← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

(وَيُبْدِي ضَبْعَيْهِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «وَأَبْدِ ضَبْعَيْكَ» وَيُرْوَى: «وَأَبِدَّ» مِنْ مسجداً»، وهو المفهوم منه، لا الحصر على جنس الأرض. قوله: (ويبدي ضبعيه) وفي بعض النسخ: ويُبْدِ ضِبْعَيْهِ. وفي المغرب (١): إبداء الضبعين تفريجهما، وأما الإبداء وهو الإظهار فلم أجده في كتب الحديث رواية، ولكن يستقيم من حيث المعنى، والضبع بسكون الباء لا غير العضد. وكذا في الصحاح (٢)، والديوان. وفي مبسوط شيخ الإسلام: ثم اختلف أهل اللغة في قوله (ضبعيه)؛ فقال بعضهم: بجزم الباء، وقال بعضهم: بضم الباء، وهما لغتان (٣). التجافي: التباعد البهمة ولد الشاة بعد السخلة، فإنه أول ما تضعه أمه ثم يصير بهمة؛ لأنه ﵇ يختم بالوتر؛ بأن يقول: خمسة أو سبعة، حتى يمل القوم. في الإيضاح: التثقيل سبب للتنفير، وهو مكروه (٤)، وكان سفيان الثوري يقول: ينبغي للإمام أن يقول: خمساً، حتى يتمكن القوم أن يقولوا: ثلاثاً. وقال بعض أصحاب الشافعي (٥): يستحب أن يزيد في الركوع؛ لما روى علي ﵁، عن النبي ﵇ «اللَّهُمَّ لكَ رَكَعْتُ، ولكَ خَشِعْتُ، ولك أسلمتُ، وبك آمنتُ، وعليكَ توكَّلْتُ» (٦)، وفي السجود «سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خلقه وشقَّ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ فتبارك الله أحسن الخالقين» (٧)، وهذا محمول عندنا على التهجد. كذا في المبسوط (٨).

стр. 667

الإِبْدَادِ: وَهُوَ المَدُّ، وَالأَوَّلُ مِنْ الإِبْدَاءِ وَهُوَ الإِظْهَارُ (وَيُجَافِي بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ) «لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ إِذَا سَجَدَ جَافَى حَتَّى أَنَّ بَهْمَةٌ لَوْ أَرَادَتْ أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ لَمَرَّتْ». وفي الشامل (١): كانوا يقولون في الركوع: «اللهم لك ركعت … » إلى آخره، وفي السجود: «اللهم لك سجدت … » إلى آخره، فلما نزل قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤]؛ قال ﵇: «اِجْعَلُوهَا فِي رُكوعِكُم» (٢)، ولما نزل قوله تعالى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]؛ قال: «اجْعلوها في سجودِكُم» (٣)، وهذا لم يفد الوجوب؛ لحديث تعليم الأعرابي؛ فإنه ﵇ علمه ما هو من واجباتها، ولم يذكر التسبيحات. وفي شرح الطحاوي: قيل: يقوله ثلاثًا. وقيل: أربعاً؛ ليتمكن القوم من الثلاث (٤). وفي صلاة الفضلي: الأدنى ثلاث، والأوسط خمس، والأكبر سبع أو تسع (٥). وفي مبسوط شيخ الإسلام: عن محمد يكره مرة (٦). وفي جمل النوازل: يسن البكاء في السجود؛ لأنه تعالى أثنى به بقوله تعالى: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]، ويسن النظر إلى أرنبة الأنف فيه (٧). ولو سمع الإمام خفق النعلين في الركوع فأطاله: قال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة وابن أبي ليلى عنه فكرهاه. وقال أبو حنيفة: أخشى عليه أمراً عظيماً - يعني الشرك -.

стр. 668

وَقِيلَ: إِذَا كَانَ فِي الصَّفْ لَا يُجَافِي كَيْ لَا يُؤْذِيَ جَارَهُ (وَيُوَجِّهُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ نَحْوَ القِبْلَةِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا سَجَدَ المُؤْمِنُ سَجَدَ كُلُّ عُضْوِ مِنهُ، فَلْيُوَجِّهُ مِنْ أَعْضَائِهِ القِبْلَةَ مَا اسْتَطَاعَ» (وَيَقُولُ فِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الأَعْلَى ثَلَاثًا وعن الثلجي: تفسد صلاته ويكفر. وعن القمي: تفسد ولا يكفر. وعن أبي مطيع: لا بأس به. وعن الشعبي: لا بأس به قدر تسبيحة أو تسبيحتين. وقيل: يطول التسبيحات ولا يزيد في العدد. وعن أبي القاسم الصفار: إن كان الجائي فقيراً جاز، وإلا فلا. وعن أبي الليث: إن عرفه لا ينتظر. وقيل: إن طوله للإدراك دون التقرب يكره، وهذا معنى قول أبي حنيفة، وإن طوله تقربا ويدرك به لا بأس به، كتطويل الركعة الأولى من الفجر على الثانية (١). وفي الجامع الأصغر (٢): لا يكره، وهو مأجور؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]. وعن أبي الليث (٣): هو محسن؛ لأنه ﵇ كان يخفف القراءة لبكاء صبي؛ لكيلا تفتتن أمه (٤). ثم تسبيحات الركوع والسجود سنة عند أكثر العلماء، وقال أبو مطيع - تلميذ أبي حنيفة - فرض (٥)، ولم يجزئه أقل من ثلاث؛ لقوله ﵇: «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ» (٦) و «اجْعَلوها في سجودِكُم» (٧)، ولأن الركوع والسجود

стр. 669

وَذَلِكَ أَدْنَاهُ) لِقَوْلِهِ ﵊: «وَإِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ فِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الأَعْلَى ثَلَاثًا وَذَلِكَ أَدْنَاهُ» أَيْ أَدْنَى كَمَالِ الجَمْعِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الثَّلَاثِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بَعْدَ أَنْ يَخْتِمَ بِالوِتْرِ، لِأَنَّهُ ﵊ «كَانَ يَخْتِمُ بِالوِتْرِ»، وَإِنْ كَانَ إِمَامًا لَا يَزِيدُ عَلَى وَجْهِ يُمِلُّ القَوْمَ، حَتَّى لَا يُؤَدِّيَ إِلَى التَّنْفِير. ثُمَّ تَسْبِيحَاتُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ سُنَّةٌ، لِأَنَّ النَّصَّ تَنَاوَلَهُمَا دُونَ تَسْبِيحَاتِهِمَا، فَلَا يَزِيدُ عَلَى النَّصِّ (وَالمَرْأَةُ تَنْخَفِضُ فِي سُجُودِهَا وَتَلْزِقُ بَطْنَهَا بِفَخِذَيْهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ أَسْتَرُ لَهَا. ركنان كالقيام، فوجب أن يحلهما ذكر. وقال أحمد (١)، وداود: يجب مرة؛ إذ الأمر لا يوجب التكرار، وكذا التكبيرات والتسميع والدعاء بين السجدتين، إلا أن عند أحمد إذا ترك ذلك ناسياً لا تبطل صلاته، وعند داوود بتركه عامداً أيضًا. وقلنا: النص يتناولهما دون تسبيحاتهما، فمتى شرطنا التسبيح رفعنا جواز ما ثبت بالنص بخبر الواحد، وذا لا يجوز، ولأنه ذكر يخافت به على كل حال، فيكون سنة كالتأمين، وهذا لأن مبنى الفرائض على الشهرة والإعلان، ومبنى التطوعات على الخفية والكتمان. كذا في المبسوط (٢). وفي الإيضاح (٣)، وتتمة أصحاب الشافعي (٤): أن النبي ﵇ علم الأعرابي الصلاة وواجباتها، ولم يذكر التسبيحات، فعلم أنه غير واجب. وفي التتمة: ولا يصح القياس على القيام والقعود؛ لأنهما من أفعال العادة، فأوجب الذكر فيهما؛ لتتميز العادة عن العبادة، أما الركوع والسجود فليسا من أفعال العادة، وكان الذكر فيهما مستحباً (٥)، وفيه تأمل.

