← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.

стр. 6651

وَزَوْجَتِهِ إِلَى فَرْجِهَا) وَهَذَا إِطْلَاقُ فِي النَّظَرِ إِلَى سَائِرِ بَدَنِهَا عَنْ شَهْوَةٍ وَغَيْرِ شَهْوَةٍ. وَالأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﵊: «غُضَّ بَصَرَك إِلَّا عَنْ أَمَتِكَ وَامْرَأَتِكَ»، وَلِأَنَّ مَا فَوْقَ ذَلِكَ مِنْ المَسِّ وَالغَشَيَانِ مُبَاحٌ، فَالنَّظَرُ أَوْلَى، إِلَّا أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَنْظُرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى عَوْرَةِ صَاحِبِهِ، لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيَسْتَتِرُ مَا اسْتَطَاعَ وَلَا يَتَجَرَّدَانِ تَجَرُّدَ العِيرِ» وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُورِثُ النِّسْيَانَ لِوُرُودِ الأَثَرِ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: الأَوْلَى أَنْ يَنْظُرَ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي تَحْصِيلِ مَعْنَى اللَّذَّةِ. وعن عائشة ﵂: «كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد» (١)، فلو لم يكن النظر مباحًا لما تجرد كل واحد بين يدي صاحبه. وقال الشافعي في وجه: ستر العورة حال الخلوة واجب كما يجب عن أعين الناس. (العير) حمار الوحش، وقيد به؛ لأن في الأهلي نوع ستر من الأقتاب والثفر، وفي فضائل الصديق: ما نظر إلى عورته قط، ولا مسها بيمينه، فما ظنك بعورة الغير. قوله: (لورود الأثر) قال علي ﵁: من أكثر النظر إلى عورته عوقب بالنسيان. قوله: (في تحصيل معنى اللذة) وعن أبي يوسف: سألت أبا حنيفة عن الرجل يمس فرج امرأته وهي تمس فرجه؛ ليتحرك عليها، هل يرى بذلك بأسًا؟ قال: لا، أرجو أن يعظم الأجر. كذا في الذخيرة. وفي جمع التفاريق: قال أبو بكر الرازي: لا بأس بوطء المنكوحة بمعاينة الأمة دون العكس، ولا بأس بالوطء ومعه قوم نيام إذا ظن أنهم لا يعلمون. وفي التتمة: كره محمد ﵀ الجمع بين المرأتين والأمتين في فراش واحد ويطأ إحداهما بمرأى الأخرى، وقال أبو يوسف: لا بأس به، ولو وطئ بهيمة ذبحت، وقد مر في مسألة وطء البهيمة، قال شمس الأئمة

стр. 6652

قَالَ: (وَيَنْظُرُ الرَّجُلُ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ إِلَى الوَجْهِ، وَالرَّأْسِ، وَالصَّدْرِ، وَالسَّاقَيْنِ، وَالعَضُدَيْنِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَى ظَهْرِهَا وَبَطْنِهَا وَفَخِذِهَا). وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الآيَةَ، وَالمُرَادُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مَوَاضِعُ الزِّينَةِ وَهِيَ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ في جامعه: الإحراق على وجه الاستحسان عند أصحابنا، ولم تؤكل؛ لأنه مستخبث عادة أكل لحمها، فصار كاللحم المنتن. قوله: (ولا ينظر إلى بطنها … ) إلى آخره، وكذا لا يجوز مسها، وجعل حالها كحال الجنس في النظر، وعندنا لا يمسها، وبه قال القاضي حسين من أصحابه حيث قال: لا يجوز أن يمس ذات الرحم وإن لم تكن عورة في حقه. ولنا؛ أن حكم الظهار ثابت بالنص، وهو المنكر من القول وزور؛ لما فيه من تشبيه المحللة بالمحرمة، فإذا كان محرمًا لا يجوز النظر ولا اللمس، وإذا ثبت هذا في الظهر ثبت في البطن بالطريق الأولى؛ لأنه أقرب إلى المأتي، وكذا الجنبان. كذا في المبسوط (١). قوله: (والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ﴾) [النور: ٣١] الآية والمراد موضع الزينة؛ إذ النظر إلى نفس الزينة مباح مطلقا، وموضع الزينة الرأس؛ لأنه موضع التاج، والشعر؛ لأنه موضع العقاص، والوجه؛ إذ هو موضع الكحل، والعنق والصدر؛ فهما موضعا القلادة، فهي تنتهي إلى الصدر، والأذن؛ فهو موضع القرط، والعضد؛ فهو موضع الدملوج، والساعد؛ فهو موضع السوار، والكف؛ فهو موضع الخاتم، والخضاب والساق؛ فهو موضع الخلخال، والقدم؛ فهو موضع الخضاب بخلاف الظهر والبطن والفخذ؛ لأنها ليست بموضع الزينة. ولا يقال: ينبغي أن ينظر إلى ظهرها؛ لأنه موضع القراميل (٢) كما في هذه المواضع.

стр. 6653

السَّاعِدُ وَالأُذُنُ وَالعُنْقُ وَالقَدَمُ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَوْضِعُ الزِّينَةِ، بِخِلَافِ الظَّهْرِ وَالبَطْنِ وَالفَخِذِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ مَوَاضِعِ الزِّينَةِ، وَلِأَنَّ البَعْضَ يَدْخُلُ عَلَى البَعْضِ مِنْ غَيْرِ اسْتِنْذَانِ وَاحْتِشَامٍ، وَالمَرْأَةُ فِي بَيْتِهَا فِي ثِيَابِ مِهْنَتِهَا عَادَةٌ، فَلَوْ حَرُمَ النَّظَرُ إِلَى هَذِهِ المَوَاضِعِ أَدَّى إِلَى الحَرَجِ، وَكَذَا الرَّغْبَةُ تَقِلُّ لِلْحُرْمَةِ المُؤَهَّدَةِ، فَقَلَّمَا تُشْتَهَى، بِخِلَافِ مَا وَرَاءَهَا، لِأَنَّهَا لَا تَنْكَشِفُ عَادَةً. وَالمَحْرَمُ: مَنْ لَا تَجُوزُ المُنَاكَحَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا عَلَى التَّابِيدِ بِنَسَبٍ كَانَ، أَوْ بِسَبَبٍ كَالرَّضَاعِ وَالمُصَاهَرَةِ، لِوُجُودِ المَعْنَيَيْنِ فِيهِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ المُصَاهَرَةُ بِنِكَاحٍ أَوْ سِفَاحٍ فِي الْأَصَحُ لِمَا بَيَّنَّا. قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَمَسَّ مَا جَازَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ مِنهَا) لِتَحَقُّقِ الحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ فِي المُسَافَرَةِ وَقِلَّةِ لأنا نقول: القراميل فوق اللباس عادة، ويجوز النظر إلى ثوبها الواقع على بطنها وظهرها للأجنبي فضلا للمحارم. قوله: (لِوُجُودِ الْمَعْنَيَيْنِ)؛ الضرورة وقلة الرغبة. قوله: (في الأصح) قال بعض مشايخنا: إذا كانت حرمة المصاهرة بالزنا لا يحل اللمس والنظر؛ لأن ثبوت الحرمة بطريق العقوبة على الزاني لا بطريق النعمة، ولأنه قد ظهرت خيانته مرة فلا يؤتمن ثانيًا، والأصح أنه لا بأس بذلك؛ لما بينا أنه محرمة على التأبيد. ولا يجوز أن يقال: ثبوت الحرمة بطريق العقوبة؛ لأنا إنما أثبتنا الحرمة قياسًا على النكاح، فلو جعلنا بطريق العقوبة لم تكن تلك الحرمة؛ لأنها ثابتة نعمة بطريق المنة، فلو كانت بطريق العقوبة لكان إثبات الحرمة ابتداء بالرأي، وذا لا يجوز. كذا في المبسوط (١). قوله: (لا بأس بأن يمس ما جاز أن ينظر إليه منها) وبه قالت الأئمة الثلاثة. قال القاضي حسين من أصحاب الشافعي: لا يجوز مسها وإن لم يكن عورة في حقه؛ لما فيه من خوف الفتنة، وقد مر.

стр. 6654

الشَّهْوَةِ لِلْمَحْرَمِيَّةِ، بِخِلَافِ وَجْهِ الأَجْنَبِيَّةِ وَكَفَّيْهَا، حَيْثُ لَا يُبَاحُ المَسُّ وَإِنْ أُبِيحَ النَّظَرُ؛ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ مُتَكَامِلَةٌ إِلَّا إِذَا كَانَ يَخَافُ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى نَفْسِهِ الشَّهْوَةَ فَحِينَئِذٍ لَا يَنْظُرُ وَلَا يَمَسُّ، لِقَوْلِهِ ﵊: «العَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَاليَدَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا البَطْش»، وَحُرْمَةُ الزِّنَا بِذَوَاتِ المَحَارِمِ أَغْلَظُ فَيُجْتَنَبُ. (وَلَا بَأْسَ بِالخَلْوَةِ وَالمُسَافَرَةِ بِهِنَّ)، لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا تُسَافِر المَرْأَةُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا إِلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا، أَوْ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنهَا» وَقَوْلُهُ ﵊: أَلَّا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَيْسَ مِنهَا بِسَبِيلٍ فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ وَالمُرَادُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَحْرَمًا، فَإِنْ احْتَاجَ إِلَى الإِرْكَابِ وَالْإِنْزَالِ: فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَمَسَّهَا مِنْ وَرَاءِ ثِيَابِهَا وَيَأْخُذَ ظَهْرَهَا وَبَطْنَهَا ولنا؛ ما روي أنه ﷺ يُقَبِّلُ رأسَ فاطمة ويقول: «أجِدُ مِنها رِيحَ الجَنَّةِ» (١) وكان إذا قدم من سفر بدأ بها فعانقها ويقبل رأسها، وقال ﷺ : «مَنْ قَبَّلَ رِجلَ أُمِّهِ فكأنّما قَبَّلَ عَتبةَ الجَنَّةِ» (٢). وعن الحسن بن علي أنه كان يُقبِّلُ رأسَ أُمِّه، وعن محمد بن الحنفية أنه كان يمشط شعر أُمِّهِ، وعن واحد من الصحابة أنه كان يغمز رجل أمه، إلى غير ذلك من الآثار، فدل أن المس يباح. كذا في المبسوط والذخيرة، ولكن فيه نوع تأمل. قوله ﷺ : (فوق ثلاثةِ أيام) (٣) كلمة (فوق) هاهنا صلة، أو حرمة المسافرة ثابتة في الثلاث أيضًا، فصار كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءَ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١]. قوله: (وَيَأْخُذَ ظَهْرَهَا وَبَطْنَهَا)؛ لما روي أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إن أمي سيئة الخلق، فغضب رسول الله ﷺ فقال: «أكانَتْ سيئة الخُلُقِ حِينَ

стр. 6655

دُونَ مَا تَحْتَهُمَا إِذَا أَمِنَا الشَّهْوَةَ، فَإِنْ خَافَهَا عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ عَلَيْهَا تَيَقُنَا، أَوْ ظَنَّا، أَوْ شَكَّا، فَلْيَجْتَنِبْ ذَلِكَ بِجَهْدِهِ، ثُمَّ إِنْ أَمْكَنَهَا الرُّكُوبَ بِنَفْسِهَا يَمْتَنِعُ عَنْ ذَلِكَ أَصْلًا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنُهَا يَتَكَلَّفُ بِالثَّيَابِ كَيْ لَا تُصِيبَهُ حَرَارَةُ عُضْوِهَا، وَإِنْ لَمْ يَجِدُ الثَّيَابَ يَدْفَعُ الشَّهْوَةَ عَنْ قَلْبِهِ بِقَدْرِ الإِمْكَانِ. قَالَ: (وَيَنْظُرُ الرَّجُلُ مِنْ مَمْلُوكَةٍ غَيْرِهِ إِلَى مَا يَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ لِأَنَّهَا تَخْرُجُ لِحَوَائِجِ مَوْلَاهَا، وَتَخْدُمُ أَضْيَافَهُ، وَهِيَ فِي ثِيَابِ مِهْنَتِهَا، فَصَارَ حَالُهَا خَارِجَ البَيْتِ فِي حَقِّ الأَجَانِبِ كَحَالِ المَرْأَةِ دَاخِلَهُ فِي حَقِّ مَحَارِمِهِ الأَقَارِبِ. وَكَانَ عُمَرُ ﵁ إِذَا رَأَى جَارِيَةٌ مُتَقَنِّعَةٌ عَلَاهَا بِالدُّرَّةِ وَقَالَ: أَلْقِي عَنْكَ الخِمَارَ يَا دَفَارُ أَتَتَشَبَّهِينَ بِالحَرَائِرِ، وَلَا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَى بَطْنِهَا وَظَهْرِهَا، خِلَافًا لِمَا يَقُولُهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِل: حَمَلَتْكَ وحينَ أرضَعَتْكَ حَولين؟» إلى أن قال الرجل: أرأيت إن حملتها على عاتقي وحجَجْتُ بها، أكنت قاضيها حقها؟ فقال رسول الله ﷺ : «ولا طلقة» (١)، ولأن بسبب الستر ينعدم معنى العورة، وبالمحرمية ينعدم معنى الشهوة، فلا بأس أن يمسها في الإركاب والإنزال كما في حق الجنس. كذا في المبسوط (٢). قوله: (دون ما تحتهما) أي: تحت الظهر والبطن، وهو تحت السرة إلى الركبة، حيث لا يجوز مسه فوق الثياب؛ لأن الإباحة للضرورة، والضرورة ترتفع بمس الظهر والبطن، ولأن ما تحت السرة عورة في حق جميع الناس، بخلاف الظهر والبطن فإنهما ليسا بعورة في حق النساء، والضرورة ترتفع بالأدنى، فلا تثبت الإباحة في أعلى الحرمتين. كذا في الذخيرة. قوله: (عَلَاهَا بِالدُّرَّةِ) أي: ضرب علاوتها، يعني رأسها. قوله: (خلافًا لما يقوله محمد بن مقاتل) الرازي، حيث قال: ينظر إليهما إلا ما تحت السرة، وبه قال الشافعي في ظاهر مذهبه، كالرجل؛

