وَجَازَ عَنْ أُضْحِيَّتِهِ) لِأَنَّهُ مَلَكَهَا بِسَابِقِ الغَصْبِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أُودِعَ شَاةٌ فَضَحَّى بِهَا، لِأَنَّهُ يُضَمِّنُهُ بِالذَّبْحِ، فَلَمْ يَثْبُت المِلْكُ لَهُ إِلَّا بَعْدَ الذَّبْحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قوله: (وجاز عن أضحيته) وهذا عندنا.
قيل: إذا أدى الضمان أيام النحر جاز.
وقال زفر وأبو يوسف في رواية والأئمة الثلاثة: لا يجوز عن أضحيته؛ لأنها وقعت في غير ملكه، فصار كإعتاق الغاصب، ثم ملكه بأداء الضمان، حيث لا ينفذ عتقه.
وقلنا: إنه ملكها عند أداء الضمان مستندًا إلى الغصب السابق، وكانت التضحية واردًا على ملكه، وهذا يكفي للتضحية، بخلاف الإعتاق؛ لأنه يستدعي كمال الملك فيه منصوص، ولا كذلك الأضحية، ولا يقال: الاستناد يظهر في القائم لا في الهالك؛ لأن ذلك بمعزل منا، فإن الإراقة ليست من المملوك بشيء؛ لأنها ليست بصفة الشاة؛ ليظهر أثره فيه، فإن الملك يثبت في المذبوحة، ثم يستند إلى وقت الغصب، فيظهر أن الإراقة حاصلة في ملكه. كذا في الفوائد الشاهية.
стр. 6617
كِتَابُ الكَرَاهِيَةِ
قَالَ ﵁: تَكَلَّمُوا فِي مَعْنَى المَكْرُوهِ وَالمَرْوِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ نَصّاً أَنَّ كُلَّ مَكْرُوهِ حَرَامٌ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجِدْ فِيهِ نَصّاً قَاطِعاً لَمْ يُطْلِقْ عَلَيْهِ لَفْظَ الحَرَامِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ إِلَى الحَرَامِ أَقْرَبُ (*)، وَهُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى فُصُولٍ مِنْهَا.
كِتَابُ الكَرَاهِيَةِ
أورد الكراهية بعد الأضحية؛ لأن عامة مسائل كل واحد لم يخل من أصل أو فرع ترد فيه الكراهة، كما قلنا من كراهة جز الصوف وذبح الكتابي وغيرهما، وخص هذا الكتاب بلفظ الكراهة كما في الجامع الصغير وشرح الطحاوي.
وفي بعض كتب أصحابنا، ذكر بلفظ الحظر والإباحة، كالإيضاح والتمة والتحفة وفتاوى قاضي خان.
وفي بعضها بلفظ الاستحسان، كالمبسوط والمحيط والذخيرة والمغني، وخص في المبسوط وغيره بالاستحسان، وإن كان القياس ثابتا في معاملته؛ لما أن المعمول فيه جهة الاستحسان.
ومحاسن هذا الكتاب راجع إلى ما هو المذكور من محاسن كل جنس من مسائله في كتابه، وكذا سببها وركنها وشروطها وحكمها.
الكراهية والكراهية: ضد الرضا والإرادة، بالفارسية: (بدل دشوار داستن). وعند أهل الفقه: ما هو المذكور في الكتاب.
قوله: (أنه) أي: المكروه (إلى الحرام أقرب).
وفي المحيط: لفظ الكراهة عند الإطلاق يراد بها التحريم، قال أبو يوسف: قلت لأبي حنيفة: إذا قلت في شيء: أكرهه، فما رأيك فيه؟ قال: التحريم.
وفي الحقائق: قال أبو يوسف: الشبهة إلى الحرام أقرب.
стр. 6618
فَصْلٌ فِي الْأَكْلِ وَالشَّرْبِ
(قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُكْرَهُ لُحُومُ الأُتُنِ وَأَلْبَانُهَا وَأَبْوَالُ الإِبِلِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا بَأْسَ بِأَبْوَالِ الإِبِلِ) (*) وَتَأْوِيلُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهَا لِلتَّدَاوِي، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الجُمْلَةَ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ وَالذَّبَائِحِ فَلَا نُعِيدُهَا، وَاللَّبَنُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ اللَّحْمِ فَأَخَذَ حُكْمَهُ، قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ الأَكْلُ وَالشَّرْبُ وَالادْهَانُ وَالتَّطَيُّبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) لِقَوْلِهِ ﵊ فِي الَّذِي يَشْرَبُ فِي إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ: «إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» «وَأُتِيَ أَبُو
فَصْلٌ فِي الْأَكْلِ وَالشَّرْبِ
قوله: (واللبن متولد من اللحم فأخذ حكمه) أي: فيما لم يختلف ما هو المقصود من كل واحد. ولا بد من ذلك القيد، وإلا يلزم نقضًا على هذا الأصل لبن الأصل على قول أبي حنيفة في رواية هذا الكتاب، حيث جعل شرب لبنه حلالاً؛ لما أن المقصود من تحريم لحمه تقليل آلة الغذاء، ولا يوجد ذلك في اللبن.
قوله: (وَالادِّهَانُ وَالتَّطَيُّبُ) وكذا القعود والمجمر، والأكل بملعقتهما، والاكتحال بميلهما.
قيل: صورة الادهان المحرم؛ أن يأخذ الإناء ويصب على رأسه، أما إذا أدخل يده فيها، وأخذ الدهن ثم صبه على رأسه من اليد لا يكره. ذكره في الجامع والذخيرة.
قوله: (يُجَرْجِرُ) الجرجرة: صوت يردده البعير في حنجرته. كذا في الصحاح (١)، وبالفارسية (بانك كردن وريختن)؛ فعلى الأول بالرفع، وعلى الثاني بالنصب، واختار في المغرب النصب، وقال: المحفوظ من الثقات النصب (٢).
стр. 6619
هُرَيْرَةَ ﵁ بِشَرَابٍ فِي إِنَاءِ فِضَّةٍ فَلَمْ يَقْبَلْهُ وَقَالَ: نَهَانَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ »، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الشَّرْبِ فَكَذَا فِي الادْهَانِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، وَلِأَنَّهُ تَشَبُّهُ بِزِيِّ المُشْرِكِينَ، وَتَنَعَمُ بِنِعَمِ المُتْرَفِينَ وَالمُسْرِفِينَ، وَقَالَ فِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: يُكْرَهُ، وَمُرَادُهُ التَّحْرِيمُ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ لِعُمُومِ النَّهْيِ، وَكَذَلِكَ الْأَكْلُ بِمِلْعَقَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَالاكْتِحَالُ بِمِيلِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَكَذَا مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كَالمُكْحُلَةِ وَالْمِرْآةِ وَغَيْرِهِمَا لِمَا ذَكَرْنَا.
قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِ آنِيَةِ الرَّصَاصِ وَالزُّجَاجِ وَالبَلُّورِ وَالعَقِيقِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُكْرَهُ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ فِي التَّفَاخُرِ بِهِ. قُلْنَا: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ التَّفَاخُرُ بِغَيْرِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ.
وعن حذيفة أنه نزل عند دهقان بالمدائن فأتاه بشراب في إناء فضة فلم يقبله، وقال: نهانا رسول الله ﷺ عنه، فنزل في العام الآخر فقدم شرابًا في إناء الفضة أيضًا فكسره حذيفة على رأسه (١)، وعن علي أنه أُتي بفالوذج في إناء فضة؛ فأخرجه وجعله على رغيف فأكله.
قوله: (لأنه في معنى) أي:؛ لأن الإدهان منه في معنى الشرب منه؛ لأن كل واحد استعمال للمحرم، والمحرم؛ الاستعمال بأي وجه كان.
قوله: (بِنِعَمِ الْمُتْرَفِينَ) أي: الطاغين، قال الله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] وغيرهما كالمحرم.
(والسرج المفضض) أي: المرصع بالفضة، وبالفارسية (سم كوفت).
قوله: (وقال الشافعي: يكره) وبه قالت الأئمة الثلاثة. (يروى مع أبي حنيفة) هكذا ذكره الإسبيجابي، ويروى مع أبي يوسف، ويروى هكذا ذكره أبو العاصم العامري.
يقال: باب مضبب أي مشدود بالضباب جمع ضبة (٢)، وهي حديدته
стр. 6620
قَالَ: (وَيَجُوزُ الشَّرْبُ فِي الإِنَاءِ المُفَضَّضِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالرُّكُوبُ عَلَى السَّرْجِ المُفَضَّضِ، وَالجُلُوسُ عَلَى الكُرْسِيِّ المُفَضَّضِ، وَالسَّرِيرِ المُفَضَّضِ إِذَا كَانَ يَتَّقِي مَوْضِعَ الفِضَّةِ) وَمَعْنَاهُ: يَتَّقِي مَوْضِعَ الفَمِ، وَقِيلَ هَذَا وَمَوْضِعَ اليَدِ فِي الْأَخْذِ، وَفِي السَّرِيرِ وَالسَّرْجِ مَوْضِعُ الجُلُوسِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُكْرَهُ ذَلِكَ، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ يُرْوَى مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيُرْوَى مَعَ أَبِي يُوسُفَ (*)، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ الإِنَاءُ المُضَبَّبُ بِالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَالكُرْسِيُّ المُضَبَّبُ بِهِمَا، وَكَذَا إِذَا جَعَلَ ذَلِكَ فِي السَّيْفِ وَالمِشْحَةِ وَحَلْقَةِ المَرْأَةِ، أَوْ جَعَلَ المُصْحَفَ مُذَهَّبًا أَوْ مُفَضَّضًا، وَكَذَا الاخْتِلَافُ فِي اللِّجَامِ وَالرِّكَابِ وَالثَّفْرِ إِذَا كَانَ مُفَضَّضًا، وَكَذَا الثَّوْبُ فِيهِ كِتَابَةٌ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ
العريضة التي يضب بها، ومنه؛ ضب أسنانه بالفضة إذا شدّها. كذا في المغرب (١).
وفي الذخيرة: الضبة: الذهب العريض أو الفضة العريضة تجعل على وجه الباب وما أشبه ذلك.
ثم عند أبي حنيفة لا بأس (بالجلوس على الكرسي المفضض والسرير المفضض) إذا لم يقعد (٢) على موضع الذهب.
(وكذا الاختلاف) إذا جعل ذلك في السقوف أو في المساجد أو (حلقة المرأة أو السيف أو المصحف إذا جعل مُذهبًا أو مُفضّضًا).
وعند الشافعي وأحمد ومالك: حرام كقولهما.
وفي تحلية المسجد والمصحف بالذهب والفضة له وجهان، فذكر بعض أصحابه أصحهما يجوز إعظامًا، ونصه أنه حرام.
(وكذا الاختلاف في اللجام والثفر إذا كان مفضضاً) وكذا الاختلاف إذا كان في نصل السكين فضة أو في قبضة السيف.
قال أبو حنيفة: إن أخذ من السكين موضع الفضة يكره، وإلا فلا، خلافًا لهما وللأئمة الثلاثة.
стр. 6621
عَلَى هَذَا، وَهَذَا الاخْتِلَافُ فِيمَا يَخْلُصُ، فَأَمَّا التَّمْوِيهُ الَّذِي لَا يَخْلُصُ فَلَا بَأْسَ بِهِ بِالإِجْمَاعِ لَهُمَا: أَنَّ مُسْتَعْمِلَ جُزْءٍ مِنْ الإِنَاءِ مُسْتَعْمِلٌ جَمِيعِ الأَجْزَاءِ فَيُكْرَهُ، كَمَا إِذَا اسْتَعْمَلَ مَوْضِعَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ ذَلِكَ تَابِعٌ وَلَا مُعْتَبَرَ بِالتَّوَابع، فَلَا يُكْرَهُ كَالجُبَّةِ المَكْفُوفَةِ بِالحَرِيرِ، وَالعَلَمِ فِي الثَّوْبِ، وَمِسْمَارِ الذَّهَبِ في الفص.
قَالَ: (وَمَنْ أَرْسَلَ أَجِيرًا لَهُ مَجُوسِيًا، أَوْ خَادِمًا، فَاشْتَرَى لَحْمًا فَقَالَ: اشْتَرَيْته مِنْ يَهُودِي أَوْ نَصْرَانِي أَوْ مُسْلِمٍ: وَسِعَهُ أَكْلُهُ)؛ لِأَنَّ قَوْلَ الكَافِرِ مَقْبُولٌ فِي المُعَامَلَاتِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ صَحِيحٌ، لِصُدُورِهِ عَنْ عَقْلٍ وَدِينِ يُعْتَقَدُ فِيهِ حُرْمَةُ الكَذِبِ، وَالحَاجَةُ مَاسَّةٌ إِلَى قَبُولِهِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ المُعَامَلَاتِ (وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ: لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ) مَعْنَاهُ: إِذَا كَانَ ذَبِيحَةَ غَيْرِ الكِتَابِيِّ وَالمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الحِلِّ،
قوله: (فَأَمَّا التَّمْوِيهُ الَّذِي لَا يَخْلُصُ فَلَا بَأْسَ بِهِ بالإجماع) أي: باتفاق أصحابنا؛ لما بينا أن فيه خلاف الشافعي.
