← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.

стр. 6721

فَوْقَهَا إِلَيْهِ فِي النَّهْرِ؛ لِأَنَّ الاِنْتِفَاعَ بِالمَاءِ فِي النَّهْرِ مُمْكِنُ بِدُونِ الحَرِيمِ، وَلَا يُمْكِنُ فِي البِئْرِ إِلَّا بِالِاسْتِقَاءِ، وَلَا اسْتِقَاءَ إِلَّا بِالحَرِيمِ، فَتَعَذَّرَ الإِلْحَاقُ. وَوَجْهُ البِنَاءِ: أَنَّ بِاسْتِحْقَاقِ الحَرِيمِ تَثْبُتُ اليَدُ عَلَيْهِ اعْتِبَارًا تَبَعًا لِلنَّهْرِ، وَالقَوْلُ لِصَاحِبِ اليَدِ، وَبِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ تَنْعَدِمُ اليَدُ، وَالظَّاهِرُ يَشْهَدُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَتْ مَسْأَلَةٌ مُبْتَدَأَةً: فَلَهُمَا: أَنَّ الحَرِيمَ فِي يَدِ صَاحِبِ النَّهْرِ بِاسْتِمْسَاكِهِ المَاءَ بِهِ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ صَاحِبُ الْأَرْضِ نَقْضَهُ. ألا ترى أن من بنى قصرا في مفازة لا يستحق بذلك حريما، وإن كان يحتاج إلى ذلك لإلقاء الكناسة فيه؛ لعدم ورود النص؛ إذ الحريم يحتاج إلى التقدير، ونصب المقادير لا يكون بالرأي. كذا في المبسوط (١). قوله: (ووجه البناء) يعني لما ثبت من أصلهما أن صاحب النهر يستحق الحريم بدون المنازعة كان الظاهر شاهدًا له، وهو معنى قوله: (أن باستحقاق الحريم تثبت اليد عليه كما ثبتت يده على النهر بالحفر، فعند المنازعة القول لصاحب اليد. وعنده لما لم يستحق النهر حريمًا فالظاهر لصاحب الأرض؛ لما يجيء، والأرض ملكه والحريم متصل به فعند المنازعة القول لمن كان الظاهر شاهدًا له، وهذا معنى قوله: (وبعدم استحقاقه) أي: صاحب النهر، الحريم. تنعدم اليد) أي: يد صاحب النهر على الحريم. (والظاهر يشهد لصاحب الأرض) يعني الحريم وإن اتصل بالنهر أيضًا فالظاهر أنه لصاحب الأرض؛ لأنه من جنس الأرض يصلح لما تصلح له الأرض، وليس من جنس اليد من حيث الانتفاع، فكما أن صاحب النهر يمسك الماء بالحريم في نهره، فصاحب الأرض أيضًا يدفع الماء والحريم من أرضه، فقد استويا (٢) في استعمال الحريم، فله أن يغرس، ولكن ليس له أن يهدمه؛ لأن لصاحب النهر حق استمساك الماء في نهره، فلا يكون له أن يبطل حقه، بمنزلة

стр. 6722

وَلَهُ: أَنَّهُ أَشْبَهُ بِالأَرْضِ صُورَةً وَمَعْنَى، أَمَّا صُورَةً فَلِاسْتِوَائِهِمَا، وَمَعْنَى مِنْ حَيْثُ صَلَاحِيَّتُهُ لِلْغَرْسِ وَالزِّرَاعَةِ، وَالظَّاهِرُ شَاهِدٌ لِمَنْ فِي يَدِهِ مَا هُوَ أَشْبَهُ بِهِ، كَاثْنَيْنِ تَنَازَعَا فِي مِصْرَاعِ بَابٍ لَيْسَ فِي يَدِهِمَا، وَالمِصْرَاعُ الْآخَرُ مُعَلَّقٌ عَلَى بَابِ أَحَدِهِمَا، يُقْضَى لِلَّذِي فِي يَدِهِ مَا هُوَ أَشْبَهُ بِالمُتَنَازَعِ فِيهِ، وَالقَضَاءُ فِي مَوْضِعِ الخِلَافِ قَضَاءُ تَرْكِ، وَلَا نِزَاعَ فِيمَا بِهِ اسْتِمْسَاكُ المَاءِ، إِنَّمَا النِّزَاعُ فِيمَا وَرَاءَهُ مِمَّا يَصْلُحُ لِلْغَرْسِ، عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ مُسْتَمْسِكًا بِهِ مَاءُ نَهْرِهِ فَالْآخَرُ دَافِعٌ بِهِ المَاءَ عَنْ أَرْضِهِ، وَالمَانِعُ مِنْ نَقْضِهِ تَعَلَّقُ حَقِّ صَاحِبِ النَّهْرِ لَا مِلْكُهُ كَالحَائِطِ لِرَجُلٍ، وَلِآخَرَ عَلَيْهِ جُذُوعٌ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ نَقْضِهِ وَإِنْ كَانَ مَلَكَهُ وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: نَهْرٌ لِرَجُلٍ إِلَى حائط الرجل، ولآخر عليه جذع، كذا في المبسوط (١)، وهو معنى قوله: (على ما نذكره إن شاء الله تعالى). قوله: (استمساك لمائه به)؛ أي: بالحريم. قوله: (نقضه)؛ أي: نقض الحريم. قوله: (ما هو أشبه به)؛ أي: بالحريم. قوله: (والقضاء في موضع الخلاف)؛ أي: في مسألة: (من كان له نهر في أرض غيره). قوله: (قضاء ترك) لا قضاء ملك واستحقاق، وإنما ذكر هذا؛ لأن صاحب النهر لو أقام بينة بعد هذا على أن المُسنّاة ملكه تقبل بينته، ولو كان قضاء ملك لما قبلت بينته؛ لأن الأصل أن من صار مقضيا عليه في حادثة لا يصير مقضيا له في تلك الحادثة، إلا إذا كان القضاء قضاء ترك، فحينئذ يصير مقضيا له بعد إقامة البينة؛ لأنه لم يصر مقضيا عليه. وقوله: (ولا نزاع فيما به استمساك الماء) جواب عن قولهما: إن الحريم في يد صاحب النهر بإمساكه الماء. قوله: (لا يتمكن من نقضه) أي: نقض الحائط وإن كان الحائط ملكه؛

стр. 6723

جَنْبِهِ مُسَنَّاةٌ، وَلِآخَرَ خَلْفَ المُسَنَّاةِ أَرْضُ تَلْزَقُهَا، وَلَيْسَتِ المُسَنَّاةُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا: فَهِيَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: هِيَ لِصَاحِبِ النَّهْرِ حَرِيمًا لِمُلْقَى طِينِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: وَلَيْسَتِ المُسَنَّاةُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا: مَعْنَاهُ: لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ غَرْسٌ، وَلَا طِينٌ مُلْقَى، فَيَنْكَشِفُ بِهَذَا اللَّفْظِ مَوْضِعُ الخِلَافِ، أَمَّا إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ ذَلِكَ: فَصَاحِبُ الشُّغْلِ أَوْلَى لِأَنَّهُ صَاحِبُ يَدٍ. وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ غَرْسٌ لَا يُدْرَى مَنْ غَرَسَهُ فَهُوَ مِنْ مَوَاضِعِ الخِلَافِ أَيْضًا. وَثَمَرَةُ الاخْتِلَافِ: أَنَّ وِلَايَةَ الغَرْسِ لِصَاحِبِ الأَرْضِ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا لِصَاحِبِ النَّهْرِ. وَأَمَّا الْقَاءُ الطِّينِ، فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ عَلَى الخِلَافِ، وَقِيلَ: إِنَّ لِصَاحِبِ النَّهْرِ ذَلِكَ مَا لَمْ يُفْحِش. وَأَمَّا المُرُورُ: فَقَدْ قِيلَ: يُمْنَعُ صَاحِبُ النَّهْرِ عِنْدَهُ، وَقِيلَ: لَا يُمْنَعُ لِلضَّرُورَةِ. قَالَ الفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ: أَخُذُ بِقَوْلِهِ فِي الغَرْسِ، وَبِقَوْلِهِمَا فِي الْقَاءِ الطِّينِ. ثُمَّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ حَرِيمَهُ مِقْدَارُ نِصْفِ النَّهْرِ مِنْ كُلِّ جَانِبِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ: مِقْدَارُ بَطْنِ النَّهْرِ مِنْ كُلِّ جَانِبِ. وَهَذَا أَرْفَقُ بِالنَّاسِ. رعاية لحق صاحب الجذوع. قوله: (ليس لأحدهما عليه)؛ أي: على المسناة، على تأويل الحريم (غرس) يعني إذا كان لأحدهما غرس فلصاحب الغرس بالاتفاق، وكذا إذا كان الطين ملقى عليه كان لصاحب النهر بالاتفاق قبل إلقاء الطين على الخلاف؛ لما أنه ذكر في الأسرار في تعليل قول أبي حنيفة. وأما الحاجة فيحتمل أن يكون الجواب (١) عند أبي حنيفة ﵀؛ أي: لصاحب النهر حق المرور وحق إلقاء الطين، ولا يملك أصل الرقبة، فيكون لصاحب الأرض حق الغرس والانتفاع بوجه لا يفسد عليه النهر ومنافعه، وبذلك الطريق ظهر عمل الناس اليوم من غير نكير. قوله: (وهذا أرفق بالناس) أي: الذين هم أهل النهر.

стр. 6724

فُصُولٌ فِي مَسَائِلِ الشَّرْبِ فَصْلٌ فِي المِيَاهِ (وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ نَهْرٌ أَوْ بِئْرٌ أَوْ قَنَاةٌ: فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ شَيْئًا مِنْ الشَّفَةِ، وَالشَّفَةُ: الشَّرْبُ لِبَنِي آدَمَ وَالبَهَائِمِ) اعْلَمْ أَنَّ المِيَاهَ أَنْوَاعٌ: مِنهَا مَاءُ البِحَارِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ النَّاسِ فِيهَا حَقُّ الشَّفَةِ وَسَقْيِ الأَرَاضِي، حَتَّى إِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكْرِيَ نَهْرًا مِنهَا إِلَى أَرْضِهِ: لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ، وَالانْتِفَاعُ بِمَاءِ البَحْرِ كَالِانْتِفَاعِ بِالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالهَوَاءِ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ الانْتِفَاعِ بِهِ عَلَى أَيِّ وَجْهِ شَاءَ، وَالثَّانِي: مَاءُ الأَوْدِيَةِ العِظَامِ كَجَيْحُونَ وَسَيْحُونَ وَدِجْلَةَ وَالفُرَاتِ، … ... … .. فُصُولٌ فِي مَسَائِلِ الشَّرْبِ فَصْلٌ فِي المِيَاهِ لما ذكر إحياء الموات، وهو يحتاج إلى الشرب، عقبه بذكر أحكام الشرب، وفيه فصول، فقدم فصل المياه على الكراء؛ لأن الماء هو المقصود، ثم الكراء على المنازعة لأن الدعوى والمنازعة كالعارض. قوله: (والشَّفَةُ: الشَّرب لبني آدم). في المغرب (١): الشَّفَةُ: واحد الشفاه، وأصلها: شَفَهَة، سقطت الهاء تخفيفًا، والجمع: شفاه، بالهاء، وتصغيرها: شُفَيْهَةٌ، على الأصل، ويقال: هم أهل الشفة، أي: لهم حق الشرب بشفاههم، وأن يسقوا دوابهم، وهكذا في الطلبة (٢). قوله: (ماء الأودية) الأودية: جمع الوادي على غير قياس. في الصحاح: أصل التركيب يدل على الجري والخروج، فسمي الوادي به، أي: يجري، فكان إطلاق اسم الحال على المحل. (الجيحون): نهر خوارزم (وسحون): نهر الترك (ودجلة): نهر بغداد (والفرات): نهر الكوفة، وضَفَّة النهر، بالفتح والكسر: حافته. كذا في المغرب.

стр. 6725

لِلنَّاسِ فِيهِ حَقُّ الشَّفَةِ عَلَى الإِطْلَاقِ، وَحَقُّ سَقْيِ الأَرَاضِيِ، فَإِنْ أَحْيَا وَاحِدٌ أَرْضًا مَيْتَةً، وَكَرَى مِنْهُ نَهْرًا لِيَسْقِيَهَا. إِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِالعَامَّةِ، وَلَا يَكُونُ النَّهْرُ فِي مِلْكِ أَحَدٍ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مُبَاحَةٌ فِي الأَصْلِ، إِذْ قَهْرُ المَاءِ يَدْفَعُ قَهْرَ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِالعَامَّةِ: فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْهُمْ وَاجِبٌ، وَذَلِكَ فِي أَنْ يَمِيلَ المَاءُ إِلَى هَذَا الجَانِبِ إِذَا انْكَسَرَتْ ضِفَّتُهُ فَيُغْرِقَ القُرَى وَالأَرَاضِي، وَعَلَى هَذَا نَصْبُ الرَّحَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ شَقَّ النَّهْرِ لِلرَّحَى كَشَقِّهِ لِلسَّقْيِ بِهِ. وَالثَّالِثُ: إِذَا دَخَلَ المَاءُ فِي المَقَاسِمِ فَحَقُّ الشَّفَةِ ثَابِتٌ. وَالأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﵊: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: المَاءِ، وَالكَلَا، وَالنَّارِ» وَأَنَّهُ يَنْتَظِمُ الشَّرْبَ وَالشَّرْبُ، خُصَّ مِنهُ الأَوَّلُ، وَبَقِيَ الثَّانِي، وَهُوَ الشَّفَةُ، وَلِأَنَّ البِئْرَ وَنَحْوَهَا مَا وُضِعَ لِلْإِحْرَازِ. وَلَا يُمْلَكُ المُبَاحُ بِدُونِهِ، كَالظَّبْيِ إِذَا تَكَنَّسَ فِي أَرْضِهِ، وَلِأَنَّ فِي إِبْقَاءِ الشَّفَةِ ضَرُورَةً؛ لِأَنَّ الإِنْسَانَ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِصْحَابُ قوله: (شُرَكاءُ في ثلاث والقياس أن يقول: في ثلاثة؛ تغليبا للمذكر، ولكن في فصيح [الكلام] (١) إذا لم يكن المعدود على لفظ المؤنث، كما في قوله ﷺ : «من صام رمضانَ وأَتْبَعَهُ بِسِتٌ مِنْ شوال» والصوم يتحقق في الأيام دون الليالي، وإنما نظر إلى لفظ الأعداد، وصوم مؤنث، ولا خلاف لأحد فيه من العلماء؛ إذ الماء والنار والكلأ موجودة بإيجاد الله تعالى على أصل الإباحة. قوله: (وأنه) أي: قوله: شركاء (ينتظم الشرب) والشرب خص منه الأول بالإجماع، والمراد بالشركة الإباحة في الماء لا شركة الملك في الماء الذي لم يحرز، ولأن البئر ونحوها كالحوض، وما وضع للإحراز (٢). (ولا يملك المباح بدونه) أي: بدون الإحراز كالظبي إذا تنكس) أي دخل في الكناس. وفي بعض النسخ (تكسر) (٣).

