← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.

стр. 6406

الاسْتِحْقَاقِ، وَلِهَذَا يَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرُ وَالكَبِيرُ، وَالبَاغِي وَالعَادِلُ، شُفعة لِنَصْرَانِي» (١) ولأن الشفعة لدفع الضرر، ولا يجوز دفع ضرر الكافر بإلحاق الضرر على المسلم، ولأن هذا رفق شرعي فلا يستحقه منكر الشريعة. ولنا عمومات الأحاديث ولا تعارض لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] لأن المراد نفي السبيل حكمًا لا حقيقة، ونفي السبيل بالاسترقاق مراد بالإجماع، فلا يراد غيره؛ لأن المقتضى لا عموم له، كذا قيل وفيه نوع تأمل. ولأنه خيار ثابت لدفع الضرر بالشراء فيستوي فيه المسلم والكافر كخيار العيب؛ لأن الذمي التزم أحكامنا في المعاملات، فكان الضرر مدفوعا عنه وقد قضى شريح بالشفعة للذمي فأمضاه عمر، أما حديث الدارقطني فغريب وما ثبت صحته. قوله: (والصغير والكبير) وفي المبسوط: قال ابن أبي ليلى: لا شفعة للصغير، يروى هذا عن النخعي، والحارث العكلي؛ لأن الصبي لا يمكنه الأخذ، ولا يمكن انتظاره حتى يبلغ؛ لما فيه من الإضرار بالمشتري، وليس للمولى الأخذ؛ لأن من لا يملك العفو لا يملك الأخذ، ولأن الصغير في الجوار تبع فهو في معنى المستعير والمستأجر. وللعامة العمومات، ولأن سبب الاستحقاق الشركة والجوار، يستوي فيه الصغير والكبير والصغير محتاج إلى الأخذ؛ لدفع الضرر في ثاني الحال، وإن لم يكن محتاجًا إلى ذلك في الحال، والولي يملك الأخذ كالرد بالعيب نظرًا له، وإنما لا يملك العفو؛ لأن فيه إسقاط حقه، وفيه ضرر له. وفي المبسوط: يثبت حق الشفعة للحمل الذي لم يولد؛ لأن الحمل من أهل الملك بالإرث، فيتحقق سبب الاستحقاق في حقه، حتى لو وضعت الحبلى حملها، وقد ثبت نسبه شرك الورثة في الشفعة، وإن كان الوضع بعد البيع لأكثر

стр. 6407

وَالحُرُّ وَالعَبْدُ، إِذَا كَانَ مَأْذُونَا أَوْ مُكَاتَبًا. قَالَ: (وَإِذَا مَلَكَ العَقَارَ بِعِوَضٍ هُوَ مَالٌ وَجَبَتْ فِيهِ الشَّفْعَةُ) لِأَنَّهُ أَمْكَنَ مُرَاعَاةُ شَرْطِ الشَّرْعِ فِيهِ وَهُوَ التَّمَلُّكُ بِمِثْلِ مَا تَمَلَّكَ المُشْتَرِي صُورَةٌ أَوْ قِيمَةٌ عَلَى مَا مَرَّ قَالَ: (وَلَا شُفْعَةَ فِي الدَّارِ الَّتِي يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ عَلَيْهَا، أَوْ يُخَالِعُ المَرْأَةَ بِهَا، أَوْ يَسْتَأْجِرُ بِهَا دَارًا أَوْ غَيْرَهَا، أَوْ يُصَالِحُ بِهَا عَنْ دَمِ عَمْدٍ، أَوْ يَعْتِقُ عَلَيْهَا عَبْدًا) لِأَنَّ الشَّفْعَةَ عِنْدَنَا إِنَّمَا تَجِبُ فِي مُبَادَلَةِ المَالِ بِالمَالِ لِمَا من ستة أشهر؛ لأنا لما حكمنا بثبوت نسبه من الميت فقد حكمنا بالإرث له، وبكونه موجودًا عند البيع فصار كما لو كان أحد الشركاء غائبًا ثم حضر، له أن يشركهم في الشفعة ويأخذ حصته، وكذا لو كان من أهل البدع، له الشفعة عند عامة العلماء كالفاسق بالأعمال (١). وعن أحمد: لا شفعة لغلاة الروافض الذين يحكم بكفرهم؛ لأنه لا شفعة لكافر على مسلم. قوله: (إذا كان مأذونا) يسعى، يستحق الشفعة العبد المأذون إذا كان بائع الدار غير المولى بلا خلاف، وإذا كان البائع مولى العبد يأخذ بالشفعة إذا كان عليه دين، ذكره في المبسوط. وقياس قول الأئمة الثلاثة: لا يأخذ كما لو لم يكن عليه دين. قوله: (وإذا ملك العقار بعوض)، قيد به لأنه إذا ملك العقار بالهبة، والصدقة، والوصية، والإرث لا شفعة له عند عامة أهل العلم، ومنهم مالك، والشافعي، وأحمد. وحكي عن مالك رواية في المنتقل بصدقة أو هبة فيه الشفع، وبه قال ابن أبي ليلى، ويأخذه الشفيع بقيمته؛ لأن الشفعة لدفع ضرر الشريك أو الجار، وهذا موجود في التمليك كيفما كان، ولا الإقدام على الشراء دليل، وبذل بدله أيضًا دليل فانتزاعه منه أعظم ضررًا من أخذه ممن لم يؤخذ منه دليل الحاجة وهو الموهوب للعامة أنه انتقل بغير عوض فأشبه الميراث. ولأن النص ورد في البيع والهبة ليست في معناه فلا تلحق به.

стр. 6408

بَيَّنَا، وَهَذِهِ الأَعْوَاضُ لَيْسَتْ بِأَمْوَالٍ، فَإِيجَابُ الشَّفْعَةِ فِيهَا خِلَافُ المَشْرُوعِ وَقَلْبُ المَوْضُوعِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَجِبُ فِيهَا الشَّفْعَةُ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْوَاضَ مُتَقَوِّمَةٌ عِنْدَهُ فَأَمْكَنَ الْأَخْذُ بِقِيمَتِهَا إِنْ تَعَذَّرَ بِمِثْلِهَا كَمَا فِي البَيْعِ بِالعَرْضِ، بِخِلَافِ الهِبَةِ، لِأَنَّهُ لَا عِوَضَ فِيهَا رَأْسًا، وَقَوْلُهُ: يَتَأَنَّى فِيمَا إِذَا جَعَلَ شِقْصًا مِنْ دَارٍ مَهْرًا أَوْ مَا يُضَاهِيهِ، (وعند الشافعي يجب فيها)، أي: في هذه الصورة الشفعة وبقوله قال مالك وأحمد في رواية ابن حامد عنه وابن شبرمة وابن أبي ليلى والحارث العكلي. ثم اختلفوا بم يأخذه؟ قال مالك وابن شبرمة، وابن أبي ليلى: يأخذه بقيمة الشقص؛ لأنا لو أوجبنا عليه مهر المثل لقومنا البضع على الأجانب. وقال الشافعي، وأبو حامد والعكلي: أخذه بالمهر في التزوج والخلع والمتعة بأن صالح على متعتها؛ لأن البدل مما لا مثل له فيأخذ بقيمة البدل وهي المهر، وبقولنا قال أحمد ظاهرًا، والحسن والشعبي، وأبو ثور، وابن المنذر. قوله: (لأن هذه الأعواض متقومة) كالأعيان فإذا جعل الدلو عوضا عن البضع أو نحوه وقد تعذر على الشفيع الأخذ به، فيأخذ بقيمته، وهو مهر المثل كما لو اشترى بعبد. قوله: (ويضاهيه) كبدل الخلع والأجرة، وبدل الصلح، وبدل العتق. وقلنا: المال ليس بمثل للمستحق بعقد النكاح لا صورة ولا معنى، فلم يصلح قيمة له؛ لأن قيمة الشيء ما يقوم مقامه؛ لاتحادهما في المعنى الخاص، وهو المالية، وهذا المعنى لا يتحقق بين المستحق بالنكاح وبين المال. غير أن الشرع جعل ملك النكاح مضمونًا بالمهر إبانة لخطر المحل، وصونًا لهذا العقد عن التشبه بالإباحة على ما قرر في الأصول، فظهر تقومه في حق هذا المعنى خاصة، على خلاف القياس لمكان الضرورة، فلا يظهر التقوم في حق غيره، وكذا الدم، والعتق غير متقوم؛ لأن قيمة الشيء ما يقوم مقامه في المعنى الخاص المطلوب، وهو معدوم فيهما، وإنما وجب الدية صيانة للدم عن الهدر، والإعتاق إزالة المالية وإسقاطها، فأنى يقوم المال مقامه؟

стр. 6409

لِأَنَّهُ لَا شُفْعَةَ عِنْدَهُ إِلَّا فِيهِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ تَقَوُّمَ مَنَافِعِ البُضْعِ فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهَا بِعَقْدِ الإِجَارَةِ ضَرُورِيٌّ فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الشَّفْعَةِ، وَكَذَا الدَّمُ وَالعِتْقُ غَيْرُ مُتَقَوْمٍ، لِأَنَّ القِيمَةَ مَا يَقُومُ مَقَامَ غَيْرِهِ فِي المَعْنَى الخَاصُ المَطْلُوبِ وَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِمَا، وَعَلَى هَذَا: إِذَا تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ مَهْرٍ ثُمَّ فَرَضَ لَهَا الدَّارَ مَهْرًا، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ المَفْرُوضِ فِي العَقْدِ فِي كَوْنِهِ مُقَابِلًا بِالبُضْعِ بِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَهَا بِمَهْرِ المِثْلِ أَوْ بِالمُسَمَّى، لِأَنَّهُ مُبَادَلَهُ مَالٍ بِمَالٍ، وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى دَارٍ عَلَى أَنْ تَرُدَّ عَلَيْهِ أَلْفًا، فَلَا شُفْعَةَ فِي جَمِيعِ الدَّارِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: تَجِبُ فِي حِصَّةِ الأَلْفِ لِأَنَّهُ مُبَادَلَةٌ مَالِيَّةٌ فِي حَقِّهِ. وَهُوَ يَقُولُ: مَعْنَى البَيْعِ فِيهِ تَابِعٌ، وَلِهَذَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ، وَلَا يَفْسُدُ بِشَرْطِ قوله: (في كونه) أي: في كون المفروض بعد العقد مقابلا بالبضع، وفي النهاية والأولى في تعليل هذه المسألة، ما ذكره في المبسوط، وهو أن الشفعة تختص بمعاوضة مال بمال مطلق، والبضع ليس بمال، فكان المملوك صداقًا بمنزلة الموهوب، فلا تجب فيه الشفعة، وهذا لأن الشفيع إنما يتملك بمثل السبب الذي تملك به المشتري، فإن الشرع قدم الشفيع على المشتري في حق الأخذ له بذلك السبب لا بإنشاء سبب آخر (١). ولهذا لا تجب الشفعة في الموهوب؛ لأنه لو أخذه أخذه بعوض؛ فكان سببًا آخر غير السبب الذي تملك به المتملك، فكذلك هاهنا المرأة ملكتها صداقا، ولو أخذها الشفيع كان شراء، فكان سببا آخر، وإنما قلنا هذا؛ لأن الصفة المضافة إلى المشترى تنتقل إلى الشفيع عند الأخذ كما ذكرنا. وقيل: هذا في الحقيقة ما ذكره في الكتاب. قوله: (وقالا يجب في حصة الألف) أي: يقسم الدار على مهر مثلها، وألف درهم فما أصاب الألف يجب فيه الشفعة، وبه قال أحمد اعتبارا للبعض بالكل. (وهو) أي: أبو حنيفة يقول: البيع تبع للنكاح هاهنا؛ لأن العقد حصل بلفظ النكاح، ولو كان هذا أصلا لكان نكاحًا في بيع فيفسد البيع، ولما جاز

стр. 6410

النِّكَاحِ فِيهِ، وَلَا شُفْعَةَ فِي الأَصْلِ فَكَذَا فِي التَّبَعِ، وَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ شُرِعَتْ فِي المُبَادَلَةِ المَالِيَّةِ المَقْصُودَةِ، حَتَّى أَنَّ المُضَارِبَ إِذَا بَاعَ دَارًا وَفِيهَا رِبْحٌ لَا يَسْتَحِقُّ رَبُّ المَالِ الشَّفْعَةَ فِي حِصَّةِ الرِّبْحِ لِكَوْنِهِ تَابِعًا فِيهِ. قَالَ: (أَوْ يُصَالِحُ عَلَيْهَا بِإِنْكَارٍ، فَإِنْ صَالَحَ عَلَيْهَا بِإِقْرَارٍ وَجَبَتْ الشَّفْعَةُ) قَالَ ﵁: هَكَذَا ذُكِرَ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ المُخْتَصَرِ، وَالصَّحِيحُ: أَوْ يُصَالِحُ عَنْهَا بِإِنْكَارِ مَكَانَ قَوْلِهِ: أَوْ يُصَالِحُ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ إِذَا صَالَحَ عَنْهَا بِإِنْكَارِ … ... .. ثبت أنه تبع، ولا شفعة في الأصل، فكذا في البيع. قوله: (لكونه) أي: الربح تابعًا لرأس المال، وليس في مقابلة رأس المال شفعة؛ لأن المضارب وكيل رب المال في البيع، وكل من يبيع له لا تجب الشفعة له، فكذا لا يجب في البيع. وفي الإيضاح، والمغني فلو باع المضارب دارًا من المضاربة ورب المال شفيعها لا شفعة له، سواء كان في الدار ربح أو لا، وهذا الخلاف قالوا اشترى المضارب دارًا ورب المال شفيعها، حيث يأخذها رب المال وإن وقع الشراء له، ولكن في الحكم كأنه قال ثالث: ألا ترى أنه لا يقدر أن ينزعه من يده فيكون أن يأخذه. وذكر محمد في المسألة الأولى: وليس إذا كان رب المال لا يملك نهيه عن البيع، ما يدل على أن المضارب ليس بوكيل بالبيع من جهته، ألا ترى أن رجلا رهن دارًا وسلط العدل على بيعها عند حلول الأجل، لم يكن للراهن أن ينهاه عن البيع، ولو باعها العدل والراهن شفيعها لا شفعة للراهن؛ لأن العدل وكيله مع أن الراهن لا يملك نهيه عن البيع. قوله: (فإن صالح عليها بإقرار وجبت الشفعة)، ولا خلاف للأئمة الثلاثة فيها. قوله: (والصحيح أن يصالح عنها، مكان يصالح عليها) لأنه عطف في المختصر. قوله: (أو يصالح بإنكار) على الصور التي لا شفعة فيها، وهي التزوج،