стр. 670

قَالَ: (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيُكَبِّرُ) لِمَا رَوَيْنَا (فَإِذَا اطْمَأَنَّ جَالِسًا كَبَّرَ وَسَجَدَ) لِقَوْلِهِ (يُكَبِّرُ لِما روينا)؛ وهو أنه ﵇ يكبر مع كل خفض ورفع، فإذا اطمأن جالسًا كبر وسجد، فالسجود الثاني فرض كالأول بإجماع الأمة، والجلوس هاهنا قدر تسبيحة. وتكلموا في تكرار السجود دون الركوع، فمذهب الفقهاء أن هذا تعبد لا يطلب فيه المعنى كأعداد الركعات. وفي المبسوط (١): قيل: إنما كان السجود مثنى ترغيما للشيطان؛ فإنه أمر بالسجود فلم يفعل، فنحن نسجد مرتين ترغيما له، وإليه أشار النبي ﵇ في سجود السهو؛ فهو ترغيما للشيطان (٢). وقيل: في السجدة الأولى إشارة إلى أنه خلق من الأرض، وفي الثانية إشارة إلى أنه يعود إليها، قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥]. وفي مبسوط شيخ الإسلام (٣): أكثر مشايخنا على أنه توقيف غير معقول المعنى، ومنهم من يذكر لذلك حكمة؛ فقال: حكمته ما روي في بعض الأخبار، أن الله تعالى لما أخذ الميثاق من ذرية آدم ﵇ حيث قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية، أمرهم بالسجود تصديقا لما قالوا، فسجد المسلمون كلهم، وبقي الكافرون، فلما رفعوا رؤوسهم رأوا الكفار لم يسجدوا، فسجدوا ثانيا شكراً لما وفقهم الله تعالى عليه، فصار المفروض سجدتين. وفي فتاوى الظهيرية: وليس بينهما ذكر مسنون (٤). وعن الحسن بن أبي مطيع أنه يقول: (سبحان الله وبحمده أستغفر الله) (٥). وعند الشافعي (٦): يستحب أن يدعو في جلوسه بين السجدتين؛ لما روى

стр. 671

﵊ فِي حَدِيثِ الأَعْرَابِيِّ: «ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ حَتَّى تَسْتَوِيَ جَالِسًا»، وَلَوْ لَمْ يَسْتَوِ جَالِسًا وكَبَّر وَسَجَدَ أُخْرَى أَجْزَأَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَتَكَلَّمُوا فِي مِقْدَارِ الرَّفْعِ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ إِلَى السُّجُودِ أَقْرَبَ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ يُعَدُّ سَاجِدًا، وَإِنْ كَانَ إِلَى الجُلُوسِ أَقْرَبَ جَازَ، لِأَنَّهُ يُعَدُّ جَالِسًا فَتَتَحَقَّقُ الثَّانِيَةُ. حذيفة أنه ﵇ يقول: «رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي» (١)، ويجلس بقدر سجوده، وروى ابن عباس أنه ﵇ كان يقول بينهما: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِي وارْحَمْنِي وَاهْدِني واجبرني وعافني وارْزُقني» (٢). وفي تتمتهم: ولا يتعين عليه دعاء، ولكن يستحب أن يدعو بما وردت به السنة (٣). وقلنا: هذا كله وارد في التهجد لا في الفرائض، والأمر فيه أوسع. قوله: (والأصح): احتراز عما ذكره بعض المشايخ؛ أنه إذا زايل جبهته عن الأرض ثم أعادها جاز. وعن الحسن بن زياد ما هو قريب منه؛ فإنه قال: إذا رفع رأسه بقدر ما تجري فيه الريح يجوز، وعما ذكر القدوري أنه مقدر بأدنى ما ينطلق عليه اسم الرفع، وهو رواية أبي يوسف. كذا في المحيط (٤). وجعل شيخ الإسلام هذا القول هو الأصح. وقال محمد بن سلمة: مقدار ما يقع عند الناظر أنه رفع رأسه، فإن فعل ذلك جاز، وإلا فلا (٥)، وهذا قريب إلى ما ذكره في الكتاب.

стр. 672

قَالَ: (فَإِذَا اطْمَأَنَّ سَاجِدًا كَبَّرَ) وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ (وَاسْتَوَى قَائِمًا عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ، وَلَا يَقْعُدُ وَلَا يَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَجْلِسُ جِلْسَةٌ خَفِيفَةٌ ثُمَّ يَنْهَضُ مُعْتَمِدًا عَلَى الْأَرْضِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ فَعَلَ ذَلِكَ. (وقال الشافعي: يجلس جلسة خفيفة): فالخلاف بيننا وبينه في الموضعين؛ في الجلسة والاعتماد، فقال الشافعي في الأم: أنه يقوم من السجدة (١)، فقال أصحابه: في المسألة طريقان: أحدهما: أن فيها قولين، في قول: يقوم ولا يجلس، وبه قال علماؤنا، ومالك (٢)، وأحمد (٣)، وأصح قوليه وظاهر مذهبه: أنه يجلس جلسة خفيفة، وتسمى جلسة الاستراحة. له: ما روي عن مالك بن الحويرث أنه ﵇ إذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا (٤)، ووصف أبو حميد الساعدي صلاة النبي ﵇ في عشرة من أصحابه، وذكر هذه الجلسة (٥). قال بعض أصحاب الشافعي: إن كان بالمصلي ضعف من كبر أو مرض جلس للاستراحة، وإلا فلا. وقال بعض أصحابه: لا يجلس لها فيمد التكبير، فيبتدئه مع ابتداء الرفع، وينهيه مع استوائه قائما. وفي الحلية: وهو الأصح (٦). ولنا: ما روي عن وائل أنه ﵇ كان إذا رفع رأسه من السجدة الثانية استوى قائما (٧).

стр. 673

وَلَنَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ «كَانَ يَنْهَضُ فِي وأما الاعتماد: فعند الشافعي (١)، ومالك (٢)، وأحمد (٣): ينهض معتمداً على يديه؛ لما روى مالك بن الحويرث أنه ﵇ اعتمد بيديه على الأرض (٤)، و [كذا] (٥) روى ابن عباس (٦). ولنا: ما روى وائل بن حجر أنه ﵇ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه (٧)، وما ذكر في الكتاب من حديث أبي هريرة وعنه ﵇ أنه نهى أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض (٨)، وعن علي ﵁ أنه قال: أن من السنة إذا نهضت من الركعتين أن لا يعتمد الرجل على الأرض بيديه إلا أن [لا] (٩) يستطيع (١٠). كذا في الإيضاح (١١). وفي شرح الإرشاد (١٢): كان عمر وعلي وأصحاب رسول الله ﷺ ينهضون في الصلاة على صدر أقدامهم، وهو قول مالك، وسفيان. (قعدة استراحة) وإنما قيل: إنها للاستراحة؛ لأنها لا يأتي بها للفصل، فإن

стр. 674

الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ»، وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الكِبَرِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ قَعْدَةُ الفصل بالقعدة إنما شرعت بين السجدتين، أو بين الشفعين، ولا حاجة إلى واحد منهما هاهنا، فتكون الاستراحة وقعدة الاستراحة لم تشرع في الصلاة. كذا قيل. ولأنه اعتمد على غيره في صلاته بلا حاجة، فيكون مسيئاً، قياساً على ما لو اتكأ على حائط أو عصا، بخلاف ما لو اعتمد على ركبتيه؛ لأنا قلنا على غيره. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (١). وفي المحيط (٢)، وفتاوى الظهيرية: وذكر الحلواني الخلاف في الأفضل، أما لو فعل كما هو مذهبنا لا بأس به عند الشافعي، ولو فعل كما هو مذهبه لا بأس به عندنا. (وما رواه الشافعي محمول على حالة الكبر)؛ أي: العذر بسبب الكبر، فقد روي أنه ﵇ قال: «قد بدنت -أي: كبرت- فلا تبادروني بركوع، وبدليل أن عامة الصحابة نقلوا أنه ﵇ ينهض في الصلاة وسجود» (٣) على صدور قدميه، ولا يعتمد على الأرض (٤). وفي شرح الطحاوي (٥): لا بأس بأن يعتمد بيده عليها، شيخاً كان أو شاباً، وهو قول عامة العلماء، وما روي عن علي ﵁ شيء كان يتعوذ به. وفي جمل النوازل (٦): جلسة الاستراحة مكروهة عندنا؛ لأن المروي أن الصحابة كانوا ينهضون على صدور أقدامهم. (لا يستفتح)؛ أي: لا يقول: (سبحانك اللهم)، وإنما لا يستفتح ولا

стр. 675

اسْتِرَاحَةٍ وَالصَّلَاةُ مَا وُضِعَتْ لَهَا. (وَيَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الأُولَى) لِأَنَّهُ تَكْرَارُ الْأَرْكَانِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَسْتَفْتِحُ وَلَا يَتَعَوَّذُ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُشْرَعَا إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً (وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلَّا فِي التَّكْبِيرَةِ الأُولَى) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ فِي الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنهُ يتعوذ؛ لأنهما شرعا لافتتاح الصلاة والقراءة ولم يوجد، وللشافعية خلاف في الاستعاذة في الركعة الثانية وما بعدها (١). وقوله: (ولا يرفع يديه): ابتداء كلام يعلم بدلالة الاستثناء. ثم بقولنا: أخذ مالك في رواية، وهو المشهور من مذهبه، والمعمول به عند أصحابه (٢)، والثوري. وبقول الشافعي (٣) أخذ أحمد (٤)، ومالك في رواية. وفي المسألة حكاية تصلح دليلا للفريقين؛ وهي أن الأوزاعي لقي أبا حنيفة في المسجد الحرام فقال: ما بال أهل العراق لا يرفعون أيديهم عند الركوع وعند الرفع منه، وقد حدثني الزهري عن سالم عن ابن عمر أنه ﵇ كان يرفع يديه عندهما (٥)، فقال أبو حنيفة (٦) ﵁: حدثني حماد عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود أنه ﵇ كان يرفع يديه عند الافتتاح ولا يعود فقال الأوزاعي: عجباً من أبي حنيفة؛ أحَدَّثه عن الزهري عن سالم عن ابن عمر، وهو يحدث عن حماد عن إبراهيم عن علقمة، فرجح حديثه بعلو الإسناد، فقال أبو حنيفة: أما حماد فأفقه من الزهري، وإبراهيم أفقه من سالم، ولولا سبق ابن عمر لقلت علقمة أفقه من ابن عمر، وأما عبد الله فعبد الله، فسكت الأوزاعي، ورجح أبو حنيفة بفقه الراوي لا بعلو الإسناد، وأنه لما تعارضت روايتا فعله؛ فوجب المصير إلى قوله؛ وهو الحديث المشهور المذكور في المتن. كذا في المبسوط (٧).