стр. 6726

المَاءِ إِلَى كُلِّ مَكَان وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ لِنَفْسِهِ وَظَهْرِهِ؛ فَلَوْ مُنِعَ عَنْهُ أَفْضَى إِلَى حَرَجٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يَسْقِيَ بِذَلِكَ أَرْضًا أَحْيَاهَا كَانَ لِأَهْلِ النَّهْرِ أَنْ يَمْنَعُوهُ عَنْهُ أَضَرَّ بِهِمْ أَوْ لَمْ يَضُرَّ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ خَاصٌ لَهُمْ وَلَا ضَرُورَةَ. وَلِأَنَّا لَوْ أَبَحْنَا ذَلِكَ لَانْقَطَعَتْ مَنْفَعَةُ الشَّرْبِ. وَالرَّابِعُ: المَاءُ المُحَرَّزُ فِي الأَوَانِي، وَأَنَّهُ صَارَ مَمْلُوكًا لَهُ بِالْإِحْرَازِ، وَانْقَطَعَ حَقُّ غَيْرِهِ عَنْهُ، كَمَا فِي الصَّيْدِ المَأخُوذِ، إِلَّا أَنَّهُ بَقِيَتْ فِيهِ شُبْهَةُ الشَّرِكَةِ نَظَرًا إِلَى الدَّلِيلِ وَهُوَ مَا رَوَيْنَا، حَتَّى لَوْ سَرَقَهُ إِنْسَانٌ فِي مَوْضِعِ يَعِزُّ وُجُودُهُ وَهُوَ يُسَاوِي نِصَابًا: لَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ. قوله: (هو ما روينا) أراد قوله ﷺ : «النَّاسُ شركاء في الثَّلاثِ» (١). فإن قيل: فعلى هذا ينبغي ألا يقطع في شيء ما؛ لأنه تعالى قال: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] فيورث شبهة بهذا الطريق. قلنا: ليس هذا نظير ذلك؛ لأن فيما نحن فيه شركة في الأشياء المخصوصة بعد ثبوت شركة العامة، ولهذا لم تورث الشركة العامة شبهة في سقوط حد الزنا، فإنه لو زنى بأمة الغير يجب الحد، ولو زنى بأمة مشتركة بينه وبين غيره لم يجب الحد؛ إذ لو عملنا بعموم قوله: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ يلزم انسداد باب الحدود، وبطل العموم بالآيات الدالة عليها من قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ و ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ وهو الأصح؛ لأن العمل بخبر الواحد، وهو قوله ﷺ : «ادرؤُوا الحدود ما استطعتم» (٢) إنما يصح أن لو بقي الكتاب معمولا عند العمل بخبر الواحد؛ فعلم أن المراد الشبهة الخاصة لا العامة. وفي المبسوط (٣) وفتاوى قاضي خان: أما الشركة في الكلأ، وهو الحشيش الذي نبت من غير أن ينبته أحد، فلا يملكه صاحبه بكونه في أرضه، حتى لو

стр. 6727

وَلَوْ كَانَ البِثْرُ أَوْ العَيْنُ أَوْ الحَوْضُ أَوْ النَّهْرُ فِي مِلْكِ رَجُلٍ: لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ يُرِيدُ الشَّفَةَ مِنْ الدُّخُولِ فِي مِلْكِهِ إِذَا كَانَ يَجِدُ مَاءً آخَرَ يَقْرُبُ مِنْ هَذَا المَاءِ فِي غَيْرِ مِلْكِ أَحَدٍ، وَإِنْ كَانَ لَا يَجِدُ، يُقَالُ لِصَاحِبِ النَّهْرِ: إِمَّا أَنْ تُعْطِيَهُ الشَّفَةَ أَوْ تَتْرُكَهُ يَأْخُذُ بِنَفْسِهِ، بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكْسِرَ ضِفَتَهُ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ الطَّحَاوِيِّ، وَقِيلَ: مَا قَالَهُ صَحِيحٌ فِيمَا إِذَا احْتَفَرَ فِي أَرْضِ مَمْلُوكَةٍ لَهُ. أَمَّا إِذَا احْتَفَرَهَا فِي أَرْضِ مَوَاتٍ: فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ؛ لِأَنَّ المَوَاتَ كَانَ مُشْتَرَكًا، وَالحَفْرُ لِإِحْيَاءِ حَقٌّ مُشْتَرَكٍ، فَلَا يَقْطَعُ الشَّرْكَةَ فِي الشَّفَةِ، وَلَوْ مَنَعَهُ عَنْ ذَلِكَ، وَهُوَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ ظَهْرِهِ العَطَشَ: لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ بِالسِّلَاحِ، لِأَنَّهُ قَصَدَ إِتْلَافَهُ بِمَنْعِ حَقِّهِ وَهُوَ الشَّفَةُ، وَالمَاءُ فِي البِئْرِ مُبَاحٌ غَيْرُ مَمْلُوكٍ، بِخِلَافِ المَاءِ المُحَرَّزِ فِي الإِنَاءِ حَيْثُ يُقَاتِلُهُ بِغَيْرِ السِّلَاحِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَهُ، وَكَذَا الطَّعَامُ عِنْدَ إِصَابَةِ المَخْمَصَةِ، وَقِيلَ فِي البِثْرِ وَنَحْوِهَا: الأَوْلَى أَنْ يُقَاتِلَهُ بِغَيْرِ السِّلَاحِ بِعَصا؛ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةٌ، فَقَامَ ذَلِكَ مَقَامَ التَّعْزِيرِ لَهُ؛ وَالشَّفَةُ إِذَا كَانَ يَأْتِي عَلَى المَاءِ كُلِّهِ بِأَنْ كَانَ جَدْوَلًا صَغِيرًا. وَفِيمَا يَرِدُ مِنْ الإِبِلِ وَالمَوَاشِي كَثْرَةٌ قطعه غيره وأحرزه ملكه إلا أنه لا يدخل أرضه بغير إذنه، فإن كان لا يجد ذلك في موضع آخر يقول لصاحب الأرض: إما أن يَحْتَش ويدفع إليه، وإما أن يأذن بالدخول. بخلاف الشجر، فإن الشجر إذا نبت في أرض إنسان بغير إنبات يكون لصاحب الأرض؛ لأنه من أجزاء أرضه، والنص ورد في الكلا بخلاف القياس، والشجر ما له ساق، كالسوس والشوك، والحشيش ما نبت على وجه الأرض بلا ساق فلو أَنْبَتَ الحشيش صاحب الأرض ليس لأحد أن ينتفع به بغير رضاه. وأما بيان الشركة في النار فإن من أوقد نارًا أو سراجًا فلكل أحد أن يستضيء بضوئه، ويصطلي بناره، ويجفف الثياب، لكن لا يأخذ الجمر، فإن ذلك حطب وفحم، وهو ملك صاحبه، حتى لو أخذه وله قيمة كان لصاحبه أن يسترده منه، وإن لم يكن له قيمة لا يسترده منه؛ لأن الناس لا يمنعون هذا القدر عادة، والمانع مُتَعَنّت، والمتعنت ممنوع شرعًا من التعنت. قوله: (والشفة إذا كان يأتي على الماء كله) أي: يفنيه ويستأصله.

стр. 6728

يَنْقَطِعُ المَاءُ بِشُرْبِهَا، قِيلَ: لَا يُمْنَعُ مِنهُ؛ لِأَنَّ الإِبِلَ لَا تَرِدُهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَصَارَ كَالمُيَاوَمَةِ وَهُوَ سَبِيلٌ فِي قِسْمَةِ الشَّرْبِ. وَقِيلَ لَهُ: أَنْ يَمْنَعَ اعْتِبَارًا بِسَقْيِ المَزَارِعِ وَالمَشَاجِرِ، وَالجَامِعُ تَفْوِيتُ حَقِّهِ، وَلَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا المَاءَ مِنهُ لِلْوُضُوءِ وَغَسْلِ الثَّيَابِ فِي الصَّحِيحِ،؛ لِأَنَّ الأَمْرَ بِالوُضُوءِ وَالغُسْلِ فِيهِ - كَمَا قِيلَ - يُؤَدِّي إِلَى الحَرَجِ وَهُوَ مَدْفُوعٌ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْقِيَ شَجَرًا أَوْ خَضِرًا فِي دَارِهِ حَمْلًا بِجِرَارِهِ: لَهُ ذَلِكَ فِي الأَصَحِّ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَتَوَسَّعُونَ فِيهِ، وَيَعُدُّونَ المَنْعَ مِنْ الدَّنَاءَةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْقِيَ قوله: (وهو) أي: المُيَاوَمَة، على تأويل المذكور (سبيل في قسمة الشرب) قال تعالى: ﴿فَمَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] والمشاجر: جمع الشجرة (١): موضع الشجر. وفي المبسوط (٢): وعليه أكثر المشايخ؛ لأن النهر والقناة إنما يشق لسقي الأرض والشجر والزرع، فليس لغيره أن يسوي نفسه بالمستحق ويضره فيما هو المقصود، فلمالكه أن يمنع غيره من سقي أرضه وكسر ضفته باعتبار ذلك، فكذا يمنع فيما نحن فيه؛ لأنه يصير به صاحب الحق يتضرر في المزارع، ككسر الضفة. وعن أحمد: له سقي أرضه على وجه لا يكسر الضفة، وبقولنا قال أصحاب الشافعي ومالك والقاضي الحنبلي. قوله: (ولهم) أي: لأهل الشفة (أن يأخذوا الماء منه) من النهر المملوك والبئر المملوك (في الصحيح) ويحترز به عما قال بعض المشايخ: يتوضأ في النهر ويغسل الثياب فيه، قلنا: فيه من الحرج ما لا يخفى. قوله: (له ذلك في الأصح) واحترز به عن قول بعض المتأخرين من أئمة بلخ، فإنهم قالوا: ليس له ذلك إلا بإذن صاحب النهر؛ لأنه ليس من الشفة. وفي المبسوط: اختلفوا في التوضؤ بماء السقاية؛ قيل: يجوز، وقيل: إن

стр. 6729

أَرْضَهُ وَنَخْلَهُ وَشَجَرَهُ مِنْ نَهْرِ هَذَا الرَّجُلِ وَبِثْرِهِ وَقَنَاتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ نَصًّا، وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ المَاءَ مَتَى دَخَلَ فِي المَقَاسِمِ انْقَطَعَتْ شِرْكَةُ الشَّرْبِ بِوَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ فِي إِبْقَائِهِ قَطْعَ شِرْبِ صَاحِبِهِ، وَلِأَنَّ المَسِيلَ حَقٌّ صَاحِبِ النَّهْرِ، وَالضَّفَّةُ تَعَلَّقَ بِهَا حَقَّهُ، فَلَا يُمْكِنُهُ التَّسْبِيلُ فِيهِ، وَلَا شَقُّ النِّفَّةِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ صَاحِبُهُ فِي ذَلِكَ أَوْ أَعَارَهُ: فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ حَقَّهُ فَتُجْرَى فِيهِ الإِبَاحَةُ كَالمَاءِ المُحَرَّزِ فِي إِنَائِهِ. فَصْلٌ فِي كَرْيِ الْأَنْهَارِ قَالَ ﵁: الأَنْهَارُ ثَلَاثَةٌ: نَهْرٌ غَيْرُ مَمْلُوكِ لِأَحَدٍ، وَلَمْ يَدْخُلْ مَاؤُهُ فِي المَقَاسِمِ بَعْدُ كَالفُرَاتِ وَنَحْوِهِ، وَنَهْرٌ مَمْلُوكٌ دَخَلَ مَاؤُهُ فِي القِسْمَةِ إِلَّا أَنَّهُ عَامٌ. وَنَهْرٌ مَمْلُوكَ كان الماء كثيرًا يجوز، وإلا فلا، وكذا كل ما أعد للشرب لا يجوز منه التوضؤ ويمنع منه كالحياض التي أعدت للشرب، وهو الصحيح. وفي الذخيرة والمنية: عبد أو أمة أو صبي إذا ملأ الكوز من ماء الحوض أو أراق بعض ذلك في الحوض؛ لا يحل لأحد أن يشرب الماء من ذلك الحوض؛ لأن الماء الذي في الكوز يصير ملكًا للآخذ، فإذا اختلط بالماء المباح، ولا يمكن التمييز لا يحل أن يشرب الماء. ولو أمر صبيا أبوه أو أمه بإتيان الماء من الوادي أو الحوض في الكوز فجاء به لا يحل لأبويه أن يشربا من ذلك الماء إذا لم يكونا فقيرين؛ لأن الماء صار مملوكًا له، ولا يحل لهما الأكل من ماله بغير حاجة. وعن محمد؛ أنه يحل لأبويه شربه وإن كانا غَنِيَّين باعتبار العرف والعادة. فَصْلٌ فِي كَرْيِ الْأَنْهَارِ قوله: (إلا أنه عام). وفي مبسوط شيخ الإسلام: كحيفر وفراورد وحرام كارم ببخار ومروروديمر (١).

