بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ الْأُضْحِيَّةِ
قَالَ: (الأَضْحِيَّةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ حُرٌ مُسْلِمٍ مُقِيمٍ مُوسِرٍ فِي يَوْمِ الْأَضْحَى عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ وَلَدِهِ الصِّغَارِ) أَمَّا الوُجُوبُ فَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ وَالحَسَنِ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵏ وَعَنْهُ: أَنَّهَا سُنَّةٌ، ذَكَرَهُ فِي (الجَوَامِعِ) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ: أَنَّها عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَاجِبَةٌ،
كِتَابُ الْأُضْحِيَّةِ
أورد الأضحية بعد الذبائح؛ لما فيها من الذبح، إلا أن الذبح أعم من الأضحية، والخصوص يكون بعد العموم، كذا قيل.
ثم محاسن الأضحية ظاهرة؛ لما فيها من شكر نعمة المال، والإحسان بالإخوان، واتصال النفع بالفقراء، ولهذا قيل: ذبح الأضحية إظهار الصدق والمحبة؛ فإنه بدل ذبح النفس، كما في قصة إبراهيم ﵇.
[ثم كون] (١) الأضحية ملكا لنا بعد إراقة الدم، حتى حل لنا وللفقراء أكلها؛ مخصوص هذه الأمة مِنَّةً علينا، وقرابين سائر الأمم كانت تأكلها النار، ولا تنتفع بها الأخيار ولا الأشرار، والقُرَب المالية نوعان: تمليك كالصدقات، وإتلاف كالإعتاق، وفي الأضحية اجتمعا.
ثم الأضحية لغة: اسم لما يُذبح يوم الأضحى، وهو (أفعولَةٌ) كالأُرْوِيَّة، وهي الأنثى من الوعول، فكان فيها واو وياء، قلبوا الواو ياء، فأدغموها في الياء؛ لاجتماع الواو والياء مع سبق السكون، وكسروا الحاء لتسلم الياء، وتُجمع على أضاحي، بالتشديد على أفاعيل، كالأراوي في جمع الأُرْوِيَّة.
стр. 6582
وعلى قول أبي يوسف ومحمد سنة مؤكدة (*)، وهكذا ذكر بعض المشايخ الاختلاف.
وجه السنة قوله ﵊: «من أراد أن يضحي منكم فلا يأخذ من شعره وأظفاره شيئا» والتعليق بالإرادة ينافي الوجوب، ولأنها لو كانت واجبة على
قال الأصمعي: فيها أربع لغات: إضحية وأضحية (١)، وضحية على فعيلة، والجمع: ضحايا، كهدية وهدايا، وأضحاة، والجمع: أضحى، كأرطاة وأرطى. قال الفراء: الأضحى يذكر ويؤنث.
وشرعا: هي تضحية حيوان مخصوص بسن من الإبل والبقر والغنم والمعز، وهي الثني فصاعدا من الأنواع الأربعة.
وسببها يوم الأضحية. وشرائطها تذكر في أثناء المسائل.
وركنها؛ ما يجوز ذبحها بنية الأضحية في يوم الأضحية.
وثبتت شرعيتها بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ … وَانْحَرُ﴾ [الكوثر: ٢] قيل: هو التضحية؛ لما روي أنه ﵊ «ضحى بكبشين … » الحديث (٢)، وأجمع المسلمون على مشروعيته.
قوله: (وهكذا ذكر بعض المشايخ الاختلاف).
وفي الكافي: الأصح أنها واجبة عند أصحابنا، وبه قال مالك والليث وربيعة والثوري والأوزاعي.
وقال الشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد في رواية عنهما: إنها سنة، وبه قال أكثر أهل العلم.
لهم؛ قوله ﷺ : «من أراد أن يضحي منكم فلا يأخذ من شعره وأظفاره شيئا» (٣) والتعليق بالإرادة ينافي الوجوب، وقوله ﷺ : «ضحوا؛ فإنها سنة أبيكم
стр. 6583
المقيم لوجبت على المسافر، لأنهما لا يختلفان في الوظائف المالية كالزكاة وصار كالعتيرة.
ووجه الوجوب، قوله ﵊ «من وجد سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا» ومثل هذا الوعيد لا يلحق بترك غير الواجب، ولأنها قربة يضاف
إبراهيم» (١) وقوله ﵊: «ثلاث كتب علي ولم يكتب عليكم» وفي رواية: «وهن لكم تطوع: الوتر والأضحية وصلاة الضحى» (٢) وفي رواية: «وركعتا الفجر» (٣).
ولأنها لا تجب على المسافر فلا تجب على المقيم كالعتيرة، وهي شاة تذبح في الجاهلية في رجب، وتسمى رجبية، وهي لا تجب على المسافر، وكذا على المقيم بالإجماع، [فإنها كان] (٤) في بدء الإسلام ثم نسخ.
وفي الإيضاح: العتيرة: أول ولد الناقة، والشاة ذبح (٥) وتؤكل وتطعم، وذكر في الرجبية على وفق تفسير العتيرة في الكتاب، ثم قال: ثلاثة دماء كانت في الجاهلية: الرجبية والعتيرة والعقيقة نسختها الأضحية؛ لأنهما يستويان في ملك المال، وإنما يفترقان في البدني لا المالي؛ للحوق المشقة إلى المسافر في الأداء بالبدن.
وعن أبي بكر وعمر؛ [أنهما لا] (٦) يضحيان سنة أو سنتين؛ مخافة أن يراها الناس واجبة، ولأنها لو كانت واجبة لا يحل له الأكل منها، كما في جزاء الصيد وغيره، وللغني أيضا.
ولنا الحديث المذكور في المتن رواه أبو هريرة، وإلحاق هذا الوعيد لا
стр. 6584
إليها وقتها. يقال: يوم الأضحى، وذلك يؤذن بالوجوب، لأن الإضافة للاختصاص وهو بالوجود، والوجوب هو المفضي إلى الوجود ظاهرا
يكون إلا بترك الواجب، وقوله ﷺ : «من ضحى قبل الصلاة فليعد» (١) والأمر بالإعادة يفيد الوجوب، وعن مخنف بن سليم قال: إنه ﷺ قال: «يا أيها الناس، إن على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة (٢).
ونسخت العتيرة وبقيت الأضحية، وعن أم بلال الأسلمية قالت: قال رسول الله ﷺ : «ضحوا بالجذع من الضأن» (٣) وعن معاذ بن جبل قال: كان رسول الله ﷺ يأمر أن يضحى، ويأمر أن يطعم جاره» وعن الحسن البصري أنه «أمر بالأضحى».
فإن قيل: قال أحمد بن حنبل: حديث أبي هريرة منكر، وقال الدارقطني: قد روي موقوفا، والموقوف أصح من كونه منكرا.
قلنا: كونه موقوفا في رواية لا يمنع الاحتجاج به؛ لأن مثل هذا لا يقال عن رأي.
قال ابن حزم: حديث مخنف رواية مجهول، وحديث الحسن مرسل، ولحديث أبي هريرة راويان كلاهما مجهولان.
قلنا: جهالة الراوي لا تقدح في صحة الحديث، والمرسل حجة عندنا، خصوصا إذا أيد بحديث أو عمل الصحابة.
стр. 6585
بالنظر إلى الجنس، غير أن الأداء يختص بأسباب يشق على المسافر استحضارها ويفوت بمضي الوقت، فلا تجب عليه بمنزلة الجمعة، والمراد بالإرادة فيما روي - والله أعلم - ما هو ضد السهو لا التحيير
قوله: (بالنظر إلى الجنس) أي: جنس المكلفين؛ إذ جنسهم عادة لا يجتمعون على ترك الواجب. (والمراد بالإرادة هاهنا ما هو ضد السهو)، وهو القصد؛ لأنا أجمعنا على أنه غير مخير، فكان معنى قوله ﵊: من أراد التضحية (١) التي هي واجبة كقول القائل: من أراد منكم الجمعة فليغتسل.
وأما في قوله: «فإنها سنة أبيكم إبراهيم» (٢) أي: طريقته، لا تنفي الوجوب؛ بل قوله: «ضحوا» (٣) فإنه يفيد الوجوب، ولا حجة لكم في قوله: «كتب علي» (٤) لأنا نقول: إنها غير مكتوبة علينا، بل هي واجبة، حتى لا يكفر جاحده، والمراد بالمكتوبة: الفرض.
وتأويل حديث أبي بكر وعمر: أنهما لا يضحيان في حالة الإعسار؛ مخافة أن يراها الناس واجبة على المعسرين، أو في حال السفر، وأما إباحة التناول للمضحي والأغنياء؛ فبإذن من له الحق، قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] فلما أباح التناول له - وهو غني -؛ فلأن يباح الإطعام للأغنياء - وهم غير المضحي - أولى إليه أشار في المبسوط (٥).
وقوله: (غير أن الأداء) جواب عن قولهم: يوجب على المسافر، يعني لا يجب الأداء على المسافر (بأسباب) أي: شرائط تختص بالأضحية.
(يشق على المسافر استحضارها) أي: تحصيلها، مثل تحصيل شاة خالية عن العيوب المانعة، ورعاية فراغ الإمام عن الصلاة في حق أهل المصر على وجه لم يبق عليه من واجباتها، ورعاية طلوع الفجر الثاني من يوم النحر في حق أهل السواد، فسقطت عن المسافر تخفيفا، كما سقط عنه الوضوء وجاز التيمم
وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ ﵏: يُضَحِّي مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لَا مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ، فَالخِلافُ فِي هَذَا كَالخِلَافِ فِي صَدَقَةِ الفِطْرِ. وَقِيلَ: لَا تَجُوزُ التَّضْحِيَةُ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، لِأَنَّ هَذِهِ القُرْبَةَ تَتَأَدَّى بِالإِرَاقَةِ، وَالصَّدَقَةُ بَعْدَهَا تَطَوُّعُ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْكُلَ كُلَّهُ. وَالأَصَحُ، أَنْ يُضَحِّيَ مِنْ مَالِهِ، وَيَأْكُلَ مِنْهُ مَا أَمْكَنَهُ، وَيَبْتَاعَ بِمَا بَقِيَ مَا يَنْتَفِعُ بِعَيْنِهِ. قَالَ: (وَيَذْبَحُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَاةً، أَوْ يَذْبَحُ بَقَرَةً، أَوْ بَدَنَةً عَنْ سَبْعَةٍ) وَالْقِيَاسُ: أَنْ لَا تَجُوزَ إِلَّا عَنْ وَاحِدٍ، لِأَنَّ الإِرَاقَةَ وَاحِدَةٌ وَهِيَ القُرْبَةُ، إِلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ بِالْأَثَرِ وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ البَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةِ وَالبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةِ. وَلَا نَصَّ فِي الشَّاةِ، فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِ القِيَاسِ. وَتَجُوزُ عَنْ سِتَّةِ أَوْ
أحمد. قوله: (ويَأْكُل منه) أي: الصغير يأكل من المُضَحَّى من ماله.
قوله: (ما يُنْتَفَعُ بِعَيْنِهِ) كالغربال والمُنْخُل ونحوهما، وهذا في جلد الأضحية بلا خلاف من أصحابنا، وفي اللحم روايتان، ويجيء ء بعد بيان الخلاف.
قوله: (ولا نص في الشاة) وقال مالك وأحمد والليث والأوزاعي: تجوز الشاة عن أهل بيت واحد، وكذا بقرة أو بَدَنَة؛ لأنه ﷺ لما ضحى كبشين، فلما قَرَّبَ أحدهما قال: «اللَّهُمَّ هذا عن مُحَمَّدٍ وأهل بيته» وقرب الآخر وقال: «اللَّهُمَّ هذا منك ولكَ عَمَّنْ وَحْدَكَ مِنْ أُمَّتِي» (١).
وعن أبي هريرة: لما ضحى بالشاة، فجاءت ابنته وتقول: عني؟ فقال: وعنك.
وقلنا: لا يدل عن وقوعه من اثنين، بل هذا هِبَةُ ثوابها، وقد رُوي عن ابن عمر أنه قال: الشاة من واحد.
