← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.

стр. 6686

وَالحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الحَمْلِ المَقْرُونِ بِقَصْدِ المَعْصِيَةِ. قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ بِنَاءِ بُيُوتِ مَكَّةَ، وَيُكْرَهُ بَيْعُ أَرْضِهَا)، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: لَا بَأسَ بِبَيْعِ أَرْضِهَا أَيْضًا. وَهَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ، لِظُهُورِ الاخْتِصَاصِ الشَّرْعِيِّ بِهَا فَصَارَ كَالبِنَاءِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ ﵊: «أَلَا إِنَّ مَكَّةَ حَرَامٌ لَا تُبَاعُ رِبَاعُهَا وَلَا تُورَثُ» وَلِأَنَّهَا حُرَّةٌ مُحْتَرَمَةٌ، لِأَنَّهَا الدَّار، فلا إثم عليه. وقال الإمام السرخسي (١): وهذا كمن باع جارية ممن لا يستبرئها أو يأتيها في غير المأتى لم يلحق البائع إثم، وكذا لو باع غلامه من فاسق يقصد الفاحشة به لا يلحقه إثم، ولو كان مستأجر الدار مسلمًا فظهر منه فسق فيها، أو كان يجمع الناس فيها على الشر منعه رب الدار على سبيل النهي عن المنكر؛ لأنه فرض على كل مسلم، ولا يخرجه من الدار مسلما كان أو ذميا؛ لأن عقد الإجارة لازم لا يفسخ إلا بعذر، والعذر ضرر يزول بفسخ الإجارة، وهذا ليس من ذلك، ولهذا لو باعه الدار لا يفسخ البيع بما ظهر منه، فكذا الإجارة. كذا ذكره فخر الإسلام والمحبوبي. قوله: (هذا عند أبي حنيفة) وبه قال مالك وأحمد في رواية، وقال: لا بأس ببيع أرضها، وبه قال الشافعي وأحمد في رواية. قوله: لظهور الاختصاص بها شرعًا يؤيده قوله ﷺ : «وهَلْ ترك لنا عَقيل مِنْ دَارٍ» (٢)! وفي رواية (٣) «مِنْ رِبَاعٍ» وهذا دليل على أن عقار مكة عرضة التملك والتمليك. قال شمس الأئمة: استولى عليها فملكها، وقد تعارف الناس بيع الأراضي والدور بمكة من غير نكير. (ولأنها حرة) أي: خالصة لله تعالى، ووقف الخليل ﵇ موضع الحرم.

стр. 6687

فِنَاءُ الكَعْبَةِ. وَقَدْ ظَهَرَ آيَةُ أَثَرِ التَّعْظِيمِ فِيهَا حَتَّى لَا يُنَفَّرَ صَيْدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا، فَكَذَا فِي حَقِّ البَيْعِ، بِخِلَافِ البِنَاءِ؛ لِأَنَّهُ خَالِصُ مِلْكِ البَانِي. وَيُكْرَهُ إِجَارَتُهَا أَيْضًا لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ آجَرَ أَرْضَ مَكَّةَ فَكَأَنَّمَا أَكَلَ الرِّبَا» وَلِأَنَّ أَرَاضِيَ مَكَّةَ تُسَمَّى السَّوَائِبَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ مَنِ احْتَاجَ إِلَيْهَا سَكَنَهَا، وَمَنِ اسْتَغْنَى عَنْهَا أُسْكِنَ غَيْرَهُ (وَمَنْ وَضَعَ دِرْهَمًا عِنْدَ بَقَالٍ يَأْخُذُ مِنهُ مَا شَاءَ، يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ)؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ قَرْضًا جَرَّ بِهِ نَفْعًا، وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ مِنهُ مَا شَاءَ حَالًا فَحَالًا. «وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﵊ عَنْ قَرْضِ جَرَّ نَفْعًا»، وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَوْدِعَهُ، ثُمَّ يَأْخُذَ مِنهُ مَا شَاءَ جُزْءًا فَجُزْءًا؛ لِأَنَّهُ وَدِيعَةٌ وَلَيْسَ بِقَرْضِ، حَتَّى لَوْ هَلَكَ لَا شَيْءَ عَلَى الْآخِذِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَسَائِلُ مُتَفَرِّقَةٌ: [التَّعْشِيرُ وَالنَّقْطُ في المُصْحَفِ] قَالَ: (وَيُكْرَهُ التَّعْشِيرُ وَالنَّقْطُ فِي المُصْحَفِ) لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: جَرِّدُوا القُرْآنَ. وَيُرْوَى: جَرِّدُوا المَصَاحِفَ. وَفِي التَّعْشِيرِ وَالنَّقْطِ تَرْكُ التَّجْرِيدِ. وَلِأَنَّ التَّعْشِيرَ يُحِلُّ بِحِفْظِ الآي، وَالنَّقْطُ بِحِفْظِ الإِعْرَابِ، اتِّكَالًا عَلَيْهِ فَيُكْرَهُ. قَالُوا: فِي زَمَانِنَا لَا قوله: (وينبغي أن يستودعه) يعني الحيلة أن لا يكره، لو أراد ذلك يستودع البقال درهما، ثم يأخذ منه شيئًا فشيئًا، يملك ما أعطاه (جُزءًا فجزءًا) بمقابلة ما يأخذه، (حتى لو هلك) الدرهم، أي: ضاع لا شيء على البقال؛ لأنه أودعه وليس بقرض. كذا في الإيضاح. وفي النوازل: عجل البقال درهما ليأخذ منه شيئًا فشيئًا لا بأس به ما لم يشترط عليه؛ لأنه إنما يدفعه ليأخذ منه متفرقا، ولو أقرضه إياه بلا شرط لا بأس به، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. (مَسَائِلُ مُتَفَرِّقَةٌ) تعشير المصحف: جعل العواشر فيه. قوله: (يُخل بحفظ) أي: بالتعشير تُحْفَظ الآي، وبالنقط يُحفظ الإعراب، فكانا حَسَنَين، وعلى هذا كتابة أسامي السور، وعدد آي السور، فهي وإن كان

стр. 6688

بُدَّ لِلْعَجَمِ مِنْ دَلَالَةٍ. فَتَرْكُ ذَلِكَ إِخْلَالٌ بِالحِفْظِ وَهِجْرَانٌ لِلْقُرْآنِ فَيَكُونُ حَسَنًا. قَالَ: (وَلَا بَأسَ بِتَحْلِيَةِ المُصْحَفَ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِهِ. وَصَارَ كَنَقْشِ الْمَسْجِدِ وَتَزْيِينِهِ بِمَاءِ إحداثًا فهو بدعة حسنة، وكم من شيء يختلف باختلاف الزمان. كذا ذكره التمرتاشي. وفي المحيط: قراءة القرآن أشرف الأذكار، ولهذا قالوا إنه ﷺ كره رفع الصوت عند قراءة القرآن، وعند الجنائز، ومن عادة أصحاب النبي ﷺ كراهة رفع الأصوات عند الجنائز. وقوله: القرآن ذكر، ومن المشايخ من قال: ختم القرآن بالجماعة بالأجزاء الثلاثين مكروه؛ لما فيه من الغلط. وفي المجتبى: والعامة جوزوه بدعة حسنة ضرورة إحراز فضل الختم في ساعة، وقراءة القرآن للدنيا مكروهة، والأفضل أن لا يُعطي للقارئ شيئًا. وفي الواقعات: يمنع القارئ، والآخذ والمعطي أثمان، وكتابته على الجدران والمحاريب ليس بمستحسن، والذكر من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس (١) أفضل من قراءة القرآن. وقيل: تستحب القراءة عند طلوع الشمس وعند غروبها، ولو تغنى بالقرآن ولم يخرج بألحانه عن قدر صحيح في العربية مستحسن. قال فخر الإسلام: قراءة الماشي والمحترف تجوز إذا لم يشغله ذلك، ولا بأس بقراءة الإمام عقيب الصلاة آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة جهرًا، والإخفاء أفضل، ومَدُّ الرّجل إلى مصحف ليس بحذائه أو معلقا فوقه لا يكره، وقراءة الفاتحة بعد الصلاة للمهمات بدعة، لكنها مستحسنة للعادة، ولا يجوز المنع منها. ويجوز كتابة الآية والآيتين بالفارسية، والأكثر منه لا يجوز. قال الرازي: أخاف أن يكون زنديقا أو مجنونا، فالمجنون يشد، والزنديق يعقل، ويكره كتابة التفسير بالفارسية في المصحف كما يعتاده البعض، ورخص

стр. 6689

الذَّهَبُ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ. قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَدْخُلَ أَهْلُ الذِّمَّةِ المَسْجِدَ الحَرَامَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُكْرَهُ ذَلِكَ: وَقَالَ مَالِكٌ: يُكْرَهُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ. لِلشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التَّوْبَة: ٢٨] وَلِأَنَّ الكَافِرَ لَا يَخْلُو عَنْ جَنَابَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَغْتَسِلُ اغْتِسَالًا يُخْرِجُهُ عَنْهَا، وَالجُنُبُ يَجْتَنِبُ الْمَسْجِدَ، وَبِهَذَا يَحْتَجُّ مَالِكٌ، وَالتَّعْلِيلُ بِالنَّجَاسَةِ عَامٌ فَيَنْتَظِمُ الْمَسَاجِدَ كُلَّهَا. وَلَنَا: مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَنْزَلَ وَفْدَ ثَقِيفٍ فِي مَسْجِدِهِ». فيه الهندواني، وما كتب سلمان الفاتحة بالفارسية لأهل فارس كان للضرورة. وعن أبي حنيفة: القصص مكروه، أو محدث الناس بما ليس له أصل معروف من أحاديث الأولين، أو يزيد أو ينقص، أو يعظ الناس بما لم (١) يتعظ به وقلبه ساه، فأما ما سواه فغير مكروه. قال نجم الدين الحفصي: يريد به الزيادة في أصله والنقصان منه، أما التزيين بالعبارات اللطيفة المرققة، والشرح للفوائد التي يتضمنها الكلام فذاك حسن. ولا بأس بنشر الدراهم التي كتب فيها اسم الله تعالى، ولا بأس بوضع القرطاس الذي كتب [فيه] (٢) اسم الله تعالى تحت الطنفسة. وفي جامع شمس الأئمة: الرسائل والآثار والكتب التي لا منفعة فيها فيمحى عنها اسم الله تعالى وملائكته ورسله وتحرق بالنار، ولو ألقاها في الماء الجاري أو دفنها لا بأس به، والدفن أحسن، كما في الأنبياء والأولياء إذا ماتوا، وكذا جمع الكتب إذا بليت وخرجت عن الانتفاع. قوله: (وقد ذكرنا من قبل) أي: في كتاب الصلاة، وفي أوائل فصل الأكل والشرب. قوله: (وقال الشافعي … ) إلى آخره، وبه قال أحمد.

стр. 6690

وَهُمْ كُفَّارٌ وَلِأَنَّ الخُبْثَ فِي اعْتِقَادِهِمْ، فَلَا يُؤَدِّي إِلَى تَلْوِيثِ المَسْجِدِ. وَالآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الحُضُورِ اسْتِيلَاء وَاسْتِعْلَاءٌ، أَوْ طَائِفِينَ عُرَاةٌ كَمَا كَانَتْ عَادَتُهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ. قَالَ: (وَيُكْرَهُ اسْتِخْدَامُ الخُصْيَانِ)؛ لِأَنَّ الرَّغْبَةَ فِي اسْتِخْدَامِهِمْ حَثَّ النَّاسِ عَلَى هَذَا الصَّنِيعِ، وَهُوَ مُثْلَةٌ مُحَرَّمَةٌ. قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِخِصَاءِ البَهَائِمِ، وَإِنْزَاءِ قوله: (وهم كفار) أي: وفد الثقيف، وضرب لهم خيمة فقالت الصحابة: قوم أنجاس، فقال ﷺ : «ليس على الأرض [من] (١) أنجاسهم شيء، إنما أنجاسهم على أنفسهم» (٢). وروي أن أبا سفيان دخل مسجد رسول الله ﷺ في حال كفره لتجديد عهد الهدنة، وهذا لأن الخبث في اعتقادهم، فلا يفضي إلى تنجيس المسجد. (والآية محمولة على الحضور استيلاء) أي: على منعهم أن يدخلوها مستولين، وعلى أهل الإسلام مُستَعلين من حيث التدبير والقيام بعمارة المسجد، فإنَّ قبل الفتح كانت الولاية والاستعلاء لهم، ولم يبق ذلك بعد الفتح. قوله: (وهو مُثْلَةٌ مُحرّمة) فإن المثلة حرام بالإجماع. قوله: (ولا بأس بإخصاء البهائم) والصواب بخصاء البهائم. ذكره في المغرب (٣). لا يبيح ذلك في الخيل مالك، وقال: إنه يضعفها في الغزو، وهو المقصود الأعظم، ويقطع نسلها، وقد رغب في تربيتها والقيام بها لحاجتها في الجهاد. ذكره في الجواهر. وعن عمر أنه نهى عن إخصاء الفرس، وعن علي مرفوعا: «إنّما يفعل ذلك من لا خلاق له في الآخِرَة» (٤).