(لهما)؛ أي: لأبي يوسف ومحمد عموم ما ورد من النهي، ولأن من استعمل إناء كان مستعملا كل جزء منه فيكره، كما إذا استعمل موضع الذهب والفضة.
(ولأبي حنيفة أن ذلك) أي: استعمال ذلك الجزء (تابع)؛ إذ الاستعمال قصدا للجزء الذي يلاقيه العضو، وما سواه تبع في الاستعمال، فلا يبالى به، وصار (كالجبة المكفوفة بالحرير، والعلم في الثوب)، والعمامة المعلمة بالذهب، (ومسمار الذهب في الفَصِّ)، وصار كمن شرب من كفه وفي إصبعه خاتم فضة.
وعن ابن عمر أنه كان لا يشرب بقدح فيه ضبة فضة ولا حلقة فضة، ومثله عن جماعة، وعن آخرين إباحته.
وحكي أن المسألة وقعت عند أبي جعفر الدوانقي بحضرة أبي حنيفة وأئمة عصره، فقالت الأئمة يكره، فقال أبو حنيفة: إن وضع فمه على الفضة يكره، وإلا لا، وقيل له: ما الدليل عليه؟ فقال: لو كان في إصبعه خاتم فضة فشرب من كفه، أيكره؟ فوقف كلهم، وتعجب أبو جعفر كذا في جامع المحبوبي.
стр. 6622
أَوْلَى أَنْ يُقْبَلَ فِي الحُرْمَةِ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ أَنْ يَقَبَلَ فِي الهَدِيَّةِ، وَالإِذْنِ قَوْلَ العَبْدِ وَالجَارِيَةِ وَالصَّبِيِّ)؛ لِأَنَّ الهَدَايَا تُبْعَثُ عَادَةً عَلَى أَيْدِي هَؤُلَاءِ، وَكَذَا لَا يُمْكِنُهُمْ اسْتِصْحَابُ الشُّهُودِ عَلَى الإِذْنِ عِنْدَ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ وَالمُبَايَعَةِ فِي السُّوقِ، فَلَوْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمْ يُؤَدِّي إِلَى الحَرَج. وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: إِذَا قَالَتْ جَارِيَةٌ لِرَجُلٍ بَعَثَنِي مَوْلَايَ إِلَيْكَ هَدِيَّةٌ: وَسِعَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إِذَا أَخْبَرَتْ بِإِهْدَاءِ المَوْلَى غَيْرَهَا أَوْ نَفْسَهَا لِمَا قُلْنَا. قَالَ: (وَيُقْبَلُ فِي المُعَامَلَاتِ قَوْلُ الفَاسِقِ، وَلَا يُقْبَلُ فِي الدِّيَانَاتِ إِلَّا قَوْلُ العَدْلِ).
وَوَجْهُ الفَرْقِ: أَنَّ المُعَامَلَاتِ يَكْثُرُ وُجُودُهَا فِيمَا بَيْنَ أَجْنَاسِ النَّاسِ، فَلَوْ شَرَطْنَا شَرْحًا زَائِدًا يُؤَدِّي إِلَى الحَرَجِ، فَيُقْبَلُ قَوْلُ الوَاحِدِ فِيهَا، عَدْلًا كَانَ أَوْ فَاسِقًا، كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا عَبْدًا أَوْ حُرًا، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، دَفْعًا لِلْحَرَجِ أَمَّا الدِّيَانَاتُ فَلَا يَكْثُرُ وُقُوعُهَا حَسَبِ وُقُوعِ المُعَامَلَاتِ فَجَازَ أَنْ يَشْتَرِطَ فِيهَا زِيَادَةَ شَرْطٍ، فَلَا يُقْبَلُ فِيهَا إِلَّا قَوْلُ المُسْلِمِ العَدْلِ؛ لِأَنَّ الفَاسِقَ مُتَهَمْ، وَالكَافِرَ لَا يَلْتَزِمُ الحُكْمَ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَ
وفي المجتبى: قيل: الجلوس على سرير من ذهب أو فضة يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ويكره عند محمد؛ كاختلافهم في الجلوس على الحرير، والصحيح أنه يكره بالاتفاق.
قوله: (أولى أن يقبل في الحرمة)، فإن قيل: ذكر بعد هذا: (ولا يقبل في الديانات إلا قول العدل، وأراد بالعدل المسلم المرضي، ثم قال: من الديانات الحل والحرمة)؛ فقد شرط هناك في الديانات الإسلام، وقبل هاهنا خبر المجوسي في الحل والحرمة، وهذا تناقض.
قلنا: فيه تناقض صورة لا حقيقة؛ لأن في إخبار المجوسي أني (اشتريته من يهودي … ) إلى آخره إثبات الحل والحرمة ضمني.
أما قوله: بأن هذا حلال أو حرام إثباتهما قصدي، وكم من شيء يثبت ضمنا ولا يثبت قصدًا كبيع الشرب ووقف المنقول، وفيما [نحن] (١) فيه
стр. 6623
المُسْلِمَ، بِخِلَافِ المُعَامَلَاتِ؛ لِأَنَّ الكَافِرَ لَا يُمْكِنُهُ المَقَامُ فِي دِيَارِنَا إِلَّا بِالمُعَامَلَةِ. وَلَا يَتَهَيَّأُ لَهُ المُعَامَلَةُ إِلَّا بَعْدَ قَبُولِ قَوْلِهِ فِيهَا، فَكَانَ فِيهِ ضَرُورَةٌ، وَلَا يُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ المَسْتُورِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهَا، جَرْيًا عَلَى مَذْهَبِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ القَضَاءُ بِهِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ: هُوَ وَالفَاسِقُ فِيهِ سَوَاءٌ حَتَّى يُعْتَبَرَ فِيهِمَا أَكْبَرُ الرَّأْيِ.
قَالَ: (وَيُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ العَبْدِ وَالحُرِّ وَالأَمَةِ إِذَا كَانُوا عُدُولًا)؛ لِأَنَّ عِنْدَ العَدَالَةِ
[قوله] (١) (اشتريته من يهودي) إخبار (المعاملات)؛ فيثبت الحل ضمنًا، أما في قوله: هذا حلال أو هذا حرام إخبار في الديانات فلا يقبل.
والإمام الخسرواني شرط في الحل الضمني والحرمة الضمني العدل أيضًا؛ حيث قال: هذا إذا كان المخبر عدلاً، وإن كان غير عدل فإن وقع في قلبه صدقه وسعه أكله، وإلا فلا. كذا في جامع المحبوبي.
قوله: (لما قلنا) أراد قوله: (لأن الهدايا تبعث عادة … ) إلى آخره، وروي أن عليا قبل أَمَةً هديةً، وقال لها: أفارغة أنت أم مشغولة؟ فقالت: بل مشغولة، وأخبرته أن لها زوجا، فردها وقبل قولها.
قوله: (ويقبل في المعاملات قول الفاسق) وعند الأئمة الثلاثة لا يقبل إلا قول العدل، وقد مر في الوكالة.
(وعن أبي حنيفة) وهو رواية الحسن عنه؛ أنه يجوز جريًا على مذهبه فإنه يجوز القضاء بشهادة المستورين إذا لم يطعن الخصم، فكان كالعدل.
والأصح ظاهر الرواية؛ لأنه لا بد من اعتبار أحد شطري الشهادة ليكون الخبر ملزما، وقد سقط اعتبار العدد؛ فلم يبق إلا اعتبار العدالة، وإذا ثبت شرطية العدالة؛ فلا يكتفى بوجوده ظاهرا.
قوله: (ويقبل فيها) أي: في الديانات (قول العبد … ) إلى آخره؛ لأن [في] (٢) أمور الدين خبر العبد كخبر الحر، كما في رواية الأخبار، وقد مر في
стр. 6624
الصِّدْقُ رَاجِحٌ وَالقَبُولُ لِرُجْحَانِهِ. فَمِنْ المُعَامَلَاتِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَمِنْهَا: التَّوْكِيلُ. وَمِنْ الدِّيَانَاتِ: الإِخْبَارُ بِنَجَاسَةِ المَاءِ، حَتَّى إِذَا أَخْبَرَهُ مُسْلِمٌ مَرْضِيٌّ لَمْ يَتَوَضَّأَ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ، وَلَوْ كَانَ المُخْبِرُ فَاسِقًا أَوْ مَسْتُورًا تَحَرَّى، فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ: يَتَيَمَّمُ وَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ، وَإِنْ أَرَاقَ المَاءَ، ثُمَّ تَيَمَّمَ كَانَ أَحْوَطَ، وَمَعَ العَدَالَةِ يَسْقُطُ احْتِمَالُ الكَذِبِ، فَلَا مَعْنَى لِلِاحْتِيَاطِ بِالإِرَاقَةِ، أَمَّا التَّحَرِّي فَمُجَرَّدُ ظَنِّ.
وَلَوْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ كَاذِبٌ: يَتَوَضَّأُ بِهِ وَلَا يَتَيَمَّمُ لِتَرَجُحِ جَانِبِ الكَذِبِ
الصوم في رؤيا الهلال، ورواية النساء من الصحابة مقبولة، قال ﷺ : «خذُوا ثُلُثَيْ دينِكُمْ عن هذه الحميراء» (١).
قوله: (ولا يتيمم لترجح جانب الكذب)، وفي المتنازع لو لم يترجح أحد الوجهين فالأصل في الماء الطهارة.
فإن قيل: ينبغي أن يتيمم أيضًا احتياطًا؛ للتعارض بين خبر الفاسق والتحري، كما في سؤر الحمار، يجمع بينهما لتعارض الأدلة.
قلنا: النص حكم بالتوقف في نبأ الفاسق، والأمر بالتيمم هاهنا عمل بخبره من وجه، فكان خلاف النص، ولما بقي التوقف في خبره بقي أصل الطهارة، فلا حاجة إلى ضم التيمم.
وقيل: هذا جواب الحكم؛ فأما في الاحتياط يتيمم بعد الوضوء، ولما قلنا إن التحري مجرد ظن؛ فكان فيه احتمال الخطأ.
ولو أخبر بنجاسة الماء ذمي أو صبي، لا يعمل بخبره ويتوضأ؛ لأن ما أخبر به لا يلزمهما، فيصير غيرهما مقصودًا، فيصير من باب الإلزام، وليس لهما ولاية الإلزام.
стр. 6625
بِالتَّحَرِّي، وَهَذَا جَوَابُ الحُكْمِ. فَأَمَّا فِي الاحْتِيَاطِ فَيَتَيَمَّمُ بَعْدَ الوُضُوءِ لِمَا قُلْنَا. وَمِنهَا: الحِلُّ وَالحُرْمَةُ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ زَوَالُ المِلْكِ، وَفِيهَا تَفَاصِيلُ وَتَفْرِيعَاتُ ذَكَرْنَاهَا فِي «كِفَايَةِ المُنْتَهِي».
قوله: (ومنها) أي: ومن الديانات (الحل والحرمة إذا لم يكن فيه زوال ملك) مثل الإخبار بحل الطعام وحرمته؛ لأنه ليس من ضرورة الانتفاع زوال ملك اليمين، كعصير إذا تخمر، فاعتبر أمر ديننا، وخبر الواحد مقبول فيه.
أما إذا كان فيه زوال ملك، كما إذا أخبرت امرأة واحدة أو رجل واحد ثقة، رجلًا أن زوجته معه ارتضعا من امرأة واحدة؛ لم تثبت الحرمة حتى لا يجب التفريق، ولم يقبل خبرها إلا على قول أحمد والحسن البصري؛ أنه يقبل خبر المرضعة فقط، وقد مر في الرضاع.
وفي فتاوى قاضي خان والكافي: والأفضل أن يتنزه؛ لأن شهادة الواحد حجة في التنزيه، كشهادة رجل عدل بالطلاق البائن أو الثلاث، فالحاكم يحول بينهما، وإن كان لا يفضي إلى زوال الملك، كذا هنا. هكذا في المبسوط والذخيرة.
ومن التفريعات: ما لو اشترى مسلم لحمًا، فأخبره مسلم ثقة أنه ذبحه مجوسي؛ يكره له أكله وبيعه؛ لأنه أخبر بحرمة العين، وهو خبر ديني فتتم الحجة بخبر الواحد، وتبقى العين مملوكة؛ لأن نقض الملك لا يجوز بخبر الواحد، وحرمة الأكل تنفصل عن زوال الملك، كالدهن النجس، وكالمباح له الطعام إذا نهى عن أكله يحرم عليه الأكل بدون زوال الملك، فهذا الاعتبار يوجب الحرمة، لكن الحل في هذه العين ثبت بسبب الملك لا بسبب الإباحة.
والملك لم يزل بشهادة الفرد، فيجب ألا تزول الإباحة، كما في النكاح على ما ذكرنا؛ فإذا اجتمع ما يوجب الحل وما يوجب الحرمة أثبتنا أمرًا بين أمرين، وهو الكراهة بخلاف النكاح، فإنا أثبتنا فيه التنزه لا غير؛ لما قلنا أن الحرمة لا تنفصل عن زوال الملك، والحل لا ينفصل عن ثبوت الملك، فلم تثبت الكراهة؛ لأنه لم يلزم الملك.
وكذا لو اشترى جارية أو ملك طعامًا هبة، أو ملكهما ميرانا؛ فأخبر ثقة أنه لفلان غصبه البائع أو الميت أو الواهب.