стр. 6730

دَخَلَ مَاؤُهُ فِي القِسْمَةِ وَهُوَ خَاصٌ وَالفَاصِلُ بَيْنَهُمَا اسْتِحْقَاقُ الشَّفَةِ بِهِ وَعَدَمُهُ. فَالأَوَّلُ: كَرْبُهُ عَلَى السُّلْطَانِ مِنْ بَيْتِ مَالِ المُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الكَرْيِ لَهُمْ، فَتَكُونُ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِمْ، وَيُصْرَفُ إِلَيْهِ مِنْ مُؤْنَةِ الخَرَاجِ وَالجِزْيَةِ دُونَ العُشُورِ وَالصَّدَقَاتِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ لِلْفُقَرَاءِ، وَالأَوَّلَ لِلنَّوَائِبِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ المَالِ شَيْءٌ: فَالإِمَامُ يُجْبِرُ النَّاسَ عَلَى كَرْيِهِ، إِحْيَاءٌ لِمَصْلَحَةِ العَامَّةِ إِذْ هُمْ لَا يُقِيمُونَهَا بِأَنْفُسِهِمْ، وَفِي مِثْلِهِ قَالَ عُمَرُ ﵁: لَوْ تُرِكْتُمْ لَبِعْتُمْ أَوْلَادَكُمْ، إِلَّا أَنَّهُ يُخْرِجُ لَهُ مَنْ كَانَ يُطِيقُهُ، وَيُجْعَلُ مُؤْنَتُهُ عَلَى المَيَاسِيرِ الَّذِينَ لَا يُطِيقُونَهُ بِأَنْفُسِهِمْ. وقيل - في وجه انحصار الأنهار في الثلاثة-: إن النهر لا يخلو من أن يكون عاما لا يختص بأحد أو لا، فإن كان الأول فهو القسم الأول، وإن كان الثاني؛ فإن كان فيه جهة العموم أو لا، والأول: القسم الثاني، والثاني: القسم الثالث. قوله: (والفاصل بينهما) أي: بين الخاص والعام (استحقاق الشفعة (١) به وعدمه) وقد ذكر ذلك في الشفعة أن كل نهر تجري فيه السفن لا يستحق به الشفعة، وما لا يجري يستحق عندهما، وعن أبي يوسف: الخاص ما يسقي منه قراحان أو ثلاثة، وما زاد عام. وفي فتاوى قاضي خان تكلموا في الخاص، قيل: لعشرة فما دونها، أو عليه قرية واحدة، يعني ماؤه، فهو نهر خاص تستحق به الشفعة، ولما فوق العشرة عام. وقيل: إن ما لدون الأربعين فهو خاص، وإن كان لأربعين فهو عام. وقيل: الفاضل المائة، وقيل: الألف، وأصح ما قيل فيه: أنه مفوض إلى رأي المجتهد حتى يختار؛ أي الأقاويل شاء. قوله: ويجعل مؤنته على المياسير كما يفعل في تجهيز الجيوش. قوله: (يخرج له) أي: للكري (من كان يطيقه).

стр. 6731

وَأَمَّا الثَّانِي: فَكَرْيُهُ عَلَى أَهْلِهِ عَلَى بَيْتِ المَالِ؛ لِأَنَّ الحَقَّ لَهُمْ، وَالمَنْفَعَةَ تَعُودُ إِلَيْهِمْ عَلَى الخُصُوصِ وَالخُلُوصِ، وَمَنْ أَبَى مِنهُمْ يُجْبَرُ عَلَى كَرْبِهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ العَامٌ، وَهُوَ ضَرَرُ بَقِيَّةِ الشُّرَكَاءِ، وَضَرَرُ الآبِي خَاصٌ، وَيُقَابِلُهُ عِوَضٌ فَلَا يُعَارَضُ بِهِ؛ وَلَوْ أَرَادُوا أَنْ يُحَصِّنُوهُ خِيفَةَ الِانْبِثَاقِ وَفِيهِ ضَرَرٌ عَامٌ كَغَرَقِ الْأَرَاضِي وَفَسَادِ الطُّرُقِ يُجْبَرُ الآبِي، وَإِلَّا فَلَا، لِأَنَّهُ مَوْهُومٌ بِخِلَافِ الكَرْيِ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ. وَأَمَّا الثَّالِثُ: وَهُوَ الخَاصُّ مِنْ كُلِّ وَجْهِ فَكَرْيُهُ عَلَى أَهْلِهِ لِمَا بَيَّنَّا ثُمَّ قِيلَ: يُجْبَرُ الْآبِي كَمَا فِي الثَّانِي. وَقِيلَ: لَا يُجْبَرُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الضَّرَرَيْنِ خَاصٌ. وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ عَنْهُمْ بِالرُّجُوعِ عَلَى الأَبِي بِمَا أَنْفَقُوا فِيهِ إِذَا كَانَ بِأَمْرِ القَاضِي فَاسْتَوَتْ الجِهَتَانِ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، وَلَا يُجْبَرُ لِحَقِّ الشَّفَةِ كَمَا إِذَا امْتَنَعُوا جَمِيعًا، وَمُؤْنَةٌ كَرْيِ النَّهْرِ المُشْتَرَكِ قوله: (ويقابله عوض) وهو حصته من الشرب (فلا يعارض) أي: الضرر العام (به) أي: بالضرر الخاص، بل يغلب جانب ضرر العام فيجعل ضررًا، ويجب السعي في إعدامه، فالآبي يريد قطع منفعة الماء عن نفسه وشركائه، وليس له ذلك، فلذلك أجر عليه. (الانبثاق) (ويران شدن بيد آب) قيل: يجبر الآبي، وهو قول أبي بكر الإسكاف، كما في الثاني، كما بينا، وقيل: لا يجبر، وهو قول أبي بكر بن سعد البلخي. قوله: (فاستوت الجنبتان) (١) لأن كل واحد من الضررين يعوض؛ لأن ما يلحق الآبي يعوض؛ لأنه يسقي أرضه، وما يلحق الباقي يعوض أيضًا؛ لإمكانهم أن يرفعوا الأمر إلى الحاكم على أن يأذنهم بحفر نصيبه على أن يستوفوا نصيبه من الشرب. كذا في المبسوط والذخيرة. (بخلاف ما تقدم) وهو الإجبار في النهر الثاني؛ فإن من أبى من أهله يجبر عليه؛ لما ذكرنا أن إحدى الجنبتين هناك عام، فيجبر الآبي؛ دفعا للضرر. قوله: (ولا جبر (٢) لِحَقِّ الشَّفَةِ) جواب إشكال، وهو أن يقال: في كري

стр. 6732

عَلَيْهِمْ مِنْ أَعْلَاهُ، فَإِذَا جَاوَزَ أَرْضَ رَجُلٍ رُفِعَ عَنْهُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَقَالَا: هِيَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ بِحِصَصِ الشَّرْبِ وَالْأَرْضِينَ (*)؛ لِأَنَّ لِصَاحِبِ الأَعْلَى حَقًّا فِي الأَسْفَلِ لِاحْتِيَاجِهِ إِلَى تَسْبِيلِ مَا فَضَلَ مِنْ المَاءِ فِيهِ. وَلَهُ: أَنَّ المَقْصِدَ مِنْ الكَرْيِ الانْتِفَاعُ بِالسَّقْيِ، وَقَدْ حَصَلَ لِصَاحِبِ الأَعْلَى. فَلَا يَلْزَمُهُ إِنْفَاعُ غَيْرِهِ، النهر الخاص إحياء حق الشفة للعامة، فيكون في الترك ضرر عام، فينبغي أن يجبر الآبي؛ دفعًا للضرر العام، وهو قول بعض المتأخرين من مشايخنا، فإنه ذكر في المبسوط (١): هذا إذا أبى البعض، فلو أبى الكل عن الكري ففي ظاهر الرواية: لا يجبرهم الإمام، كما لو امتنعوا عن عمارة أراضيهم، وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: يجبرهم لحق أصحاب الشفة. قوله: (وهذا) أي: رفع مؤنة الكري (عند أبي حنيفة) وبه قال الشافعي وأحمد. وفي فتاوى قاضي خان وبقوله أخذوا في الفتوى، [بيانه] (٢) مثلا: الشركاء عشرة، فمؤنة الكري من أول النهر إلى أن يجاوزوا أرضًا أخرى عشر عنده. وعندهما؛ عشر مؤنة الكري إلى آخره. قوله: (لأن لصاحب الأعلى [حقا] (٣) في الأسفل) أي: في أسفل النهر (لحاجته إلى تسييل) إلى آخره، فإنه إذا سدد ذلك فاض الماء على أرضه فأفسد زرعه، فعلم أن كل واحد ينتفع بالنهر من أوله إلى آخره، ولهذا يستحق الشفعة بمثل هذا النهر، وحق أهل الأعلى والأسفل في ذلك سواء، فإذا استووا في الغنم يستوون في الغرم، وهو مؤنة الكري. قوله: (فلا يلزمه إنفاع غيره) والصواب: نفع غيره؛ لأن الإنفاع في معنى النفع غير مسموع. كذا ذكره الزرنوجي.

стр. 6733

وَلَيْسَ عَلَى صَاحِبِ السَّيْلِ عِمَارَتُهُ كَمَا إِذَا كَانَ لَهُ مَسِيلٌ عَلَى سَطْحِ غَيْرِهِ، كَيْفَ وَأَنَّهُ يُمْكِنُهُ دَفْعُ المَاءِ عَنْ أَرْضِهِ بِسَدِّهِ مِنْ أَعْلَاهُ، ثُمَّ إِنَّمَا يُرْفَعُ عَنْهُ إِذَا جَاوَزَ أَرْضَهُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَقِيلَ: إِذَا جَاوَزَ فُوَّهَةَ نَهْرِهِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀. وَالأَوَّلُ: أَصَحُّ؛ لِأَنَّ لَهُ رَأيًا فِي اتِّخَاذِ الفُوَّهَةِ مِنْ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ، فَإِذَا جَاوَزَ الكَرْيُ أَرْضَهُ حَتَّى سَقَطَتْ عَنْهُ مُؤْنَتُهُ، قِيلَ: لَهُ أَنْ يَفْتَحَ المَاءَ لِيَسْقِيَ أَرْضَهُ، لِانْتِهَاءِ الكَرْيِ فِي حَقِّهِ، وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَفْرُغْ شُرَكَاؤُهُ نَفْيًا لِاخْتِصَاصِهِ، وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ الشَّفَةِ مِنْ الكَرْيِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُحْصَوْنَ، وَلِأَنَّهُمْ أَتْبَاعٌ. قوله: (ليس على صاحب السيل … ) إلى آخره، هذا جواب عن قولهما، يعني لا يلزمه شيء باعتبار تسييل ما فضل، كما لا يلزمه على من له تسييل ماء سطحه على سطح جاره من عمارة سطح جاره، ثم هو متمكن من دفع الضرر عن نفسه بدون كري أسفل النهر، بأن يسد فوهة النهر من أعلاه إذا استغنى عن الماء، فعلم أن الحاجة المعتبرة في إلزام مؤنة الكري سقي الأرض، ولهذا قال بعض المشايخ: إن الكري يرفع عنه إذا جاوز فوهة النهر، والأصح أن عليه مؤنة الكري إلى أن يجاوز أرضه، كما أشار إليه في الأصل. قوله: (نفيًا لاختصاصه) أي: بالانتفاع بالماء دون شركائه، وللتحرز عن هذا الخلاف اختار المتأخرون بالبداية بالكري من أسفل النهر، أو يترك بعض النهر من أعلاه حتى يفرغ من أسفله. قوله: (لأنهم) أي: أهل الشفة (لا يحصون) لأنهم جميع أهل الدنيا، وليس البعض أولى من البعض، ولهذا لا يستحقون الشفعة حتى يلزم الغرم بإزاء الغنم. ولأنهم أتباع والمؤنة على الأصول لا على الأتباع، ولهذا مؤنة قتيل المحلة على عاقلة أصحاب الخطة دون المشترين والسكان. كذا في المبسوط (١) وغيره.

стр. 6734

فَصْلٌ فِي الدَّعْوَى والاخْتِلافِ والتَّصَرُّفِ فِيهِ قَالَ: (وَتَصِحٌ دَعْوَى الشِّرْبِ بِغَيْرِ أَرْضِ اسْتِحْسَانًا)؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُمْلَكُ بِدُونِ الأَرْضِ إِرْثًا، وَقَدْ يَبِيعُ الأَرْضَ وَيَبْقَى الشِّرْبُ لَهُ، وَهُوَ مَرْغُوبٌ فِيهِ، فَيَصِحٌ فِيهِ الدَّعْوَى (وَإِذَا كَانَ نَهْرٌ لِرَجُلٍ يَجْرِي فِي أَرْضِ غَيْرِهِ، فَأَرَادَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَنْ لَا يَجْرِي النَّهْرُ فِي أَرْضِهِ: تُرِكَ عَلَى حَالِهِ)؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ لَهُ بِإِجْرَاءِ مَائِهِ. فَعِنْدَ الاخْتِلَافِ يَكُونُ القَوْلُ قَوْلَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ، وَلَمْ يَكُنْ جَارِيًا: فَعَلَيْهِ البَيِّنَةُ أَنَّ هَذَا النَّهْرَ لَهُ، أَوْ أَنَّهُ قَدْ كَانَ مَجْرَاهُ لَهُ فِي هَذَا النَّهْرِ يَسُوقُهُ إِلَى أَرْضِهِ لِيَسْقِيَهَا، فَيَقْضِي لَهُ، لِإِثْبَاتِهِ بِالحُجَّةِ مِلْكًا لَهُ أَوْ حَقًّا مُسْتَحَقًّا فِيهِ، فَصْلٌ فِي دَعْوَى الشرب وَالِاخْتِلَافِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ لما فرغ من بيان مسائل الشرب شرع في الاختلاف فيه؛ لأنه عارض. قوله: (استحسانًا) وفي القياس: لا يصلح؛ لأن شرط صحة الدعوى إعلام المدعي في الدعوى والشهادة، والشرب مجهول جهالةً لا تقبل الإعلام، ولأنه يطلب من القاضي القضاء له بالملك في المدعى إذا برهن، والشرب لا يحتمل التملك بلا أرض، فلا يسمع القاضي الدعوى، كالخمر في حق المسلمين، وجه الاستحسان أنه قد يملك إرثًا ووصية. (وهو) أي: الشرب (مرغوب فيه) ينتفع به، فإذا استولى عليه غيره كان له دفع الظلم عن نفسه بإثبات حقه. كذا في المبسوط. قوله: (تُرِكَ على حاله) أي: لم يكن له ذلك، بل يترك على حاله؛ لأن موضع النهر في يد رب النهر مستعمل له بإجراء مائه، فعند ذلك الاختلاف القول قوله في أنه ملكه. قوله: (فإن لم يكن في يده)؛ بأن لم تكن أشجاره في طرفي النهر، ولم يكن مستعملا بإجراء مائه. قوله: (أو أنه قد كان مجراه)؛ أي: موضع إجراء مائه، يعني يدعي هو التسييل. (ملكا)؛ أي: فيما إذا كان ادعى ملك الرقبة (أو حقًا مستحقا فيه)؛ أي: فيما إذا ادعى حق التسييل.