стр. 6691

الحَمِيرِ عَلَى الخَيْلِ)؛ لِأَنَّ فِي الأَوَّلِ مَنْفَعَةٌ لِلْبَهِيمَةِ وَالنَّاسِ. وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ رَكِبَ البَغْلَةَ فَلَوْ كَانَ هَذَا الفِعْلُ حَرَامًا لَمَا رَكِبَهَا، لِمَا فِيهِ مِنْ فَتْحِ بَابِهِ. قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِعِيَادَةِ اليَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِي)؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ بِرِّ فِي حَقِّهِمْ، وَمَا نُهِينَا عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ عَادَ يَهُودِيًّا مَرِضَ بِجِوَارِهِ». قَالَ: (وَيُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ فِي دُعَائِهِ: أَسْأَلُكَ بِمَعْقِدِ العِزَّ مِنْ عَرْشِكَ) وَلِلْمَسْأَلَةِ عِبَارَتَانِ: هَذِهِ، وَمَقْعَدُ العِزِّ، وَلَا رَيْبَ فِي كَرَاهَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ القُعُودِ، وَكَذَا الأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ تَعَلَّقَ عِزّهِ بِالعَرْشِ، وَهُوَ مُحْدَةٌ. وَاللَّهُ تَعَالَى بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ قَدِيمٌ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ. وَبِهِ أَخَذَ الفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ ﵀ وقلنا: إنه ﷺ ركب فرسا [على هذه] (١) [الصفة، وعمر إنما كره ذلك] (٢)؛ لأن الخصاء يذهب صهيله لا لأنه حرام. قوله: (لما فيه) أي: في الركوب فتح بابه وما روي أنه ﷺ «نهى بني هاشم عن إِنْزاءِ الحُمُرِ على الخيل» (٣) لما أن الخيل كانت قليلة فيهم، فأحب أن تكثر فيهم الخيل، هكذا قاله عبد الله بن الحسن. (٤) قوله: بعيادة اليهودي والنصراني قيد بهما؛ لأن في عيادة المجوسي اختلاف المشايخ، على ما نبينه. وذكر بلفظ (لا بأس) ليدل أن تركه أفضل، وعن بعض أصحاب الشافعي: الإسلام شرط لجواز العيادة، وما ذكر فيه أنه ﷺ عاد غلامًا يهوديا به اشتباه. وقال صاحب الحلية (٥): والصواب عندي أن يقال: عيادة الكافر في الجملة جائزة، والقربة فيها موقوفة على نوع حرمة يقترن بها من جوار أو قرابة،

стр. 6692

لِأَنَّهُ مَأْثُورٌ عَنِ النَّبِيِّ ﵊. رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ دُعَائِهِ «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِمَعْقِدِ العِزّ مِنْ عَرْشِكَ؛ وَمُنْتَهَى الرَّحْمَةِ مِنْ كِتَابِكَ، وَبِاسْمِكَ الأَعْظَمِ، وَجَدِّك الأَعْلَى، وَكَلِمَاتِكَ التَّامَّةِ» وَلَكِنَّا نَقُولُ: هَذَا خَبَرُ وَاحِدٍ، فَكَانَ الاحْتِيَاطُ فِي الامْتِنَاعِ (وَيُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ فِي دُعَائِهِ: بِحَقِّ فُلَانٍ، أَوْ بِحَقِّ أَنْبِيَائِكَ وَرُسُلِكَ)؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمَخْلُوقِ عَلَى الخَالِقِ. روي أن يهوديا مرض بجوار النبي ﷺ فعاده وقعد عند رأسه وقال له: «قل لا إله إلا الله محمد رسولُ اللهِ» فنظر المريض إلى أبيه فقال له أبوه: أجبه، فأجابه وشهد، فقال ﷺ : «الحمد لله الذي أنقذ بي نَسَمَةً من النار» (١). ولأن العيادة شرعت برا وصلةً، ولا بأس ببر أهل الكتاب، قال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَنَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِنْ دِيَرِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨] الآية، وقيل: لا يجوز؛ لأن المجوس أبعد عن الإسلام من اليهود والنصارى، ولهذا لا تحل ذبيحة المجوسي ونكاحهم. واختلفوا في عيادة الفاسق أيضًا، والأصح أنه لا بأس به؛ لأنه مسلم، والعيادة من حقوق المسلمين، ولو مات ليهودي أو مجوسي جاره أو قريبه ينبغي أن نعزيه ونقول: أخلف الله عليك خيرًا منه، وأصلحك بالإسلام، ورزقك ولدًا مسلما. ذكره في النوادر. ويكره أن يبدأ بالسلام الكافر، ولا يكره رد الجواب، ولكن لا يزيد على قوله: وعليكم، ولا خلاف فيه، وإن كان للمسلم حاجة عنده فلا بأس بالسلام عليه. قوله: (لأنه مأثور) فإنه روي عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ [قال] (٢) «اثنتا عشرة ركعةً من صلاها في ليل أو نهار، وقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورةً، وتَشَهَّدَ في كل ركعتين وسلم، ثم سلم بعد التشهد من الركعتين الأخيرتين قبل السلام، ويقرأ فاتحة الكتاب سبع مرات، وآية الكرسي سبع

стр. 6693

قَالَ: (وَيُكْرَهُ اللَّعِبُ بِالشَّطْرَنْجِ، وَالنَّرْدِ، وَالأَرْبَعَةَ عَشَرَ وَكُلُّ لَهْوِ)؛ لِأَنَّهُ إِنْ قَامَرَ بِهَا فَالمَيْسِرُ حَرَامٌ بِالنَّصِّ، وَهُوَ اسْمٌ لِكُلِّ قِمَارٍ، وَإِنْ لَمْ يُقَامِرْ فَهُوَ عَبَثٌ وَلَهْوٌ. وَقَالَ ﵊: «لَهْوُ المُؤْمِنِ بَاطِلٌ إِلَّا الثَّلَاثُ: تَأْدِيبُهُ لِفَرَسِهِ، وَمُنَا ضَلَتُهُ عَنْ قَوْسِهِ، وَمُلَاعَبَتُهُ مَعَ أَهْلِهِ» وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يُبَاحُ اللَّعِبُ بِالشَّطْرَنْجِ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَشْحِيدِ الخَوَاطِرِ، وَتَذْكِيَةِ الأَنْهَامِ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀. لَنَا: مرات، ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير عشر مرات، ثم يقول: اللهم إني أسألك بمقعد العز من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك الأعظم، وجَدِّكَ الأعلى، وكلماتك التامة أن تقضي حاجتي فالله تعالى يقضي حاجته» ثم قال ﷺ : «لا تُعلّموها السفهاء؛ لأنها دعوة مستجابة» (١) والأحوط جواب الكتاب. كذا في جامع قاضي خان والتمرتاشي والمحبوبي. قوله: (ويكره اللعب … ) إلى آخره، أي: يحرم بدليل قرانه بالنرد والأربعة عشر، وكل منها حرام بالإجماع بلا خلاف، وهو محكي عن الشافعي. قال سهل بن محمد الصعلوكي رئيس أصحاب الشافعي: يباح إذا سلمت اليد من الخسران، والصلاة من النسيان، واللسان من الهذيان، فهو أدب بين الخلان. وفي الحلية (٢): ويكره اللعب بالشطرنج، ولا يحرم إذا لم يكن على عوض، ولم يترك به فرض صلاة، ولم يتكلم عليه بسخف، وهو معنى قول الصعلوكي: ولو أكثر به ردت شهادته، وبه قال مالك وأحمد، وكذا لو لعب به على الطريق ومع الأوباش يحرم. أما لو لعب به مع الأمناء (من تشحيذ الخواطر، وتذكية (٣) الأفهام) من غير إدمان لا يحرم. وفي المجتبى: وقول الشافعي رواية عن أبي يوسف، ولنا ما ذكر من الحديث في المتن، ومر ابن عمر بقوم يلعبون بالشطرنج فلم يسلّم عليهم،

стр. 6694

قَوْلُهُ ﵊: «مَنْ لَعِبَ بِالشَّطْرَنْجِ وَالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا غَمَسَ يَدَهُ فِي دَمِ الخِنْزِيرِ» وَلِأَنَّهُ نَوْعُ لَعِبٍ يَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الجُمَعِ وَالجَمَاعَاتِ فَيَكُونُ حَرَامًا، لِقَوْلِهِ ﵊: «مَا أَلْهَاكَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَهُوَ مَيْسِرٌ» ثُمَّ إِنْ قَامَرَ بِهِ تَسْقُطُ عَدَالَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يُقَامِرُ: لَا تَسْقُطُ؛ لِأَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ فِيهِ. وَكَرِهَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ التَّسْلِيمَ عَلَيْهِمْ، تَحْذِيرًا لَهُمْ، وَلَمْ يَرَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ بِهِ بَأْسًا لِيَشْغَلَهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ. وقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ولأنه لعب يصد عن ذكر الله، فيكون مكروها، وأما منفعته فمغلوبة تابعة، والعبرة للغالب في التحريم. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] فاعتبر الغالب في التحريم وهل رأيت صاحب الشطرنج يصلي فضلا عن الجماعة؟ ولأن النرد حرام بإجماع المسلمين وإن خلا عن القمار؛ لأنه عبث وقد قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] وقد قال ﷺ : «كُل لعب ابن آدم حرام إلا ثلاثة: ملاعبة الرجل مع أهله، وتأديبه لفرسه، ومناضلة بقوسه» (١) والشطرنج لعب (٢) مثل الثلاثة. ثم المسابقة في الخيل والإبل والرمي جائزة بالسنة وإجماع الأمة. وإن شرط المال من جانب واحد بأن يقول أحدهما لصاحبه: إن سبقتني فلك كذا، وإن سبقتك فلا شيء لي. وحكي عن مالك: لا يجوز؛ لأنه قمار، وإن كان اشتراط العوض من الإمام يجوز بالإجماع؛ لأن هذا مما يحتاج إليه، ولأنه حث على الجهاد، وحرم لو شرط المال من الجانبين بالإجماع، إلا [إذا] (٣) أدخلا ثالثًا بينهما وقالا للثالث: إن سبقتنا فالمالان لك، وإن سبقناك فلا شيء لك، وهو فيما بينهما أيهما سبق أخذ الجعل عن صاحبه.

стр. 6695

قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِقَبُولِ هَدِيَّةِ العَبْدِ التَّاجِرِ، وَإِجَابَةِ دَعْوَتِهِ، وَاسْتِعَارَةِ دَابَّتِهِ. وسأل أشهب مالكًا عن المحلل قال: لا أحبه، ولنا ما روى أبو هريرة أنه ﷺ قال: «مَنْ أدخل فرسًا بين فرسين وهو لا يَأْمَنُ أن يسبق فليس قمارًا وإن أمن أن يسبق فهو قمار» رواه أبو داود (١)، فلهذا يشترط أن يكون فرس المحلل أو بعيره مكافيًا بفرسيهما أو بعيرهما، وإن لم يكن مكافتًا بأن كان أحدهما بطيئًا فهو قمار، قال محمد: إدخال الثالث إنما يكون حيلة إذا توهم سبقه. ذكره في التتمة. ويشترط في المسابقة في الحيوان تحديد المسافة، وكذا في المناضلة في الرمي، وسمى الرمي نضالاً؛ لأن السهم التام يسمى نضلا. والمسابقة بالأقدام تجوز إذا كان المال مشروطا من جانب واحد، و [به] (٢) قال الشافعي في قول، وقال في المنصوص: لا يجوز، وبه قال مالك وأحمد إذا كان بِجُعْلٍ؛ لما روى أبو هريرة أنه ﷺ قال: «لا سَبْقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٌ أو حافِرٍ» رواه أبو داود (٣)، فبقي السبق في غير هذه الثلاثة، ولما أنه ﷺ سابق عائشة، وصارع ركانة. والمراد بحديث أبي هريرة أنه لا حاجة في المسابقة في الجهاد إلا في هذه الثلاثة، وقال مالك وأحمد: يمكن أن يكون المراد نفي الجعل. ولا تجوز المسابقة في البغال والحمير، وبه قال الشافعي في قول وأحمد ومالك، إلا إذا كان بجعل، وقال الشافعي في قول: يجوز. وفي الذخيرة المتفقهة إذا قال [واحد] (٤) لآخر: إن كان الجواب كما قلت أعطيتك كذا، وإن كان الجواب كما قلتُ فلا آخذ منك شيئًا يجوز،

