك يا رباح» (١) فأمره بتتريب جبينه، وفي رواية: «ألزق جبينك بالأرض» (٢). ولنا: ما روى أنس (٣) وعقبة بن جابر (٤) أنه ﵇ كان يسجد على كور عمامته، وروى البخاري ومسلم (٥) عن أنس قال: كنا نصلي مع النبي ﵇، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض يبسط ثوبه فسجد عليه. وفي رواية: يضع أحدنا طرف ثوبه ويسجد عليه (٦)، فإذا جاز في فاضل الثوب جاز في العمامة؛ لأن أمرهما واحد. وعنه ﵇ أنه صلى في بني الأشهل في ثوب واحد (٧)، وكان يتقي بفضله حر الأرض، ولأنه إذا وجد حجمها فالعمامة حائل كالبساط، فلا تمنع كالبساط، ولأن عليه تمكين القدمين من الأرض للقيام لتمكين الجبهة للسجود، ولا خلاف أن الخف الحائل بين القدم والأرض لا يمنع صحة القيام، فكذلك الكور لا يمنع صحة السجود. وما رواه الخصم محتمل، وما رويناه محكم، فنحمل المحتمل على المحكم، أو نقول بموجبه وهو وجدان حجم الأرض، حتى إذا امتنع حجمها لا يجوز، وهو المراد بكل ما روى الخصم، بدليل ما لو سجد على البساط يجوز بالإجماع. وفي المجتبى: سجد على الثلج والحشيش الكثير، أو الطين أو القطن

стр. 664

الْأَرْضِ وَبَرْدَهَا المحلوج؛ يجوز إن اعتمد حتى استقرت جبهته ووجد حجم الأرض، وإلا فلا (١). وفي فتاوى أبي حفص (٢): لا بأس بأن يصلي على الجمد والبر والشعير والحائط، والكدس والتبن والذرة، ولا يصلي على الأرز؛ لأنه لا يستمسك. فالحاصل: أنه إن وضع جبهته على ما يستقر وإن كان يتحرك يجوز، ولا يجوز على الثلج المتجافي والحشيش وما أشبهه حتى يلبده فيجد حجمه، ولو سجد على ظهر ميت عليه لبد، إن وجد حجمه جاز، وإلا فلا. وقيل: إن كان مغسولاً جاز، وإن لم يكن عليه إزار. وفي النظم: لو شد البساط على الأشجار الأربعة، وصلى عليه لا يجوز، وعلى قطعة جمد تجري في الماء كالسفينة يجوز (٣). وقيل: إنما يجوز إذا اتصلت طرفاه بالشطين. ولو سجد على ظهر المصلي يجوز. وقيل: إنما يجوز إذا كان سجود الثاني على الأرض، وعلى ظهر غير المصلي لا يجوز لعدم الحاجة. وذكر البزدوي: لو سجد على ركبتيه أو يديه أو كُمِّه جاز (٤)، خلافًا للشافعي. وقال المحسن: الأصح أنه إذا سجد على فخذيه أو ركبتيه بعذر جاز، وإلا فلا، والأصح: أنه إذا وضع يديه على النجاسة، أو طرف ردائه أو كمه وسجد عليه لا يجوز؛ لأن السجود على الأرض على الكم، والكم من جملة الساجد (٥).

стр. 665

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي فتاوى الظهيرية، ومبسوط الإسبيجابي والأصح: أنه يجوز؛ لأنه ساجد على الكم حقيقة وهو طاهر (١). وفي مبسوط بكر (٢): لو كان موضع السجود أرفع من موضع القدمين بقدر لبنة أو لبنتين منصوبتين يجوز، وإن زاد لم يجز، ولا يكره السجود على جلد ومسح، خلافا لمالك (٣)، فقال: السجود على ما أنبتته الأرض أفضل؛ فإنه ﵇ كان يطلب الخمرة إذا أراد الصلاة يسجد عليها (٤). ولنا: أنه ﵇ سجد على فروة مدبوغة (٥)، وعلى بساط (٦) وحصير (٧)، وهو ﵇ أجل منصباً من أن يفعل فعل المكروه وترك الأفضل. وقالت الرافضة: لا تجوز الصلاة إلا على ما أخرجته الأرض من قطن أو كتان أو قصب أو حشيش؛ لقوله ﵇: ﴿جُعِلَت لِيَ الأرض مسجداً﴾ (٨)، فخصها بكونها موضع السجود، فلا يجوز على ما يتخذ من الحيوان. للعامة: ما روينا أنه سجد على فروة مدبوغة (٩)، وإجماع الصحابة. والمراد بما رووه: نفي مذهب النصارى واليهود؛ فإن عندهم لا تجوز (١٠) الصلاة إلا في البيعة والكنيسة، فقال ﵇: «جعلت لي الأرض