стр. 6411

بَقِيَ الدَّارُ فِي يَدِهِ، فَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّهَا لَمْ تَزُلْ عَنْ مِلْكِهِ، وَكَذَا إِذَا صَالَحَ عَنْهَا بِسُكُوتٍ، لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ بَذَلَ الْمَالَ افْتِدَاءً لِيَمِينَهِ وَقَطَعًا لِشَغَبِ خَصْمِهِ، كَمَا إِذَا أَنْكَرَ صَرِيحًا، بِخِلَافِ مَا إِذَا صَالَحَ عَنْهَا بِإِقْرَارٍ، لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِالْمُلْكِ لِلْمُدَّعِي، وَإِنَّمَا اسْتَفَادَهُ بِالصُّلْحِ فَكَانَ مُبَادَلَةً مَالِيَّةً. أَمَّا إِذَا صَالَحَ عَلَيْهَا بِإِقْرَارٍ، أَوْ سُكُوتٍ، أَوْ إِنْكَارٍ، وَجَبَتِ الشُّفْعَةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ أَخَذَهَا عِوَضًا عَنْ حَقِّهِ فِي زَعْمِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِهِ فَيُعَامَلُ بِزَعْمِهِ. قَالَ: (وَلَا شُفْعَةَ فِي هِبَةٍ) لِمَا ذَكَرْنَا، (إِلَّا أَنْ تَكُونَ بِعِوَضٍ مَشْرُوطٍ) لِأَنَّهُ بَيْعٌ انْتِهَاءً، وَلَا بُدَّ مِنَ الْقَبْضِ وَأَنْ لَا يَكُونَ الْمَوْهُوبُ وَلَا عِوَضُهُ شَائِعًا، لِأَنَّهُ هِبَةُ ابْتِدَاءً والخلع، والصلح، والعتق، فيقتضي أن لا شفعة فيها، وليس كذلك; لأن الصلح إذا وقع على الدار تثبت الشفعة كما ذكر في المتن، ولو وقع في الصلح عنها لا تثبت; لأنه ذكر في الذخيرة وغيرها: لو صالح على دار ثبت الشفعة، سواء كان الصلح على إنكار، أو سكوت، أو إقرار، ولو صالح عن دعوى دار وصالح عن إنكار تثبت، ولو كان عن إنكار وسكوت لا تثبت، وعلل كما ذكر في المتن. قوله: (في جميع ذلك) أي: في الأحوال الثلاث (لأنه) أي: المدعي (بأخذها) أي: الدار (عوضا عن حقه في زعمه) أي: في زعم المدعي (إذا لم يكن) أي: العوض من جنس حقه قيد به لأنه إذا كان (من جنس حقه) بأن صالح على بيت من دار، فإنه أخذ عين حقه، فلا يكون معارضة، وقد مر في الصلح فلا تجب الشفعة. قوله: (ولا شفعة في هبة) وبه قال الشافعي، وأحمد، خلافا لمالك، وقد بينا خلافه. وقوله: (لما ذكرنا) إشارة إلى قوله: (بخلاف الهبة) إلى آخره. وقوله: (ولا بد من القبض) في العوضين، وعند زفر تجب الشفعة في الهبة بشرط العوض قبل التقابض، وبه قال الشافعي، وأحمد، ومالك; لأن هذا بيع; وذكر العوض صرف اللفظ عن مقتضاه.

стр. 6412

وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي كِتَابِ الهِبَةِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ العِوَضُ مَشْرُوطًا فِي العَقْدِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هِبَةٌ مُطْلَقَةٌ، إِلَّا أَنَّهُ أُثِيبَ مِنهَا فَامْتَنَعَ الرُّجُوعُ. قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ بِشَرْطِ الخِيَارِ فَلَا شُفْعَةَ لِلشَّفِيعِ) لِأَنَّهُ يَمْنَعُ زَوَالَ المِلْكِ عَنْ البَائِعِ (فَإِنْ أَسْقَطَ الخِيَارَ وَجَبَتْ الشَّفْعَةُ) لِأَنَّهُ زَالَ المَانِعُ عَنْ الزَّوَالِ، وَيُشْتَرَطُ الطَّلَبُ عِنْدَ سُقُوطِ الخِيَارِ فِي الصَّحِيحِ، لِأَنَّ البَيْعَ يَصِيرُ سَبَبًا لِزَوَالِ المِلْكِ عِنْدَ ذَلِكَ. (وَإِنْ اشْتَرَى بِشَرْطِ الخِيَارِ وَجَبَ الشَّفْعَةُ) لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ زَوَالَ المِلْكِ عَنْ البَائِعِ بالاتِّفَاقِ، وَالشَّفْعَةُ تُبْتَنَى عَلَيْهِ. قوله: (وقد قررناه في كتاب الهبة) بشرط العوض تبرع ابتداء، ومعاوضة انتهاء، إذا اتصل القبض من الجانبين تثبت الشفعة فيهما، بخلاف ما إذا عوضه بلا شرط، حيث لا تثبت الشفعة في العوضين؛ لأن كل واحد هبة، والهبة الثانية أثرت في إبطال حق الرجوع لا أن يكون عوضًا عن الموهوب، كذا في الأوضح، والإيضاح. قوله: (وإن سقط الخيار وجبت الشفعة) ولا خلاف فيه. وقوله: (في الصحيح) احتراز عن قول بعض المشايخ: إنه يشترط الطلب عند وجود البيع؛ لأنه هو السبب، والأصح أنه يشترط عند سقوط الخيار؛ لأن السبب إنما يصير مفيدًا؛ لزوال ملكه عند سقوط الخيار، والشفعة مبنية على زوال ملك البائع. قوله: (لأنه) شرط خيار المشتري (لا يمنع زوال ملك البائع) إلى آخره، وبه قال أحمد في وجه، والشافعي [في] (١) قول، وهو رواية المزني. وفي شرح الوجيز: وهذا هو الأصح عند عامة الأصحاب، وقال أحمد في ظاهر مذهبه، والشافعي في قول: لا تثبت الشفعة إلا بعد سقوط خيار المشتري، كما في خيار البائع، وهو رواية عن أبي حنيفة؛ لأن العقد بعرضية الفسخ، وهو قول مالك. وفي الحلية واختاره أبو إسحاق المروزي من أصحابنا، وهو رواية الربيع. قوله: (والشفعة تبتني عليه) أي: على زوال الملك، يعني إذا كان الخيار

стр. 6413

عَلَى مَا مَرَّ، وَإِذَا أَخَذَهَا فِي الثُّلُثِ وَجَبَ البَيْعُ لِعَجْزِ المُشْتَرِي عَنْ الرَّدِّ، وَلَا خِيَارَ لِلشَّفِيعِ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِالشَّرْطِ، وَهُوَ لِلْمُشْتَرِي دُونَ الشَّفِيعِ، وَإِنْ بِيعَتْ دَارٌ إِلَى جَنْبِهَا وَالخِيَارُ لِأَحَدِهِمَا فَلَهُ الأَخْذُ بِالشَّفْعَةِ، أَمَّا لِلْبَائِعِ فَظَاهِرٌ لِبَقَاءِ مِلْكِهِ فِي الَّتِي يُشْفَعُ للمشتري يملك المبيع عند أبي يوسف ومحمد وهو ظاهر وعند أبي حنيفة، تبتني الشفعة على زوال ملك البائع. وقوله: (على ما مر) إشارة إلى قوله في أول باب الشفعة: (والشفعة تجب بالعقد) إلى قوله: (والوجه فيه إنما تجب الشفعة إذا رغب البائع عن ملك الدار) إلى آخره. قوله: (وإذا أخذها في الثلث) أي: إذا أخذ الشفيع الشفعة في مدة الخيار التي هي ثلاث، وقيد بالثلاث؛ لتكون على الاتفاق. قوله: (وجب البيع) أي: تحقق، وقرر وثبت البيع الذي بين البائع والمشتري، وإنما ذكر هذا؛ لأن المشتري بخيار الشرط، لو رد البيع بحكم الخيار قبل الأخذ بالشفعة لم يثبت البيع وينفسخ من الأصل، فحينئذ لا يتمكن الشفيع من طلب الشفعة؛ لأن هذا ليس بإقالة بل انفساخ من الأصل، وكان السبب منعدما في حقه من الأصل إليه أشار في المبسوط. قوله: (ولا خيار للشفيع) أي: لا يثبت الخيار الذي كان للمشتري للشفيع، وإن كان فيه انتقال إضافة الصفقة من المشتري إلى الشفيع؛ لما أن الخيار يثبت بالشرط كَاسْمِهِ، والشرط كان للمشتري لا للشفيع، وإنما الانتقال في نفس البيع لا شرطيه. قوله: (والخيار لأحدهما) أي: لأحد المتعاقدين (فله) أي: فلمن له الخيار الأخذ بالشفعة. قوله: (لبقاء ملكه) أي: ملك البائع فيها، إذ خياره يمنع خروج ملكه، فإذا أخذ بالشفعة فهذا نقض منه للبيع، إذ لو لم يجعل نقضًا فإذا أجاز البيع بعد ذلك ملكها المشتري من وقت العقد، حتى يستحق زوائدها، فتبين أنه أخذ الشفعة بغير حق، كذا في المبسوط. قوله: (وفيه إشكال أوضحناه في البيوع) وقد كان البلخي يدعي المناقضة على أبي حنيفة حيث قال: إذا كان الخيار للمشتري لا يملك

стр. 6414

بِهَا، وَكَذَا إِذَا كَانَ لِلْمُشْتَرِي وَفِيهِ إِشْكَالٌ أَوْضَحْنَاهُ فِي البُيُوعِ فَلَا نُعِيدُهُ، وَإِذَا أَخَذَهَا كَانَ إِجَازَةٌ مِنهُ لِلْبَيْعِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا اشْتَرَاهَا وَلَمْ يَرَهَا، حَيْثُ لَا يَبْطُلُ خِيَارُهُ بِأَخْذِ مَا بِيعَ بِجَنْبِهَا بِالشَّفْعَةِ، لِأَنَّ خِيَارَ الرُّؤْيَةِ لَا يَبْطُلُ بِصَرِيحِ الإِبْطَالِ فَكَيْفَ بِدَلَالَتِهِ، ثُمَّ إِذَا حَضَرَ شَفِيعُ الدَّارِ الأُولَى، لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا دُونَ الثَّانِيَةِ، لِانْعِدَامِ مِلْكِهِ فِي الأُولَى حِينَ بِيعَتْ الثَّانِيَةُ. قَالَ: (وَمَنْ ابْتَاعَ دَارًا شِرَاءٌ فَاسِدًا فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا) أَمَّا قَبْلَ المبيع، وهاهنا يقول بأخذ الشفعة، وهو مستلزم للملك، فقال في المبسوط: عذره أن المشتري أحق بها مع خياره، فيكفي ذلك للشفعة كالمأذون، والمكاتب. وفي النهاية: هذه الحوالة غير رائجة في حق الإشكال؛ لأن فيه جواب الإشكال لا الإشكال، وهو قوله: (ومن اشترى دارًا) على أنه بالخيار (فبيعت دار إلى جنبها) إلى آخره. قيل: ذكر الإشكال بطريق الضمن بقوله: (وهذا التقرير يحتاج إليه لمذهب أبي حنيفة خاصة، فتكون الحوالة رابحة. وقيل: ذكر البيوع هذا الكتاب) (١) فيمكن أن يكون ذكره [في] (٢) بيوع كفاية المنتهي. قوله: (لانعدام ملكه) أي: ملك الشفيع الذي حضر في الدار الأولى حين بيعت الثانية؛ لأنه إنما يتملكها الآن، فلا يصير بها جارًا للدار، أو شريكا من وقت العقد. وفي المبسوط: إلا أن يكون له دار أخرى بجنبها. قوله: (فلا شفعة فيها) أي: في الدار المشتراة شراء فاسدًا، ولا خلاف فيه للفقهاء.

стр. 6415

القَبْضِ فَلِعَدَمِ زَوَالِ مِلْكِ البَائِعِ، وَبَعْدَ القَبْضِ لِاحْتِمَالِ الفَسْخِ، وَحَقُّ الفَسْخِ ثَابِتٌ بِالشَّرْعِ لِدَفْعِ الفَسَادِ، وَفِي إِثْبَاتِ حَقِّ الشَّفْعَةِ تَقْرِيرُ الفَسَادِ فَلَا يَجُوزُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي فِي البَيْعِ الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ صَارَ أَخَصَّ بِهِ تَصَرُّفًا وَفِي البَيْعِ الفَاسِدِ مَمْنُوعٌ عَنْهُ. قَالَ: (فَإِنْ سَقَطَ حَقُّ الفَسْخِ وَجَبَتْ الشَّفْعَةُ) لِزَوَالِ المَانِعِ، وَإِنْ وفي الذخيرة: هذا إذا وقع البيع فاسدًا في الابتداء، أما إذا وقع صحيحًا ثم فسد، يبقى حق الشفعة كما لو اشترى النصراني دارا بخمر فلم يتقابضا حتى أسلما أو أحدهما، أو قبض الدار ولم يقبض الخمر، فإن البيع يفسد، وللشفيع أن يأخذها بالشفعة. قوله: (في الفاسد ممنوع عنه) أي: عن التصرف ولا خلاف فيه للفقهاء. فإن قيل: لم لا يجعل في الأخذ بالشفعة إسقاط الفساد في حق الشفيع، كما أسقط الخيار الخيار الثابت للمشتري في حق الشفيع، فيستحقها بدون شرط الخيار على ما مر، ولو فعلنا كذلك لا يلزم تقرير الفساد. قلنا: يلزم فساد آخر، وهو جعل البيع بلا ثمن إذا كان الفساد لمعنى راجع إلى العوض، كجعل الخمر ثمنًا، أما الخيار لمعنى خارج من العوضين، فإنه للتأمل والتروي، فبإسقاطه لا يلزم ذلك، ولهذا لا يثبت للشفيع بعد الأخذ. قوله: (فإن سقط الفسخ) أي: إن (١) سقط حق الفسخ للبائع في البيع الفاسد بالزيادة في المبيع كالبناء والغرس عند أبي حنيفة، وبالبيع من آخر بالاتفاق. (وجبت الشفعة) أي: ثبتت لزوال المانع وهو حق الفسخ للبائع، كما لو كان في البيع خيار البائع، فسقط الخيار، ثم للشفيع أن يأخذها بالبيع الثاني بالثمن المذكور، وإن شاء نقض البيع الثاني، ويأخذه بالبيع الأول بقيمتها؛ لأنه اجتمع سببان، فله أن يأخذ بأيهما شاء، فإن أخذ في البيع الثاني أخذ بالثمن؛ لأن البيع الثاني صحيح؛ فيملكها بالثمن، وإن أخذ بالأول أخذ بالقيمة؛ لأن المبيع في البيع الفاسد مضمون بالقيمة.