стр. 6588
خَمْسَةٍ أَوْ ثَلَاثَةٍ، ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الأَصْلِ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ عَنِ السَّبْعَةِ فَعَمَّنْ دُونَهُمْ أَوْلَى، وَلَا تَجُوزُ عَنْ ثَمَانِيَةٍ أَخْذَا بِالقِيَاسِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ، وَكَذَا إِذَا كَانَ نَصِيبُ أَحَدِهِمْ أَقَلَّ مِنْ السُّبُعِ، وَلَا تَجُوزُ عَنْ الكُلِّ لِانْعِدَامِ وَصْفِ القُرْبَةِ فِي البَعْضِ، وَسَنُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَالَ مَالِكٌ: تَجُوزُ عَنْ أَهْلِ بَيْتٍ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةٍ، وَلَا تَجُوزُ عَنْ أَهْلِ بَيْتَيْنِ وَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ مِنهَا، لِقَوْلِهِ ﵊: عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامِ أَضْحَاةٌ وَعَتِيرَةٌ قُلْنَا: المُرَادُ مِنهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَيِّمُ أَهْلِ البَيْتِ،
قوله: (وكذا إذا كان نصيبُ أَحَدِهِمْ أَقَلَّ مِنْ السُّبع) لا يجوز من صاحب الكثير، كما لا يجوز من صاحب القليل، فلا يجوز منها؛ لفوات وصف القربة في البعض، وعدم تجزؤ هذا الفعل في كونه قربة، حتى لو مات رجل عن ابن وامرأة وبقرة وضحيا بها لم يجز؛ لأن نصيب المرأة الثمن؛ لما روينا أن البقرة عن سبعة، والبدنة عن سبعة، وعليه جمهور التابعين وأكثر أهل العلم بلا فصل بين الأجنبيين وغيرهم.
وعن ابن المسيب: البقرة عن سبعة، والجزور عن عشرة؛ لما روى رافع أنه عليه الصلاة السلام «عَدَلَ عشرةً من الغنم ببعير» (١).
وعن ابن عباس قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فحضر الأضحى «فاشتركنا في الجزور عن عَشَرة، وفي البقرة عن سبعة» (٢).
وقلنا: هذا في القسمة لا في الأضحية.
قوله: (وقلنا: المراد منه) أي: من قوله ﷺ : «على كل أهل بيت» (٣): (قيم أهل البيت) دل عليه ما ذكر في بعض الروايات: «على كل مسلم في كلِّ عامٍ
стр. 6589
لِأَنَّ اليَسَارَ لَهُ، يُؤَيِّدُهُ مَا يُرْوَى: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي كُلِّ عَامٍ أَضْحَاةٌ وَعَتِيرَةٌ» وَلَوْ كَانَتْ البَدَنَةُ بَيْنَ اثْنَيْنِ نِصْفَيْنِ: تَجُوزُ فِي الأَصَحُ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ ثَلَاثَةُ الْأَسْبَاعِ، جَازَ نِصْفُ السُّبُعِ تَبَعًا، وَإِذَا جَازَ عَلَى الشَّرِكَةِ فَقِسْمَةُ اللَّحْمِ بِالوَزْنِ لِأَنَّهُ مَوْزُونٌ، وَلَوْ اقْتَسَمُوا جُزَافًا لَا يَجُوزُ، إِلَّا إِذَا كَانَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ الأَكَارِعِ وَالجِلْدِ اعْتِبَارًا بِالبَيْعِ. قَالَ: (وَلَوْ اشْتَرَى بَقَرَةً يُرِيدُ أَنْ يُضَحِّيَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ، ثُمَّ اشْتَرَكَ فِيهَا سِتَّةٌ مَعَهُ: جَازَ اسْتِحْسَانًا) وَفِي القِيَاسِ: لَا يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، لِأَنَّهُ أَعَدَّهَا لِلْقُرْبَةِ فَيُمْنَعُ عَنْ بَيْعِهَا تَمَوُّلًا، وَالِاشْتِرَاكُ هَذِهِ صِفَتُهُ.
أضحاة وعتيرة» (١) وهذا محكم، وما رواه محتمل؛ فحملناه على المحكم.
قوله: (الأصح) هذا احتراز عن قول بعض [المشايخ] (٢) حيث قالوا: لا يجزئهما؛ لأن لكل واحد منهما ثلاثة أسباع ونصف سبع، ونصف السبع لا يجوز في الأضحية، فإذا لم يجز البعض لم يجز الباقي، والأصح أنه يجوز، وبه أخذ أبو الليث والصدر الشهيد؛ لأن نصف السُّبْع وإن لم يكن أضحية فهي قربة تبعا للأضحية، فلا يصير لحما، كذا في الذخيرة.
والأفضل في التضحية البدنة من الإبل والبقرة عندنا والشافعي وأحمد، وعند مالك: الأفضل: الشاة.
قوله: (ولو اقتسموا جزافًا لا يجوز)؛ لأن في القسمة معنى التمليك، فلم يجز مجازفةً عند وجود الجنس والوزن، ولا يجوز التحليل أيضًا؛ لأنه في معنى الهبة، وهبة المشاع فيما يقسم لا تجوز إليه أشار في الإيضاح.
إلا إذا كان معه شيء من الأكارع والجلد يعني يجوز، وحينئذ يكون بعض اللحم مع الأكارع، ومع الآخر البعض مع الجلد، حتى يُصرَفُ الجنس إلى غير الجنس.
قوله: (والاشتراك هذه صفته): أي: البيع طريق التمول.
стр. 6590
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّهُ قَدْ يَجِدُ بَقَرَةً سَمِينَةً يَشْتَرِيهَا وَلَا يَظْفَرُ بِالشُّرَكَاءِ وَقْتَ البَيْعِ، وَإِنَّمَا يَطْلُبُهُمْ بَعْدَهُ فَكَانَتْ الحَاجَةُ إِلَيْهِ مَاسَّةٌ فَجَوَّزْنَاهُ دَفْعًا لِلْحَرَجِ، وَقَدْ أَمْكَنَ، لِأَنَّ بِالشِّرَاءِ لِلتَّضْحِيَةِ لَا يَمْتَنِعُ البَيْعُ، وَالأَحْسَنُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ الشِّرَاءِ لِيَكُونَ أَبْعَدَ عَنْ الخِلَافِ، وَعَنْ صُورَةِ الرُّجُوعِ فِي القُرْبَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يُكْرَهُ الاشْتِرَاكُ بَعْدَ الشِّرَاءِ لِمَا بَيَّنَّا قَالَ: (وَلَيْسَ عَلَى الفَقِيرِ وَالمُسَافِرِ أُضْحِيَّةٌ) لِمَا بَيَّنَّا. وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ كَانَا لَا يُضَحْيَانِ إِذَا كَانَا مُسَافِرَيْنِ، وَعَنْ عَلِيٌّ: وَلَيْسَ عَلَى الْمُسَافِرِ جُمُعَةٌ وَلَا أُضْحِيَّةٌ. قَالَ: (وَوَقْتُ الْأُضْحِيَّةِ يَدْخُلُ بِطُلُوعِ الفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ)، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَهْلِ الْأَمْصَارِ الذَّبْحُ حَتَّى يُصَلِّيَ الإِمَامُ العِيدَ، فَأَمَّا أَهْلُ السَّوَادِ فَيَذْبَحُونَ بَعْدَ الفَجْرِ.
وَالأَصْلُ فِيهِ:
فِي المبسوط (١): يوضحه أن هذا رجوع عن بعض ما تقرب به، وذلك حرام؛ لأن بالشراء بالتضحية لا يمتنع البيع.
وَفِي المبسوط (٢): بنفس الشراء لا يمتنع البيع، فلا يتعين للتضحية، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
قوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله: (لأنه أعدها للقربة فيمتنع بيعها (٣) … ) إلى آخره.
قوله: (ليس على الفقير والمسافر أضحية؛ لما بينا) إشارة إلى قوله: (واليسار؛ لما روينا، والإقامة؛ لما بينا).
قوله: (الوقت يدخل بطلوع الفجر) وقال الشافعي وأحمد وابن المنذر: إذا مضى من نهار العيد: قدر تَحِل الصلاة فيه، وقدر الصلاة والخطبتين في أخف ما يكون، سواء صلى الإمام أو لم يُصَلِّ، وسواء كان في المصر أو في القرى.
ولا تشترط صلاة الإمام عند الشافعي، وعندنا ومالك وأحمد تشترط صلاة الإمام في موضع يصلي الإمام (والأصل فيه) أي: في اشتراط الصلاة لجواز
стр. 6591
قَوْلُهُ ﵊: «مَنْ ذَبَحَ شَاةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ ذَبِيحَتَهُ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ وَأَصَابَ سُنَّةَ المُسْلِمِينَ» وَقَالَ ﵊: «إِنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا فِي هَذَا اليَوْمِ الصَّلَاةُ ثُمَّ الأُضْحِيَّةُ» غَيْرَ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ فِي حَقِّ مَنْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، وَهُوَ المِصْرِيُّ دُونَ أَهْلِ السَّوَادِ، لِأَنَّ التَّأْخِيرَ لِاحْتِمَالِ التَّشَاغُلِ بِهِ عَنْ الصَّلَاةِ، وَلَا مَعْنَى لِلتَّأْخِيرِ فِي حَقِّ القَرَوِيِّ وَلَا صَلَاةَ عَلَيْهِ، وَمَا رَوَيْنَاهُ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي نَفْيِهِمَا الجَوَازَ بَعْدَ الصَّلَاةِ قَبْلَ نَحْرِ الإِمَامِ، ثُمَّ
التضحية (قوله ﷺ ) للحديث الوارد عن البراء بن عازب. متفق عليه (١).
قوله: (وما رويناه) وهو قوله ﵊: «وَمَنْ ذَبَحَ بعد الصَّلاةِ» (٢) (حجة على مالك والشافعي في نفي الجواز … ) إلى آخره؛ لأنه قال: «بعد الصلاة» من غير فصل بعد نحر الإمام أو قبله، إلا أني ما وجدت نحر الإمام شرطًا عند الشافعي، بل شرطًا عند مالك.
واختلف أصحاب مالك في الإمام الذي لا يجوز أن يضحي قبل تضحيته؛ قال بعضهم: هو أمير المؤمنين، وقال بعضهم: أمير البلد، وقال بعضهم: هو الذي يصلي بالناس صلاة العيد، إلا أن الشافعي لم يُجَوِّز قبل تمام الخطبة، وعندنا وأحمد وأصحاب الظاهر؛ لإطلاق الحديث.
قال ابن حزم: لا معنى لقول الشافعي؛ لأنه ﷺ لم يحد وقت التضحية بذلك، وقول مالك بلا حجة وخلاف الخبر أيضًا؛ إذ لم يأمر النبي ﷺ قط بمراعاة تضحية الغير، وما نعرف في مراعاة تضحية الإمام عن أحد قبله شيئًا.
قيل في جوابه: فقد أخبر أبو الزبير أنه قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: «أمرَ رسولُ اللهِ ﷺ من كان نحر قبله أن يُعيد بنحرٍ آخر، ولا ينحروا حتَّى ينحر النبي ﷺ » (٣).
وقوله ﷺ : «إنّ أولَ نُسُكِنا في هذا اليوم … » (٤) الحديث يدل على أن
стр. 6592
المُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ مَكَانُ الأَضْحِيَّةِ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ فِي السَّوَادِ وَالمُضَحِّي فِي المِصْرِ يَجُوزُ كَمَا انْشَقَّ الفَجْرُ، وَلَوْ كَانَ عَلَى العَكْسِ لَا يَجُوزُ إِلَّا بَعْدَ الصَّلَاةِ. وَحِيلَةُ المِصْرِيِّ إِذَا أَرَادَ التَّعْجِيلَ أَنْ يَبْعَثَ بِهَا إِلَى خَارِجِ المِصْرِ فَيُضَحِّيَ بِهَا كَمَا طَلَعَ الفَجْرُ، لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الزَّكَاةَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا تَسْقُطُ بِهَلَاكِ المَالِ قَبْلَ مُضِيِّ أَيَّامِ النَّحْرِ كَالزَّكَاةِ بِهَلَاكِ النِّصَابِ، فَيُعْتَبَرُ فِي الصَّرْفِ مَكَانُ المَحَلِّ لَا مَكَانُ الفَاعِلِ اعْتِبَارًا بِهَا، بِخِلَافِ صَدَقَةِ الفِطْرِ، لِأَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِهَلَاكِ المَالِ بَعْدَمَا طَلَعَ الفَجْرُ مِنْ يَوْمِ الفِطْرِ، وَلَوْ ضَحَّى بَعْدَمَا صَلَّى أَهْلُ المَسْجِدِ وَلَمْ يُصَلِّ أَهْلُ الجَبَّانَةِ أَجْزَأَهُ اسْتِحْسَانًا، لِأَنَّهَا صَلَاةٌ مُعْتَبَرَةٌ، حَتَّى لَوْ اكْتَفَوْا بِهَا أَجْزَأَتْهُمْ، وَكَذَا عَلَى عَكْسِهِ.