стр. 676

لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا تُرْفَعُ الأَيْدِي إِلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ: تَكْبِيرَةُ الافْتِتَاحِ، وَتَكْبِيرَةُ القُنُوتِ وَتَكْبِيرَاتُ العِيدَيْنِ، وَذَكَرَ الأَرْبَعَ فِي الحَجِّ» وَالَّذِي يُرْوَى مِنْ الرَّفْعِ مَحْمُولٌ عَلَى الابْتِدَاءِ، (وذكر الأربع في الحج): عند استلام الحجر، وعند الصفا والمروة، وفي الموقفين، وعند الجمرتين، وعند المقامين، والمتنازع فيه خارج عن السبع. وفي رواية: (سبع مواطن) أراد بها البقاع؛ لأنه ذكر بغير التاء، وقد جمعت المواطن كلها في قوله: (فقعس صمعج) فالفاء تكبيرة الافتتاح، والقاف القنوت والعين العيدين والسين استلام الحجر الأسود، والصاد والميم الصفا والمروة، جعلهما كشيء واحد نظراً إلى السعي والعين عرفات، والجيم الجمرتان، والمراد عند الوقوف عند الجمرتين الأولى والوسطى. ثم اعلم أنه ينبغي أن يجعل باطن كفه إلى القبلة في التكبيرات التي في الصلاة، وفي التي في الحج باطن كفه إلى السماء، إلا عند استلام الحجر؛ فإنه يستقبل بباطن كفه إلى الحجر. كذا ذكره شيخ الإسلام خواهر زاده (١). ولأن المقصود من رفع اليد إعلام الأصم الذي خلفه، وهذا إنما يحتاج إليه في التكبيرات التي يؤتى بها في حالة الاستواء، كتكبيرات الزوائد في العيدين، وتكبير القنوت ولا حاجة إليها فيما يؤتى به حالة الانتقال، فإن الأصم يراه ينحط للركوع، والقياس أن لا يرفع في شيء من التكبيرات في الصلاة؛ لأنه مما ينافي السكينة والوقار، ومبنى الصلاة عليهما، قال ﵇: «اسكنوا فِي الصَّلاةِ» (٢)، إلا أنا تركناه في تكبير الافتتاح والأعياد والقنوت؛ لاتفاق الأخبار والإجماع، فبقي فيما رواها على القياس؛ لأن ما ثبت بخلاف القياس لا يقاس عليه غيره، إلا إذا كان في معناه من كل وجه، فحينئذ يلحق بالدلالة، وليس ما ذكره في معنى تكبيرة الافتتاح والأعياد؛ لما ذكرنا من المعنى. كذا في المبسوطين (٣).

стр. 677

كَذَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. (كذا نقل عن ابن الزبير): رأى عبد الله ابن الزبير رجلا يصلي في المسجد الحرام، ويرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس منه، فلما فرغ من صلاته قال له: لا تفعل؛ فإن هذا شيء فعله النبي ﵇ ثم تركه (١). وعن ابن عباس: أن العشرة المبشرة كانوا لا يرفعون أيديهم إلا عند افتتاح الصلاة. وعن مجاهد أنه قال: صليت خلف ابن عمر سنين، فلم يره يرفع يديه إلا للافتتاح، وعمل الراوي بخلاف ما روى يسقط روايته، ولأن راوي أخبارنا البدريون من أصحاب النبي ﷺ ، وكانوا عن قريب منه، وابن عمر ووائل بن حجر كانا يقومان ببعد منه ﵇ في الصلاة؛ لأنهما من الشبان، فكان الأخذ برواية من كان أقرب إلى النبي ﵇ أولى. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٢). ولأن الأخبار والآثار إذا تعارضت وجب المصير إلى ما دونها وهو القياس، مع أن عند الخصم قول الصحابي وفعله لا يكون أقوى منه. وفي المحيط (٣)، والمبسوط (٤): روى جابر أنه ﵇ رأى أقواماً يرفعون أيديهم عند الركوع وعند الرفع منه فقال ﵇: «فما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيلٍ شُمُسِ» (٥)، وفي نسخة: «أذناب أن كفوا في الصلاة»، وفي رواية: «اسكنوا فيها» (٦)، وفي رواية: «قاروا». رواه مسلم. وما قيل: أن هذا الحديث وارد في التشهد ضعيف نقله، مع أن الاعتبار

стр. 678

(وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ افْتَرَشَ رِجْلَهُ اليُسْرَى لعموم اللفظ لا لخصوص السبب كما عرف في الأصول، مع أن مسلم أورده في إنكار رفع اليد في الصلاة، والأمر بالسكون فيها، فكيف يحمل على الإيماء باليد والإشارة بها بعد السلام كما ورد في الحديث الثاني، والثوري ومالك أقعد بالحديث وأعلم بالسنة، وقد أنكر رفع اليدين في الصلاة إلا عند التحريمة، وجماعة من أهل الحديث رووا عن البراء بن عازب أن النبي ﵇ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه ثم لا يعود (١)، وقد رد البخاري على الشافعي فقال: والعجب منه أنه لا يقول برفع اليد عند القيام من السجود، ويعمل ببعض الحديث دون البعض، وفي الحقيقة عمل أكثر الصحابة والتابعين بعدم الرفع، وفي حديثه كلام كثير لأصحاب الحديث. فإن قيل: قوله ﵇: «لا ترفع الأيدي … » الحديث (٢)، رواه الطحاوي عن ابن عباس يوجب حصر رفع اليدين في المواضع السبعة، والحال أنه غير منحصر؛ فإنه ذكر في المبسوط (٣) والمحيط (٤) في الاستسقاء في قوله: (ويستقبل القبلة بالدعاء)، وعن أبي يوسف: إن شاء رفع يديه بالدعاء وإن شاء أشار بإصبعه؛ لأن رفع اليد في الدعاء سنة. قلنا: المراد برفع اليد في الحديث؛ رفعها في سنن هي توابع الفرائض والواجبات لا في المستحبات، مع أن ما ذكر فيه رواية عن أبي يوسف ومستحب. كذا قيل. قوله: (افترش رجله اليسرى): في المبسوط: يجعلها بين إليتيه ويقعد عليها (٥)، وبه قال الشافعي في القعدة الأولى (٦)، وعند مالك يتورك في

стр. 679

فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَنَصَبَ اليُمْنَى نَصْبًا، وَوَجَّهَ أَصَابِعَهُ نَحْوَ القِبْلَةِ) هَكَذَا وَصَفَتْ عَائِشَةُ قُعُودَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الصَّلَاةِ القعدتين (١). والتورك: أن يخرج رجله من جانب ويفضي بإليتيه على الأرض. له: حديث أبي حميد الساعدي: أنه ﵇ جلس في صلاته مُتَوَرِّكاً (٢). وقال الشافعي في القعدة الثانية مثل قوله، وخص الأول بالافتراش؛ لأنها قعدة يقام عنها، والجلوس هكذا أقرب إلى استعداد القيام، بخلاف الثانية؛ فإنها تطول، فلا يحتاج إلى القيام بعدها، فينبغي أن يكون مستقرا على الأرض. وقال أحمد: يتورك في كل تشهد ثان (٣). عند الشافعي في كل تشهد يعقبه السلام، فيتورك في الصبح والجمعة والعيدين، وعند أحمد لا يتورك فيها. ولنا: حديث عائشة ووائل بن حجر (٤) وأنس أنه ﵇ كان يفترش رجله اليسرى وينصب اليمنى رواه مسلم (٥)، وهذه الرواية أرجح؛ لأنها أشق، قال ﵇: «أفضل الأعمالِ أَحْمَزُها (٦) (٧)» وما رواه محمول على حالة العذر حين أسن ﵇.