стр. 6416

بِيعَتْ دَارٌ بِجَنْبِهَا وَهِيَ فِي يَدِ البَائِعِ بَعْدُ، فَلَهُ الشُّفْعَةُ لِبَقَاءِ مِلْكِهِ، وَإِنْ سَلَّمَهَا إِلَى المُشْتَرِي فَهُوَ شَفِيعُهَا لِأَنَّ المِلْكَ لَهُ فإن قيل: إذا نقض البيع الثاني يجب أن يعود حق الثاني في الاسترداد، وحينئذ لا تثبت الشفعة. قلنا: انتقاض البيع الثاني مع صحته بحق الشفيع مقتضى للتملك بالشفعة، فلا يجوز أن يكون مُبطلا حق الشفيع؛ لئلا يعود على موضوعه بالنقض، وبالبناء والغرس ينقطع حق الفسخ للبائع عند أبي حنيفة، خلافا لهما وقد مر في البيوع. ثم إذا أخذها الشفيع بعد البناء والغرس عنده للشفيع أن يأخذ المشترى لهدم البناء كماله في البيع الصحيح، ولا يلزم أنَّ بَعد هدم البناء يظهر حق الفسخ في البيع، فلا شفعة؛ لأنه إنما يظهر حقه إذا لم يتعلق به حق الغير، وقد تعلق به حق الغير، فصار كالبيع الصحيح، وإن اتخذها المشتري مسجدًا فعلى هذا الخلاف، وقيل: ينقطع بحقه إجماعًا. قوله: (وهي) أي: الدار المسماة شراء فاسدًا في يد البائع فله أي للبائع الشفعة لأنه لم يخرج عن ملكه بالبيع الفاسد. قوله: لأن الملك له أي للمشتري ولا يقال في هذا تقرير الفساد في حق المشتري حيث أخذ المبيعة بالشفعة بالشراء الفاسد وقد ثبت قبل هذا وفيه أي في إثبات الشفعة تقرير الفساد لأنا نقول لا يلزم تقرير الفساد لأن المشتري متمكن من الفسخ فيما اشتراه فاسدًا بعد أخذ المبيعة بالشفعة المبيعة بجنبها ولا فساد في التي أخذها بالشفعة أما لو قلنا بثبوت الشفعة في المبيعة فاسدا تنتقل إلى الشفيع من المشتري بوصف الفساد على ما ذكرنا وكان فيه تقرير الفساد. فإن قيل: ينبغي أن يمنع حق استرداد البائع في الفاسد للمشتري من الأخذ بالشفعة في المبيعة بجنبها كما منع في المشتراة شراء فاسدًا وإن ملكها المشتري. قلنا: سبب وجوب الشفعة إما شركة أو جوار. وقد وجد هذا في حق المشتري بالشراء الفاسد بعد قبضها فتثبت الشفعة وتعلق حق الغير بمعنى لا يمنع وجوب الشفعة للمالك كقيام حق المرتهن في الدار المرهونة لا يمنع وجوب

стр. 6417

ثُمَّ إِنْ سَلَّمَ البَائِعُ قَبْلَ الحُكْمِ بِالشَّفْعَةِ لَهُ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ كَمَا إِذَا بَاعَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا سَلَّمَ بَعْدَهُ، لِأَنَّ بَقَاءَ مِلْكِهِ فِي الدَّارِ الَّتِي يُشْفَعُ بِهَا بَعْدَ الحُكْمِ بِالشَّفْعَةِ لَيْسَ بِشَرْطَ، فَبَقِيَتْ المَأْخُوذَةُ بِالشَّفْعَةِ عَلَى مِلْكِهِ، وَإِنْ اسْتَرَدَّهَا البَائِعُ مِنْ المُشْتَرِي قَبْلَ الحُكْمِ بِالشُّفْعَةِ لَهُ بَطَلَتْ لِانْقِطَاعِ مِلْكِهِ عَنْ الَّتِي يُشْفَعُ بِهَا قَبْلَ الحُكْمِ بِالشَّفْعَةِ، وَإِنْ اسْتَرَدَّهَا بَعْدَ الحُكْمِ بَقِيَتْ الثَّانِيَةُ عَلَى مِلْكِهِ لِمَا بَيَّنَّا. قَالَ: (وَإِذَا اقْتَسَمَ الشُّرَكَاءُ العَقَارَ فَلَا شُفْعَةَ لِجَارِهِمْ بِالقِسْمَةِ) لِأَنَّ القِسْمَةَ فِيهَا مَعْنَى الإِفْرَازِ، وَلِهَذَا يَجْرِي فِيهَا الجَبْرُ؛ وَالشُّفْعَةُ مَا شُرِعَتْ إِلَّا فِي المُبَادَلَةِ المُطْلَقَةِ. قَالَ: (وَإِذَا اشْتَرَى دَارًا فَسَلَّمَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ، ثُمَّ رَدَّهَا المُشْتَرِي بِخِيَارِ رُؤْيَةٍ، أَوْ شَرْطٍ، أَوْ بِعَيْبٍ بِقَضَاءِ قَاضِ، فَلَا شُفْعَةَ لِلشَّفِيعِ) لِأَنَّهُ فَسْخٌ مِنْ كُلِّ وَجْهِ فَعَادَ إِلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ وَالشَّفْعَةُ فِي إِنْشَاءِ العَقْدِ، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ القَبْضِ وَعَدَمِهِ (وَإِنْ رَدَّهَا بِعَيْبٍ بِغَيْرِ قَضَاءِ، أَوْ تَقَابَلَا البَيْعَ فَلِلشَّفِيعِ الشَّفْعَةُ) لِأَنَّهُ فَسْخٌ فِي حَقِّهِمَا لِوِلَايَتِهِمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا، وَقَدْ قَصَدًا الشفعة للراهن إذا بيعت دار بجنبها كذا في المبسوط، مع أنا بينا أن في البيع الفاسد في ثبوت الشفعة تقرير الفساد. قوله: (ثم إن سلم) أي: المبيعة بيعا فاسدًا (قبل الحكم بالشفعة) للبائع في المبيعة بجنبها (بطلت شفعته) أي: شفعة البائع كما لو باعها. (بخلاف ما إذا سلم بعده) أي: بعد الحكم بالشفعة له. (وإن استردها) أي: البائع المبيعة بيعًا فاسدا. (بقيت الثانية) أي: الدار المأخوذة بالشفعة لما بينا، وهو أن بقاء ملكه في التي يشفع بها بعد الحكم ليس بشرط. قوله: (وإن ردها بعيب بغير قضاء قاض أو تقايلا فللشفيع الشفعة)، وبه قال مالك، وأحمد في رواية في المقابلة، وقال الشافعي: كل فسخ حصل بأي سبب كان لم يكن للشفيع أخذه؛ لأنه عاد إلى المالك؛ لزوال العقد، وبه قال أحمد في المشهور منه وزفر.

стр. 6418

الفَسْخَ، وَهُوَ بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقٌّ ثَالِثِ لِوُجُودِ حَدٌ البَيْعِ، وَهُوَ مُبَادَلَةُ المَالِ بِالمَالِ بِالتَّرَاضِي وَالشَّفِيعُ ثَالِثُ، وَمُرَادُهُ الرَّدُّ بِالعَيْبِ بَعْدَ القَبْضِ، لِأَنَّ قَبْلَهُ فَسْخٌ مِنْ الأَصْلِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ قَضَاء عَلَى مَا عُرِفَ؛ وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَلَا شُفْعَةَ فِي قِسْمَةٍ وَلَا خِيَارِ رُؤْيَةٍ، وَهُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَمَعْنَاهُ: لَا شُفْعَةَ بِسَبَبِ الرَّدِّ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ لِمَا بَيَّنَّاهُ، وَلَا تَصِحُ الرِّوَايَةُ بِالفَتْحِ عَطْفًا عَلَى الشَّفْعَةِ، لِأَنَّ الرِّوَايَةَ مَحْفُوظَةٌ فِي كِتَابِ القِسْمَةِ أَنَّهُ يَثْبُتُ فِي القِسْمَةِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَخِيَارُ الشَّرْطِ، لِأَنَّهُمَا يَثْبُتَانِ لِخَلَلٍ فِي الرِّضَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ لُزُومُهُ بِالرِّضَا، وَهَذَا المَعْنَى مَوْجُودٌ فِي القِسْمَةِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. قوله: (ومراده) أي: مراد القدوري من قوله: ثم ردها المشتري بعيب بقضاء قاض الرد بعد القبض؛ لأن الرد قبل القبض فسخ؛ وإن كان بغير قضاء. (على ما عرف) أي: في البيوع. قوله: (وفي الجامع) وإنما ذكر لفظ الجامع، وإن كان تكرارا؛ لأنه يحتاج إلى التفسير كما ترى فلا بد من ذكر لفظه؛ لئلا يثبت إلى ذكر اللفظين، ومعناهما واحد. قوله: (لأنهما) أي: خيار الرؤية، وخيار الشرط، وذكر الإمام قاضي خان: خيار الرؤية يثبت في القسمة، إلا أن تكون التركة مكيلا أو موزونا فاقتسموها، فإنه لا يثبت خيار الرؤية في هذه القسمة؛ لأن القسمة لو ردت بخيار الرؤية فيحتاجون إلى القسمة ثانيًا، فيقع في نصيبه عما وقع في المرة الأولى أو مثله، فلا يفيد خيار الرؤية، أما لو كانت التركة عقارًا أو شيئًا من ذوات القيم، فيفيد الخيار؛ لأنه ربما يقع في المرة الثانية في نصيبه ما يوافقه فيفيد. وفي الكافي: وصحح شمس الأئمة السرخسي الرواية بالنصب أيضًا، وقال: لا يثبت خيار الرؤية في القسمة سواء كانت بقضاء أو برضا، وبه أخذ بعض المشايخ.

стр. 6419

بَابُ مَا يَبْطُلُ بِهِ الشَّفْعَةُ قَالَ: (وَإِذَا تَرَكَ الشَّفِيعُ الإِشْهَادَ حِينَ عَلِمَ بِالبَيْعِ، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ) لِإِعْرَاضِهِ عَنْ الطَّلَبِ، وَهَذَا لِأَنَّ الإِعْرَاضَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ وَهِيَ عِنْدَ القُدْرَةِ (وَكَذَلِكَ إِنْ أَشْهَدَ فِي المَجْلِسِ وَلَمْ يَشْهَدْ عَلَى أَحَدِ المُتَبَايِعَيْنِ وَلَا عِنْدَ العَقَارِ) وَقَدْ أَوْضَحْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ. قَالَ: (وَإِنْ صَالَحَ مِنْ شُفْعَتِهِ عَلَى عِوَضٍ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ وَرَدَّ العِوَضَ) لِأَنَّ حَقَّ الشَّفْعَةِ لَيْسَ بِحَقِّ مُتَقَرِّرٍ فِي المَحِلِّ، بَلْ هُوَ مُجَرَّدُ حَقٌّ بَابُ مَا تَبْطُلُ بِهِ الشَّفْعَةُ آخر هذا الباب لأن الإبطال بعد الثبوت صورة أو حقيقة. وفي الذخيرة: ثبوته بعد البيع، وبعد ذلك بالتأخر يسقطه، والإسقاط يعتمد الثبوت، ثم الشفعة بترك الطلبين طلب المواثبة، وطلب التقرير، وقد بينا الخلاف فيه. قوله: (إذا ترك الإشهاد) إلى آخره، فإن قيل: قد ذكر قبل هذا أن طلب الإشهاد ليس بلازم، وقد ذكر في الذخيرة: أن الإشهاد ليس بشرط، وإنما ذكر أصحابنا الإشهاد عند هذا الطلب في الكتب احتياطًا؛ لتمكن إثباته عند إنكار المشتري، فما وجه التفريق بينهما؟ قلنا: يحتمل أن يراد بالإشهاد نفس طلب المواثبة؛ لأن طلب المواثبة لا ينفك عن الإشهاد في حق علم القاضي. سمى الطلب إشهادًا بدليل ما ذكره من التعليل في حق ترك طلب المواثبة مثل ما ذكره من التعليل هاهنا، كذا قيل. وقوله: (فيما تقدم) إشارة إلى ما ذكره في باب طلب الشفعة. قوله: (وإن صالح على عوض بطلت شفعته) ولا خلاف للأئمة الثلاثة. قوله: (ورد العوض) وبه قال الشافعي وأحمد، وقال مالك: لا يرد العوض؛ لأنه إزالة ملك؛ فجاز أخذ العوض له عنه، كتمليك امرأة أمرها، وكالصلح عن القصاص. وقلنا: حق الشفعة ليس بحق متقرر ولا ملك، بل هو مجرد حق التملك في

стр. 6420

التَّمَلُّكِ فَلَا يَصِحُ الاعْتِيَاضُ عَنْهُ، وَلَا يَتَعَلَّقُ إِسْقَاطُهُ بِالجَائِزِ مِنْ الشَّرْطِ، فَبِالفَاسِدِ المحل؛ فلا يصح الاعتياض عنه بخيار الشرط، فيكون رشوة، ولأن حق الشفعة ثبت بخلاف القياس لدفع الضرر؛ فلا يظهر ثبوته في حق الاعتياض. قوله: (ولا يتعلق إسقاطه) أي: إسقاطه حق الشفعة بالجائز من الشروط، فبالفاسد وهو شرط المال أولى. بيانه: أنه لو قال الشفيع: أسقطت شفعتي فيما اشتريت على أن تسقط شفعتك فيما اشتريت تسقط شفعته، وإن لم يسقط المشتري شفعته، فيما اشترى الشفيع فعلم أن إسقاط الشفعة لا يتعلق بالشرط الجائز، إذ المعني به أن يكون ملائما بالإسقاط، وإسقاط الشفعة بالعوض المالي شرط فاسد؛ لأنه غير ملائم؛ لأنه اعتياض عن مجرد الحق في المحل، وهو حرام ورشوة وإذا لم يتعلق بالشرط، ويصح الإسقاط. وفي جامع قاضي خان: الشرط الملائم شرط ليس فيه ذكر المال، كما لو قال: سلمت شفعتك على أن بِعْتَنِيهَا، أو وَلَّيْتَنِيهَا، أو أجَرْتَنيها، أو دَفَعْتَنيها مزارعة، أو معاملة. وكذا [لو] (١) باع شفعته من البائع أو المشتري بمال تسقط الشفعة بالاتفاق، ولا يلزمه المال. وقوله: (لما قلنا) إشارة إلى قوله: إن حق الشفعة مجرد حق التمليك؛ فلا يصح الاعتياض فيه. وفي المبسوط: صلح الشفيع مع المشتري على ثلاثة أوجه: منها ما صالحه على أخذ نصف الدار بنصف الثمن. ومنها ما صالحه على أخذ بيت من الدار بعينه بحصته من الثمن. وفي هذين الوجهين الصلح باطل، وله أن يأخذ جميع الدار بعد ذلك؛ لأن (٢) مجرد الحق، فلا يصح الاعتياض عنه؛ لأن حصته مجهول، ولم يوجد منه إعراض عن الأخذ بالشفعة، فلم يصح تسليمه أيضًا.