стр. 6626
قَالَ: (وَمَنْ دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةٍ، أَوْ طَعَامٍ، فَوَجَدَ ثَمَّةَ لَعِبًا، أَوْ غِنَاء، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ
والمستحب التنزه من الأكل والوطء، وإن لم يتنزه فهو في سعة، بخلاف ما إذا أخبر أنه ذبيحة مجوسي فإنه يكره له أكله، ولا يسعه ذلك؛ لأن المشهود به ثمة حق الله تعالى، لا حق العبد حتى لا تزول الحرمة بإباحة العبد، فتثبت بقول الواحد؛ لأنه حجة في الديانات.
أما هاهنا المشهود به حرمة تثبت به حقا للعبد؛ لأن المشهود به كون الشيء مغصوبا في يد البائع، وشراء المغصوب حرام حقا للمالك لا لحق الله تعالى، بدليل أنه تزول الحرمة بإجازته، وكذلك حرمة أكل المغصوب باعتبار حق العبد حتى تزول بإباحته وإذنه، فلما كان كذلك كان حقا من حقوق العبد؛ فلا يثبت بشهادة الفرد؛ كما في النكاح لم يعتبر حجة لهذا، فكذا هاهنا. كذا في المبسوط والذخيرة.
قوله: (أَوْ غِنَاء) بكسر الغين: السماع، ويقال بالفارسية: (سرود) وبفتح الغين الكفاية، كلاهما ممدودان، وبكسرها بغير مد: اليسار. كذا في الصحاح (١).
وقيل: في الضابط (٢)؛ (ممدود مقصور باد مقصور ممدود باد)؛ لأن إجابة الدعوة سُنّة، سواء كانت وليمة أو غيرها، وبه قال أحمد ومالك في رواية.
وقال الشافعي: إجابة وليمة العرس واجبة وغيرها مستحبة، وبه قال مالك في رواية.
ثم غير الوليمة من الدعوات ما يستحب إتيانها، وهي ما يفعل لحسن العشرة وإرادة الألفة، وما سوى ذلك من الخرس، وهو طعام الولادة والعقيقة، والإعذار وهو طعام الختان، والوكيرة وهو طعام لبناء الدار، والنقيعة، وهي طعام القادم من السفر بالإجابة إلى الكل يستحب عندنا والشافعي. وعند أحمد ومالك جائز غير مستحب.
وأما دعوة يقصد بها قصد مذموم؛ من التطاول وابتغاء المحمدة والشكر
стр. 6627
يَقْعُدَ وَيَأْكُلَ) قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: ابْتُلِيتُ بِهَذَا مَرَّةً فَصَبَرْتُ. وَهَذَا لِأَنَّ إِجَابَةَ الدَّعْوَةِ سُنَّةٌ. قَالَ ﵊: مَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ فَلَا يَتْرُكُهَا، لِمَا اقْتَرَنَ بِهَا مِنْ البِدْعَةِ مِنْ غَيْرِهِ، كَصَلَاةِ الجِنَازَةِ وَاجِبَةُ الإِقَامَةِ وَإِنْ حَضَرَتْهَا نِيَاحَةٌ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى المَنْعِ مَنَعَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ يَصْبِرْ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُقْتَدًى بِهِ، فَإِنْ كَانَ مُقْتَدًى وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَنْعِهِمْ يَخْرُجُ وَلَا يَقْعُدُ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ شَيْنَ الدِّينِ وَفَتْحَ بَابِ المَعْصِيَةِ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَالمَحْكِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي الكِتَابِ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مُقْتَدًى بِهِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى المَائِدَةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْعُدَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقْتَدًى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨] وَهَذَا كُلُّهُ بَعْدَ الحُضُورِ، وَلَوْ عَلِمَ قَبْلَ الحُضُورِ لَا يَحْضُرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ حَقٌّ
وما أشبه ذلك؛ فلا ينبغي إجابتها لا سيما لأهل العلم؛ لأن في الإجابة إذلال أنفسهم.
قيل: ما وضع أحد يده في قصعة غيره؛ إلا ذَلَّ له.
قوله: (كصلاة الجنازة واجبة الإقامة).
ولا يقال: قاس السنة على الواجب، وفي الواجب بتركها يأثم، ففي عدم الحضور يلزم ترك الواجب، وفي السنة لا يأثم بتركها، فباقتران المعصية ينبغي أن يتركها.
لأنا نقول: هذا سنة في قوة الواجب؛ لورود الوعيد بتركه، فإن الحديث المذكور في الكتاب يدل عليه وإن لم يثبت الوجوب بالإجماع، وكذا قوله ﷺ : «إِذا دُعِيَ أَحدُكُم فَلَيُجِبْ؛ فإن كانَ مُفطِرًا فليأكُل، وإن كانَ صَائِمًا فَلْيَدَعْ» (١)؛ فلا يتركها للبدعة التي اقترنت بها، كما في صلاة الجنازة، وكذا تشييع الجنازة لا يجوز تركه؛ بنياحة أهل البيت وشق جيوبهم.
قوله: (ولو علم قبل الحضور لا يحضر) سواء كان مقتدى أو لا، وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لأنه لم يلزمه حق الدعوة؛ لأنها غير مسنونة، وعن أبي حفص
стр. 6628
الدَّعْوَةِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا هَجَمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ، وَدَلَّت المَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ المَلَاهِيَ كُلَّهَا حَرَامٌ، حَتَّى التَّغَنِّي بِضَرْبِ القَضِيبِ.
الكبير: إذا كان ممن لا يحترم ولا تترك المعصية لأجله، فترك الإجابة؛ لقوله ﷺ : ﴿مَنْ كَثَّرَ سواد قوم؛ فَهُوَ مِنهُم﴾ (١) إن كان محترما ويتركون المعصية بسببه يحضر.
قوله: (ودلت المسألة … ) إلى آخره؛ لأن محمدًا أطلق اسم اللعب والغناء بقوله: يوجد ثم اللعب والغناء، فاللعب، وهو اللهو، حرام بالنص، قال ﷺ : «لَهْوُ المُؤمِنِ باطِلُ إِلَّا في ثلاث تأديبِهِ فرسه» وفي رواية: «مُلاعبته بفرسِهِ ورَميهِ عن قوسِهِ وملاعَبَتِهِ مع أهلِهِ» (٢)، وهذا الذي ذكرنا ليس من هذه الثلاثة، فيكون باطلا.
ثم الغناء قال بعض المشايخ: دلت المسألة على أن مجرد الغناء والاستماع إليه معصية؛ لما روى الصدر الشهيد في كراهية الواقعات عن رسول الله ﷺ ، قال: «إستماع الملاهي معصيةٌ، والجُلوس عليها فسق، والتَّلَذَّذُ بِها مِنْ الكُفْرِ» (٣)، وإنما قال ذلك على وجه التشديد.
وقال ابن مسعود: إن صوت اللهو والغناء يُنْبِتُ النفاق في القلب؛ كما ينبتُ النبات بالماء.
وروى في فردوس الأخبار عن جابر: احذروا الغناء فإنه من قبل إبليس، وهو شرك عند الله، ولا يُغَنِّي إلا الشيطان.
ولهذا قال مشايخنا: استماع القرآن بالألحان معصية، والتالي والسامع آثمان.
стр. 6629
وَكَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ ابْتُلِيتُ، لِأَنَّ الِابْتِلَاءَ بِالمُحَرَّمِ يَكُونُ.
وقال بعضهم: إذا كان يتغنى ليستفيد به نظم القوافي أو يدفع الوحشة عن نفسه فلا بأس به، وبه أخذ شمس الأئمة السرخسي، والمكروه إذا كان على سبيل اللهو؛ لحديث أنس أنه كان من زهاد الصحابة، ثم كان يتغنى في مرضه، وكان ذلك لا يفعل تَلَهّيًا (١) ولكن يدفع الوسواس عن نفسه.
قال شيخ الإسلام ﵀: جميع ذلك مكروه عند علمائنا ﵏؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهُوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] جاء في التفسير أن المراد الغناء.
وأما حديث أنس: أنه كان ينشد الأشعار المباحة، وهي التي فيها الموعظة والحكمة، ولا بأس بإنشاد مثل هذه الأشعار، ولو كانت في الشعر صفة امرأة إن كانت بعينها وهي حية يكره، وإن كانت ميتة لا يكره، وإن كانت غير معينة لا يكره. كذا في الذخيرة وفتاوى قاضي خان وجامعه وجامع المحبوبي.
وعند الأئمة الثلاثة: قراءة القرآن بالألحان حرام، وفضل الشافعي في ذلك فقال: إن كانت الألحان لا تُغَيِّرُ الحروف عن نظمها جاز، وإن كانت تُغَيِّرُ لا يجوز، وهكذا قال مشايخنا، وأنه يقبح السماع، ولكن ترد شهادة القوال والرقاص.
وفي التتمة: ومن السحت ما يأخذه الشاعر على الشعر، والمضحك للناس أو يسخر منهم، ويحدث الناس بمغازي رسول الله ﷺ وأصحابه لا سيما أحاديث العجم، مثل رستم واسفنديار.
وما تأخذه المغنية والنائحة والكاهنة، والواشمة والواشرة والمقامير، والمتوسطة لعقد النكاح والقواد والمصلح بين المتشاحنين، وثمن الخمر والسكر وعسيب التيس، وثمن جلود الميتات قبل الدباغ ومهر البغي وأجر الحجام، ولكن قال: الأولى أن يتنزه وأصحاب جميع المعازف، ولا يعلم فيه خلاف.
стр. 6630
فَصْلٌ فِي اللُّبْسِ
قَالَ: (لَا يَحِلُّ لِلرِّجَالِ لُبْسُ الحَرِيرِ وَيَحِلُّ لِلنِّسَاءِ)؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﵊ نَهَى عَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَقَالَ: إِنَّمَا يَلْبَسُهُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ» وَإِنَّمَا حَلَّ لِلنِّسَاءِ بِحَدِيثٍ آخَرَ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ عِدَّةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنْهُمْ عَلِيٌّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ وَبِإِحْدَى يَدَيْهِ حَرِيرٌ وَبِالْأُخْرَى ذَهَبٌ، وَقَالَ: هَذَانِ مُحَرَّمَانِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حَلَالٌ لِإِنَاثِهِمْ وَيُرْوَى: «حِلُّ لِإِنَائِهِمْ» (إِلَّا أَنَّ القَلِيلَ عَفْرٌ، وَهُوَ مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ، أَوْ أَرْبَعَةٍ كَالأَعْلَامِ وَالمَكْفُوفِ بِالحَرِيرِ) لِمَا رُوِيَ
فَصْلٌ فِي اللُّبْسِ
قدم الأكل؛ لأنه أشد حاجة، ثم عقب عليه اللبس وقدمه على الوطء؛ لأن الحاجة إليه أشد.
قوله: (ويحل للنساء … ) إلى آخره، قال بعض الناس: يحل للرجال أيضًا؛ لأنه ﵇ صلَّى وعليه فروج من حرير (١)، وفي حديث مخرمة أنه ﷺ خرج إليه وعليه قباء من ديباج (٢).
وللعامة نهيه عن لبس الحرير والديباج، وقال: «إِنَّمَا يَلْبَسُهُ مَنْ لا خَلاقَ لَهُ في الآخرة» (٣) أي: نصيب له، وما روي منسوخ بما روينا، وقال بعض الفقهاء: هو حرام على النساء؛ لعموم النهي، ولنا حديث عليّ وأبي موسى وابن عمر وعقبة بن عامر أنه ﷺ خرج وبإحدى يديه حرير وبالأخرى ذهب، وقال: «هذان حرامان على ذكور أمتي حل لإناثهم» (٤).
وعن عمر أنه استقبل جيشًا من الغزاة، فلبسوا بعضهم الحرير فأعرض عنهم، فقيل له: لم أعرضت عنهم؟ قال: لأن عليهم ثياب أهل النار.
قوله: (مقدار ثلاثة أصابع أو أربع) وقال بعض الناس: كره الثوب المعلم بالحرير.
стр. 6631
«أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ إِلَّا مَوْضِعَ إِصْبَعَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةِ أَرَادَ الأَعْلَامَ، وَعَنْهُ ﵊ أَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ جُبَّةٌ مَكْفُوفَةٌ بِالحَرِيرِ».
قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِتَوَسُّدِهِ وَالنَّوْمِ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يُكْرَهُ) وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ ذَكَرَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ وَحْدَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ
وقال ابن القاسم: لم يجوز مالك من الحرير في الثوب إلا الخيط الرقيق؛ لوقوع النهي مطلقا، فيقع على الكثير والقليل، وبعض أصحابه يجوز مقدار العلم، ولنا الحديث المذكور في الكتاب.
وفي القنية: عمامةٌ طُرَّتُها قدر أربع أصابع من إبريسم من أصابع عمر، قيس شبرنا يرخص، قال تاج الدين أخو (١) حسام الدين الشهيد: المعتبر قدر أربع أصابع لا مضمومة كل الضم، ولا منشورة كل النشر، قال المرغيناني: أربع أصابع على هيئتها كما هي لا أصابع السلف.
وقال الكرماني: أربع أصابع منشورة، قال الكرابيسي: هذا أولى، وقال أبو الفضل الكرماني: العلم في العمامة في مواضع تجمع.