стр. 6656

أَنَّهُ يُبَاحُ إِلَّا إِلَى مَا دُونَ السُّرَّةِ إِلَى الرُّكْبَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ كَمَا فِي المَحَارِمِ، بَلْ أَوْلَى، لِقِلَّةِ الشَّهْوَةِ فِيهِنَّ وَكَمَالِهَا فِي الإِمَاءِ. وَلَفْظَةُ «المَمْلُوكَةِ» تَنْتَظِمُ المُدَبَّرَةَ، وَالمُكَاتَبَةَ، وَأُمَّ الوَلَدِ، لِتَحَقَّقِ الحَاجَةِ، وَالمُسْتَسْعَاةُ كَالمُكَاتَبَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا عُرِفَ، وَأَمَّا الخَلْوَةُ بِهَا وَالمُسَافَرَةُ مَعَهَا: فَقَدْ قِيلَ: يُبَاحُ كَمَا فِي المَحَارِمِ، وَقَدْ قِيلَ: لَا يُبَاحُ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ فِيهِنَّ، لما روي عن ابن عباس أنه قال في حديث طويل: ومن أراد أن يشتري جارية فلينظر إليها إلا موضع المئزر، ولتعامل أهل الحرمين. وقلنا: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِّأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب: ٢٨] الآية لما نزلت أمرن الحرائر بفضل ستر يتميزن به عن الإماء؛ لأن الآية نزلت في حق الحرائر، فإن المنافقين يتعرضون الحرائر، والتمييز إنما يحصل إذا حل للأمة كشف مواضع الزينة سوى الوجه واليدين، ولا يباح للحرة ذلك، فدلت الآية على إباحة مواضع الزينة الباطنة في حق الإماء للأجانب، ولأنهما محل الشهوة، والإباحة للضرورة، ولا ضرورة في الظهر والبطن، كما في حق المحارم، وكمال الشهوة في الإماء على ما عرف أن عنده الإعتاق منجز، وعندهما لا، فتكون حرة عندهما، وبه قال الشافعي. وعن الحسن البصري؛ أنه يوجب على الأمة الخمار إذا تزوجت أو أخذها السيد لنفسه، وروي: إذا ولدت. وعن ابن سيرين؛ أن أم الولد تُصلِّي متقنعة، وبه قال أحمد، ويحكى عن مالك ولا خلاف لأحد في المدبرة. قوله: (الضرورة) فيهن أي: الضرورة التي لا مدفع لها، فقال: لا بأس بمس ما لا يحل النظر إليه إذا اضطر إليه. وفي المبسوط (١): قال بعض مشايخنا: للأجنبي أن يعالجها (٢) في الإركاب والإنزال؛ لأن معنى العورة، ولئن عدم بالستر، فمعنى الشهوة باق، والأصح أنه

стр. 6657

وَفِي الْإِرْكَابِ وَالْإِنْزَالِ اعْتَبَرَ مُحَمَّدٌ فِي الأَصْلِ الضَّرُورَةَ فِيهِنَّ وَفِي ذَوَاتِ المَحَارِمِ مُجَرَّدَ الحَاجَةِ. قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَمَسَّ ذَلِكَ إِذَا أَرَادَ الشَّرَاءَ، وَإِنْ خَافَ أَنْ يَشْتَهِيَ) كَذَا ذَكَرَهُ فِي المُخْتَصَرِ، وَأَطْلَقَ أَيْضًا فِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ وَلَمْ يُفَصِّلُ. قَالَ مَشَايِخُنَا ﵏: يُبَاحُ النَّظَرُ فِي هَذِهِ الحَالَةِ، وَإِنْ اشْتَهَى لِلضَّرُورَةِ، وَلَا يُبَاحُ المَسُّ إِذَا اشْتَهَى، أَوْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ اسْتِمْتَاعٍ، وَفِي غَيْرِ حَالَةِ الشِّرَاءِ يُبَاحُ النَّظَرُ وَالمَسُّ بِشَرْطِ عَدَمِ الشَّهْوَةِ. قَالَ: (وَإِذَا حَاضَتْ الأَمَةُ، لَمْ تُعْرَضْ فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ) وَمَعْنَاهُ بَلَغَتْ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا بَيَّنَّا. أَنَّ الظَّهْرَ وَالبَطْنَ مِنْهَا عَوْرَةٌ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ تُشْتَهَى وَيُجَامَعُ مِثْلُهَا فَهِيَ كَالبَالِغَةِ لَا تُعْرَضُ فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ لِوُجُودِ الِاشْتِهَاءِ. قَالَ: (وَالخَصِيُّ فِي النَّظَرِ إِلَى الْأَجْنَبِيَّةِ كَالفَحْلِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂: الخِصَاءُ مُثْلَةٌ، فَلَا يُبِيحُ مَا كَانَ حَرَامًا قَبْلَهُ، وَلِأَنَّهُ فَحْلٌ يُجَامِعُ وَكَذَا المَجْبُوبُ؛ لِأَنَّهُ يُسَاحِقُ وَيُنْزِلُ، لا بأس بذلك إذا أمن الشهوة على نفسه وعليها؛ لأن المولى قد يبعثها في حاجته من بلدة إلى بلدة ولا تجد محرمًا لتسافر معه، وهي تحتاج إلى من يركبها وينزلها، ألا ترى أن أمة المرأة تغمز رجل زوجها وتخلو به، ولا يمتنع أحد من ذلك. قوله: (والخصاء مثلة) يقال: خصاه: إذا نزع خصيتيه، خصاء، على فعال، والإخصاء في معناه خطأ، وأما الخَصْي فقياس وإن لم نسمعه. كذا في المغرب (١). وفي الإيضاح: وروي عن عائشة ﵂ أنها سئلت عن الخصي، فقالت: إنه رجل مُثْلَ به، المثلة لا تحل ما يحرم على غيره، ولأن الخصي في الأحكام مثل الشهادات والمواريث كالفحل، وقطع الآلة كقطع عضو آخر، ومعنى الفتنة لا يفوت، والخصي قد يجامع، وقيل: أشد الجماع جماع الخصي؛ لأن آلته لا تفتر. (وكذا المجبوب؛ لأنه يساحق وينزل) فإن كان مجبوبًا جف ماؤه، وقد

стр. 6658

وَكَذَا المُخَنَّثُ فِي الرَّدِيءِ مِنْ الأَفْعَالِ؛ لِأَنَّهُ فَحْلٌ فَاسِقٌ. وَالحَاصِلُ: أَنَّهُ يُؤْخَذُ فِيهِ رخص بعض مشايخنا الاختلاط بالنساء لوقوع الأمن من الفتنة، وقد قال الله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور: ٣١] فقيل: هو المجبوب الذي جف ماؤه، والأصح أنه لا يحل له ذلك؛ لعموم النصوص. (وكذا المخنث في الرديء من الأفعال) أي: الذي يمكن غيره من نفسه؛ لأنه فحل فاسق، أما المخنث الذي في أعضائه لين، وفي لسانه تكسر، ولا يشتهي النساء، ولا يكون مخنثا في الرديء من الأفعال، فقد رخص بعض مشايخنا في ترك مثله مع النساء، وهو أحد تأويل قوله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولي الإربة الآية﴾ [النور: ٣١]. وقيل: المراد به الأبله الذي لا يدري ما يصنع بالنساء، إنما همه بطنه، والأصح أنه من المتشابه، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] محكم، فنأخذ بالمحكم ونقول: كل من كان من الرجال فلا يحل لها أن تبدي موضع الزينة الباطنة بين يديه، ولا يحل النظر إليها إلا أن يكون طفلا صغير الجسد؛ لأنه مستثنى بالنص، قال الله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١] لا يعرفون ما العورة، ولا يميزون بينها وبين غيرها، أو لم يظهروا: لم يبلغوا، أو لم يقدروا على الوطء، من ظهر على فلان: إذا قوي عليه، وظهر على القرآن؛ إذا حفظه وأطاقه. كذا في الذخيرة والكافي والفوائد الشاهية. وروي أنه كان في بيت أم سلمة مخنث، فلما حاصر رسول الله ﷺ الطائف، قال لعمر بن أم سلمة: إذا فتح الله علينا الطائف دللتك على ابنة غيلان، تُقْبِلُ بأربع وتُدْبِرُ بثمان، فقال ﷺ : «أَوَهَذَا يَعْرِفُ هذا! لا يَدْخُلْ عَلَيْكُنَّ» (١) كذا في الإيضاح. ومعنى قوله: تقبل بأربع وتدبر بثمان، المراد منه عكن البطن، العَكَنُ:

стр. 6659

بِمُحْكَمِ كِتَابِ اللَّهِ المُنَزَّلِ فِيهِ، وَالطَّفْلُ الصَّغِيرُ مُسْتَثْنَى بِالنَّصْ. قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ لِلْمَمْلُوكِ أَنْ يَنْظُرَ مِنْ سَيِّدَتِهِ إِلَّا مَا يَجُوزُ لِلْأَجْنَبِيِّ النَّظَرُ إِلَيْهِ مِنهَا). وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ كَالمَحْرَمِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ﴾ [النور: (٣١)] وَلِأَنَّ الحَاجَةَ مُتَحَقِّقَةٌ لِدُخُولِهِ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِثْذَانِ. وَلَنَا: أَنَّهُ فَحْلٌ غَيْرُ مَحْرَمٍ وَلَا زَوْجٍ، وَالشَّهْوَةُ مُتَحَقِّقَةٌ لِجَوَازِ النِّكَاحِ فِي الجُمْلَةِ وَالحَاجَةُ قَاصِرَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ خَارِجَ البَيْتِ. وَالمُرَادُ بِالنَّصُ الإِمَاءُ، قَالَ سَعِيدٌ وَالحَسَنُ وَغَيْرُهُمَا: لَا تَغُرَّنَّكُمْ سُورَةُ النُّورِ، جمع العكنة، وهي الطي الذي يكون في البطن من السِّمَن، أي: هي أربع إذا أقبلت، وثمان إذا أدبرت؛ لأن لكل عكنة طرفين إلى جنبيها. (قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ﴾ [النور: ٣١]) هي الإماء دون الغلمان؛ لأنهن دخلن في قوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]؛ لأنه لا يشكل أن للأمة أن تنظر إلى سيدها كالأجنبيات، ولأن بينهما شيئًا محرما للنكاح، فكان كالمحرم، وإباحة النظر ثمة لحاجَةِ الدخول من غير استئذان واحتشام، وهذا متحقق بين العبد وسيدته. ولنا: أنه ليس بينهما زوجية ومحرمية، وحرمة المناكحة على شرف الزوال، فكانت في حقه كمنكوحة الغير، وهذا لأن الحرمة المؤبدة تقلل الشهوة، وأما الملك فلا يقلل الشهوة، بل يحملها على رفع الاحتشام، والبلوى غير متحقق؛ لأن العبد للاستخدام خارج البيت لا داخله، وقد قيل: من اتخذ عبدا للخدمة داخل البيت فهو كشحان. قوله: (والمراد بالنص) وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ﴾ (الإماء) دون الغلمان، (قال سعيد والحسن: لا تغرنكم سورة النور) وأطلق سعيدًا ليتناول سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، فإنها في الإماء دون الغلمان، فكان

стр. 6660

فَإِنَّهَا فِي الإِنَاثِ دُونَ الذُّكُورِ. قَالَ: (وَيَعْزِلُ عَنْ أَمَتِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهَا، وَلَا يَعْزِلُ عَنْ زَوْجَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهَا) «لِأَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ العَزْلِ عَنِ الحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا، وَقَالَ لِمَوْلَى أَمَةٍ: اعْزِلْ عَنْهَا إِنْ شِئْت»، وَلِأَنَّ الوَطْءَ حَقُّ الحُرَّةِ قَضَاءً لِلشَّهْوَةِ وَتَحْصِيلًا لِلْوَلَدِ، وَلِهَذَا تُخَيَّرُ فِي الجَبِّ وَالعِنَّةِ، وَلَا حَقَّ لِلْأَمَةِ فِي الوَطْءِ، فَلِهَذَا لَا يُنْقَصُ حَقُّ الحُرَّةِ بِغَيْرِ إِذْنِهَا، وَيَسْتَبِدُّ بِهِ المَوْلَى وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ أَمَةَ غَيْرِهِ الغلمان مخاطبين بقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] الآية. فإن قيل: لا يصح أن يكون المراد بقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] الإماء؛ لوجهين: أحدهما: أن إباحة نظر الإماء إلى سيدتهن استفيدت من قوله تعالى في تلك الآية ﴿أَوْ نِسَآبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] فلو حملت هذه الآية على الإماء يلزم التكرار. والثاني: أن الإماء لم تكن مرادة من قوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] وجب ألا يكون مراده من قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] أيضًا؛ لأن البيان بالحكم إنما يكون في موضع الإشكال، ولا يشكل لأحد أن للأمة أن تنظر إلى مولاتها كما للأجنبيات، والملك إن لم يزد توسعة ينبغي ألا يزيد تضييقا، والمروي عن أم سلمة موافق له، فإن لها مكاتبًا، فلما انتهى إلى آخر النجوم قالت له: أتقدر على الأداء؟ فقال: نعم، فاحتجبت منه، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا كانَ لإحداكُنَّ مُكاتَبٌ فأَدَّى آخِرَ النُّجومِ؛ فَلْتَحْتَجِبْ منه» (١). ولنا دعوى التكرار غير مسلم، فإن المراد من قوله: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الحرائر المسلمات؛ لأنه ليس للمؤمنة أن تتجرد بين يدي مشركة أو كتابية، وكذا عن ابن عباس، فالظاهر أنه عنى بنسائهن: من في صحبتهن من الحرائر، والنساء كلهن في حل ينظر بعضهن إلى بعض سواء.