стр. 6421

أَوْلَى، فَيَبْطُلُ الشَّرْطُ، وَيَصِحُ الإِسْقَاطُ، وَكَذَا لَوْ بَاعَ شُفْعَتَهُ بِمَالٍ لِمَا بَيَّنَّا، بِخِلَافِ القِصَاصِ لِأَنَّهُ حَقٌّ مُتَقَرِّرُ، وَبِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَالعِتَاقِ، وفي الوجه الثالث، وهو ما إذا صالحه على مال فقد وجد الإعراض عن الشفعة، فيصح تسليمه، ولم يصح صلحه؛ لما ذكرنا أنه مجرد حق التمليك، فيرد العوض، وهكذا ذكره في المغني. وفي المحيط: لو طلب نصفها بالشفعة بطلت شفعته في الكل عند محمد، وبه قال أحمد، وبعض أصحاب الشافعي. وقال أبو يوسف: فيها لا يكون تسليما في الكل، وبه قال بعض أصحاب الشافعي، وهو الأصح. وفي المبسوط: لا يصح بيع حق الشفعة؛ لأن البيع تمليك مال بمال، وحق الشفعة لا يحتمل التمليك؛ فصار كلامه عبارة عن الإسقاط مجازا كبيع الزوج زوجته من نفسها (١). وفي الجامع الكبير لشمس الأئمة: ولا فرق في إسقاط الشفعة بين قوله: سلمت الشفعة وبين قوله للبائع: سلمت لك بيع هذه الدار. وقوله للمشتري: سلمت لك شراء هذه الدار؛ لأن معنى هذا الكلام لا اعتراض لك على مقصودك في هذا العقد، وذلك لا يكون إلا بتسليم الشفعة، ودليل التسليم كصريحه، وأما لو قال لأجنبي: سلمت لك شراء هذه الدار، لم يكن تسلما للشفعة؛ لأن الأجنبي غير مشتر، ولا كان له مقصود في هذا العقد. وقوله: سلمت لك شراءها تمليكا منه، وحق الشفعة لا يحتمل التمليك. قوله: (بخلاف القصاص لأنه حق متقرر) في المحل، فإن نفس القاتل كانت مباحة في حق من له القصاص، ولهذا يتمكن من استيفائه بلا قضاء ولا رضا، وبالصلح تحدث له العصمة في دمه، فيجوز العوض بمقابلته. (وبخلاف الطلاق) لأن ملك النكاح متقرر في المحل، (والعتاق) (٢) لأن

стр. 6422

لِأَنَّهُ اعْتِيَاضُ عَنْ مِلْكِ فِي المَحِلِّ، وَنَظِيرُهُ إِذَا قَالَ لِلْمُخَيَّرَةِ: اخْتَارِينِي بِأَلْفِ، أَوْ قَالَ العِنِّينُ لِامْرَأَتِهِ، اخْتَارِي تَرْكَ الفَسْخِ بِأَلْفِ، فَاخْتَارَتْ، سَقَطَ الخِيَارُ وَلَا يَثْبُتُ العِوَضُ، وَالكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الشَّفْعَةِ فِي رِوَايَةٍ، وَفِي أُخْرَى: لَا تَبْطُلُ الكَفَالَةُ وَلَا يَجِبُ المَالُ، وَقِيلَ: هَذِهِ رِوَايَةٌ فِي الشَّفْعَةِ، وَقِيلَ: هِيَ فِي الكَفَالَةِ خَاصَّةٌ وَقَدْ عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ قَالَ: (وَإِذَا مَاتَ الشَّفِيعُ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُورَثُ عَنْهُ. قَالَ ﵁: مَعْنَاهُ: إِذَا مَاتَ بَعْدَ البَيْعِ قَبْلَ القَضَاءِ بِالشَّفْعَةِ، أَمَّا إِذَا مَاتَ بَعْدَ ملك العبد متقرر في المحل، فيجوز الاعتياض عنه. (والكفالة بالنفس في هذا) أي: في إسقاطها بعوض (بمنزلة الشفعة في رواية الكفالة) حتى يبرأ الكفيل، ولا يجب المال، ويرد إن أخذه وهو الأصح. وفي الأخرى لا تبطل الكفالة ولا يجب المال؛ لأن الكفالة بالنفس سبب لحصول المال، فشابه الحق في المال من هذا الوجه، فإذا لم يرض ببطلانه مجانا لم تبطل، كذا في الإيضاح. وقيل: هذه رواية في الشفعة حتى لا يصح الاعتياض، وتبطل الشفعة. وقيل: في الكفالة خاصة، والفرق أن الشفعة تبطل بالإعراض بخلاف الكفالة. قوله: (إذا مات بعد البيع) وبعد الطلبين قبل الأخذ بالقضاء أو تسليم المشتري، هكذا ذكره في شرح الطحاوي. وقال الشافعي: يورث، وبه قال مالك، وأحمد، إلا أن أحمد يقول: إذا مات قبل الطلبين لا يورث، وبقولنا قال الحسن، والشعبي، والنخعي، والثوري، وابن سيرين. للشافعي أن هذا حق معتبر في الشرع؛ فيورث عنه كالقصاص، وحق الرد بالعيب. ولنا أن مجرد حق التمليك، وهو ولاية التملك، وذا لا يبقى بعد موت صاحب الولاية، فكيف يورث عنه بخلاف القصاص؛ لأن من عليه القصاص

стр. 6423

قَضَاءِ القَاضِي قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ وَقَبَضَهُ: فَالبَيْعِ لَازِمٌ لِوَرَثَتِهِ، وَهَذَا نَظِيرُ الاخْتِلَافِ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ وَقَدْ مَرَّ فِي البُيُوعِ، وَلِأَنَّهُ بِالمَوْتِ يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْ دَارِهِ، وَيَثْبُتُ المِلْكُ لِلْوَارِثِ بَعْدَ البَيْعِ، وَقِيَامُهُ وَقْتَ البَيْعِ وَبَقَاؤُهُ لِلشَّفِيعِ إِلَى وَقْتِ القَضَاءِ شَرْحًا، فَلَا يَسْتَوْجِبُ الشَّفْعَةَ بِدُونِهِ (وَإِنْ مَاتَ المُشْتَرِي لَمْ تَبْطُلْ) لِأَنَّ المُسْتَحِقَّ بَاقٍ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ سَبَبُ حَقِّهِ، وَلَا يُبَاعُ فِي دَيْنِ المُشْتَرِي وَوَصِيَّتِهِ، وَلَوْ بَاعَهُ القَاضِي أَوْ الوَصِيُّ أَوْ صار كالمملوك لمن له القصاص، حتى صح الاعتياض عنه، فيبقى بعد الموت كالعين المملوك. أما الدار فلم تصر ملكًا للشفيع، ولهذا لا يصح الاعتياض عنه، ولا يملكها إلا بتمليك القاضي، وأحد العاقدين، وكذا حق الرد بالعيب؛ لأنه بطلب جزء فائت من المبيع، وقد مر في البيوع، وبموت المشتري لا تبطل بلا خلاف. قوله: (ولم يتغير سبب حقه) أي: حق المستحق، وهو الشركة أو الجوار. قوله: (ولا يباع في دين المشتري أو وصيته) أي: حق مقدم عليهما؛ لأن حق الشفيع مقدم على حق المشتري، فكان مقدمًا على حق من ثبت حقه من جهته أيضًا وهو الغريم، أو الموصى له، حتى لو باعها القاضي أو وصي المشتري في دين أو وصية للشفيع أن يبطل البيع ويأخذها بالشفعة، كما لو باعها المشتري في حياته، ولا يقال بيع القاضي حكم منه، فكيف ينقضه الشفيع؟ لأن بيع القاضي إما لجهله بحق الشفيع، أو بناء على أنه لا يطلبه، فإذا طلبه نقض بيعه؛ لأن هذا قضاء بخلاف الإجماع، فإنهم أجمعوا أن للشفيع حق نقض تصرف المشتري، فلا ينفذ قضاؤه. ولهذا لو جعل المشتري الدار مسجدًا أو مقبرة ينقض الشفيع ما صنع؛ لتقدم حقه، وبه قالت الأئمة الثلاثة. وعن الحسن، وأحمد في رواية: فيما وقفه المشتري أو جعله مسجدًا تبطل شفعة الشفيع؛ لأن الشفعة إنما تكون في المملوك، وقد خرج هذا عن كونه مملوكًا، ولأن الوقف لا يقبل الفسخ كالعتق.

стр. 6424

أَوْصَى المُشْتَرِي فِيهَا بِوَصِيَّةٍ: فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يُبْطِلَهُ وَيَأْخُذَ الدَّارَ لِتَقَدُّمِ حَقِّهِ، وَلِهَذَا يُنْقَضُ تَصَرُّفُهُ فِي حَيَاتِهِ. قَالَ: (وَإِذَا بَاعَ الشَّفِيعُ مَا يَشْفَعُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى لَهُ بِالشَّفْعَةِ: بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ) لِزَوَالِ سَبَبِ الاسْتِحْقَاقِ قَبْلَ التَّمَلُّكِ، وَهُوَ الاتِّصَالُ بِمِلْكِهِ، وَلِهَذَا يَزُولُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِشِرَاءِ المَشْفُوعَةِ كَمَا إِذَا سَلَّمَ صَرِيحًا. وقلنا: حق الغير يمنع صيرورته مسجدًا أو وقفا؛ لأن المسجد ما أخلص الله تعالى، ومع تعلق حق الغير لا يتخلص، كذا في الإيضاح. قوله: (ولهذا يزول به) أي: بالبيع، وإن لم يعلم المشتري بشراء المشفوعة، وبه قال الشافعي في وجه، ومالك، وأحمد في رواية، وقالوا في رواية: لا يسقط؛ لأنه ثبت حقه بالبيع، وما وجد منه رضى بتركها لا صريحًا ولا دلالة، إذ البيع بعد العلم يدل على الرضى لا قبله، وكذا لهم رواية فيما إذا باعها بعد العلم بالبيع؛ لثبوت حقه بالبيع، والبيع لا يدل على إسقاط حقه؛ لأن بقاء السبب بعد ثبوت الحق لا يشترط. وقلنا: الاستحقاق بالشركة أو بالجوار، وقد زال قبل التملك، فلا يتملك به سواء علم بالبيع أو لم يعلم. وفي المبسوط: علمه بحقه ليس بشرط في صحة الإسقاط باللفظ الموضوع له، فكذا في الدلالة عليه (١). فإن قيل: يشكل كما إذا ساوم الشفيع المشتري أو سأله أن يوليه إياه أو يستأجرها منه فإن ذلك تسليم الشفعة دلالة والعلم بالشفعة شرط فيها فينبغي أن لا يشترط كما في البيع. قلنا: قال في المبسوط: إنما اشترط العلم في المساومة؛ لأن المساومة غير موضوعة لإبطال الشفعة، وتسقط الشفعة بها؛ لما فيها من دليل الرضى من الشفيع، ولا يتحقق الرضى إلا بالعلم بخلاف التسليم صريحًا أو دلالة؛ لأنه إسقاط، وفي الإسقاط لا يشترط العلم كما في الطلاق، وفي بيع الشفيع ما يشفع به إسقاط؛ لما أن بقاء ما يشفع به شرط إلى وقت القضاء بالشفعة له (٢).

стр. 6425

أَوْ إِبْرَاءً عَنْ الدَّيْنِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَ الشَّفِيعُ دَارَهُ بِشَرْطِ الخِيَارِ لَهُ، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الزَّوَالَ فَبَقِيَ الاتِّصَالُ. قَالَ: (وَوَكِيلُ البَائِعِ إِذَا بَاعَ وَهُوَ الشَّفِيعُ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ، وَوَكِيلُ المُشْتَرِي إِذَا ابْتَاعَ فَلَهُ الشَّفْعَةُ) وَالأَصْلُ: أَنَّ مَنْ بَاعَ أَوْ بِيعَ لَا شُفْعَةَ لَهُ، وَمَنْ اشْتَرَى أَوْ ابْتِيعَ لَهُ فَلَهُ الشَّفْعَةُ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ: بِأَخْذِ المَشْفُوعَةِ قوله: (أو أبرأ) أي: رب الدين المديون، والمديون لا يعلم بدينه يصح الإبراء؛ لأنه إسقاط كما لو سلم الشفعة صريحًا وهو لا يعلم بشراء المشفوعة، وبوجوب الشفعة، أما لو باع بعض داره شائعًا فله الشفعة بما بقي، وبه قال الشافعي في وجه، وأحمد في رواية؛ لأنه يجوز أن يستحق ابتداء بهذا القدر، فأولى أن يبقى، وكذا لو باع بعضه مقسومًا، وذلك لا يلي المبيعة؛ لأن الجوار قائم، وإن كان مما يلي المبيعة بطلت شفعته؛ لزوال الجوار. قوله: (والأصل أن من باع وهو وكيل البائع أو بيع له) وهو الموكل (فلا شفعة له). وقال الشافعي، وأحمد: له الشفعة سواء كان وكيل البائع أو وكيل المشتري؛ لما أن حقوق العقد ترجع إلى الموكل، فبالعمل لغيره لا يسقط إقراره الثابت شرعًا. وقال بعض الشافعية، والقاضي الحنبلي كمذهبنا، وقال بعض الشافعية: إن كان وكيل المشتري سقطت شفعته دون وكيل البائع؛ لأن الملك عندهم ينتقل إلى الوكيل في الشراء، وكذا لو ضمن الشفيع الدرك من البائع تسقط شفعته عندنا، وقال الشافعي: لا تسقط. وكذا لو باع وشرط لغير المشتري، وهو الشفيع فأجاز الشفيع بطلت شفعته عندنا، خلافا للشافعي وأحمد، ولو اشترى الشفيع، وهو وكيل المشتري. (إذا ابتيع له) أي: هو الموكل في الشراء أو شرط المشتري الخيار لغيره، وهو الشفيع فأجاز الشفيع (فله الشفعة) بلا خلاف. قوله: (ابتيع له) صورته اشترى المضارب بمال المضاربة، ورب المال شفيعها يأخذها بالشفعة؛ لأنه اشترى له، ذكره في شرح الطحاوي.