стр. 6735

وَعَلَى هَذَا المَصَبُّ فِي نَهْرٍ أَوْ عَلَى سَطْحٍ أَوْ المِيزَابُ أَوْ المَمْشَى فِي دَارِ غَيْرِهِ، فَحُكْمُ الاخْتِلَافِ فِيهَا نَظِيرُهُ فِي الشِّرْبِ (وَإِذَا كَانَ نَهْرٌ بَيْنَ قَوْمٍ وَاخْتَصَمُوا فِي الشِّرْبِ: كَانَ الشَّرْبُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَرَاضِيهِمْ)؛ لِأَنَّ المَقْصُودَ الانْتِفَاعُ بِسَقْيِهَا فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ، بِخِلَافِ الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّ المَقْصُودَ التَّطَرُّقُ وَهُوَ فِي الدَّارِ الوَاسِعَةِ وَالضَّيِّقَةِ عَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ كَانَ الأَعْلَى مِنْهُمْ لَا يَشْرَبُ حَتَّى يَسْكُرَ النَّهْرَ: … ... (المَصَبُّ) موضع جري الماء، وبالفارسية: (أب دهه). (فحكم الاختلاف)؛ أي: اختلاف المُدّعين، وكذا حكم الاختلاف في الممشى في دار غيره نظير الاختلاف في الشرب. قوله: (فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ) أي: بقدر الانتفاع؛ لأن الحاجة في ذلك تختلف بقلة الأراضي وكثرتها؛ فالظاهر أن حق كل واحد من الشرب بقدر أرضه وقدر حاجته؛ فالبناء على الظاهر واجب حتى يتبين خلافه. ولا يقال: [يَدُهُمْ] (١) على الماء على السواء، فيجب المساواة في الاستحقاق عند الاشتباه. لأن اليد على الماء في النهر لا تثبت حقيقة لأحد، وإنما ذلك بالانتفاع بالماء، والظاهر أن الانتفاع لمن له عشر أراض لا يكون مثل انتفاع من له أرض واحدة، وإحراز الماء بحسب الانتفاع، فتثبت اليد عليه بحسب ذلك. قوله: (بخلاف الطريق) يعني إذا اختصم فيه الشركاء فإنهم يستوون في ملك رقبة الأرض، ولا تعتبر في ذلك سعة الدار وضيقها؛ لأن الطريق لا تثبت اليد عليه، والمقصود منه التطرق، والتطرق فيه إلى الدار الواسعة والضيقة بصفة واحدة. كذا في المبسوط (٢). قوله: (على نمط واحد) أي: نهج واحد، وفي بعض النسخ: (على صفة واحدة). قوله: (حتى يسكر) السكر: مصدر سكرت النهر سكرًا، إذا سددته، من

стр. 6736

لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّ البَاقِينَ، وَلَكِنَّهُ يَشْرَبُ بِحِيَّتِهِ، فَإِنْ تَرَاضَوْا عَلَى أَنْ يَسْكُرَ الأَعْلَى النَّهْرَ حَتَّى يَشْرَبَ بِحِيَّتِهِ، أَوْ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يَسْكُرَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فِي نَوْبَتِهِ: جَازَ؛ لِأَنَّ الحَقَّ لَهُ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا تَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ بِلَوْحٍ لَا يَسْكُرُ باب (نصر)، والسكر، بالكسر: الغرم. كذا في الصحاح (١). (لم يكن له) أي: الأعلى أن يسكر النهر على الأسفل (ولكنه يشرب بحصته) أي: من غير سكر؛ لأن في السكر قطع منفعة الماء عن أهل الأسفل في بعض المدة، ولأن في السكر إحداث شيء في وسط النهر، ورقبة النهر مشتركة بينهم؛ فلا يجوز ذلك لبعض الشركاء بدون إذنهم. قوله: (إلا أنه)؛ أي: الأعلى إذا تمكن أن يسكر بلوح أو باب أو حشيش فليس له أن يسكر بالطين والتراب؛ لأنه ينكبس النهر به عادة، وفيه إضرار بالشركاء بلا حاجة، إلا أن يتراضوا على ذلك. وفي فتاوى قاضي خان: ولو كان الماء في النهر بحيث لا يجري إلى أرض كل واحد إلا بالسكر فإنه يبدأ بأهل الأسفل، ثم بعد ذلك لأهل الأعلى أن يسكروا ليرتفع الماء إلى أراضيهم. وفي المبسوط (٢): عن ابن مسعود: أهل الأسفل أمراء على أهل الأعلى حتى يرووا، وفيه دليل أنه ليس لأهل الأعلى أن يسكروا النهر ويحبسوا الماء عن أهل الأسفل. وفي المغني لابن قدامة (٣): ولو كان نهرًا صغيرًا أو سيلًا فَتَشَاحُّ أهل الأرضين الشاربة فيه، فإنه يبدأ بالأعلى ويسقي حتى يبلغ إلى الكعب، ثم يرسل بالذي يليه كذلك إلى انتهاء الأراضي، فإن لم يفضل عن الأول شيء أو الثاني أو الثالث لا شيء للباقين؛ لأنه ليس لهم إلا ما فضل، فهم كالعصبة في الميراث، وهذا قول فقهاء المدينة ومالك والشافعي، ولا نعلم فيه مخالفا.

стр. 6737

بِمَا يَنْكَبِسُ بِهِ النَّهْرُ مِنْ غَيْرِ تَرَاضٍ، لِكَوْنِهِ إِضْرَارًا بِهِمْ، وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَكْرِيَ مِنهُ نَهْرًا أَوْ يَنْصِبَ عَلَيْهِ رَحَى مَاءٍ إِلَّا بِرِضَا أَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ كَسْرَ ضِفَّةِ النَّهْرِ وَشَغْلَ مَوْضِعِ مُشْتَرَكِ بِالبِنَاءِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَحّى لَا يَضُرُّ بِالنَّهْرِ وَلَا بِالمَاءِ، وَيَكُونُ مَوْضِعُهَا فِي أَرْضِ صَاحِبِهَا؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ وَلَا ضَرَرَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ. وَمَعْنَى الضَّرَرِ بِالنَّهْرِ مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ كَسْرِ ضِفَتِهِ، وَبِالمَاءِ أَنْ يَتَغَيَّرَ عَنْ سُنَنِهِ الَّذِي كَانَ يَجْرِي عَلَيْهِ، وَالدَّالِيَةُ وَالسَّانِيَةُ نَظِيرُ الرَّحَى، وَلَا يَتَّخِذَ عَلَيْهِ جِسْرًا وَلَا قَنْطَرَةً والأصل فيه ما روى ابن الزبير أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرة التي يسقون بها إلى النبي ﷺ ، فقال ﷺ : «اِسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلِ الماء» متفق عليه (١)، ورواه مالك في الموطأ، قال ابن عبد البر: هذا حديث مشهور عند أهل المدينة. هذا في مهزور (٢) السيل، أما إذا كان النهر ملكا لهم، بأن أخرجوه وتَشَاحُوا في قسمة الماء قسمه الحاكم على قدر أراضيهم، فعلم أنه لا خلاف في المملوك. قوله: (ويكون موضعها في أرض صاحبها)؛ بأن يكون بطن النهر وحافتاه مملوكًا له، وللآخر حق التسييل كذا في المبسوط والمحيط. (الدالية): جذع طويل مركب تركيب مداقٌ الأرز، وفي رأسه مغرفة كبيرة يستقى بها، (والسانية): البعير يسني عليه، أي: يستقي (جسراً): ما يوضع ويرفع (قنطرةً): ما يتخذ من الآجر والحجر، لا ترفع. وفي المغرب (٣): ما يبنى على الماء للعبور، والجسر عام، فإن الجسر ما

стр. 6738

بِمَنْزِلَةِ طَرِيقٍ خَاصٍّ بَيْنَ قَوْمٍ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ لِوَاحِدٍ نَهْرٌ خَاصٌّ يَأْخُذُ مِنْ نَهْرٍ خَاصٍّ بَيْنَ قَوْمٍ فَأَرَادَ أَنْ يُقَنْطِرَ عَلَيْهِ وَيَسْتَوْثِقَ مِنْهُ: لَهُ ذَلِكَ، أَوْ كَانَ مُقَنْطِرًا مُسْتَوْثِقًا فَأَرَادَ أَنْ يَنْقُضَ ذَلِكَ: وَلَا يَزِيدَ ذَلِكَ فِي أَخْذِ المَاءِ حَيْثُ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ وَضْعًا وَرَفْعًا. وَلَا ضَرَرَ بِالشُّرَكَاءِ بِأَخْذِ زِيَادَةِ المَاءِ، وَيُمْنَعُ مِنْ أَنْ يُوَسِّعَ فَمَ النَّهْرِ؛ لِأَنَّهُ يَكْسِرُ ضِفَّةَ النَّهْرِ، وَيَزِيدُ عَلَى مِقْدَارِ حَقِّهِ فِي أَخْذِ المَاءِ، وَكَذَا إِذَا كَانَتْ القِسْمَةُ بِالكُوَى، وَكَذَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يُؤَخِّرَهَا عَنْ فَمِ النَّهْرِ، فَيَجْعَلَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ مِنهُ لِاحْتِبَاسِ المَاءِ فِيهِ، فَيَزْدَادُ دُخُولُ المَاءِ فِيهِ. بِخِلَافِ مَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يُسْفِلَ كُوَاهُ أَوْ يَرْفَعَهَا حَيْثُ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ؛ يعبر به النهر وغيره مبنيا كان أو غير مبني، والفتح لغة. (ويستوثق منه)؛ أي: بشد جانبي القنطرة من النهر. (ولا ضرر بالشركاء) الواو للحال؛ لأن الكلام فيه. قوله: (وكذا إذا كانت القسمة بالكوى)؛ أي: ليس له أن يوسع الكوة (وكذا إذا أراد أن يؤخرها؛ أي: الكوة فيجعلها في أربعة أذرع منه)؛ أي: من فم النهر، وهذا التقدير اتفاقي، والعبرة للاختصاص، وصورة هذا إذا كانت الألواح التي فيها الكوة في فم النهر أراد أن يؤخرها عن ضفة النهر، فيجعلها في وسط النهر، ويدع فوهة (١) النهر بغير لوح. كذا في الذخيرة. وفي الصحاح (٢): الكوة: نقب البيت، والجمع كواء، بالمد، وكوى أيضًا، مقصور والكوة بالضم: لغة، ويجمع على كوى، وتستعار الكوى بمفاتح الماء إلى المزارع والجداول، يقال: كوى النهر. وفي المغرب (٣): الكوة: مورى آب. قوله: (أراد أن يسفل)؛ أي: يضعها أعمق ما كان (أو يرفعها) عما كان

стр. 6739

لِأَنَّ قِسْمَةَ المَاءِ فِي الأَصْلِ بِاعْتِبَارِ سَعَةِ الكُوَّةِ وَضِيقِهَا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ التَّسَفُلِ وَالتَّرَفْعِ، وَهُوَ العَادَةُ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ تَغْيِيرُ مَوْضِعِ القِسْمَةِ، وَلَوْ كَانَتْ القِسْمَةُ وَقَعَتْ بِالكُوَى فَأَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يُقَسِّمَ بِالأَيَّامِ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ القَدِيمَ يُتْرَكُ عَلَى قِدَمِهِ لِظُهُورِ الحَقِّ فِيهِ. وَلَوْ كَانَ لِكُلِّ مِنهُمْ كُوّى مُسَمَّاةٌ فِي نَهْرٍ خَاصٌ لَيْسَ لِوَاحِدٍ أَنْ يَزِيدَ كُوَّةٌ، وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِأَهْلِهِ؛ لِأَنَّ الشِّرْكَةَ خَاصَّةٌ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَتْ الكُوَى فِي النَّهْرِ الأَعْظَمِ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ مِنهُمْ أَنْ يَشُقَّ نَهْرًا مِنْهُ ابْتِدَاءٌ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ فِي الكُوَى بِالطَّرِيقِ الأَوْلَى وَلَيْسَ لِأَحَدِ الشُّرَكَاءِ فِي النَّهْرِ أَنْ يَسُوقَ شِرْبَهُ إِلَى أَرْضِ لَهُ أُخْرَى، لَيْسَ لَهَا فِي ذَلِكَ شِرْبٌ؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَقَادَمَ العَهْدُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ حَقَّهُ (وَكَذَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسُوقَ شِرْبَهُ فِي أَرْضِهِ الأُولَى حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى هَذِهِ الْأَرْضِ الْأُخْرَى)؛ لِأَنَّهُ يَسْتَوْفِي زِيَادَةً عَلَى حَقِّهِ، إذ الأَرْضُ الأُولَى تُنَشِّفُ بَعْضَ المَاءِ قَبْلَ وهي في ذلك الموضع. (لظهور الحق فيه)؛ أي في القديم، فلا ينتقض إلا برضاهم، والمُحْدَث لا يثبت إلا بحجة. قوله: (كوى مسماة)؛ أي: معدودة في النهر الأعظم، مثل دجلة والفرات والنيل فلو زاد في ملكه كوة أو كوتين ولا يضر ذلك بأهل النهر فله ذلك؛ لأن الماء في النهر الأعظم لم يدخل في المقاسم بعد، فكان على أصل الإباحة كما كان، فزيادة كوة أو كوتين لا يكون أقوى من شق النهر ابتداء من هذا النهر الأعظم، وهو غير ممنوع عنه، فهذا مثله، بل أولى. قوله: (يستدل به)؛ أي: بسوق الماء إليه على أن سوق الماء إليه حقه، وبه قال الشافعي ومالك والقاضي الحنبلي. وعن أحمد في رواية: جاز له ذلك إذا كان على وجه لا يتصرف في حافة النهر، وكذا جواز أن يقرضه أو يهبه. قوله: (تُنَشِّفُ) أي: تتشرب بعض الماء، هذا الذي ذكره فيما إذا ملأ صاحب الأرضين أرضه التي لها حق الشرب، ثم فتح مسناتها وأجرى الماء إلى