стр. 6661

فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي النِّكَاحِ. فَصْلٌ فِي الاسْتِبْرَاءِ وَغَيْرِهِ وعن الثاني أن الموضع موضع إشكال؛ لأن حالة الأمة تفرق حالة الرجل حتى يسافر بغير محرم، فأشكل أنه هل يباح لها التكشف بين يدي أمتها؟ ولم يزل هذا الإشكال بقوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] لأن مطلق هذا اللفظ يتناول الحرائر دون الإماء، وحديث أم سلمة محمول على الاحتجاب؛ لمعنى زوال الحاجة. فإن قيل: ذلك يحتاج إلى الأخذ والإعطاء في المعاملة معه، فتبدي وجهها وكفها له، وقد زال ذلك بالأداء واحتجبت منه، هذا كله مما أشار إليه في المبسوط (١) والكشاف. وفي التيسير: وقول سمرة بن جندب كقول السعيدين. وفي المجتبى: اختلف في غمز الرجل فخذ الرجل فوق الإزار، قيل: يجوز إذا كان الإزار كثيفًا، وبه أخذ الحلواني والاحتياط تركه، ومس ما تحت الإزار على ما اعتاده الجهلة حرام في الحمام، ولو نظر إلى عورة غيره وهي غير بادية لم يأثم. قوله: (فقد ذكرناه في النكاح) أي: في مسألة: (وإذا تزوج أمة فالإذن في العزل) إلى آخره، وقد بينا هنا الاختلاف، واختيار الفتوى فلا نعيده. فَصْلٌ فِي الاسْتِبْرَاءِ وَغَيْرِهِ أخر الاستبراء؛ لأنه احتراز عن وطء مقيد، فالمقيد بمنزلة المركب، والمركب مؤخر عن المفرد. ففي فتاوى قاضي خان: اختلف فيمن أنكر وجوب الاستبراء: هل يَكفُرُ؟ قيل: يَكفُرُ؛ لأنه أنكر إجماع المسلمين، وقال عامة المشايخ: لا يَكفُرُ؛ لأنه ظاهر قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النساء: ٣] يقتضي إباحة الوطء مطلقا،

стр. 6662

قَالَ: (وَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَإِنَّهُ لَا يَقْرَبُهَا وَلَا يَلْمَسُهَا وَلَا يُقَبِّلُهَا وَلَا يَنْظُرُ إِلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا) وَالأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﵊ فِي سَبَايَا أَوْطَاسِ «أَلَا لَا تُوطَأُ الحَبَالَى حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ، وَلَا الحَيَالَى حَتَّى يُسْتَبْرَأَنَ بِحَيْضَةٍ» أَفَادَ وُجُوبَ الِاسْتِبْرَاءِ عَلَى المَوْلَى، وَدَلَّ عَلَى السَّبَبِ فِي المَسْبِيَّةِ، وَهُوَ اسْتِحْدَاثُ المِلْكِ وَاليَدِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ المَوْجُودُ فِي مَوْرِدِ النَّصّ، وَهَذَا لِأَنَّ الحِكْمَةَ فِيهِ التَّعَرُّفُ عَنْ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ صِيَانَةٌ لِلْمِيَاهِ المُحْتَرَمَةِ عَنِ الِاخْتِلَاطِ وَالْأَنْسَابِ عَنْ الاشْتِبَاءِ، وَذَلِكَ عِنْدَ حَقِيقَةِ الشُّغْلِ أَوْ تَوَهُمِ الشُّغْلِ بِمَاءٍ مُحْتَرَمٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الوَلَدُ ثَابِتَ النَّسَبِ، وَيَجِبُ عَلَى المُشْتَرِي لَا عَلَى البَائِعِ؛ لِأَنَّ العِلَّةَ الحَقِيقِيَّةَ إِرَادَةُ وعرف وجوب الاستبراء بالخبر، فلا يكفر جاحده. واللمس: من [حَدٌ نَصَرَ] (١) وضَرَبَ. وأوطاس: موضع على ثلاث مراحل من مكة كانت به وقعة النبي ﷺ . الحبالى: جمع الحُبلى، والحيالي: جمع الحائل، وهي التي لا حمل لها، وقيل: إنما قال الحيالي؛ ليزاوج الحبالى والقياس أن يقال: الحوائل؛ لأنها جمع حائل، ونظيره الغدايا والعشايا، والقياس الغدوات. وفي قوله: (حتى يستبري) القياس بالهمز. كذا في المغرب (٢). قوله: (ودل) أي: الحديث معنى الحديث، وإن ورد في المسبية، لكن السبب حدوث الملك، أي سبب وجوب الاستبراء في المسبية حدوث الملك واليد. قوله: (لأن الحكم (٣) فيه) أي: في وجوب الاستبراء (التعرف عن براءة الرحم) ولا يمكن الوقوف على حقيقته، فتعلق الحكم بالسبب الظاهر، وهو حدوث الملك الحل بسبب ملك الرقبة، كما في المسبية، فيدار الحكم عليه تيسيرا. قوله: (ويجب على المشتري لا على البائع) وبه قالت الأئمة الثلاثة.

стр. 6663

الوَطْءِ، وَالمُشْتَرِي هُوَ الَّذِي يُرِيدُهُ دُونَ البَائِعِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ الإِرَادَةَ أَمْرٌ مُبْطَنٌ فَيُدَارُ الحُكْمُ عَلَى دَلِيلِهَا، وَهُوَ التَّمَكَّنُ مِنْ الوَطْءِ، وَالتَّمَكُنُ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِالمِلْكِ وَاليَدِ، فَانْتَصَبَ سَبَبًا وَأُدِيرَ الحُكْمُ عَلَيْهِ تَيْسِيرًا، فَكَانَ السَّبَبُ اسْتِحْدَاثَ مِلْكِ الرَّقَبَةِ المُؤَكَّدِ بِاليَدِ وَتَعَدِّي الحُكْمِ إِلَى سَائِرِ أَسْبَابِ المِلْكِ كَالشِّرَاءِ وَالهِبَةِ وَالوَصِيَّةِ وَالمِيرَاثِ وَالخُلْعِ وَالكِتَابَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَكَذَا يَجِبُ عَلَى المُشْتَرِي مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ، وَمِنْ المَرْأَةِ وَالمَمْلُوكِ، وَمِمَّنْ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا، وَكَذَا إِذَا كَانَتْ المُشْتَرَاةُ وقال النخعي والثوري والحسن البصري وابن سيرين: يجب على البائع والمشتري. وقال البتي: يجب على البائع دون المشتري؛ لأن الصيانة كما تجب على المشتري تجب على البائع، وقال البتي: هذا صيانة عن ماء البائع فيجب عليه. وقلنا: العلة الحقيقية إرادة الوطء، فإنه إذا أراد الوطء وذا لا يحل إلا في محل فارغ؛ كيلا يصير ساقيًا ماءه زرع غيره، (والمشتري هو الذي … ) إلى آخره. قوله: (والكتابة) بأن كاتب عبده على جارية (وغير ذلك) كالدفع بالجناية. قوله: (صبي) أي: المشتري من مال الصبي، بأن باعها أبوه. (والمملوك) أي: المشراة من عبد مأذون له في التجارة، مديون بدين يحيط بكسبه. وفي المبسوط (١): لو اشترى من عبده المأذون لا استبراء عليه إن كانت قد حاضت بعدما استبرأها ولا دين عليه؛ لأن المولى ملك رقبتها من وقت الشراء، فتكفي تلك الحيضة، كما في يد الوكيل. وإن كان على العبد دين محيط برقبته وكسبه فكذلك الجواب عندهما؛ لأن دين العبد لا يمنع ملك المولى في كسبه، وهو قول الأئمة الثلاثة، وقد مر. وعند أبي حنيفة: يستبرئها استحسانًا، وفي القياس لا؛ لأن المولى أحق بها حتى يملك استخلاصها بنفسه بعقد الدين من موضع آخر، فيجتزئ بتلك

стр. 6664

بِكْرًا لَمْ تُوطَأ، لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ وَإِدَارَةِ الأَحْكَامِ عَلَى الْأَسْبَابِ دُونَ الحُكْمِ لِبُطُونِهَا فَيُعْتَبَرُ تَحَقُّقُ السَّبَبِ عِنْدَ تَوَهُمِ الشُّغْلِ. وَكَذَا لَا يُجْتَزَأُ بِالحَيْضَةِ الَّتِي اشْتَرَاهَا فِي أَثْنَائِهَا وَلَا بِالحَيْضَةِ الَّتِي حَاضَتْهَا بَعْدَ الشِّرَاءِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَسْبَابِ المِلْكِ قَبْلَ القَبْضِ، وَلَا بِالوِلَادَةِ الحَاصِلَةِ بَعْدَهَا قَبْلَ القَبْضِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ ﵀؛ لِأَنَّ الحيضة، والعبد لا يثبت له الحل ولا للغرماء. وفي الاستحسان يجب استبراؤها؛ لأن المولى قبل الشراء لا يملك رقبتها عنده حتى إذا أعتقها لا ينفذ عتقه عنده، وإنما حدث له ملك الحل بسبب ملك [الرقبة] (١)، وممن لا يحل له وطؤها، بأن كانت أخت رضاع للبائع، أو ورثها من أبيه، وأبوه استمتع بها. قوله: (بكرًا لم توطأ) وبه قال الشافعي وأحمد. وقال مالك: إن كانت ممن يوطأ مثلها لزمه الاستبراء، وإن كانت ممن لا يوطاً مثلها لا يجب الاستبراء. وقال داود: إن كانت بكرًا لا يجب؛ لعدم توهم الشغل. وعن أبي يوسف فيما إذا تيقن بفراغ رحمها من ماء البائع لا يجب الاستبراء؛ لأنه لتبين فراغ الرحم، وهو حاصل، كما في المطلقة قبل الدخول لا تجب العدة لهذا. وقلنا: إن هذه حكمة الاستبراء، والحكم يتعلق بالعلة لا بالحكمة؛ (لبطونها)؛ تيسيرًا للأمر على الناس. فإن قيل: لا بد من توهم الشغل. قلنا: توهم الشغل ثابت؛ إذ المعتبر التوهم سواء كان من المالك أو غيره وكذا في البكر التوهم ثابت؛ لأن الشغل يتصور بدون زوال العذرة. قوله: (خلافًا لأبي يوسف) فإن عنده يجتزئ بها، وبه قال الشافعي في وجه؛ لأن تبين فراغ رحمها يحصل بتلك الحيضة كما لو لم توجد الحيضة في يد المشتري أو في يد الوكيل.

стр. 6665

السَّبَبَ اسْتِحْدَاثُ المِلْكِ وَاليَدِ، وَالحُكْمُ لَا يَسْبِقُ السَّبَبَ، وَكَذَا لَا يُجْتَزَأُ بِالحَاصِلِ قَبْلَ الإِجَازَةِ فِي بَيْعِ الفُضُولِيّ وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ المُشْتَرِي، وَلَا بِالحَاصِلِ بَعْدَ القَبْضِ في الشَّرَاءِ الفَاسِدِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا شِرَاءٌ صَحِيحًا لِمَا قُلْنَا. (وَيَجِبُ فِي جَارِيَةٍ لِلْمُشْتَرِي فِيهَا شِقْصٌ فَاشْتَرَى البَاقِيَ)؛ لِأَنَّ السَّبَبَ قَدْ تَمَّ الآنَ، وَالحُكْمُ يُضَافُ إِلَى تَمَامِ العِلَّةِ، وَيُجْتَزَأُ بِالحَيْضَةِ الَّتِي حَاضَتْهَا بَعْدَ القَبْضِ وَهِيَ مَجُوسِيَّةٌ أَوْ مُكَاتَبَةٌ، بِأَنْ كَاتَبَهَا بَعْدَ الشِّرَاءِ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ المَجُوسِيَّةُ أَوْ عَجَزَتْ المُكَاتَبَةُ لِوُجُودِهَا بَعْدَ السَّبَبِ، وَهُوَ اسْتِحْدَاثُ المِلْكِ وَاليَدِ، إِذْ هُوَ مُقْتَضِ لِلْحِلِّ وَالحُرْمَةِ لِمَانِعِ كَمَا فِي حَالَةِ الحَيْضِ (وَلَا يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ إِذَا رَجَعَتِ الْآبِقَةُ أَوْ رُدَّتِ المَغْصُوبَةُ أَوْ المُؤَاجَرَةُ أَوْ فُكَّتِ المَرْهُونَةُ) لِانْعِدَامِ السَّبَبِ، وَهُوَ اسْتِحْدَاثُ المِلْكِ وقلنا: إنها وجدت قبل علته؛ إذ هي تحصل بالملك، ولا تعتبر قبلهما، كما لو حاضت قبل الشراء، والحيضة الكاملة تجب عليه بالنص، فلا يجتزئ ببعضها، كما لو طلق امرأته في حالة الحيض، بخلاف ما في يد الوكيل؛ لأنها بعد تمام العلة. قوله: (لما قلنا) إشارة إلى قوله: (إن السبب استحداث الملك واليد). قوله: (لأن السبب قد تم الآن) [لأن] (١) حدوث ملك الحل بسبب ملك الرقبة، وذا بملك جميع رقبته؛ إذ بملك بعض الرقبة ممن له بعض العلة وثبوت الحكم عند كمال العلة. قوله: (والحرمة لمانع) وهو التَّمَجُّس أو الكتابة، وذا لا يمنع الاعتداد بالاستبراء، كما لو اشترى أمة مُحْرِمة، فحاضت في حال إحرامها. قوله: (إذا رجعت الأبقة). وفي فتاوى قاضي خان: هذا إذا أبقت ولم تخرج من دار الإسلام، فلو دخلت دار الحرب ثم خرجت بغنيمة أو شراء وأخذها المولى؛ لا يجب الاستبراء عند أبي حنيفة، وعندهما يجب، وبه قالت الأئمة الثلاثة.