стр. 6426

يَسْعَى فِي نَقْضِ مَا تَمَّ مِنْ جِهَتِهِ وَهُوَ البَيْعُ، وَالمُشْتَرِي لَا يُنْقَضُ شِرَاؤُهُ بِالْأَخْذِ بِالشَّفْعَةِ، لِأَنَّهُ مِثْلُ الشَّرَاءِ (وَكَذَلِكَ لَوْ ضَمِنَ الدَّرَكَ عَنْ البَائِعِ - وَهُوَ الشَّفِيعُ - فَلَا شُفْعَةَ لَهُ) وَكَذَلِكَ إِذَا بَاعَ وَشَرَطَ الخِيَارَ لِغَيْرِهِ، فَأَمْضَى المَشْرُوطُ لَهُ الخِيَارُ البَيْعَ وَهُوَ الشَّفِيعُ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ، لِأَنَّ البَيْعَ تَمَّ بِإِمْضَائِهِ، بِخِلَافِ جَانِبِ المَشْرُوطِ لَهُ الخِيَارُ مِنْ جَانِبِ المُشْتَرِي. قَالَ: (وَإِذَا بَلَغَ الشَّفِيعُ أَنَّهَا بِيعَتْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَسَلَّمَ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهَا بِيعَتْ بِأَقَلَّ، أَوْ بِحِنْطَةٍ، أَوْ شَعِيرٍ قِيمَتُهَا أَلْفٌ، أَوْ أَكْثَرُ، فَتَسْلِيمُهُ بَاطِلٌ، وَلَهُ الشَّفْعَةُ) لِأَنَّهُ إِنَّمَا سَلَّمَ لِاسْتِكْثَارِ الثَّمَنِ فِي الأَوَّلِ، وَلِتَعَذَّرِ الجِنْسِ الَّذِي بَلَغَهُ وَتَيَسُّرِ مَا بِيعَ بِهِ فِي الثَّانِي إِذْ الجِنْسُ مُخْتَلِفٌ، وَكَذَا كُلُّ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ أَوْ عَدَدِيٌّ للشافعي أن هذا سبب سبق وجوب الشفعة، فلم يسقط الشفعة كالإذن في البيع، والعفو عن الشفعة قبل تمام البيع، وكوكيل المشتري، والبيع لا يتوقف على الضمان. وقلنا: تمام البيع بإجازته، وكان كالبائع، وفي ضمان الدرك تقرير للبيع، فكان كالبائع، ففي الأخذ بالشفعة نقض ما تم من جهته، كما في وكيل البائع، بخلاف وكيل المشتري، ومن شرطه له الخيار من جانب المشتري، وهو شفيع؛ لأن الشفعة تبطل بإظهار الشفيع الرغبة عن الدار؛ فيكون إبطالًا للشفعة، ولأنه لو أخذ بالشفعة يصير الواحد مملكا ومتملكا لغير واحد في حالة واحدة، وذا لا يجوز للتنافي، كذا قيل وفيه نوع تأمل. قوله: (وإذا بلغ الشفيع أنها بيعت بألف) إلى آخره قيد بأقل؛ لأنه لو علم أنها بيعت بأكثر سقطت شفعته كما لو علم كما أخبر؛ لأن الرضى بالتسليم بألف رضى بالتسليم بأكثر منه ذكره في المبسوط، وبه قالت الأئمة الثلاثة. وقال ابن أبي ليلى: لا شفعة في الوجهين؛ لأنه أسقط حقه بعدما وجب، ورضي بمجاورة المشتري؛ فلا يكون له أن يأبى ذلك بعد الرضى بسقوطه. وقلنا: إنما أسقطه بشرط أن يكون الثمن ألفا؛ لأنه بني تسليمه على ما أخبر به، والخطاب السابق كالمعاد في الجواب، فكأنه قال: سلمت إن كان الثمن ألفًا، وإنما أقدم على هذا التسليم لغلاء الثمن، ولم يتمكن من تحصيل

стр. 6427

مُتَقَارِبِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا عَلِمَ أَنَّهَا بِيعَتْ بِعَرَضِ، قِيمَتُهُ أَلْفٌ أَوْ أَكْثَرُ، لِأَنَّ الوَاجِبَ الألف، ولا يزول هذا المعنى في الأكثر بل يزداد. أما إذا كان الثمن أقل فقد انعدم المعنى الذي لأجله كان رضى بالتسليم؛ فيكون على حقه، ولو أخبر أن الثمن مما يكال أو يوزن فسلمها ثم ظهر صنف آخر أقل مما سمى له أو أكثر فهو على شفعته؛ لأنه قد تيسر عليه تحصيل جنس دون جنس، فكان هذا التقييد مفيدًا. قوله: (بخلاف ما إذا علم أنها بيعت بعرض قيمته ألف أو أكثر) أي: تسليمه ليس بباطل يعني إذا بلغ الشفيع أنها بيعت بألف درهم، فسلم الشفعة ثم علم أنها بيعت بعبد قيمته ألف درهم أو أكثر كان تسليمه صحيحًا على ما ذكر في الكتاب، هذا الذي ذكره اختيار شيخ الإسلام. وفي الذخيرة: لو أخبر أن الثمن شيء من ذوات القيم فسلم، ثم ظهر أنه شيء آخر من ذوات القيم، بأن أخبر أن الثمن دار فظهر أنه عبد، فجواب محمد: أنه على شفعته من غير فصل. قال شيخ الإسلام هذا الجواب صحيح فيما إذا كان قيمة ما ظهر أقل من قيمة ما أخبر وغير صحيح فيما إذا كان قيمته مثل قيمة ما أخبر؛ لأن الثمن إذا كان من ذوات القيم فالشفيع يأخذ بقيمة الثمن دراهم أو دنانير، وكأنه أخبر أنه ألف درهم، أو مائة دينار فسلم، ثم ظهر مثل ما أخبر أو أكثر، وهناك كان التسليم صحيحًا، ولو ظهر أقل كان على شفعته، كذا هاهنا. ولو كان على العكس بأن أخبر أن الثمن عبد قيمته ألف أو ما أشبه ذلك من الأشياء التي هي من ذوات القيم، ثم ظهر أنه دراهم أو دنانير، فجواب محمد: أنه على شفعته من غير فصل. قال بعض المشايخ: هذا الجواب محمول على ما إذا كان قيمة ما ظهر أقل، أما لو كان مثله أو أكثر فلا شفعة له. وبعضهم قال: هذا الجواب صحيح على الإطلاق، بخلاف المسألة المتقدمة؛ لأنه وإن كان بالقيمة قد يصير مغبونًا في ذلك؛ لأن التقوم بالظن

стр. 6428

فِيهِ القِيمَةُ وَهِيَ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ، وَإِنْ بَانَ أَنَّهَا بِيعَتْ بِدَنَانِيرَ قِيمَتُهَا أَلْفٌ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ، وَكَذَا إِذَا كَانَتْ أَكْثَرَ. وَقَالَ زُفَرُ: لَهُ الشَّفْعَةُ لِاخْتِلَافِ الجِنْسِ، وَلَنَا: أَنَّ الجِنْسَ مُتَّحِدٌ فِي حَقِّ يكون، وإنما سلم حتى لا يصير مغبونا، وهذا المعنى ينعدم فيما إذا كان الثمن دراهم. قوله: (وقال زفر: له الشفعة) وبه قالت الأئمة الثلاثة (لاختلاف الجنس) ولهذا حل التفاضل بينهما. وقلنا: الجنس واحد في الثمنية، وهي المعنى المقصود في المالية، ولهذا يضم في الزكاة، والمكره على البيع بالدراهم مكره على البيع بالدنانير، ورب الدين إذا ظفر بدنانير المديون وحقه الدراهم له أن يأخذ. ومال المضاربة إذا صار دنانير عمل بهن رب المال، كما لو صار دراهم، ومبادلة أحد النقدين بالآخر يتيسر في العادة، ولا يتقيد رضاه بالصورة بل يتقيد بالمعنى، وهو مقدار المالية فيكون تسليمه صحيحًا كذا في المبسوط، والإيضاح. وذكر في الأسرار خلاف أبي يوسف فقال: تبطل شفعته عند أبي يوسف استحسانا خلافا لهما. وجه القياس: أنه قد يتيسر عليه الأخذ بأحدهما دون الآخر، فالرضى بأحدهما لا يدل على الرضى بالآخر. وجه الاستحسان: أنهما جنس واحد في حق التجارات وضمانها. وفي الذخيرة: جعل قول أبي حنيفة مثل قول زفر، وقول أبي يوسف كما ذكر في الكتاب، وذكر قول أبي يوسف كما ذكرنا ثم قال: وأبو حنيفة ﵀ يقول: هما جنسين مختلفين (١) في الإخبار، حتى إن الإكراه على الإقرار بأحدهما لا يكون إكراها بالإقرار بالآخر (٢). وفي بعض الإيجابات اعتبرا جنبًا واحدًا، وفي مسألتنا إخبار وإيجاب؛

стр. 6429

الثَّمَنِيَّةِ. قَالَ: (وَإِذَا قِيلَ لَهُ: إِنَّ المُشْتَرِيَ فُلَانٌ، فَسَلَّمَ الشَّفْعَةَ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ غَيْرُهُ: فَلَهُ الشَّفْعَةُ) لِتَفَاوُتِ الجِوَارِ (وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ المُشْتَرِيَ هُوَ مَعَ غَيْرِهِ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَ غَيْرِهِ)؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ لَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّهِ (وَلَوْ بَلَغَهُ شِرَاءُ النِّصْفِ فَسَلَّمَ، ثُمَّ ظَهَرَ شِرَاءُ الجَمِيعِ فَلَهُ الشَّفْعَةُ) لِأَنَّ التَّسْلِيمَ لِضَرَرِ الشَّرِكَةِ وَلَا شَرِكَةَ، وَفِي عَكْسِهِ لَا شُفْعَةَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، لِأَنَّ التَّسْلِيمَ فِي الكُلِّ تَسْلِيمٌ فِي أَبْعَاضِهِ. لأن تسليم الشفعة، وإن كان إيجابًا إلا أن التسليم بناء على الإخبار؛ لأنه أخبر أن الثمن كذا في إحدى النوعين وهو الإخبار اعتبرا جنسين مختلفين في بعض الأحكام، فترجح ما يوجب اختلاف الجنسين، فصار كالحنطة والشعير. قوله: (فله الشفعة لتفاوت الجوار) وبه قال الشافعي في وجه، وأحمد، وقال الشافعي في وجه: لا شفعة له، واختار الأول. في شرح الوجيز: لجواز أن يرضى بشركة زيد أو جواره دون عمرو. قوله: (فله أن يأخذ نصيب غيره) وعند الشافعي وأحمد: لا يبطل شفعته أصلا لا في نصيبه ولا في نصيب غيره. قوله: (وفي عكسه) وهو أن يخبر بشراء الكل فظهر شراء النصف (لا شفعة له في ظاهر الرواية) لأن التسليم في الكل تسليم في أبعاضه، واحترز به عن رواية النمر [بن] (١) حداد عن أبي يوسف أنه قال: وله الشفعة في هذه الصورة كما في الصورة المذكورة، وبه قال الشافعي وأحمد؛ لجواز أن يكون تسليم الكل؛ لعدم قدرته على الثمن، وقد يتمكن على البعض بخلاف ما إذا سلم في البعض؛ لأن العجز عن أداء البعض عجز عن أداء الكل بالطريق الأولى، ولأنه قد تكون حاجته إلى النصف ليتم به مرافق ملكه، ولا يحتاج إلى الجميع، كذا في المبسوط (٢). وفي الذخيرة: فلو ظهر أنه اشترى النصف لا شفعة له. قال شيخ الإسلام: هذا الجواب محمول على ما إذا كان ثمن النصف مثل