الوقت قبله لإضافة النسك إلى اليوم، وهو من أول طلوع الفجر، إلا أن في المصر شرط الصلاة لجوازها؛ لحديث البراء، ولو كانت بلدة لا يصلى فيها لوقوع الفتنة أو لغلبة أهل الفتنة أو لعدم السلطان أو نائبه يضحون بعد الزوال؛ لأن قبل ذلك الصلاة مرجوة.
وفي الكبرى: لو ضحوا بعد طلوع الفجر يجوز.
وفي المختار: لأنها صارت كالسواد، ولو فاتت الصلاة إما سهوا أو عمدًا جاز لهم التضحية في هذا اليوم، ولو خرج الإمام إلى الصلاة من الغد أو بعده فضحى الناس قبل أن يصلي الإمام جاز؛ لأن الوقت المسنون فات بزوال الشمس من اليوم الأول، فبعده الصلاة على وجه القضاء، فلا يظهر في حق التضحية.
ولو صلى الإمام صلاة العيد بغير وضوء ولم يعلم به حتى ذبح الناس جازت الأضحية، سواء علموا قبل أن يتفرق الناس أو بعده، ومتى علم الإمام ونادى: الصلاة؛ ليعيدها، فمن ذبح قبل العلم بالنداء جاز، وبعده لا.
ولو ذبح بعد الزوال جاز؛ لأنه مضى مدة وقت الإعادة. كذا في الذخيرة وفتاوى قاضي خان.
قوله: (صلى أهل المسجد … ) إلى آخره، ومعنى هذا أن الإمام يخرج إلى
стр. 6593
وَقِيلَ: هُوَ جَائِزٌ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا. قَالَ: (وَهِيَ جَائِزَةٌ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ: يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ، لِقَوْلِهِ ﵊: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ كُلُّهَا أَيَّامُ ذَبْحٍ» وَلَنَا: مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيَّ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ أَنَّهُمْ قَالُوا: أَيَّامُ النَّحْرِ ثَلَاثَةٌ، أَفْضَلُهَا أَوَّلُهَا، وَقَدْ قَالُوهُ سَمَاعًا لِأَنَّ الرَّأْيَ لَا يَهْتَدِي إِلَى
الجبانة بالناس، ويستخلف من يصلي بالضَّعَفَة في الجامع، هكذا فعل علي حين قدم الكوفة - أجزأه استحسانا (١)، وفي القياس: لا يجزئه؛ لأن هذا قبل الصلاة من وجه، وبعدها من وجه، فلا يجوز بالشك احتياطًا في العبادات، وفي الاستحسان: يجوز؛ لأن الشرط هو الذبح بعد صلاة معتبرة، وقد وجدت.
قوله: (وقيل هو) أي: العكس (جائز قياسًا واستحسانًا) لأن المسنون في العيد الخروج إلى الجبانة، فأهل الجبانة أصل، وقد صلوا، وقيل: فيه القياس والاستحسان؛ لما ذكرنا.
قال الحلواني: هذا إذا ضحى رجل ممن صلوا، أما إذا ذبح رجل من الذين لم يصلوا؛ لم يجز قياسًا واستحسانًا.
وقال الزعفراني: يجري القياس والاستحسان في الذبح بعد أمد الصلاة مطلقا، سواء ممن صلى أو لم يصل.
وذكر القدوري، الجواز مطلقا بعدما صلى إحدى الطائفتين، ولم يذكر القياس والاستحسان.
قوله: (أيام النحر ثلاثة) وبه قال مالك وأحمد والثوري، وخمسة من أصحاب رسول الله ﷺ : عمر وعلي وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وأنس.
وقال ابن سيرين: لا يجوز الذبح إلا في يوم النحر خاصة؛ لأنها وظيفة عيد، فلا يجوز إلا في يوم واحد، كأداء الفطر يوم الفطر، وبقوله قال سعيد بن جبير، وجابر بن زيد في أهل الأمصار، وبقولنا في أهل منّى.
وقال أصحاب الظاهر: تجوز التضحية إلى هلال محرم، وبه قال سلمة بن
стр. 6594
المَقَادِيرِ، وَفِي الأَخْبَارِ تَعَارُضُ فَأَخَذْنَا بِالمُتَيَقَّنِ وَهُوَ الْأَقَلُّ، وَأَفْضَلُهَا أَوَّلُهَا كَمَا قَالُوا: وَلِأَنَّ فِيهِ مُسَارَعَةٌ إِلَى أَدَاءِ القُرْبَةِ وَهُوَ الأَصْلُ إِلَّا لِمُعَارِض
عبد الرحمن وعطاء بن يسار؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُمْ مِنْ شَعَيْرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦] وفعل الخير حسن في [كل] (١) وقت، فلم يخص وقتًا دون وقت بلا نص ولا إجماع.
ورو محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وسليمان بن يسار أنهما قالا: بلغنا أنه ﷺ قال: «الأَضْحَى إلى هلالِ المُحرَّمِ لِمَنْ يَسْتَأْنِي بِذَلكَ» (٢) وهذا مرسل، وهو حجة عند الحنفيين والمالكيين.
وقال الشافعي: أربعة أيام، وبه قال عطاء والحسن، وقد روي عن علي مثله.
قوله: (وفي الأخبار تعارض) كما ذكرنا، ولأن اليوم الرابع لا يجب الرمي فيه، فلم تجز التضحية فيه كالذي بعده، ولأنه لا تعارض لقول من سمينا من الصحابة إلا رواية عن علي، وقد روي عنه مثل مذهبنا، وفي الحديث: «أيام منى … » (٣) وفي اليوم الرابع لا يجب الرمي، فلا يكون من أيام منى.
قوله: (إلا لمعارض) كما في الإسفار بالفجر، والإبراد بالظهر.
أما قول الظاهرية فلا تخص بوقت دون وقت بلا إجماع ولا نص - غير مُسَلَّم؛ لأنا قد بينا أن أحدًا من الصحابة ما قال: إلى هلال محرم، فيكون إجماعًا، مع أنا قلنا: إن الأثر في هذا كالمسموع من رسول الله ﷺ .
فإن قيل: كيف يكون إجماعًا، وقد خالف فيه عطاء وعمر بن عبد العزيز
стр. 6595
وَيَجُوزُ الذَّبْحُ فِي لَيَالِيهَا، إِلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِاحْتِمَالِ الغَلَطِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَأَيَّامُ النَّحْرِ ثَلَاثَةٌ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ ثَلَاثَةٌ، وَالكُلُّ يَمْضِي بِأَرْبَعَةٍ: أَوَّلُهَا نَحْرٌ لَا غَيْرُ، وَآخِرُهَا تَشْرِيقُ لَا غَيْرُ، وَالمُتَوَسِّطَانِ نَحْرٌ وَتَشْرِيقُ،
والحسن والزهري وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار؟.
قلنا: ندعي إجماع الصحابة فيكون حجة عليهم، مع أن قول أكثر الصحابة حجة بلا خلاف.
وما ذكر ابن حزم أن ما رواه عن أنس وغيره من الصحابة بثلاثة أيام ضعيف أو مجهول كلام صدر عن التعصب والألسن كذلك؛ فإن العدول مثل أحمد بن حنبل وغيره نقلوا عنهم، وما ذكر من الآية ليس على إطلاقه، فإن كثيرا من أفعال الخير تختص، فكان هذا مخصوصًا، مع أنه لم يجز في المحرم مع إطلاقه، وما روي عن حديث التيمي غريب مع أنه مرسل، وهو غير حجة عنده.
قوله: (يجوز الذبح في لياليها) والمراد الليلتان المتوسطتان لا غير لا ليلة الرابع عندنا؛ لخروج وقت التضحية بغروب الشمس من اليوم الثاني عشر، وعند الشافعي يبقى.
أما ليلة العاشر، وهي ليلة العيد، لا يجوز بإجماع العلماء؛ لأن ليلة النحر تبع لنهار عرفة بالحديث؛ رفقًا بالناس، وبقولنا قال الشافعي وأحمد وأصحاب الظاهر.
وقال مالك وأحمد في رواية: لا يجوز في الليل؛ لأنه تعالى قال: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤] وعنه ﷺ : «نهى عن الذَّبحِ بالليل» (١)، ولأنه ليل يوم يجوز الذبح فيه، فأشبه ليلة النحر، ولأن الذبح بالليل تتعذر فيه تفرقة اللحم طريا في الغالب، وقد يفوت بعض المقصود، ولهذا قالوا بكراهة الذبح فيه.
стр. 6596
وَالتَّضْحِيَةُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ التَّصَدُّقِ بِثَمَنِ الأَضْحِيَّةِ، لِأَنَّهَا تَقَعُ وَاجِبَةٌ أَوْ سُنَّةٌ، وَالتَّصَدُّقُ تَطَوُّعُ مَحْضُ فَتَفْضُلُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا تَفُوتُ بِفَوَاتِ وَقْتِهَا، وَالصَّدَقَةُ يُؤْتَى بِهَا فِي الْأَوْقَاتِ كُلِّهَا فَنَزَلَتْ مَنْزِلَةَ الطَّوَافِ وَالصَّلَاةِ فِي حَقِّ الْآفَاقِيِّ (وَلَوْ لَمْ يُضَحٌ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ، إِنْ كَانَ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ
ولنا؛ أن الليل تبع لليوم، فصارت وقتًا للذبح، ولهذا يجوز الرمي فيه بالإجماع، فيكون وقتا للذبح، إلا أنه يكره؛ لاحتمال الغلط في المذبح أو على الوجه المسنون.
وأما الآية ففيها ذكر، لا ذبح وتضحية، مع أن الذكر يجوز في لياليها بالإجماع، وأما الحديث ففيه عن مبشر (١) بن عبيد، وهو مذكور بوضع الحديث عمدًا، ولو صح لا حجة له فيه؛ لأنه نهى عن الذبح مطلقا، وهو يجوز الذبح فيه، مع أنه يمكن أن يكون النهي لمعنى احتمال الغلط، فيبقى محتملا، والقياس في ليلة النحر كذلك، إلا أنه ثبت ذلك بخلاف القياس، فيقتصر عليه، ولأن وقت التضحية يدخل بعد مضيها بالإجماع.
قوله: (والتضحية فيها) أي: في أيام النحر (أفضل من التصدق) أما في حق الفقير؛ لأنها تقع واجبة على ظاهر الرواية، أو سنة على رواية أخرى، وقول الشافعي وأحمد؛ لأن إراقة الدم في هذه الأيام أفضل؛ لأنه ﷺ والخلفاء بعده ضحوا فيها، ولو كان التصدق أفضل لاشتغلوا به، وروت عائشة ﵂ أنه ﷺ قال: «ما عَمِلَ ابنُ آدمَ يومَ النّحرِ عملًا أحب إلى الله من إراقَةِ الدَّمِ» (٢).
قوله: (منزلة الطواف والصلاة في حق الآفاقي) فإن طواف التطوع أفضل في حقه [من] (٣) صلاة التطوع بمكة، بخلاف المكي؛ لما ذكر من المعنى، ولا يُعلم فيه خلاف.
قوله: (إن كان أوجب على نفسه) قيد الإيجاب غير مفيد؛ لأنه لو كان
стр. 6597
أَوْ كَانَ فَقِيرًا وَقَدْ اشْتَرَى الأُضْحِيَّةَ: تَصَدَّقَ بِهَا حَيَّةٌ، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا تَصَدَّقَ بِقِيمَةِ شَاةٍ اشْتَرَى أَوْ لَمْ يَشْتَرِ) لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الغَنِيِّ.