стр. 6740

أَنْ تُسْقَى الأَرْضُ الأُخْرَى، وَهُوَ نَظِيرُ طَرِيقٍ مُشْتَرَكِ أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَفْتَحَ فِيهِ بَابًا إِلَى دَارٍ أُخْرَى سَاكِنُهَا غَيْرُ سَاكِنِ هَذِهِ الدَّارِ الَّتِي يَفْتَحُهَا فِي هَذَا الطَّرِيقِ، وَلَوْ أَرَادَ الأَعْلَى مِنْ الشَّرِيكَيْنِ فِي النَّهْرِ الخَاصٌ - وَفِيهِ كُوّى بَيْنَهُمَا - أَنْ يَسُدَّ بَعْضَهَا، دَفْعًا لِفَيْضِ المَاءِ عَنْ أَرْضِهِ، كَيْ لَا تَنِزَّ. لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ بِالْآخَرِ، وَكَذَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يُقَسِّمَ الشِّرْبَ مُنَاصَفَةٌ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ القِسْمَةَ بِالكُوَى تَقَدَّمَتْ إِلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا؛ لِأَنَّ الحَقَّ لَهُمَا، وَبَعْضُ التَّرَاضِي لِصَاحِبِ الأَسْفَلِ أَنْ يَنْقُضَ ذَلِكَ. وَكَذَا لِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ؛ لِأَنَّهُ إِعَارَةُ الشَّرْبِ، … .. أرضه التي ليس لها حق الشرب، وسقاها بالماء الذي ملأ أرضه الأولى. أما إذا أجرى الماء من الأرض الأولى كما بلغ إلى الأخرى يمنع أيضًا لا باعتبار كثرة الماء وقلته؛ بل باعتبار أن حقه سقي أرض، وبهذا يصير حقه سقي أرضين. إليه أشار في المبسوط. قوله: (ساكنها غير ساكن هذه الدار) قيد به؛ لأنه لو كان ساكن الدارين واحدا كان له أن يفتح بابا إلى دار أخرى. ذكره في المبسوط (١). قوله: (كي لا تنز). وفي الصحاح: النَّزّ والنُّزّ (٢): ما يتحلب [في] (٣) الأرض من الماء، وقد أَنَزَّتِ الأرضُ: صارت ذات نَزّ، وبالفارسية: (تنز بازغا يسود). قوله: (مناصفة)؛ أي: بالأيام أو الشهور، ويقول: إذا كان في حصتي سددت منها ما بدا لي، وأنت في حصتك افتحها، فليس له ذلك؛ لأن القسمة تمت بينهما مرة بالكوى، فلا يكون لأحدهما أن يطلب قسمة أخرى، والانتفاع بالماء في القسمة الأولى لكل واحد مستدام، وفي طلبه انتفع كل واحد في بعض المدة، وربما يضر ذلك صاحب السفل. كذا في المبسوط (٤). قوله: (لأنه إعارة)؛ أي: كل واحد منهما معير لصاحبه نصيبه من الشرب،

стр. 6741

فَإِنَّ مُبَادَلَةَ الشَّرْبِ بِالشَّرْبِ بَاطِلَةٌ، وَالشَّرْبُ مِمَّا يُورَثُ وَيُوصَى بِالِانْتِفَاعِ بِعَيْنِهِ، بِخِلَافِ البَيْعِ وَالهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالوَصِيَّةِ بِذَلِكَ، حَيْثُ لَا تَجُوزُ العُقُودُ إِمَّا لِلْجَهَالَةِ أَوْ لِلْغَرَرِ، أَوْ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٌ حَتَّى لَا يَضْمَنَ إِذَا سَقَى مِنْ شِرْبِ غَيْرِهِ، وَإِذَا بَطَلَت العُقُودُ فَالوَصِيَّةُ بِالبَاطِلِ بَاطِلَةٌ، وَكَذَا لَا يَصْلُحُ مُسَمًّى فِي النِّكَاحِ حَتَّى يَجِبُ وللمعير أن يرجع متى شاء، وكذا لورثته بعده؛ لأنهم خلفاؤه في ذلك؛ وهذا لأنه لا يمكن أن يجعل ما تراضيا عليه مبادلة، فإن بيع الشرب بالشرب، أو إجارة الشرب بالشرب باطل؛ لأنه بيع الجنس بالجنس نساء؛ إذ ماء الغد ليس بموجود في اليوم، فصار كبيع القوهي بالقوهي نساءً، ولأن معاوضة المال بالمال المجهول والغرر، فإنه لا يدري أن الماء يجري فيه في الزمان الثاني أم لا، لا يجوز والماء في النهر غير مملوك، والانتفاع به مجهول، فالشرب أولى، وهذا معنى قوله: (ومبادلة الشرب بالشرب باطلة). قوله: بالانتفاع بعينه قيد به؛ لأن الإيصاء بالانتفاع ببيعه لا يجوز، وإنما يملك بالإرث والوصية، وإن كان لا يملك بالبيع والهبة والصدقة؛ لأنه حق، كالقصاص والدين، فيقوم الوارث أو الوصي مقامه. أما لا يجوز تملكه بالبيع والهبة والصدقة؛ للغرور، فإنه على خطر الوجود أو الجهالة كما ذكرنا، أو لعدم الملك فيه للحال، أو لأنه ليس بمال متقوم، حتى لو أتلف شرب إنسان بأن سقى أرضه من شرب غيره لا يضمن على رواية الأصل، وإن اختار فخر الإسلام أنه يضمن. قوله: (والوصية بالباطل باطلة)؛ أي: الوصية بهذه العقود؛ بأن يوصي أن يبيع شربه من هذا الرجل أو يوهب أو يتصدق عليه. قوله: (مسمى في النكاح)؛ بأن تزوج امرأة على شرب بغير أرض، أو خالع امرأته على شرب أرضها بغير أرض كان باطلا؛ لتفاحش الجهالة في الشرب، فيصح النكاح والخلع، ويجب مهر المثل في النكاح؛ لعدم صحة التسمية، وترد المهر الذي أخذت من زوجها؛ لأنها أطمعت الزوج بهذه التسمية ما هو مرغوب فيه، فتصير غارةً له بهذه التسمية، والغرور في الخلع يلزمها رد ما قبضت، كما لو اختلعت بما في يدها من المال، أو بما في بيتها من المتاع،

стр. 6742

مَهْرُ المِثْلِ، وَلَا فِي الخُلْعِ حَتَّى يَجِبُ رَدُّ مَا قَبَضَتْ مِنْ الصَّدَاقِ لِتَفَاحُشِ الجَهَالَةِ. وَلَا يَصْلُحُ بَدَلُ الصُّلْحِ عَنْ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْلَكُ بِشَيْءٍ مِنْ العُقُودِ. وَلَا يُبَاعُ الشَّرْبُ فِي دَيْنِ صَاحِبِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِدُونِ أَرْضِ كَمَا فِي حَالِ حَيَاتِهِ، وَكَيْفَ يَصْنَعُ الإِمَامُ؟ الأَصَحُ: أَنْ يَضُمَّهُ إِلَى أَرْضٍ لَا شِرْبَ لَهَا فَيَبِيعَهَا بِإِذْنِ صَاحِبِهَا، ثُمَّ يَنْظُرُ وليس في يدها وبيتها شيء. والصلح من الدعوى على الشرب باطل؛ لأنه لا يملك بشيء من العقود، وقد بينا أن ما لا يستحق بالعقود فالصلح عليه باطل، فصاحب الدعوى على دعواه. ولو كان الصلح عليه من قصاص في نفس أو فيما دونها فالصلح باطل، وجاز العفو، وعلى القاتل الدية وأرش الجراحة؛ لأن الصلح من القود على شيء نظير الخلع. هذا كله من المبسوط. قوله: (والأصح) هذا احتراز عما قال بعض المشايخ أن الإمام يتخذ حوضًا فيجمع فيه ذلك الماء في كل نوبة، ثم يبيع الماء الذي جمعه في الحوض ويقضي به الدين، فقال ﵀: (والأصح أنه ينظر (١) إلى أرض لا شرب لها … ) إلى آخر ما ذكر في الكتاب، وهكذا ذكره في المبسوط. وفي مبسوط شيخ الإسلام والسبيل في ذلك أن يقال للمقومين: إن العلماء لو اتفقوا على جواز بيع الشرب بلا أرض، بكم كان يُشترى هذا الشرب؟ وهو نظير ما قاله بعض أئمة بلخ أنه إذا زنى بامرأة بشبهة فعليه عقرها، فينظر: بكم كانت تستأجر على الزنا لو كان الاستئجار عليه جائزا؟ فيجعل ذلك عقرها. وهذا كما قالوا أيضًا في المدبر أن السبيل في معرفة قيمته أن يقال للمقومين: بكم يشترى؟ على أن يكون المشتري أحق بمنافعه دون رقبته، على أن يعتق بعد موت المولى، وقال أكثر مشايخنا ما ذكره في الكتاب.

стр. 6743

إِلَى قِيمَةِ الأَرْضِ مَعَ الشِّرْبِ وَبِدُونِهِ، فَيَصْرِفُ التَّفَاوُتَ إِلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ، اشْتَرَى عَلَى تَرِكَةِ المَيِّتِ أَرْضًا بِغَيْرِ شِرْبٍ، ثُمَّ ضَمَّ الشِّرْبَ إِلَيْهَا وَبَاعَهُمَا فَيَصْرِفُ مِنْ الثَّمَنِ إِلَى ثَمَنِ الأَرْضِ، وَيَصْرِفُ الفَاضِلَ إِلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ (وَإِذَا سَقَى الرَّجُلُ أَرْضَهُ، أَوْ مَخَرَهَا مَاءً أَيْ مَلَأَهَا فَسَالَ مِنْ مَائِهَا فِي أَرْضِ رَجُلٍ فَغَرَّقَهَا، أَوْ نَزَّتْ أَرْضُ جَارِهِ مِنْ هَذَا المَاءِ: لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانُهَا)؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدِّ فيه. وفي الصحاح (١): يقال: مخرت الأرض، أي: أرسلت ماء فيها. قوله: (لأنه غير مُتَعَدِّ فيه) فلا يضمن؛ لأنه سبب لا صاحب علة؛ إذ كون الفعل علة للشيء إنما يعرف بالأثر اللازم له، وأثر اللازم لفعله اجتماع الماء في أرضه، ونَزُّ أرض جاره بشربها وجذبها، وهو أمر اتفاقي قد يكون وقد لا يكون، ولا يضاف إلى فعله، إلا أنه لولا فعله لما حصل هذا الفساد، فصار فعله في حق هذا الأثر سببًا محضًا، والمسبب إنما يضمن إذا تعدى، كحافر البئر وواضع الحجر، وفعله في أرضه مباح، فلم يضمن. وعن الهندواني: تأويل ما قاله محمد: إذا سقى سقيا معتادًا يحتمل أرضه عادة، أما إذا سقى سقيًا غير معتاد أو لا تحتمل أرضه ذلك، أو سقى في غير نوبته يضمن استحسانًا؛ لأنه أجرى الماء في أرض جاره تقديرًا. ولو تعدى إلى أرض جاره وهو يرى ولا يخبره يضمن. ذكره البقالي. وقيل: إذا سقى سقيًا معتادًا وتعدى إلى أرض جاره؛ فإن كان الجار قد تقدم إليه بالأحكام فلم يفعل ضمن استحسانًا، كما في الحائط المائل، وإن لم يتقدم لا يضمن. وفي المحيط: ولو كان في أرضه جحر فأرة فتعدى إلى أرض جاره؛ إن كان لا يعلم به لا يضمن، وإن علم يضمن، وعلى هذا لو فتح رأس نهر فسال إلى أرض جاره فغرقت؛ فإن فتح مثل ما يُفتح عرفًا وعادة لا يضمن، وإن فتح

стр. 6744

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أكثر من ذلك في مثل ذلك النهر يضمن. ولو كان له مجرى ماء بقرب دار جاره فأجرى الماء في النهر ما لا يحتمل النهر، فدخل في جدار داره فخربها؛ إن كان الثقب خفيا لولا الثقب ما تعدى لا يضمن، وإن تعدى بغير ثقب ضمن. ولو انبثق نهر فجرى في أرض قوم فخربت أراضيهم فليس لهم أن يأخذوا أصحاب النهر بعمار الأرضين، ولهم أن يأخذوهم بعمارة النهر. ولو كان له مجرى ماء على سطح غيره فخرب السطح فإصلاح المجرى على صاحب المجرى. وذكر الهندواني: لو ألقى رجل شاة ميتة في نهر طاحونة، فسار الماء بها في الطاحونة، فخربت الطاحونة؛ إن كان النهر لا يحتاج إلى الكري فلا ضمان عليه، وإن كان يحتاج يضمن إن علم أنها خربت من ذلك. والله سبحانه أعلم.