وقال الحلواني وأبو حامد: لا تجمع، وقال الإسبيجابي في القلنسوة كذلك.
وعن محمد ﵀: لا يسع في القلنسوة؛ لأن أبا حنيفة ﵀ رخص في العلم في عرض الثوب.
قال صاحب المجتبى: وهذا يدل على أن القليل في طوله يكره، وقال محمد في السير [الكبير] (٢): المعلم عفو أي مقدار [كان] (٣).
قوله: (وقالا) أي: أبو يوسف ومحمد رحمهما الله (يكره) ويستوي فيه الرجل والمرأة، بخلاف اللبس. ذكره في الخلاصة.
وقالت الأئمة الثلاثة وأكثر أهل العلم: حرام للرجال دون النساء.
стр. 6632
القُدُورِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ المَشَايِخِ، وَكَذَا الاخْتِلَافُ فِي سِتْرِ الحَرِيرِ وَتَعْلِيقِهِ عَلَى الأَبْوَابِ. لَهُمَا العُمُومَاتُ، وَلِأَنَّهُ مِنْ زِيِّ الأَكَاسِرَةِ وَالجَبَابِرَةِ وَالتَّشَبُّهُ بِهِمْ حَرَامٌ. وَقَالَ عُمَرُ ﵁: إِيَّاكُمْ وَزِيَّ الأَعَاجِمِ.
وَلَهُ: مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ جَلَسَ عَلَى مِرْفَقَةِ حَرِيرٍ»، وَقَدْ كَانَ عَلَى بِسَاطِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مِرْفَقَةُ حَرِيرٍ، وَلِأَنَّ القَلِيلَ مِنْ المَلْبُوسِ مُبَاحُ كَالأَعْلَامِ، فَكَذَا القَلِيلُ مِنْ اللُّبْسِ وَالاسْتِعْمَالِ، وَالجَامِعُ كَوْنُهُ نَمُوذَجًا عَلَى مَا عُرِفَ.
(وغيره) أي: غير القدوري كالقاضي أبي عاصم وغيره، وذكر أبو الليث قوله مع أبي حنيفة.
قوله: (لهما) أي: لأبي يوسف ومحمد (العمومات) وهو قوله: «حرامان
على ذكور أمتي» (١) ونهيه ﷺ عن لبس الحرير متفق عليه، والافتراش مثل اللبس.
وعن سعد بن أبي وقاص: لأن أتكئ على جمرة الغضا أحب إلي من أن أتكئ على مرافق الحرير.
وعن عمر أنه أتي بدابة على سرجها حرير فقال: هذا لهم في الدنيا ولنا في الآخرة، ولأن هذا عادة الأكاسرة، والتشبه بهم حرام.
قال عمر: إياكم وزي الأعاجم، قال الخسرواني: أكثر مشايخنا أخذوا بقولهما؛ لأن ماله التجبر. كذا في الحقائق.
المرفقة - بكسر الميم -: وسادة الاتكاء. النموذج بالفتح.
والأنموذج - بالضم -: تعريب (نموده)، وهو أن يعلم بهذا المقدار لذة ما وعد له في الآخرة منه، وترغيب في سبب توصله إليه.
فإن قيل: الجلوس على كرسي الفضة لا يحل، ولا يحل افتراشه أيضًا في الأصح، وقد حل القليل وهو لبس الخاتم.
стр. 6633
قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ الحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ فِي الحَرْبِ عِنْدَهُمَا) لِمَا رَوَى الشَّعْبِيُّ «أَنَّهُ ﵊ رَخَّصَ فِي لُبْسِ الحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ فِي الحَرْبِ» وَلِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةٌ، فَإِنَّ الخَالِصَ مِنْهُ أَدْفَعُ لِمَعَرَّةِ السِّلَاحِ وَأَهْيَبُ فِي عَيْنِ العَدُوِّ لِبَرِيقِهِ (وَيُكْرَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ)؛ لِأَنَّهُ لَا فَضْلَ فِيمَا رَوَيْنَاهُ، وَالضَّرُورَةُ انْدَفَعَتْ بِالمَخْلُوطِ، وَهُوَ
قلنا: إنا ما أطلقنا القليل إلا ليكون أنموذجا، فإذا انقلب مقصودًا بقي حرامًا كالخمر؛ وهذا لأن الحرير لباس أهل الجنة، قال تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر: ٣٣]؛ فوجب إطلاق القليل منه وهو العلم، والقليل من لبسه وهو الافتراش؛ ليكون أنموذجا إلى ذلك الكثير الكامل، فأما الفضة فلا تكون لباسًا في الدار الآخرة، وإنما يكون منه الكراسي ونحوه، فلو أطلقنا لصار عينها مطلقا، وعين الشيء لا يصلح أنموذجا.
قوله: (والديباج)؛ اسم لثوب سداه ولُحْمَتُه إبريسم، وعندهم: اسم المنقش، والحرير من إبريسم مطبوخ.
وفي جمع التفاريق: الحرير ما كان مصمتًا، كذا في جامع المحبوبي والحقائق، ووافقهما [ابن] (١) الماجشون المالكي، ورخص ابن القاسم المالكي الأعلام منه في أرض العدو، ولم يجوزه مالك، وأكثر أهل العلم كقول أبي حنيفة.
قال الإسبيجابي: الخلاف في الصفيق، أما الثوب الرقيق من الإبريسم لا يجوز في الحرب بلا خلاف.
(مَعَرَّةِ السلاح)؛ شِدَّتُهُ.
وقوله: (فيما رويناه) إلى قوله ﷺ : «هَذَانِ حَرَامَانِ» الحديث (٢).
والخز: ثوب سداه حرير ولحمته صوف حيوان في الماء، ولا يعلم فيه خلاف للأئمة، وأن الصحابة كانوا يلبسون الخز.
قال وهب بن كيسان: رأيت سعد بن أبي وقاص وأبا هريرة وأنسا
стр. 6634
الَّذِي لُحْمَتُهُ حَرِيرٌ، وَسَدَاهُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَالمَحْظُورُ لَا يُسْتَبَاحُ إِلَّا لِضَرُورَةِ.
وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى المَخْلُوط. قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ مَا سُدَاهُ حَرِيرٌ وَلُحْمَتُهُ غَيْرُ حَرِيرٍ كَالقُطْنِ وَالخَرِّ فِي الحَرْبِ وَغَيْرِهِ) لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا يَلْبَسُونَ الخَرَّ، وَالخَزُّ مَسْدِيُّ بِالحَرِيرِ، وَلِأَنَّ الثَّوْبَ إِنَّمَا يَصِيرُ ثَوْبًا بِالنَّسْجِ، وَالنَّسْجُ بِاللُّحْمَةِ: فَكَانَتْ هِيَ المُعْتَبَرَةُ دُونَ السَّدَى وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: أَكْرَهُ ثَوْبَ القَنِّ يَكُونُ بَيْنَ الفَرْوِ وَالظُّهَارَةِ، وَلَا أَرَى بِحَشْوِ القَرِّ بَأْسًا؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ مَلْبُوسٌ وَالحَشْوَ غَيْرُ مَلْبُوسٍ. قَالَ: (وَمَا كَانَ لُحْمَتُهُ حَرِيرًا وَسُدَاهُ غَيْرَ حَرِيرٍ: لَا بَأْسَ بِهِ فِي الحَرْبِ)
يلبسون (١)، وكان مُطْرَفُ خَزّ عبد الله بن الزبير تلبسه عائشة.
قوله: (والنسج باللحمة فكانت هي المعتبرة دون السدى)؛ لأن الحكم إذا تعلق بوصفين فيضاف الحكم إلى آخرهما، واللحمة آخرهما؛ فعلى هذا يجوز لبس العتابي ونحوه.
وقيل في وجه المسألة؛ أن اللحمة تكون على ظاهر الثوب ترى وتشاهد وتلاقي البشرة، وكان تزيّنا بالحرير، فعلى هذا يكره لبس العتابي؛ لأنه يكون سداه ظاهرا. كذا في جامع قاضي خان.
قوله: (وما كانت لحمته حريرًا وسداه غير حرير)، ويقال له القطني، يكره في الحرب للضرورة، وقد ذكرنا أن ما رواه محمول على المخلوط؛ لأن الاعتبار للحمة، ولا ضرورة.
وفي الذخيرة: ذكر هشام عن محمد أنه لم ير بأسًا باللباس المرتفع جدا، وقال خرج رسول الله ﷺ ذات يوم وعليه رداء قيمته ألف درهم، وربما قام إلى الصلاة وعليه رداء قيمته أربعة آلاف درهم ودخل عليه رجل من أصحابه وعليه رداء خز، فقال ﷺ : «إن الله تعالى إذا أنعم على عبد أحب أن يَرَى آثار نعمتِهِ عَلَيْهِ» (٢).
стр. 6635
لِلضَّرُورَةِ وَيُكْرَهُ فِي غَيْرِهِ لِانْعِدَامِهَا، وَالِاعْتِبَارُ لِلَّحْمَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ لِلرِّجَالِ التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ لِمَا رَوَيْنَا وَلَا بِالفِضَّةِ) لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهُ (إِلَّا بِالخَاتَمِ، وَالمِنطَقَةِ، وَحِلْيَةِ السَّيْفِ مِنْ الفِضَّةِ) تَحْقِيقًا لِمَعْنَى النَّمُوذَجِ، وَالفِضَّةُ أَغْنَتْ عَنِ الذَّهَبِ إِذْ هُمَا مِنْ جِنْسِ وَاحِدٍ، كَيْفَ وَقَدْ جَاءَ فِي إِبَاحَةِ ذَلِكَط
وأبو حنيفة يرتدي برداء قيمته أربعمائة دينار، وأباح الله تعالى الزينة بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٣٢].
قيل لأبي حنيفة: أليس أن عمر كان يلبس قميصا عليه كذا كذا رقعة، قال: ذاك لحكمة، وهو أنه أمير المؤمنين، فلو لبس ثيابًا نفيسة أو اتخذ لنفسه ألوانًا من الطعام فعماله وحشمه يقتدون به في ذلك، وربما لا يكون لهم فيأخذون ظلما، فاختار ذلك لهذه المصلحة، وما روينا عنه ﷺ في لباسه دليل جوازه.
وكان أبو حنيفة يكره للرجال لبس ثوب المعصفر والمزعفر، وقيل: لا بأس به.
وذكر محمد في السير الكبير: لا بأس أن ينقش بيته ويتجمل بالثياب الفاخرة والأواني، ولا يجعله كأستار الكعبة، ولكن يؤزر بإزرار. وعن الأئمة الثلاثة بالإبريسم لا يجوز إلا في أستار الكعبة.
والستر الذي فيه صور الحيوان مكروه، وعن بعض أصحاب الشافعي: إن كان للحاجة لا بأس به، كستر على الباب، وكذا لو كانت الصورة صغيرة لا تبدو للناظر، ويجوز التجمل بالأواني من الذهب والفضة بشرط ألا يريد به التفاخر والتكاثر؛ لأن فيه إظهار نعم الله تعالى.
ولا تكره التكة من حرير، وعن أبي يوسف: تكره، وبه قال مالك، واختلف في عصب الجراح بالحرير، وقيل: لا يحل استعمال منطقة وفي وسطها ديباج، وقيل: يحل إذ لم يبلغ عرضها قدر أربع أصابع. كذا في المجتبى.
وفي القنية: قال القاضي عبد الجبار: لف العمامة الطويلة ولبس الواسعة؛ يباح في حق الفقهاء الذين هم أعلام الدين دون النساء.
стр. 6636
آثَارٌ. وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَلَا يَتَخَتَّمُ إِلَّا بِالفِضَّةِ، وَهَذَا نَصُّ عَلَى أَنَّ التَّخَتُمَ بِالحَجَرِ وَالحَدِيدِ وَالصُّفْرِ حَرَامٌ. وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﵊ عَلَى رَجُلٍ خَاتَمَ صُفْرٍ فَقَالَ: مَالِي أَجِدُ مِنْكَ رَائِحَةَ الأَصْنَامِ. وَرَأَى عَلَى آخَرِ خَاتَمَ حَدِيدٍ، فَقَالَ: مَالِي أَرَى عَلَيْكَ حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَطْلَقَ الحَجَرَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ:
قوله: (ولا يتختم إلا بالفضة) قالوا: إن قصد به التجبر يكره، وإلا لا، ذكره المحبوبي.
في إباحة ذلك آثار، وهي ما روى المحبوبي: كان للنبي ﷺ خاتم فضة، نقش خاتمه محمد رسول الله: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر، ولمعاذ خاتم نقشه محمد رسول الله، فقال ﷺ : ما نقش خاتمك؟ قال: محمد رسول الله، فقال: أمن كل شيء من معاذ حتى خاتمه استوهبه من معاذ فوهبه منه، فكان في يده ﷺ إلى أن توفي، ثم في يد أبي بكر، ثم في يد عمر، ثم في يد عثمان حتى وقع من يده في البئر (١)، فأنفق مالا عظيما فلم يجده، ووقع الخلاف والتشويش بينهم.
وفي حديث نعمان بن بشير فقال ﷺ : «اتَّخِذْهُ مِنَ الوَرِقِ، وَلَا تَزِدْ عَلَى مِثْقال، وتختم باليَمينِ» (٢).