стр. 6696

وَتُكْرَهُ كِسْوَتُهُ الثَّوْبَ، وَهَدِيَّتُهُ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ) وَهَذَا اسْتِحْسَانُ. وَفِي القِيَاسِ: كُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ وَالعَبْدُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّهُ ﵊ قَبِلَ هَدِيَّةَ سَلْمَانَ ﵁ حِينَ كَانَ عَبْدًا، وَقَبِلَ هَدِيَّةَ بَرِيرَةَ ﵂ وَكَانَتْ مُكَاتَبَةٌ وَأَجَابَ رَهْطُ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ دَعْوَةَ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدٍ وَكَانَ عَبْدًا، وَلِأَنَّ فِي هَذِهِ الأَشْيَاءِ ضَرُورَةً لَا يَجِدُ التَّاجِرُ بُدًّا مِنهَا، وَمَنْ مَلَكَ شَيْئًا يَمْلِكُ مَا هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي الكِسْوَةِ وَإِهْدَاءِ الدَّرَاهِمِ، فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِ القِيَاسِ. قَالَ: (وَمَنْ كَانَ فِي يَدِهِ لَقِيطٌ لَا أَبَ لَهُ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَبْضُهُ الهِبَةَ، وَالصَّدَقَةَ لَهُ) وَأَصْلُ هَذَا: أَنَّ التَّصَرُّفَ عَلَى الصِّغَارِ، أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ: نَوْعٌ هُوَ مِنْ بَابِ الوِلَايَةِ، لَا يَمْلِكُهُ إِلَّا مَنْ هُوَ وَلِيٌّ، كَالإِنْكَاحِ وَالشِّرَاءِ وَالبَيْعِ لِأَمْوَالِ القُنْيَةِ؛ لِأَنَّ الوَلِيَّ هُوَ الَّذِي قَامَ مَقَامَهُ بِإِنَابَةِ الشَّرْعِ، وَنَوْعٌ آخَرُ مَا كَانَ مِنْ ضَرُورَةِ حَالِ الصِّغَارِ وَهُوَ شِرَاءُ مَا لَا بُدَّ لِلصَّغِيرِ مِنْهُ وَبَيْعُهُ وَإِجَارَةُ الأَظْارِ … والقياس: كله باطل، ويجوز استحسانًا؛ لما فيه حثه على معنى يرجع إلى الجهاد، وكذا في المتفقهة حث على الجهد في التعلم. قوله: (وفي القياس: كلُّ ذلك) وبه قالت الأئمة الثلاثة، إلا أن أحمد يجوز دعوته، وقد مر في المأذون. قوله: (لا أب له) هذا قيد غير لازم، فإن الصغيرة لو كانت عند زوجها يعولها ولها أب فالزوج يقبض الهبة لها يجوز؛ لأنه نفع محض، فلا يشترط الولاية. كذا ذكره فخر الإسلام، وقد مر بيان الاختلاف في باب اللقيط. (القنية): أصل مال للنسل لا للتجارة. قوله: (وإجارة الأظار) وفي أكثر النسخ: (وإجارة الصغار) ويوافق لرواية الكافي وغيره. وفي النهاية: ولا يقال: هذه المسألة مناقضة لرواية بعدها بقوله: (ولا يجوز للملتقط أن يؤاجره) (١)؛ لأن كل واحدة محمولة على حالة، فجواز إجارته محمول على حالة الضرورة، بدليل عدها من الضرورة، وعدم جوازها في غير حالة الضرورة، أو في المسألة روايتان أو نقول: المراد بقوله: (وإجارة الصغار)

стр. 6697

وَذَلِكَ جَائِزٌ مِمَّنْ يَعُولُهُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ كَالأَخِ وَالعَمِّ وَالأُمِّ، وَالمُلْتَقَطُ إِذَا كَانَ فِي حِجْرِهِمْ. وَإِذَا مَلَكَ هَؤُلَاءِ هَذَا النَّوْعَ فَالوَلِيُّ أَوْلَى بِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّ الوَلِيِّ أَنْ يَكُونَ الصَّبِيُّ فِي حِجْرِهِ، وَنَوْعٌ ثَالِثُ: مَا هُوَ نَفْعٌ مَحْضُ، كَقَبُولِ الهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالقَبْضِ، فَهَذَا يَمْلِكُهُ المُلْتَقِطُ وَالأَخُ وَالعَمُّ وَالصَّبِيُّ بِنَفْسِهِ إِذَا كَانَ يَعْقِلُ، لِأَنَّ اللَّائِقَ بِالحِكْمَةِ فَتْحُ بَابِ مِثْلِهِ نَظَرًا لِلصَّبِيِّ، فَيَمْلِكُ بِالعَقْلِ وَالوِلَايَةِ وَالحِجْرِ وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الإِنْفَاقِ. قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يُؤَاجِرَهُ، وَيَجُوزُ لِلْأُمِّ أَنْ تُؤَاجِرَ ابْنَهَا إِذَا كَانَ فِي حِجْرِهَا، وَلَا يَجُوزُ لِلْعَمِّ)؛ لِأَنَّ الأُمَّ تَمْلِكُ إِخْلَافَ مَنَافِعِهِ بِاسْتِخْدَامٍ، وَلَا كَذَلِكَ المُلْتَقِطُ وَالعَمُّ (وَلَوْ أَجَرَ الصَّبِيُّ نَفْسَهُ: لَا يَجُوزُ)؛ لِأَنَّهُ مَشُوبٌ بِالضَّرَرِ (إِلَّا إِذَا فَرَغَ مِنْ العَمَلِ)؛ لِأَنَّ عِنْدَ ذَلِكَ تَمَحَضَ نَفْعًا، فَيَجِبُ المُسَمَّى، وَهُوَ نَظِيرُ العَبْدِ المَحْجُورِ يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ. قَالَ: (وَيُكْرَهُ أَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ فِي عُنُقِ عَبْدِهِ الرَّايَةَ) وَيَرْوُونَ الدَّايَةَ، وَهُوَ: طَوْقُ الحَدِيدِ الَّذِي يَمْنَعُهُ مِنْ أَنْ يُحَرِّكَ رَأْسَهُ، وَهُوَ مُعْتَادٌ بَيْنَ الظَّلَمَةِ؛ لِأَنَّهُ عُقُوبَةُ أَهْلِ النَّارِ، فَيُكْرَهُ كَالإِحْرَاقِ بِالنَّارِ (وَلَا يُكْرَهُ أَنْ يُقَيِّدَهُ) لِأَنَّهُ سُنَّةُ المُسْلِمِينَ فِي تسليمهم للصناعة حتى يكون جنس ما لا بد للصغار منه، وبعضهم لم يقدروا على دفع المناقضة غيروا لفظ الكتاب بقوله: (وإجارة الأظار)، والأول أصح. قوله: (ولا يجوز للعم وإن كان في حجره، وكذا لا يجوز للملتقط. وفي الكافي: لو كان الصغير في عيال العم، فأجرته أمه [صح] (١) عند أبي يوسف؛ لأنه من الحفظ، وقال محمد: لا يجوز؛ لأن الحفظ هنا للعم. قوله: (ولو أجر الصبي نفسه لا يجوز) أي: لا يلزم. وفي المغرب (٢): راية الغلام: غُلَّ يُجعَل في عنقه يعلم بها أنه أبق، ويروى: (الداية) بالدال، وهو غلط. قوله: (لأنه عقوبة أهل النار) أي: الكفار فيكره كالإحراق بالنار) وقال ﷺ :

стр. 6698

السُّفَهَاءُ وَأَهْلِ الدَّعَارَةِ، فَلَا يُكْرَهُ فِي العَبْدِ، تَحَرُّزًا عَنْ إِبَاقِهِ وَصِيَانَةٌ لِمَالِهِ. قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالحُقْنَةِ يُرِيدُ بِهِ التَّدَاوِيَ) لِأَنَّ التَّدَاوِيَ مُبَاحٌ بِالإِجْمَاعِ، وَقَدْ وَرَدَ بِإِبَاحَتِهِ الحَدِيثَ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَعْمَلَ. «لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللهِ تَعَالَى» (١) ولأنه مُحدَثٌ، وشر الأمور محدثاتها، وقال ﷺ : «كلُّ مُحدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» (٢). وفي المحيط وفتاوى قاضي خان: هذا في زمانهم لقلة الإباق فيهم، أما في زماننا لا يكره؛ لغلبة الإباق فيهم، خصوصًا في الهنود، فصار كالقيد. قوله: (يريد به التداوي) وقيد به؛ لأنه لو أراد به التسمين لا يباح (وقد ورد بإباحته) أي: بإباحة التداوي (الحديث) وهو ما روي أنه ﷺ قال: «تداووا عباد الله، فإنّ الله تعالى ما أنزل داءً إلّا أنزلَ لَهُ شِفاءً» متفق عليه (٣). وفي رواية: «ما خلق الله تعالى داء إلا وقد خلقَ له دواءً إِلَّا السّامَ والهَرَمَ» (٤) وقال ﷺ : «لِكُلِّ داء دواء، فإذا أُصيب دواءُ الدَّاءِ بَرِئَ بِإِذْنِ اللَّهِ » (٥). وقد انعقد الإجماع عليه، والأمر بالتوكل محمول على التوكل عند اكتساب الأسباب ثم التوكل بعده على الله تعالى، قال تعالى لمريم: ﴿وَهُزِّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥] الآية فالله تعالى قادر على أن يعطيها من غير هزها، وقال ﷺ لأعرابي: «قَيِّدْها وتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ» (٦) وعند أهل السنة والجماعة التوكل المأمور.

стр. 6699

المُحَرَّمُ كَالخَمْرِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِشْفَاءَ بِالمُحَرَّمِ حَرَامٌ. قَالَ: (وَلَا بَأسَ بِرِزْقِ القَاضِي) لِأَنَّهُ ﵊ بَعَثَ عَتَّابَ بْنَ أُسَيْدِ إِلَى مَكَّةَ وَفَرَضَ لَهُ، وَبَعَثَ عَلِيًّا إِلَى اليَمَنِ وَفَرَضَ لَهُ وَلِأَنَّهُ مَحْبُوسٌ لِحَقِّ المُسْلِمِينَ، فَتَكُونُ نَفَقَتُهُ فِي مَالِهِمْ، وَهُوَ مَالُ بَيْتِ المَالِ، وَهَذَا لِأَنَّ الحَبْسَ مِنْ أَسْبَابِ النَّفَقَةِ، كَمَا فِي الوَصِيِّ وَالمُضَارِبِ إِذَا سَافَرَ بِمَالِ المُضَارَبَةِ، وَهَذَا فِيمَا يَكُونُ كِفَايَةٌ، فَإِنْ كَانَ شَرْحًا فَهُوَ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتِنْجَارٌ عَلَى الطَّاعَةِ، إِذِ القَضَاءُ طَاعَةٌ به بعد كسب الأسباب لا قبله. قوله: (لأن الاستشفاء بالمُحرَّمِ حرام). وذكر الصدر الشهيد أن الاستشفاء بالمحرم حرام، وبه قال مالك وأحمد. وفي التهذيب للبغوي: يجوز للعليل شرب البول والدم والميتة للتداوي إذا أخبره طبيب مسلم أن شفاءه فيه، ولم يجد من المباح ما يقوم مقامه، وإن قال الطبيب: يتعجل شفاؤك به فيه وجهان، وهل يجوز شرب القليل من الخمر للتداوي؟ قال: فيه وجهان. وما قاله الصدر الشهيد بأن الاستشفاء بالمُحرَّم حرام ليس مجرى على إطلاقه، والاستشفاء بالمُحرَّم إنما لا يجوز إذا لم يعلم فيه شفاء، أما إذا علم فيه شفاء وليس له دواء آخر غيره يجوز الاستشفاء؛ لأنه حينئذ تنكشف الحرمة، وما روي عن ابن مسعود محمول على ما إذا عرف له دواء غيره. قوله: (وفرض له) أي: لعتاب أربعين أُوقِيَّةً، والأُوقية، بالتشديد: أربعون درهما، وكذا كان أبو بكر يأخذ كل يوم درهما وثلثي درهم، وعمر يأخذ كفايته، وتكلم العلماء ﵏ أنه ﷺ : مِنْ أي مال فَرَضَ؟ ولم يكن يومئذ دواوين ولا بيت المال، فإن الدواوين وضعت في زمن عمر ﵁. قيل: فَرَضَه من الفيء، وقيل: من المال الذي أخذه من نصارى بني نجران، ومن الجزية التي أخذها من مجوس هجر. (قوله: (فإن كان شرطًا) بأن قال في ابتداء التقليد: إنما أقبل القضاء إذا رزقني الوالي في كل سنة كذا بمقابلة قضائي، وإلا فلا أقبل، فهو حرام؛ لأن)

стр. 6700

بَلْ هُوَ أَفْضَلُهَا، ثُمَّ القَاضِي إِذَا كَانَ فَقِيرًا: فَالأَفْضَلُ بَلِ الوَاجِبُ الْأَخْذُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إِقَامَةُ فَرْضِ القَضَاءِ إِلَّا بِهِ، إِذْ الاشْتِغَالُ بِالكَسْبِ يُقْعِدُهُ عَنْ إِقَامَتِهِ، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا. فَالْأَفْضَلُ الامْتِنَاعُ عَلَى مَا قِيلَ، رِفْقًا بِبَيْتِ المَالِ. وَقِيلَ: الأَخْذُ، وَهُوَ الأَصَمُّ، صِيَانَةٌ لِلْقَضَاءِ عَنْ الهَوَانِ، وَنَظَرًا لِمَنْ يُوَلَّى بَعْدَهُ مِنْ المُحْتَاجِينَ؛ لِأَنَّهُ إِذَا انْقَطَعَ زَمَانًا يَتَعَذَّرُ إعَادَتُهُ، ثُمَّ تَسْمِيَتُهُ رِزْقًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بِقَدْرِ الكِفَايَةِ، وَقَدْ جَرَى الرَّسْمُ بِإِعْطَائِهِ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ؛ لِأَنَّ الخَرَاجَ يُؤْخَذُ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ، وَهُوَ يُعْطَى مِنهُ، وَفِي زَمَانِنَا الخَرَاجُ يُؤْخَذُ فِي آخَرِ السَّنَةِ وَالمَأْخُوذُ مِنْ الخَرَاجِ خَرَاجُ السَّنَةِ المَاضِيَةِ، هُوَ الصَّحِيحُ، وَلَوْ اسْتَوْفَى رِزْقَ سَنَةٍ، وَعُزِلَ قَبْلَ اسْتِكْمَالِهَا، قِيلَ: هُوَ عَلَى اخْتِلَافِ مَعْرُوفٍ فِي نَفَقَةِ المَرْأَةِ إِذَا مَاتَتْ فِي السَّنَةِ بَعْدَ اسْتِعْجَالِ نَفَقَةِ السَّنَةِ، وَالأَصَحُ: أَنَّهُ يَجِبُ الرَّدُّ. القضاء أعظم الطاعات، فإذا بطل الاستئجار على سائر الطاعات فعلى هذه أحق، ولهذا لا ينعقد حكم القاضي بالرشوة، وإن كان لا ينعزل بالفسق عندنا، خلافًا للشافعي والمعتزلة، وقد مر في القضاء. قوله: (فالأفضل الامتناع على ما قيل). قال الصدر الشهيد: إن استعف فتنزه كان أفضل قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] الآية، وإن كان نزولها في وصي اليتيم، ولكن الوصي عامل لليتيم بسبب (١) ذلك الحكم في كل من يعمل لغيره بطريق الحسبة، وقد روي عن عثمان أنه لم يأخذ، وهذا كله إذا كان بيت المال جُمِعَ من حلال، أما إذا كان حرامًا جُمِعَ بباطل لم يحل أخذه؛ لأن سبيل الحرام والغصب رده، وليس ذلك بمال عامة المسلمين. قوله: (هو الصحيح) وفي الكافي: وعليه الفتوى. قوله: على اختلاف معروف في نفقة المرأة يعني على قول محمد يجب الرد، وعلى قول أبي يوسف لا يجب الرد، وقاسوا على النفقة المستعجلة

стр. 6701

قَالَ: (وَلَا بَأسَ بِأَنْ تُسَافِرَ الأَمَةُ وَأُمُّ الوَلَدِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ)؛ لِأَنَّ الْأَجَانِبَ فِي حَقٌّ الإِمَاءِ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى النَّظَرِ وَالمَسِّ بِمَنْزِلَةِ المَحَارِمِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ، وَأُمُّ الوَلَدِ أَمَةٌ لِقِيَامِ المِلْكِ فِيهَا وَإِنْ امْتَنَعَ بَيْعُهَا. للمرأة إذا مات زوجها في نصف السنة. كذا في جامع فخر الإسلام وشمس الأئمة، وقد مر. قوله: (بأن تسافر الأمة) أجمعوا أن العجوز الحرة لا تسافر بغير محرم، ولا تخلو برجل. وقيل: لا تباح المسافرة والخلوة مع أمة الغير، وقيل: يباح ولا يكره للأمة والمدبرة وأم الولد المسافرة بلا محرم. وقيل: هذا في زمانهم، أما في زماننا لا يحل؛ لغلبة أهل الفسق. كذا في المحيط والتتمة.