وَتَجِبُ عَلَى الفَقِيرِ بِالشِّرَاءِ بِنِيَّةِ التَّضْحِيَةِ عِنْدَنَا، فَإِذَا فَاتَ الوَقْتُ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ إِخْرَاجًا لَهُ عَنْ العُهْدَةِ، كَالجُمُعَةِ تُقْضَى بَعْدَ فَوَاتِهَا ظُهْرًا،
واجبًا بدون الإيجاب على نفسه فالحكم كذلك.
قوله: (أو كان فقيرا تصدق) يعني إذا اشترى الفقير بنية الأضحية شاة، يجب عليه التضحية عندنا، خلافًا للشافعي وأحمد، أو ما يجب بالنذر بلا خلاف.
ثم عند الشافعي وأحمد يذبحها ويصنع بالمذبوح ما يصنع بالمذبوح في وقته، وفي التطوع مخير، كأن فرق لحمها كان القربة بذلك دون الذبح؛ لأنها شاة لحم وليست بأضحية.
وعندنا تصدق بها حية إن كان فقيرا، وإن كان غنيا تصدق بقيمة شاة، اشترى أو لا، حتى لو ذبح الغني أو الفقير، ولم يتصدق بعينها لا يحل له تناولها، ويضمن فضل ما بين قيمتها مذبوحة وغير مذبوحة. كذا في الأوضح.
قوله: (كالجمعة تُقضى بعد فواتها ظهرًا)، والجامع بينهما من حيث إن قضاء ما وجب عليه في الأداء غير جنس الأداء بطريق الاحتياط، وهذا لأن التضحية وإن ثبتت قربة في أيامها بالنص، إلا أنه احتمل أن يكون التصدق بعين الشاة أو قيمتها أصلا؛ لأنه هو المشروع في باب المال كما في سائر الصدقات، وإنما تقبل منه التضحية؛ تطييبا لطعام الضيافة، كما ذكر في الأصول.
فإن قيل: لو كان التصدق أصلا؛ لكان أحب من التضحية في أيامها.
قلنا: هذا موهوم، فلم يعتبر بمقابلة المنصوص المتيقن، فإذا فات وقت المتيقن عملنا بالموهوم احتياطا، كما في الفدية إذا عجز عن الصوم.
وفي الذخيرة: من كان موسرًا في آخر الوقت فلم يُضَح، ومضى الوقت وجب عليها (١) التصدق بقيمة شاة، حتى لزمه الإيصاء بها.
стр. 6598
وَالصَّوْمِ بَعْدَ العَجْزِ فِدْيَةٌ. قَالَ: (وَلَا يُضَحِّي بِالعَمْيَاءِ، وَالعَوْرَاءِ، وَالعَرْجَاءِ الَّتِي لَا تَمْشِي إِلَى المَنْسِكِ، وَلَا العَجْفَاءِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا تُجْزِئُ فِي الضَّحَايَا أَرْبَعَةٌ: العَوْرَاءُ البَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالعَرْجَاءُ البَيِّنُ عَرْجُهَا، وَالمَرِيضَةُ البَيِّنُ
وفيها: من قال: الله علي أن أضحي شاة؛ فإن كان موسرًا فعليه أن يضحي بشاتين إلا أن يعين ما يجب عليه، وهذا لأن النذر إيجاب فينصرف إلى غير الواجب، ويحتمل الواجب تأكيدًا، فإذا نوى ما يحتمل يصح، ويجب عليه أضحية واحدة، ولو كان فقيرا فعليه شاة؛ فإن أيسر كان عليه شاتان: ما وجب بالنذر، وما وجب باليسار.
وفي الإيضاح: لا يأكل مما وجب بالنذر، فلو نذر شاة بعينه تصدق بعينها بعد مضي الوقت.
قوله: (لا تمشي إلى المنسك) يجوز بالكسر: الموضع الذي يذبح فيه، والفتح: قياس من نَسَكَ الله نُسْكًا ومَنْسَكًا: إذا ذبح لوجهه.
ولا خلاف بين العلماء في منع هذه الأربعة الإجزاء بالحديث المذكور، رواه أبو داود والنسائي.
ومعنى العوراء: البَيِّنُ عَوَرُها؛ التي قد انخسفت وذهبت؛ لأنها قد ذهبت عينها، والعين عضو مستطاب، ولو كان على عينها بياض ولم تذهب جازت للتضحية؛ لأن عورها ليس ببين، ولا ينقص ذلك لحمها. كذا قيل.
وفي المبسوط (١): والأصل في هذا أن العيب الفاحش مانع؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، واليسير من العيب غير مانع؛ لأن الحيوان قلما ينجو عن اليسير، واليسير؛ ما لا أثر له في لحمها، وللعور أثر في ذلك؛ لأنه لا يبصر بعين واحدة من العلف ما يبصر بالعينين، وقلة العلف سبب العجز، ثم العين والأذن منصوص على اعتبارهما، فإذا كانت مقطوعة الأذن لم يجز؛ لانعدام شرط منصوص، فإذا كانت مقطوعة الطرف فكذلك بالطريق الأولى.
стр. 6599
مَرَضُهَا، وَالعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي»، قَالَ: (وَلَا تُجْزِئُ مَقْطُوعَةُ الْأُذُنِ وَالذَّنَبِ). أَمَّا الأُذُنُ فَلِقَوْلِهِ ﵊: «اسْتَشْرِفُوا العَيْنَ وَالْأُذُنَ» أَيْ أَطْلُبُوا سَلَامَتَهُمَا. وَأَمَّا الذَّنَبُ: فَلِأَنَّهُ عُضْوٌ كَامِلٌ مَقْصُودٌ فَصَارَ كَالأُذُنِ. قَالَ: (وَلَا الَّتِي ذَهَبَ أَكْثَرُ أُذُنِهَا وَذَنَبِهَا، وَإِنْ بَقِيَ أَكْثَرُ الأُذُنِ وَالذَّنَبِ: جَازَ) لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الكُلِّ بَقَاءً وَذَهَابًا، وَلِأَنَّ العَيْبَ اليَسِيرَ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَجُعِلَ عَفْوًا، وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي مِقْدَارِ الأَكْثَرِ. فَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ عَنْهُ: وَإِنْ قُطِعَ مِنْ الذَّنَبِ، أَوْ الأُذُنِ، أَوْ العَيْنِ، أَوْ الأَلْيَةِ، الثُّلُثُ أَوْ أَقَلُّ أَجْزَاهُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ، لَمْ يُجْزِهِ، لِأَنَّ الثُّلُثَ تَنْفُذُ فِيهِ الوَصِيَّةُ مِنْ غَيْرِ رِضَا الوَرَثَةِ فَاعْتُبِرَ قَلِيلًا، وَفِيمَا زَادَ لَا تَنْفُذُ إِلَّا بِرِضَاهُمْ فَاعْتُبِرَ كَثِيرًا، وَيُرْوَى عَنْهُ، الرُّبُعُ، لِأَنَّهُ يَحْكِي حِكَايَةَ الكَمَالِ عَلَى مَا مَرَّ
والمراد من المريضة: هي التي يتبين أثره عليها؛ لأن ذلك ينقص لحمها، وبه قال أحمد في الأصح.
وقال الشافعي والقاضي الحنبلي: المراد بالمريضة: الجرباء؛ لأن الجرب يُفسد اللحم ويُهزِل إذا كثر، وهذا تقييد للمطلق، وتخصيص للعموم بلا دليل.
قوله: (ولا التي ذهب أكثر أذنها وذنبها) وبه قال الشافعي وأحمد.
وقال مالك: إن ذهب كل الأذن لا يجوز، ولو ذهب ما دونه يجوز، وبه قال عطاء.
قوله: (الثلث أو أقله (١) أجزأه) ولا خلاف فيه، وهو رواية هشام عن محمد، قال الصدر الشهيد: وهو الأصح؛ لأنه ظاهر الرواية.
قوله: (ويروى عنه) أي: عن أبي حنيفة، وهي رواية ابن شجاع عن أبي حنيفة على ما مر في الصلاة من أن انكشاف ربع العورة، وتقدير النجاسة بربع الثوب.
وفي الذخيرة: قال أبو بكر بن حامد: الثلث في حد القلة في ظاهر الرواية، وما زاد عليه كثير، وعندهما: النصف كثير، وما بين الثلث والنصف قريب.
стр. 6600
فِي الصَّلَاةِ، وَيُرْوَى الثُّلُثُ، لِقَوْلِهِ ﵊ فِي حَدِيثِ الوَصِيَّةِ: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إِذَا بَقِيَ الأَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ أَجْزَاهُ، اعْتِبَارًا لِلْحَقِيقَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ (*).
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: أَخْبَرْتُ بِقَوْلِي أَبَا حَنِيفَةَ، فَقَالَ: قَوْلِي هُوَ قَوْلُكَ. قِيلَ: هُوَ رُجُوعٌ مِنهُ إِلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ قَوْلِي قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِكَ. وَفِي كَوْنِ النِّصْفِ مَانِعًا رِوَايَتَانِ عَنْهُمَا كَمَا فِي انْكِشَافِ العُضْوِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، ثُمَّ مَعْرِفَةُ
قوله: (قولي قريب من قولك) أي: القول الذي هو أن الأكثر من الثلث مانع لا ما دونه، كان أقرب إلى قول أبي يوسف الذي هو أكثر من النصف إذا بقي أجزاؤه بالنسبة إلى أن الربع مانع.
قوله: (وفي كون النصف مانعاً روايتان) لأن القليل عفو، والنصف ليس بقليل؛ لأن ما يقابله ليس بكثير، وفي رواية: غير مانع؛ لأن المانع هو الكثير، والنصف غير كثير؛ لأن ما يقابله ليس بقليل، وقد مر في الصلاة.
ولكن ذكر في المبسوط (١)؛ أن النصف مانع مطلقا، فقال: لما استوى المانع والمُجوّز يترجح المانع احتياطا، أما الشَّقُّ في الأذن عيب يسير، ألا ترى أنه يفعل ذلك للعلامة بمنزلة السِّمَة، فلا يمنع الجواز، ولا يعلم فيه خلاف.
وفي المبسوط (٢): ومن العلماء من قال: لا يجوز.
ويروى ذلك عن أحمد، أما ظاهر مذهبه أنه يجوز، ولكن يكره.
وجه عدم الجواز أنه ﷺ ؛ «نهَى أن يُضحى بمقابلةٍ ولا مدابرة ولا خرقاء ولا شرقاء» رواه أبو داود والنسائي (٣).
فالشرقاء: أن يكون الخرق في أذنها طولا، والخرقاء: أن يكون عرضًا، والمقابلة: قطع في مقدم أذنها، والمدابرة: قطع في مؤخر أذنها.
стр. 6601
المِقْدَارِ فِي غَيْرِ العَيْنِ مُتَيَسِّرٌ، وَفِي العَيْنِ قَالُوا: تُشَدُّ العَيْنُ المَعِيبَةُ بَعْدَ أَنْ لَا تَعْتَلِفَ الشَّاةُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ يُقَرَّبُ العَلَفُ إِلَيْهَا قَلِيلًا قَلِيلًا، فَإِذَا رَأَتْهُ مِنْ مَوْضِعِ أُعْلِمَ عَلَى ذَلِكَ المَكَانِ ثُمَّ تُشَدُّ عَيْنُهَا الصَّحِيحَةُ وَقُرِّبَ إِلَيْهَا العَلَفُ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى إِذَا رَأَتْهُ مِنْ مَكَانَ أُعْلِمَ عَلَيْهِ. ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى تَفَاوُتِ مَا بَيْنَهُمَا، فَإِنْ كَانَ ثُلُنَا فَالذَّاهِبُ الثُّلُثُ، وَإِنْ كَانَ نِصْفًا فَالنِّصْفُ. قَالَ: (وَيَجُوزُ أَنْ يُضَحِّيَ بِالجَمَّاءِ) وَهِيَ الَّتِي لَا قَرْنَ لَهَا، لِأَنَّ القَرْنَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَقْصُودٌ، وَكَذَا مَكْسُورَةُ القَرْنِ لِمَا قُلْنَا (وَالخَصِيِّ)
وقلنا: هذا نهي تنزيه؛ لأن اشتراط السلامة من ذلك يشق؛ إذ لا يكاد يوجد سالما من هذا، وتأويل الحديث عندنا؛ هذا إذا كان الأذن مقطوعا، وكان الذاهب أكثر من النصف، أو أكثر من الثلث على حسب الاختلاف.