стр. 6666

وَاليَدِ، وَهُوَ سَبَبٌ مُتَعَيَّنٌ، فَأُدِيرَ الحُكْمُ عَلَيْهِ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَلَهَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ كَتَبْنَاهَا فِي «كِفَايَةِ المُنْتَهِي». وَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الِاسْتِبْرَاءِ وَحُرْمَةُ الوَطْءِ حَرُمَ الدَّوَاعِي لإِفْضَائِهَا إِلَيْهِ. أَوْ لِاحْتِمَالِ وُقُوعِهَا فِي غَيْرِ المِلْكِ عَلَى اعْتِبَارِ ظُهُورِ الحَبَلِ وَدَعْوَةِ البَائِعِ بِخِلَافِ الحَائِضِ، حَيْثُ لَا تَحْرُمُ الدَّوَاعِي فِيهَا، لِأَنَّهُ لَا يُحْتَمَلُ الوُقُوعُ فِي غَيْرِ المِلْكِ، وَلِأَنَّهُ زَمَانُ نَفْرَةٍ، قوله: (ولها نظائر) منها إذا زنت أمته فلا استبراء عليه، خلافًا لزفر؛ لعدم سببه، وهو استحداث الملك واليد، ولا يقال: هذا استدلال بعدم الحكم لعدم العلة، وهو فاسد؛ لأن السبب متعين، فيدار الحكم عليه وجودًا وعدمًا، وصار كتعليل محمد في ولد المغصوب لم يضمن؛ لأنه لم يغصب. ومنها لو كاتب أمته ثم عجزت وردت في الرق لا يلزمه الاستبراء، وعند الأئمة الثلاثة يجب. وكذا لو باعها بالخيار إلى ثلاثة أيام وسلمها إلى المشتري، ثم أبطل البيع في المدة لا يلزمه الاستبراء. وكذا لو باع أم الولد والمدبرة وسلم إلى المشتري، ثم استردها من المشتري قبل وطء المشتري لا يلزمه الاستبراء، وبعد وطئه يلزمه. وكذا لو قال بالبيع قبل قبضها، فعلى البائع الاستبراء قياسًا، وهو قول أبي حنيفة أولا، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وفيما إذا باعها من امرأة أو خصي؛ لأنها زالت عن ملكه، والآن ملكها ثم رجع وقال: لا يجب، وهو قولهما؛ لأن الإقالة فسخ من الأصل قبل القبض، فصار كأن البيع لم يكن، ولو حاضت عند المشتري، ثم ردها بالعيب لم يقربها البائع حتى تحيض، وبه قالت الأئمة الثلاثة. قوله: (حَرُمَ الدواعي) وبه قال الشافعي في وجه لا يحرم، وبه قال أكثر الفقهاء؛ لأن النص ورد في الوطء، وهو معلول بخوف الخلط بماء غيره، وسقي زرع غيره بمائه، وذلك معدوم في الدواعي، فلم يتعد التحريم إليه، ولأن الدواعي لا تحرم في المسبية، وهي النصوص والأصل وهذا فرعه، فاستحال أن يخالف الفرع الأصل.

стр. 6667

فَالإِطْلَاقُ فِي الدَّوَاعِي لَا يُفْضِي إِلَى الوَطْءِ وَالرَّغْبَةُ فِي المُشْتَرَاةِ قَبْلَ الدُّخُولِ أَصْدَقُ الرَّغَبَاتِ فَتُفْضِي إِلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرُ الدَّوَاعِيَ فِي المَسْبِيَّةِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ؛ لِأَنَّهَا لَا يُحْتَمَلُ وُقُوعُهَا فِي غَيْرِ المِلْكِ، لِأَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ بِهَا حَبَلٌ لَا تَصِحُ دَعْوَةُ الحَرْبِيِّ، بِخِلَافِ المُشْتَرَاةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا. (وَالاسْتِبْرَاءُ فِي الحَامِلِ بِوَضْعِ الحَمْلِ) لِمَا رَوَيْنَا وَفِي ذَوَاتِ الْأَشْهُرِ ولنا؛ أن الدواعي في معنى الوطء فوجبت إلحاقها به، كما في الظهار، وهذا لأن الوطء حرام؛ لاحتمال وقوعه في غير الملك، بأن تكون حبلت من المالك الأول فتصير أم ولد بدعواه، والبيع باطل، فيصير ساقيا زرع غيره؛ لأنه تبين أنه وطئ أم ولد غيره. وهذا المعنى في الدواعي موجود؛ لأنها إن كانت حاملا من المالك فادعى الولد فصارت أم ولده، فيظهر أن الدواعي حصلت (١) في ملك غيره، وذلك بخلاف الحائض، حيث لا تحرم الدواعي؛ لعدم احتمال وقوعها في الملك، ولأن الدواعي في الحائض لا تفضي إلى الوطء المحرم كما ذكر في المتن، ولا نص في المسبية. وعن محمد أنها لا تحتمل الوقوع في غير الملك؛ لأنه لو ظهر بها حبل لم تصح دعوة الحربي بخلاف المشتراة، والفرع لا يخالف الأصل؛ لأن ما هو ثابت في الأصل يثبت بشيء آخر في الفرع بدليل، ولا يوجد ذلك الدليل في الأصل. قوله: (لما روينا) وهو قوله ﵊: «ولا الحبالى حتّى يَضَعْنَ» (٢) وعند الشافعي إن كانت حاملا تحيض استبرأها بقرء، وفي القرء قولان عنده في قول: ثلاث حيض، وهو الأصح، وفي قول: ثلاثة أطهار، والأصل عنده أن الحامل تحيض والعجب من الشافعي أنه خالف النص الصريح.

стр. 6668

(بِالشَّهْرِ)؛ لِأَنَّهُ أُقِيمَ فِي حَقِّهِنَّ مَقَامَ الحَيْضِ كَمَا فِي المُعْتَدَّةِ، وَإِذَا حَاضَتْ فِي أَثْنَائِهِ بَطَلَ الِاسْتِبْرَاءُ بِالأَيَّامِ لِلْقُدْرَةِ عَلَى الأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ المَقْصُودِ بِالبَدَلِ، كَمَا فِي المُعْتَدَّةِ. فَإِنْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا تَرَكَهَا، حَتَّى إِذَا تَبَيَّنَ أَنْ لَيْسَتْ بِحَامِلٍ وَقَعَ عَلَيْهَا وَلَيْسَ فِيهِ تَقْدِيرٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَقِيلَ: يَتَبَيَّنُ بِشَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَعَنْهُ: شَهْرَانِ وَخَمْسَةُ أَيَّامٍ، اعْتِبَارًا بِعِدَّةِ الحُرَّةِ وَالأَمَةِ فِي الوَفَاةِ. وَعَنْ زُفَرَ: سَنَتَانِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (*). قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالاحْتِيَالِ لِإِسْقَاطِ الاسْتِبْرَاءِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) (**) وَقَدْ ذَكَرْنَا الوَجْهَيْنِ فِي الشَّفْعَةِ. (بالشهر) أي: بشهر واحد، وبه قال الشافعي في قول، وقال في آخر: بثلاثة أشهر، وإذا حاضت في أثنائه أي أثناء الشهر. قوله: (فإن ارتفع حيضها) أي: ارتفع حيضها لا بالإياس ولا بالصغر، بأن صارت ممتدة الطهر في أوان الحيض (تركها) أي: لا يطأها (حتى إذا تبين أن ليست بحامل وقع عليها) أي: وطئها. قوله: (في ظاهر الرواية). وفي المبسوط (١): وهو الأصح؛ لأن نصب المقادير بالرأي لا يجوز، وليس في ذلك نص؛ لأن المشايخ قالوا: يتبين بشهرين أو ثلاثة، وكان محمد يقول: مقدر (أربعة أشهر وعشرة أيام) اعتبارًا بأكثر مدة العدة، وهي عدة الوفاة في الحرة، ثم رجع وقال: مقدر (شهرين وخمسة أيام). وفي مبسوط الإسبيجابي وفتاوى قاضي خان والكافي: وعليه الفتوى؛ لأنه متى صلحت المدة للتعرف عن شغل يتوهم بالنكاح في الإماء، فَلَأَنْ يصلح للتعرف عن شغل يتوهم بملك اليمين، وهو دونه أولى. وعن أبي يوسف أنه قدر بثلاثة أشهر، وعن أبي مطيع البلخي بتسعة أشهر مدة الحبل في النساء عادة، (وعن زفر سنتان)؛ لأنه أكثر مدة الحمل، وبعده لا يبقى في البطن. قوله: (وقد ذكرنا الوجهين في الشفعة) أن عند أبي يوسف امتناع من التزام

стр. 6669

وَالمَأْخُوذُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا إِذَا عَلِمَ أَنَّ البَائِعَ لَمْ يَقْرَبْهَا فِي طُهْرِهَا ذَلِكَ، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ: فِيمَا إِذَا قَرِبَهَا. وَالحِيلَةُ إِذَا لَمْ يَكُنْ تَحْتَ المُشْتَرِي حُرَّةٌ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا قَبْلَ الشِّرَاءِ ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا. وَلَوْ كَانَتْ فَالحِيلَةُ أَنْ يُزَوِّجَهَا البَائِعُ قَبْلَ الشَّرَاءِ، أَوْ المُشْتَرِي قَبْلَ القَبْضِ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا وَيَقْبِضَهَا، ثُمَّ يُطَلِّقَ الزَّوْجُ؛ لِأَنَّ عِنْدَ وُجُودِ السَّبَبِ وَهُوَ اسْتِحْدَاثُ المِلْكِ المُؤَكَّدِ بِالقَبْضِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فَرْجُهَا حَلَالًا لَهُ لَا يَجِبُ الاسْتِبْرَاءُ. وَإِنَّ حَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ المُعْتَبَرَ أَوَانُ وُجُودِ السَّبَبِ كَمَا إِذَا كَانَتْ مُعْتَدَّةَ الغَيْرِ. قَالَ: (وَلَا يَقْرَبُ المُظَاهِرُ، وَلَا يَلْمَسُ، وَلَا يُقَبِّلُ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ حَتَّى يُكَفِّرَ)؛ لِأَنَّهُ لَمَّا حَرُمَ الوَطْءُ إِلَى أَنْ يُكَفِّرَ حَرُمَ الدَّوَاعِي لِلْإِفْضَاءِ إِلَيْهِ. لِأَنَّ الأَصْلَ: أَنَّ سَبَبَ الحَرَامِ حَرَامٌ، كَمَا فِي الاعْتِكَافِ وَالإِحْرَامِ وَفِي المَنْكُوحَةِ إِذَا وَطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، بِخِلَافِ حَالَةِ الحَيْضِ وَالصَّوْمِ؛ حكمه مخافة ألا يتمكن من الوفاء به إذا لزمه، وعند محمد فرار من الأحكام الشرعية، وهذا ليس من أخلاق المؤمنين فيكره، وقد مر في الشفعة بيان الاختلافات بين العلماء. قوله: (ممن يوثق به؛ لأنه إذا لم يوثق ربما لا يطلقها. وفي فتاوى قاضي خان: ولو خاف ألا يطلقها الزوج بعد قبض المشتري؛ إذ الشرط أن يكون طلاق زوجها بعد قبض المشتري، فإن في طلاقه قبل قبضه لا فائدة؛ لوجوب الاستبراء بعد القبض في الأصح، فالحيلة أن يزوجها) على أن يكون أمرها بيده يطلقها متى شاء. قوله: (كما إذا كانت معتدة) يعني اشترى أمة معتدة وانقضت عدتها بعد القبض لا يجب الاستبراء؛ لأن عند استحداث الملك بالقبض لم يكن فرجها حلالا للمشتري، فلما لم يجب عند وجود السبب لم يجز بعده؛ لعدم تجرد السبب. قوله: (بخلاف حالة الحيض والصوم) حيث لا تحرم الدواعي فيها؛ لأنا تركنا هذا الأصل فيهما بالنص؛ لما أنه ﵊ يُقَبِّلُ بعض نسائه

стр. 6670

لِأَنَّ الحَيْضَ يَمْتَدُّ شَطْرَ عُمْرِهَا، وَالصَّوْمَ يَمْتَدُّ شَهْرًا فَرْضًا وَأَكْثَرُ العُمْرِ نَفْلًا، فَفِي المَنْعِ عَنْهَا بَعْضُ الحَرَجِ، وَلَا كَذَلِكَ مَا عَدَدْنَاهَا لِقُصُورِ مُدَدِهَا. وَقَدْ صَحَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ وَيُضَاجِعُ نِسَاءَهُ وَهُنَّ حُيَّضٌ قَالَ: (وَمَنْ لَهُ أَمَتَانِ أُخْتَانِ فَقَبَّلَهُمَا بِشَهْوَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يُجَامِعُ وَاحِدَةً مِنْهُمَا، وَلَا يُقَبِّلُهَا، وَلَا يَمَسُّهَا بِشَهْوَةٍ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ، حَتَّى يَمْلِكَ فَرْجَ الْأُخْرَى غَيْرُهُ بِمِلْكٍ، أَوْ نِكَاحٍ، أَوْ يُعْتِقَهَا)، وَأَصْلُ هَذَا: أَنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ المَمْلُوكَتَيْنِ لَا يَجُوزُ وَطْئًا، لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] وَلَا يُعَارَضُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]؛ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ لِلْمُحَرَّمِ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ وهُوَ صائِمٌ، ويُعانِقُ وهُنَّ حُيَّضُ» (١). قالت أم سلمة: كنت في فراش النبي ﷺ فحضت فانسللت من الفراش، فقال ﷺ : «أنفست»؟ قلت: نعم، قال: انْتَزِرِي وعُودي إِلَى مَضْجَعِكِ ففعلت، فعانقني طول الليل (٢). (ولأن الحيض يمتد شطر عمرها)؛ أي قريب شطرها، وهو الثلث، إذ المراد البعض، فتحريم الدواعي يفضي إلى الحرج، بخلاف الإحرام والظهار والاعتكاف؛ لأن الامتناع من الدواعي لا يفضي إلى الحرج فيها؛ لأنهن يقعن في وقت خاص. قوله: (فقبلهما بشهوة) قيد به؛ لأنه إذا قبلهما بغير شهوة صار كأنه لم يقبلهما أصلا، وإن لم يقبلهما، له أن يقبل أو يطأ أيتهما شاء، سواء كان اشتراهما معًا أو على التعاقب. قوله: (لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾ [النساء: ٢٣] والمراد مطلق الجمع عقدًا ووطئًا، بدليل أنه معطوف على قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ والمراد تحريم العقد والوطء بالإجماع، والمعطوف يشارك المعطوف عليه في الحكم تحقيقا لقضية العطف، ولا يعارض بقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾

стр. 6671

الجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الدَّوَاعِي لِإِطْلَاقِ النَّصّ، وَلِأَنَّ الدَّوَاعِيَ إِلَى الوَطْءِ بِمَنْزِلَةِ الوَطْءِ فِي التَّحْرِيمِ عَلَى مَا مَهَّدْنَاهُ مِنْ قَبْلُ، فَإِذَا قَبَّلَهُمَا فَكَأَنَّهُ وَطِئَهُمَا، وَلَوْ وَطِئَهُمَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُجَامِعَ إِحْدَاهُمَا وَلَا أَنْ يَأْتِيَ بِالدَّوَاعِي فِيهِمَا، فَكَذَا إِذَا قَبَّلَهُمَا، وَكَذَا إِذَا مَسَّهُمَا بِشَهْوَةٍ، أَوْ نَظَرَ إِلَى فَرْجِهِمَا بِشَهْوَةٍ لِمَا بَيَّنَّا، إِلَّا أَنْ يَمْلِكَ فَرْجَ الْأُخْرَى غَيْرُهُ بِمِلْكِ، أَوْ نِكَاحٍ، أَوْ يُعْتِقَهَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا حَرُمَ عَلَيْهِ فَرْجُهَا لَمْ يَبْقَ جَامِعًا. وَقَوْلُهُ: «بِمِلْكِ» أَرَادَ بِهِ مِلْكَ يَمِينِ، فَيَنْتَظِمُ التَّمْلِيكُ بِسَائِرِ أَسْبَابِهِ بَيْعًا، أَوْ غَيْرَهُ، وَتَمْلِيكُ الشَّقْصِ فِيهِ كَتَمْلِيكِ الكُلِّ؛ لِأَنَّ الوَطْءَ يَحْرُمُ بِهِ، وَكَذَا إِعْتَاقُ البَعْضِ من إِحْدَاهُمَا كَإِعْتَاقِ كُلِّهَا، وَكَذَا الكِتَابَةُ كَالإِعْتَاقِ فِي هَذَا، لِثُبُوتِ حُرْمَةِ الوَطْءِ بِذَلِكَ كُلِّهِ، وَبِرَهْنِ إِحْدَاهُمَا وَإِجَارَتِهَا وَتَدْبِيرِهَا لَا تَحِلُّ الْأُخْرَى؛ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ بِهَا عَنْ مِلْكِهِ، وَقَوْلُهُ: «أَوْ نِكَاحِ» أَرَادَ بِهِ النِّكَاحَ الصَّحِيحَ أَمَّا إِذَا زَوَّجَ إِحْدَاهُمَا نِكَاحًا فَاسِدًا: لَا يُبَاحُ لَهُ وَطْءُ الْأُخْرَى، إِلَّا أَنْ يَدْخُلَ الزَّوْجُ بِهَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ تَجِبُ العِدَّةُ عَلَيْهَا، وَالعِدَّةُ كَالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ فِي التَّحْرِيمِ. وَلَوْ وَطِئَ إِحْدَاهُمَا: حَلَّ لَهُ وَطْءُ المَوْطُوعَةِ دُونَ الأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ جَامِعًا بِوَطْءِ الأُخْرَى لَا بِوَاءِ المَوْطُوءَةِ. وَكُلُّ امْرَأَتَيْنِ لَا يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَهُمَا نِكَاحًا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ بِمَنْزِلَةِ الْأُخْتَيْنِ. قَالَ: (وَيُكْرَهُ أَنْ يُقَبِّلَ الرَّجُلُ فَمَ الرَّجُلِ، أَوْ يَدَهُ، أَوْ شَيْئًا مِنهُ، أَوْ يُعَانِقَهُ) وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ: أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا بَأْسَ بِالتَّقْبِيلِ وَالمُعَانَقَةِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ عَانَقَ جَعْفَرًا ﵁ حِينَ قَدِمَ مِنْ الحَبَشَةِ وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَلَهُمَا، مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ نَهَى عَنْ [النساء: ٣] وكان عثمان يقف فيه يقول: أحلتهما آية وحرمتهما [آية] (١)، وعلي رجح التحريم وقال: التحريم أولى. قوله: (وذكر الطحاوي في شرح الآثار أن هذا قول أبي حنيفة ومحمد) وبه قال مالك. قوله: (وقبل بين عينيه) وذلك عند فتح خيبر، فقال ﷺ : «لا أدري بماذا

стр. 6672

المُكَامَعَةُ وَهِيَ المُعَانَقَةُ - وَعَنْ المُكَاعَمَةِ. وَهِيَ التَّقْبِيلُ. وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَ التَّحْرِيمِ. ثم قَالُوا: الخِلَافُ فِي المُعَانَقَةِ فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ، أَمَّا إِذَا كَانَ عَلَيْهِ أَسَرُّ بفتح خيبر أم بِقُدومِ جَعْفَرَ (١) وعانق زيد بن حارثة، وكان أصحاب النبي ﷺ يفعلون ذلك، وكان الأعراب يقبلون أطراف النبي ﷺ . وسئل ابن عباس عن المعانقة، فقال: أول من عانق خليل الرحمن ﵇، كان بمكة فأقبل إليها ذو القرنين، فلما كان بالأبطح قيل له: في هذه البلدة خليل الرحمن [فقال ذو القرنين] (٢) ما ينبغي أن أركب في بلدة فيها خليل الرحمن، فنزل ومشى إلى إبراهيم ﵇، فاعتنقه، وكان أول من عانق. ولهما؛ ما روي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قلنا: يا رسول الله، أينحني بعضنا لبعض؟ قال: «لا» فقلت: أيعانق بعضنا بعضًا؟ قال: «لا» فقلت: أيصافح بعضنا بعضًا؟ قال: «نعم» (٣) فالمصافحة جائزة. وقيل: مستحبة بلا خلاف للعلماء، وما رواه أبو يوسف محمول على ما قبل التحريم، فالشيخ أبو منصور وفق بين الأحاديث، فقال: المكروه من المعانقة ما كان على وجه الشهوة، فأما على وجه البر والكرامة فجائز. ورخص بعض المتأخرين تقبيل يد العالم والمتورع على سبيل التبرك، فإن أبا بكر قبل بعد ما قبض النبي ﷺ بين عينيه، وعن سفيان: تقبيل يد العالم سنة، وتقبيل يد غيره لا يرخص، قال الصدر الشهيد: وهو المختار. وفي شرح الطحاوي: تقبيل يد العالم والسلطان العادل سنة، وفي يد غيرهما كلام، والمختار أن لا رخصة فيه، وأما ما يفعله (٤) الجهال من تقبيل يد نفسه إذا لقي غيره فهو مكروه فلا رخصة فيه، وما يفعلون من تقبيل الأرض بين يدي العلماء فحرام، والفاعل والراضي به آثمان؛ لأنه يشبه عبادة الوثن، ولكن

стр. 6673

قَمِيصٌ أَوْ جُبَّةٌ فَلَا بَأْسَ بِهَا بِالإِجْمَاعِ وَهُوَ الصَّحِيحُ. قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالمُصَافَحَةِ)؛ لِأَنَّهُ هُوَ المُتَوَارَثُ لا يكفر بهذا السجود؛ لأنه يريد به التحية دون العبادة. هكذا في شرح الطحاوي. قال شمس الأئمة: السجود لغير الله على وجه التعظيم كُفْرُ. وذكر أبو الليث: القبلة على خمسة أوجه: قبلة الرحمة، كقبلة الوالدين لولده، وقبل النبي ﷺ الحسن. وقبلة التحية، كقبلة المؤمنين بعضهم بعضًا. وقبلة الشفقة، كقبلة الولد والديه على الرأس. وقبلة المودة، كقبلة الرجل أخاه أو أخته على الجبهة. وقبلة الشهوة، كقبلة الرجل زوجته وأمته، وزاد بعضهم قبلة الديانة، وهي قبلة الحجر الأسود. وأما القيام للغير على وجه التعظيم فمكروه؛ لما روينا من حديث أنس، ولقوله ﷺ : «لَا تَقُومُوا كَمَا يَقُومُ الْأَعَاجِمُ يُعَظِّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» (١). وفي فتاوى قاضي خان ما يدل على إباحته، فقال فيه: قوم يقرؤون القرآن أو واحد فدخل عليه واحد من الأشراف، قالوا: إن دخل عليه عالم أو أبوه أو أستاذه جاز أن يقوم لأجله، وفي سوى ذلك لا يجوز. وعن الشيخ أبي القاسم: الحكم أنه كان إذا دخل عليه أحد من الأغنياء يقوم له ويعظمه ولا يقوم للفقراء وطلبة العلم، فقيل له في ذلك، فقال، لأن الأغنياء يتوقعون مني التعظيم، فلو تركت تضرروا، والفقراء وطلبة العلم لا يطمعون مني ذلك، وإنما يطمعون جواب السلام والتكلم معهم في العلم ونحوه، فلا يتضررون بترك القيام لهم. كذا في جامع المحبوبي. قوله: (لأنه) أي: المصافحة، على تأويل التصافح (هو المتوارث) أي:

стр. 6674

وَقَالَ ﵊ «مَنْ صَافَحَ أَخَاهُ المُسْلِمَ وَحَرَّكَ يَدَهُ تَنَاثَرَتْ ذُنُوبُهُ». فَصْلٌ فِي البَيْعِ قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ السِّرْقِينِ، وَيُكْرَهُ بَيْعُ العَذِرَةِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ السِّرْقِينِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ نَجِسُ العَيْنِ، فَشَابَهُ العَذِرَةَ وَجِلْدَ المَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ. وَلَنَا: أَنَّهُ مُنْتَفَعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُلْقَى فِي الأَرَاضِي لِاسْتِكْثَارِ الرِّيعِ، فَكَانَ مَالًا، وَالمَالُ مَحَلُّ لِلْبَيْعِ. بِخِلَافِ العَذِرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا إِلَّا مَخْلُوطًا. وَيَجُوزُ بَيْعُ المَخْلُوطِ، هُوَ المَرْوِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَكَذَا يَجُوزُ الانْتِفَاعُ بِالمَخْلُوطِ لَا بِغَيْرِ المَخْلُوطِ فِي الصَّحِيحِ، وَالمَخْلُوطُ بِمَنْزِلَةِ زَيْتٍ خَالَطَتْهُ النَّجَاسَةُ. قَالَ: (وَمَنْ عَلِمَ بِجَارِيَةٍ أَنَّهَا لِرَجُلٍ، فَرَأَى آخَرَ يَبِيعُهَا، وَقَالَ: وَكَّلَنِي صَاحِبُهَا بِبَيْعِهَا، فَإِنَّهُ يَسَعُهُ أَنَّهُ يَبْتَاعُهَا وَيَطَؤُهَا)؛ لِأَنَّهُ أُخْبِرَ بِخَبَرٍ صَحِيحٍ لَا مُنَازِعَ لَهُ، وَقَوْلُ سنة قديمة في البيعة وغير ذلك، فقال ﷺ : «مَا مِنْ مُسلِمَيْنِ يَلتقيان ويتصافحانِ إِلَّا غُفِرَ لهما قبل أن يتفرقا» (١). فَصْلٌ فِي البَيْعِ أخر البيع عن الأكل والشرب والوطء واللبس؛ لما أن أثر تلك الأفعال متصل ببدن الإنسان، وهذا لا، وما كان أكثر اتصالًا أحق بالتقديم. العذرة: رجيع الآدمي، وبقول الشافعي قال مالك وأحمد. (لأنه) أي: السرقين (يلقى في الأراضي لاستكثار الريع) من غير نكير عن أحد من السلف، (بخلاف العذرة)؛ لأن العادة في الانتفاع بها غير مخلوط لم يوجد. وقوله: (في الصحيح) احتراز عما روي عن أبي حنيفة أنه قال: لا بأس بالانتفاع بالعذرة الخالصة.

стр. 6675

الوَاحِدِ فِي المُعَامَلَاتِ مَقْبُولٌ عَلَى أَيِّ وَصْفٍ كَانَ لِمَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ. وَكَذَا إِذَا قَالَ: اشْتَرَيْتِهَا مِنْهُ أَوْ وَهَبَهَا لِي، أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيَّ لِمَا قُلْنَا. وَهَذَا إِذَا كَانَ ثِقَةٌ. وَكَذَا إِذَا كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ، وَأَكْبَرُ رَأيِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ؛ لِأَنَّ عَدَالَةَ المُخْبِرِ فِي المُعَامَلَاتِ غَيْرُ لَازِمَةٍ لِلْحَاجَةِ عَلَى مَا مَرَّ، وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ كَاذِبٌ: لَمْ يَسَعْ لَهُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَكْبَرَ الرَّأْيِ يُقَامُ مَقَامَ اليَقِينِ، وَكَذَا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا لِفُلَانٍ، وَلَكِنْ أَخْبَرَهُ صَاحِبُ اليَدِ أَنَّهَا لِفُلَانٍ، وَأَنَّهُ وَكَّلَهُ بِبَيْعِهَا، أَوْ اشْتَرَاهَا مِنهُ، وَالمُخْبِرُ ثِقَةٌ، قُبِلَ قَوْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثِقَةٌ: يُعْتَبَرُ أَكْبَرُ رَأْيِهِ؛ لِأَنَّ إِخْبَارَهُ حُجَّةٌ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ لَمْ يُخْبِرْهُ صَاحِبُ اليَدِ بِشَيْءٍ. قوله: (على أي وصف كان) أي: بعد أن كان عاقلا مميزًا، سواء كان حرا أو عبدًا، رجلًا أو امرأةً، كافرًا أو مسلما (لما مر من قبل) أي: في فصل الأكل والشرب. قوله: (لأن أكبر الرأي قام مقام اليقين) قال ﷺ لِوَابِصَةَ: «ضَعْ يَدَكَ علَى صدرِكَ واسْتَفْتِ قلبَكَ؛ فَمَا حَاكَ في صَدرِكَ فَدَعْهُ وإن أفتَاكَ الناسُ بِهِ» (١) وقال ﷺ : «الإثمُ حَزازُ القُلوبِ» (٢) أي: على المرء أن يترك ما حز في قلبه تحرزا عن الإثم. ولهذا قال محمد ﵀ في الأصل: إن أكبر الرأي يجوز العمل فيما هو أكبر من هذا، كالفروج وسفك الدماء، فإن من تزوج امرأة فدخل بها على (٣) إنسان، وأخبره أنها امرأته؛ وسعه أن يعتمد خبره إذا كان ثقة عدلًا، وكان في أكبر رأيه أنه صادق، فيغشاها. ولو دخل رجل على غيره ليلا وهو شاهر سيفه، مادا رمحه، يشتد نحوه،