стр. 680

(وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَبَسَطَ أَصَابِعَهُ وَتَشَهَّدَ) يُرْوَى ذَلِكَ فِي حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁، وَلِأَنَّ فِيهِ تَوْجِيهَ أَصَابِعِ يَدَيْهِ إِلَى القِبْلَةِ (فَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً جَلَسَتْ عَلَى أَلْيَتِهَا الْيُسْرَى، وَأَخْرَجَتْ رِجْلَيْهَا مِنْ الجَانِبِ الأَيْمَنِ). وفي شرح الإرشاد (١): روي عن أنس أنه ﵇ نهى عن التورك في الصلاة رواه أحمد (٢). وفي الْمُجْتَبى (٣): روي أنه ﵇ قال: «مِنَ السُّنةِ أن يفترش رجلَهُ اليُسرى فيَقعُدَ ويَنصِبَ اليُمْنَى نَصبًا» أخرجه النسائي (٤) عن ابن عمر، وكذا البخاري (٥). وجواب الشافعي: أن ما كان من أفعال الصلاة مكرراً فلا يكون الثاني مخالفاً للأول، كالقيام والركوع والسجود. (ووضع يديه على فخذيه)؛ لحديث وائل أنه ﵇ يضع يديه على فخذيه (٦). وعن محمد - في غير رواية الأصول -: السنة: أن يضع كفه اليمنى على فخذه الأيمن، وكفه اليسرى على فخذه الأيسر (٧). وقال الطحاوي: يضع يديه على ركبتيه كما في حالة الركوع (٨). وعن محمد: ينبغي أن تكون أطراف الأصابع عند الركبة (٩).

стр. 681

لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا. (لأنه أستر لها)؛ أي: الجلوس على إليتها وهو التورك، فيسن لها؛ لأنه أستر لها، فيكون أقيس في حقها؛ لأن مراعاة فرض الستر أولى من مراعاة سنة القعدة. وفي المبسوط (١): رأى النبي ﵇ امرأتين تصليان، فلما فرغتا قال: «إذا قَعَدْتُما فَضُمَّا بعض اللحم على الأرض» (٢)، وهذا أقرب إلى الستر. ثم مذهبنا مذهب الحسن، وابن سيرين، والنخعي، والثوري، والحسن بن صالح، وهذه القعدة سنة وليست بواجبة؛ لما روي أنه ﵇ قام إلى الثالثة فسبح فلم يرجع (٣)، ولو كانت واجبة لما تركها. وفي الإيضاح: وهذه القعدة ليست بفريضة، حتى لو تركها عامدا لم تفسد صلاته، ولو تركها ساهيا يسجد للسهو، وأنا أطلق اسم الواجب على مثل هذا، فكل ما يتعلق تركه ساهيا بسجود السهو نسميه واجباً، وأكثر مشايخنا يطلقون عليها اسم السنة، ويقولون ما فعله النبي ﵇ وداوم عليه فهو سنة إذا قام الدليل على انتفاء الفرضية، وهذا الاختلاف من حيث العبارة، ومداومته على ذلك يدلنا على كونه واجباً أو سنة لازمة، ولا يسعنا تركه (٤)، وفيه تأمل. وقال أحمد (٥)، وداود، وأبو ثور: هذه القعدة والتشهد فيه واجب؛ لمواظبته ﵇. (وتشهد)؛ أي: يقرأ التحيات، إلى آخره. في البدرية: سمي هذا الثناء تشهدا؛ إطلاقا لاسم الكل على البعض؛ لأن

стр. 682

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فيه ذكر الشهادتين، كما في الأذان؛ فإنه في الحقيقة (حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح)، ومع هذا أطلق اسم الأذان على الكل (١). ثم هل يشير بالمسبحة إذا انتهى إلى قوله: (أشهد أن لا إله إلا الله)، أم لا؟ فقال بعض مشايخنا: لا يشير؛ لأن في الإشارة زيادة لا يحتاج إليها، فيكون تركه أولى؛ لما بينا أن مبنى الصلاة على السكينة والوقار (٢). وفي المنية، والواقعات: وعليه الفتوى (٣). وفي الذخيرة: وهو ظاهر الرواية (٤). وقال بعضهم، والشافعي (٥): يشير، وقد نص محمد في كتاب المسبحة في حديث أنه ﵇ كان يفعل ذلك (٦)؛ أي: يشير، ثم قال محمد: أصنع بما صنع رسول الله ﷺ ، ونأخذ بفعله، وهو قول أبي حنيفة وقولنا، فقد تبين أنه سنة فعَلَهُ رسول الله ﷺ (٧). ثم كيف يشير؟ قال: يقبض خنصره والتي تليها، ويحلق الوسطى بالإبهام، ويقيم السبابة ويشير بها، هكذا روى الفقيه أبو جعفر أنه ﵇ هكذا يشير، وهو أحد وجوه قول الشافعي في الإشارة. وقال أهل المدينة: يعقد ثلاثة وخمسين، ويشير بالسبابة (٨)، وهو أيضاً.

стр. 683

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أحد وجوه قول الشافعي (١). قال أبو جعفر: ما ذهب إليه علماؤنا أولى؛ لأنه يوافق الحديث، ولا يشبه استعمال الأصابع للحساب الذي لا يليق بحال الصلاة، فكان أولى. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٢). وفي تتمة أصحاب الشافعي (٣): لنا في كيفية قبض الأصابع ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يقبض الأصابع كلها إلا المسبحة ويشير بها، فعلى هذا في كيفية القبض وجهان؛ أحدهما: يقبض كأنه يعقد ثلاثة وخمسين، وهو رواية ابن عمر عن النبي ﵇ (٤). والثاني: يقبض كأنه يعقد ثلاثا وعشرين، وهو رواية ابن الزبير عن النبي ﵇ (٥). والقول الثاني: أن يقبض الخنصر والبنصر والوسطى، ويرسل الإبهام والمسبحة، وهذه رواية أبي حميد الساعدي عن النبي ﵇ (٦). والقول الثالث: أن يقبض الخنصر والبنصر، ويحلق الوسطى والإبهام، ويرسل المسبحة، وهذه رواية وائل بن حجر عن النبي ﵇ (٧)، وهذه الأخبار تدل على أن فعله ﵇ كان يختلف فكيف ما فعل أجزأه، ولو ترك لا شيء عليه. وفي الْمُجْتَبى: لما كثرت الأقوال والأخبار والآثار، واتفقت الروايات عن أصحابنا جميعا في كون الإشارة سنة، وكذا عن الكوفيين والمدنيين؛ كان العمل أولى بها من تركها (٨).

стр. 684

(وَالتَّشَهُدُ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ … إلى ويكره بالسبابة من اليدين؛ لقوله ﵇: «أحد أحد» (١)، ولا يستحب تحريك الأصابع؛ لما روى الزبير أنه علي السلام كان يشير بالسبابة ولا يحركها (٢). وعن الحلواني: يقيم إصبعه عند قوله (لا إله) ويضعها عند قوله (إلا الله)؛ ليكون النصب كالنفي، والوضع كالإثبات (٣). قوله: (والتشهد التحيات) إلى آخره: اختلفت الروايات عن النبي ﵇ في التشهد والمشهور منها ثلاث: أحدها: ما روى ابن عباس (٤). والثاني: ما روى ابن مسعود، وروايته مذكورة في الصحيحين (٥). الثالث: ما روي عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ يقول على المنبر، ويعلم الناس التشهد فقال: قولوا التحيات الله الزاكيات الله الطيبات الصلوات الله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله (٦)، فأيها قال في الصلاة صحت صلاته؛ لأن كلها متفقة. كذا في تتمتهم (٧). وفي الحلية (٨): قال الشافعي (٩)، وأحمد (١٠)، وسفيان، وأبو ثور: أفضل

стр. 685

آخره) وَهَذَا تَشَهُدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، فَإِنَّهُ قَالَ: «أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ التشهد: تشهد ابن عباس. وقال مالك (١)، والشافعي في القديم: أحب التشهد: تشهد عمر ابن الخطاب ﵁؛ لأن عمر كان يعلمه على المنبر، فلم ينكره أحد، فَحَلَّ مَحلَّ الإجماع. وعندنا: أفضل التشهد: تشهد ابن مسعود. قال الشافعي: الأخذ بما روى ابن عباس أولى من وجوه: أحدها: أن فيها زيادة كلمة (٢). والثاني: أنها توافق القرآن على ما قال ﴿تَحِيَّةً مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَرَكَةً طَيِّبَة﴾ [النور: ٦١]. والثالث: أنه ذكر السلام بغير الألف واللام، وأكثر تسليمات القرآن كذلك، قال تعالى: ﴿سَلَامُ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ [الزمر: ٧٣] ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ [هود: ٦٩] ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ [مريم: ١٥]، وأشرف الكلام ما وافق القرآن. والرابع: أنه متأخر عن خبر ابن مسعود؛ لأن ابن عباس كان صغير السن، فكان ينقل ما تأخر من الشرع، ورجحت روايته على رواية عمر؛ لأنه أسند إلى النبي، وعمر لم يسند، فكان المسند أولى. كذا في تتمتهم (٣). إلا أن الشافعي ﵁ قال في آخره: (أشهد أن محمدا رسوله) بدون عبده. وقال أصحابنا: الأخذ بتشهد ابن مسعود أولى؛ بوجوه عشرة: أولها: التعليم بأخذ اليد؛ فإن أبا حنيفة قال: أخذ حماد بيدي، وقال حماد: أخذ إبراهيم بيدي، وقال إبراهيم: أخذ علقمة بيدي، وقال علقمة: أخذ ابن مسعود بيدي، وقال ابن مسعود: أخذ رسول الله ﷺ بيدي، وعلمني التشهد كما يعلمني سورة من القرآن (٤).