قوله: (ويجوز أن يضحى بالجماء) ولا خلاف فيه لأحد، وكذا مكسورة القرن لما قلنا أنه (لا يتعلق به مقصود) وبه قال الشافعي.
وقال أحمد: إن انكسر أكثر من نصف القرن لا يجوز؛ لما روي عن علي أنه قال: نهى النبي ﷺ أن يضحى بأعضب الأذن والقرن، والعضب: الكسر بالنصف، فأكرهت ذلك، رواه أبو داود (١).
وقال مالك: إن كان قرنها يدمى لم يجز، وإلا جاز؛ لأن بالإدماء تصير كالمريضة.
وفي الكتاب: حديث عليّ لا يخلو من أن يكون مقدما على حديث البراء، وهو ما روي أنه ﷺ قال: «أربعٌ لا تُجزِئُ في الأضاحي: العوراء البَيِّنُ عَوَرُها … » الحديث (٢) فيكون منسوخا بحديث البراء، أو متأخرًا، فيكون حديث علي زائدا عليه، وما علمنا ثبوته لم نجعله منسوخا بالشك، فيكون واجب العمل، وفيه ترجيح قول أحمد.
أما الجواب لحديث علي فأصحابنا قالوا: إن العيب اليسير لا يمنع
стр. 6602
لِأَنَّ لَحْمَهَا أَطْيَبُ، وَقَدْ صَحَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحَى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوعَيْنِ (وَالتَّوْلَاءِ) وَهِيَ المَجْنُونَةُ، وَقِيلَ: هَذَا إِذَا كَانَتْ تَعْتَلِفُ، لِأَنَّهُ لَا يُحِلُّ بِالمَقْصُودِ، أَمَّا إِذَا كَانَتْ لَا تَعْتَلِفُ فَلَا تُجْزِئُهُ.
(وَالجَرْبَاءُ) إِنْ كَانَتْ سَمِينَةٌ: جَازَ، لِأَنَّ الجَرَبَ فِي الجِلْدِ وَلَا نُقْصَانَ فِي اللَّحْمِ، وَإِنْ كَانَتْ مَهْزُولَةٌ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ الجَرَبَ فِي اللَّحْمِ فَانْتَقَصَ وَأَمَّا الهَتْمَاءُ:
بالإجماع، ولهذا جازت الموجوءة؛ لأنه لا يؤثر في المقصود، وهو اللحم، فكسر القرن كذلك، وعن عبيد بن فيروز قال: قلت للبراء: فإني أكره النقص من القرن، قال: اكره لنفسك ما شئت، وإياك أن تُضَيّق على الناس؛ فيحمل على الاستحباب كما حمل حديث الشرقاء على الاستحباب، ويدل عليه إنكار البراء على ابن فيروز.
قال ابن حزم أما تفصيل مالك بلا دليل من الكتاب والسنة والقياس الصحيح، وفيه تعصب كما ترى.
يقال: كبش أجم، أي: لا قرن له، والأنثى جماء، ويقال لها جلحاء، وجمعها جم.
ويقال: كبش أملح، أي: فيه ملحة، وهو بياض يشقه شعيرات سود، وهي من لون الملح.
والوجاء، على فعال (١): نوع من الخصاء، وهو أن يضرب العروق بحديدة ويطعن فيها من غير إخراج البيضتين، يقال: كبش موجوء، إذا فعل به ذلك. كذا في المغرب (٢).
أما القضماء، وهي [التي] (٣) انكسر غلاف قرنها، يجوز بلا خلاف. وقال أصحاب الشافعي: يجوز الجماء والقضماء والعضباء، ولكن يكره. قوله: (إذا كانت لا تعتلف) لا يجوز؛ لأنه ينقص به اللحم، فالأصل عند
стр. 6603
وَهِيَ الَّتِي لَا أَسْنَانَ لَهَا؛ فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْأَسْنَانِ الكَثْرَةُ وَالقِلَّةُ، وَعَنْهُ: إِنْ بَقِيَ مَا يُمْكِنُهُ الِاعْتِلَافُ بِهِ أَجْزَأَهُ لِحُصُولِ المَقْصُودِ. (وَالسَّكَّاءُ): وَهِيَ الَّتِي لَا أُذُنَ لَهَا خِلْقَةٌ (لَا تَجُوزُ)، لِأَنَّ مَقْطُوعَ أَكْثَرِ الْأُذُنِ إِذَا كَانَ لَا يَجُوزُ فَعَدِيمُ الأُذُنِ أَوْلَى (وَهَذَا) الَّذِي ذَكَرْنَاهُ إِذَا كَانَتْ هَذِهِ العُيُوبُ قَائِمَةً وَقْتَ الشَّرَاءِ، وَلَوْ اشْتَرَاهَا سَلِيمَةً ثُمَّ تَعَيَّبَتْ بِعَيْبٍ مَانِعٍ: إِنْ كَانَ غَنِيًّا فَعَلَيْهِ غَيْرُهَا، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا تُجْزِئُهُ هَذِهِ لِأَنَّ الوُجُوبَ عَلَى الغَنِيِّ بِالشَّرْعِ ابْتِدَاءً لَا بِالشَّرَاءِ، فَلَمْ تَتَعَيَّنْ بِهِ، وَعَلَى الفَقِيرِ بِشِرَائِهِ بِنِيَّةِ الْأُضْحِيَّةِ فَتَعَيَّنَتْ،
العلماء أن كل عيب يؤثر في اللحم يمنع، وإلا فلا.
السَّكَّاءُ: من السَّكَكِ، وهو صِغَرُ الأذن، وعند الفقهاء: التي لا أذن لها، أي: الصِّماخ. كذا في المغرب (١).
قوله: (وَعَلَى الْفَقِيرِ بِشِرَائِهِ بِنِيَّةِ الْأُضْحِيَّةِ فَتَعَيَّنَتْ) أي: هذه الشاة المشتراة بنية الأضحية، وهذا يصير مثل الواجب بالنذر، والواجب على الغني.
وعند الشافعي وأحمد ومالك والزهري والثوري والنخعي والحسن وعطاء: أجزأته هذه المعينة، ولا يلزم عليه أخرى بناء على أن الأضحية غير واجبة، ولو أوجبها بالنذر فكذلك أيضًا عندهم؛ لأن الوجوب تعلق بعينها لا بالذمة، والشراء بنية الأضحية لا يتعين للأضحية عندهم.
وعندنا يتعين، فكان عندنا الأضحية واجبة في ذمة الموسر والمعسر بنية الشراء.
لهم: القُرب إنما تلزم بالنذر (٢)، أو بالشروع، ولم يوجد واحد.
وقلنا: دفع النبي ﷺ إلى حكيم بن حزام دينارًا ليشتري بها أضحية، فاشترى شاة فباعها بدينارين، ثم اشترى بدينار شاة، فجاء بالشاة والدينار إلى النبي ﷺ ، فقال له: «بارك اللهُ فِي صَفْقَتِكَ» (٣)، فأمر ﷺ أن يضحي بالشاة،
стр. 6604
وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ نُقْصَانِهِ كَمَا فِي نِصَابِ الزَّكَاةِ، وَعَنْ هَذَا الأَصْلِ قَالُوا: إِذَا مَاتَتْ المُشْتَرَاةُ لِلتَّضْحِيَةِ؛ عَلَى المُوسِرِ مَكَانَهَا أُخْرَى وَلَا شَيْءَ عَلَى الفَقِيرِ، وَلَوْ ضَلَّتْ أَوْ سُرِقَتْ، فَاشْتَرَى أُخْرَى، ثُمَّ ظَهَرَتْ الأُولَى فِي أَيَّامِ النَّحْرِ، عَلَى المُوسِرِ
ويتصدق بالدينار، ففيه دليل أنها تجب بمجرد الشراء، ولأن الشراء من الفقير كالنذر بها عادة وعرفًا؛ إذ لا يوجد فقير يشتري بنيتها ولا يضحي بها، كذا قيل، وكذا المنذور إذا لم يعيّنه، أما إذا عينه يجوز تضحيته.
وفي الذخيرة: قال بعض مشايخنا: تصير واجبة بنية الأضحية موسرًا كان المشتري أو معسرا.
وذكر شيخ الإسلام: إذا كان المشتري [موسرًا] (١) لا تصير واجبة بالشراء بنية الأضحية باتفاق الروايات، وإن كان معسرًا؛ ففي ظاهر الرواية تجب، وبه قال مالك.
وروى الزعفراني أنها لا تجب، وإليه أشار شمس الأئمة، واتفقوا على أنها لا تجب بمجرد النية للأضحية، حتى لو كان له شاة؛ فنوى أن يضحى بها ولم يذكر بلسانه شيئًا، لا تصير واجبة للأضحية.
إذا وجبت عليه بإيجابه أو بشرائه بنية الأضحية وهو معسر؛ فعلى قول من قال بوجوبها؛ إن تصدق بعينها في أيام النحر ولم يضحها فعليه مثلها؛ لأن الواجب عليه الإراقة.
وإنما ينتقل إلى التصدق عند العجز، وذلك بعد أيام النحر، فإذا تصدق ما وجب عليه لزمه مثلها في أيام النحر، وبعدها تصدق بقيمتها، ولا تجزئه الصدقة
стр. 6605
ذَبْحُ إِحْدَاهُمَا، وَعَلَى الفَقِيرِ ذَبْحُهُمَا (وَلَوْ أَضْجَعَهَا فَاضْطَرَبَتْ، فَانْكَسَرَتْ رِجْلُهَا فَذَبَحَهَا، أَجْزَأَهُ اسْتِحْسَانًا) عِنْدَنَا، خِلَافًا لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، لِأَنَّ حَالَةَ الذَّبْحِ وَمُقَدِّمَاتِهِ مُلْحَقَةٌ بِالذَّبْحِ، فَكَأَنَّهُ حَصَلَ بِهِ اعْتِبَارًا وَحُكْمًا (وَكَذَا لَوْ تَعَيَّبَتْ فِي هَذِهِ الحَالَةِ فَانْفَلَتَتْ، ثُمَّ أُخِذَتْ مِنْ فَوْرِهِ، وَكَذَا بَعْدَ فَوْرِهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) (*) لِأَنَّهُ حَصَلَ بِمُقَدِّمَاتِ الذَّبْحِ.
قَالَ: (وَالأُضْحِيَّةُ مِنْ الإِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ) لِأَنَّهَا عُرِفَتْ شَرْعًا، وَلَمْ تُنْقَلْ التَّضْحِيَةُ بِغَيْرِهَا مِنْ النَّبِيِّ ﵊: وَلَا مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃. قَالَ:
الأولى التي في أيام النحر؛ لأنها وقعت قبل وجوب التصدق؛ إذ التصدق يجب بعينها حية بعد أيام النحر؛ للعجز احتياطا كما ذكر في الأصول، ولو لم يتصدق بعينها في أيام النحر، تصدق بعينها حية بعد الأيام لما ذكرنا.
قوله: (وعلى الفقير ذبحهما) هذا على ظاهر الرواية لا على رواية الزعفراني واختيار شمس الأئمة واختار في فتاوى الظهيرية ظاهر الرواية.
قوله: (فانكسر (١) رجلها) لا فائدة في تخصيص انكسار الرجل؛ لأنها لو تعيبت بكل عيب مانعة من الأضحية، فالحكم كذلك. وبه صرح في [المبسوط.
قوله: (خلافًا لِزُفَرَ والشافعي)، وبه قال أحمد وأصحاب الظاهر؛ لأنها صارت معينة قبل الذبح؛ فلم تجز تضحيته.
وقلنا: إن هذا مما لا] (٢) يستطاع الامتناع عنه، فقد تنقلب السكين من يده فتصيب عينها أو رجلها، فيجعل ذلك عفوا؛ لدفع الحرج.
قوله: (والأضحية من الإبل والبقر والغنم) وبه قالت الأئمة الثلاثة.