стр. 6745

كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ سُمِّيَ بِهَا، وَهِيَ جَمْعُ شَرَابٍ لِمَا فِيهِ مِنْ بَيَانِ حُكْمِهَا. قَالَ: (الأَشْرِبَةُ المُحَرَّمَةُ أَرْبَعَةٌ: الخَمْرُ: وَهِيَ عَصِيرُ العِنَبِ إِذَا عَلَى وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ، وَالعَصِيرُ كِتَابُ الأَشْرِبَةِ أورد الأشربة بعد الشرب؛ لأنهما شعبتا عرق واحد لفظا ومعنى، فلذلك أوردها هكذا، كما في عامة الكتب من المبسوط والذخيرة والمغني والتحفة والقدوري، إلا أنه قدم الشرب؛ لما أنه حلال أو لأنه في تبعية ذكر إحياء الموات؛ لأنه سبب الإحياء، والأشربة المحرمة سبب لموت العقل، فقدم الحياة على الموت. ثم محاسن حرمة الأشربة المسكرة ظاهرة؛ لأنها مزيل للعقل الذي هو أشرف الأشياء وأعزها؛ لتعلق خطابات الشرع به، إلا أن الخمر أبيحت على الأمم الماضية؛ لطول أعمارهم وجسامة أبدانهم، فيتحملون آفة الشراب، ولا يتسارع إليهم السكر، ففي إباحتها صلاح لهم كثيرة نفعها، أما هذه الأمة فقصيرة أعمارها ضعيفة الأبدان، ويتسارع إليهم السكر بشرب قليل منها، فصلاحهم في حرمتها قليلها وكثيرها، وإنما أبيحت في بدء الإسلام ليعاينوا (١) الفساد في الخمر، حتى إذا حرمت عليهم عرفوا منة الحق لديهم، وليس الخبر كالمعاينة. فالأشربة: جمع الشراب، وهو كل ما يشرب من المائعات لغةً. والمراد في هذا الكتاب ما حرم منها، وسمي الكتاب بها؛ لما فيه من بيان حكمها، كما سمي كتاب البيوع والحدود. قوله: (والأشربة … ) إلى آخره. وفي المحيط: الأعيان التي تتخذ منها الأشربة: العنب والتمر والزبيب،

стр. 6746

إِذَا طُبِخَ حَتَّى يَذْهَبَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثَيْهِ) وَهُوَ الطَّلَاءُ المَذْكُورُ فِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَنَقِيعُ التَّمْرِ وَهُوَ السَّكَرُ، وَنَقِيعُ الرَّبِيبِ إِذَا اشْتَدَّ وَغَلَى) أَمَّا الخَمْرُ: فَالكَلَامُ فِيهَا فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا فِي بَيَانِ مَائِيَّتِهَا، وَهِيَ: النِّيءُ مِنْ مَاءِ العِنَبِ إِذَا صَارَ مُسْكِرًا، وَهَذَا عِنْدَنَا، وَهُوَ المَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَهْلِ العِلْمِ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: هُوَ اسْمٌ لِكُلِّ مُسْكِرٍ، لِقَوْلِهِ ﵊: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ»، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ والحبوب، كالحنطة والذرة والدخن، والفواكه كالإجاص والفرصاد والشهد والفانيد، والألبان. أما العنب والمتخذ منه خمسة: الخمر والباذق والمنصف والمثلث والبختج، ويجيء تفسيره. والمتخذ من الزبيب شيئان: نقيع ونبيذ. والمتخذ من التمر ثلاثة: السكر والفضيخ والنبيذ. والمتخذ من الحبوب والفواكه وغيرهما شيء واحد حكما وإن اختلف اسما: البتع (١) لنبيذ العسل والجعة لنبيذ الشعير، والمزر لنبيذ الذرة، وكذا ذكره الإمام قاضي خان والتمرتاشي، فتنتهي إلى أحد عشر اسمًا أو أكثر، كما يجيء. قوله: (إذا اشتدّ وغلى) أي: صار قويًّا وكثر غليانه، وحصل فيه قوة الإسكار، وقيل: صار بحال يمنع حواس شاربه من الفهم والدرك (٢). الطلاء: كل ما يطلى به من قطران أو نحوه، ويقال لكل ما خثر من الأشربة: طلاء، على التشبيه، حتى يسمى به المثلث. كذا في المغرب (٣). وفي تاج الأسامي: شراب ذهب بالطبخ ثلثاه. قوله: (وقال بعض الناس) «كل مسكر خمر» وهو قول الشافعي وأحمد ومالك وأصحاب الظاهر، حتى حرم قليله وكثيره، كالخمر؛ لقوله ﷺ : «كُلُّ

стр. 6747

الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ» وَأَشَارَ إِلَى الكَرْمَةِ وَالنَّخْلَةِ، وَلِأَنَّهُ مُشْتَقٌ مِنْ مُخَامَرَةِ العَقْلِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ مُسْكِرٍ، وَلَنَا: أَنَّهُ اسْمٌ خَاصٌ بِإِطْبَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِهَذَا اشْتُهِرَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ وَلِأَنَّ حُرْمَةَ الخَمْرِ قَطْعِيَّةٌ، وَهِيَ فِي غَيْرِهَا ظَنِّيَّةٌ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ خَمْرًا … ... مُسْكِرٍ خَمْرٌ» (١) وقوله ﷺ : «الخمرُ مِنْ هَاتَينِ الشَّجَرتَينِ» وأشار إلى العنب والنخلة، متفق عليه (٢)، وقوله ﷺ : «الخمر من خمسة أشياء، وذكر العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل» (٣). وهكذا روي عن عمر أنه خطب على منبر رسول الله ﷺ ، ورضي عنه، وقال هكذا. وروي عن أنس أنه قال: كنت أسقي أبي بن كعب وأبا عبيدة بن الجراح وأبا طلحة من فَضِيخ، و [هو] تمر، فجاء آت وقال: إن الخمر قد حرمت، قال لي أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها فضربتها بمهراس لنا بأسفله حتى تكسرت (٤)، فعلم أن الخمر يطلق عليها لغة. وقال بعض أصحاب الشافعي: يطلق عليه اسم الخمر لغة كما أطلق عليه شرعًا؛ لأن الخمر مشتق من (٥) المخامرة، فإنها تخامر العقل، وكل مسكر يخامر العقل، فيكون خمرا لغة. ولنا؛ أن الاسم للنيئ من ماء العنب إذا صار مسكرا حقيقة باتفاق أهل اللغة، حتى اشتهر استعماله فيه وفي غيره، سمي مثلثا وباذقًا أو غيره، فكان هذا

стр. 6748

لِتَخَمرِهِ لَا لِمُخَامَرَتِهِ العَقْلَ، عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ لَا يُنَافِي كَوْنَ الِاسْمِ خَاصًا فِيهِ، فَإِنَّ النَّجْمَ مُشْتَقٌ مِنْ النُّجُومِ وَهُوَ الظُّهُورُ، ثُمَّ هُوَ اسْمٌ خَاصٌ لِلنَّجْمِ الْمَعْرُوفِ لَا لِكُلِّ مَا ظَهَرَ، وَهَذَا كَثِيرُ النَّظِيرِ، وَالحَدِيثُ الأَوَّلُ طَعَنَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ﵀، وَالثَّانِي: أُرِيدَ بِهِ بَيَانُ الحُكْمِ؛ إِذْ هُوَ اللَّائِقُ بِمَنْصِبِ الرِّسَالَةِ، الاسم لغيره مجازًا؛ لأن الترادف خلاف الأصل، وقد أريدت الحقيقة، فبطل المجاز. وقال أبو عبيدة وابن زيد وابن السكيت: ما اتخذ من غير العنب ليس بخمر، وقال ابن عباس: «حُرِّمَت الخمر بعينها والسُّكْرُ من كلِّ شراب» (١) رواه عن النبي ﷺ . (لتخمره)؛ أي: صيرورته خمرًا. قوله: (وهذا كثير النظير) كالقارورة والجرجير، تسمى قارورة باعتبار معنى القرار، والجرجير بمعنى التحرك، ينبغي أن يسمى كل ما قر فيه الماء أو كل ما تحرك قارورة وجرجيرًا، والفرس الذي أحد شقيه أبيض والآخر أسود يسمى أبلق، ولا يسمى الثوب الذي فيه سواد وبياض بهذا الاسم؛ فعلم أن القياس لا مدخل له في اللغة. قوله: (والحديث الأول طعن فيه يحيى بن معين) روي عن أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين أنهما قالا: ثلاثة أحاديث لم تصح روايتها عن النبي ﷺ ، منها هذا الحديث، ومنها: مس الذكر بباطن الكف، ومنها حديث: «كل نكاح لم يحضره أربعة فهو سفاح خاطب وولي وشاهدا عدل» ولو ثبت فمعناه: كل مسكر خمر حكمًا لا حقيقةً، والمراد بالحديث الثاني والثالث بيان الحكم لا بيان الأسماء. وفي شرح الأقطع: المراد بيان الحكم لا الأسماء؛ لأنه ﷺ يعلمنا الأحكام لا اللغة، فكأنه قال: ما أسكر كثيره فحكمه حكم الخمر في الحرمة،

стр. 6749

وَالثَّانِي فِي حَقِّ ثُبُوتِ هَذَا الاِسْمِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ خَلَتْهُ، وَعِنْدَهُمَا: إِذَا اشْتَدَّ صَارَ خَمْرًا (*)، وَلَا يُشْتَرَطُ القَذْفُ بِالزَّبَدِ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَثْبُتُ بِهِ، وَكَذَا المَعْنَى المُحَرَّمُ وَهُوَ المُؤَثِّرُ فِي الفَسَادِ بِالاشْتِدَادِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الغَلَيَانَ بِدَايَةُ الشِّدَّةِ، وَكَمَالُهَا بِقَذْفٍ بِالزَّبَدِ وَسُكُونِهِ؛ إِذْ بِهِ يَتَمَيَّزُ الصَّافِي مِنْ الكَدِرِ، وكذا معنى قوله ﷺ : «الخَمْرُ مِنْ … » (١) كذا قال الطحاوي. يجوز أن يكون أراد بقوله: «الخمر من هاتين الشجرتين» (٢) إحداهما يعمهما في الخطاب، وأراد إحداهما، كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُو وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] ويجوز أن يكون معناه: ما خمر من ثمرها. وما طعن ابن حزم في ذلك الموضع على الطحاوي بقوله: صدق الله وكذب الطحاوي، فإن كليهما يخرجان من البحر سفاهة من قلة فهمه، فإن الطحاوي قال: هكذا قالت أئمة التفسير، ويجوز ذلك بطريق التغليب، فكان الحديث محتملا، والمحتمل لا يكون حجة، وتجيء مسألة تحريم المثلث وإباحته. وأما حديث أنس يحتمل أن يكون ذلك الشراب نقيع تمر تخمر، ونحن نقول بحرمته، ويجوز أن يكون فعلوا ذلك لعلمهم أن كثير ذلك يسكر، فلم يأمنوا على أنفسهم الوقوع فيه؛ لقرب عهده به، يدل عليه ما ذكره الطحاوي عن ابن أبي ليلى عن عيسى أن أباه بعثه إلى أنس لحاجة، فأبصر عنده مطلى، والطلاء: ما أسكر كثيره، فلم يكن عنده خمرًا، وإن كان كثيره يسكر. قوله: (والثاني)؛ أي: الثاني من تعديد العشرة. (لأن الاسم)؛ أي: اسم الخمر (يثبت به) أي: بالغليان والاشتداد (وكذا المعنى المحرم) وهو الإسكار، يحصل بالاشتداد (وهو المؤثر في الفساد)؛ أي: الإسكار مؤثر في إيقاع العداوة، والصد عن ذكر الله تعالى؛ باعتبار اللذة المطربة والقوة المسكرة فيها؛ باعتبار الغليان، وبالقذف بالزبد يَرِقُ ويصفو، ولا تأثير فيهما في إحداث صفة السكر، وبقولهما قال الأئمة الثلاثة وأصحاب الظاهر. قوله: (وسكونه)؛ أي: عن الغليان، يعني الغليان من آثار الحلاوة، وما

стр. 6750

وَأَحْكَامُ الشَّرْعِ قَطْعِيَّةٌ فَتُنَاطُ بِالنِّهَايَةِ كَالحَدٌ وَإِكْفَارِ المُسْتَحِلَّ وَحُرْمَةِ البَيْعِ، وَقِيلَ: يُؤْخَذُ فِي حُرْمَةِ الشَّرْبِ بِمُجَرَّدِ الِاشْتِدَادِ احْتِيَاطًا، وَالثَّالِثُ: أَنَّ عَيْنَهَا حَرَامٌ غَيْرُ مَعْلُولٍ بِالسُّكْرِ، وَلَا مَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَنْكَرَ حُرْمَةَ عَيْنِهَا، وَقَالَ: إِنَّ دام شيء من الحلاوة باقيًا كان المعنى الأصلي باقيًا، فلا يثبت اسم الخمر إلا إذا سكن من الغليان، وقذف الزبد وتميز الصافي من الكدر؛ لأن حكم الإباحة كان ثابتا للعصير بيقين، فلا يزول ذلك إلا بيقين مثله، فما بقي من آثار الأصل كان الحكم له، ولما كان التمام بقذف الزبد كان ناقصا قبله. كذا في المبسوط (١) والأسرار. قوله: (وأحكام الشرع)؛ أي: أمهات أحكام الشرع (قطعية، فتناط بالنهاية) في النقصان من شبه العدم، فلا يصح إثباتها بالشبهة احتياطا؛ لأن فيه جهة الحرمة، وفي الحد بقذف الزبد احتياطا أيضًا. قوله: (ومن الناس من أنكر حرمة عينها). [قيل: هو مروي عن بعض أهل الشام وقدامة بن مظعون كما يجيء بعد، ولنا أن عينها نجس، ويحد شارب قطرة منها. وحرمة عينها] (٢) بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، فكان كفرًا منه. أما الكتاب قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله: ﴿رجس﴾ [المائدة: ٩٠] وهو اسم للحرام النجس عينًا بلا شبهة، وقال: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] وهذا دليل على حرمتها من اثني عشر وجهًا على ما هو المذكور في التيسير والكشاف. وجاءت السنة عن النبي ﷺ متواترة أنه حرم الخمر لعينها، قال ﷺ : «لَعَنَ اللهُ فِي الخمرِ عَشِرًا … » الحديث (٣)، وقال ﷺ : «شارب الخمر كعابدِ