стр. 6676

فَإِنْ كَانَ عَرَّفَهَا لِلْأَوَّلِ لَمْ يَشْتَرِهَا حَتَّى يَعْلَمَ انْتِقَالَهَا إِلَى مِلْكِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ يَدَ الأَوَّلِ دَلِيلُ مِلْكِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا وَإِنْ كَانَ ذُو اليَدِ فَاسِقًا؛ لِأَنَّ يَدَ الفَاسِقِ دَلِيلُ المِلْكِ فِي حَقِّ الفَاسِقِ وَالعَدْلِ وَلَمْ يُعَارِضُهُ مُعَارِضُ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِأَكْبَرِ الرَّأْيِ عِنْدَ وُجُودِ الدَّلِيلِ الظَّاهِرِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ لَا يَمْلِكُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَنَزَّهَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ اشْتَرَاهَا يُرْجَى أَنْ يَكُونَ فِي سَعَةٍ مِنْ ذَلِكَ لِاعْتِمَادِهِ الدَّلِيلَ الشَّرْعِيَّ. وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَتَاهُ بِهَا عَبْدًا، أَوْ أَمَةٌ: لَمْ يَقْبَلْهَا، وَلَمْ يَشْتَرِهَا حَتَّى يَسْأَلَ؛ لِأَنَّ المَمْلُوكَ لَا مِلْكَ لَهُ فَيَعْلَمُ أَنَّ المِلْكَ فِيهَا لِغَيْرِهِ، فَإِنْ أَخْبَرَهُ فإن صاحب المنزل يُحْكِمُ رأيه، فإن كان أكبر رأيه أنه لص قصد قتله وأخذ ماله، وخاف إن صاح يبادر بالضرب فلا بأس أن يضربه بالسيف، وإن كان أكبر رأيه أنه هارب من اللصوص لا ينبغي أن يعجل بقتله، وإن قتله وفي رأيه أنه لص ثم تبين أنه رجل صالح ففي القياس يقتص، وفي الاستحسان عليه الدية. قوله: (إلا أن يكون مثله لا يملك مثل ذلك) وهذا مثلُ دُرَّةٍ في يد فقير لا يملك شيئًا، أو كتاب في يد جاهل، ولم يكن في آبائه من هو أهل لذلك، فكان التنزه عن شرائه أفضل، ومع ذلك لو اشتراه يرجى أن يكون في سعة من ذلك؛ لأنه اعتمد دليلًا شرعيا؛ إذ اليد دليل الملك. كذا في المبسوط وجامع المحبوبي. قوله: (وإن كان الذي أتاه بها) أي: بالجارية؛ لأن هذا كله مبني على قوله. (وإن علم بجارية … إ) لى آخره، أي: أتى العبد أو الأمة بالجارية، فقال العبد أو الأمة: إني وهبتها أو بعتها منك، ليس للآخر أن يقبلها منه ولا أن يشتريها منه حتى يسأله عن ذلك؛ لأن المنافي للملك، وهو الرق، معلوم ما لم يعلم دليلا مطلقا للتصرف لا يحل له الشراء منه؛ لأنه عالم أنه لغيره، ويد المملوك ليس بمطلق للتصرف قبل الإذن من المولى.

стр. 6677

أَنَّ مَوْلَاهُ أَذِنَ لَهُ وَهُوَ ثِقَةٌ: قُبِلَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثِقَةٌ: يُعْتَبَرُ أَكْبَرُ الرَّأْيِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَأَيِّ: لَمْ يَشْتَرِهَا لِقِيَامِ الحَاجِرِ فَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ. قَالَ: (وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً أَخْبَرَهَا ثِقَةٌ: أَنَّ زَوْجَهَا الغَائِبَ مَاتَ عَنْهَا، أَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، أَوْ كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ وَأَتَاهَا بِكِتَابٍ مِنْ زَوْجِهَا بِالطَّلَاقِ، وَلَا تَدْرِي أَنَّهُ كِتَابُهُ أَمْ لَا، إِلَّا أَنَّ أَكْبَرَ رَابِهَا أَنَّهُ حَقٌّ يَعْنِي بَعْدَ التَّحَرِّي فَلَا بَأسَ بِأَنْ تَعْتَدَّ، ثُمَّ تَتَزَوَّجَ)؛ قوله: (لقيام الحاجر) بالراء المهملة، أي: المانع، يعني أن الحاجر عن التصرف ظاهر، فما لم يترجح جانب الصدق بنوع دليل لا يعمل به، وكذا الغلام الذي لم يبلغ، حرا كان أو مملوكًا فيما يخبر أنه أذن له بيعه أو أن فلانا بعث حقه إليه هدية أو صدقة، فإن كان أكبر رأيه أنه صادق وسعه أن يصدقه للعادة الظاهرة في بعث الهدايا على أيدي المماليك والصبيان. وفي النزوع عن العادة الظاهرة حرج بين، فإن كان أكبر رأيه أنه كاذب (١) ينبغي أن لا يقبل منه شيئًا؛ لأن أكبر الرأي فيما لا يوقف على حقيقته كاليقين. وقال الإمام الحلواني: الصبي إذا أتى بقالًا بفلوس يشتري منه شيئًا، وأخبره أن أمه أمرته بذلك، فإن طلب الصابون ونحوه فلا بأس ببيعه منه (٢)؛ لأن الظاهر أنه كاذب. كذا في المبسوط (٣). قوله: فلا بأس أن تعتد ثم تتزوج هذا في الإخبار، أما في الشهادة فلا يصح، وإن كان الشاهد اثنين حيث لا يقضي القاضي بالفرقة؛ لأنه قضاء على الغائب. ذكره في الفصول للأُسْتُرُوشَنِّي. وفي التتمة: إذا شهد اثنان أن فلانًا طلق امرأته، والزوج غائب لا يقبل، وإن شهدا عند المرأة حل لها أن تعتد وتتزوج بآخر، وكذا إذا شهد عندها رجل عدل ووقع في قلبها أنه صادق.

стр. 6678

لِأَنَّ القَاطِعَ طَارِئ وَلَا مُنَازِعَ، وَكَذَا لَوْ قَالَتْ لِرَجُلٍ: طَلَّقَنِي زَوْجِي وَانْقَضَتْ عِدَّتِي، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا. وَكَذَا إِذَا قَالَتْ المُطَلَّقَةُ الثَّلَاثَ: انْقَضَتْ عِدَّتِي وَتَزَوَّجْتُ بِزَوْجِ آخَرَ، وَدَخَلَ بِي، ثُمَّ طَلَّقَنِي وَانْقَضَتْ عِدَّتِي، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَزَوَّجَهَا الزَّوْجُ الأَوَّلُ، وَكَذَا لَوْ قَالَتْ جَارِيَةٌ: كُنْت أَمَةَ فُلَانٍ فَأَعْتَقَنِي؛ لِأَنَّ القَاطِعَ طَارِى. وَلَوْ أَخْبَرَهَا مُخْبِرُ أَنَّ أَصْلَ النِّكَاحِ كَانَ فَاسِدًا، أَوْ كَانَ الزَّوْجُ حِينَ تَزَوَّجَهَا مُرْتَدًّا، أَوْ أَخَاهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ: لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، حَتَّى يَشْهَدَ بِذَلِكَ رَجُلَانِ، أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ. وَكَذَا إِذَا أَخْبَرَهُ مُحْبِرٌ أَنَّكَ تَزَوَّجْتَهَا وَهِيَ مُرْتَدَّةٌ، أَوْ أُخْتُكَ مِنْ الرَّضَاعَةِ، لَمْ يَتَزَوَّجُ بِأُخْتِهَا، أَوْ أَرْبَعِ سِوَاهَا، حَتَّى يَشْهَدَ بِذَلِكَ عَدْلَانِ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِفَسَادٍ مُقَارَةٍ، وَالإِقْدَامُ عَلَى العَقْدِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ وَإِنْكَارِ فَسَادِهِ فَثَبَتَ المُنَازَعُ بِالظَّاهِرِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَتْ المَنْكُوحَةُ صَغِيرَةً فَأَخْبَرَ الزَّوْجُ أَنَّهَا ارْتَضَعَتْ مِنْ أُمِّهِ، أَوْ أُخْتِهِ، حَيْثُ يُقْبَلُ قَوْلُ الوَاحِدِ فِيهِ؛ لِأَنَّ القَاطِعَ طَارِئ، وَالْإِقْدَامُ الْأَوَّلُ لَا يَدُلُّ عَلَى انْعِدَامِهِ، فَلَمْ يَثْبُت المُنَازِعُ قوله: (لأن القاطع طارئ، ولا منازع) وهذان القيدان مفيدان؛ إذ لو كان المفسد مقارنا لا يقبل. وفي النوازل اشترى أمة فقالت: أنا حرة لا يردّها على البائع، ولكن يتزوجها وحل له وطؤها؛ لأنها أمته أو امرأته، وكان شداد إذا اشترى أمة يتزوجها ويقول: لا أدري لعلها حرة، أو جرى كلام الحرية على لسان أربابها، هذا بطريق الاحتياط، ولكن لا تعتق بذلك. قوله: (حيث يقبل قول الواحد فيه) أي: في الإخبار بالارتضاع؛ (لأن القاطع طارئ، فلم تثبت المنازعة في الإقدام الأول)، فيقبل خبر الواحد فيه. فإن قيل: ينبغي ألا يقبل؛ لما أن الملك الثابت للغير فيها لا يبطل بخبر الواحد، كما لو اشترى لحما ثم أخبره واحد أنه ذبيحة مجوسي، حيث لا يبطل بهذا الخبر ملك المشتري، ولا يرجع بالثمن على البائع؛ لأن ملك الغير لا يبطل بخبر الواحد.

стр. 6679

فَافْتَرَقَا، وَعَلَى هَذَا الحَرْفِ يَدُورُ الفَرْقُ. وَلَوْ كَانَتْ جَارِيَةٌ صَغِيرَةً لَا تُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهَا فِي يَدِ رَجُلٍ يَدَّعِي أَنَّهَا لَهُ، فَلَمَّا كَبُرَتْ لَقِيَهَا رَجُلٌ فِي بَلَدٍ آخَرَ، فَقَالَتْ: أَنَا حُرَّةُ الأَصْلِ، لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِتَحَقُّقِ المُنَازِعِ، وَهُوَ ذُو اليَدِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ. قلنا: ملك الغير في الحال ليس بدليل موجب بل باستصحاب الحال؛ لأنا نعرف بقاءه باستصحاب الحال، وخبر الواحد أقوى من استصحاب الحال، أما الخبر بكونه ذبيحة مجوسي ليس بخبر بالمفسد الطارئ، بل هو خبر بفساد البيع من الأصل، والإقدام على الشراء منازعة منه بصحة البيع، فلا يقبل خبر الواحد بدون شهادة شاهدين. وكذا فيما تقدم صحة النكاح يثبت من الابتداء بدليل موجب له، وهو العقد الذي عاينه، فلا يبطل ذلك بخبر الواحد. ومن القاطع الطارئ أيضًا ما لو قالت: طلقني بعد النكاح، أو ارتد بعده؛ وسعه أن يعتمد خبرها ويتزوجها؛ لأنه أخبرت بحلها للزوج بسبب محتمل، أما لو أقرت بعد النكاح أنه كان مرتدا حين تزوجني، أو أني كنت أخته من الرضاعة لا يعتمد خبرها؛ لأنه خلاف المعلوم، أما إذا أخبرت مُحرَّمةٌ بسبب عارض بعد النكاح من رضاع أو غير ذلك، وثبت على ذلك، فإن كانت ثقة مأمونة أو غير ثقة إلا أن أكبر رأيه أنها صادقة فلا بأس بتزوجه؛ لما ذكرنا أن الملك الثابت في الحال للغير بالاستصحاب، وخبر الواحد مقدم عليه. إليه أشار في المبسوط (١). قوله: (وعلى هذا الحرف) أي: الأصل، وهو أي: خبر الواحد إنما لا يقبل في موضع المنازعة؛ لحاجتنا إلى الإلزام، ويقبل في موضع المسالمة لعدم المنازعة. وأراد بقوله: (ما تقدم) قوله: (ولو قالت جارية كنت أمة لفلان … ) إلى آخره.

стр. 6680

قَالَ: (وَإِذَا بَاعَ المُسْلِمُ خَمْرًا، وَأَخَذَ ثَمَنَهَا، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَنْ يَأْخُذَ مِنهُ، وَإِنْ كَانَ البَائِعُ نَصْرَانِيًّا: فَلَا بَأْسَ بِهِ) وَالفَرْقُ: أَنَّ البَيْعَ فِي الوَجْهِ الأَوَّلِ قَدْ بَطَلَ؛ لِأَنَّ الخَمْرَ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوَّمٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، فَبَقِيَ الثَّمَنُ عَلَى مِلْكِ المُشْتَرِي، فَلَا يَحِلُّ أَخْذُهُ مِنْ البائع. وَفِي الوَجْهِ الثَّانِي: صَحَ البَيْعُ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوَّمٌ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ، فَمَلَكَهُ البَائِعُ، فَيَحِلُّ الأَخْذُ مِنْهُ. قَالَ: (وَيُكْرَهُ الِاحْتِكَارُ قوله: (يكره لصاحب الدين أن يأخذه منه) ولا خلاف فيه. وعن محمد: هذا إذا كان القضاء والاقتضاء بالتراضي، فأما إذا كان بالقضاء بأن القاضي قضى عليه بهذا الثمن، ولم يعلم القاضي بكونه ثمن الخمر يطيب له ذلك بقضائه، وإنما حرم عند الاقتضاء بالتراضي؛ لقوله ﷺ : «إن الذي حَرَّمَ شُرْبَها حَرَّمَ أَكْلَ ثَمَنِها» (١) وقال ﷺ : «لعنَ اللهُ فِي الخَمِر عَشْرًا … » (٢) وذكر من العشرة آكِلَ ثَمنها، ولأن العقد لما لم ينعقد في حق المسلم، فكان الثمن كالمغصوب؛ لوجوب رده على البائع شرعًا، ولو قضى دينه بدراهم مغصوبة لا يحل للقابض قبضه إذا علم، فكذا هذا. وقال بعض مشايخنا: كسب المغنية كالمغصوب لا يحل أخذه، ولا خلاف فيه بين العلماء، وعلى هذا قالوا: لو مات واحد وكسبه من بيع الباذق والظلم وأخذ الرشوة؛ يرده الورثة على أربابها إن عرفوهم ديانة، وإن لم يعرفوهم تصدقوا بها؛ لأن سبيل الكسب الخبيث التصدق إذا تعذر رده. كذا في جامع المحبوبي. قوله: (ويكره الاحتكار … ) إلى آخره. الاحتكار: افتعال من حكر، أي: حبس، فاحتكار الطعام حبسه متربصا للغلاء، ومحل الاحتكار ما هو قوت الآدميين والبهائم، وهذا عند أبي حنيفة

стр. 6681

فِي أَقْوَاتِ الْآدَمِيِّينَ وَالبَهَائِمِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي بَلَدٍ يَضُرُّ الاحْتِكَارُ بِأَهْلِهِ، وَكَذَلِكَ التَّلَقِّي. فَأَمَّا إِذَا كَانَ لَا يَضُرُّ فَلَا بَأْسَ بِهِ) وَالأَصْلُ فِيهِ: قَوْلُهُ ﵊ «الجَالِبُ مَرْزُوقٌ، وَالمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ» وَلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ العَامَّةِ، وَفِي الامْتِنَاعِ عَنْ البَيْعِ إِبْطَالُ حَقِّهِمْ وَتَضْيِيقُ الأَمْرِ عَلَيْهِمْ، فَيُكْرَهُ، إِذَا كَانَ يَضُرُّ بِهِمْ ذَلِكَ بِأَنْ كَانَتْ البَلْدَةُ صَغِيرَةٌ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَضُرَّ بِأَنْ كَانَ المِصْرُ كَبِيرًا؛ لِأَنَّهُ حَابِسٌ مِلْكَهُ مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ بِغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ التَّلَقِّي عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ نَهَى عَنْ تَلَقِّي الجَلَبِ وَعَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ. قَالُوا: هَذَا ومحمد وعليه الفتوى؛ لأن الاعتبار للضرر المعتاد الغالب، وأبو يوسف اعتبر نفس الضرر، وكيفيته أن يشتري من فسطاط (١) المسلمين، أي: مدينتهم، فأما من جلبه من أرضه أو مدينة أخرى؛ فلا احتكار فيه. قوله: (والأصل فيه) أي: في كراهية الاحتكار (قوله ﷺ : «الجَالِبُ مرزوق») الحديث متفق عليه (٢)، وقال ﷺ : «مَنِ احْتَكَرَ على الناس الطعام رماه الله بالجذام» (٣) وفي رواية (٤) «من احتكر الطعام أربعين ليلةً يطلب القحط فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبلُ اللهُ منه صَرفًا ولا عَدْلًا» كذا ذكر في الكافي. فالصرف النفل، والعدل: [الفرض] (٥).