قوله: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَطْلَقَ … .) إلى آخره، وإليه مال شمس الأئمة فقال: الأصح أنه لا بأس به كالعقيق، فإنه مبارك، فإنه ﵊ تختم بالعقيق وقال: «تختموا بِهِ فإنهُ مُبارَكٌ» (٣) ولأنه ليس بحجر؛ لأنه لا ثقل له، ولنا
стр. 6637
يَشْبُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَجَرٍ، إِذْ لَيْسَ لَهُ ثِقَلُ الحَجَرِ، وَإِطْلَاقُ الجَوَابِ فِي الكِتَابِ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ ﴿وَالتَّخَتُّمُ بِالذَّهَبِ عَلَى الرِّجَالِ حَرَامٌ﴾ لِمَا رَوَيْنَا. وَعَنْ عَلِيٌّ ﵁ أَنَّ
أنه يتخذ منه الأصنام، فأشبه الصفر الذي هو المنصوص المعلول بالنص.
قوله: (لما روينا) أراد قوله ﵊: «هَذَانِ حَرامان … » (١) الحديث، قال بعض الناس: لا بأس بالتختم بالذهب؛ لما روى البراء بن عازب أنه لبس خاتم ذهب وقال: كسانيه رسول الله ﷺ .
وعن مصعب أنه رأى خاتمًا في يد طلحة وصهيب وسعد بن العاص، ولأن النهي عن استعمال الذهب والفضة سواء، فلما حل التختم بالفضة لقلته، ولكونه نموذجا، وجعل كالعلم في الثوب، فكذا في الآخر.
ولنا ما روي عن علي وابن مسعود وأبي هريرة ﵃ أنه ﷺ نهى عن ذلك.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا جلس إلى رسول الله ﷺ وعليه خاتم من ذهب، فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، فلبس خاتم حديد، فقال ﵊: «هذه لبسة أهل النار» فرجع ولبس خاتما من ورق، فسكت رسول الله ﷺ (٢).
وعن ابن عمر أنه له لبس خاتما من ذهب، فنبذه، فقال: «لا ألبسه أبدا» (٣).
ولأن الأصل هو التحريم؛ لما روينا، والإباحة لضرورة الختم والنموذج، وقد زالت بالفضة؛ لأنهما من جنس واحد، فيبقى الذهب على حكم التحريم، وما رواه منسوخ، بدليل حديث ابن عمر، أو تأويله أن يكون فصه مركبا بالذهب، أو يكون مُذهبًا، وإنما العبرة بالحلقة، وإليها تكون النسبة في الحكم والشريعة، وقوام الخاتم بها.
стр. 6638
النَّبِيَّ ﵊ نَهَى عَنْ التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ التَّحْرِيمُ، وَالإِبَاحَةُ ضَرُورَةُ الخَتْمِ أَوِ النَّمُوذَجِ، وَقَدْ انْدَفَعَتْ بِالأَدْنَى وَهُوَ الْفِضَّةُ، وَالحَلْقَةُ هِيَ المُعْتَبَرَةُ؛ لِأَنَّ قِوَامَ الخَاتَمِ بِهَا، وَلَا مُعْتَبَرَ بِالفَصِّ، حَتَّى يَجُوزَ أَنْ يَكُونَ مِنْ حَجَرٍ، وَيَجْعَلُ الفَصَّ إِلَى بَاطِنِ كَفِّهِ، بِخِلَافِ النِّسْوَانِ؛ لِأَنَّهُ تَزَيُّنٌ فِي حَقِّهِنَّ، وَإِنَّمَا يَتَخَتَّمُ القَاضِي وَالسُّلْطَانُ لِحَاجَتِهِ إِلَى الخَتْمِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمَا: فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتْرُكَهُ لِعَدَمِ الحَاجَةِ إِلَيْهِ. قَالَ: (وَلَا بَأسَ بِمِسْمَارِ الذَّهَبِ، يُجْعَلُ فِي حَجَرِ الفَصِّ) أَيْ فِي ثُقْبِهِ؛
قوله: (وَيَجْعَلُ الْفَصَّ إِلَى بَاطِنِ كَفِّهِ) لا إلى ظهره (بخلاف النسوان) ويجعله في اليد اليسرى، وقوله ﵊: «اِجْعَلْهُ في يَمينِكَ» وما قال لنعمان بن بشير: «اتَّخِذْهُ في اليمين ولَا تَزِدْهُ علَى مِثقال» (١) كان في ابتداء الإسلام، ثم صار منه من علامات أهل البغي؛ لقصة الحكمين. كذا في جامع قاضي خان.
وفي التتمة: قال الناطفي: لا بأس بأن ينقش على الخاتم اسم الله تعالى ونعم الوكيل ونحوه، ولا ينبغي أن ينقش فيه تمثال إنسان أو طير، وحلقة الحديد والنحاس والعظم وفي المنطقة لا يكره.
وقال الإسبيجابي: الفضة في المكاعب لا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد. قال بعض الناس: نقش الخاتم بالعربية يكره، وبغير العربية لا بأس به؛ لما أن على خاتم نعمان بن مقرن إبلا قابضًا إحدى يديه باسطًا الأخرى، وكان نقش خاتم حذيفة كركيان (٢).
ولنا لا بأس بالعربية، كما روي من نقش خاتم رسول الله ﷺ ، والخلفاء الراشدون قد نقشوا خواتيمهم بالعربية.
قوله: (لعدم الحاجة إليه) حتى لو كان محتاجًا صحت، وقال قوم: كره لبس الخاتم لغير ذي السلطان؛ لما روي عن أبي ريحانة أنه قال: «نَهَى
стр. 6639
لِأَنَّهُ تَابِعٌ، كَالعَلَمِ فِي الثَّوْبِ فَلَا يُعَدُّ لَابِسًا لَهُ. قَالَ: (وَلَا تُشَدُّ الأَسْنَانُ بِالذَّهَبِ، وَتُشَدُّ بِالفِضَّةِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا بَأْسَ بِالذَّهَبِ أَيْضًا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: مِثْلُ قَوْلِ كُلِّ مِنْهُمَا (*). لَهُمَا: أَنَّ عَرْفَجَةَ بْنَ أَسْعَدَ الكِنَانِيَّ أُصِيبَ أَنْفُهُ يَوْمَ الكُلَابِ فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ فِضَّةٍ فَأَنْتَنَ. فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﵊ بِأَنْ يَتَّخِذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الأَصْلَ فِيهِ التَّحْرِيمُ، وَالإِبَاحَةُ لِلضَّرُورَةِ، وَقَدِ انْدَفَعَتْ بِالفِضَّةِ وَهِيَ الأَدْنَى فَبَقِيَ الذَّهَبُ عَلَى التَّحْرِيمِ.
وَالضَّرُورَةُ فِيمَا رُوِيَ لَمْ تَنْدَفِعْ فِي الْأَنْفِ دُونَهُ حَيْثُ أَنْتَنَ.
رسول الله ﷺ عن لبوس الخاتَمِ إِلَّا لذِي سُلطان» (١).
ولنا لا بأس به؛ لما روي أن كثيرًا من الصحابة تختموا، والحسن والحسين يتختمان في يسارهما، فكان المراد من النهي التنزيه.
قوله: (مثل قول كل منهما) فإن المشايخ اختلفوا في قول أبي يوسف، ذكره الكرخي مع أبي حنيفة، وذكر في الإملاء مع محمد.
وفي الكافي: قال محمد: لا بأس بالذهب، وهو رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف.
وفي الصحاح: الكلاب، بالضم: اسم ماء كانت عنده الوقعة.
[قوله] (٢): (الأصل فيه التحريم) لعموم قوله ﷺ : «حرامان علَى ذُكور أُمتي» (٣) وهذا عام متفق على قبوله، راجح على الخاص المختلف في قبوله، ولعله ﷺ لخص عرفجة بذلك كما خص الزبير بن العوام بلبس الحرير لِحَكَّةٍ كانت به.
قوله: (دونه) أي: دون الذهب ومسألة الأنف على الاتفاق إذا أنتن أو
стр. 6640
قَالَ: (وَيُكْرَهُ أَنْ يَلْبَسَ الذُّكُورُ مِنْ الصِّبْيَانِ الذَّهَبَ وَالحَرِيرَ)؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَمَّا ثَبَتَ فِي حَقِّ الذُّكُورِ وَحَرُمَ اللُّبْسُ حَرُمَ الإِلْبَاسُ كَالخَمْرِ لَمَّا حَرُمَ شُرْبُهَا حَرُمَ سَقْيُهَا. قَالَ: (وَتُكْرَهُ الخِرْقَةُ الَّتِي تُحْمَلُ فَيُمْسَحُ بِهَا العَرَقُ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ تَجَبُّرٍ وَتَكَبُّرٍ وَكَذَا) الَّتِي يُمْسَحُ بِهَا الوُضُوءُ أَوْ يُمْتَخَطُ بِهَا وَقِيلَ: إِذَا كَانَ عَنْ حَاجَةٍ لَا يُكْرَهُ، وَهُوَ
خيف ذلك، فأما تضبيب الأسنان فخالٍ عن هذا العذر، وما قال محمد أن الذهب والفضة استويا في حرمة الاستعمال، فإذا حل التضبيب بالفضة وجب أن يحل بالذهب يبطل بالتختم، فإنه يحل بالفضة دون الذهب.
قال الطحاوي: وقد روي عن جماعة من المتقدمين شد الأسنان من الذهب، منهم الحسن والمغيرة بن عبد الله أمير الكوفة وأبو التياح وأبو جمرة وأبو نوفل وعبد الله بن الحسن أمير البصرة.
قوله: (ويكره أن يلبس الذكور … ) إلى آخره.
وعن الشافعي: يجوز تحلية الصبيان، وعن بعض الصحابة لا يجوز كما قلنا.
وفي الحلية (١): وليس بشيء، وكذا عندنا يكره أن يختضب يده ورجله بالحناء من غير حاجة، كما يكره للرجل ذكره في فتاوى العتابي، وعند الأئمة الثلاثة لا بأس بتحلية الصبي.
لَا يَنْفَعَنْكَ الْيَوْمَ إِنْ هَمَّتْ بِهِمْ … كَثْرَةُ مَا تُوصِي وَتَعْقَادُ الرَّتَمْ
قوله: (قال) أي: في الجامع الصغير (وتكره الخرقة … ) إلى آخره.
قوله: (وَكَذَا الَّتِي يُمْسَحُ بِهَا الْوُضُوءُ) أي: تكره أيضًا، وبه قال الشافعي؛ لأنها بدعة تشبه بزي الأعاجم، والتشبه بزي الأعاجم مكروه، وبه قالت الأئمة الثلاثة، ولم يكن رسول الله ﷺ يفعل ذلك ولا أحد من الصحابة والتابعين، وإنما يتمسحون بأطراف أرديتهم.
وفي جامع قاضي خان والصحيح أنه لا يكره، ذكره بعض المتأخرين من أصحابنا؛ لأن المسلمين قد استعملوا هذا في عامة البلدان مناديل الوضوء
стр. 6641
الصَّحِيحُ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ إِذَا كَانَ عَنْ تَكَبُّرٍ وَتَجَبُّرٍ وَصَارَ كَالتَّرَبُّعِ فِي الجُلُوسِ (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَرْبِطَ الرَّجُلُ فِي أُصْبُعِهِ، أَوْ خَاتَمِهِ الخَيْطَ لِلْحَاجَةِ) وَيُسَمَّى ذَلِكَ الرَّتَمُ وَالرَّتِيمَةُ. وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ عَادَةِ العَرَبِ. قَالَ قَائِلُهُمْ: لَا يَنْفَعَنَّكَ الْيَوْمَ إِنْ هَمَّتْ بِهِمْ. كَثْرَةُ مَا تُوصِي وَتَعْقَادُ الرَّتَمِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَمَرَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَبَثٍ، لِمَا فِيهِ مِنْ الغَرَضِ الصَّحِيحِ وَهُوَ التَّذَكَّرُ عَنْدَ النِّسْيَانِ.
والخرق لدفع الأذى عن الثياب النفيسة، وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله أحسن، وقد جاء في الحديث أنه ﷺ كان يمسح وضوءه بالخرقة في بعض الأوقات، فلم يكن بدعة.
وحاصله أن كل ما فعله على وجه التجبر فهو مكروه وبدعة، وما فعل لحاجة وضرورة لا يكره، وهو نظير الترفع في الجلوس والاتكاء، إن فعل ذلك تجبرًا يكره، وإن فعل لحاجة وضرورة لا.
الرتيمة: خيط التذكرة يعقد بالإصبع، وكذلك الرتمة، قال الشاعر:
إذا لم تَكُنْ حاجَتُنا في نفوسكم … فليس بمعزل عنكَ عَقدُ الرّتايم (١)
وقائل شعر الكتاب: ابن السكيت والرتم ضرب من الشجر، وقيل: معناه أن الرجل إذا خرج في سفر عمد إلى هذا الشجر فشد بعض أغصانه ببعض، فإذا رجع فأصابه على تلك الحالة لم تخني امرأتي، وإن أصابه قد انحل قال: خانتني، هكذا المروي عن الثقات، إلا أن الليث ذكر الرتم بمعنى الرتيمة، كذا في المغرب (٢).