стр. 6702

كِتَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ قَالَ: (المَوَاتُ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ الأَرَاضِي لِانْقِطَاعِ المَاءِ عَنْهُ، أَوْ لِغَلَبَةِ المَاءِ عَلَيْهِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ الزِّرَاعَةَ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِبُطْلَانِ الِانْتِفَاعِ بِهِ. قَالَ: (فَمَا كَانَ مِنهَا عَادِيًا لَا مَالِكَ لَهُ، أَوْ كَانَ مَمْلُوكًا فِي دَارِ الإِسْلَامِ لَا يُعْرَفُ لَهُ مَالِكٌ كِتَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ إيراد إحياء الموات بعد الكراهية؛ لما فيه من مسائل الكراهة، أو لأن إحياء الأرض إحياء صورةً، فكان المراد منه التسبب للحياة النامية، فكان قريبًا إلى حقيقة الإحياء، كما أن الكراهة حرمة صورة، وقريب إلى الحرمة القطعية، كذا قيل. ومحاسن الإحياء ظاهرة؛ لما فيه من عمارة الأرض وحصول المنافع منها، قال أبو نصر: المراد من الحياة هاهنا الحياة النامية، قال تعالى: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [فاطر: ٩] وسُمِّي مواتًا لبطلان الانتفاع بها، ويقال ميتة، ويقال: موتانا بضم الميم وسكون الواو. قوله: (أو ما أشبه ذلك)؛ بأن صارت سبخة أو غلبت الرمال عليها. قوله: (فما كان منها عاديًا) أي: قدم خرابه لا أن يكون منسوبًا إلى عاد، وينسب كل أثر قديم إليهم؛ لتقدمهم، قال ﷺ : «عادِيُّ الأَرضِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، ثُمَّ هو بَعْدُ مِنِّي لَكُمْ» رواه سعيد بن منصور في سننه وأبو عبيد (١). قوله: (أو كان مملوكًا في دار الإسلام لا يعرف له مالك) هذا قول بعض المشايخ. وقد ذكر في الذخيرة: الأراضي المملوكة في دار الإسلام إذا انقرض أهلها

стр. 6703

بِعَيْنِهِ، وَهُوَ بَعِيدٌ مِنْ القَرْيَةِ، بِحَيْثُ إِذَا وَقَفَ إِنْسَانٌ مِنْ أَقْصَى العَامِرِ فَصَاحَ لَا يُسْمَعُ الصَّوْتُ فِيهِ: فَهُوَ مَوَاتٌ) قَالَ ﵁: هَكَذَا ذَكَرَهُ القُدُورِيُّ، وَمَعْنَى العَادِيِّ. مَا قَدُمَ خَرَابُهُ. وَالمَرْوِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: أَنَّهُ يَشْتَرِطُ أَنْ لَا يَكُونَ مَمْلُوكًا لِمُسْلِمٍ، أَوْ ذِمِّي، مَعَ انْقِطَاعِ الارْتِفَاقِ بِهَا، لِيَكُونَ مَيْتَةً مُطْلَقًا، فَأَمَّا الَّتِي هِيَ مَمْلُوكَةٌ لِمُسْلِمٍ، أَوْ ذِمِّي (*) لَا تَكُونُ مَوَاتًا، وَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ مَالِكُهُ، تَكُونُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ مَالِكٌ يُرَدُّ عَلَيْهِ، وَيَضْمَنُ الزَّارِعُ نُقْصَانَهَا، وَالبُعْدُ عَنِ الْقَرْيَةِ عَلَى مَا قَالَ: شَرَطَهُ أَبُو يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَا يَكُونُ قَرِيبًا مِنْ القَرْيَةِ لَا يَنْقَطِعُ ارْتِفَاقُ أَهْلِهَا عَنْهُ، فهي كاللقطة، فلا يجوز إحياؤها، وبه قال الشافعي في قول وأحمد في رواية؛ لقوله ﷺ : ﴿مَنْ أَحْيَا أرضًا مَواتًا في غيرِ حَقٌّ مسلم﴾ (١) ولأن لها مالكا فلم يجز (٢) إحياؤها، كما لو كان مالكها معينًا. وقيل: كالموات فتملك بالإحياء، وبه قال الشافعي في قول وأحمد في رواية ومالك؛ لعموم قوله ﷺ : ﴿مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ﴾ (٣). وقوله: (فأما التي هي مملوكة) إلى قوله: (وإذا لم يعرف مالكه يكون لجماعة المسلمين) كمن مات وترك مالا ولم يترك وارثا، فلا يكون لواحد أن يتملك على التخصيص، فكذا هذا. قوله: (على ما قال) أي: القدوري (شرطه أبو يوسف) وهو قوله: (إذا وقف إنسان من أقصى العامر فصاح لا يسمع الصوت). قال قاضي خان: وأصح ما قيل فيه: أن يقف الرجل على طرف عمران القرية فينادي بأعلى صوته، فإلى أي موضع ينتهي إليه صوته فيكون من فناء العامر.

стр. 6704

فَيُدَارُ الحُكْمُ عَلَيْهِ. وَمُحَمَّدٌ ﵀ اعْتَبَرَ انْقِطَاعَ ارْتِفَاقِ أَهْلِ القَرْيَةِ عَنْهَا حَقِيقَةٌ، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ القَرْيَةِ، كَذَا ذَكَرَهُ الإِمَامُ المَعْرُوفُ بِخُوَاهَرْ زَادَهُ ﵀ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ ﵀ اعْتَمَدَ عَلَى مَا اخْتَارَهُ أَبُو يُوسُفَ (ثُمَّ مَنْ أَحْيَاهُ بِإِذْنِ الإِمَامِ مَلَكَهُ، وَإِنْ أَحْيَاهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ: لَمْ يَمْلِكُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: يَمْلِكُهُ) (*) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وفي الذخيرة: ينادي جهوري الصوت بأعلى صوته على مكان عال، فالموضع الذي لا يسمع صوته يكون بعيدًا، وعن أبي يوسف في رواية أن البعيد قدر غلوة. قوله: (فَيُدارُ الحُكْمُ عليه) أي: على القرب الذي هو دليل الارتفاق وعدمه؛ إذ الارتفاق مخفي لا يطلع عليه بعض الناس؛ لتفاوته بكثرة المواشي وقلته، فجعلنا القرب مقام الارتفاق، كما في السفر مقام المشقة، والحاصل أن عند أبي يوسف يدار الحكم على القرب والبعد، وعند محمد على حقيقة الارتفاق وعدمها، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد. وأجمعوا على أن ما قرب من العامر وتعلق بمصالحه لا يجوز إحياؤه؛ لما روينا أنه ﷺ قال: «مَنْ أَحْيَا أرضًا مَواتًا في غيرِ حَقٌّ مُسلم … » الحديث (١)، فقد شرط عدم تعلق حق الغير به، ولأن التحديد لا يعرف إلا بالتوقيف، ولا توقيف. قال ابن قدامة في المغني (٢): التحديد تَحَكُّم، ولم يرد الشرع [به] (٣). أجيب: ليس كذلك؛ لما قلنا أن تعلق حق الغير مخفي، فيدار الحكم على دليله، وهو القرب، والظاهر أن الارتفاق لا ينقطع بالمقدار الذي قلنا. قوله: (بغير إذنه) أي: إذن الإمام لم يملكه عند أبي حنيفة، وعندهما يملكه، وبه قال الشافعي وأحمد، وأصبغ وسحنون المالكيان، وقال مالك: إن كان قريبًا من العامر في موضع يتسامح الناس فيه افتقر إلى إذن الإمام، وإلا فلا.

стр. 6705

وَالسَّلَامُ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» وَلِأَنَّهُ مَالٌ مُبَاحٌ سَبَقَتْ يَدُهُ إِلَيْهِ فَيَمْلِكُهُ كَمَا فِي الحَطَبِ وَالصَّيْدِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: قَوْلُهُ ﵊: «لَيْسَ لِلْمَرْءِ إِلَّا مَا طَابَتْ نَفْسُ إِمَامِهِ بِهِ». لَهُمَا؛ قَوْلُهُ ﷺ : «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا … » الحديث (١)، فإذن رسول الله ﷺ أعلى من إذن الإمام، كما في الحطب والصيد، يعني لو أخذ حطبا أو صيدا أو حشيشا فيه تملكه بدون إذنه، وكذا لو وجد مَعدِنًا أو رِكَازًا في موضع لا حق لأحد فيه يكون له بدون إذنه. ولأبي حنيفة ﵀ قوله ﷺ : «إِلَّا مَا طَابَتْ نَفْسُ إِمَامِهِ» (٢) وهذا نص عام يتناول الأمور التي يحتاج فيها إلى رأي الإمام، والتدبير في الأرض العادية للإمام؛ لأن حكمها حكم الغنيمة، وقوله ﷺ : «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا … » (٣) الحديث لبيان السبب، وبه نقول، لكن الإذن شرط، وليس فيه ما ينفي هذا الشرط، وقد دل الدليل على اشتراطه، وهو قوله ﷺ : «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (٤)؛ لأن السبق على رأي الإمام والأخذ بطريق التغالب في معنى بعرق ظالم، فينبغي أن يشترط. وقال الطحاوي: إن رجلًا بالبصرة قال لأبي موسى: أقطعني أرضًا لا تضر بأحد من المسلمين ولا أرض خراج أن أتخذها قصبًا وزيتونا، فكتب أبو موسى إلى عمر، فكتب عمر إليه: أقطعها إياه؛ فإن رقاب الأرض لنا، فدل أن رقاب الأرض لأئمة المسلمين، وقال ﷺ : «لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ» متفق عليه (٥)، فدل أن حكم الأراضي إلى الإمام، وروي عن ابن عباس عن صعب بن جثامة أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَا إِحْيَاءَ

стр. 6706

وَمَا رَوَيَاهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ إِذْنٌ لِقَوْمٍ لَا نَصْبٌ لِشَرْعٍ، وَلِأَنَّهُ مَغْنُومٌ لِوُصُولِهِ إِلَى يَدِ المُسْلِمِينَ بِإِيجَافِ الخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ بِدُونِ إِذْنِ الْإِمَامِ كَمَا فِي سَائِرِ الغَنَائِمِ. وَيَجِبُ فِيهِ العُشْرُ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ تَوْظِيفِ الخَرَاجِ عَلَى المُسْلِمِ لَا يَجُوزُ، إِلَّا إِذَا سَقَاهُ بِمَاءِ الخَرَاجِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ إِبْقَاءُ الخَرَاجِ عَلَى اعْتِبَارِ المَاءِ. فَلَوْ أَحْيَاهَا، ثُمَّ تَرَكَهَا فَزَرَعَهَا غَيْرُهُ، فَقَدْ قِيلَ: الثَّانِي أَحَقُّ بِهَا؛ إلَّا اللَّهِ وَلِرَسُولِهِ» (١). قوله: (وما روياه محمول على الإذن لقوم مخصوصين لا لأنه نصب شرعًا كما في قوله ﷺ : ﴿مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ﴾ (٢)، وإن كان يحتمل نصب الشرع فيكون محتملا، فلم يصلح معارضًا لما رواه أبو حنيفة؛ لأنه لا يحتمل إلا وجها واحدًا، فيحمل ذلك على الإذن عملا بالدليلين. قوله: (كما في سائر الغنائم) أي: التي لم تقسم، وفي بعض النسخ: (المغانم). قوله: (فقد قيل: الثاني أَحَقُّ بها … ) إلى آخره، أصل هذا أن من أحيا أرضًا ميتة هل يملك رقبتها؟ قال بعض المشايخ، منهم أبو القاسم أحمد البلخي: لا يملك، ويملك ملك استغلالها، وبه قال الشافعي في قول؛ لأنه قال ﷺ في حديث: «فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» (٣) فدل أن قوله ﷺ : «فَهِيَ لَهُ» (٤) إضافة التخصيص، أي: هو المنتفع به بدون ملك، كما مر النبي ﷺ بحائط، فقال النبي ﷺ : «لمن هذا؟» فقال رافع بن خديج: لي يا رسول الله، استأجرته (٥).