стр. 6751

السُّكْرَ مِنهَا حَرَامٌ؛ لِأَنَّ بِهِ يَحْصُلُ الفَسَادُ وَهُوَ الصَّدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَهَذَا كُفْرٌ؛ لِأَنَّهُ جُحُودُ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى سَمَّاهُ رِجْسًا وَالرِّجْسُ مَا هُوَ مُحَرَّمُ العَيْنِ، وَقَدْ جَاءَتْ السُّنَّةُ مُتَوَاتِرَةً أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ حَرَّمَ الخَمْرَ؛ وَعَلَيْهِ انْعَقَدَ الإِجْمَاعُ، وَلِأَنَّ قَلِيلَهُ يَدْعُو إِلَى كَثِيرِهِ، وَهَذَا مِنْ خَوَاصِ الخَمْرِ، وَلِهَذَا تَزْدَادُ لِشَارِبِهِ اللَّذَّةُ بِالاسْتِكْثَارِ مِنهُ، بِخِلَافِ سَائِرِ المَطْعُومَاتِ، الوَثَنِ» (١) وقال ﷺ : «الخمر أمُّ الخبائِثِ» (٢) وقال: «إذا وضع الرجل قدحًا من خمر على مائدته؛ لعنته ملائكةُ السَّمواتِ والأرضِ؛ فإن شربها لم تقبل صلاته أربعين ليلةً؛ فإن داوم عليها فهو كعابد الوثن» (٣)، وأجمعت الأمة على حرمتها، وكفى بإجماعهم حجة. قوله: (والرجس ما هو مُحَرَّمُ العين) قال: أو لحم خنزير، فإنه رجس ولحمه محرم العين بالإجماع، فكذا هنا، وإنكاره إنكار نصوص القاطعة. (وهذا من خواص الخمر)؛ أي: دعوة قليله إلى كثيره (بخلاف سائر المطعومات) حيث لا يدعو قليلها إلى كثيرها؛ لما فيها من الغلظة. في المبسوط (٤): ما من طعام وشراب إلا ولذته في الابتداء تزيد على اللذة في الانتهاء إلا الخمر، فإن اللذة لشاربها تزداد في الاستكثار، ولهذا تزداد حرمتها على شربها إذا أصاب منها شيئًا، وإذا كان كذلك كان قليلها محرما ككثيرها. ألا ترى أن الزنا لما حرم حرم عليه دواعيه أيضًا، وكذا أكد تحريم الخمر

стр. 6752

ثُمَّ هُوَ غَيْرُ مَعْلُولٍ عِنْدَنَا، حَتَّى لَا يَتَعَدَّى حُكْمُهُ إِلَى سَائِرِ المُسْكِرَاتِ، وَالشَّافِعِيُّ ﵀ يُعَدِّيهِ إِلَيْهَا، وَهَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ المَشْهُورَةِ وَتَعْلِيلُهُ لِتَعْدِيَةِ الاسْمِ، وَالتَّعْلِيلُ فِي الأَحْكَامِ لَا فِي الأَسْمَاءِ، وَالرَّابِعُ: أَنَّهَا نَجِسَةٌ نَجَاسَةٌ غَلِيظَةٌ كَالبَوْلِ، لِثُبُوتِهَا بِالدَّلَائِلِ القَطْعِيَّةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَالخَامِسُ: أَنَّهُ يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهَا لِإِنْكَارِهِ الدَّلِيلَ القَطْعِيَّ. وَالسَّادِسُ: سُقُوطُ تَقَوُّمِهَا فِي حَقِّ المُسْلِمِ، حَتَّى لَا يَضْمَنَ مُتْلِفُهَا وَغَاصِبُهَا، بوجوه، فإنه ﷺ قَرَنَ شُرْبَهَا بِعِبَادَةِ الوَثَنِ، وَجَعَلَهَا رِجْسًا، وَمِنْ أَعْمَالِ الشَّيْطَانِ، وَأَمَرَ بِالاجْتِنَابِ، وَجَعَلَ الاجْتِنَابَ مِنَ الفَلَاحِ (١) [وَإِذَا كَانَ الاجْتِنَابُ مِنَ الفَلَاحِ] كَانَ الارتِكَابُ خَيْبَةً وَخَسَارَةً، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] من آكد ما يُنهى به، كأنه قال: قد تلي ما فيه من أنواع المفاسد ووقوع التعادي والتباغض والصد عن ذكر الله وعن الصلاة ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] مع هذه الصوارف، أم أنتم على ما كنتم كأن لم تتعظوا ولم تنزجروا. قوله: (ثم هو)؛ أي: القليل منها أو لفظ الخمر (غير معلول عندنا). (وهذا)؛ أي: قول الشافعي (بعيد)؛ لأن تعليله حينئذ يخالف النص، وقوله ﷺ : «حُرِّمَتِ الخمرُ لِعَينِها والسكر من كُلِّ شراب» (٢). وما قيل في رواية ابن عباس: أنه قال: «والمُسكِرُ من كُلِّ شَراب» (٣) فالمراد مِنَ السُّكرِ المُسكِرُ لا ينفي قولنا؛ لأنا نقول: المسكر: القدح الأخير، فأبيح ما وراءها، بدليل ما روي عن عمر، كما يجيء. قيل: إن حديث ابن عباس ضعيف؛ لأن راويه مجهول أو مرسل غير ملزم علينا؛ لأن المرسل حجة، ورواية المجهول مقبولة عندنا، فتضعيفه بالعصبية. قوله: (حتى لا يضمن متلفها) بالإجماع، وهل يباح إتلافها؟ قال مجد (٤) الأئمة السرخسي: قيل: يباح، والأصح أنه لا يباح الإتلاف

стр. 6753

وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا نَجَّسَهَا فَقَدْ أَهَانَهَا، وَالتَّقَوُّمُ يُشْعِرُ بِعِزَّتِهَا، وَقَالَ ﵊: «إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا وَأَكْلَ ثَمَنِهَا» وَاخْتَلَفُوا فِي سُقُوطِ مَالِيَّتِهَا، وَالأَصَحُ: أَنَّهُ مَالٌ؛ لِأَنَّ الطَّبَاعَ تَمِيلُ إِلَيْهَا وَتَضُنُّ بِهَا، وَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى مُسْلِمٍ دَيْنٌ فَأَوْفَاهُ ثَمَنَ خَمْرٍ: لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ، وَلَا لِلْمَدْيُونِ أَنْ يُؤَدِّيَهُ؛ لِأَنَّهُ ثَمَنُ بَيْعِ بَاطِلٍ، وَهُوَ غَصْبٌ فِي يَدِهِ أَوْ أَمَانَةٌ، عَلَى حَسَبِ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، كَمَا فِي بَيْعِ المَيْتَةِ، وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ عَلَى ذِمِّي فَإِنَّهُ يُؤَدِّيهِ مِنْ ثَمَنِ الخَمْرِ، وَالمُسْلِمُ الطَّالِبُ يَسْتَوْفِيهِ؛ لِأَنَّ بَيْعَهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ جَائِزُ. وَالسَّابِعُ: حُرْمَةُ الانْتِفَاعِ بِهَا؛ لِأَنَّ الاِنْتِفَاعَ بِالنَّجَسِ حَرَامٌ، وَلِأَنَّهُ وَاجِبُ الاجْتِنَابِ وَفِي الانْتِفَاعِ بِهِ اقْتِرَابٌ. إلا لغرض صحيح، بأن كانت عند الشريب يشربها غالبا لو تركت عنده، حتى لو كانت عند صالح لا يباح فإنها مملوكة له، وفي بقائها فائدة، وهي التخليل، كذا ذكره المحبوبي. قوله: (والتقوم يشعر بعزتها) (١)؛ فإن معنى كون الشيء متقوَّمًا أنه يجب إبقاؤه (٢) إما بعينه أو بماليته. قوله: (وهو غصب)؛ لأنه أخذه بغير إذن الشرع (أو أمانة)؛ لأنه أخذه برضا صاحبه. قوله: (حرمة الانتفاع) كسقي الدواب والتداوي بها، بالاحتقان والإقطار في الإحليل، كذا في الأوضح، إلا أن حكم القتل (٣) قد انتسخ بقوله ﷺ : «لا يَحلُّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى (٤) معان ثلاث … » الحديث (٥).

стр. 6754

وَالثَّامِنُ: أَنْ يُحَدَّ شَارِبُهَا وَإِنْ لَمْ يَسْكَرْ مِنْهَا، لِقَوْلِهِ ﵊ مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاقْتُلُوهُ، إِلَّا أَنَّ حُكْمَ القَتْلِ قَدْ انْتَسَخَ، فَبَقِيَ الجَلْدُ مَشْرُوعًا، وَعَلَيْهِ انْعَقَدَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ﵃، وَتَقْدِيرُهُ ذَكَرْنَاهُ فِي الحُدُودِ. وَالتَّاسِعُ: أَنَّ الطَّبْخَ لَا يُؤَكِّرُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لِلْمَنْعِ مِنْ ثُبُوتِ الحُرْمَةِ لَا لِرَفْعِهَا بَعْدَ قوله: (وعليه انعقد إجماع الصحابة)؛ أي: على أنها حرام، ويحد بشرب قليلها، وما حكي عن قدامة بن مظعون وعمرو بن معد يكرب وأبي جندل بن سهل أنهم قالوا بحلها. فقد روى الجوزجاني بإسناده عن ابن عباس أن قدامة بن مظعون شرب الخمر، فقال له عمر: ما حملك على ذلك؟ فقال: إن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] وإني من المهاجرين الأولين من أهل بدر، فقال عمر: أجيبوا الرجل، فسكتوا، فقال لابن عباس: أجبه، فقال: إنما أنزله الله تعالى عذرًا للماضين لمن شربها قبل أن تُحَرِّمَ، ثم سأل عمر عن الحد فيها، فقال علي: إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فعليه حد المفترين ثمانين، فجلده عمر ثمانين، فقال له: أخطأت التأويل. وروي أن أناسًا شربوا الخمر بالشام [فقال] (١) لهم يزيد بن أبي سفيان: شربتم الخمر؟ قالوا: نعم، بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جناح﴾ الآية، فكتب بهم إلى عمر، فكتب عمر إليه: أن ابعثهم إلي سريعًا؛ كيلا يفتنوا عباد الله، فبعث بهم إلى عمر، فقال لعلي: ما ترى؟ [فقال] (٢): أرى إن زعموا أنها حلال وشَرَّعوا في دين الله فاقتلهم، وإن زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين، فحدهم عمر ثمانين، ورجعوا إلى تحريمها، فانعقد الإجماع. قوله: (والطبخ لا يؤثر) بعد ما صار خمرا؛ فإن أثر في إزالة صفة الإسكار، والخمر حرام، وموجب للحد لعينها لا لإسكارها.

стр. 6755

ثُبُوتُهَا، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُحَدُّ فِيهِ مَا لَمْ يَسْكَرْ مِنهُ عَلَى مَا قَالُوا؛ لِأَنَّ الحَدَّ بِالقَلِيلِ فِي النِّيءِ خَاصَّةً، لِمَا ذَكَرْنَا، وَهَذَا قَدْ طُبِخَ. وَالعَاشِرُ: جَوَازُ تَخْلِيلِهَا، وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ وَسَنَذْكُرُهُ مِنْ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، هَذَا هُوَ الكَلَامُ فِي الخَمْرِ. وَأَمَّا العَصِيرُ. إِذَا طُبِخَ حَتَّى يَذْهَبَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثَيْهِ، وَهُوَ المَطْبُوخُ أَدْنَى طَبْخَةٍ، وَيُسَمَّى البَاذَقَ وَالمُنَصَّفَ - وَهُوَ مَا ذَهَبَ نِصْفُهُ بِالطَّبْخِ - فَكُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ عِنْدَنَا إِذَا عَلَى وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ، أَوْ إِذَا اشْتَدَّ عَلَى الاخْتِلَافِ غَيْرُهُ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إِنَّهُ مُبَاحٌ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ المُعْتَزِلَةِ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوبٌ طَيِّبٌ وَلَيْسَ بِخَمْرٍ غَيْرُهُ، وَلَنَا: أَنَّهُ (وهذا قد طبخ)؛ أي: صار مطبوخا. قال شمس الأئمة السرخسي: يحد من شرب منه قليلا كان أو كثيرًا، بالنص لا يوجب الحد في قليل الخمر. وفي القنية: وقيل: لو زالت مرارتها بالطبخ يحل شربها؛ لأنها ما بقيت خمرا. قوله: (ويسمى الباذق) قيل: إنها كلمة فارسية عُرِّبَتْ فلم يعرفها النبي ﷺ ، أو أنه شيء لم يكن في أيامه، وإنما أُحدث بعده. وفي المغرب (١): هذا ضعيف، بل هو عصير عنب طبخ أدنى طبخة، فصار شديدًا. وفي الفائق (٢): وقيل: هو تعريب (باذه) وهو الخمر. (وكل ذلك حرام عندنا)؛ أي: قليله وكثيره إذا اشتد عندهما، وقذف الزبد عنده، أما إذا كان حلوا يحل شربه بالاتفاق. كذا في مبسوط شيخ الإسلام. قوله: (وهو قول بعض المعتزلة) وهو بشر المريسي، وبعض أصحاب الظاهر، كداود الأصفهاني. قوله: (مشروب طيب ليس بخمر)؛ فكان حلالا، كالمثلث.