стр. 686

وَعلَّمَنِي التَّشَهُّدَ كَمَا كَانَ يُعَلِّمُنِي سُورَةً مِنْ القُرْآنِ وَقَالَ: «قُلِ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ» … إلى والثاني: الأمر بقوله ﵇: «قُلْ: التحيّاتُ لِلَّهِ». والثالث: أنه علق تمام الصلاة به، فدل أن التمام لا يوجد بدونه. والرابع: أن تشهده أحسن إسنادا. كذا قاله أئمة الحديث، ولهذا روايته مذكورة في الصحيحين. والخامس: أن عامة الصحابة أخذوا بتشهده؛ فإنه روي أن أبا بكر ﵁ علَّم الناس على منبر رسول الله ﷺ تشهد ابن مسعود (١)، وهكذا روى سلمان الفارسي ﵁، وابن جابر، ومعاوية (٢). والسادس: أن فيما قلنا زيادة واو العطف، فيصير كل كلام ثناء على حدة؛ لأن العطف للمغايرة، وبغير الواو يصير الكل ثناء واحداً، بعضه صفة للبعض؛ ألا ترى أن من قال (والله الرحمن الرحيم) يكون الكل قسماً واحداً، ولو قال (والله والرحمن) يكون قسمان. والسابع: الألف واللام فإنه أبلغ؛ لأنه يستغرق الجنس. والثامن: تقديم اسم الله تعالى؛ فإنه إذا قدم علم الممدوح في ابتداء الكلام ومتى أخر كان محتملا، وإزالة الاحتمال بأول الكلام أولى. والتاسع: أن قوله (التحيات) عام يشتمل كل قربة للصلاة وغيرها، فإذا قال: (الصلوات) بغير الواو صار تخصيصاً وبياناً له أن المراد به الصلوات لا غير، ومتى ذكر مع الواو يبقى الأول عاما، فيكون أبلغ في الثناء.

стр. 687

آخره، وَالأَخْذُ بِهَذَا أَوْلَى مِنَ الأَخْذِ بِتَشَهُدِ … ... والعاشر: أن ما قلناه أوفق للقياس؛ لأنه ذكر ممتد مشروع في أحد طرفي الصلاة، فيكون بالواو كالاستفتاح؛ اعتباراً لأحد الذكرين بالآخر. وأما قوله (فيه زيادة كلمات): قلنا: لترجح تشهد جابر، وبه قال الثوري، وهو أن يقول: (بسم الله الرحمن الرحيم، التحيات المباركات الزاكيات)، ولأن في خبرنا زيادة الواوات، وزيادة الألف واللام، وزيادة كلمة في الشهادة؛ وهي قوله عبده. وأما قوله (يوافق القرآن): قلنا: موافقة القرآن لا تجعله أولى؛ لأن قراءة القرآن تكره في القعدة، فكيف يستحب ما يوافقه؟ هذا جواب عن قوله: (وأكثر تسليمات القرآن)، مع أنه تعالى ذكر السلام بالألف واللام أيضاً في مواضع، قال تعالى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧] ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى﴾ [مريم: ٣٣] [١/ ١٠٨]، وكذا السلام المحلل مشروع بالألف واللام. وفي شرح المجمع: وأما تعريف (السلام)، ففي مذهب الشافعي فيه خلاف أيضاً، إلا أن المشهور هو التنكير (١). ونقل صاحب الروضة: أن الأفضل هاهنا الألف واللام؛ لكثرته، وزيادته، وموافقة سلام التحلل، وقال في مذهبه وجه: أن الأفضل أن يقول: (التحيات المباركات الزاكيات والصلوات والطيبات) بواوين (٢)، ولكن معتمد مذهبه ما هو المذكور في الكتاب. وصاحب المنظومة حكى وجها آخر؛ وهو أن العطف فيه بواو واحدة (التحيات المباركات والصلوات الطيبات)، وهذا الوجه لم أعثر عليه في كتبه المشهورة في مذهبه. وأما قوله: (فخبرنا متأخر) فغلط؛ لأنه روى أبو وائل الأسدي عن ابن مسعود أنه قال: كنا إذا صلينا خلف النبي ﵇ قلنا: السلام على الله،

стр. 688

ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَهُوَ قَوْلُهُ: «التَّحِيَّاتُ المُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، سَلَامٌ عَلَيْنَا … إلى آخره»، فقضى النبي ﵇ صلاته ذات يوم فقال: «لا تَقُولُوا السَّلامُ عَلَى اللهِ؛ لأنَّ اللهَ هُوَ السّلامُ، ولَكِنْ قولوا: التحياتُ لِلَّهِ … » إلى آخره (١). ولأن الكرخي روى في حديث ابن مسعود أنه قال: كنا نقول في أول الإسلام: التحيات الطاهرات المباركات الزاكيات لله، السلام على جبريل والملائكة (٢) فدل أن خبره متأخر عن خبر ابن عباس. وقوله: (ابن عباس يروي) آخر السنن لصغر سنه فغلط؛ لأن أحداً لم يرجح رواية أصاغر الصحابة على أكابرهم، ولأن ابن مسعود إن تقدمت هجرته دامت صحبته، إلى أن قبض رسول الله ﷺ ، فكان ما قاله علماؤنا أولى. وقد حكي أن أبا حنيفة كان جالساً بين أصحابه، فجاء أعرابي فسلم، فقال: يرحمكم الله، أفي الصلاة واو أو واوان؟ فقال: واوان، فقال: بارك الله عليك كما بارك في لا ولا، فلم يعرف أحد سؤاله ولا جواب أبي حنيفة، فسألوه عن ذلك، فقال: سألني في التشهد واو أو واوان، فقلت: واوان، فدعا لي بالبركة كما بارك في الشجرة الزيتونة لا شرقية ولا غربية. كذا في شيخ الإسلام (٣). وفي المبسوط: إنما أخذنا بتشهد ابن مسعود؛ لحسن ضبطه ونقله، وترجح تشهده على تشهد عمر ﵁؛ لأنه منقول عن أبي بكر وعمر أنهما كانا يعلمان على المنبر تشهد ابن مسعود (٤). وعن خصيف قال: رأيت النبي ﵇ في المنام، فقلت: كثر الاختلاف في التشهد فما تأمرني أن آخذ؟ قال: بتشهد ابن مسعود. ومن الناس من اختار تشهد أبي موسى الأشعري؛ وهو «التحيات الله الطيبات

стр. 689

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والصلوات لله» (١) والباقي كتشهد ابن مسعود، وتشهد علي ﵁ «التحيات الله والصلوات الطيبات العاديات الزاكيات» (٢). ويكره أن يزيد في التشهد شيئاً، أو يبتدي عليه قبله بشيء، ومراده: ما نقل شاذاً في أوله: (بسم الله وبالله) وهو رواية جابر (٣)، (وبسم الله خير الأسماء) وقال آخره: (أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)، وهو رواية ابن الزبير (٤). وعن سمرة بن جندب: «التحيات الله الطيبات الصلوات، والسلام والملك لله» (٥) فإنه لم يشتهر نقل هذه الكلمات، وقال ابن مسعود: كان يأخذ علينا بالواو والألف، وهذا تنصيص على أنه لا تجوز الزيادة عليه، بخلاف التلبية؛ لأنها غير محصورة نصاً، فتجوز الزيادة عليها. وذكر في المغرب (٦): معنى التحيات؛ أي: الكلمات التحيات، والأدعية الله تعالى وفي ملكه، لا أن هذه تحية له وتسليم عليه، فإن ذلك منهي عنه؛ لما روي عن بن مسعود أنه قال: كنا صلينا خلف النبي ﵇، قلنا: السلام على الله من عباده، فقال ﵇: «لا تقولوا السلام على الله، ولكن قولوا التحيات لله … » إلى آخره (٧). وقال مولانا حافظ الدين، ناقلا عن شمس الأئمة الكردري أنه قال:

стр. 690

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . التحيات؛ أي: العبادات القولية الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا﴾ [النساء: ٨٦]، والصلوات؛ أي: العبادات الفعلية؛ لأنها من تحريك الصلوين، فكان بالفعل أولى، والطيبات؛ أي: العبادات المالية الله تعالى، قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧]، وهذا على مثال من يدخل على عظماء الملوك، فإنه يثنيه أولا، ثم يخدم ثم يبذل المال (١). وفي البدرية: وإنما قدم عبوديته على رسالته في قوله: (عبده ورسوله)؛ إظهارا بأنا لا نقول مثل ما قالت اليهود: عزير ابن الله، والنصارى: المسيح ابن الله (٢). وفي النظم: لابد من أن يقصد بألفاظ التشهد معناها التي وضعت لها من عنده، كأنه يُحَيِّي الله تعالى، ويسلم على النبي ﵇، وعلى نفسه وعلى أولياء الله تعالى (٣). وأصل التشهد: ما روى زين الأئمة الفردوسي في ثواب العبادات، عن النبي ﵇ أنه قال: «عُرِجَ بي ليلةَ المعراج إلى السماء، أمرني جبريل أن أُسلّمَ علَى رَبِّي، فقلتُ: كيفَ أُسَلِّم؟ فقالَ: قُلَ التحياتُ لله، والصلوات والطيبات، قال: قلتُ، فقال جبريلُ: السَّلامُ عليكَ أَيُّها النبيُّ ورحمة الله وبركاتُهُ، فقلتُ: السَّلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقال جبريل: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله» (٤)، أما معناه: فقد ذكر في إحياء العلوم: أن الزهري حكى عن الليث (التحيات لله)؛ البقاء لله، ويقال: الملك لله. وعن الفراينوي: البقاء لله، والملك الله ونحوه. وعن الأزهري عن أبي