стр. 6707

لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَلَكَ اسْتِغْلَالَهَا لَا رَقَبَتَهَا، فَإِذَا تَرَكَهَا كَانَ الثَّانِي أَحَقَّ بِهَا. وَالْأَصَحُّ: أَنَّ الْأَوَّلَ يَنْزِعُهَا مِنْ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا بِالإِحْيَاءِ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ الحَدِيثُ، إذ الإِضَافَةُ فِيهِ بلام التَّمْلِيكِ وَمِلْكُهُ لَا يَزُولُ بِالتَّرْكِ. وَمَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً ثُمَّ أَحَاطَ الإِحْيَاءُ بِجَوَانِبِهَا الْأَرْبَعَةِ مِنْ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَلَى التَّعَاقُبِ؛ فَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّ طَرِيقَ الأَوَّلِ فِي الْأَرْضِ الرَّابِعَةِ، لِتَعَيُّنِهَا لِتَطَرُّقِهِ وَقَصْدُ الرَّابِعِ إِبْطَالُ حَقِّهِ. قَالَ: (وَيَمْلِكُهُ الذِّمِّيُّ بِالإِحْيَاءِ كَمَا يَمْلِكُهُ المُسْلِمُ)؛ لِأَنَّ الإِحْيَاءَ سَبَبُ المِلْكِ، وعند عامة المشايخ يملك رقبته، وبه قال الشافعي في قول ومالك وأحمد؛ لقوله ﷺ : «فهي له» واللام للملك إذا قوي الاختصاص به كما بُيِّنَ في الأصول، فلا يعارض بعارض، وملكه لا يزول بتركه. قوله: (لِتَعَيُّنِها) أي: الأرض الرابعة (لِتَطَرُّقِهِ) فإن من أحيى أرضا يملك مرافق الإحياء تبعًا له، ففي الأرض يملك طريقها (١)، ومغيض الماء، وبيدر زرعها وما لا يستغني عنه من مرافقها بالإجماع، فعند أبي حنيفة مرافقها إن لم يبلغه ماؤها وبَعُدَ منها، وعند أبي يوسف حريمها ما انتهى إليه صوت المنادي من حدودها. قوله: (وَيَمْلِكُ الدِّمِّيُّ بالإحياء كما يملكه المسلم) وبه قال مالك وأحمد؛ لعموم الحديث، ولأن الكافر يملك المباح بالاستيلاء. وقال الشافعي وأحمد في رواية: لا يملك الذمي بالإحياء في دار الإسلام؛ لقوله ﷺ : «مَوَتان الأرض اللهِ ورسولِهِ، ثُم هِيَ لَكُمْ مِنِّي» (٢) فجمع الموتان ثم جعله للمسلمين، ولأن موتان الدار من حقوقها، والدار للمسلمين فكان مواتها لهم كمرافق المملوك، وفي الحديث الذي رواه: «عادِيُّ الأرض الله ولرسوله، ثم لَكُمْ بَعدِي ومَن أحيا مواتًا مِنَ الأرضِ فلهُ رَقبتها» (٣) هكذا رواه سعيد بن

стр. 6708

إِلَّا أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إِذْنَ الإِمَامِ مِنْ شَرْطِهِ، فَيَسْتَوِيَانِ فِيهِ كَمَا فِي سَائِرِ أَسْبَابِ المِلْكِ حَتَّى الاسْتِيلَاءِ عَلَى أَصْلِنَا. قَالَ: (وَمَنْ حَجَرَ أَرْضًا وَلَمْ يَعْمُرْهَا ثَلَاثَ سِنِينَ: أَخَذَهَا الإِمَامُ وَدَفَعَهَا إِلَى غَيْرِهِ) لِأَنَّ الدَّفْعَ إِلَى الْأَوَّلِ كَانَ لِيَعْمُرَهَا فَتَحْصُلُ المَنْفَعَةُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ حَيْثُ العُشْرُ، أَوْ الخَرَاجُ. فَإِذَا لَمْ تَحْصُلْ يَدْفَعُ إِلَى غَيْرِهِ تَحْصِيلًا لِلْمَقْصُودِ، وَلِأَنَّ التَّحْجِيرَ لَيْسَ بِإِحْيَاءٍ لِيَمْلِكَهُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ إِنَّمَا هُوَ العِمَارَةُ وَالتَّحْجِيرُ الإِعْلَامُ، سُمِّيَ بِهِ: لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُعَلِّمُونَهُ بِوَضْعِ الْأَحْجَارِ حَوْلَهُ أَوْ يُعَلِّمُونَهُ لِحَجْرِ غَيْرِهِمْ عَنْ إِحْيَائِهِ فَبَقِيَ غَيْرَ مَمْلُوكٍ كَمَا كَانَ، هُوَ الصَّحِيحُ. وَإِنَّمَا منصور، وهو مرسل، رواه طاوس عن النبي ﷺ ، والعجب من الشافعي أنه لم يعمل بالمرسل، وقد عمل به، وأما قوله: موتان الدار من حقوقها، والدار للمسلمين. قلنا: الذمي بعقد الذمة يصير من أهل دارنا، وله مرافق دار الإسلام، فيملك بالإحياء كما يملك مباحاتها حتى الاستيلاء على أصلنا، يعني الكافر مال الكافر بالاستيلاء، كما يملك المسلم عندنا، خلافًا للشافعي. قوله: (هو الصحيح)؛ احتراز عما روي عن بعض مشايخنا أنه يصير ملكا للمحجر. ذكره في المحيط. وذكر خواهر زاده أن التحجير يفيد ملكًا مؤقتًا إلى ثلاث سنين، وبه قال بعض أصحاب الشافعي في الأصح وأحمد، لكن يصير هو أحق به؛ لما روي عن النبي ﷺ : «من سبق [إلى] (١) ما لَمْ يسبق إليه مسلم فهو أحقُّ به» رواه أبو داود (٢)، وروى سعيد في سننه أن عمر قال: من تحجر أرضًا يعطلها ثلاث سنين، فجاء قوم فعمروها فهم أحق بها، وهذا يدل على أن من عمرها قبل مضي المدة، وهو قولنا؛ لأن الإحياء سبب الملك بالحديث، والتحجير لم يكن

стр. 6709

شَرَطَ تَرْكَ ثَلَاثِ سِنِينَ لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁: لَيْسَ لِمُتَحَجِّرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ سِنِينَ حَقٌّ. وَلِأَنَّهُ إِذَا أَعْلَمَهُ لَا بُدَّ مِنْ زَمَانٍ يَرْجِعُ فِيهِ إِلَى وَطَنِهِ، وَزَمَانٍ يُهَيِّئُ أُمُورَهُ فِيهِ، ثُمَّ زَمَانٍ يَرْجِعُ فِيهِ إِلَى مَا يَحْجُرُهُ، فَقَدَّرْنَاهُ بِثَلَاثِ سِنِينَ؛ لِأَنَّ مَا دُونَهَا مِنْ السَّاعَاتِ وَالأَيَّامِ وَالشُّهُورِ لَا يَفِي بِذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يَحْضُرْ بَعْدَ انْقِضَائِهَا، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَرَكَهَا. قَالُوا: هَذَا كُلُّهُ دِيَانَةٌ، فَأَمَّا إِذَا أَحْيَاهَا غَيْرُهُ قَبْلَ مُضِيّ هَذِهِ المُدَّةِ: مَلَكَهَا، لِتَحَقَّقِ الإِحْيَاءِ مِنهُ دُونَ الأَوَّلِ، وَصَارَ كَالِاسْتِيَامِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ، وَلَوْ فُعِلَ: يَجُوزُ العَقْدُ. ثُمَّ التَّحْجِيرُ قَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ الحَجَرِ، بِأَنْ غَرَزَ حَوْلَهَا أَغْصَانًا يَابِسَةٌ، أَوْ نَقَّى الْأَرْضَ وَأَحْرَقَ مَا فِيهَا إحياء إلا أن له ولاية المنع؛ لأنه سبق بما لم يسبق به أحد، ولكن يكره؛ لتعلق حق الغير به كالاستيام. قوله: (لا يفي بذلك) أي: بالرجوع إلى وطنه وتهيئة أمور الزراعة ورجوعه إلى ما يحجره؛ لأن دار الإسلام من أدناها إلى أقصاها تقطع في سنة، فلعله إنما يُحجِّر في أقصى طرف دار الإسلام، وبلده في الطرف الآخر من دار الإسلام، ولإصلاح أموره في بلده سنة، وللرجوع إلى ذلك الموضع [سنة] (١)؛ فلا ينبغي أن يشتغل بإحياء ذلك الموضع غيره إلى ثلاث سنين، وينتظره، وبعد مضي هذا الظاهر أنه قد بدا له، وأنه لا يريد الرجوع إليها، فجاز إحياء غيره. قوله: (ثم التحجير قد يكون بغير الحجر). في المبسوط (٢): من الحَجْرِ، وهو المنع، فإنه من أعلم موضعا من الموات بعلامة فكأنه يمنع الغير من إحياء ذلك الموضع فسمي فعله تحجيرًا، فيكون بغير حجر كما ذكر في الكتاب. وفي المغرب (٣): الأصح في قول عمر: ليس للمُحْتَجِرِ، مِنْ احْتَجَرَ الأرض، أي: أَعْلَمَ عَلَمًا في حدودها، وإن روي: ليس للمحتجر. وفي الصحاح (٤): التحجير أن يسم حول عين البعير بميسم مستدير،

стр. 6710

مِنْ الشَّوْكِ، أَوْ خَضَدَ مَا فِيهَا مِنْ الحَشِيشِ أَوْ الشَّوْكِ، وَجَعَلَهَا حَوْلَهَا وَجَعَلَ التَّرَابَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُتِمَّ المُسَنَّاةَ لِيَمْنَعَ النَّاسَ مِنْ الدُّخُولِ، أَوْ حَفَرَ مِنْ بِثْرٍ ذِرَاعًا أَوْ ذِرَاعَيْنِ، وَفِي الأَخِيرِ وَرَدَ الخَبَرُ. وَلَوْ كَرَبَهَا وَسَقَاهَا، فَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ إحْيَاءٌ، وَلَوْ فَعَلَ أَحَدَهُمَا يَكُونُ تَحْجِيرًا، وَلَوْ حَفَرَ أَنْهَارَهَا وَلَمْ يَسْقِهَا: يَكُونُ تَحْجِيرًا، وَإِنْ سَقَاهَا مَعَ حَفْرِ الأَنْهَارِ: كَانَ إِحْيَاءٌ لِوُجُودِ الفِعْلَيْنِ، وَلَوْ حَوَّطَهَا، أَوْ سَنَّمَهَا بِحَيْثُ يَعْصِمُ المَاءَ: يَكُونُ إِحْيَاءٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ البِنَاءِ، وَكَذَا إِذَا بَذَرَهَا. قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ إِحْيَاءُ مَا قَرُبَ مِنْ العَامِرِ، وَيُتْرَكُ مَرْعَى لِأَهْلِ القَرْيَةِ … ... … ويقال: حجر القمر: إذا استدار بخط رقيق من غير أن يغلظ، وهذا يدل على أنه متحجر. قوله: (ولو فعل أحدهما يكون تحجيرًا). وفي المبسوط (١): ولو كربها، أو شق لها نهرًا، وضرب عليها المسناة، فهو إحياء. وفي المحيط: عن أبي حنيفة: من حفر فيها بئرًا، وساق إليها ماء فقد أحياها زرعها أو لا، ولو حفر فيها أنهارًا لم يكن إحياء، إلا أن يُجري فيها ماء فيكون إحياء. قوله: (وفي الأخير) وهو حفر البئر (ورد الخبر) قوله ﷺ : «من حفر بئرا مقدار ذراع فهو مُتحَجِّرُ» (٢). وعند أحمد: ما لم يخرج الماء فهو متحجر، وإن خرج لا. قوله: (ولا يجوز إحياء ما قرب من العامر) ولا يعلم فيه خلاف لأهل العلم. قوله: (حقيقتها) أي: عند محمد (ودليلها) أي: عند أبي يوسف (على ما بينا) (٣) أراد به قوله: (ومحمد اعتبر الارتفاق … ) إلى آخره. وأما (ما قرب من العامر) ولم يتعلق بمصالحه لا يجوز إحياؤه، وبه قال

стр. 6711

وَمَطْرَحًا لِحَصَائِدِهِمْ) لِتَحَقُّقِ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا حَقِيقَةٌ، أَوْ دَلَالَةٌ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، فَلَا يَكُونُ مَوَاتًا، لِتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِهَا بِمَنْزِلَةِ الطَّرِيقِ وَالنَّهْرِ. عَلَى هَذَا قَالُوا: لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْطَعَ مَا لَا غِنَّى بِالمُسْلِمِينَ عَنْهُ، كَالمِلْحِ وَالآبَارِ الَّتِي يَسْتَقِي النَّاسُ مِنهَا لِمَا ذَكَرْنَا. أحمد في رواية والليث. وقال الشافعي وأحمد في رواية: يجوز إحياؤها؛ لأنه موات في دار الإسلام، ولم يتعلق به حق لأحد. وقال مالك: أهل العامر أحق بإحيائه من غيرهم؛ لتعلق حقهم به في الجملة. وقلنا: تعلق حقهم به لجواز أن يحتاجوا إلى فتح باب حائط إليه، أو جعله مسرحة، أو مربضة للغنم، أو بيدرة للزراع، أو (مَطْرَحًا لحصائدهم)؛ فلم يجز تفويت ذلك عليهم، بخلاف البعيد. قوله: (لا يجوز أن يُقْطِعَ) يقال أقطع السلطان أرضًا: هو إعطاؤه إياها، وتخصيصه بها. كذا في الطلبة. (ما لا غنى للمسلمين عنه) أي: لا بد لهم منه (كالملح والآبار التي يستقي الناس) أو المرعى التي يحتاج الناس إليه؛ لتحقق حاجتهم إليه. وقوله: (لما ذكرنا) إشارة إلى قوله: (لتعلق حقهم بها) ولا يعلم فيه خلاف. وروى الترمذي وأبو داود (١) وأبو عبيد بإسنادهم عن أبيض بن حمال أنه استقطع النبي ﷺ الملح الذي بمأرب، فلما وَلَّى قيل: يا رسول الله، أتدري ما أقطعته له؟ إنما أقطعته الماء العِدَّ، يعني أنه لا ينقطع، فَرَجَعَهُ فقال: «فلا إِذَنْ». وعن هذا قال مشايخنا: من السُّحْتِ؛ ما يأخذه الرعاة والولاة على الماء والكلا والجبال، والمروج والمعادن والملح وجميع المباحات. ذكره في التتمة والقنية والمجتبى وغيرها، ولا يعلم فيه خلاف. وأما الحمى، وهو أن يحمي السلطان أرضًا من الموات يمنع الناس رعي ما فيها يختص بها نفسه دونهم كالعرب في الجاهلية يفعلون ذلك، فعندنا لا يجوز.