стр. 6430

فَصْلٌ: [في بَيَانِ الحِيَلِ التي تَبْطُلُ بها الشَّفْعَةُ] قَالَ: (وَإِذَا بَاعَ دَارًا إِلَّا مِقْدَارَ ذِرَاعٍ مِنهَا فِي طُولِ الحَدِّ الَّذِي يَلِي الشَّفِيعَ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ) لِانْقِطَاعِ الجِوَارِ، وَهَذِهِ حِيلَةٌ، وَكَذَا إِذَا وَهَبَ مِنْهُ هَذَا المِقْدَارَ وَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ لِمَا بَيَّنَّا، قَالَ: (وَإِذَا ابْتَاعَ مِنهَا سَهْمًا بِثَمَنٍ، ثُمَّ ابْتَاعَ بَقِيَّتَهَا: فَالشَّفْعَةُ لِلْجَارِ فِي السَّهْمِ الأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي) لِأَنَّ الشَّفِيعَ جَارِ فِيهِمَا، إِلَّا أَنَّ المُشْتَرِيَ فِي الثَّانِي شَرِيكَ فَيَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَرَادَ الحِيلَةَ ابْتَاعَ السَّهْمَ بِالثَّمَنِ إِلَّا دِرْهَمًا مَثَلًا، وَالبَاقِي بِالبَاقِي، وَإِنْ ابْتَاعَهَا بِثَمَنِ، ثُمَّ دَفَعَ إِلَيْهِ ثَوْبًا عِوَضًا عَنْهُ، فَالشَّفْعَةُ بِالثَّمَنِ دُونَ الثَّوْبِ، لِأَنَّهُ عَقْدٌ آخَرُ، وَالثَّمَنُ هُوَ العِوَضُ عَنْ الدَّارِ، قَالَ ﵁: وَهَذِهِ حِيلَةٌ أُخْرَى تَعُمُّ الجِوَارَ وَالشَّرِكَةَ فَيُبَاعَ بِأَضْعَافِ قِيمَتِهِ وَيُعْطَى بِهَا ثَوْبٌ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ، ثمن الكل بأن أخبر أنه اشترى الكل بألف، ثم ظهر أنه اشترى النصف بألف، أما لو ظهر أنه اشترى النصف بخمسمائة يكون على شفعته. فَصْلٌ لما كانت الشفعة تسقط في بعض الأحوال شرع في بيان تلك الأحوال؛ لأنه يحتمل أن يكون الجار أو الشريك فاسقا يتأذى به، وفي استعمال الحيلة تحصيل الخلاص من مثله. قوله: (بالثمن إلا درهما والباقي بالباقي)، وفي الإيضاح: لو خاف المشتري أن لا يبيع الباقي بالباقي فالحيلة أن يشتري العشر بتسعة الأعشار من الثمن بالخيار إلى ثلاثة أيام، حتى لو لم يبع الباقي بالباقي ينقض البيع، ولو أن البائع خاف أن لو باع الباقي بالباقي لما أخذ العشر بتسعة الأعشار، ويفسخ البيع الأول، فالحيلة أن يبيع الباقي بالخيار لنفسه إلى ثلاثة أيام، ثم يخبر أن البيع معًا، ولو خاف كل واحد أن لو أجاز لم يُجز صاحبه، فالحيلة في ذلك أن يوكل به واحد منهما وكيلا بإجازة البيع، ويشترط على الوكيل أن يخبر، إن أجاز صاحبه، ولا يخبر إن لم يجز صاحبه. قوله: (وهذه) أي: هذه المسألة وهي إن ابتاعها بثمن، ثم دفع إليه ثوبا عن الثمن (حيلة أخرى تعم الجوار والشركة)، يعني تصلح لهما، أما المسألة الأولى

стр. 6431

إِلَّا أَنَّهُ لَوْ اسْتَحَقَّتْ المَشْفُوعَةُ يَبْقَى كُلُّ الثَّمَنِ عَلَى مُشْتَرِي الثَّوْبِ لِقِيَامِ البَيْعِ الثَّانِي فَيَتَضَرَّرَ بِهِ، وَالْأَوْجَهُ أَنْ يُبَاعَ بِالدَّرَاهِمِ الثَّمَنُ دِينَارٌ حَتَّى إِذَا اسْتَحَقَّ المَشْفُوعُ يَبْطُلُ الصَّرْفُ فَيَجِبَ رَدُّ الدِّينَارُ لَا غَيْرُ. قَالَ: (وَلَا تُكْرَهُ الحِيلَةُ فِي إِسْقَاطِ الشَّفْعَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَتُكْرَهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) (*) لِأَنَّ الشَّفْعَةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، وَلَوْ أَبَحْنَا لدفع الجوار لا للشريك. وقوله: (إلا أنه إذا استحقه) إلى آخره استثناء عن قوله: (يعم الجوار والشركة) لكن فيه ضرر على البائع على تقدير ظهور الاستحقاق يبقى كل الثمن على البائع؛ لأنه اشترى الثوب، والمشتري يرجع بكل الثمن بالثوب المشترى. قوله: (والأوجه أن يباع) إلى آخره، حتى لا يتضرر بائع الدار. وفي فتاوى قاضي خان: بيان ذلك أن يبيع الدار بعشرين ألفا إذا أراد أن يبيع بعشرة آلاف درهم، ثم يقبض تسعة آلاف درهم وخمسمائة، ويقبض بالباقي عشرة دنانير أو أقل أو أكثر، فلو أراد الشفيع أن يأخذها بعشرين ألفًا ولو استحقت لا يرجع المشتري بعشرين ألفًا، بل يرجع بما أعطاه؛ لأنه إذا استحقت الدار ظهر أنه لم يكن عليه ثمن الدار فيبطل الصرف، كما لو باع الدينار بالدراهم التي للمشتري على البائع، ثم تصادقا أنه لم يكن عليه دين، فإنه يبطل الصرف. ومن الحيلة أن يعقد البيع بثمن مجهول المقدار كحفنة قراضة، أو جوهرة معينة، أو سلعة معينة غير موصوفة، أو بمائة درهم وكَفَّ من الفلوس لا يعرف قدره. قوله: (وتكره (١) الحيلة) إلى آخره، اعلم أن الحيلة بعد ثبوت الشفعة في إسقاطها مكروه بالإجماع، وذلك أن يقول المشتري: أنا أبيعها منك بما

стр. 6432

الحِيلَةَ مَا دَفَعْنَاهُ. وَلِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ مَنَعَ عَنْ إِثْبَاتِ الحَقِّ فَلَا يُعَدُّ ضَرَرًا، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ الحِيلَةُ فِي إِسْقَاطِ الزَّكَاةِ. أخذت فيقول الشفيع: نعم، أو يقول: اشتريت أو يصالحه بمال، ثم يرد المال بعد الصلح. وفي الحيلة في منع ثبوتها اختلف المشايخ، فقال بعضهم على قول أبي يوسف: لا تكره، وهذا القائل قاس فصل الشفعة على فصل الزكاة. وبقول محمد قال الشافعي، وعند أحمد بالحيلة لا تسقط شفعته، وفي صورة الموهوب أو بجهالة الثمن يأخذ بثمن المثل؛ لقوله ﷺ : «لَا تَحِلُّ الخَديعَةُ» (١) ولأن الشفعة شرعت لدفع الضرر، وسقوطها بالحيلة يوجب الضرر، فلا تسقط. وقلنا: في الحيلة دفع الضرر عن نفسه مشروع بالآية والحديث، وإن كان الغير يتضرر به في ضمنه، فكيف إذا لم يتضرر؟ وبعض مشايخنا قالوا: لا تكره الحيلة في منع وجوبها لهما: الخلاف بين أبي يوسف ومحمد في الزكاة، وذلك بأن يستبدل نصاب السائمة بغيرها في آخر الحول، فرارا من الزكاة. وفي مبسوط شمس الأئمة: الاشتغال بالحيلة قبل وجوب الشفعة لا بأس به، وكذا بعد وجوب الشفعة إذا لم يكن [قصد] (٢) المشتري الإضرار بالشفيع، وإنما قصده الدوم على ملك نفسه، ثم قال: وقيل: هذا على قول أبي يوسف، أما عند محمد يكره ذلك على قياس اختلافهم في الاحتيال لإسقاط الاستبراء ولمنع وجوب الزكاة.

стр. 6433

مَسَائِلُ مُتَفَرِّقَةٌ قَالَ: (وَإِذَا اشْتَرَى خَمْسَةُ نَفَرٍ دَارًا مِنْ رَجُلٍ، فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَ أَحَدِهِمْ، وَإِنْ اشْتَرَاهَا رَجُلٌ، مِنْ خَمْسَةِ، أَخَذَهَا كُلَّهَا أَوْ تَرَكَهَا) وَالفَرْقُ، أَنَّ فِي الوَجْهِ الثَّانِي بِأَخْذِ البَعْضِ تَتَفَرَّقُ الصَّفْقَةُ عَلَى المُشْتَرِي، فَيَتَضَرَّرَ بِهِ زِيَادَةَ الضَّرَرِ، وَفِي الوَجْهِ الأَوَّلِ، يَقُومُ الشَّفِيعُ مَقَامَ أَحَدِهِمْ فَلَا تَتَفَرَّقُ الصَّفْقَةُ، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا مَسَائِلُ مُتَفَرِّقَةٌ آخر المسائل المتفرقة كما هو دأب المصنفين. قوله: (إذا اشترى خمسة نفر) إلى آخره لم يذكر محمد في الجامع الصغير من مسائل الشفعة إلا هذه. قوله: (أخذها كلها أو تركها) وبه قال مالك، والقاضي الحنبلي، والشافعي في وجه. وقال الشافعي في الأصح: له أن يأخذ حصة أحدهم، وبه قال أحمد كما في الفصل الأول، ولا خلاف في الفصل الأول. للشافعي: أن تعدد البائع يوجب تعدد العقد كتعدد المشتري، ولنا أن المشتري ملك الكل بصفقة واحدة، ففي التفريق إضرار به زيادة الضرر، وهو ضرر الشركة، والشركة عيب؛ فيتضرر به زيادة ضرر غير الآخذ بالشفعة بخلاف الأولى؛ لأن الصفقة متفرقة، وضرر الشركة حصل بذلك. قوله: (ولا فرق في هذا) أي: في أخذ الشفيع نصيب أحد المشتَرِيَيْنِ، وبين ما إذا كان قبل قبض المشتري الدار وبعده، وهو الصحيح، وهذا احتراز عما روى القدوري عن أصحابنا، والحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أن المشتري إذا كان اثنين لم يكن للشفيع أن يأخذ نصيب أحدهما قبل القبض؛ لأن التملك وقع على البائع فتفرق عليه الصفقة فيتضرر البائع. أما بعد القبض التملك يقع على المشتري، وقد أخذ منه جميع الدار، ولكنا نقول: قبل القبض أخذ نصيب أحدهم إذا نقد ما عليه ما لم ينقد الآخر حصته؛ كيلا يؤدي إلى تفريق اليد على البائع بمنزلة أحد المُشتَرِيَيْنِ، يعني إذا نقد أحدهما الثمن لا يقدر على قبض نصيبه حتى يؤدي المشترون كلهم جميع ما

стр. 6434

بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ قَبْلَ القَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ، هُوَ الصَّحِيحُ، إِلَّا أَنَّ قَبْلَ القَبْضِ لَا يُمْكِنُهُ أَخْذُ نَصِيبٍ أَحَدِهِمْ إِذَا نَقَدَ مَا عَلَيْهِ مَا لَمْ يَنْقُدْ الْآخَرُ حِصَّتَهُ، كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إِلَى تَفْرِيقِ اليَدِ عَلَى البَائِعِ بِمَنْزِلَةِ أَحَدِ المُشْتَرِيَيْنِ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ القَبْضِ، لِأَنَّهُ سَقَطَتْ يَدُ البَائِعِ، وَسَوَاءٌ سَمَّى لِكُلِّ بَعْضٍ ثَمَنًا أَوْ كَانَ الثَّمَنُ جُمْلَةٌ، لِأَنَّ العِبْرَةَ فِي هَذَا لِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ لَا لِلثَّمَنِ، عليهم من الثمن، وكذا الشفيع إذا أخذ نصيب أحد المُشتَرِيَيْنِ فليس له أن يأخذ نصيبه إذا نقد ما عليه حتى يؤدي الباقون كلهم ما عليهم من الثمن؛ لئلا يلزم تفريق اليد على البائع. قوله: (لأن العبرة في هذا لتفريق الصفقة لا للثمن) بأن كان المشتري واحدًا، أو البائع اثنين فللشفيع أن يأخذ نصيب أحد البائعين. وفي الكافي: ومسألة الكتاب فيما إذا كان الثمن منقودًا أو معنى قوله: (يأخذ نصيب أحدهم) بتملكه بالشفعة، وما لم يكن الثمن منقودًا لا يكون له ولاية الأخذ. وذكر في الذخيرة: ولو كان البائع اثنين، واشترى نصيب كل واحد منهما نصفه على حدة، للشفيع أن يأخذ نصيب أحدهما، وإن كان يلحق المشتري ضرر الشركة؛ لأنه رضي بهذا العيب، حيث اشترى نصيب كل واحد بصفقة على حدة. ثم ذكر التمرتاشي محالاً إلى الجامع: في اتحاد الصفقة أن يتحد العاقد، والعقد والثمن متحدان، بأن قال البائع للمشتريين: بعتُ مِنكُما، أو قال البائعان: بعتُ منكما، تتحد الصفقة؛ لأن ما يوجب الاتحاد راجح، وهو العقد والثمن، وكذا لو تعدد الثمن والعقد والعاقد واحد بأن قال: بعت هذا بكذا، وهذا بكذا، أو قال المشتري ذلك. أما لو تفرق الثلاثة تفرق الصفقة، وكذا لو تفرق العقد واتحد العاقد، أما لو اتحد العقد، وتفرق العاقد والثمن. قيل: في موضع تتفرق الصفقة؛ لرجحان جنبة التفرق، وفي موضع لا تتفرق، قيل الأول قياس وهو قولهما، والثاني استحسان وهو قول أبي حنيفة.