стр. 6682

إِذَا لَمْ يُلَبِّسُ المُتَلَقِّي عَلَى التُّجَارِ سِعْرَ البَلْدَةِ. فَإِنْ لَبَّسَ: فَهُوَ مَكْرُوهُ فِي الوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ غَادِرٌ بِهِمْ. وَتَخْصِيصُ الاحْتِكَارِ بِالأَقْوَاتِ كَالحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتِّبْنِ وَالقَتٌ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: كُلُّ مَا أَضَرَّ بِالعَامَّةِ حَبْسُهُ فَهُوَ احْتِكَارُ وَإِنْ كَانَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةٌ أَوْ ثَوْبًا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ رحمه اللهُأَنَّهُ قَالَ: لَا احْتِكَارَ فِي الثِّيَابِ (*)؛ فَأَبُو يُوسُفَ اعْتَبَرَ حَقِيقَةَ الضَّرَرِ، إِذْ هُوَ المُؤَثّرُ فِي الكَرَاهَةِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ اعْتَبَرَ الضَّرَرَ المَعْهُودَ المُتَعَارَفَ. ثُمَّ المُدَّةُ إِذَا قَصُرَتْ لَا يَكُونُ احْتِكَارًا لِعَدَمِ الضَّرَرِ، وَإِذَا طَالَتْ يَكُونُ احْتِكَارًا مَكْرُوهَا لِتَحَقَّقِ الضَّرَرِ. ثُمَّ قِيلَ: هِيَ مُقَدَّرَةٌ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ احْتَكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ لَيْلَةٌ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ وَبَرِئَ اللَّهُ مِنهُ» وَقِيلَ: بِالشَّهْرِ؛ لِأَنَّ مَا دُونَهُ قَلِيلٌ عَاجِلٌ، وَالشَّهْرُ وَمَا فَوْقَهُ كَثِيرٌ آجِلٌ، وَقَدْ مَرَّ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ، وَيَقَعُ التَّفَاوُتُ فِي المَأْثَمِ بَيْنَ أَنْ يَتَرَبَّصَ العِزَّةَ وَبَيْنَ أَنْ يَتَرَبَّصَ القَحْطَ - وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ، وَقِيلَ: المُدَّةُ لِلْمُعَاقَبَةِ فِي الدُّنْيَا، إِمَّا يَأْثَمُ وَإِنْ قَلَّتْ المُدَّةُ. وَالحَاصِلُ، أَنَّ التِّجَارَةَ فِي الطَّعَامِ غَيْرُ مَحْمُودَةٍ. قَالَ: (وَمَنْ احْتَكَرَ غَلَّةَ ضَيْعَتِهِ، أَوْ مَا جَلَبَهُ مِنْ بَلَدٍ آخَرَ. فَلَيْسَ بِمُحْتَكَرٍ) أَمَّا الأَوَّلُ: فَلِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّهِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ العَامَّةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ لَا يَزْرَعَ، قوله: (مكروه في الوجهين) أي: في الإضرار وعدم الإضرار. قوله: (ثم المدة إذا قصرت … ) إلى آخره، قالوا: إذا تحقق الاحتكار يأثم قلت مدة الامتناع أو كثرت؛ لأن الإثم للإضرار، وقد وجد، ولا يعزر ما لم تطل المدة؛ لأن التعزير عند إظهار الجناية، وذلك بعد المدة الكثيرة. واختلفوا في تلك المدة على ما ذكر في الكتاب. ومعنى قوله: (برئ الله تعالى منه) أي: خذله الله. قوله: (غير محمودة) يعني بطريق الاحتكار، أما الاسترباح بلا احتكار فلا بأس به. وكذا في الشاهية.

стр. 6683

فَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ لَا يَبِيعَ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَالمَذْكُورُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ حَقَّ العَامَّةِ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَا جُمِعَ فِي المِصْرِ وَجُلِبَ إِلَى فِنَائِهَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُكْرَهُ لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: كُلُّ مَا يُجْلَبُ مِنهُ إِلَى المِصْرِ فِي الغَالِبِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ فِنَاءِ المِصْرِ، يَحْرُمُ الاحْتِكَارُ، فِيهِ لِتَعَلَّقِ حَقِّ العَامَّةِ بِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ البَلَدُ بَعِيدًا لَمْ تَجْرِ العَادَةُ بِالحَمْلِ مِنْهُ إِلَى المِصْرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ العَامَّةِ. قَالَ: (وَلَا يَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُسَعِّرَ عَلَى النَّاسِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا تُسَعِّرُوا فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ المُسَعِّرُ القَابِضُ البَاسِطُ الرَّازِقُ» وَلِأَنَّ الثَّمَنَ حَقُّ العَاقِدِ فَإِلَيْهِ تَقْدِيرُهُ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِحَقِّهِ، إِلَّا إِذَا تَعَلَّقَ بِهِ دَفْعُ ضَرَرِ العَامَّةِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ. وَإِذَا رُفِعَ إِلَى القَاضِي هَذَا الأَمْرُ يَأْمُرُ المُحْتَكِرَ بِبَيْعِ مَا فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ أَهْلِهِ عَلَى اعْتِبَارِ السَّعَةِ فِي ذَلِكَ وَيَنْهَاهُ عَنْ الاحْتِكَارِ، فَإِنْ رُفِعَ إِلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى حَبَسَهُ وَعَزَّرَهُ عَلَى مَا يَرَى، زَجْرًا لَهُ وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنِ النَّاسِ، فَإِنْ كَانَ أَرْبَابُ الطَّعَامِ يَتَحَكَّمُونَ وَيَتَعَدَّوْنَ عَنِ القِيمَةِ تَعَدِّيًا فَاحِشًا، وَعَجَزَ القَاضِي عَنْ صِيَانَةِ حُقُوقِ المُسْلِمِينَ إِلَّا بِالتَّسْعِيرِ، فَحِينَئِذٍ لَا بَأسَ بِهِ بِمَشُورَةٍ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ قوله: (ولا ينبغي للسلطان أن يُسَعِّرَ) فالتسعير لا يحل بلا خلاف للعلماء فيه، إلا في صورة تعدي أرباب الطعام، فإنه لا يكره عندنا ومالك، وحكي عن مالك أنه يلزم التسعير عام الغلاء؛ نظرًا للعامة. وفي جامع المحبوبي: حكي عن أبي حفص الكبير أنه دفع الدراهم إلى أمنائه في وقت غلاء الطعام ليقوموا على الطريق خارج البلد، ويقولون للرستاقي: إنما نبيع الطعام في الجونق (١) بخمسين درهما لكل وقر، فخذ هاهنا عشرة، وبع طعامًا في الجولق بأربعين، ففعلوا ذلك حتى وقع في المصر أن الطعام قد رخص، ونقلوا طعامًا كثيرًا، فلما اجتمع الطعام الكثير في الجولق رخص الطعام ببركة حسن نيته. قوله: (تعديًا فاحشا) بأن يبيعوا قفيزا بمائة ويشتري بخمسين.

стр. 6684

وَالبَصِيرَةِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَتَعَدَّى رَجُلٌ عَنْ ذَلِكَ، وَبَاعَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ، أَجَازَهُ القَاضِي، وَهَذَا ظَاهِرٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى الحَجْرَ عَلَى الحُرِّ، وَكَذَا عِنْدَهُمَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الحَجْرُ عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ. وَمَنْ بَاعَ مِنْهُمْ بِمَا قَدَّرَهُ الإِمَامُ: صَحَّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكْرَةٍ عَلَى البَيْعِ، هَلْ يَبِيعُ القَاضِي عَلَى المُحْتَكِرِ طَعَامَهُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ؟ قِيلَ: هُوَ عَلَى الاخْتِلَافِ الَّذِي عُرِفَ فِي بَيْعِ مَالِ المَدْيُونِ، وَقِيلَ: يَبِيعُ بِالاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَرَى الحَجْرَ لِدَفْعِ ضَرَرٍ عَامٌ، وَهَذَا كَذَلِكَ. قَالَ: (وَيُكْرَهُ بَيْعُ السِّلَاحِ فِي أَيَّامِ الفِتْنَةِ) مَعْنَاهُ: مِمَّنْ يُعْرَفُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الفِتْنَةِ؛ لِأَنَّهُ تَسْبِيبٌ إِلَى المَعْصِيَةِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي السِّيَرِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُعْرَفُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَسْتَعْمِلَهُ فِي الفِتْنَةِ، فَلَا يُكْرَهُ بِالشَّكْ. قَالَ: (وَلَا بَأسَ بِبَيْعِ العَصِيرِ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا)؛ لِأَنَّ المَعْصِيَةَ لَا تُقَامُ بِعَيْنِهِ بَلْ بَعْدَ تَغْيِيرِهِ، بِخِلَافِ بَيْعِ السِّلَاحِ فِي أَيَّامِ الفِتْنَةِ، لِأَنَّ المَعْصِيَةَ تَقُومُ بِعَيْنِهِ. قَالَ: (وَمَنْ أَجَّرَ بَيْتًا لِيُتَّخَذَ فِيهِ بَيْتُ نَارٍ، أَوْ كَنِيسَةٌ، أَوْ بِيعَةٌ، أَوْ يُبَاعُ فِيهِ الخَمْرُ بِالسَّوَادِ: فَلَا بَأْسَ بِهِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْرِيَهُ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (*)؛ (لأنه) أي: أبو حنيفة (لا يرى الحجر على الحر) العاقل، وفي إبطاله نوع حجر عليه وكذا عندهما لأنه حجر على قوم مجهولين فلا يصح، وبه قالت الأئمة الثلاثة. وفي المحيط: سَخَّرَ السلطان وقال: لا تُنقصوا، فاشترى أحد شيئًا، والخباز يخاف إن نقص من ذلك يضرُّه السلطان لا يَحِلُّ أكله، وحيلته أن [يقول] (١) المشتري: بعني ما تحب. قوله: (لدفع ضرر) عام كالحجر على الطبيب الجاهل، والمكاري المفلس، والمفتي الماجن، وهذا يرجع إلى العامة. قوله: (وقالا: لا ينبغي أن يكريه لشيء من ذلك) أي: لا يجوز، وبه قالت

стр. 6685

لِأَنَّهُ إِعَانَةٌ عَلَى المَعْصِيَةِ. وَلَهُ: أَنَّ الإِجَارَةَ تَرِدُ عَلَى مَنْفَعَةِ البَيْتِ، وَلِهَذَا تَجِبُ الأجْرَةُ بِمُجَرَّدِ التَّسْلِيمِ، وَلَا مَعْصِيَةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا المَعْصِيَةُ بِفِعْلِ المُسْتَأْجِرِ، وَهُوَ مُخْتَارٌ فِيهِ، فَقَطَعَ نِسْبَتَهُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِالسَّوَادِ، لِأَنَّهُمْ لَا يُمَكَّنُونَ مِنَ اتِّخَاذِ البِيَعِ وَالكَنَائِسِ وَإِظْهَارِ بَيْعِ الخُمُورِ وَالخَنَازِيرِ فِي الأَمْصَارِ، لِظُهُورِ شَعَائِرِ الإِسْلَامِ فِيهَا. بِخِلَافِ السَّوَادِ. قَالُوا: هَذَا كَانَ فِي سَوَادِ الكُوفَةِ، لِأَنَّ غَالِبَ أَهْلِهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ. فَأَمَّا فِي سَوَادِنَا: فَأَعْلَامُ الإِسْلَامِ فِيهَا ظَاهِرَةٌ، فَلَا يُمَكَّنُونَ فِيهَا أَيْضًا، وَهُوَ الأَصَح. قَالَ: (وَمَنْ حَمَلَ لِذِمِّي خَمْرًا، فَإِنَّهُ يَطِيبُ لَهُ الأَجْرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ)؛ لِأَنَّهُ إِعَانَةٌ عَلَى المَعْصِيَةِ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ لَعَنَ فِي الخَمْرِ عَشْرًا حَامِلَهَا وَالمَحْمُولَ إِلَيْهِ لَهُ: أَنَّ المَعْصِيَةَ فِي شُرْبِهَا وَهُوَ فِعْلُ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ، وَلَيْسَ الشَّرْبُ مِنْ ضَرُورَاتِ الحَمْلِ وَلَا يُقْصَدُ بِهِ، الأئمة الثلاثة؛ لأنه إعانة على المعصية، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى … وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. قوله: (فقطع نسبته عنه) أي: عن العقد. قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد يكره) وبه قالت الأئمة الثلاثة، ولا يجوز العقد عندهم، وعلى هذا الخلاف إذا استأجر من مسلم دابة أو سفينة لينقل عليها خمرا، أو استأجره ليرعى خنازيره. ذكره شيخ الإسلام. قوله: (وليس الشرب من ضرورات الحمل)؛ لأن الشرب قد يوجد بدون الحمل، والحمل قد يوجد بلا شرب، بأن يكون الحمل للإراقة أو للصب في الخل ليتخلل، فلم تكن المعصية من لوازمه، بل المعصية توجد باختيار الفاعل، فلم يوجب كراهة الحمل، فصار كما لو استأجره ليعصر العنب أو لقطعه، وهذا قياس، وقولهما استحسان. وقال محمد في الأصل: أجر مسلم دارَهُ ليسكنها، فشرب فيها الخمر أو عبد فيها الصليب لم يَلْحَقِ المسلم إثم؛ لأن المعصية في قصد المستأجر لا رب