стр. 6712

قَالَ: (وَمَنْ حَفَرَ بِثْرًا فِي بَرِّيَّةٍ: فَلَهُ حَرِيمُهَا وَمَعْنَاهُ: إِذَا حَفَرَ فِي أَرْضِ مَوَاتٍ بِإِذْنِ الإِمَامِ عِنْدَهُ، أَوْ بِإِذْنِهِ وَبِغَيْرِ إِذْنِهِ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ حَفْرَ البِئْرِ إِحْيَاءٌ، قَالَ: (فَإِنْ كَانَتْ لِلْعَطَنِ: فَحَرِيمُهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا) لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ حَفَرَ بِثْرًا فَلَهُ مِمَّا حَوْلَهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا عَطَنًا لِمَاشِيَتِهِ» أما لو حمى لرعي خيل المجاهدين ونَعَم الجزية، وإبل الصدقة وخيول الناس التي للإمام يقوم لحفظها، وماشية الضعيف من الناس فيجوز، وبه قال الشافعي في الصحيح ومالك وأحمد. وقال الشافعي في قول: ليس لغير النبي ﷺ أن يحمي؛ لقوله ﷺ : «لا حِمَى إِلَّا الله ورسوله» (١). وقلنا: إن عمر وعثمان حَمَيًا، واشتهر ذلك في الصحابة، ولم ينكر عليهما أحد، فكان إجماعًا، وقال مالك: بلغني أن عمر كان يحمي في كل عام على أربعين ألفًا من الظهر، ولأن ما كان لمصالح المسلمين فالأئمة فيه مقام النبي ﷺ ، وقد روي أنه ﷺ قال: «ما أطعم اللهُ لِنَبِيِّ طُعمةً إِلَّا جَعلَها طُعْمَةً لِمَنْ بعده» (٢)، وأما الخبر فمعناه أنه ﷺ يختص بفعل الحمى لا لكل أحد، وللأئمة بعده مقامه؛ إذ الحمى لنفسه مخصوص به. قوله: (فإن كانت للعطن) والعطن مباح للإبل ومبركها حول الماء (فحريمها أربعون ذراعًا) وقال الشافعي ومالك والقاضي وأبو الخطاب الحَنْبَلِيان: حريم البئر: ما لا بد لها منه. وقال أحمد: خمسة وعشرون، إلا أن تكون عادية، بتشديد الياء، فحريمها خمسون ذراعًا؛ لقوله ﷺ : «حَريمُ البئرِ البَدِي خمس وعشرون ذراعًا، وحريم البئر العادي خمسون» (٣). ولنا ما روى أبو هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: «حريم البئر أربعون ذراعًا

стр. 6713

ثُمَّ قِيلَ: الأَرْبَعُونَ مِنْ كُلِّ الجَوَانِبِ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ مِنْ كُلِّ جَانِبِ؛ لِأَنَّ فِي الأَرَاضِي رَخْوَةٌ وَيَتَحَوَّلُ المَاءُ إِلَى مَا حُفِرَ دُونَهَا (وَإِنْ كَانَتْ لِلنَّاضِحِ: فَحَرِيمُهَا سِتُّونَ ذِرَاعًا، وَهَذَا عِنْدَهُمَا. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا) لَهُمَا: قَوْلُهُ عَلَيْهِ لأعطان الإبل والغنم» (١)، والشافعي لم ير التحديد، وحمل اختلاف الروايات على اختلاف القدر المحتاج إليه، والمراد من البَدِيِّ: الذي أحدث في الإسلام، ولم تكن عادية. قوله: (وهذا عندهما) أي: كون حريم بئر الناضح ستين ذراعًا، إلا أن يكون رشاؤها أبعد من ذلك؛ لما روي أنه ﷺ قال: «حَرِيمُ البِثْرِ مَدُّ رِشائِها» رواه ابن ماجة (٢). وفي مبسوط البكري: وعن محمد في النوادر: إن كان الحبل سبعين فيكون الحريم سبعين ذراعًا؛ لأن في بعض البلاد الناضح لا يدور حول البئر كما في الطاحونة، بل يشد أحد طرفيه على البعير والآخر على الدولاب فوق الماء، ثم يساق البعير، فلما سار مقدار الحبل ارتفع الدلو إلى رأس البئر، فيؤخذ الدلو ويصب في الحوض، فمتى كان الحبل أكثر من سبعين لعمق البئر، فلو قدرناه بالستين لا يمكنه الانتفاع بها. والنَّاضِحُ: البعير الذي يُستقَى به. كذا في المغرب (٣). قوله: (ثم قيل: الأربعون من كل الجوانب من كل جانب عشرة؛ لأن الشرع جاء بأربعين، وقال ﷺ : «فله مما حولها أربعون ذراعًا» (٤) وما قال: من

стр. 6714

الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «حَرِيمُ العَيْنِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ. وَحَرِيمُ بِئْرِ العَطَنِ أَرْبَعُونَ (*) ذِرَاعًا، وَحَرِيمُ بِئْرِ النَّاضِحِ سِتُّونَ ذِرَاعًا» وَلِأَنَّهُ قَدْ يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى أَنْ يُسَيِّرَ دَابَّتَهُ لِلِاسْتِقَاءِ، وَقَدْ يَطُولُ الرِّشَاءُ، وَبِثْرُ العَطَنِ لِلِاسْتِقَاءِ مِنهُ بِيَدِهِ، فَقَلَّتْ الحَاجَةُ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّفَاوُتِ. وَلَهُ: مَا رَوَيْنَا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، … ... كل جانب، ولهذا دخلت حرف التبعيض في الحول، فيجب أن يكون له بعض المقدار، ولهذا جاء في رواية: «حَريمُ البئر أربعون» (١) فما اختصه بجانبه. وجه الصحيح أنه ﷺ أدخل كلمة (من) في (الحول)، وهي للتبعيض مرة، حيث لم يدخل ما وراء الأربعين، واسم الحول ينطلق عليها، فلا يعمل مرة أخرى، كما إذا قلنا: باب من حديد يوجب تبعيض الحديد لا الباب، فقد رُوِيَ: «ما حولها (٢) من غير كلمة (من) إليه أشار في مبسوط شيخ الإسلام. ولأن المقصود دفع الضرر عن صاحب البئر الأول؛ لكيلا يحفر أحد في حريمه بئرًا أخرى فيتحول إليها ماء بئره، وهذا الضرر لا يندفع بعشرة أذرع من كل جانب، فإن الأراضي تختلف صلابة ورخاوة، وفيما مقدار أربعين من كل جانب يندفع هذا الضرر بيقين. (وله) أي: لأبي حنيفة (ما رويناه من غير فصل) فهو حجة عليهما. فإن قيل: لما قيد في ذلك الحديث عَطَنَا لِماشِيَتِهِ» على أن أربعين للعطن، فكيف يكون رواية ذلك الحديث من غير فصل بين العطن والناضح؟ قلنا: ذكر ذلك اللفظ للتغليب لا للتقييد (٣)، فإن الغالب في انتفاع الآبار في الفلوات بهذا الطريق، فيكون ذكر الظن باعتبار الغالب، كما في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] قيد بالبيع؛ لما أن الغالب في ذلك اليوم البيع، وكذا قوله: ﴿يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] فالوعيد لا يختص بالأكل، ولكن الغالب من أمره الأكل، فأخرجه على ما عليه الغالب، كذا قيل، وفيه نوع تأمل.

стр. 6715

وَالعَامُّ المُتَّفَقُ عَلَى قَبُولِهِ وَالعَمَلِ بِهِ أَوْلَى عِنْدَهُ مِنْ الخَاصُ المُخْتَلَفِ فِي قَبُولِهِ وَالعَمَلِ بِهِ، وَلِأَنَّ القِيَاسَ يَأْبَى اسْتِحْقَاقَ الحَرِيمِ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ فِي مَوْضِعِ الحَفْرِ، وَالِاسْتِحْقَاقُ بِهِ، فَفِيمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الحَدِيثَانِ تَرَكْنَاهُ وَفِيمَا تَعَارَضَا فِيهِ حَفِظْنَاهُ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ يُسْتَقَى مِنْ العَطَنِ بِالنَّاضِحِ، وَمِنْ بِئْرِ النَّاضِحِ بِاليَدِ، فَاسْتَوَتْ الحَاجَةُ فِيهِمَا، قوله: (والعام المُتَّفَقُ على قَبولِهِ أَوْلَى عنده) أي: عند أبي حنيفة، ولهذا رجح قوله: «وما أَخْرَجَتِ الأرضُ ففيه العُشْرُ» (١) على قوله: «ليس فيما دونَ خمسةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» (٢) وعلى قوله: ليس في الخضراوات [صدقةٌ] (٣) (٤) ورجح أصحابنا قوله: «التمرُ بِالتَّمْرِ مِثلًا … » (٥) على خبر العرايا، وقد مر في البيوع، وفيه نوع تأمل. قوله: (والاستحقاق به)؛ أي بالعمل، ولا عمل في غير موضع البئر، وكان ينبغي ألا يستحق شيئًا من الحريم، ولكنا تركنا القياس بالنص (ففيما اتفق عليه الحديثان) وهو أربعون ذراعًا (تركناه) أي: القياس (وفيما تعارضا) أي: الحديثان (حفظناه)؛ [أي] (٦): القياس. قوله: (فاستوت الحاجة فيهما). ولا يقال: إن بئر الناضح الغالب فيها البعير لا اليد؛ للحرج. لأنا نقول: بئر الناضح عندهما لا على حسب ما يكون في بلادنا أن البعير

стр. 6716

وَيُمْكِنُهُ أَنْ يُدِيرَ البَعِيرَ حَوْلَ البِئْرِ فَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى زِيَادَةِ مَسَافَةٍ: قَالَ: (وَإِنْ كَانَتْ عَيْنًا فَحَرِيمُهَا خَمْسِمِائَةِ ذِرَاعٍ) لِمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّ الحَاجَةَ فِيهِ إِلَى زِيَادَةِ مَسَافَةٍ؛ لِأَنَّ العَيْنَ تُسْتَخْرَجُ لِلزِّرَاعَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ مَوْضِعِ يَجْرِي فِيهِ المَاءُ، وَمِنْ حَوْضِ يَجْتَمِعُ فِيهِ الماء. وَمِنْ مَوْضِعِ يُجْرَى فِيهِ إِلَى المَزْرَعَةِ، فَلِهَذَا يُقَدَّرُ بِالزِّيَادَةِ، وَالتَّقْدِيرُ بِخَمْسِمِائَةٍ بِالتَّوْقِيفِ. وَالأَصَحُ: أَنَّهُ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ كُلِّ جَانِبِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي العَطَنِ، وَالذَّرَاعُ: هِيَ المُكَسَّرَةُ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ. وَقِيلَ: إِنَّ التَّقْدِيرَ فِي العَيْنِ وَالبِئْرِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَرَاضِيهِمْ، لِصَلَابَةٍ بِهَا، وَفِي أَرَاضِينَا رَخَاوَةٌ فَيُزَادُ كَيْ لَا يَتَحَوَّلَ المَاءُ إِلَى الثَّانِي، فَيَتَعَطَّلَ الأَوَّلُ. قَالَ: (فَمَنْ يدور حول البئر، كما في الطاحونة، ولكن عندهما بئر الناضح أن يشد الحبل في وسط البعير، ويشد الدلو في الطرف الآخر من الحبل، ثم يساق، فإذا ساق مقدار الحبل يقع الدلو في رأس البئر، فيؤخذ الماء، فإذا كان بئر الناضح عندهما على هذا التفسير يمكنه نزع الماء باليد، ويمكن في العطن بالناضح أيضًا، فاستويا. كذا في المبسوط (١) والذخيرة. قوله: (فحريمها) أي: حريم العين (خمسمائة ذراع؛ لما روينا) وعند الأئمة الثلاثة بقدر ما لا بد له في الارتفاق بحسب العادة. قوله: (والذراع هي المُكَسَّرَة) وهو ست قبضات ذراع العامة، وإنما وصف بذلك لأنها نقصت عن ذراع المَلِكِ، والمَلِكُ بعض الأكاسرة، وكانت ذراعه سبع قبضات، كل قبضة أربع أصابع. كذا في المغرب (٢) والخصائل. قوله: (وقد بيناه) أي: الوجه في أن الخمسمائة تعتبر من كل جانب، ولكن لم يذكر بيان الذراع. قوله: (فيزاد) أي: فيزاد في الحريم بقدر ما لا يتعطل البئر الأول.