стр. 6435

وَهَاهُنَا تَفْرِيعَاتٌ ذَكَرْنَاهَا فِي «كِفَايَةِ المُنتهي». قَالَ: (وَمَنْ اشْتَرَى نِصْفَ دَارٍ غَيْرَ مَقْسُومٍ، فَقَاسَمَهُ البَائِعُ، أَخَذَ الشَّفِيعُ النِّصْفَ الَّذِي صَارَ لِلْمُشْتَرِي أَوْ يَدَعُ) لِأَنَّ القِسْمَةَ مِنْ تَمَامِ القَبْضِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْمِيلِ الانْتِفَاعِ، وَلِهَذَا يَتِمُّ القَبْضُ بِالقِسْمَةِ فِي الهِبَةِ، وَالشَّفِيعُ لَا يَنْقُضُ القَبْضَ وَإِنْ كَانَ لَهُ نَفْعٌ فِيهِ بِعَوْدِ العُهْدَةِ عَلَى البَائِعِ، فَكَذَا لَا يُنْقَضُ مَا هُوَ مِنْ تَمَامِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ مِنَ الدَّارِ المُشْتَرِكَةِ، وَقَاسَمَ المُشْتَرِيَ الَّذِي لَمْ يَبْعْ حَيْثُ يَكُونُ لِلشَّفِيعِ نَقْضُهُ، لِأَنَّ العَقْدَ مَا [قوله] (١) (وهاهنا تفريعات) إلى آخره، ومن التفريعات ما ذكره في الذخيرة في هذه المسألة: يجب أن يعلم أن الروايات اتفقت عن أصحابنا أن المشتري إذا كان [واحدا] (٢) والبائع واحدًا، واشترى بصفقة واحدة ليس للشفيع أن يأخذ البعض دفعا للضرر عن المشتري، يعني ضرر عيب الشركة. ثم ذكر مسألة الجامع الصغير التي ذكرناها أن المشترين إذا كانوا جماعة له أن يأخذ نصيب أحدهم، بخلاف ما إذا كان البائع جماعة، حيث لا يكون له أن يأخذ نصيب أحدهم. ثم ذكر رواية القدوري كما ذكرنا، وكذا لو كان الشراء بوكالة رجل رجلين فاشتريا كان له أن يأخذ نصيب أحدهما، وإن [كان] (٣) الموكل رجلين، والوكيل واحد لم يكن له أن يأخذ نصيب أحد الموكلين. قوله: (أخذ الشفيع الذي صار للمشتري أو يدع)، يعني ليس له أن ينقض ويقول للمشتري: ادفعه للبائع حتى آخذ منه؛ لأن القسمة في غير المكيل والموزون [إقرار] (٤)، وقبض لعين الحق من وجه (٥)، ومبادلة من وجه، والشفيع يملك نقض المبادلة التي يحدثها المشتري، ولا يملك نقض القبض، ولهذا ليس له أن ينقض قبض المشتري ليعيد العهدة على البائع؛ لأن القبض بجهة البيع له

стр. 6436

وَقَعَ مَعَ الَّذِي قَاسَمَ، فَلَمْ تَكُنْ القِسْمَةُ مِنْ تَمَامِ القَبْضِ الَّذِي هُوَ حُكْمُ العَقْدِ، بَلْ هُوَ تَصَرُّفٌ بِحُكْمِ المِلْكِ، فَيَنْقُضَهُ الشَّفِيعُ كَمَا يَنْقُضُ بَيْعَهُ وَهِبَتَهُ، ثُمَّ إِطْلَاقُ الجَوَابِ فِي الكِتَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ النِّصْفَ الَّذِي صَارَ لِلْمُشْتَرِي فِي أَيِّ جَانِبِ كَانَ وَهُوَ المَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، لِأَنَّ المُشْتَرِيَ لَا يَمْلِكُ إِبْطَالَ حَقِّهِ بِالقِسْمَةِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ إِنَّمَا يَأْخُذُهُ إِذَا وَقَعَ فِي جَانِبِ الدَّارِ الَّتِي يُشْفَعُ بِهَا، لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى جَارًا فِيمَا يَقَعُ فِي الجَانِبِ الآخَرِ. حكم البيع، وكما لا يملك نقض البيع الأول لا يملك نقض القبض الموجود بجهة البيع، فلما كانت القسمة مبادلة من وجه قبضًا من وجه، فمن حيث إنها قبض يملك الشفيع نقضها، ومن حيث إنها مبادلة بملك فلا يملك نقضها بالشك، كذا في قاضي خان. وفي الذخيرة: تصرفات المشتري [في] (١) الدار المشفوعة صحيحة إلى أن يحكم بالشفعة؛ لأن التصرف يعتمد الملك، والملك له، وللشفيع حق الأخذ، غير أن الشفيع ينقض كل تصرفه إلا القبض، وما كان من تمام القبض، والقسمة من تمام القبض سواء كانت بالقضاء أو بغيره؛ لما عرف أن قبض المشاع فيما يحتمل القسمة قبض ناقص، حتى لا تصح الهبة في المشاع، ولو قاسم وسلم جازت الهبة وقاسم المشتري، فالمشتري في محل الرفع بالفاعلية، والذي لم يبع في محل النصب بالمفعولية أي: قاسم المشتري الدار مع الشريك الذي للبائع ولم يبع. قوله: (ثم إطلاق الجواب في الكتاب) أي: الجامع وهو قوله: (أخذ الشفيع النصف الذي صار للمشتري). قوله: (لا يملك إبطال حقه) أي: حق الشفيع بالقسمة؛ لأنها تصرف من المشتري فلا يبطل به حق الشفعة. قوله: (وعن أبي حنيفة) إلى آخره، ذكره القدوري في شرحه؛ لأنه إذا وقع في غير جانبها، وليس له نقض القسمة لا يكون جارا فلا يستحق الشفعة.

стр. 6437

قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ دَارًا وَلَهُ عَبْدٌ مَأذُونٌ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَهُ الشَّفْعَةُ، وَكَذَا إِذَا كَانَ العَبْدُ هُوَ البَائِعُ، فَلِمَوْلَاهُ الشَّفْعَةُ) لِأَنَّ الأَخْذَ بِالشَّفْعَةِ تَمَلُّكُ بِالثَّمَنِ فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الشَّرَاءِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ مُفِيدٌ، لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ لِلْغُرَمَاءِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، لِأَنَّهُ يَبِيعُهُ لِمَوْلَاهُ، وَلَا شُفْعَةَ لِمَنْ يَبِيعُ لَهُ. قَالَ: (وَتَسْلِيمُ الأَبِ وَالوَصِيِّ الشَّفْعَةَ عَلَى الصَّغِيرِ قوله: (وله عبد مأذون مديون وهو الشفيع فله الشفعة) أي: فللعبد المأذون المديون، وكذا إذا كان البائع العبد والمولى الشفيع (فله) أي: للمولى (الشفعة). (فترك) أي: الأخذ بالشفعة (بمنزلة الشراء)، ولو اشترى أحدهما من آخر يجوز؛ لأنه يفيد ملك اليد، فكذا الأخذ بالشفعة. وعند الأئمة الثلاثة: لا شفعة له؛ لأنه بائع أو مشتر لمولاه كما لم يكن عليه دين. قوله: (وتسليم الأب والوصي الشفعة على الصغير) (١)، اعلم أن الشفعة تثبت للصغير عند أكثر أهل العلم، وقال ابن أبي ليلى: لا شفعة للصغير. قال النخعي، والحارث العكلي: لأن الصبي لا يمكنه الأخذ، ولا يمكن انتظاره حتى يبلغ؛ لما فيه من الإضرار بالمشتري، ولا يمكن وليه الأخذ؛ لأن من لا يملك العفو لا يملك الأخذ. وللعامة عموم الأحاديث، ولأنه خيار يثبت لإزالة الضرر، فيثبت للصغير كخيار العيب، وقولهم: لا يملك العفو ولا يملك الأخذ منقوض بخيار العيب، فإنه يملك الأخذ ولا يملك العفو، ولأن في العفو تضييع لا في الأخذ، وولاية الولي نظرية مع أن عفوه جائز عند أبي حنيفة، وأبي يوسف. وما ذكروه من الضرر في الانتظار يشكل، بالغائب، ثم إذا ثبت الشفعة له يقوم في الأخذ والطلب من قام مقامه شرعًا كالأب، ثم وصيه، ثم الجد، ثم وصيه الذي نصبه القاضي، فإن لم يكن أخذ من هؤلاء فهو على شفعته إذا بلغ، وإذا ترك الطلب أخذ من هؤلاء بطلت شفعته، حتى لو بلغ لا يكون له الأخذ، أما إذا عفا هل تسقط شفعته، والنظر في الأخذ يسقط عند أبي حنيفة، وأبي يوسف.

стр. 6438

جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ: هُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ إِذَا بَلَغَ) قَالُوا: وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ إِذَا بَلَغَهُمَا شِرَاءُ دَارٍ بِجِوَارِ دَارِ الصَّبِيِّ فَلَمْ يَطْلُبَا الشَّفْعَةَ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ تَسْلِيمُ الوَكِيلِ بِطَلَبِ الشَّفْعَةِ فِي رِوَايَةِ كِتَابِ الوِكَالَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ: أَنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ لِلصَّغِيرِ، فَلَا يَمْلِكَانِ إِبْطَالَهُ كَدِيَتِهِ وَقَوْدِهِ، وقال محمد، وزفر والشافعي، ومالك، وأحمد في رواية لا يسقط إذا كان النظر في الأخذ ولا يسقط، وعن أحمد في ظاهر مذهبه أنه لا يسقط سواء ترك مع النظر أو عدمه أو عفا؛ لأنه حق ثابت له فيملك أخذه، ولا يسقط بإسقاط غيره. قوله: (وعلى هذا الخلاف تسليم الوكيل بطلب الشفعة) والباقي قوله: (بطلت) يتعلق بالوكيل لا بالتسليم. في المبسوط: إذا وكل وكيلا بطلب الشفعة فسلم الوكيل الشفعة، أو أقر بأن موكله قد سلم (١)، فعند أبي حنيفة يصحان في مجلس القاضي، وعند أبي يوسف في المجلس وغيره آخرًا، وكان يقول أولا: لا يصحان في المجلس وغيره، ثم رجع وقال: يصحان فيهما، ومحمد مع أبي حنيفة في إقراره في مجلس القاضي إذا سلم بنفسه، فعند محمد، وزفر، والشافعي: لا يصح؛ لأن ذلك ضد ما فوض إليه؛ لأنه أمر باستيفاء الحق لا بإسقاطه. قوله: (لمحمد وزفر أنه): أي: حق الشفعة أو طلبها (حق ثابت للصغير، فلا يملكان) أي: الأب والوصي إبطاله كدينه بالنون، وفي بعض النسخ (كديته) بالتاء المنقوطة من فوقها باثنتين بدلالة قوله: (وقوده)، ولكن الأولى في النسخ الأول، لأنه أعم وأوفق لرواية المبسوط، فإنه علل فيه وقال: لا تثبت الولاية لهما في إسقاطه كإبراء الدين والعفو عن القصاص الواجب له وإعتاق عبده، وهذا لأن ولايتهما نظرية، وفي إسقاط حقه ليس معنى النظر بل فيه إضرار فلا يملكانه.

стр. 6439

وَلِأَنَّهُ شُرِعَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ فَكَانَ إِبْطَالُهُ إِضْرَارًا بِهِ، وَلَهُمَا، أَنَّهُ فِي مَعْنَى التِّجَارَةِ فَيَمْلِكَانِ تَرْكَهُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَوْجَبَ بَيْعًا لِلصَّبِيِّ صَحَّ رَدُّهُ مِنْ الأَبِ وَالوَصِيِّ، وَلِأَنَّهُ دَائِرٌ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ، وَقَدْ يَكُونُ النَّظَرُ فِي تَرْكِهِ، لِيَبْقَى الثَّمَنُ عَلَى مِلْكِهِ، وَالوِلَايَةُ نَظَرِيَّةٌ فَيَمْلِكَانِهِ وَسُكُوتُهُمَا كَإِبْطَالِهِمَا، لِكَوْنِهِ دَلِيلَ الإِعْرَاضِ، وَهَذَا إِذَا بِيعَتْ بِمِثْلِ قِيمَتِهَا، فَإِنْ بِيعَتْ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ، قِيلَ: جَازَ التَّسْلِيمُ بِالإِجْمَاعِ، لِأَنَّهُ تَمَحَضَ نَظَرًا وَقِيلَ. لَا يَصِحُ بِالاتِّفَاقِ … ... … ... (ولهما أنه) أي: الأخذ بالشفعة (في معنى التجارة) لأنه تملك العين بالثمن، وهو عين الشراء، فيصح تركه ممن يملك التجارة، كما لو قال رجل: بعت هذا العبد لفلان الصبي بكذا يرده الأب أو القاضي، ولأن هذا التصرف دائر بين الضرر والنفع، فهو إسقاط بعوض بعدله، فلا يعد ذلك ضررا كبيع ماله، بخلاف الإبراء والعفو عن القود والإعتاق؛ لأنه لا عوض هناك يعادله فلا يملكانه. قوله: (جاز التسليم بالإجماع) أي: بلا خلاف محمد وزفر والشافعي؛ لتمحضه نظرا للصبي. وقيل: (لا يصح التسليم بالاتفاق) إلى آخر ما ذكر في المتن. وفي الكافي: وهو الأصح، وهكذا ذكره في المبسوط؛ لأنه إذا لم يملك الأخذ لا يملك التسليم، فبقي الصبي على حقه إذا بلغ وصار الولي كالأجنبي. قوله: (لا يصح) عند أبي حنيفة، وذكر في الحصر والمختلف في هذه المسألة، فعن أبي حنيفة يجوز أيضًا؛ لأنه امتناع عن إدخاله في ملكه لا إزالة عن ملكه، فلم يكن تبرعًا، فهذا مخالف لرواية الهداية، وإنما خص قول أبي حنيفة مع أن قول محمد، وزفر، والشافعي كذلك؛ لأن الشبهة ترد على قوله: فإن تسليم الأب والقاضي فيجوز عنده إذا بيعت بمثل قيمتها، فينبغي أن يجوز بأقل؛ لما أن هذا البيع وإن كان بالمحاباة الكثيرة لا يخرج عن معنى التجارة. ولهما ولاية الامتناع عن التجارة في ماله لكن قال: لا يصح فيما يروى عن أبي حنيفة؛ لأن تصرفهما في ماله يدور مع الوجه الأحسن، فلما تعينت جهة

стр. 6440

لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الأَخْذَ فَلَا يَمْلِكُ التَّسْلِيمَ كَالأَجْنَبِيِّ، وَإِنْ بِيعَتْ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا مُحَابَاةٌ كَثِيرَةٌ، فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّسْلِيمُ مِنْهُمَا أَيْضًا، وَلَا رِوَايَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الأحسن في هذا البيع في الأخذ فكان في التسليم قربان ماله بغير الأحسن، وفيه نوع تأمل. ولهذا المعنى خص قول أبي يوسف بقوله: (ولا رواية عن أبي يوسف)، وإن كان مع أبي حنيفة في صحة التسليم فيما إذا بيعت بمثل قيمتها. وفي الذخيرة، والمغني: ولو اشترى تراب دار للصغير والأب شفيعها يأخذها بالشفعة عندنا إذا لم يكن بالأخذ ضرر للصغير، وبه قال الشافعي، وأحمد، وينبغي أن يقول: اشتريت للصبي وأخذت بالشفعة؛ لأن شراء ماله لنفسه جائز، وكذا بالشفعة. ولو كان مكان الأب الوصي فإن كان في الأخذ للصغير منفعة بأن اشتراه بغبن يسير للوصي أن يأخذها على قياس قول أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف كما في شراء الوصي مال الصغير لنفسه، وللشافعي فيه وجهان في وجه الأخذ، وفي وجه لا، وبه قال أحمد للتهمة. أما إذا لم يكن للصغير في الأخذ منفعة يجوز أخذه بالإجماع، ولو كان الصبي شفيع دار اشتراها الوصي لنفسه لا يشهد ولا يطلب الشفعة للتهمة، فإذا بلغ يأخذها إن شاء. أما الأب لو اشترى دارًا لنفسه والصبي شفيعها، فلم يطلبها الأب للصغير لا تبطل شفعته حتى إذا بلغ كان له الأخذ؛ لأن الأب لا يتمكن من الأخذ؛ لأنه مانع، وسكوته لا يكون مبطلا. أما الوصي لو باع دارًا لنفسه، أو اشترى لنفسه، والصبي شفيعها، فسكوته لا يبطل شفعته، حتى إذا بلغ له الأخذ. وفي الجامع الأصغر: لو باع الوصي دارًا ليتيم والوصي شفيعها، فلا شفعة له إلا إذا باعها وكيل القاضي أو القاضي للوصي الشفعة، وبه قال الشافعي، وأحمد. والله أعلم.