стр. 691

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عَليّ: التَّحِيَّةُ؛ للملك. وقال خالد بن زيد: التَّحِيَّاتُ؛ السَّلامات عن الآفات كلها لله تعالى. وعن القتيبي: إنما قال: (التَّحِيَّاتُ لله)؛ لأن ملوك الأرض كانوا يحيون بتحيات مختلفة، يقال لبعضهم: أبيت اللعن، ولبعضهم: اسلم وأنعم وعش ألف سنة، فقيل لنا: قولوا (التحيات لله) أعز الألفاظ التي تدل على الملك، ويثني بها عنه فهي لله تعالى. وعن يحيى بن علي: معنى التحية: هو الفعل والقول الذي يحيي به العبد سيده، فيظهر بكلامه وفعله عبودية نفسه والتعظيم لمولاه، وأجناس التحية مختلفة هيآتها، متفاوتة صفاتها، فمنه تحية العجم السجود، ومنهم من يحني قامته، ومنهم من يضع يديه على صدره، ومنهم من يقول بلسانه أنعم صباحاً عشر ألف نيروز وألف مهرجان، فأمر العبد أن يجمع هذا كله فيقول: (التحيات لله). وعن أبي الهيثم: وبه تقرر رأي زين المشايخ النحوي؛ أن التحية ما يحيي به الرجل أخاه عند الملاقاة كالسلام، وأما الصلوات: فقال في الغريبين: قال أبو بكر الصلوات الترحم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]؛ أي: يرحمون. وعن الأزهري نحوه؛ فقال: الصلاة من الملائكة دعاء واستغفار، ومن الله تعالى الرحمة. وعن ابن المبارك في قوله ﴿أُوْلَائِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَّبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٥٧]؛ أي: رحمات، وقوله في التشهد: (الصلوات الطيبات المباركات)؛ أي: الثناء الحسن والحمد، أو التسبيح لله تعالى. وعن ابن الأعرابي: الصلاة من الله رحمة، ومن المخلوق من الملائكة والجن والإنس؛ القيام والركوع، والسجود والدعاء والتسبيح، ومن الطير والهوام؛ التسبيح. وأما الطيبات: فقد قال في الغريبين: الطيبات من الكلام مصروفات

стр. 692

لِأَنَّ فِيهِ الأَمْرَ، وَأَقَلُّهُ الاِسْتِحْبَابُ، وَالأَلِفَ وَاللَّامَ وَهُمَا لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَزِيَادَةَ الوَاوِ وَهِيَ لِتَجْدِيدِ الكَلَامِ كَمَا فِي القَسَمِ وَتَأْكِيدِ التَّعْلِيمِ (وَلَا يَزِيدُ عَلَى هَذَا فِي القَعْدَةِ الأُولَى) «لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ إلى الله تعالى، وعن الليث: أحسنه وأفضله. هذا كله من الْمُجْتَبى (١). وقوله: (لأن فيه الأمر) متصل بقوله: (والأخذ بهذا أولى) (٢). قوله: (ولا يزيد على هذا) وقال الشافعي في الجديد (٣): تسن الصلوات على النبي في القعدة الأولى كالتشهد؛ لحديث أم سلمة أنه ﵇ قال: «في كلِّ ركعتين تشهد وسلامٌ على المرسلين» (٤). وقال مالك: يدعو فيها كالقعدة الأخيرة (٥). وقال في القديم: لا يسن، وهو مذهبنا؛ لما روى أبو هريرة أنه ﵇ كان إذا قعد في القعدة الأولى قام كأنه على الرضف (٦) وهو الحجارة المحماة، فكأنه وصف سرعة قيامه إلى الثالثة، فكان دليلا على أنه لا يأتي سوى التشهد وصرحت عائشة في روايتها أنه ﵇ لا يزيد على التشهد في القعدة الأولى، ولحديث ابن مسعود كما ذكر في المتن. ولأنه دعاء فلا يسن في القعدة الأولى قياساً على قوله: (اللهم اغفر للمؤمنين). وتأويل حديث أم سلمة: أنه في التطوعات؛ لأن كل شفع صلاة على

стр. 693

عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّشَهدَ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ وَآخِرِهَا، فَإِذَا كَانَ وَسَطُ الصَّلَاةِ نَهَضَ إِذَا فَرَغَ مِنْ التَّشَهُدِ، وَإِذَا كَانَ آخِرُ الصَّلَاةِ دَعَا لِنَفْسِهِ بِمَا شَاءَ». (وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأَخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَحْدَهَا) لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ فِي الأَخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَهَذَا بَيَانُ الْأَفْضَلِ، هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ حدة، أو مراده سلام التشهد. كذا في المبسوطين (١). وقوله: (علمني) إلى قوله: (بما شاء) لفظ الحديث. وقوله: (هو الصحيح)؛ احتراز عما روى الحسن عن أبي حنيفة: أن القراءة في الأخريين واجبة، حتى لو تركها ساهياً يلزمه سجود السهو. كذا في مبسوط شيخ الإسلام، وجامع المحبوبي (٢). وفي المحيط: لو ترك القراءة أو التسبيح من الأخريين؛ لم يكن عليه حرج ولا سجود سهو إن كان ساهياً، لكن القراءة أفضل، وهو الصحيح من الروايات. كذا ذكره القدوري في شرحه (٣). فإن قيل: ظاهر قوله ﵇: «لا صَلاةَ إلا بفاتحة الكتاب» (٤) يقتضي أن تكون الفاتحة واجبة في الأخريين، كما روى الحسن عن أبي حنيفة. قلنا: خص عن النص الركوع والسجود، فكذا الأخريان، مع أن القراءة التقديرية موجودة في جميع الصلاة، على ما قال ﵇: «القراءة في الأوليين قراءة في الأخريين» (٥). كذا في الخبازية (٦).

стр. 694

القِرَاءَةَ فَرْضٌ فِي الرَّكْعَتَيْنِ عَلَى مَا يَأْتِيكَ مِنْ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى،. وفي المحيط (١): عن الحسن عن أبي حنيفة: أنه سبح في الأخريين ثلاث تسبيحات، وقراءة الفاتحة أفضل، ولو لم يقرأ ولم يسبح كان مسيئاً إن كان متعمداً، ولو كان ساهيًا فعليه السهو؛ لأن القيام في الأخريين مقصود، فيكره إخلاؤه عن الذكر والقراءة جميعاً، كما في الركوع والسجود. وعن أبي يوسف: يسبح فيهما ولا يسكت، إلا أنه إذا أراد قراءتها فليقرأها على جهة الثناء، لا على وجه القراءة، وبه أخذ بعض المتأخرين. وفي الْمُجْتَبى (٢): قال علماؤنا: ينوي بالفاتحة الذكر والثناء، لا القراءة. وقال أبو جعفر: ينوي الدعاء، وسأل رجل عائشة ﵂ عن الفاتحة في الأخريين فقالت: إقرأ ولكن على وجه الثناء. وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أن هذا مذهبه. ويتخير المصلي بين قراءتها والتسبيح والسكوت، ولا يلزمه السهو، وهو أصح الروايتين عنه، وعند الشافعي: القراءة واجبة في كل الركعات (٣)، وهو المشهور عن أحمد (٤)، ومالك (٥)؛ لما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ فاتحة الكتاب في كل ركعة (٦). وقال مالك: تجب القراءة في معظم الركعات في الثلاثية في الركعتين، وفي الرباعية في ثلاثة ركعات (٧)، وهو رواية عن أحمد، على ما يجيء في فضل القراءة.