стр. 6717

أَرَادَ أَنْ يَحْفِرَ فِي حَرِيمِهَا: مُنِعَ مِنهُ) كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إِلَى تَفْوِيتِ حَقِّهِ وَالإِخْلَالِ بِهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ بِالحَفْرِ مَلَكَ الحَرِيمَ ضَرُورَةً تُمَكِّنُهُ مِنْ الانْتِفَاعِ بِهِ، فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ؛ فَإِنْ احْتَفَرَ آخَرُ بِثْرًا فِي حَرِيمِ الأَوَّلِ: لِلْأَوَّلِ أَنْ يُصْلِحَهُ وَيَكْبِسَهُ تَبَرُّعًا، وَلَوْ أَرَادَ أَخْذَ الثَّانِي فِيهِ، قِيلَ: لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيَكْبِسَهُ؛ لِأَنَّ إِزَالَةَ جِنَايَةِ حَفْرِهِ بِهِ كَمَا فِي الكُنَاسَةِ يُلْقِيهَا فِي دَارِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِرَفْعِهَا، وَقِيلَ: يُضَمِّنُهُ النُّقْصَانَ ثُمَّ يَكْبِسُهُ بِنَفْسِهِ كَمَا إِذَا هَدَمَ جِدَارَ غَيْرِهِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ذَكَرَهُ فِي أَدَبِ القَاضِي لِلْخَصَّافِ. وَذَكَرَ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ النُّقْصَانِ، … في الأوضح: مقدار الحريم في البئر بأربعين أو ستين إذا لم يكن الحبل مجاوزا بهذا المقدار، أما إذا كان الحبل مجاوزا يستحق الحريم في منتهى الحبل، أما في الناضح ظاهر؛ لاحتياجه إليه، وكذا في العطن؛ لما ذكرنا أنه يستقي منها بالناضح. وإنما يقتصر الحريم منتهى الحبل أيضًا إذا لم يكن في الأرض رخاوة، بحيث لو حفر آخر بئرًا وراء منتهى الحبل لا ينتقص الماء الأول، أو لا يجف بتحوله إليها، أما لو كان بها مثل هذه الرخاوة تستحق وراء منتهى الحبل بقدر ما يؤمنه من ذلك، ولهذا لو حفر بئرا فيما وراء الحريم، ونضب الماء الأول: قال مالك: تُطَمُّ البئر الثانية، وعند الشافعي وأحمد: لا تُطَم. قوله: (وهذا لأنه بالحفر ملك الحريم وبه قال أحمد، وقال الشافعي والقاضي الحنبلي: لا يملك، بل هو أحق. قوله: (للأول أن يصلحه) أي: بالكنس (ويكبسه) عطف تفسير، أي: يصلحه بالكنس (١)، كما في قوله: أعجبني زيد وكرمه، أي: أعجبني كرم زيد. قوله: (كما إذا هدم جدار غيره) حيث يضمن الهادم، ويبني الجدار بنفسه. قوله: (وذكر) أي: الخصاف (طريق معرفة النقصان)، وهو أن يقوم ما قبل الحفر، ويقوم ما بعد الحفر، فيضمن نقصان ما بينهما.

стр. 6718

وَمَا عَطِبَ فِي الأَوَّلِ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ، إِنْ كَانَ بِإِذْنِ الإِمَامِ فَظَاهِرٌ، وَكَذَا إِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ عِنْدَهُمَا. وَالعُذْرُ لِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ جَعَلَ فِي الحَفْرِ تَحْجِيرًا، وَهُوَ بِسَبِيلٍ مِنهُ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُهُ بِدُونِهِ، وَمَا عَطِبَ فِي الثَّانِيَةِ، فَفِيهِ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٌ فِيهِ حَيْثُ حَفَرَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَإِنْ حَفَرَ الثَّانِي بِثْرًا وَرَاءَ حَرِيمِ الْأَوْلَى فَذَهَبَ مَاءُ البِئْرِ الأَوْلَى فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍ فِي حَفْرِهَا، وَلِلثَّانِي الحَرِيمُ مِنْ الجَوَانِبِ الثَّلَاثَةِ دُونَ الجَانِبِ الأَوَّلِ، لِسَبْقِ مِلْكِ الحَافِرِ الأَوَّلِ فِيهِ وَالقَنَاةُ لَهَا حَرِيمٌ بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُهَا وَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ البِثْرِ فِي اسْتِحْقَاقِ الحَرِيمِ. وَقِيلَ: هُوَ عِنْدَهُمَا. وَعِنْدَهُ: لَا حَرِيمَ قوله: (١) وهو أن يجعل الحفر محجرًا، والتحجير بغير إذن الإمام [يجوز] (٢) وإن لم يثبت له الملك بذلك. قوله: (لأنه غير متعدّ) والماء تحت الأرض غير مملوك لأحد، فليس له أن يخاصمه في تحويل ماء بئره إلى بئر الثاني، كالتاجر إذا كان له حانوت، فاتخذ آخر بجنبه حانوتا بمثل تلك الحانوت، فكسد من تجارة الأول لم يكن له أن يخاصمه. وكما لو حفر بئرا في ملكه أعمق من البئر التي في دار جاره، وجاره لا يتضرر برائحته، أو جعل داره مخبزًا في وسط العطارين ونحوه مما يؤذي جاره يمنع منه، خلافًا للشافعي وأحمد في رواية، وفي رواية: يمنع كقولنا. للشافعي أنه تصرف في ملكه، فأشبه بناءه ونقضه. لنا قوله ﷺ : «لا ضَررَ ولا ضرار في الإسلام» (٣) ولأنه إضرار بجاره فيمنع، كمنع الدق الذي يهز الحيطان ويخربها، وكإلقاء السماد والتراب ونحوه في أصل حائطه على وجه يضر به. قوله: (بمنزلة البئر في استحقاق الحريم) وبه قال الشافعي في وجه.

стр. 6719

لَهَا مَا لَمْ يَظْهَر المَاءُ عَلَى الأَرْضِ (*)؛ لِأَنَّهُ نَهْرٌ فِي التَّحْقِيقِ، فَيُعْتَبَرُ بِالنَّهْرِ الظَّاهِرِ. قَالُوا: وَعِنْدَ ظُهُورِ المَاءِ عَلَى الأَرْضِ هُوَ بِمَنْزِلَةِ عَيْنٍ فَوَّارَةِ، فَيُقَدَّرُ حَرِيمُهُ بِخَمْسِمِائَةِ ذِرَاعٍ (وَالشَّجَرَةُ تُغْرَسُ فِي أَرْضٍ مَوَاتٍ لَهَا حَرِيمٌ أَيْضًا حَتَّى لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَغْرِسَ شَجَرًا فِي حَرِيمِهَا)؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى حَرِيمِ لَهُ يَجِدُ فِيهِ ثَمَرَهُ وَيَضَعُهُ فِيهِ، وَهُوَ مُقَدَّرٌ بِخَمْسَةِ أَذْرُعٍ مِنْ كُلِّ جَانِبِ، بِهِ وَرَدَ الحَدِيثُ. قَالَ: (وَمَا تَرَكَ الفُرَاتُ، أَوْ الدَّجْلَةُ وَعَدَلَ عَنْهُ المَاءُ، وَيَجُوزُ عَوْدُهُ إِلَيْهِ: لَمْ يَجُزْ إِحْيَاؤُهُ) لِحَاجَةِ العَامَّةِ إِلَى كَوْنِهِ نَهْرًا (وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِ: فَهُوَ كَالمَوَاتِ إِذَا لَمْ يَكُنْ حَرِيمًا لِعَامِرٍ)؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مِلْكِ أَحَدٍ، لِأَنَّ قَهْرَ المَاءِ يَدْفَعُ قَهْرَ غَيْرِهِ، وَهُوَ اليَوْمَ فِي يَدِ الإِمَامِ. قَالَ: (وَمَنْ كَانَ لَهُ نَهْرٌ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ: فَلَيْسَ لَهُ حَرِيمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، إِلَّا أَنْ وفي شرح الوجيز: حريمه المقدار الذي لو حفر فيه لنقص ماؤه أو خيف انهيار وانكباس، ويختلف ذلك بصلابة الأرض ورخاوتها. قوله: (به ورد الحديث) وما رواه أبو داود (١) بإسناده أنه اختصم في حريم نخلة إلى النبي ﷺ ، «فأمر بجريدٍ من جَرائِدِها فَذُرِعَتْ»، فكانت خمسة أذرع أو سبعة أذرع، فقضى بذلك. وفي مبسوط شيخ الإسلام: وهذا حديث صحيح مشهور، ولا يعلم فيه خلاف. قوله: (وهو اليوم) أي: متروك الدجلة أو الفرات. قوله: (ومن كان له نهر في أرض غيره). وفي شرح الطحاوي: لو تنازعا في المُسَنّاة، وكان بين الأرض والنهر حائل (٢)، كالحائط ونحوه، فالمُسَنّاة لصاحب النهر بالإجماع، ولو لم يكن بينهما حائل؛ فعنده لصاحب الأرض، ولصاحب النهر فناء حق، حتى لو أراد

стр. 6720

يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَا: لَهُ مُسَنَّاةُ النَّهْرِ يَمْشِي عَلَيْهَا وَيُلْقِي عَلَيْهَا طِينَهُ) قِيلَ: هَذِهِ المَسْأَلَةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَنْ حَفَرَ نَهْرًا فِي أَرْضِ مَوَاتٍ بِإِذْنِ الإِمَامِ لَا يَسْتَحِقُّ الحَرِيمَ عِنْدَهُ. وَعِنْدَهُمَا يَسْتَحِقُهُ؛ لِأَنَّ النَّهْرَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إِلَّا بِالْحَرِيمِ لِحَاجَتِهِ إِلَى المَشْيِ لِتَسْبِيلِ المَاءِ، وَلَا يُمْكِنُهُ المَشْيُ عَادَةً فِي بَطْنِ النَّهْرِ وَإِلَى الْقَاءِ الدِّينِ، وَلَا يُمْكِنُهُ النَّقْلُ إِلَى مَكَانَ بَعِيدٍ إِلَّا بِحَرَجٍ، فَيَكُونُ لَهُ الحَرِيمُ اعْتِبَارًا بِالبِئْرِ. وَلَهُ: أَنَّ القِيَاسَ يَأْبَاهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَفِي البِئْرِ عَرَفْنَاهُ بِالأَثَرِ، وَالحَاجَةُ إِلَى الحَرِيمِ فِيهِ صاحب الأرض هدمها أو رفعها كان لصاحب النهر منعه، وعندهما: المُسنّاة لصاحب النهر. وفي كشف الغوامض: الخلاف في نهر كبير لا يحتاج إلى كربه في كل وقت، أما إذا كان صغيرًا بحيث لا يحتاج إلى كربها في كل وقت فله حريم بالاتفاق اعتبارًا بالبئر؛ لما أن استحقاق الحريم باعتبار الحاجة، وصاحب النهر محتاج إلى ذلك، ومتى كان المعنى في المنصوص معقولا يتعدى الحكم بذلك المعنى إلى الفروع. قوله: (لا يستحق الحريم عنده) أي: قياسًا. قوله: (على ما ذكرناه) وهو قوله: (ولأن القياس يأباه) إلى آخره. قوله: (والحاجة إلى (١) الحريم في (٢) البئر فيه) (٣) أي: في البئر، على تأويل القليب أو الجب فوق الحاجة في (٤) الحريم في النهر؛ لأن الحاجة في البئر متحققة في الحال، وهاهنا الحاجة موهومة باعتبار الكري، وقد لا يحتاج، والانتفاع في البئر لا يتأتى بدون الحريم، وهنا يتأتى، إلا أنه يلحقه بعض الحرج في نقل الطين والمشي في وسطه، فلم يكن في معنى المنصوص، فأخذنا فيه بأصل القياس.