стр. 6441

كِتَابُ القِسْمَةِ قال: القِسْمَةُ فِي الأَعْيَانِ المُشْتَرَكَةِ مَشْرُوعَةٌ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ بَاشَرَهَا فِي المَغَانِمِ وَالمَوَارِيثِ، وَجَرَى التَّوَارُثُ بِهَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرِ، كِتَابُ الْقِسْمَةِ قيل: إيراد القسمة عقيب الشفعة باعتبار أن كل واحد من نتائج النصيب الشائع، إذ أقوى أسباب الشفعة الشركة، أو باعتبار أن القسمة نافية للشفعة، وقاطعة لوجوبها رجوعا إلى قوله ﷺ : «الشفعة فيما لا يُقسَمُ فإذا وَقعَتِ الحدود وصُرِفَتِ الطّرقُ فَلَا شُفَعَةَ» (١) والنفي يقتضي سبق الثبوت، مع أن المثبت مقدم على النافي، ثم من محاسن القسمة الخلاص من مصاحبة شريك له سوء خلق، إذ مع صحبته لا تنتظم أمور الدين (٢) والدنيا، وقد يكون كمال انتفاعه بملكه في القسمة، وهو الأغلب فحسن شرع القسمة. ثم القسمة لغة: اسم من الاقتسام كالقدوة للاقتداء، والأسوة للائتساء. وشرعا: ما ذكر في الإيضاح بأنها جمع النصيب الشائع في مكان معين. وسببها: طلب الشريك الانتفاع بملكه على وجه الخصوص، ولهذا لو طلبها يجب على القاضي إجابته على ذلك، ذكره في المبسوط. وركنها: الفعل يقع بها للإفراز كالكيل، والوزن، والعد، والذرع، والكيلي، والوزني، والعددي، والذرعي. وشرطها: أن لا يفوت منفعته بالقسمة.

стр. 6442

ثُمَّ هِيَ لَا تَعْرَى عَنْ مَعْنَى المُبَادَلَةِ، لِأَنَّ مَا يَجْتَمِعُ لِأَحَدِهِمَا بَعْضُهُ كَانَ لَهُ، وَبَعْضُهُ كَانَ لِصَاحِبِهِ، فَهُوَ يَأْخُذُهُ عِوَضًا عَمَّا بَقِيَ مِنْ حَقِّهِ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ، فَكَانَ مُبَادَلَةٌ وَإِفْرَازًا، وَالإِفْرَازُ هُوَ الظَّاهِرُ فِي المَكِيلَاتِ وَالمَوْزُونَاتِ لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ، حَتَّى كَانَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ حَالَ غَيْبَةِ صَاحِبِهِ، وَلَوْ اشْتَرَيَاهُ فَاقْتَسَمَاهُ يَبِيعُ أَحَدُهُمَا وعن هذا قال في المبسوط: لا يقسم الحمام والحائط وما أشبه ذلك بين الشركاء؛ لما فيها من الضرر، والمقصود من القسمة توفير المنفعة، فإذا فات منفعته بالقسمة، فيكون ذلك تبديلا لا إفرازا (١). وشرعيتها بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر: ٢٨] أي: لكل شرب محتضر (٢)، وقوله تعالى: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥]، في قصة ناقة صالح، وشريعة من قبلنا تلزمنا إذا لم يكن فيه نكير، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٨] الآية. وأما السنة: فما روي أنه ﷺ باشرها في الغنائم والمواريث، وقال: «أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٌّ حَقَّهُ» (٣)، وكان يقسم بين نسائه، وهذا مشهور، وأجمعت الأمة على مشروعيتها. قوله: (ثم هي) أي: (القسمة لا تعرى عن معنى المبادلة)، والإفراز في المثلي وغيره؛ لأنه ما من جزء معين إلا وهو مشتمل على النصيبين، وكان ما يأخذ كل واحد منهما نصفه ملكه لم يستفده من صاحبه، فكان إفرازا، والنصف الآخر كان لصاحبه فصار له عوضًا عما في يد صاحبه، فكان مبادلة إلا أن الأظهر معنى الإفراز والتمييز في المثلي.

стр. 6443

نَصِيبَهُ مُرَابَحَةٌ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَمَعْنَى المُبَادَلَةِ هُوَ الظَّاهِرُ فِي الحَيَوَانَاتِ وَالعُرُوضِ لِلتَّفَاوُتِ، حَتَّى لَا يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا أَخْذُ نَصِيبِهِ عِنْدَ غَيْبَةِ الْآخَرِ. وَلَوْ اشْتَرَيَاهُ فَاقْتَسَمَاهُ لَا يَبِيعُ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مُرَابَحَةٌ بَعْدَ القِسْمَةِ، إِلَّا أَنَّهَا … ... … . (ومعنى المبادلة في الحيوانات) أي: في غير ذوات الأمثال، وبه صرح في المغني وغيره حيث قال: القسمة في غير ذوات الأمثال معنى المبادلة فيها راجح؛ لأنها إفراز حكما من وجه، ومن حيث الحقيقة مبادلة وهو ظاهر. وأما من حيث الحكم ما يأخذ كل واحد مثل لما ترك على صاحبه باعتبار القيمة، وأخذ القيمة كأخذ العين حكمًا فكان إفرازًا من هذه الجهة. وقوله: (إلا أنها) إلى آخره، جواب سؤال يرد على قوله: (معنى المبادلة هو الظاهر) بأن يقال لو كان الرجحان للمبالغة ينبغي للقاضي أن لا يجبر الآبي على القسمة في غير ذوات الأمثال، كما لا يجبر على بيع ماله فقال: إنما يجبر لدفع الضرر عن غيره، كالغريم يحبس حتى يبيع ماله ليقضي الدين. وبهذا السؤال والجواب صرح في المغني حيث قال، فإن قيل: لو كان الرجحان لجهة المبايعة ينبغي أن لا يجبر عليها، وبالإجماع يجبر، وكذا لا يثبت حكم المغرور فيها حتى لو بنى أحدهما في نصيبه بعد القسمة ثم استحق نصيبه ونقض بناءه لا يرجع على صاحبه بقيمة البناء، وفي المبايعة يرجع المشتري. قلنا: الجبر لحق مستحق للغير كما أن المشتري يجبر على الدفع على تسليم الدار إلى الشفيع، والمديون يحبس حتى يبيع ماله ويقضي الدين، فالجبر لحق الغير لا ينفي كونها مبايعة، وإنما لا يثبت حكم الغرور؛ لأن كل واحد منهما مضطر في هذه المبايعة لتخليص حقه، ومنع صاحبه عن الارتفاق بملكه، ولا يمكنه ذلك إلا بهذه المبايعة، فيكون مضطرًا فيها لإحياء حقه، والجبر كما يثبت بالإكراه يثبت بالحاجة إلى إحياء الحق كصاحب العلو (١) إذا بنى السفل، وإذا كان يجبر على هذه المبايعة لا يثبت حكم الغرور كالشفيع إذا أخذ الدار من المشتري بالقضاء.

стр. 6444

إِذَا كَانَتْ مِنْ جِنْسِ وَاحِدٍ أَجْبَرَ القَاضِي عَلَى القِسْمَةِ عِنْدَ طَلَبِ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ، لِأَنَّ قوله: (وإن كانت) أي: الأعيان المشتركة أجناسًا مختلفة، لا يجبر القاضي على قسمتها. والحاصل: أن الأعيان المشتركة لا تخلو إما أن كانت من جنس واحد [أو أجناس مختلفة، فإن كانت من جنس واحد] (١) فلا يخلو إما أن كانت مما يجرى فيه الربا كالمكيل، والموزون أو لا يجري كالحيوان، فالقاضي يجبر عند طلب أحدهما في هذين الوجهين بعد أن كانا من جنس واحد؛ لأن الآبِي مُتَعنِّتُ؛ لأن المشاع ناقص المنفعة، والمقسوم وافر المنفعة، هذا إذا كانت المنفعة بعد القسمة تبقى. أما إذا لم تبق بل يتضرر كل واحد لا يقسمه القاضي بغير التراضي كالحمام، والبيت الصغير، والحائط، وما أشبه ذلك مما يحتاج إلى الشق والقطع، وبه قالت الأئمة الثلاثة. وعند التراضي روايتان في رواية: لا بأس للقاضي أن يشق بإذنهما، وفي رواية: لا يلي ذلك بنفسه بل يفوض إليهما. والأصل: أن التراضي في القسمة على الضرر جائز، والتراضي على الربا لا يجوز، كما في بيع الربا حتى لو كان كُرَّ بُرّ بينهما ثلاثون مختوما منها رديئة قيمتها عشرة دراهم، وعشرة مخاتيم جيدة قيمتها عشرة، فتراضيا على أن يكون الثلاثون الرديئة لأحدهما، والعشرة الجيدة لآخر لا يجوز؛ لأنه ربا؛ لأن لمن قبض الثلاثين له في جملة الكُرّ عشرون مختوما، وقد قبض زيادة عشر بإزاء الجودة في العشرة، فيكون ربا، وإن تراضيا عليه؛ لأن في الكيلي والوزني عند ملاقاة جنسه لا عبرة للصفة والقيمة. وأما إذا كانت الأعيان المشتركة من أجناس مختلفة، وطلب أحدهما فلا يقسمها بغير التراضي؛ لأن القسمة في مختلفة الجنس مبادلة كالتجارة، والتراضي في التجارة شرط بالنص كذا في شرح الطحاوي.

стр. 6445

فِيهِ مَعْنَى الإِفْرَازِ لِتَقَارُبِ المَقَاصِدِ، وَالمُبَادَلَةُ مِمَّا يَجْرِي فِيهِ الجَبْرُ كَمَا فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَهَذَا لِأَنَّ أَحَدَهُمْ بِطَلَبِ القِسْمَةِ يَسْأَلُ القَاضِيَ أَنْ يَخُصَّهُ بِالِانْتِفَاعِ بِنَصِيبِهِ وَيَمْنَعَ الغَيْرَ عَنْ الانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ، فَيَجِبُ عَلَى القَاضِي إِجَابَتُهُ وَإِنْ كَانَتْ أَجْنَاسًا مُخْتَلِفَةٌ لَا يُجْبِرُ القَاضِي عَلَى قِسْمَتِهَا لِتَعَذُّرِ المُعَادَلَةِ بِاعْتِبَارِ فُحْشِ التَّفَاوُتِ فِي المَقَاصِدِ، وَلَوْ تَرَاضَوْا عَلَيْهَا جَازَ لِأَنَّ الحَقَّ لَهُمْ. قَالَ: (وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُنَصِّبَ قَاسِمًا يَرْزُقُهُ مِنْ بَيْتِ المَالِ لِيَقْسِمَ بَيْنَ النَّاسِ بِغَيْرِ أَجْرٍ) لِأَنَّ القِسْمَةَ مِنْ جِنْسِ عَمَلِ القَضَاءِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَتِمُّ بِهِ قَطْعُ المُنَازَعَةِ فَأَشْبَهَ رِزْقَ القَاضِي، وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ نَصْبِ القَاسِمِ تَعُمُّ العَامَّةَ فَتَكُونَ كِفَايَتُهُ فِي مَالِهِمْ غُرْمًا بِالغُنْمِ، قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، نَصَّبَ قَاسِمًا يَقْسِمُ بِالْأَجْرِ) مَعْنَاهُ: بِأَجْرٍ عَلَى المُتَقَاسِمِينَ، لِأَنَّ النَّفْعَ لَهُمْ عَلَى الخُصُوصِ، وَبِقَدْرِ أَجْرِ مِثْلِهِ كَيْ لَا يَتَحَكَّمَ بِالزِّيَادَةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَرْزُقَهُ مِنْ بَيْتِ المَالِ، لِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِالنَّاسِ وَأَبْعَدُ عَنْ التَّهْمَةِ. وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا مَأْمُونًا عَالِمًا بِالقِسْمَةِ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ عَمَلِ القَضَاءِ، وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ القُدْرَةِ وَهِيَ بِالعِلْمِ، وَمِنْ الاعْتِمَادِ عَلَى قَوْلِهِ: وَهُوَ بِالأَمَانَةِ (وَلَا يُجْبِرُ القَاضِي النَّاسَ عَلَى قَاسِمٍ وَاحِدٍ) مَعْنَاهُ: لَا يُجْبِرُهُمْ عَلَى أَنْ يَسْتَأْجِرُوهُ، لِأَنَّهُ قوله: (أبعد عن التهمة) (١) أي: تهمة الميل إلى أحد المتقاسمين بسبب ما يعطيه بعض الشركاء. زيادة وفي أدب القاضي للصدر الشهيد: لا يجوز للقاضي أخذ الأجرة على القسمة، وأنها واجبة عليه، وللقاسم يجوز. وفي الذخيرة: يجوز للقاضي أخذ أجرة القسمة؛ لأن القسمة ليست بقضاء حقيقة حتى لا يجب على القاضي مباشرتها، وإنما الواجب عليه جبر الآبي على القسمة، إلا أن لها شبها بالقضاء من حيث إنها تستفاد بولاية القاضي حتى ملك جبر الآبي دون غيره، فمن هذا الوجه لا يستحب له أخذها، وبه قالت الأئمة الثلاثة، إذا لم يكن فللقاضي من بيت المال رزق.
следующие страницы →