стр. 695

(وَجَلَسَ فِي الأَخِيرَةِ كَمَا جَلَسَ فِي الأُولَى) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ وَائِلٍ وَعَائِشَةَ لَهُ، وَلِأَنَّهَا أَشَقُّ عَلَى البَدَنِ، فَكَانَ أَوْلَى مِنْ التَّوَرُّكِ الَّذِي يَمِيلُ إِلَيْهِ مَالِكُ لَهُ وَالَّذِي يَرْوِيهِ «أَنَّهُ ﷺ قَعَدَ مُتَوَرِّكًا» ضَعَّفَهُ الطَّحَاوِيُّ لَهُ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى حَالَةِ الكِبَرِ (وَتَشَهَّدَ) وَهُوَ وَاجِبٌ عِنْدَنَا لَهُ (وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ) وَهُوَ لَيْسَ بِفَرِيضَةٍ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لَهُ فِيهِمَا لِقَوْلِهِ ﷺ إِذَا قُلْت هَذَا أَوْ فَعَلْت فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ، إِنْ شِئْت قوله: (وجلس في الأخيرة) وإنما قال الأخيرة دون الثانية؛ ليشمل قعدة الفجر، وقعدة المسافر؛ لأنها أخيرة وليست بثانية. (كما جلس في الأولى) خلافا للشافعي ومالك كما بينا. (ضعفه الطحاوي) فقال: هذا حديث عبد الحميد بن جعفر، وهو ضعيف عند نقله الحديث. (وهو)؛ أي: التشهد. (خلافا للشافعي فيهما)؛ أي: في التشهد والصلاة على النبي ﵇؛ فإنهما فرضان عنده (١)، وبه قال أحمد، إلا أن أحمد قال في رواية: الصلاة على النبي ﵇ ليست بفرض (٢) كما هو مذهبنا، ومالك (٣). للشافعي في التشهد: حديث ابن مسعود أنه قال: كنا نقول قبل أن يفرض التشهد السلام على جبريل وميكائيل، فقال ﵇: «قولوا التحيات … » (٤) إلى أن قال إلى آخره: «إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك» (٥)، فقد أطلق اسم الفرض على التشهد ولأنه قال: (قل)، والأمر للوجوب، ولأنه علق التمام به، فدل أنه لا يتم إلا به. ولنا: ما روى ابن مسعود أنه قال: إذا قلت هذا أو فعلت هذا علق التمام

стр. 696

أَنْ تَقُومَ فَقُمْ، وَإِنْ شِئْت أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﵊ خَارِجَ الصَّلَاةِ وَاجِبَةٌ، إِمَّا مَرَّةً وَاحِدَةً كَمَا قَالَهُ الكَرْخِيُّ، أَوْ كُلَّمَا ذُكِرَ كَمَا بأحدهما، وأجمعنا أن التمام تعلق بالقعدة، حتى لو تركها لم تجز صلاته، فلا يتعلق بالثاني ليتحقق التخيير، فإن موجبه بين الشيئين. والمعنى في المسألة: أن هذا ذكر يخافت في عموم الأحوال، فلا يكون فرضا قياساً على تسبيحات الركوع والسجود، والقنوت والتأمين، والتسبيح والتحميد؛ وهذا لأن الفرائض تثبت على سبيل الإعلان والاشتهار، والواجبات والتطوعات على سبيل الخفية والإسرار، بخلاف القراءة؛ فإنه يجهر بها في أكثر الأوقات. وأما معنى قوله: (قبل أن يفرض)؛ قبل أن يقدر، والفرض في اللغة: التقدير، وكذلك الأمر؛ لأنه على سبيل التعليم والتلقين، فلا يكون فرضاً؛ ألا ترى أن قوله: (قل) لا يفيد الوجوب في بعض الكلمات دون البعض؛ لأن الواجب عندهم بخمس كلمات؛ وهي: «التحيات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» (١)، وإنما قال الواجب هذا القدر؛ لأن الأخبار قد اختلفت فيما سواها، واتفقت عليها، وقد أجبنا عن قوله: (علق التمام به). وللشافعي في الصلاة على النبي: ظاهر قوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، والأمر للوجوب، ولا وجوب خارج الصلاة بالإجماع، فيكون في الصلاة، وكذا السلام بقوله: ﴿وَسَلِّمُوا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وقوله ﵇: «لا صلاة لمن لم يُصَلِّ عليّ في صَلاتِهِ» (٢). ولنا: قوله ﵇: «إذا قُلتَ هَذا أو فَعَلْتَ هَذا» علق التمام

стр. 697

اخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ فَكُفِينَا مُؤْنَةَ الْأَمْرِ، … ... … ... … ... بأحدهما، وقوله ﵇: «إن شئت أن تقوم فقم … » الحديث (١)، والتخيير ينافي الفرضية والوجوب؛ إذ فائدته رفع الجناح مما يختار ويترك، والفرضية والوجوب يقرر المتاح، فتكون الصلاة سنة. كذا في الكافي (٢). وقوله: ﴿فَكُفِينَا مُؤْنَةَ الْأَمْرِ﴾: جواب عن قول الشافعي: أن الصلاة على النبي فرض بقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦]؛ يعني: سلمنا أن الأمر للإيجاب، ولكن لا يقتضي التكرار، فوفينا الموجبة؛ حيث قلنا: إن الصلاة على النبي ﵇ واجبة في العمر مرة خارج الصلاة كما قاله الكرخي، أو كلما ذكر النبي ﵇ خارج الصلاة كما قاله الطحاوي. فإن قيل: الآية مطلقة، فيحمل عليها في الصلاة وخارج الصلاة. قلنا: لا يمكن حملها عليها؛ لأن الحالة غير مذكورة، وإنما تثبت اقتضاء، والمقتضى لا عموم له، ولو قال: عندي للمقتضى عموم، فقلنا: قد بينا الدلائل في الأصول على عدم عمومه، وجعل في التحفة قول الطحاوي أصح (٣)، واختار في المبسوط قول الكرخي (٤). فإن قيل: لو كانت الصلاة واجبة عليه ﵇ كلما ذكر ﵇، فكيف وَفَّيْتُم لموجب الأمر المطلق فإنه لا يقتضي التكرار؟. قلنا: وجوب الصلاة عليه ﵇ كلما ذكر بقوله ﵇: «مَنْ ذُكِرْتُ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ فقد جفاني» (٥).

стр. 698

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي شرح المجمع والفَتْوَى عِند عامة العلماء بالاستحباب كلما ذكر النبي ﵇ (١). وقال فخر الإسلام في الجامع الكبير: تكرار اسمه واجب لحفظ السنة؛ إذ به قوام الدين والشرائع، وفي إيجاب الصلاة في كل [ذلك] (٢) حرج، فوجب وضعه، ولأنه لو وجب عند ذكره لا نجد فراغاً عن الصلاة عليه مدة العمر؛ إذ الصلاة عليه لم تخل عن ذكره (٣). وقيل في جوابه: يجب التداخل كما في سجدة التلاوة إذا اتحد المجلس، إلا أنه يستحب تكرار الصلاة بخلاف السجود؛ لأن العبد وإن عظمت منزلته فلا يوازي حقه حق الله تعالى في وضع الحرج؛ لحاجته ولغنى الله تعالى، ولذا افترقا في الاستحباب. وفي الْمُجْتَبى: واختلف في تكرار الواجب في الصلاة عليه ﵇؛ إذا تكرر ذكره في مجلس واحد، والصحيح: أنه يتكرر الوجوب وإن كثر (٤). وفي الجامع الأصغر: كرر آية السجدة في مجلس واحد تكفيه سجدة واحدة، وكذا في الصلاة، ولا تسن السجدة لكل مرة، وفي الصلاة تسن لكل مرة (٥). ولو تكرر اسم الله في مجلس واحد؛ يكفيه ثناء واحد، وفي مجلسين يجب لكل مجلس، ولو تركه لا يبقى عليه دين لكن الصلاة على النبي لو تركه يبقى عليه دينا؛ لأنه مأمور بالصلاة، وغير مأمور بالثناء. قلت: كونه مأمورا بالثناء أظهر، لكن الفرق الصحيح أن كل وقت لأداء الثناء؛ لأنه لا يخلو عن تجدد نعم الله تعالى الموجبة للثناء، فلا يكون وقتا

стр. 699

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . للقضاء، كقضاء الفاتحة في الآخرين، بخلاف الصلاة، ولا يجب على النبي أن يصلي على نفسه، والأصح قول الطحاوي. فإن قيل: قد قال المصنف في باب الحدث في الصلاة: أن معنى قوله ﵇: «فَقَدْ تمَّتْ صَلاتُكَ» (١) قاربت التمام، كما قال ﵇: «من وقف بعرفة فقد تم حجه» (٢)، أي: قارب التمام؛ لبقاء فرض بعده وهو الطواف، فكيف يصح التمسك به على نفي فرضية الصلاة عليه ﵇؟. قلنا: تمسكه به هاهنا على قولهما، أما على قول أبي حنيفة؛ فالتمسك بحديث الأعرابي، حيث علمه النبي ﵇ ولم يذكر فيها التشهد والصلاة على النبي ﵇، وسكوته ﵇ في موضع الحاجة إلى البيان بيان، فعلم أنها ليست بفريضة ولا واجبة، وكذا يدل حديث كعب بن عجرة عليه، حيث قال: يا رسول الله، عرفنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: «قُلْ: اللَّهُم صَلِّ على محمدٍ وعلَى آلِ مُحمّدٍ» (٣)، فعلم أنه ليس بفرض؛ لأنه لم يعلمهم قبل السؤال، ولو كان فرضاً لبينه قبله. ويعلم من هذين الحديثين: أن المراد من قوله ﵇: «لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيّ» (٤) نفي الكمال.