стр. 6721

فَوْقَهَا إِلَيْهِ فِي النَّهْرِ؛ لِأَنَّ الاِنْتِفَاعَ بِالمَاءِ فِي النَّهْرِ مُمْكِنُ بِدُونِ الحَرِيمِ، وَلَا يُمْكِنُ فِي البِئْرِ إِلَّا بِالِاسْتِقَاءِ، وَلَا اسْتِقَاءَ إِلَّا بِالحَرِيمِ، فَتَعَذَّرَ الإِلْحَاقُ. وَوَجْهُ البِنَاءِ: أَنَّ بِاسْتِحْقَاقِ الحَرِيمِ تَثْبُتُ اليَدُ عَلَيْهِ اعْتِبَارًا تَبَعًا لِلنَّهْرِ، وَالقَوْلُ لِصَاحِبِ اليَدِ، وَبِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ تَنْعَدِمُ اليَدُ، وَالظَّاهِرُ يَشْهَدُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَتْ مَسْأَلَةٌ مُبْتَدَأَةً: فَلَهُمَا: أَنَّ الحَرِيمَ فِي يَدِ صَاحِبِ النَّهْرِ بِاسْتِمْسَاكِهِ المَاءَ بِهِ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ صَاحِبُ الْأَرْضِ نَقْضَهُ. ألا ترى أن من بنى قصرا في مفازة لا يستحق بذلك حريما، وإن كان يحتاج إلى ذلك لإلقاء الكناسة فيه؛ لعدم ورود النص؛ إذ الحريم يحتاج إلى التقدير، ونصب المقادير لا يكون بالرأي. كذا في المبسوط (١). قوله: (ووجه البناء) يعني لما ثبت من أصلهما أن صاحب النهر يستحق الحريم بدون المنازعة كان الظاهر شاهدًا له، وهو معنى قوله: (أن باستحقاق الحريم تثبت اليد عليه كما ثبتت يده على النهر بالحفر، فعند المنازعة القول لصاحب اليد. وعنده لما لم يستحق النهر حريمًا فالظاهر لصاحب الأرض؛ لما يجيء، والأرض ملكه والحريم متصل به فعند المنازعة القول لمن كان الظاهر شاهدًا له، وهذا معنى قوله: (وبعدم استحقاقه) أي: صاحب النهر، الحريم. تنعدم اليد) أي: يد صاحب النهر على الحريم. (والظاهر يشهد لصاحب الأرض) يعني الحريم وإن اتصل بالنهر أيضًا فالظاهر أنه لصاحب الأرض؛ لأنه من جنس الأرض يصلح لما تصلح له الأرض، وليس من جنس اليد من حيث الانتفاع، فكما أن صاحب النهر يمسك الماء بالحريم في نهره، فصاحب الأرض أيضًا يدفع الماء والحريم من أرضه، فقد استويا (٢) في استعمال الحريم، فله أن يغرس، ولكن ليس له أن يهدمه؛ لأن لصاحب النهر حق استمساك الماء في نهره، فلا يكون له أن يبطل حقه، بمنزلة

стр. 6722

وَلَهُ: أَنَّهُ أَشْبَهُ بِالأَرْضِ صُورَةً وَمَعْنَى، أَمَّا صُورَةً فَلِاسْتِوَائِهِمَا، وَمَعْنَى مِنْ حَيْثُ صَلَاحِيَّتُهُ لِلْغَرْسِ وَالزِّرَاعَةِ، وَالظَّاهِرُ شَاهِدٌ لِمَنْ فِي يَدِهِ مَا هُوَ أَشْبَهُ بِهِ، كَاثْنَيْنِ تَنَازَعَا فِي مِصْرَاعِ بَابٍ لَيْسَ فِي يَدِهِمَا، وَالمِصْرَاعُ الْآخَرُ مُعَلَّقٌ عَلَى بَابِ أَحَدِهِمَا، يُقْضَى لِلَّذِي فِي يَدِهِ مَا هُوَ أَشْبَهُ بِالمُتَنَازَعِ فِيهِ، وَالقَضَاءُ فِي مَوْضِعِ الخِلَافِ قَضَاءُ تَرْكِ، وَلَا نِزَاعَ فِيمَا بِهِ اسْتِمْسَاكُ المَاءِ، إِنَّمَا النِّزَاعُ فِيمَا وَرَاءَهُ مِمَّا يَصْلُحُ لِلْغَرْسِ، عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ مُسْتَمْسِكًا بِهِ مَاءُ نَهْرِهِ فَالْآخَرُ دَافِعٌ بِهِ المَاءَ عَنْ أَرْضِهِ، وَالمَانِعُ مِنْ نَقْضِهِ تَعَلَّقُ حَقِّ صَاحِبِ النَّهْرِ لَا مِلْكُهُ كَالحَائِطِ لِرَجُلٍ، وَلِآخَرَ عَلَيْهِ جُذُوعٌ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ نَقْضِهِ وَإِنْ كَانَ مَلَكَهُ وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: نَهْرٌ لِرَجُلٍ إِلَى حائط الرجل، ولآخر عليه جذع، كذا في المبسوط (١)، وهو معنى قوله: (على ما نذكره إن شاء الله تعالى). قوله: (استمساك لمائه به)؛ أي: بالحريم. قوله: (نقضه)؛ أي: نقض الحريم. قوله: (ما هو أشبه به)؛ أي: بالحريم. قوله: (والقضاء في موضع الخلاف)؛ أي: في مسألة: (من كان له نهر في أرض غيره). قوله: (قضاء ترك) لا قضاء ملك واستحقاق، وإنما ذكر هذا؛ لأن صاحب النهر لو أقام بينة بعد هذا على أن المُسنّاة ملكه تقبل بينته، ولو كان قضاء ملك لما قبلت بينته؛ لأن الأصل أن من صار مقضيا عليه في حادثة لا يصير مقضيا له في تلك الحادثة، إلا إذا كان القضاء قضاء ترك، فحينئذ يصير مقضيا له بعد إقامة البينة؛ لأنه لم يصر مقضيا عليه. وقوله: (ولا نزاع فيما به استمساك الماء) جواب عن قولهما: إن الحريم في يد صاحب النهر بإمساكه الماء. قوله: (لا يتمكن من نقضه) أي: نقض الحائط وإن كان الحائط ملكه؛

стр. 6723

جَنْبِهِ مُسَنَّاةٌ، وَلِآخَرَ خَلْفَ المُسَنَّاةِ أَرْضُ تَلْزَقُهَا، وَلَيْسَتِ المُسَنَّاةُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا: فَهِيَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: هِيَ لِصَاحِبِ النَّهْرِ حَرِيمًا لِمُلْقَى طِينِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: وَلَيْسَتِ المُسَنَّاةُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا: مَعْنَاهُ: لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ غَرْسٌ، وَلَا طِينٌ مُلْقَى، فَيَنْكَشِفُ بِهَذَا اللَّفْظِ مَوْضِعُ الخِلَافِ، أَمَّا إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ ذَلِكَ: فَصَاحِبُ الشُّغْلِ أَوْلَى لِأَنَّهُ صَاحِبُ يَدٍ. وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ غَرْسٌ لَا يُدْرَى مَنْ غَرَسَهُ فَهُوَ مِنْ مَوَاضِعِ الخِلَافِ أَيْضًا. وَثَمَرَةُ الاخْتِلَافِ: أَنَّ وِلَايَةَ الغَرْسِ لِصَاحِبِ الأَرْضِ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا لِصَاحِبِ النَّهْرِ. وَأَمَّا الْقَاءُ الطِّينِ، فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ عَلَى الخِلَافِ، وَقِيلَ: إِنَّ لِصَاحِبِ النَّهْرِ ذَلِكَ مَا لَمْ يُفْحِش. وَأَمَّا المُرُورُ: فَقَدْ قِيلَ: يُمْنَعُ صَاحِبُ النَّهْرِ عِنْدَهُ، وَقِيلَ: لَا يُمْنَعُ لِلضَّرُورَةِ. قَالَ الفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ: أَخُذُ بِقَوْلِهِ فِي الغَرْسِ، وَبِقَوْلِهِمَا فِي الْقَاءِ الطِّينِ. ثُمَّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ حَرِيمَهُ مِقْدَارُ نِصْفِ النَّهْرِ مِنْ كُلِّ جَانِبِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ: مِقْدَارُ بَطْنِ النَّهْرِ مِنْ كُلِّ جَانِبِ. وَهَذَا أَرْفَقُ بِالنَّاسِ. رعاية لحق صاحب الجذوع. قوله: (ليس لأحدهما عليه)؛ أي: على المسناة، على تأويل الحريم (غرس) يعني إذا كان لأحدهما غرس فلصاحب الغرس بالاتفاق، وكذا إذا كان الطين ملقى عليه كان لصاحب النهر بالاتفاق قبل إلقاء الطين على الخلاف؛ لما أنه ذكر في الأسرار في تعليل قول أبي حنيفة. وأما الحاجة فيحتمل أن يكون الجواب (١) عند أبي حنيفة ﵀؛ أي: لصاحب النهر حق المرور وحق إلقاء الطين، ولا يملك أصل الرقبة، فيكون لصاحب الأرض حق الغرس والانتفاع بوجه لا يفسد عليه النهر ومنافعه، وبذلك الطريق ظهر عمل الناس اليوم من غير نكير. قوله: (وهذا أرفق بالناس) أي: الذين هم أهل النهر.

стр. 6724

فُصُولٌ فِي مَسَائِلِ الشَّرْبِ فَصْلٌ فِي المِيَاهِ (وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ نَهْرٌ أَوْ بِئْرٌ أَوْ قَنَاةٌ: فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ شَيْئًا مِنْ الشَّفَةِ، وَالشَّفَةُ: الشَّرْبُ لِبَنِي آدَمَ وَالبَهَائِمِ) اعْلَمْ أَنَّ المِيَاهَ أَنْوَاعٌ: مِنهَا مَاءُ البِحَارِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ النَّاسِ فِيهَا حَقُّ الشَّفَةِ وَسَقْيِ الأَرَاضِي، حَتَّى إِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكْرِيَ نَهْرًا مِنهَا إِلَى أَرْضِهِ: لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ، وَالانْتِفَاعُ بِمَاءِ البَحْرِ كَالِانْتِفَاعِ بِالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالهَوَاءِ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ الانْتِفَاعِ بِهِ عَلَى أَيِّ وَجْهِ شَاءَ، وَالثَّانِي: مَاءُ الأَوْدِيَةِ العِظَامِ كَجَيْحُونَ وَسَيْحُونَ وَدِجْلَةَ وَالفُرَاتِ، … ... … .. فُصُولٌ فِي مَسَائِلِ الشَّرْبِ فَصْلٌ فِي المِيَاهِ لما ذكر إحياء الموات، وهو يحتاج إلى الشرب، عقبه بذكر أحكام الشرب، وفيه فصول، فقدم فصل المياه على الكراء؛ لأن الماء هو المقصود، ثم الكراء على المنازعة لأن الدعوى والمنازعة كالعارض. قوله: (والشَّفَةُ: الشَّرب لبني آدم). في المغرب (١): الشَّفَةُ: واحد الشفاه، وأصلها: شَفَهَة، سقطت الهاء تخفيفًا، والجمع: شفاه، بالهاء، وتصغيرها: شُفَيْهَةٌ، على الأصل، ويقال: هم أهل الشفة، أي: لهم حق الشرب بشفاههم، وأن يسقوا دوابهم، وهكذا في الطلبة (٢). قوله: (ماء الأودية) الأودية: جمع الوادي على غير قياس. في الصحاح: أصل التركيب يدل على الجري والخروج، فسمي الوادي به، أي: يجري، فكان إطلاق اسم الحال على المحل. (الجيحون): نهر خوارزم (وسحون): نهر الترك (ودجلة): نهر بغداد (والفرات): نهر الكوفة، وضَفَّة النهر، بالفتح والكسر: حافته. كذا في المغرب.

стр. 6725

لِلنَّاسِ فِيهِ حَقُّ الشَّفَةِ عَلَى الإِطْلَاقِ، وَحَقُّ سَقْيِ الأَرَاضِيِ، فَإِنْ أَحْيَا وَاحِدٌ أَرْضًا مَيْتَةً، وَكَرَى مِنْهُ نَهْرًا لِيَسْقِيَهَا. إِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِالعَامَّةِ، وَلَا يَكُونُ النَّهْرُ فِي مِلْكِ أَحَدٍ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مُبَاحَةٌ فِي الأَصْلِ، إِذْ قَهْرُ المَاءِ يَدْفَعُ قَهْرَ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِالعَامَّةِ: فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْهُمْ وَاجِبٌ، وَذَلِكَ فِي أَنْ يَمِيلَ المَاءُ إِلَى هَذَا الجَانِبِ إِذَا انْكَسَرَتْ ضِفَّتُهُ فَيُغْرِقَ القُرَى وَالأَرَاضِي، وَعَلَى هَذَا نَصْبُ الرَّحَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ شَقَّ النَّهْرِ لِلرَّحَى كَشَقِّهِ لِلسَّقْيِ بِهِ. وَالثَّالِثُ: إِذَا دَخَلَ المَاءُ فِي المَقَاسِمِ فَحَقُّ الشَّفَةِ ثَابِتٌ. وَالأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﵊: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: المَاءِ، وَالكَلَا، وَالنَّارِ» وَأَنَّهُ يَنْتَظِمُ الشَّرْبَ وَالشَّرْبُ، خُصَّ مِنهُ الأَوَّلُ، وَبَقِيَ الثَّانِي، وَهُوَ الشَّفَةُ، وَلِأَنَّ البِئْرَ وَنَحْوَهَا مَا وُضِعَ لِلْإِحْرَازِ. وَلَا يُمْلَكُ المُبَاحُ بِدُونِهِ، كَالظَّبْيِ إِذَا تَكَنَّسَ فِي أَرْضِهِ، وَلِأَنَّ فِي إِبْقَاءِ الشَّفَةِ ضَرُورَةً؛ لِأَنَّ الإِنْسَانَ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِصْحَابُ قوله: (شُرَكاءُ في ثلاث والقياس أن يقول: في ثلاثة؛ تغليبا للمذكر، ولكن في فصيح [الكلام] (١) إذا لم يكن المعدود على لفظ المؤنث، كما في قوله ﷺ : «من صام رمضانَ وأَتْبَعَهُ بِسِتٌ مِنْ شوال» والصوم يتحقق في الأيام دون الليالي، وإنما نظر إلى لفظ الأعداد، وصوم مؤنث، ولا خلاف لأحد فيه من العلماء؛ إذ الماء والنار والكلأ موجودة بإيجاد الله تعالى على أصل الإباحة. قوله: (وأنه) أي: قوله: شركاء (ينتظم الشرب) والشرب خص منه الأول بالإجماع، والمراد بالشركة الإباحة في الماء لا شركة الملك في الماء الذي لم يحرز، ولأن البئر ونحوها كالحوض، وما وضع للإحراز (٢). (ولا يملك المباح بدونه) أي: بدون الإحراز كالظبي إذا تنكس) أي دخل في الكناس. وفي بعض النسخ (تكسر) (٣).
следующие страницы →