ثم قوله: (إن هَمَّتْ بهم) أي: قصدت بفاحشة.
وقوله: (تعقاد) مصدر بمعنى العقد للمبالغة على وزن التَّفْعال، كالتسيار والتهذار والتلعاب، بمعنى السير والهذر واللعب، وكان الرتم مجرورًا بالإضافة.
стр. 6642
فَصْلٌ فِي الوَطْءِ وَالنَّظَرِ وَاللَّمْسِ
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ الرَّجُلُ إِلَى الأَجْنَبِيَّةِ إِلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] قَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ؛ مَا ظَهَرَ مِنْهَا الكُحْلُ وَالخَاتَمُ، وَالمُرَادُ مَوْضِعُهُمَا، وَهُوَ الوَجْهُ وَالكَفُّ، كَمَا أَنَّ المُرَادَ بالزِّينَةِ المَذْكُورَةِ مَوْضِعُهَا، وَلِأَنَّ فِي إِبْدَاءِ الوَجْهِ وَالكَفِّ ضَرُورَةٌ لِحَاجَتِهَا إِلَى
فَصْلٌ فِي الوَطْءِ وَالنَّظَرِ وَاللَّمْسِ
قوله: (قال علي وابن عباس … ) إلى آخره، قيد بقولهما؛ لأن عائشة تقول: المراد من قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] إحدى عينيها.
وقال ابن مسعود: خُفُها وملاءتها، واستدلا بقوله ﷺ : «النِّساء حبائل الشّيطان تصيد الرجال» (١)، وقال ﷺ : «ما تركت بعدي فتنةً أضرَّ على الرجال مِنَ النِّساءِ» (٢)، وجرى في مجلسه ﷺ يوما: ما خير ما للرجال من النساء وما خير ما للنساء من الرجال؟ فلما رجع علي إلى بيته أخبر فاطمة فقالت: خير ما للرجال ألا يَرَوْهُنَّ، وخير ما للنساء ألا يَرَيْنَهُمْ، فلما أخبر رسول الله ﷺ بذلك، قال رسول الله ﷺ : «هِيَ بِضْعَةٌ مِنِّي» (٣)، فدل أنه لا يباح النظر إلى شيء من بدنها، ولأن حرمة النظر لخوف الفتنة وعامة محاسنها في وجهها، فالخوف فيه أكثر.
وقالت عائشة ﵂: لكن لا تجد بدأ من أن تمشي في الطريق، فلا بد من فتح إحدى عينيها، فيجوز كشفها للضرورة.
والفقهاء وأكثر أهل العلم أخذوا بقول علي وابن عباس؛ لما أن الأخبار
стр. 6643
المُعَامَلَةِ مَعَ الرِّجَالِ أَخْذًا وَإِعْطَاء وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبَاحُ النَّظَرُ إِلَى قَدَمِهَا. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يُبَاحُ؛ لِأَنَّ فِيهِ بَعْضَ الضَّرُورَةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يُبَاحُ النَّظَرُ إِلَى ذِرَاعِهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَبْدُو مِنهَا عَادَةً. قَالَ: (فَإِنْ كَانَ لَا يَأْمَنُ الشَّهْوَةَ، لَا يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهَا إِلَّا لِحَاجَةٍ) لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ نَظَرَ إِلَى مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ عَنْ شَهْوَةٍ صُبَّ فِي عَيْنَيْهِ الآنُكُ يَوْمَ القِيَامَةِ» فَإِذَا خَافَ الشَّهْوَةَ لَمْ يَنْظُرُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ تَحَرُّزًا عَنْ المُحَرَّمِ. وَقَوْلُهُ: «لَا يَأْمَنُ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبَاحُ
في الرخصة في النظر إلى وجهها وكفها جاءت منها ما روي أن امرأة عرضت نفسها على النبي ﷺ فنظر إلى وجهها (١).
وبما قال عمر في خطبته: ألا لا تغالوا في صدقات النساء، فإنها لو كانت مكرمة لكان أولى بها رسول الله ﷺ ، فوالله ما خطب النبي ﷺ أكثر من أربعمائة وأوقية ونش فقالت امرأة سفعاء الخدين: أنت تقول برأيك أم سمعت رسول الله ﷺ ؟ فإنا نجد في كتاب الله بخلاف ما تقول، قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَثَهُنَّ قِنطَارًا﴾ [النساء: ٢٠] فبكى عمر، فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر حتى النساء في البيوت؛ فذكر الراوي أنها سفعاء الخدين، فعلم أنها كانت مسفرة عن وجهها، فلما ناولت فاطمة أحد ولديها بلالًا أو أنسًا قال: رأيت كفها كأنها فلقة قمر، فدل أنه لا بأس بالنظر إلى الوجه والكف، وأما خوف الفتنة فقد يكون بالنظر إلى ثيابها أيضًا، قال الشاعر:
وَمَا غَرَّنِي إِلا خِضَابٌ بِكَفْهَا … وَكُحْلٌ بِعَيْنَيْهَا وَأَثْوَابُهَا الصُّفْرُ (٢)
فعلم أنه لا اعتبار لخوف الفتنة. كذا في المبسوط (٣) والذخيرة.
وعند أحمد وداود: وجهها غير [عورة] (٤)، وكفها عورة، وقد مر في الصلاة.
قوله: (تَحَرُّزًا عَنْ المُحَرَّمِ) ولقوله ﷺ لعلي: «لَا تُتبع النظرة النظرةَ، فَإِنَّ
стр. 6644
إِذَا شَكٍّ فِي الاشْتِهَاءِ كَمَا إِذَا عَلِمَ أَوْ كَانَ أَكْبَرُ رَأيِهِ ذَلِكَ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَمَسَّ وَجْهَهَا وَلَا كَفَّيْهَا، وَإِنْ كَانَ يَأْمَنُ الشَّهْوَةَ لِقِيَامِ المُحَرَّمِ وَانْعِدَامِ الضَّرُورَةِ وَالبَلْوَى، بِخِلَافِ النَّظَرِ لِأَنَّ فِيهِ بَلْوَى وَالمُحَرَّمُ قَوْلُهُ ﵊: «مَنْ مَسَّ كَفَّ امْرَأَةٍ لَيْسَ مِنهَا بِسَبِيلٍ، وُضِعَ عَلَى كَفِّهِ جَمْرَةٌ يَوْمَ القِيَامَةِ» وَهَذَا إِذَا كَانَتْ شَابَّةٌ تُشْتَهَى، أَمَّا إِذَا كَانَتْ عَجُوزًا لَا تُشْتَهَى فَلَا بَأسَ بِمُصَافَحَتِهَا وَمَسٌ يَدِهَا، لِانْعِدَامِ خَوْفِ الفِتْنَةِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَانَ يُدْخِلُ بَعْضَ القَبَائِلِ الَّتِي كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِيهِمْ وَكَانَ يُصَافِحُ العَجَائِزَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ﵁ اسْتَأْجَرَ عَجُوزًا لِتُمَرِّضَهُ، وَكَانَتْ تَغْمِزُ رِجْلَيْهِ وَتُفَلِّي رَأْسَهُ، وَكَذَا إِذَا كَانَ شَيْخًا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَيْهَا لِمَا
الأولى لك والثانية عليك» (١) وجاء رجل إلى رسول الله ﷺ وقال: إني نظرت إلى امرأة فاشتهيتها، فأتبعتها نظري فأصاب رأسي جدارا، فقال ﷺ : «إذا أرادَ اللهُ تَعَالَى بعبد خيرًا عَجَّلَ عُقوبَتَهُ في الدُّنيا» (٢).
قوله: (أو شيخا كبيرًا … ) إلى آخره.
قيل: إذا كان الرجل شيخًا كبيرًا تأمن على نفسها لا بأس بمصافحتها؛ لأن الشيخ الكبير لم تبق له إرْبَة، قال الله تعالى: ﴿أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١] فكذا العجوزة التي لم تبق لها إربة تكون ملحقة بالصغيرة، ومصافحة الصغيرة مباح، فكذا مصافحة العجوز، ثم أباح هنا للرجال اللمس إذا كانت عجوزة، ولم يشترط كونه شيئًا لا يجامع مثله.
وقد ذكر بعض المشايخ: هذا وضع المسألة فيما إذا كانت المرأة هي الماسة بما فوق الإزار من الرجل.
وقال: إن كانت المرأة عجوزة لا يجامع مثلها، والرجل شيخ كبير لا يجامع مثله؛ لا بأس بالمصافحة حينئذ، فصار في المسألة روايتان: في رواية:
стр. 6645
قُلْنَا، فَإِنْ كَانَ لَا يَأْمَنُ عَلَيْهَا لَا تَحِلُّ مُصَافَحَتُهَا، لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعْرِيضِ لِلْفِتْنَةِ. (وَالصَّغِيرَةُ إِذَا كَانَتْ لَا تُشْتَهَى: يُبَاحُ مَسُّهَا، وَالنَّظَرُ إِلَيْهَا)، لِعَدَمِ خَوْفِ الفِتْنَةِ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ لِلْقَاضِي إِذَا أَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهَا، وَلِلشَّاهِدِ إِذَا أَرَادَ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا: النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهَا، وَإِنْ خَافَ أَنْ يَشْتَهِيَ) لِلْحَاجَةِ إِلَى إِحْيَاءِ حُقُوقِ النَّاسِ بِوَاسِطَةِ القَضَاءِ وَأَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَقْصِدَ بِهِ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ، أَوْ الحُكْمَ عَلَيْهَا، لَا قَضَاءَ الشَّهْوَةِ، تَحَرُّزًا عَمَّا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ وَهُوَ قَصْدُ القَبِيحِ. وَأَمَّا النَّظَرُ لِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ إِذَا اشْتَهَى قِيلَ: يُبَاحُ وَالأَصَحُ: أَنَّهُ لَا يُبَاحُ؛ لِأَنَّهُ يُوجَدُ
أباح المصافحة إذا كان أحدهما لا يشتهى. وفي رواية: يشترط أن يكون كل واحد منهما لا يشتهى.
وجه الرواية الأولى أن العجوزة صارت ملحقة بالصغيرة بما ذكرنا، ويجوز مصافحة الصغيرة وإن كان الماس ممن يشتهي.
ووجه الأخرى، وهو الفرق بين الصغيرة والعجوزة، أن أحد المصافحين إذا كان صغيرًا فالمصافحة لا تؤدي إلى الاشتهاء في الماس جميعًا، أما في حق البالغ فلأنه غير مشتهى، وأما في حق الصغيرة فلأنها لا تعلم الاشتهاء، أما إذا كانا بالغين فالشاب إن كان لا يشتهي بمس العجوزة فالعجوزة تشتهي بمس الشاب؛ لأنها قد علمت بذلك، فيؤدي إلى الاشتهاء، وما يؤدي إلى الاشتهاء حرام. كذا في المبسوط والذخيرة.
قوله: (والصغيرة إذا كانت لا تشتهى يباح مسها)؛ لأنه ليس ليديها طعم العورة، والأصل فيه ما روي أنه ﷺ كان يقبل ذكر الحسن والحسين في صغرهما، وروي أنه يأخذه ويجره فيضحك الصبي، ولأن العادة ترك التكلف بستر عورتها إن لم تبلغ حد الشهوة. كذا في المبسوط (١).
قوله: (يباح) أي: يشترط أن يقصد تحمل الشهادة لا قضاء الشهوة، ألا ترى أن شهود الزنا لهم أن ينظروا إلى موضع العورة على قصد تحمل الشهادة.
стр. 6646
مَنْ لَا يَشْتَهِي فَلَا ضَرُورَةَ، بِخِلَافِ حَالَةِ الأَدَاءِ.
(وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَلَا بَأسَ بِأَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا: وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَشْتَهِيهَا) لِقَوْلِهِ ﵊ فِيهِ «أَبْصِرْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» وَلِأَنَّ مَقْصُودَهُ إقَامَةُ السُّنَّةِ، لَا قَضَاءُ الشَّهْوَةِ.
قوله: (بخلاف حالة الأداء) لأنه التزم هذه الأمانة بالتحمل، وهو متعين لأدائها.
قوله: والخطاب لمغيرة بن شعبة (١) حين أراد أن يتزوج امرأة، وفي رواية: «انظرها» وفي الفائق (٢) «لو نظرت إليها فإنه أحرى … » الحديث (٣)، الضمير في «فإنه» راجع إلى مصدر لو نظرت، وأن يؤدم: أصله [بأن] (٤) يؤدم، فحذفت الباء، والمعنى كان النظر أولى بالإصلاح وإيقاع الألفة والوفاق بينكما، من أدم الطعام، وهو إصلاحه بالإدام، وجعله موافقًا للطاعم، و «لو» هذه بمعنى ليت، ومن ثمة أجيب بالفاء، كأنه قيل: ليتك نظرت إليها، والغرض الحث على النظر.
وكان محمد بن مسلمة يطالع بيته سطح لها، قيل له: أتفعل هذا وأنت صاحب رسول الله! فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا ألقى الله خطبة امرأة في قلب رجلٍ؛ أُحِلَّ لَهُ النَّظَرَ إِليها» (٥).