وقال أصحاب الظاهر: يجوز بكل حيوان وحشي وإنسي، وكذا بكل طائر يؤكل لحمه وحشي وإنسي؛ لحديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: «مَثَلُ المُهَجَّر إِلَى الجُمعةِ كَمَثَلِ مَنْ يُهدِي بدنةً، ثم كمَن يُهدِي بقرةً، ثم كمن يُهْدِي شاةً، ثم كَمَنْ
стр. 6606
(وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، الثَّنِيُّ فَصَاعِدًا. إِلَّا الضَّأْنَ فَإِنَّ الجَذَعَ مِنهُ يُجْزِئُ) لِقَوْلِهِ ﵊: ضَحُّوا بِالثَّنَايَا إِلَّا أَنْ يُعْسِرَ عَلَى أَحَدِكُمْ فَلْيَذْبَحِ الجَذَعَ مِنْ الضَّأْنِ وَقَالَ ﵊ «نِعْمَتِ الأضْحِيَّةُ الجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ» قَالُوا: وَهَذَا إِذَا كَانَتْ عَظِيمَةٌ، بِحَيْثُ لَوْ خُلِطَتْ بِالدُّنْيَانِ يَشْتَبِهُ عَلَى النَّاظِرِ مِنْ بَعِيدٍ. وَالجَذَعُ مِنْ الضَّانِ: مَا تَمَّتْ لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فِي مَذْهَبِ الفُقَهَاءِ،
يُهدِي دَجاجةً، ثم كمَنْ يُهدِي بيضةً» (١) والعصفور قريب إلى البيضة.
ولأن التقرب إلى الله تعالى بكل ما لم يمنعه قرآن ولا سنة حسن، قال تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧]، وحكي عن الحسن بن صالح أن بقرة الوحشي تجزئ عن سبعة، والظبي عن واحد.
ولنا قوله تعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤] وهي الإبل والبقر والغنم، ولأن الإراقة عرفت قربة بخلاف القياس في هذه الثلاثة، فلا يتعدى عنها.
والمراد من الحديث بيان قدر الثواب لا أنه تجوز التضحية، يعني له ثواب الصدقة، ولهذا لم يُجوّز النبي ﷺ غير الجذع من الضأن؛ فعلى قياس قول (٢) الظاهري ينبغي أن يجوز.
قوله: (الجذع من الضأن وقيد من الضأن)؛ لأنه لا يجوز من غيره، وعن ابن عمر والزهري: لا يجوز الجذع من الضأن كما لا يجوز من غيره.
ولنا ما روى أبو هريرة وغيره أنه ﷺ قال: «إلَّا مُسِنَّةً فَإِنْ عَسُرَ عليكُم؛ فاذْبَحُوا الجَذَعَ مِنْ الضَّانِ» (٣).
قوله: (في مذهب الفقهاء) قيد به؛ لأن عند أهل اللغة: الجذع من الشاة: ما تمت له سنة.
стр. 6607
وَذَكَرَ الزَّعْفَرَانِيُّ: أَنَّهُ ابْنُ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ. وَالثَّنِيُّ مِنهَا وَمِنْ المَعَزِ ابْنُ سَنَةٍ، وَمِنَ الْبَقَرِ ابْنُ سَنَتَيْنِ، وَمِنْ الإِبِلِ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ، وَيَدْخُلُ فِي البَقَرِ الجَامُوسُ، لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ، وَالمَوْلُودُ بَيْنَ الأَهْلِيّ وَالوَحْشِيِّ يَتْبَعُ الأُمَّ، لِأَنَّهَا هِيَ الأَصْلُ فِي التَّبَعِيَّةِ، حَتَّى إِذَا نَزَا الذِّئْبُ عَلَى الشَّاةِ يُضَحَى بِالوَلَدِ.
قَالَ: (وَإِذَا اشْتَرَى سَبْعَةٌ بَقَرَةً لِيُضَحُّوا بِهَا، فَمَاتَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ النَّحْرِ،
وفي المغرب (١): الجذع من البهائم: قيل: الثني، إلا أنه في الإبل قيل: السنة الخامسة، ومن البقر والشاة في السنة الثانية، ومن الخيل في الرابعة، وعن الأزهري في المعز لسنة، ومن الضأن لثمانية أشهر، ثم الثني من الإبل: الذي ألقى ثنيته، وهو ما استكمل السنة الخامسة ودخل في السادسة، ومن الظلف: ما استكمل السنة ودخل في الثانية، ومن الحافر: ما استكمل الثالثة ودخل في الرابعة، وهو في كلها بعد الجذع.
قال الشاعر:
الثنايا ابن حول وابن ضعف … وابن خَمْسٍ من ذَوِي ظُلْفِ وخُفْ (٢)
قوله: (يتبع الأم) فإن كانت أمه إنسيا يجوز، وإلا لا.
وعند الأئمة الثلاثة؛ لا يجوز كلاهما؛ لأنه ليس من بهيمة الأنعام.
وقلنا: لما كان أمه إنسيا هو من بهيمة الأنعام؛ لترجح جانبها على جانب العجل؛ لأنه يتخلف منها، ولهذا يتبعها في الرق والحرية.
وفي جوامع الفقه وفتاوى الولوالجي: الاعتبار بالمتولد للأم في الأضحية والحل، وقيل: يعتبر بنفسه فيهما، حتى لو ولدت الشاة ظبيا لم تجز الأضحية به، ولو ولدت الرمكة حمارًا؛ لم يجز ولم يؤكل.
وفي الذخيرة: لو نزى الحمار على الرمكة فالمتولد منهما مكروه، وقيل: لا يكره عندهما؛ اعتبارًا للأم.
стр. 6608
وَقَالَتِ الوَرَثَةُ: اذْبَحُوهَا عَنْهُ وَعَنْكُمْ، أَجْزَأَهُمْ، وَإِنْ كَانَ شَرِيكُ السِّتَّةِ نَصْرَانِيًّا أَوْ رَجُلًا يُرِيدُ اللَّحْمَ: لَمْ يُجْزِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ) وَوَجْهُهُ: أَنَّ البَقَرَةَ تَجُوزُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَلَكِنَّ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ قَصْدُ الكُلِّ القُرْبَةَ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ جِهَاتُهَا كَالْأُضْحِيَّةِ وَالْقِرَانِ وَالمُتْعَةِ عِنْدَنَا، لاتِّحَادِ المَقْصُودِ وَهُوَ القُرْبَةُ، وَقَدْ وُجِدَ هَذَا الشَّرْطُ فِي الوَجْهِ الأَوَّلِ، لِأَنَّ الضَّحِيَّةَ عَنْ الغَيْرِ عُرِفَتْ قُرْبَةٌ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ ضَحَّى عَنْ أُمَّتِهِ عَلَى مَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي الوَجْهِ الثَّانِي، لِأَنَّ النَّصْرَانِيَّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَكَذَا قَصْدُ اللَّحْمِ يُنَافِيهَا. وَإِذَا لَمْ يَقَعِ البَعْضُ قُرْبَةٌ، وَالْإِرَاقَةُ لَا تَتَجَزَّأُ فِي حَقِّ القُرْبَةِ لَمْ يَقَعُ الكُلُّ أَيْضًا فَامْتَنَعَ الجَوَازُ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ اسْتِحْسَانُ. وَالقِيَاسُ: أَنْ لَا يَجُوزَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِالإِثْلَافِ، فَلَا يَجُوزُ عَنْ غَيْرِهِ كَالإِعْتَاقِ عَنْ المَيِّتِ، لَكِنَّا نَقُولُ: القُرْبَةُ قَدْ تَقَعُ عَنْ المَيِّتِ كَالتَّصَدُّقِ،
قوله: (وقالت الورثة)؛ أي: الكبار منهم.
قوله: (لم يُجْزِ عن واحد منهم الشركة في البقرة جائز، إلا عند مالك فإنه لا يجوز الاشتراك في الهدي، ثم لو أراد واحد من الشركاء اللحم لا يجوز عن الكل عندنا.
وقال الشافعي وأحمد: يجوز؛ لأن الجزء المجزأ لا ينتقض بإرادة الشريك عن القربة فجاز، كما لو اختلفت جهات القربة.
وقلنا: الإراقة لا تجزئ في حق القربة؛ فإذا وقع بعضه عن قربة لم يقع الكل عن القربة، بخلاف ما لو اختلفت جهاتها، بحيث يقع عن القربة؛ لوجود الشرط، وهو القربة.
وعند زفر: لا يجوز في اختلاف جهتها لقربة أيضًا؛ لأن المحل الواحد لا يقع عن قربتين.
قوله: (وهو) أي: القياس (رواية) عن أبي يوسف؛ لأنه) أي: إذن الورثة (تبرع بالإتلاف)؛ لأن نصيب الميت صار ميرانا، والتضحية عنه تبرع بالإتلاف؛ فلا يصح من الوارث عن الميت، كالإعتاق عن الميت.
стр. 6609
بِخِلَافِ الإِعْتَاقِ، لِأَنَّ فِيهِ إِلْزَامَ الوَلَاءِ عَلَى المَيِّتِ (فَلَوْ ذَبَحُوهَا عَنْ صَغِيرٍ فِي الوَرَثَةِ، أَوْ أُمِّ وَلَدٍ: جَازَ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ قُرْبَةٌ (وَلَوْ مَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، فَذَبَحَهَا البَاقُونَ بِغَيْرِ إِذْنِ الوَرَثَةِ: لَا تُجْزِيهِمْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَعْضُهَا قُرْبَةٌ، وَفِيمَا تَقَدَّمَ وُجِدَ الإِذْنُ مِنَ الوَرَثَةِ فَكَانَ قُرْبَةٌ.
قَالَ: (وَيَأْكُلُ مِنْ لَحْمِ الأَضْحِيَّةِ، وَيُطْعِمُ الأَغْنِيَاءَ وَالفُقَرَاءَ وَيَدَّخِرُ) لِقَوْلِهِ ﵊: «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الأَضَاحِي فَكُلُوا مِنهَا وَادَّخِرُوا» وَمَتَى جَازَ أَكْلُهُ وَهُوَ غَنِيٌّ، جَازَ أَنْ يُوْكِلَهُ غَنِيًّا.
قوله: (فلو ذبحوها عن صغير في الورثة أو أم ولد جاز)؛ أي: لو كان أحد الشركاء صغيرا أو أم ولد.
وفي المبسوط (١): وعلى هذا إذا كان أحد الشركاء أم ولد ضحى عنها مولاها، أو صغيرا ضحى عنه أبوه، ولا خلاف أنه ليس على المولى أن يضحي عن أحد من مماليكه، فإن تبرع بذلك جاز، وإذا جعله شريكا في بدنه؛ ففيه قياس واستحسان.
قوله: (لا تجزيهم) وقال الشافعي وأحمد: تجزيهم؛ لما ذكرنا عدم اشتراط نية الكل قربة عندهما، وعندنا يشترط.
قوله: (ويأكل من لحم الأضحية … ) إلى قوله: (أن يوكله غنيا) وهذا في غير المنذورة، أما في المنذورة لا يأكل الناذر سواء كان موسرًا أو معسرا وبه قالت الأئمة الثلاثة.
وعن أحمد في رواية: يجوز الأكل في المنذورة أيضًا، أما لا يجوز الأكل في جزاء الصيد أو الواجب بجناية، وقد مر في الحج، ولا يجوز أن يؤكل الغني في المنذورة؛ لأن سبيلها التصدق، وليس للمتصدق أن يأكل من صدقته حتى لو أكل تجب قيمة ما أكل. كذا في الذخيرة.
والأكل من أضحيته مستحب عند أكثر العلماء.
وعند الظاهرية واجب، وحكي ذلك عن أبي حفص الوكيل من أصحاب الشافعي؛ لقوله ﷺ : «كُلُوا مِنها» (٢)، ومطلق الأمر للوجوب، ولقوله تعالى:
стр. 6610
قَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُنقِصَ الصَّدَقَةَ عَنْ الثُّلُثِ) لِأَنَّ الجِهَاتِ ثَلَاثَةٌ: الأَكْلُ وَالادْخَارُ لِمَا رَوَيْنَا، وَالإِطْعَامُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَ﴾ [الحج: ٣٦] فَانْقَسَمَ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا. قَالَ: (وَيَتَصَدَّقُ بِجِلْدِهَا) لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنهَا أَوْ يَعْمَلُ مِنهُ آلَةٌ تُسْتَعْمَلُ فِي البَيْتِ كَالنَّفْعِ
﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَ﴾ [الحج: ٣٦].