стр. 666

(وَيُبْدِي ضَبْعَيْهِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «وَأَبْدِ ضَبْعَيْكَ» وَيُرْوَى: «وَأَبِدَّ» مِنْ مسجداً»، وهو المفهوم منه، لا الحصر على جنس الأرض. قوله: (ويبدي ضبعيه) وفي بعض النسخ: ويُبْدِ ضِبْعَيْهِ. وفي المغرب (١): إبداء الضبعين تفريجهما، وأما الإبداء وهو الإظهار فلم أجده في كتب الحديث رواية، ولكن يستقيم من حيث المعنى، والضبع بسكون الباء لا غير العضد. وكذا في الصحاح (٢)، والديوان. وفي مبسوط شيخ الإسلام: ثم اختلف أهل اللغة في قوله (ضبعيه)؛ فقال بعضهم: بجزم الباء، وقال بعضهم: بضم الباء، وهما لغتان (٣). التجافي: التباعد البهمة ولد الشاة بعد السخلة، فإنه أول ما تضعه أمه ثم يصير بهمة؛ لأنه ﵇ يختم بالوتر؛ بأن يقول: خمسة أو سبعة، حتى يمل القوم. في الإيضاح: التثقيل سبب للتنفير، وهو مكروه (٤)، وكان سفيان الثوري يقول: ينبغي للإمام أن يقول: خمساً، حتى يتمكن القوم أن يقولوا: ثلاثاً. وقال بعض أصحاب الشافعي (٥): يستحب أن يزيد في الركوع؛ لما روى علي ﵁، عن النبي ﵇ «اللَّهُمَّ لكَ رَكَعْتُ، ولكَ خَشِعْتُ، ولك أسلمتُ، وبك آمنتُ، وعليكَ توكَّلْتُ» (٦)، وفي السجود «سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خلقه وشقَّ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ فتبارك الله أحسن الخالقين» (٧)، وهذا محمول عندنا على التهجد. كذا في المبسوط (٨).

стр. 667

الإِبْدَادِ: وَهُوَ المَدُّ، وَالأَوَّلُ مِنْ الإِبْدَاءِ وَهُوَ الإِظْهَارُ (وَيُجَافِي بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ) «لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ إِذَا سَجَدَ جَافَى حَتَّى أَنَّ بَهْمَةٌ لَوْ أَرَادَتْ أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ لَمَرَّتْ». وفي الشامل (١): كانوا يقولون في الركوع: «اللهم لك ركعت … » إلى آخره، وفي السجود: «اللهم لك سجدت … » إلى آخره، فلما نزل قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤]؛ قال ﵇: «اِجْعَلُوهَا فِي رُكوعِكُم» (٢)، ولما نزل قوله تعالى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]؛ قال: «اجْعلوها في سجودِكُم» (٣)، وهذا لم يفد الوجوب؛ لحديث تعليم الأعرابي؛ فإنه ﵇ علمه ما هو من واجباتها، ولم يذكر التسبيحات. وفي شرح الطحاوي: قيل: يقوله ثلاثًا. وقيل: أربعاً؛ ليتمكن القوم من الثلاث (٤). وفي صلاة الفضلي: الأدنى ثلاث، والأوسط خمس، والأكبر سبع أو تسع (٥). وفي مبسوط شيخ الإسلام: عن محمد يكره مرة (٦). وفي جمل النوازل: يسن البكاء في السجود؛ لأنه تعالى أثنى به بقوله تعالى: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]، ويسن النظر إلى أرنبة الأنف فيه (٧). ولو سمع الإمام خفق النعلين في الركوع فأطاله: قال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة وابن أبي ليلى عنه فكرهاه. وقال أبو حنيفة: أخشى عليه أمراً عظيماً - يعني الشرك -.

стр. 668

وَقِيلَ: إِذَا كَانَ فِي الصَّفْ لَا يُجَافِي كَيْ لَا يُؤْذِيَ جَارَهُ (وَيُوَجِّهُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ نَحْوَ القِبْلَةِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا سَجَدَ المُؤْمِنُ سَجَدَ كُلُّ عُضْوِ مِنهُ، فَلْيُوَجِّهُ مِنْ أَعْضَائِهِ القِبْلَةَ مَا اسْتَطَاعَ» (وَيَقُولُ فِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الأَعْلَى ثَلَاثًا وعن الثلجي: تفسد صلاته ويكفر. وعن القمي: تفسد ولا يكفر. وعن أبي مطيع: لا بأس به. وعن الشعبي: لا بأس به قدر تسبيحة أو تسبيحتين. وقيل: يطول التسبيحات ولا يزيد في العدد. وعن أبي القاسم الصفار: إن كان الجائي فقيراً جاز، وإلا فلا. وعن أبي الليث: إن عرفه لا ينتظر. وقيل: إن طوله للإدراك دون التقرب يكره، وهذا معنى قول أبي حنيفة، وإن طوله تقربا ويدرك به لا بأس به، كتطويل الركعة الأولى من الفجر على الثانية (١). وفي الجامع الأصغر (٢): لا يكره، وهو مأجور؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]. وعن أبي الليث (٣): هو محسن؛ لأنه ﵇ كان يخفف القراءة لبكاء صبي؛ لكيلا تفتتن أمه (٤). ثم تسبيحات الركوع والسجود سنة عند أكثر العلماء، وقال أبو مطيع - تلميذ أبي حنيفة - فرض (٥)، ولم يجزئه أقل من ثلاث؛ لقوله ﵇: «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ» (٦) و «اجْعَلوها في سجودِكُم» (٧)، ولأن الركوع والسجود