стр. 6647
(وَيَجُوزُ لِلطَّبِيبِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَوْضِعِ المَرَضِ مِنهَا) لِلضَّرُورَةِ (وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَلِّمَ امْرَأَةً مُدَاوَاتَهَا) لِأَنَّ نَظَرَ الجِنْسِ إِلَى الجِنْسِ أَسْهَلُ (فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا، يَسْتُرْ كُلَّ عُضْوٍ مِنهَا، سِوَى مَوْضِعِ المَرَضِ) ثُمَّ يَنْظُرُ وَيَغُضُّ بَصَرَهُ مَا اسْتَطَاعَ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا، وَصَارَ كَنَظَرِ الخَافِضَةِ وَالخَتَانِ.
(وَكَذَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ النَّظَرُ إِلَى مَوْضِعِ الاحْتِقَانِ مِنَ الرَّجُلِ) لِأَنَّهُ مُدَاوَاةٌ وَيَجُوزُ لِلْمَرَضِ وَكَذَا لِلْهُزَالِ الفَاحِشِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ أَمَارَةُ المَرَضِ.
قوله: (إلى الجنس أسهل) ألا ترى أن المرأة تغسل المرأة بعد موتها دون الرجل.
قوله: (فإن لم يقدروا) أي: على امرأة تتعلم ذلك، أو لم يقدروا على المداومة إذا علمت، وخافوا أن تهلك أو يصيبها بلاء أو وجع، فلا بأس.
(يستر … ) إلى آخره.
الخفض للجارية، والختن للغلام، وجارية مخفوضة، أي: مختونة.
وفي المبسوط: ومن العذر النظر في حال الولادة؛ لأنه لا بد من قابلة تقبل الولد، وبدونها يخاف الهلاك على الولد، وقد جوز رسول الله ﷺ شهادة القابلة على الولادة، وذلك دليل على أنه يباح لها النظر.
(لأنه) أي: الاحتقان (مداواة).
(لأنه) أي: (الهزال الفاحش) (نوع مرض) يكون آخره الدق والسل.
وقوله: (على ما روي عن أبي يوسف)؛ احترازًا عما روي عن الحلواني أن الحقنة إنما تجوز إذا كان يخشى من الهزال التلف، وإلا فلا.
وفي الكافي: والصحيح ما روي عن أبي يوسف؛ لأنه نوع يكون آخره الدق والسل.
وقال الحلواني: ولو كان في الحقنة منفعة ولا ضرورة فيها، بأن يتقوى على الجماع لا يحل عندنا.
ذكر أبو الليث عن محمد بن مقاتل أنه لا بأس أن يتولى صاحب الحمام عورة إنسان بيده عند التنوير إذا كان يغض بصره، كما أنه لا
стр. 6648
قَالَ: (وَيَنْظُرُ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ إِلَّا مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ إِلَى رُكْبَتِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «عَوْرَةُ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ إِلَى رُكْبَتِهِ» وَيُرْوَى: «مَا دُونَ سُرَّتِهِ حَتَّى يُجَاوِزَ رُكْبَتَيْهِ» وَبِهَذَا ثَبَتَ أَنَّ السُّرَّةَ لَيْسَتْ بِعَوْرَةِ، خِلَافًا لِمَا يَقُولُهُ أَبُو عِصْمَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَالرُّكْبَةُ عَوْرَةٌ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، وَالفَخِذُ عَوْرَةٌ خِلَافًا لِأَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ، وَمَا دُونَ السُّرَّةِ إِلَى مَنْبَتِ الشَّعْرِ عَوْرَةٌ، خِلَافًا لِمَا يَقُولُهُ الإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ الكُمَارِيُّ مُعْتَمِدًا فِيهِ العَادَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِهَا مَعَ النَّصِّ بِخِلَافِهِ، وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﵊: أَنَّهُ قَالَ «الرُّكْبَةُ مِنْ العَوْرَةِ» وَأَبْدَى الحَسَنُ بْنُ عَلِيٌّ ﵁ سُرَّتَهُ فَقَبَّلَهَا أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ وَقَالَ لِجَرْهَدٍ: «وَارِ
بأس به إذا كان يداوي جرحًا أو قرحًا.
قال أبو الليث: هذا في حالة الضرورة، وينبغي لكل أحد أن يتولى عانته إذا تنور. كذا في الذخيرة.
قوله: (لما يقوله أبو عصمة) وهو أبو عصمة سعد بن معاذ المروزي (والشافعي) وقد مر في الصلاة، ولأن السرة محل الاشتهاء.
ولنا؛ ما روي عن عمر أنه إذا كان يتزر أبدى سرته، وحديث تقبيل أبي هريرة سرة الحسن.
قوله: (خلافًا لأصحاب الظواهر) فإن عندهم العورة موضع السوءة فقط؛ لقوله تعالى: ﴿بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٢] والمراد منه العورة، وروي أنه ﷺ كان في حائط رجل من الأنصار قد دلى ركبته في ركية وهو مكشوف الفخذ، إذ دخل أبو بكر فلم يتزحزح، ثم دخل عمر فلم يتزحزح، ثم دخل عثمان فلم يتزحزح وغطى فخذه، فقيل له في ذلك، فقال ﷺ : «أَلَا أَسْتَحِي مِمَّنْ تَسْتَحِي منه الملائكة» (١)، فلو كان الفخذ عورة لما كشفها بين يدي أبي بكر وعمر.
قلنا: حديث جرهد أنه كان يصلي فقال له: «وارِ فخذك … » الحديث (٢)، وقوله ﷺ : «الركبة من العورة» (٣) وقد مر في الصلاة، وللشافعي في أن الركبة
стр. 6649
فَخِذَكَ، أَمَا عَلِمْت أَنَّ الفَخِذَ عَوْرَةٌ؟» وَلِأَنَّ الرُّكْبَةَ مُلْتَقَى عَظْمِ الفَخِذِ وَالسَّاقِ، فَاجْتَمَعَ المُحَرِّمُ وَالمُبِيحُ، وَفِي مِثْلِهِ يَغْلِبُ المُحَرِّمُ، وَحُكْمُ العَوْرَةِ فِي الرُّكْبَةِ أَخَفُّ مِنْهُ فِي الفَخِذِ، وَفِي الفَخِذِ أَخَفُّ مِنْهُ فِي السَّوْأَةِ، حَتَّى أَنَّ كَاشِفَ الرُّكْبَةِ يُنْكَرُ عَلَيْهِ بِرِفْقٍ، وَكَاشِفَ الفَخِذِ يُعَنَّفُ عَلَيْهِ، وَكَاشِفَ السَّوْءَةِ يُؤَدِّبُ إِنْ لَجَّ (وَمَا يُبَاحُ النَّظَرُ إِلَيْهِ لِلرَّجُلِ مِنَ الرَّجُلِ يُبَاحُ المَسُّ) لِأَنَّهُمَا فِيمَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ سَوَاءٌ. قَالَ: (وَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْظُرَ مِنْ الرَّجُلِ إِلَى مَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَيْهِ مِنْهُ، إِذَا أُمِنَتْ الشَّهْوَةَ) لِاسْتِوَاءِ الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ فِي النَّظَرِ إِلَى مَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ كَالثِّيَابِ وَالدَّوَابِّ. وَفِي كِتَابِ الخُنْثَى مِنْ الأَصْلِ: أَنَّ نَظَرَ المَرْأَةِ إِلَى الرَّجُلِ الأَجْنَبِيِّ بِمَنْزِلَةِ نَظَرِ الرَّجُلِ إِلَى مَحَارِمِهِ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ إِلَى خِلَافِ الجِنْسِ أَغْلَظُ، فَإِنْ كَانَ فِي قَلْبِهَا شَهْوَةٌ، أَوْ أَكْبَرُ رَأْيِهَا أَنَّهَا تَشْتَهِي، أَوْ شَكَتْ فِي ذَلِكَ، يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَغُضَّ بَصَرَهَا، وَلَوْ كَانَ النَّاظِرُ هُوَ الرَّجُلُ إِلَيْهَا وَهُوَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يَنْظُرُ، وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى التَّحْرِيمِ.
ليست بعورة ما روى أنس أنه ﷺ «ما أَبْدَى رُكبتهُ بينَ يَدَيْ جَلِيسٍ قَطُّ» (١)، وإنما قصد هذا ذكر الشمائل، فلو كانت الركبة عورة لم يكن هذا من الشمائل؛ لأن ستر العورة فرض على كل أحد.
ولنا: ما روى أبو هريرة أنه ﷺ قال: «الرُّكَبَةُ مِنَ العَورَةِ» (٢) والمروي عن أنس: «ما مَدَّ رسولُ اللهِ ﷺ رِجلَيْهِ بين يدي جليس قط» (٣) وهذا من الشمائل، وإبداء الركبة على ما ذكر في بعض الروايات كناية عن هذا المعنى أيضًا. كذا في المبسوط (٤).
أو حُمِلَ ذلك على [ما] دون الدرهم، وعمله النبي ﷺ تعليما للجواز، أو يقال: إن الأخبار تعارضت، وأحدهما محرم، فيترجح المحرم احتياطا.
قوله: (وهذا) أي: قوله: لم ينظر (إشارة إلى التحريم).
стр. 6650
وَوَجْهُ الفَرْقِ: أَنَّ الشَّهْوَةَ عَلَيْهِنَّ غَالِبَةٌ، وَهُوَ كَالمُتَحَقِّقِ اعْتِبَارًا، فَإِذَا اشْتَهَى الرَّجُلُ كَانَتِ الشَّهْوَةُ مَوْجُودَةً فِي الجَانِبَيْنِ، وَلَا كَذَلِكَ إِذَا اشْتَهَتِ المَرْأَةُ؛ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي جَانِبِهِ حَقِيقَةً وَاعْتِبَارًا فَكَانَتْ مِنْ جَانِبِ وَاحِدٍ، وَالمُتَحَقِّقُ مِنْ الجَانِبَيْنِ فِي الإِفْضَاءِ إِلَى المُحَرَّمِ أَقْوَى مِنْ المُتَحَقِّقِ فِي جَانِبِ وَاحِدٍ.
قَالَ: (وَتَنْظُرُ المَرْأَةُ مِنْ المَرْأَةِ إِلَى مَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ مِنَ الرَّجُلِ) لِوُجُودِ المُجَانَسَةِ، وَانْعِدَامِ الشَّهْوَةِ غَالِبًا. كَمَا فِي نَظَرِ الرَّجُلِ إِلَى الرَّجُلِ، وَكَذَا الضَّرُورَةُ قَدْ تَحَقَّقَتْ إِلَى الانْكِشَافِ فِيمَا بَيْنَهُنَّ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ نَظَرَ المَرْأَةِ إِلَى المَرْأَةِ كَنَظَرِ الرَّجُلِ إِلَى مَحَارِمِهِ، بِخِلَافِ نَظَرِهَا إِلَى الرَّجُلِ؛ لِأَنَّ الرِّجَالَ يَحْتَاجُونَ إِلَى زِيَادَةِ الإِنْكِشَافِ لِلاشْتِغَالِ بِالأَعْمَالِ. وَالأَوَّلُ أَصَحٌ.
قَالَ: (وَيَنْظُرُ الرَّجُلُ مِنْ أَمَتِهِ الَّتِي تَحِلُّ لَهُ
قوله: (غير موجودة في جانبه حقيقة) لأنه غير ناظر إليها (ولا اعتبارًا) أي: غير موجود اعتبارًا؛ لعدم غلبة الشهوة عليه.
قوله: (وكذا الضرورة قد تحققت فيما بينهن) أي: في الحمام، وصار كغسلها لها بعد موتها، و [عن] (١) بعض الناس: يمنعن عن الدخول في الحمام؛ لأنه ﷺ نهى النساء عن الدخول في الحمامات بمئزرٍ وغير مئزرٍ (٢).
قلنا: العرف ظاهر في جميع البلدان ببناء الحمامات للنساء، وحاجتهن إلى الدخول فوق حاجة الرجال على الخصوص في أيام البرد، فإن الرجل يتمكن من الاغتسال في الحياض والأنهار، والمرأة لا، ولأن المقصود من الدخول تحصيل الزينة، والمرأة إليها أحوج. كذا في المبسوط (٣).
قوله: (من أمته التي تحل له) قيد به احترازًا عن أمته المجوسية، والأمة التي هي أخته من الرضاع؛ لأن حكمهما في النظر كأمة الغير؛ لأن إباحة النظر إلى جميع البدن بناء على إباحة الوطء.
стр. 6651
وَزَوْجَتِهِ إِلَى فَرْجِهَا) وَهَذَا إِطْلَاقُ فِي النَّظَرِ إِلَى سَائِرِ بَدَنِهَا عَنْ شَهْوَةٍ وَغَيْرِ شَهْوَةٍ. وَالأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﵊: «غُضَّ بَصَرَك إِلَّا عَنْ أَمَتِكَ وَامْرَأَتِكَ»، وَلِأَنَّ مَا فَوْقَ ذَلِكَ مِنْ المَسِّ وَالغَشَيَانِ مُبَاحٌ، فَالنَّظَرُ أَوْلَى، إِلَّا أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَنْظُرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى عَوْرَةِ صَاحِبِهِ، لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيَسْتَتِرُ مَا اسْتَطَاعَ وَلَا يَتَجَرَّدَانِ تَجَرُّدَ العِيرِ» وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُورِثُ النِّسْيَانَ لِوُرُودِ الأَثَرِ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: الأَوْلَى أَنْ يَنْظُرَ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي تَحْصِيلِ مَعْنَى اللَّذَّةِ.