ولنا أنه ﷺ نحر خمس بدنات ولم يأكل منهن شيئًا، وقال: «من شاءَ فَلْيَقْتَطِعْ» (١)، ولأنها ذبيحة يتقرب بها إلى الله تعالى؛ فلم يجب الأكل منها كالعقيقة والأمر للاستحباب أو للإباحة؛ كالأمر بأكل الثمار والزروع والنظر إليها.
وقوله: (لما روينا) أراد به قوله ﷺ : «فَكُلُوا مِنها وادَّخِروا». وقوله: (والإطعام) بالرفع عطف على قوله: (الأكل والادخار).
القانع: السائل من القنوع لا من القناعة، يقال: قنع قنوعًا: إذا سأل وقنع قناعة: إذا رضي، والمعتر الذي يتعرض للسؤال ولا يسأل. كذا في المغرب.
وقال الشافعي في القديم: يجعلها نصفين: يأكل نصفاً ويتصدق بنصف؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَ﴾ [الحج: ٢٨] وفي الجديد: يستحب أكل الثلث كما قال أكثر أهل العلم؛ لما روي أنه ﷺ يُطعم أهل بيته الثلث، ويُطعم جيرانه الثلث، ويتصدَّقُ على السُّؤَالِ بالثلث (٢)، وهكذا قاله ابن مسعود وابن عمر، ولم يعرف لهما مخالف في الصحابة، فكان إجماعًا. ولأنه تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَ﴾ [الحج: ٣٦] كما ذكره في الكتاب، وأما في الآية التي تمسك بها أصحاب الشافعي ما بين [قدر] (٣)
стр. 6611
وَالجِرَابِ وَالغِرْبَالِ وَنَحْوِهَا، لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهِ غَيْرُ مُحَرَّمِ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ مَا يَنْتَفِعُ بِعَيْنِهِ فِي البَيْتِ مَعَ بَقَائِهِ اسْتِحْسَانًا، وَذَلِكَ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَا، لِأَنَّ لِلْبَدَلِ حُكْمَ المُبْدَلِ، وَلَا يَشْتَرِي بِهِ مَا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ، إِلَّا بَعْدَ اسْتِهْلَاكِهِ كَالخَلِّ وَالْأَبَازِيرِ اعْتِبَارًا بِالبَيْعِ بِالدَّرَاهِمِ.
وَالمَعْنَى فِيهِ: أَنَّهُ تَصَرُّفٌ عَلَى قَصْدِ التَّمَوُّلِ، وَاللَّحْمُ بِمَنْزِلَةِ الجِلْدِ فِي الصَّحِيحِ، فَلَوْ بَاعَ الجِلْدَ أَوْ اللَّحْمَ بِالدَّرَاهِمِ، أَوْ بِمَا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ إِلَّا بَعْدَ اسْتِهْلَاكِهِ:
المأكول، وفسره النبي ﷺ بفعله، وابن عمر بقوله، وابن مسعود بأمره.
قوله: (ونحوها) كالدلو والمنخل ولا خلاف فيه لأحد.
قوله: (أن يشتري به) أي: بجلد الأضحية (ما ينتفع بعينه) مثل ما ذكرنا من (الجراب والغربال).
وقال الأوزاعي: يجوز بكل ما يعار في البيت مثل الفأس والقدر والمنخل والميزان.
وقال الشافعي وأحمد لا يجوز بيعها بأي شيء كان؛ لأنه ﷺ نهى أن يعطى أجرة الجزار منها، والنهي عنه نهي عن البيع؛ لأنه في معنى البيع، ولأنه صار لله تعالى فكيف يجوز بيعها؟. وعندنا لا بأس ببيعه كما ذكرنا، وبه قال مالك.
ولو باع لحمها حتى يتصدق بثمنها جاز؛ لما روي عن ابن عمر أنه يبيع الجلد ويتصدق بثمنه، وفي الأجناس: ليس له بيع لحمها حتى (١) يتصدق بثمنها، وليس له في اللحم أن يطعم أو يأكل.
وفي فتاوى قاضي خان لو اشترى بجلدها جرابًا يجوز، ولو اشترى بلحمها جرابًا لا يجوز، ولو اشترى بجلدها لحما للأكل لا يجوز إلا في رواية عن محمد، وروى ابن سماعة عن محمد: لو اشترى بلحمها ثوبًا فلا بأس بلبسه.
وقوله: (والصحيح)؛ احتراز عن رواية الأجناس.
стр. 6612
تَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ، لِأَنَّ القُرْبَةَ انْتَقَلَتْ إِلَى بَدَلِهِ، وَقَوْلُهُ ﵊: «مَنْ بَاعَ جِلْدَ أُضْحِيَّتِهِ فَلَا أُضْحِيَةَ لَهُ» يُفِيدُ كَرَاهَةَ البَيْعِ، وأَمَّا البَيْعُ فَجَائِزٌ لِقِيَامِ المِلْكِ وَالقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ. قَالَ: (وَلَا يُعْطِي أُجْرَةَ الجَزَّارِ مِنَ الْأَضْحِيَّةِ) لِقَوْلِهِ ﵊ لِعَلِيٌّ ﵁: «تَصَدَّقْ بِجِلَالِهَا وَخِطَامِهَا وَلَا تُعْطِ أَجْرَ الجَزَّارِ مِنهَا شَيْئًا» وَالنَّهْيُ عَنْهُ نَهْي عَنْ البَيْعِ أَيْضًا، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى البَيْعِ. قَالَ: (وَيُكْرَهُ أَنْ يَجُزَّ صُوفَ أُضْحِيَّتِهِ، وَيَنْتَفِعَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَهَا) لِأَنَّهُ التَزَمَ إِقَامَةَ القُرْبَةِ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الذَّبْحِ، لِأَنَّهُ أُقِيمَتْ القُرْبَةُ بِهَا كَمَا فِي الهَدْيِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَحْلُبَ لَبَنَهَا فَيَنْتَفِعَ بِهِ كَمَا فِي الصُّوفِ.
قوله: (وَلَا يُعْطِي أُجْرَةَ الْجَزَّارِ مِنْ الْأَضْحِيَّةِ) عند أهل العلم، ورخص الحسن وعبد الله بن عبيد بن عمر في إعطائه الجلد. ولنا ما رواه في الكتاب متفق عليه، أما لو أعطاه لفقره أو على سبيل الهدية فلا بأس به.
قوله: (ويكره أن يجز صوف أضحيته)، وعن أحمد: إن كان الجز أنفع لها؛ بأن كان في أيام الربيع لا يكره.
قوله: (وَيَنْتَفِعَ بِهِ) أي باللبن. وقال الشافعي وأحمد: إن كان الحلب يضر بها أو ينقص لحمها؛ لم يكن له حلبه، وإلا فله حلبه والانتفاع باللبن.
وعندنا؛ إذا كان يضر لا يحلبها، ولكن يرش على الضرع الماء. وقلنا: لما أعدها للقربة بجميع أجزائها، فكان صرف شيء منها إلى حاجة نفسه في معنى الرجوع عن الصدقة فيكره، بخلاف ما بعد الذبح لإقامة القربة، والانتفاع بعد إقامة القربة مطلق شرعًا.
قالوا: هذا إذا كان بقرب من أيام النحر، أما إذا كان بالبعد منها لا يفيد الرش؛ بل يحلبها ويتصدق باللبن، وهذه الكراهة في الحلب والصوف في التي عينها الفقير، أما في غيرها [لا] (١).
стр. 6613
قَالَ: (وَالأَفْضَلُ أَنْ يَذْبَحَ أُضْحِيَّتَهُ بِيَدِهِ إِنْ كَانَ يُحْسِنُ الذَّبْحَ) وَإِنْ كَانَ لَا يُحْسِنُهُ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِغَيْرِهِ، وَإِذَا اسْتَعَانَ بِغَيْرِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَشْهَدَهَا بِنَفْسِهِ لِقَوْلِهِ ﵊ لِفَاطِمَةَ ﵂: «قُومِي فَاشْهَدِي أُضْحِيَّتَكِ، فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا كُلُّ ذَنْبٍ». قَالَ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَذْبَحَهَا الكِتَابِيُّ لِأَنَّهُ عَمَلٌ هُوَ قُرْبَةٌ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، فَلَوْ أَمَرَهُ فَذَبَحَ: جَازَ، لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ، وَالقُرْبَةُ أُقِيمَتْ
والعجب من الأئمة الثلاثة حيث قالوا: الانتفاع باللبن يجوز، ولكن بشعرها وصوفها وولدها لا يجوز، وقالوا في الفرق بينهما: إن اللبن يتولد من غذائها وعلفها، وهو القائم به فجاز صرفه إليه بخلاف الصوف، ولأن الصوف ينتفع به على الدوام، فجرى مجرى جلدها وأجزائها، واللبن يشرب شيئًا فشيئا، فجرى مجرى منافعها وركوبها، وهو ضعيف كما ترى.
قوله: (ولو أمره) أي: الكتابي (جاز) ولكن يكره، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور وابن المنذر.
وقال مالك: لا يجوز أن يذبحها إلا مسلم، وهكذا حكي عن أحمد؛ لما روي عنه ﷺ قال: «لا يذبح ضحاياكُمْ إلَّا طاهر» (١). وقال جابر: لا يذبح النسك إلا مسلم.
ولنا؛ أن من جاز له ذبح غير الأضحية جاز له ذبح الأضحية، ويجوز أن يتولى الكافر ما كان قربة لمسلم، كبناء المساجد والقناطر، ولكن يكره؛ لما أن إقامة القربة بيده أولى من يد الكافر، ولهذا الأولى أن يذبحها بنفسه؛ لأنه عبادة، فمباشرته بيده أولى، وإن استناب غيره (ينبغي أن يشهدها) أي: يحضرها، كما ذكر في المتن بأنه ﷺ أمر فاطمة ﵂ بالإحضار.
وفي آخر الحديث: «أما إِنَّهُ يُجاءُ بِلَحمِها ودَمِها يوم القيامة فيوضع في ميزانك وسبعين ضعفًا» (٢)، ولأنه ﷺ ضحى الكبشين بيده، ووضع رجله على صفاحهما، ونحر البدنات الست بيده.
стр. 6614
بِإِنَابَتِهِ وَنِيَّتِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَمَرَ المَجُوسِيَّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ فَكَانَ إِفْسَادًا.
قَالَ: (وَإِذَا غَلِطَ رَجُلَانِ، فَذَبَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُضْحِيَةَ الْآخَرِ: أَجْزَأَ عَنْهُمَا، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَأَصْلُ هَذَا: أَنَّ مَنْ ذَبَحَ أُضْحِيَةَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ ضَامِنٌ لِقِيمَتِهَا، وَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ الأُضْحِيَّةِ فِي القِيَاسِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، وَفِي الاسْتِحْسَانِ: يَجُوزُ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الذَّابِحِ، وَهُوَ قَوْلُنَا.
وَجْهُ القِيَاسِ: أَنَّهُ ذَبَحَ شَاةَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَيَضْمَنُ، كَمَا إِذَا ذَبَحَ شَاةٌ اشْتَرَاهَا القَصَّابُ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّهَا تَعَيَّنَتْ لِلذَّبْحِ لِتَعَيُّنِهَا لِلْأُضْحِيَّةِ، حَتَّى وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُضَحِّيَ بِهَا بِعَيْنِهَا فِي أَيَّامِ النَّحْرِ. وَيُكْرَهُ أَنْ يُبْدِلَ بِهَا غَيْرَهَا فَصَارَ المَالُ مُسْتَعِينًا بِكُلِّ مَنْ يَكُونُ أَهْلًا لِلذَّبْحِ أَذِنَا لَهُ دَلَالَةٌ، لِأَنَّهَا تَفُوتُ بِمُضِيِّ هَذِهِ الأَيَّامِ، وَعَسَاهُ
(فكان إفسادًا) لا تقربا.
قوله: (وهو) أي: القياس قول زفر، وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لأنه متعد في ذبح شاة غيره، فيكون ضامنًا، ولأن التضحية قربة فلا تتأدى إلا بنية أو استنابة، فلم توجد حيث فعل الغير بغير إذنه.