стр. 700

وَالفَرْضُ المَرْوِيُّ فِي التَّشَهُدِ هُوَ التَّقْدِيرُ. (والفرض المروي)؛ أي: الذي روي في حديث ابن مسعود وهو قوله: كنا نقول قبل أن يفرض التشهد (١) (هو التقدير) كما قلنا. ثم التشهد واجب عندنا لحديث ابن مسعود كما ذكرنا. وفي شرح الإرشاد: التشهد سنة كالصلاة عندنا. وقال مالك: القعدة الأخيرة والتشهد فيها كلاهما سنة (٢). وفي المحيط: ترك بعض التشهد يجوز، كما لو ترك الكل عند أبي يوسف، وهو ظاهر المذهب، وعن محمد لا يجوز؛ لأنه إذا شرع في القراءة افترض عليه الإتمام، فإذا ترك البعض فقد ترك الفرض فيفسد (٣). وفي مجمع التفاريق على عكسه، فقال: والاعتبار بالفراغ من التشهد عند أبي يوسف، وعند محمد بما يمكن القراءة فيه لو شرع (٤). ولو شرع المقتدي في قراءة التشهد وفرغ عنه قبل إمامه، ثم تكلم وذهب؛ فصلاته جائزة؛ لأنه تم عقدة الإمامة في حقه، حتى لو كرر التحيات قدر ما يمكنه قراءة التشهد جازت صلاته، ولو سلم الإمام أو تكلم قبل أن يتم المقتدي التشهد يتم، وإن لم يتم أجزأه. كذا في الْمُجْتَبى (٥). ثم الكلام في كيفية الصلاة على النبي ﵇، فقال عيسى بن أبان في كتاب الحج على أهل المدينة (٦) -: أن محمدا سئل عن الصلاة عليه ﵇، فقال: «يقول: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آلِ إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد»

стр. 701

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهو موافق لحديث كعب بن عجرة، وكان ابن عباس والزهري يصليان على نحو ما بينا، إلا أنهما كانا يزيدان: وارحم محمدا وآل محمد كما رحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. (١) وحكي عن محمد بن عبد الله بن عمر أنه كان يكره قول المصلي: (وارحم محمداً … ) إلى آخره، وكان يقول: هذا نوع ظن بتقصير الأنبياء ﵈، فإن أحداً لا يستحق الرحمة إلا بإتيان ما يلام عليه، ونحن أمرنا بتعظيمهم، ولهذا لو ذكر النبي ﵇ لا يقال: (رحمة الله عليه) بل يصلي عليه. هذا ذكره شيخ الإسلام (٢). وفي مبسوط السَّرَخْسِي: لا بأس به؛ لأن الأثر ورد به من طريق أبي هريرة، ولا عتب على من اتبع الأثر، ولأن أحدا لا يستغني عن رحمة الله تعالى (٣). وهكذا قال الرُّسْتُغْفَنِي، وقال معنى قوله: (وارحم محمدا) راجعاً إلى الأمة، وهذا كمن جنى جناية، وللجاني أب شيخ كبير، وأرادوا أن يقيموا العقوبة على الجاني، يقولون للذي يعاقبه (ارحم هذا الشيخ الكبير)، وذلك الرحمة راجع إلى الابن حقيقة. كذا هذا في المحيط (٤). وفي الْمُجْتَبى: قال أبو جعفر: وأنا أقول: (وارحم محمدًا) واعتمادي على التوارث في بلاد المسلمين (٥). وفي الْمُجْتَبى (٦)، والقنية: عن عليٍّ ﷺ أن النبي ﵇ عدهن في

стр. 702

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يدي وقال: «عَدَّهُنَّ جبريل ﵇ في يدي وقال: هكذا نزلت من عند رَبِّي؛ اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلَى آلِ إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم تحنَّنْ عَلَى محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ، كما تحنّنْتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم سلّم على محمد وعلى آلِ محمدٍ، كما سلمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» (١). وعن علي (٢)، وابن مسعود (٣)، وابن عباس (٤)، وجابر ﵃ (٥) أنهم قالوا الرسول الله ﷺ : عرفنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال ﵇: «قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمدٍ وعلى آلِ محمد، وارْحَمْ محمداً وآل محمد، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد»، ثم قال الوبري: إن أخذ

стр. 703

قَالَ: (وَدَعَا بِمَا شَاءَ مِمَّا يُشْبِهُ أَلْفَاظَ القُرْآنِ … ... … ... … ... .. المصلي برواية كعب بن عُجْرَة فحسن، وإن أخذ بحديث علي فأحسن، وإن أخذ بحديث الصحابة فأحسن وأجود وبه نأخذ؛ لأن رواته أكثر، فالتمسك به أفضل. وقال ركن الصادي: لو فرغ المقتدي عن التشهد قبل إمامه يسكت (١). وقال الغزالي: الصلاة على النبي ركن من الأركان عند الشافعي (٢). وقال الجويني (٣): من فرائض الصلاة، وأقل مقدارها (اللهم صل على محمد)، وزاد الغزالي (وعلى آل محمد). فإن قيل: كيف قال: (كما صليت على إبراهيم … ) إلى آخره، والمشبه دون المشبه به، وهو أكرم على الله تعالى منه؟. قلنا: ذاك قبل أن يبين الله تعالى منزلته فلما بين أبقى الدعوة، أو تشبيه لأصل الصلاة بأصل الصلاة لا القدر، كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، أو هذا سؤال التسوية مع إبراهيم، ويزيد عليه في غيرها، أو التشبيه وقع في الصلاة على الآل لا عليه، فكان قوله: (اللهم صل على محمد) منقطع عن التشبيه، أو المشبه الصلاة على محمد وآله وعلى إبراهيم وآله، ومعظم الأنبياء آل إبراهيم، فإذا تقابلت الجملة بالجملة؛ تعذر أن يكون آل الرسول ﵇ كآل إبراهيم. والحميد بمعنى المحمود؛ أي: مستحق لجميع أنواع المحامد، عدل إلى صيغة المبالغة، والمجيد بمعنى الماجد؛ وهم من كمل في الشرف والكرم والصفات المحمودة. قوله: (ودعا بما [شاء مما] يشبه ألفاظ القرآن): وفي المحيط، والجامع الصغير: ادع في الصلاة بكل شيء من القرآن ونحوه (٤).

стр. 704

وَالْأَدْعِيَةِ المَأْثُورَةِ) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ له قَالَ لَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ نقل عن الفضلي أنه كان يقول: كل دعاء في القرآن إذا دعا بذلك لا تفسد صلاته، كما إذا قال: (اللهم اغفر لي ولوالدي)، ولو قال: (اللهم اغفر لأخي) أو (اغفر لزيد) تفسد؛ لأنه ليس في [القرآن] (١) (٢). وعن الحلواني: لو قال: (اللهم اغفر لأخي) لا تفسد صلاته، ولو قال: (اللهم ارزقني من بقلها وقتائها وفومها وعدسها وبصلها) لا تفسد؛ لأن عينه في القرآن، ولو قال: (اللهم ارزقني عدساً وبصلاً) تفسد؛ لأن عين هذا اللفظ ليس فيه. وكذا ذكر شيخ الإسلام أيضاً (٣). وفي الْمُجْتَبى (٤): مما يشبه ألفاظ القرآن من الدعوات: اللهم اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات يوم يقوم الحساب، وقوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَوَةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠] الآية، وقوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] الآية، وقوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾ [آل عمران: ١٩٢] الآية. قوله: (والأدعية): بالنصب عطفا على ألفاظ القرآن، والجر عطفا على بما المأثورة المروية عن النبي ﵇. عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ : علمني دعاء يا رسول الله أدعو به في صلاتي، فقال ﵇: «قُلِ اللهم إني ظلمتُ نَفسي ظلماً كثيرًا وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفِرْ لي مغفرةً من عندِكَ وارْحَمني إنك أنت الغفور الرحيم» (٥)، وكان ابن مسعود يدعو بكلمات منهن اللهم إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر

стр. 705

وَالسَّلَامُ: «ثُمَّ اخْتَرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَطْيَبَهُ وَأَعْجَبَهُ إِلَيْكَ»، وَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى الْإِجَابَةِ … ... … ... … ... كله ما علمت منه وما لم أعلم (١). كذا في المبسوطين (٢). وفي الْمُجْتَبى (٣): من الأدعية المأثورة: ما روت عائشة عن النبي ﵇ أنه كان يدعو في الصلاة: «اللَّهُمَّ إني أعوذُ بك من عذاب القبر، وأعوذُ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذُ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم» (٤)، وعن ابن عباس أنه ﵇ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلم السورة من القرآن: «اللَّهُمَّ إني أعوذُ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذُ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات» (٥)؛ لما روينا من حديث ابن مسعود. في المبسوط (٦): لما علم التشهد لابن مسعود قال له: «إذا قلت هذا أو فعلت هذا فاختر من الدعاء (٧) أعجبه» (٨). وقوله: (أطيبه وأعجبه): بتذكر الضمير، صح في النسخ الموثوق بها، وكذا لفظ المبسوطين، وفي بعض نسخ الهداية: (أعجبها وأطيبها) بالتأنيث، على تأويل الكلمة، وليس بصحيح. قوله: (ويبدأ بالصلاة على النبي ﵇؛ لقول ابن مسعود: ابدأ بالثناء على الله بما هو أهله، ثم بالصلاة على محمد، ثم سل حاجتك بعد
следующие страницы →