وعن عائشة ﵂: «كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد» (١)، فلو لم يكن النظر مباحًا لما تجرد كل واحد بين يدي صاحبه.
وقال الشافعي في وجه: ستر العورة حال الخلوة واجب كما يجب عن أعين الناس.
(العير) حمار الوحش، وقيد به؛ لأن في الأهلي نوع ستر من الأقتاب والثفر، وفي فضائل الصديق: ما نظر إلى عورته قط، ولا مسها بيمينه، فما ظنك بعورة الغير.
قوله: (لورود الأثر) قال علي ﵁: من أكثر النظر إلى عورته عوقب بالنسيان.
قوله: (في تحصيل معنى اللذة) وعن أبي يوسف: سألت أبا حنيفة عن الرجل يمس فرج امرأته وهي تمس فرجه؛ ليتحرك عليها، هل يرى بذلك بأسًا؟ قال: لا، أرجو أن يعظم الأجر. كذا في الذخيرة.
وفي جمع التفاريق: قال أبو بكر الرازي: لا بأس بوطء المنكوحة بمعاينة الأمة دون العكس، ولا بأس بالوطء ومعه قوم نيام إذا ظن أنهم لا يعلمون.
وفي التتمة: كره محمد ﵀ الجمع بين المرأتين والأمتين في فراش واحد ويطأ إحداهما بمرأى الأخرى، وقال أبو يوسف: لا بأس به، ولو وطئ بهيمة ذبحت، وقد مر في مسألة وطء البهيمة، قال شمس الأئمة
стр. 6652
قَالَ: (وَيَنْظُرُ الرَّجُلُ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ إِلَى الوَجْهِ، وَالرَّأْسِ، وَالصَّدْرِ، وَالسَّاقَيْنِ، وَالعَضُدَيْنِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَى ظَهْرِهَا وَبَطْنِهَا وَفَخِذِهَا).
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الآيَةَ، وَالمُرَادُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مَوَاضِعُ الزِّينَةِ وَهِيَ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ
في جامعه: الإحراق على وجه الاستحسان عند أصحابنا، ولم تؤكل؛ لأنه مستخبث عادة أكل لحمها، فصار كاللحم المنتن.
قوله: (ولا ينظر إلى بطنها … ) إلى آخره، وكذا لا يجوز مسها، وجعل حالها كحال الجنس في النظر، وعندنا لا يمسها، وبه قال القاضي حسين من أصحابه حيث قال: لا يجوز أن يمس ذات الرحم وإن لم تكن عورة في حقه.
ولنا؛ أن حكم الظهار ثابت بالنص، وهو المنكر من القول وزور؛ لما فيه من تشبيه المحللة بالمحرمة، فإذا كان محرمًا لا يجوز النظر ولا اللمس، وإذا ثبت هذا في الظهر ثبت في البطن بالطريق الأولى؛ لأنه أقرب إلى المأتي، وكذا الجنبان. كذا في المبسوط (١).
قوله: (والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ﴾) [النور: ٣١] الآية والمراد موضع الزينة؛ إذ النظر إلى نفس الزينة مباح مطلقا، وموضع الزينة الرأس؛ لأنه موضع التاج، والشعر؛ لأنه موضع العقاص، والوجه؛ إذ هو موضع الكحل، والعنق والصدر؛ فهما موضعا القلادة، فهي تنتهي إلى الصدر، والأذن؛ فهو موضع القرط، والعضد؛ فهو موضع الدملوج، والساعد؛ فهو موضع السوار، والكف؛ فهو موضع الخاتم، والخضاب والساق؛ فهو موضع الخلخال، والقدم؛ فهو موضع الخضاب بخلاف الظهر والبطن والفخذ؛ لأنها ليست بموضع الزينة.
ولا يقال: ينبغي أن ينظر إلى ظهرها؛ لأنه موضع القراميل (٢) كما في هذه المواضع.
стр. 6653
السَّاعِدُ وَالأُذُنُ وَالعُنْقُ وَالقَدَمُ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَوْضِعُ الزِّينَةِ، بِخِلَافِ الظَّهْرِ وَالبَطْنِ وَالفَخِذِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ مَوَاضِعِ الزِّينَةِ، وَلِأَنَّ البَعْضَ يَدْخُلُ عَلَى البَعْضِ مِنْ غَيْرِ اسْتِنْذَانِ وَاحْتِشَامٍ، وَالمَرْأَةُ فِي بَيْتِهَا فِي ثِيَابِ مِهْنَتِهَا عَادَةٌ، فَلَوْ حَرُمَ النَّظَرُ إِلَى هَذِهِ المَوَاضِعِ أَدَّى إِلَى الحَرَجِ، وَكَذَا الرَّغْبَةُ تَقِلُّ لِلْحُرْمَةِ المُؤَهَّدَةِ، فَقَلَّمَا تُشْتَهَى، بِخِلَافِ مَا وَرَاءَهَا، لِأَنَّهَا لَا تَنْكَشِفُ عَادَةً. وَالمَحْرَمُ: مَنْ لَا تَجُوزُ المُنَاكَحَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا عَلَى التَّابِيدِ بِنَسَبٍ كَانَ، أَوْ بِسَبَبٍ كَالرَّضَاعِ وَالمُصَاهَرَةِ، لِوُجُودِ المَعْنَيَيْنِ فِيهِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ المُصَاهَرَةُ بِنِكَاحٍ أَوْ سِفَاحٍ فِي الْأَصَحُ لِمَا بَيَّنَّا. قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَمَسَّ مَا جَازَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ مِنهَا) لِتَحَقُّقِ الحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ فِي المُسَافَرَةِ وَقِلَّةِ
لأنا نقول: القراميل فوق اللباس عادة، ويجوز النظر إلى ثوبها الواقع على بطنها وظهرها للأجنبي فضلا للمحارم.
قوله: (لِوُجُودِ الْمَعْنَيَيْنِ)؛ الضرورة وقلة الرغبة.
قوله: (في الأصح) قال بعض مشايخنا: إذا كانت حرمة المصاهرة بالزنا لا يحل اللمس والنظر؛ لأن ثبوت الحرمة بطريق العقوبة على الزاني لا بطريق النعمة، ولأنه قد ظهرت خيانته مرة فلا يؤتمن ثانيًا، والأصح أنه لا بأس بذلك؛ لما بينا أنه محرمة على التأبيد.
ولا يجوز أن يقال: ثبوت الحرمة بطريق العقوبة؛ لأنا إنما أثبتنا الحرمة قياسًا على النكاح، فلو جعلنا بطريق العقوبة لم تكن تلك الحرمة؛ لأنها ثابتة نعمة بطريق المنة، فلو كانت بطريق العقوبة لكان إثبات الحرمة ابتداء بالرأي، وذا لا يجوز. كذا في المبسوط (١).
قوله: (لا بأس بأن يمس ما جاز أن ينظر إليه منها) وبه قالت الأئمة الثلاثة.
قال القاضي حسين من أصحاب الشافعي: لا يجوز مسها وإن لم يكن عورة في حقه؛ لما فيه من خوف الفتنة، وقد مر.
стр. 6654
الشَّهْوَةِ لِلْمَحْرَمِيَّةِ، بِخِلَافِ وَجْهِ الأَجْنَبِيَّةِ وَكَفَّيْهَا، حَيْثُ لَا يُبَاحُ المَسُّ وَإِنْ أُبِيحَ النَّظَرُ؛ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ مُتَكَامِلَةٌ إِلَّا إِذَا كَانَ يَخَافُ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى نَفْسِهِ الشَّهْوَةَ فَحِينَئِذٍ لَا يَنْظُرُ وَلَا يَمَسُّ، لِقَوْلِهِ ﵊: «العَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَاليَدَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا البَطْش»، وَحُرْمَةُ الزِّنَا بِذَوَاتِ المَحَارِمِ أَغْلَظُ فَيُجْتَنَبُ.
(وَلَا بَأْسَ بِالخَلْوَةِ وَالمُسَافَرَةِ بِهِنَّ)، لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا تُسَافِر المَرْأَةُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا إِلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا، أَوْ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنهَا» وَقَوْلُهُ ﵊: أَلَّا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَيْسَ مِنهَا بِسَبِيلٍ فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ وَالمُرَادُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَحْرَمًا، فَإِنْ احْتَاجَ إِلَى الإِرْكَابِ وَالْإِنْزَالِ: فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَمَسَّهَا مِنْ وَرَاءِ ثِيَابِهَا وَيَأْخُذَ ظَهْرَهَا وَبَطْنَهَا
ولنا؛ ما روي أنه ﷺ يُقَبِّلُ رأسَ فاطمة ويقول: «أجِدُ مِنها رِيحَ الجَنَّةِ» (١) وكان إذا قدم من سفر بدأ بها فعانقها ويقبل رأسها، وقال ﷺ : «مَنْ قَبَّلَ رِجلَ أُمِّهِ فكأنّما قَبَّلَ عَتبةَ الجَنَّةِ» (٢).
وعن الحسن بن علي أنه كان يُقبِّلُ رأسَ أُمِّه، وعن محمد بن الحنفية أنه كان يمشط شعر أُمِّهِ، وعن واحد من الصحابة أنه كان يغمز رجل أمه، إلى غير ذلك من الآثار، فدل أن المس يباح. كذا في المبسوط والذخيرة، ولكن فيه نوع تأمل.
قوله ﷺ : (فوق ثلاثةِ أيام) (٣) كلمة (فوق) هاهنا صلة، أو حرمة المسافرة ثابتة في الثلاث أيضًا، فصار كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءَ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١].
قوله: (وَيَأْخُذَ ظَهْرَهَا وَبَطْنَهَا)؛ لما روي أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إن أمي سيئة الخلق، فغضب رسول الله ﷺ فقال: «أكانَتْ سيئة الخُلُقِ حِينَ
стр. 6655
دُونَ مَا تَحْتَهُمَا إِذَا أَمِنَا الشَّهْوَةَ، فَإِنْ خَافَهَا عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ عَلَيْهَا تَيَقُنَا، أَوْ ظَنَّا، أَوْ شَكَّا، فَلْيَجْتَنِبْ ذَلِكَ بِجَهْدِهِ، ثُمَّ إِنْ أَمْكَنَهَا الرُّكُوبَ بِنَفْسِهَا يَمْتَنِعُ عَنْ ذَلِكَ أَصْلًا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنُهَا يَتَكَلَّفُ بِالثَّيَابِ كَيْ لَا تُصِيبَهُ حَرَارَةُ عُضْوِهَا، وَإِنْ لَمْ يَجِدُ الثَّيَابَ يَدْفَعُ الشَّهْوَةَ عَنْ قَلْبِهِ بِقَدْرِ الإِمْكَانِ.
قَالَ: (وَيَنْظُرُ الرَّجُلُ مِنْ مَمْلُوكَةٍ غَيْرِهِ إِلَى مَا يَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ لِأَنَّهَا تَخْرُجُ لِحَوَائِجِ مَوْلَاهَا، وَتَخْدُمُ أَضْيَافَهُ، وَهِيَ فِي ثِيَابِ مِهْنَتِهَا، فَصَارَ حَالُهَا خَارِجَ البَيْتِ فِي حَقِّ الأَجَانِبِ كَحَالِ المَرْأَةِ دَاخِلَهُ فِي حَقِّ مَحَارِمِهِ الأَقَارِبِ. وَكَانَ عُمَرُ ﵁ إِذَا رَأَى جَارِيَةٌ مُتَقَنِّعَةٌ عَلَاهَا بِالدُّرَّةِ وَقَالَ: أَلْقِي عَنْكَ الخِمَارَ يَا دَفَارُ أَتَتَشَبَّهِينَ بِالحَرَائِرِ، وَلَا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَى بَطْنِهَا وَظَهْرِهَا، خِلَافًا لِمَا يَقُولُهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِل:
حَمَلَتْكَ وحينَ أرضَعَتْكَ حَولين؟» إلى أن قال الرجل: أرأيت إن حملتها على عاتقي وحجَجْتُ بها، أكنت قاضيها حقها؟ فقال رسول الله ﷺ : «ولا طلقة» (١)، ولأن بسبب الستر ينعدم معنى العورة، وبالمحرمية ينعدم معنى الشهوة، فلا بأس أن يمسها في الإركاب والإنزال كما في حق الجنس. كذا في المبسوط (٢).
قوله: (دون ما تحتهما) أي: تحت الظهر والبطن، وهو تحت السرة إلى الركبة، حيث لا يجوز مسه فوق الثياب؛ لأن الإباحة للضرورة، والضرورة ترتفع بمس الظهر والبطن، ولأن ما تحت السرة عورة في حق جميع الناس، بخلاف الظهر والبطن فإنهما ليسا بعورة في حق النساء، والضرورة ترتفع بالأدنى، فلا تثبت الإباحة في أعلى الحرمتين. كذا في الذخيرة.
قوله: (عَلَاهَا بِالدُّرَّةِ) أي: ضرب علاوتها، يعني رأسها.
قوله: (خلافًا لما يقوله محمد بن مقاتل) الرازي، حيث قال: ينظر إليهما إلا ما تحت السرة، وبه قال الشافعي في ظاهر مذهبه، كالرجل؛