(حتى وجب عليه أن يضحي بها بعينها) أي: فيما إذا كان فقيرًا أو اشتراه بنية الأضحية كما ذكرنا.
ويكره أن يستبدل بها غيرها؛ إذا كان غنيا، أما في الفقير لا يجوز الاستبدال، ولكن يجوز استبدالها بخير منها عند أبي حنيفة ومحمد وأحمد ومالك في المنذورة وغيره.
وعند الشافعي وأبي يوسف وأبي الخطاب الحنبلي لا يجوز؛ لأنه قد جعلها الله تعالى، فلم يملك أن يتصرف فيها بالاستبدال كالوقف.
ولنا ما روي أنه ﷺ «ساقَ مِائَةَ بَدَنَةٍ في حَجَّتِهِ» (١)، وقدم علي من اليمن فأشركه فيها. رواه مسلم (٢)، وهذا نوع من الهبة أو بيع.
قوله: (آذِنَا لَهُ دَلَالَةً) والإذن دلالةً كالإذن صريحًا، كما في شرب ماء السقاية.
وَجَازَ عَنْ أُضْحِيَّتِهِ) لِأَنَّهُ مَلَكَهَا بِسَابِقِ الغَصْبِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أُودِعَ شَاةٌ فَضَحَّى بِهَا، لِأَنَّهُ يُضَمِّنُهُ بِالذَّبْحِ، فَلَمْ يَثْبُت المِلْكُ لَهُ إِلَّا بَعْدَ الذَّبْحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قوله: (وجاز عن أضحيته) وهذا عندنا.
قيل: إذا أدى الضمان أيام النحر جاز.
وقال زفر وأبو يوسف في رواية والأئمة الثلاثة: لا يجوز عن أضحيته؛ لأنها وقعت في غير ملكه، فصار كإعتاق الغاصب، ثم ملكه بأداء الضمان، حيث لا ينفذ عتقه.
وقلنا: إنه ملكها عند أداء الضمان مستندًا إلى الغصب السابق، وكانت التضحية واردًا على ملكه، وهذا يكفي للتضحية، بخلاف الإعتاق؛ لأنه يستدعي كمال الملك فيه منصوص، ولا كذلك الأضحية، ولا يقال: الاستناد يظهر في القائم لا في الهالك؛ لأن ذلك بمعزل منا، فإن الإراقة ليست من المملوك بشيء؛ لأنها ليست بصفة الشاة؛ ليظهر أثره فيه، فإن الملك يثبت في المذبوحة، ثم يستند إلى وقت الغصب، فيظهر أن الإراقة حاصلة في ملكه. كذا في الفوائد الشاهية.
стр. 6617
كِتَابُ الكَرَاهِيَةِ
قَالَ ﵁: تَكَلَّمُوا فِي مَعْنَى المَكْرُوهِ وَالمَرْوِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ نَصّاً أَنَّ كُلَّ مَكْرُوهِ حَرَامٌ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجِدْ فِيهِ نَصّاً قَاطِعاً لَمْ يُطْلِقْ عَلَيْهِ لَفْظَ الحَرَامِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ إِلَى الحَرَامِ أَقْرَبُ (*)، وَهُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى فُصُولٍ مِنْهَا.
كِتَابُ الكَرَاهِيَةِ
أورد الكراهية بعد الأضحية؛ لأن عامة مسائل كل واحد لم يخل من أصل أو فرع ترد فيه الكراهة، كما قلنا من كراهة جز الصوف وذبح الكتابي وغيرهما، وخص هذا الكتاب بلفظ الكراهة كما في الجامع الصغير وشرح الطحاوي.
وفي بعض كتب أصحابنا، ذكر بلفظ الحظر والإباحة، كالإيضاح والتمة والتحفة وفتاوى قاضي خان.
وفي بعضها بلفظ الاستحسان، كالمبسوط والمحيط والذخيرة والمغني، وخص في المبسوط وغيره بالاستحسان، وإن كان القياس ثابتا في معاملته؛ لما أن المعمول فيه جهة الاستحسان.
ومحاسن هذا الكتاب راجع إلى ما هو المذكور من محاسن كل جنس من مسائله في كتابه، وكذا سببها وركنها وشروطها وحكمها.
الكراهية والكراهية: ضد الرضا والإرادة، بالفارسية: (بدل دشوار داستن). وعند أهل الفقه: ما هو المذكور في الكتاب.
قوله: (أنه) أي: المكروه (إلى الحرام أقرب).
وفي المحيط: لفظ الكراهة عند الإطلاق يراد بها التحريم، قال أبو يوسف: قلت لأبي حنيفة: إذا قلت في شيء: أكرهه، فما رأيك فيه؟ قال: التحريم.
وفي الحقائق: قال أبو يوسف: الشبهة إلى الحرام أقرب.
стр. 6618
فَصْلٌ فِي الْأَكْلِ وَالشَّرْبِ
(قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُكْرَهُ لُحُومُ الأُتُنِ وَأَلْبَانُهَا وَأَبْوَالُ الإِبِلِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا بَأْسَ بِأَبْوَالِ الإِبِلِ) (*) وَتَأْوِيلُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهَا لِلتَّدَاوِي، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الجُمْلَةَ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ وَالذَّبَائِحِ فَلَا نُعِيدُهَا، وَاللَّبَنُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ اللَّحْمِ فَأَخَذَ حُكْمَهُ، قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ الأَكْلُ وَالشَّرْبُ وَالادْهَانُ وَالتَّطَيُّبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) لِقَوْلِهِ ﵊ فِي الَّذِي يَشْرَبُ فِي إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ: «إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» «وَأُتِيَ أَبُو
فَصْلٌ فِي الْأَكْلِ وَالشَّرْبِ
قوله: (واللبن متولد من اللحم فأخذ حكمه) أي: فيما لم يختلف ما هو المقصود من كل واحد. ولا بد من ذلك القيد، وإلا يلزم نقضًا على هذا الأصل لبن الأصل على قول أبي حنيفة في رواية هذا الكتاب، حيث جعل شرب لبنه حلالاً؛ لما أن المقصود من تحريم لحمه تقليل آلة الغذاء، ولا يوجد ذلك في اللبن.
قوله: (وَالادِّهَانُ وَالتَّطَيُّبُ) وكذا القعود والمجمر، والأكل بملعقتهما، والاكتحال بميلهما.
قيل: صورة الادهان المحرم؛ أن يأخذ الإناء ويصب على رأسه، أما إذا أدخل يده فيها، وأخذ الدهن ثم صبه على رأسه من اليد لا يكره. ذكره في الجامع والذخيرة.
قوله: (يُجَرْجِرُ) الجرجرة: صوت يردده البعير في حنجرته. كذا في الصحاح (١)، وبالفارسية (بانك كردن وريختن)؛ فعلى الأول بالرفع، وعلى الثاني بالنصب، واختار في المغرب النصب، وقال: المحفوظ من الثقات النصب (٢).
стр. 6619
هُرَيْرَةَ ﵁ بِشَرَابٍ فِي إِنَاءِ فِضَّةٍ فَلَمْ يَقْبَلْهُ وَقَالَ: نَهَانَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ »، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الشَّرْبِ فَكَذَا فِي الادْهَانِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، وَلِأَنَّهُ تَشَبُّهُ بِزِيِّ المُشْرِكِينَ، وَتَنَعَمُ بِنِعَمِ المُتْرَفِينَ وَالمُسْرِفِينَ، وَقَالَ فِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: يُكْرَهُ، وَمُرَادُهُ التَّحْرِيمُ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ لِعُمُومِ النَّهْيِ، وَكَذَلِكَ الْأَكْلُ بِمِلْعَقَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَالاكْتِحَالُ بِمِيلِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَكَذَا مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كَالمُكْحُلَةِ وَالْمِرْآةِ وَغَيْرِهِمَا لِمَا ذَكَرْنَا.
قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِ آنِيَةِ الرَّصَاصِ وَالزُّجَاجِ وَالبَلُّورِ وَالعَقِيقِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُكْرَهُ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ فِي التَّفَاخُرِ بِهِ. قُلْنَا: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ التَّفَاخُرُ بِغَيْرِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ.
وعن حذيفة أنه نزل عند دهقان بالمدائن فأتاه بشراب في إناء فضة فلم يقبله، وقال: نهانا رسول الله ﷺ عنه، فنزل في العام الآخر فقدم شرابًا في إناء الفضة أيضًا فكسره حذيفة على رأسه (١)، وعن علي أنه أُتي بفالوذج في إناء فضة؛ فأخرجه وجعله على رغيف فأكله.
قوله: (لأنه في معنى) أي:؛ لأن الإدهان منه في معنى الشرب منه؛ لأن كل واحد استعمال للمحرم، والمحرم؛ الاستعمال بأي وجه كان.
قوله: (بِنِعَمِ الْمُتْرَفِينَ) أي: الطاغين، قال الله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] وغيرهما كالمحرم.
(والسرج المفضض) أي: المرصع بالفضة، وبالفارسية (سم كوفت).
قوله: (وقال الشافعي: يكره) وبه قالت الأئمة الثلاثة. (يروى مع أبي حنيفة) هكذا ذكره الإسبيجابي، ويروى مع أبي يوسف، ويروى هكذا ذكره أبو العاصم العامري.
يقال: باب مضبب أي مشدود بالضباب جمع ضبة (٢)، وهي حديدته
стр. 6620
قَالَ: (وَيَجُوزُ الشَّرْبُ فِي الإِنَاءِ المُفَضَّضِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالرُّكُوبُ عَلَى السَّرْجِ المُفَضَّضِ، وَالجُلُوسُ عَلَى الكُرْسِيِّ المُفَضَّضِ، وَالسَّرِيرِ المُفَضَّضِ إِذَا كَانَ يَتَّقِي مَوْضِعَ الفِضَّةِ) وَمَعْنَاهُ: يَتَّقِي مَوْضِعَ الفَمِ، وَقِيلَ هَذَا وَمَوْضِعَ اليَدِ فِي الْأَخْذِ، وَفِي السَّرِيرِ وَالسَّرْجِ مَوْضِعُ الجُلُوسِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُكْرَهُ ذَلِكَ، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ يُرْوَى مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيُرْوَى مَعَ أَبِي يُوسُفَ (*)، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ الإِنَاءُ المُضَبَّبُ بِالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَالكُرْسِيُّ المُضَبَّبُ بِهِمَا، وَكَذَا إِذَا جَعَلَ ذَلِكَ فِي السَّيْفِ وَالمِشْحَةِ وَحَلْقَةِ المَرْأَةِ، أَوْ جَعَلَ المُصْحَفَ مُذَهَّبًا أَوْ مُفَضَّضًا، وَكَذَا الاخْتِلَافُ فِي اللِّجَامِ وَالرِّكَابِ وَالثَّفْرِ إِذَا كَانَ مُفَضَّضًا، وَكَذَا الثَّوْبُ فِيهِ كِتَابَةٌ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ
العريضة التي يضب بها، ومنه؛ ضب أسنانه بالفضة إذا شدّها. كذا في المغرب (١).
وفي الذخيرة: الضبة: الذهب العريض أو الفضة العريضة تجعل على وجه الباب وما أشبه ذلك.
ثم عند أبي حنيفة لا بأس (بالجلوس على الكرسي المفضض والسرير المفضض) إذا لم يقعد (٢) على موضع الذهب.
(وكذا الاختلاف) إذا جعل ذلك في السقوف أو في المساجد أو (حلقة المرأة أو السيف أو المصحف إذا جعل مُذهبًا أو مُفضّضًا).
وعند الشافعي وأحمد ومالك: حرام كقولهما.
وفي تحلية المسجد والمصحف بالذهب والفضة له وجهان، فذكر بعض أصحابه أصحهما يجوز إعظامًا، ونصه أنه حرام.
(وكذا الاختلاف في اللجام والثفر إذا كان مفضضاً) وكذا الاختلاف إذا كان في نصل السكين فضة أو في قبضة السيف.
قال أبو حنيفة: إن أخذ من السكين موضع الفضة يكره، وإلا فلا، خلافًا لهما وللأئمة الثلاثة.