стр. 6686

وَالحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الحَمْلِ المَقْرُونِ بِقَصْدِ المَعْصِيَةِ. قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ بِنَاءِ بُيُوتِ مَكَّةَ، وَيُكْرَهُ بَيْعُ أَرْضِهَا)، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: لَا بَأسَ بِبَيْعِ أَرْضِهَا أَيْضًا. وَهَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ، لِظُهُورِ الاخْتِصَاصِ الشَّرْعِيِّ بِهَا فَصَارَ كَالبِنَاءِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ ﵊: «أَلَا إِنَّ مَكَّةَ حَرَامٌ لَا تُبَاعُ رِبَاعُهَا وَلَا تُورَثُ» وَلِأَنَّهَا حُرَّةٌ مُحْتَرَمَةٌ، لِأَنَّهَا الدَّار، فلا إثم عليه. وقال الإمام السرخسي (١): وهذا كمن باع جارية ممن لا يستبرئها أو يأتيها في غير المأتى لم يلحق البائع إثم، وكذا لو باع غلامه من فاسق يقصد الفاحشة به لا يلحقه إثم، ولو كان مستأجر الدار مسلمًا فظهر منه فسق فيها، أو كان يجمع الناس فيها على الشر منعه رب الدار على سبيل النهي عن المنكر؛ لأنه فرض على كل مسلم، ولا يخرجه من الدار مسلما كان أو ذميا؛ لأن عقد الإجارة لازم لا يفسخ إلا بعذر، والعذر ضرر يزول بفسخ الإجارة، وهذا ليس من ذلك، ولهذا لو باعه الدار لا يفسخ البيع بما ظهر منه، فكذا الإجارة. كذا ذكره فخر الإسلام والمحبوبي. قوله: (هذا عند أبي حنيفة) وبه قال مالك وأحمد في رواية، وقال: لا بأس ببيع أرضها، وبه قال الشافعي وأحمد في رواية. قوله: لظهور الاختصاص بها شرعًا يؤيده قوله ﷺ : «وهَلْ ترك لنا عَقيل مِنْ دَارٍ» (٢)! وفي رواية (٣) «مِنْ رِبَاعٍ» وهذا دليل على أن عقار مكة عرضة التملك والتمليك. قال شمس الأئمة: استولى عليها فملكها، وقد تعارف الناس بيع الأراضي والدور بمكة من غير نكير. (ولأنها حرة) أي: خالصة لله تعالى، ووقف الخليل ﵇ موضع الحرم.

стр. 6687

فِنَاءُ الكَعْبَةِ. وَقَدْ ظَهَرَ آيَةُ أَثَرِ التَّعْظِيمِ فِيهَا حَتَّى لَا يُنَفَّرَ صَيْدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا، فَكَذَا فِي حَقِّ البَيْعِ، بِخِلَافِ البِنَاءِ؛ لِأَنَّهُ خَالِصُ مِلْكِ البَانِي. وَيُكْرَهُ إِجَارَتُهَا أَيْضًا لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ آجَرَ أَرْضَ مَكَّةَ فَكَأَنَّمَا أَكَلَ الرِّبَا» وَلِأَنَّ أَرَاضِيَ مَكَّةَ تُسَمَّى السَّوَائِبَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ مَنِ احْتَاجَ إِلَيْهَا سَكَنَهَا، وَمَنِ اسْتَغْنَى عَنْهَا أُسْكِنَ غَيْرَهُ (وَمَنْ وَضَعَ دِرْهَمًا عِنْدَ بَقَالٍ يَأْخُذُ مِنهُ مَا شَاءَ، يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ)؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ قَرْضًا جَرَّ بِهِ نَفْعًا، وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ مِنهُ مَا شَاءَ حَالًا فَحَالًا. «وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﵊ عَنْ قَرْضِ جَرَّ نَفْعًا»، وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَوْدِعَهُ، ثُمَّ يَأْخُذَ مِنهُ مَا شَاءَ جُزْءًا فَجُزْءًا؛ لِأَنَّهُ وَدِيعَةٌ وَلَيْسَ بِقَرْضِ، حَتَّى لَوْ هَلَكَ لَا شَيْءَ عَلَى الْآخِذِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَسَائِلُ مُتَفَرِّقَةٌ: [التَّعْشِيرُ وَالنَّقْطُ في المُصْحَفِ] قَالَ: (وَيُكْرَهُ التَّعْشِيرُ وَالنَّقْطُ فِي المُصْحَفِ) لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: جَرِّدُوا القُرْآنَ. وَيُرْوَى: جَرِّدُوا المَصَاحِفَ. وَفِي التَّعْشِيرِ وَالنَّقْطِ تَرْكُ التَّجْرِيدِ. وَلِأَنَّ التَّعْشِيرَ يُحِلُّ بِحِفْظِ الآي، وَالنَّقْطُ بِحِفْظِ الإِعْرَابِ، اتِّكَالًا عَلَيْهِ فَيُكْرَهُ. قَالُوا: فِي زَمَانِنَا لَا قوله: (وينبغي أن يستودعه) يعني الحيلة أن لا يكره، لو أراد ذلك يستودع البقال درهما، ثم يأخذ منه شيئًا فشيئًا، يملك ما أعطاه (جُزءًا فجزءًا) بمقابلة ما يأخذه، (حتى لو هلك) الدرهم، أي: ضاع لا شيء على البقال؛ لأنه أودعه وليس بقرض. كذا في الإيضاح. وفي النوازل: عجل البقال درهما ليأخذ منه شيئًا فشيئًا لا بأس به ما لم يشترط عليه؛ لأنه إنما يدفعه ليأخذ منه متفرقا، ولو أقرضه إياه بلا شرط لا بأس به، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. (مَسَائِلُ مُتَفَرِّقَةٌ) تعشير المصحف: جعل العواشر فيه. قوله: (يُخل بحفظ) أي: بالتعشير تُحْفَظ الآي، وبالنقط يُحفظ الإعراب، فكانا حَسَنَين، وعلى هذا كتابة أسامي السور، وعدد آي السور، فهي وإن كان

стр. 6688

بُدَّ لِلْعَجَمِ مِنْ دَلَالَةٍ. فَتَرْكُ ذَلِكَ إِخْلَالٌ بِالحِفْظِ وَهِجْرَانٌ لِلْقُرْآنِ فَيَكُونُ حَسَنًا. قَالَ: (وَلَا بَأسَ بِتَحْلِيَةِ المُصْحَفَ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِهِ. وَصَارَ كَنَقْشِ الْمَسْجِدِ وَتَزْيِينِهِ بِمَاءِ إحداثًا فهو بدعة حسنة، وكم من شيء يختلف باختلاف الزمان. كذا ذكره التمرتاشي. وفي المحيط: قراءة القرآن أشرف الأذكار، ولهذا قالوا إنه ﷺ كره رفع الصوت عند قراءة القرآن، وعند الجنائز، ومن عادة أصحاب النبي ﷺ كراهة رفع الأصوات عند الجنائز. وقوله: القرآن ذكر، ومن المشايخ من قال: ختم القرآن بالجماعة بالأجزاء الثلاثين مكروه؛ لما فيه من الغلط. وفي المجتبى: والعامة جوزوه بدعة حسنة ضرورة إحراز فضل الختم في ساعة، وقراءة القرآن للدنيا مكروهة، والأفضل أن لا يُعطي للقارئ شيئًا. وفي الواقعات: يمنع القارئ، والآخذ والمعطي أثمان، وكتابته على الجدران والمحاريب ليس بمستحسن، والذكر من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس (١) أفضل من قراءة القرآن. وقيل: تستحب القراءة عند طلوع الشمس وعند غروبها، ولو تغنى بالقرآن ولم يخرج بألحانه عن قدر صحيح في العربية مستحسن. قال فخر الإسلام: قراءة الماشي والمحترف تجوز إذا لم يشغله ذلك، ولا بأس بقراءة الإمام عقيب الصلاة آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة جهرًا، والإخفاء أفضل، ومَدُّ الرّجل إلى مصحف ليس بحذائه أو معلقا فوقه لا يكره، وقراءة الفاتحة بعد الصلاة للمهمات بدعة، لكنها مستحسنة للعادة، ولا يجوز المنع منها. ويجوز كتابة الآية والآيتين بالفارسية، والأكثر منه لا يجوز. قال الرازي: أخاف أن يكون زنديقا أو مجنونا، فالمجنون يشد، والزنديق يعقل، ويكره كتابة التفسير بالفارسية في المصحف كما يعتاده البعض، ورخص

стр. 6689

الذَّهَبُ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ. قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَدْخُلَ أَهْلُ الذِّمَّةِ المَسْجِدَ الحَرَامَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُكْرَهُ ذَلِكَ: وَقَالَ مَالِكٌ: يُكْرَهُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ. لِلشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التَّوْبَة: ٢٨] وَلِأَنَّ الكَافِرَ لَا يَخْلُو عَنْ جَنَابَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَغْتَسِلُ اغْتِسَالًا يُخْرِجُهُ عَنْهَا، وَالجُنُبُ يَجْتَنِبُ الْمَسْجِدَ، وَبِهَذَا يَحْتَجُّ مَالِكٌ، وَالتَّعْلِيلُ بِالنَّجَاسَةِ عَامٌ فَيَنْتَظِمُ الْمَسَاجِدَ كُلَّهَا. وَلَنَا: مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَنْزَلَ وَفْدَ ثَقِيفٍ فِي مَسْجِدِهِ». فيه الهندواني، وما كتب سلمان الفاتحة بالفارسية لأهل فارس كان للضرورة. وعن أبي حنيفة: القصص مكروه، أو محدث الناس بما ليس له أصل معروف من أحاديث الأولين، أو يزيد أو ينقص، أو يعظ الناس بما لم (١) يتعظ به وقلبه ساه، فأما ما سواه فغير مكروه. قال نجم الدين الحفصي: يريد به الزيادة في أصله والنقصان منه، أما التزيين بالعبارات اللطيفة المرققة، والشرح للفوائد التي يتضمنها الكلام فذاك حسن. ولا بأس بنشر الدراهم التي كتب فيها اسم الله تعالى، ولا بأس بوضع القرطاس الذي كتب [فيه] (٢) اسم الله تعالى تحت الطنفسة. وفي جامع شمس الأئمة: الرسائل والآثار والكتب التي لا منفعة فيها فيمحى عنها اسم الله تعالى وملائكته ورسله وتحرق بالنار، ولو ألقاها في الماء الجاري أو دفنها لا بأس به، والدفن أحسن، كما في الأنبياء والأولياء إذا ماتوا، وكذا جمع الكتب إذا بليت وخرجت عن الانتفاع. قوله: (وقد ذكرنا من قبل) أي: في كتاب الصلاة، وفي أوائل فصل الأكل والشرب. قوله: (وقال الشافعي … ) إلى آخره، وبه قال أحمد.

стр. 6690

وَهُمْ كُفَّارٌ وَلِأَنَّ الخُبْثَ فِي اعْتِقَادِهِمْ، فَلَا يُؤَدِّي إِلَى تَلْوِيثِ المَسْجِدِ. وَالآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الحُضُورِ اسْتِيلَاء وَاسْتِعْلَاءٌ، أَوْ طَائِفِينَ عُرَاةٌ كَمَا كَانَتْ عَادَتُهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ. قَالَ: (وَيُكْرَهُ اسْتِخْدَامُ الخُصْيَانِ)؛ لِأَنَّ الرَّغْبَةَ فِي اسْتِخْدَامِهِمْ حَثَّ النَّاسِ عَلَى هَذَا الصَّنِيعِ، وَهُوَ مُثْلَةٌ مُحَرَّمَةٌ. قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِخِصَاءِ البَهَائِمِ، وَإِنْزَاءِ قوله: (وهم كفار) أي: وفد الثقيف، وضرب لهم خيمة فقالت الصحابة: قوم أنجاس، فقال ﷺ : «ليس على الأرض [من] (١) أنجاسهم شيء، إنما أنجاسهم على أنفسهم» (٢). وروي أن أبا سفيان دخل مسجد رسول الله ﷺ في حال كفره لتجديد عهد الهدنة، وهذا لأن الخبث في اعتقادهم، فلا يفضي إلى تنجيس المسجد. (والآية محمولة على الحضور استيلاء) أي: على منعهم أن يدخلوها مستولين، وعلى أهل الإسلام مُستَعلين من حيث التدبير والقيام بعمارة المسجد، فإنَّ قبل الفتح كانت الولاية والاستعلاء لهم، ولم يبق ذلك بعد الفتح. قوله: (وهو مُثْلَةٌ مُحرّمة) فإن المثلة حرام بالإجماع. قوله: (ولا بأس بإخصاء البهائم) والصواب بخصاء البهائم. ذكره في المغرب (٣). لا يبيح ذلك في الخيل مالك، وقال: إنه يضعفها في الغزو، وهو المقصود الأعظم، ويقطع نسلها، وقد رغب في تربيتها والقيام بها لحاجتها في الجهاد. ذكره في الجواهر. وعن عمر أنه نهى عن إخصاء الفرس، وعن علي مرفوعا: «إنّما يفعل ذلك من لا خلاق له في الآخِرَة» (٤).
следующие страницы →