стр. 669

وَذَلِكَ أَدْنَاهُ) لِقَوْلِهِ ﵊: «وَإِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ فِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الأَعْلَى ثَلَاثًا وَذَلِكَ أَدْنَاهُ» أَيْ أَدْنَى كَمَالِ الجَمْعِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الثَّلَاثِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بَعْدَ أَنْ يَخْتِمَ بِالوِتْرِ، لِأَنَّهُ ﵊ «كَانَ يَخْتِمُ بِالوِتْرِ»، وَإِنْ كَانَ إِمَامًا لَا يَزِيدُ عَلَى وَجْهِ يُمِلُّ القَوْمَ، حَتَّى لَا يُؤَدِّيَ إِلَى التَّنْفِير. ثُمَّ تَسْبِيحَاتُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ سُنَّةٌ، لِأَنَّ النَّصَّ تَنَاوَلَهُمَا دُونَ تَسْبِيحَاتِهِمَا، فَلَا يَزِيدُ عَلَى النَّصِّ (وَالمَرْأَةُ تَنْخَفِضُ فِي سُجُودِهَا وَتَلْزِقُ بَطْنَهَا بِفَخِذَيْهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ أَسْتَرُ لَهَا. ركنان كالقيام، فوجب أن يحلهما ذكر. وقال أحمد (١)، وداود: يجب مرة؛ إذ الأمر لا يوجب التكرار، وكذا التكبيرات والتسميع والدعاء بين السجدتين، إلا أن عند أحمد إذا ترك ذلك ناسياً لا تبطل صلاته، وعند داوود بتركه عامداً أيضًا. وقلنا: النص يتناولهما دون تسبيحاتهما، فمتى شرطنا التسبيح رفعنا جواز ما ثبت بالنص بخبر الواحد، وذا لا يجوز، ولأنه ذكر يخافت به على كل حال، فيكون سنة كالتأمين، وهذا لأن مبنى الفرائض على الشهرة والإعلان، ومبنى التطوعات على الخفية والكتمان. كذا في المبسوط (٢). وفي الإيضاح (٣)، وتتمة أصحاب الشافعي (٤): أن النبي ﵇ علم الأعرابي الصلاة وواجباتها، ولم يذكر التسبيحات، فعلم أنه غير واجب. وفي التتمة: ولا يصح القياس على القيام والقعود؛ لأنهما من أفعال العادة، فأوجب الذكر فيهما؛ لتتميز العادة عن العبادة، أما الركوع والسجود فليسا من أفعال العادة، وكان الذكر فيهما مستحباً (٥)، وفيه تأمل.

стр. 670

قَالَ: (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيُكَبِّرُ) لِمَا رَوَيْنَا (فَإِذَا اطْمَأَنَّ جَالِسًا كَبَّرَ وَسَجَدَ) لِقَوْلِهِ (يُكَبِّرُ لِما روينا)؛ وهو أنه ﵇ يكبر مع كل خفض ورفع، فإذا اطمأن جالسًا كبر وسجد، فالسجود الثاني فرض كالأول بإجماع الأمة، والجلوس هاهنا قدر تسبيحة. وتكلموا في تكرار السجود دون الركوع، فمذهب الفقهاء أن هذا تعبد لا يطلب فيه المعنى كأعداد الركعات. وفي المبسوط (١): قيل: إنما كان السجود مثنى ترغيما للشيطان؛ فإنه أمر بالسجود فلم يفعل، فنحن نسجد مرتين ترغيما له، وإليه أشار النبي ﵇ في سجود السهو؛ فهو ترغيما للشيطان (٢). وقيل: في السجدة الأولى إشارة إلى أنه خلق من الأرض، وفي الثانية إشارة إلى أنه يعود إليها، قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥]. وفي مبسوط شيخ الإسلام (٣): أكثر مشايخنا على أنه توقيف غير معقول المعنى، ومنهم من يذكر لذلك حكمة؛ فقال: حكمته ما روي في بعض الأخبار، أن الله تعالى لما أخذ الميثاق من ذرية آدم ﵇ حيث قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية، أمرهم بالسجود تصديقا لما قالوا، فسجد المسلمون كلهم، وبقي الكافرون، فلما رفعوا رؤوسهم رأوا الكفار لم يسجدوا، فسجدوا ثانيا شكراً لما وفقهم الله تعالى عليه، فصار المفروض سجدتين. وفي فتاوى الظهيرية: وليس بينهما ذكر مسنون (٤). وعن الحسن بن أبي مطيع أنه يقول: (سبحان الله وبحمده أستغفر الله) (٥). وعند الشافعي (٦): يستحب أن يدعو في جلوسه بين السجدتين؛ لما روى
следующие страницы →