стр. 6756

رَقِيقٌ مُلِةٌ مُطْرِبٌ، وَلِهَذَا يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الفُسَّاقُ، فَيَحْرُمُ شُرْبُهُ دَفْعًا لِلْفَسَادِ المُتَعَلِّقِ بِهِ، وَأَمَّا نَقِيعُ التَّمْرِ. وَهُوَ السَّكَرُ وَهُوَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ التَّمْرِ، أَيْ الرَّطْبِ. فَهُوَ حَرَامٌ مَكْرُوهُ، وَقَالَ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّهُ مُبَاحٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] امْتَنَّ عَلَيْنَا بِهِ، وَهُوَ بِالمُحَرَّمِ لَا يَتَحَقَّقُ، وَلَنَا إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ﵃، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ، وَالآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الابْتِدَاءِ إِذْ كَانَتْ الأَشْرِبَةُ مُبَاحَةً كُلُّهَا، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ التَّوْبِيخَ مَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ: تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وقلنا: المثلث غليظ لا يدعو قليله إلى كثيره، أما هذا مثلث رقيق، ويدعو قليله إلى كثيره، فكان حرامًا كالخمر. قوله: (أي: الرطب) فسر التمر بالرطب؛ لأن الشراب المتخذ اسمه نبيذ التمر لا السكر، والنقيع: ما ينقع في الماء، والنبيذ ما يطبخ أدنى طبخة، وأردف الحرمة بالكراهة بقوله: (حرام مكروه) في المختصر: لأن في حرمته نوع ضعف؛ لما أن حرمته ليست كحرمة الخمر، فلذلك أردف الحرمة بالكراهة؛ إذ حرمة السكر اجتهادية، وحرمة الخمر بالإجماع قطعية، ولهذا لا يكفر مستحل السكر، ويكفر مستحل الخمر. قوله: (ما روينا) إشارة إلى قوله ﷺ : «الخمرُ مِنْ هَاتَينِ الشَّجَرَتَينِ» (١) والآية محمولة على الابتداء. قال مقاتل: نزلت الآية قبل تحريم الخمر؛ لأن السورة مكية، وتحريم الخمر بالمدينة. قوله: (وقيل: أراد به التوبيخ)؛ أي: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرَا﴾ [النحل: ٦٧] والمراد منه خمر التمر، وتتركون رزقا حسنًا، وهو الدبس وما يؤكل منه، كالفلائج. وفي الذخيرة ما يتخذ من الشراب من التمر ثلاثة: السكر والعصير والنبيذ، أما السكر: فهي النّيئ من ماء الرطب، وإنه حلال ما دام حلوا، وإذا اشتد وقذف بالزبد حرام عندنا، ومن الناس من أباحه، والصحيح أنه حرام؛ لما

стр. 6757

وَتَدَّعُونَ رِزْقًا حَسَنًا، وَأَمَّا نَقِيعُ الرَّبِيبِ - وَهُوَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ الرَّبِيبِ - فَهُوَ حَرَامٌ إِذَا اشْتَدَّ وَغَلَى، وَيَتَأَنَّى فِيهِ خِلَافُ الأَوْزَاعِيِّ، وَقَدْ بَيَّنَّا المَعْنَى مِنْ قَبْلُ، إِلَّا أَنَّ حُرْمَةَ هَذِهِ الأَشْرِبَةِ دُونَ حُرْمَةِ الخَمْرِ، حَتَّى لَا يَكْفُرَ مُسْتَحِلُّهَا، وَيَكْفُرُ مُسْتَحِلُّ الخَمْرِ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا اجْتِهَادِيَّةٌ، وَحُرْمَةُ الخَمْرِ قَطْعِيَّةٌ، وَلَا يَجِبُ الحَدُّ بِشُرْبِهَا حَتَّى يَسْكَرَ، وَيَجِبُ بِشُرْبِ قَطْرَةٍ مِنْ الخَمْرِ، وَنَجَاسَتُهَا خَفِيفَةٌ فِي رِوَايَةٍ، وَغَلِيظَةٌ فِي أُخْرَى، روي عن عمر أنه سئل عن السُّكْرِ قال: هي خمر، وكان علي يشدد في تحريم السُّكْرِ، وأكثر أهل العلم. وأما الفضيخ: فهو النيئ من ماء البسر المذنّب، والاسم مشتق من الفضخ: وهو الكسر، فالبسر المذنب، ويجعل في جب، ويصب عليه الماء الحار، فتخرج حلاوته يسمى فضيحًا لكونه مستخرجا من البسر المفضوخ، وإنه حلال ما دام حلوا، فإذا اشتد وقذف بالزبد فهو حرام عندنا وأكثر أهل العلم، ولكن حرمته دون حرمة الخمر، فإن عند أبي حنيفة يجوز بيع السكر، ولا يجب الحد بشرب قليله، ولا يمنع جواز الصلاة بإصابته الثوب أكثر من قدر الدرهم. وأما نبيذ التمر، وهو نقيعه، إذا طبخ أدنى طبخة وغلى واشتد وقذف بالزبد فإنه حلال عند أبي حنيفة وأبي يوسف لاستمراء الطعام والتداوي، والسكر منه حرام، وهو قول محمد أولا، ثم رجع وقال: لا يحل شربه. وهو قول الشافعي. قوله: (وقد بينا المعنى) أراد قوله: (أنه رقيق ملذ مطرب … ) إلى آخره. وأما نقيع الزبيب، فالمتخذ منه شيئان: نقيع ونبيذ، فالنقيع وهو ما ينقع الزبيب حتى تستخرج حلاوته، فما دام حلوا يحل بالإجماع، فإذا اشتد وقذف بالزبد فحكمه حكم الباذق، وأما النبيذ فهو النّيئ من ماء الزبيب إذا طبخ أدنى طبخة، ما دام حلوا يحل، وإن غلى واشتد وقذف بالزبد فهو كالمثلث. كذا ذكره المحبوبي. قوله: (ونجاستها)؛ أي: نجاسة الأشربة المحرمة الثلاثة (خفيفة في رواية). قال الفضلي: وهو قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وروى هشام عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنها غليظة كالخمر.

стр. 6758

وَنَجَاسَةُ الخَمْرِ غَلِيظَةٌ رِوَايَةٌ وَاحِدَةً، وَيَجُوزُ بَيْعُهَا، وَيَضْمَنُ مُتْلِفُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوَّمٌ، وَمَا شَهِدت دَلَالَةٌ قَطْعِيَّةٌ بِسُقُوطِ تَقَوُّمِهَا، بِخِلَافِ الخَمْرِ، غَيْرَ أَنَّ عِنْدَهُ يَجِبُ قِيمَتُهَا لَا مِثْلُهَا عَلَى مَا عُرِفَ، وَلَا يُنْتَفَعُ بِهَا بِوَجْهِ مِنْ الوُجُوهِ؛ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا إِذَا كَانَ الذَّاهِبُ بِالطَّبْنِ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ دُونَ الثُّلُثَيْنِ (وَقَالَ فِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الأَشْرِبَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ) قَالُوا: هَذَا الجَوَابُ عَلَى هَذَا العُمُومِ وَالبَيَانِ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ نَصُّ عَلَى أَنَّ مَا يُتَّخَذُ مِنْ الحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالعَسَلِ وَالذُّرَةِ حَلَالٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا يُحَدُّ شَارِبُهُ عِنْدَهُ وَإِنْ سَكِرَ مِنهُ، وَلَا يَقَعُ طَلَاقُ السَّكْرَانِ مِنهُ بِمَنْزِلَةِ النَّائِمِ، وَمَنْ ذَهَبَ عَقْلُهُ بِالبَنْجِ وَلَبَنِ الرِّمَاكِ، قوله: (ويجوز بيعها)؛ أي: بيع الأشربة الثلاثة عند أبي حنيفة، لكن مع الكراهة. [قوله] (١): (فيهما) في البيع والإتلاف. قوله: (على ما عرف)، وهو أن المسلم ممنوع عن التصرف في الحرام، فلا يكون مأمورًا بإعطاء المثل، حتى لو أعطى يخرج عن العهدة، إلا أنه مكروه. قوله: (لا يوجد في غيره)؛ أي: غير الجامع، أي: ما ذكر في الجامع. قوله: (ومن ذهب عقله بالبنج ولبن الرماك) فإنه لا يقع طلاقه، ولا يصح بيعه وإقراره. ذكره فخر الإسلام. وعن أبي حنيفة قال: من زال عقله بالبنج؛ إن علم أنه بنج حين أكل يقع طلاقه وعتاقه، وإن لم يعلم لا يقع طلاقه، والسكر من هذه الأشربة حرام بالإجماع؛ لأن السكر من البنج حرام مع أنه مأكول غير مشروب، فمن المشروب أولى. كذا ذكره المحبوبي.

стр. 6759

وَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ حَرَامٌ، وَيُحَدُّ شَارِبُهُ وَيَقَعُ طَلَاقُهُ إِذَا سَكِرَ مِنْهُ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ المُحَرَّمَةِ (*) (وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا: وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: مَا كَانَ مِنَ الْأَشْرِبَةِ يَبْقَى بَعْدَ مَا يَبْلُغُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَلَا يَفْسُدُ فَإِنِّي أَكْرَهُهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةً) وَقَوْلُهُ الأَوَّلُ مِثْلُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ: إِنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، إِلَّا أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهَذَا الشَّرْطِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: يَبْلُغُ: يَغْلِي وَيَشْتَدُّ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: وَلَا يَفْسُدُ: لَا يَحْمَضُ، وَوَجْهُهُ: أَنَّ بَقَاءَهُ هَذِهِ المُدَّةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحْمَضَ دَلَالَةُ قُوَّتِهِ وَشِدَّتِهِ فَكَانَ آيَةَ حُرْمَتِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَعْتَبِرُ حَقِيقَةَ الشِّدَّةِ عَلَى الحَدِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِيمَا يَحْرُمُ وقيل: أكل البنج حرام وإن لم يسكر؛ لما روي أنه ﷺ نهى عن الميسر والخمر والكوبة والغبيراء، قيل: هو البنج. قوله: (وعن محمد أنه حرام يحد شاربه) إذا سكر منه. وفي النوازل وفتاوى الخسرواني وجامع المحبوبي: الفتوى على قول محمد؛ لغلبة الفساد. قوله: (وقال فيه أيضًا)؛ أي: في الجامع. قوله: (إلا أنه؛ أي: أبا يوسف ﵀ تفرد بهذا الشرط) وهو ألا يفسد بعد ما بلغ عشرة أيام. وفي الكافي: وكان أبو يوسف ﵀ يقول أولا في المطبوخ من ماء الزبيب والتمر: إنه إذا صار مُعَتَّقًا لا يحل شربه، وإن كان بحيث يفسد إذا تُرِك عشرة أيام فلا بأس بشربه، ثم رجع إلى قول أبي حنيفة، فالحاصل أن أبا يوسف قال أولا مثل قول محمد: أن كل مسكر حرام لكن بشرط ألا يفسد بعد ما بلغ عشرة أيام، أي: لا يحمض. قوله: (ومثل ذلك يروى عن ابن عباس)؛ فإنه قال: كل نبيذ يفسد عند إبانه فلا بأس، وكل نبيذ يزداد جودة على طول الترك فلا خير فيه، أراد به النيئ من ماء الزبيب والتمر أنه ما دام حلوا ولم يصر معتقًا فهو بحيث يفسد عند إبانه،

стр. 6760

أَصْلُ شُرْبِهِ وَفِيمَا يَحْرُمُ السُّكْرُ مِنهُ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَبُو يُوسُفَ رَجَعَ إِلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَلَمْ يُحَرِّمْ كُلَّ مُسْكِرٍ، وَرَجَعَ عَنْ هَذَا الشَّرْطِ أَيْضًا (وَقَالَ فِي المُخْتَصَرِ: وَنَبِيذُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ إِذَا طُبِخَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَدْنَى طَبْخَةٍ حَلَالٌ وَإِنْ اشْتَدَّ، إِذَا شَرِبَ مِنهُ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يُسْكِرُهُ مِنْ غَيْرِ لَهْوِ وَلَا طَرَبٍ)، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيّ: حَرَامٌ، وَالكَلَامُ فِيهِ كَالكَلَامِ فِي المُثَلَّثِ العِنَبِيِّ وَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالخَلِيطَيْنِ) لِمَا رُوِيَ فلا بأس بشربه إذا صار معتقًا بأن غلى واشتد وقذف بالزبد، فهو يزداد جودة على طول الترك، فلا خير فيه. قوله: (عند محمد والشافعي حرام) وبه قال مالك وأحمد. قوله: (والكلام فيه كالكلام في المثلث العِنَبي). وفي الأوضح: نبيذ الزبيب إذا طبخ أدنى طبخة روى هشام في النوادر عن أبي حنيفة وأبي يوسف؛ أنه لا يحل ما لم يذهب ثلثاه بالطبخ. قال أبو جعفر: يحتمل أن تكون في المسألة روايتان، ويحتمل أن تكون رواية، واختلاف الجواب لاختلاف الوضع، فيكون موضوع ظاهر الرواية ما إذا كان ماء الزبيب قبل الطبخ في غلظ المنصف؛ فيلحقه أدنى طبخة بالمثلث في موضوعها ما ذكر في النوادر ما إذا كان ماء الزبيب قبل الطبخ في رقة العصير؛ فلا يلحق بالمثلث بأدنى طبخة بإن كان في المسألة روايتان. قوله: (الظاهر أن النّيئ من ماء الزبيب) دون النيئ من ماء العنب؛ لأن ماء العنب لا يخالطه ماء آخر، وإنما يستخرج ماؤه بالأقدام، وماء الزبيب يستخرج بماء آخر فيختلط. ولهذا قال عمر: كل شراب استخرج بغير مائه فهو حلال فاشربوه، ولهذا لا يفسق شارب النقيع والنبيذ، وإذا كان دون النيئ من ماء العنب لا يشترط لحلها ما يشترط لحل ماء العنب من الطبخ. [قوله] (١): (ولا بأس بالخليطين) وهو أن يجمع بين ماء التمر والزبيب،
следующие страницы →