← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهو موافق لحديث كعب بن عجرة، وكان ابن عباس والزهري يصليان على نحو ما بينا، إلا أنهما كانا يزيدان: وارحم محمدا وآل محمد كما رحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. (١) وحكي عن محمد بن عبد الله بن عمر أنه كان يكره قول المصلي: (وارحم محمداً … ) إلى آخره، وكان يقول: هذا نوع ظن بتقصير الأنبياء ﵈، فإن أحداً لا يستحق الرحمة إلا بإتيان ما يلام عليه، ونحن أمرنا بتعظيمهم، ولهذا لو ذكر النبي ﵇ لا يقال: (رحمة الله عليه) بل يصلي عليه. هذا ذكره شيخ الإسلام (٢). وفي مبسوط السَّرَخْسِي: لا بأس به؛ لأن الأثر ورد به من طريق أبي هريرة، ولا عتب على من اتبع الأثر، ولأن أحدا لا يستغني عن رحمة الله تعالى (٣). وهكذا قال الرُّسْتُغْفَنِي، وقال معنى قوله: (وارحم محمدا) راجعاً إلى الأمة، وهذا كمن جنى جناية، وللجاني أب شيخ كبير، وأرادوا أن يقيموا العقوبة على الجاني، يقولون للذي يعاقبه (ارحم هذا الشيخ الكبير)، وذلك الرحمة راجع إلى الابن حقيقة. كذا هذا في المحيط (٤). وفي الْمُجْتَبى: قال أبو جعفر: وأنا أقول: (وارحم محمدًا) واعتمادي على التوارث في بلاد المسلمين (٥). وفي الْمُجْتَبى (٦)، والقنية: عن عليٍّ ﷺ أن النبي ﵇ عدهن في

стр. 702

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يدي وقال: «عَدَّهُنَّ جبريل ﵇ في يدي وقال: هكذا نزلت من عند رَبِّي؛ اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلَى آلِ إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم تحنَّنْ عَلَى محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ، كما تحنّنْتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم سلّم على محمد وعلى آلِ محمدٍ، كما سلمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» (١). وعن علي (٢)، وابن مسعود (٣)، وابن عباس (٤)، وجابر ﵃ (٥) أنهم قالوا الرسول الله ﷺ : عرفنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال ﵇: «قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمدٍ وعلى آلِ محمد، وارْحَمْ محمداً وآل محمد، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد»، ثم قال الوبري: إن أخذ

стр. 703

قَالَ: (وَدَعَا بِمَا شَاءَ مِمَّا يُشْبِهُ أَلْفَاظَ القُرْآنِ … ... … ... … ... .. المصلي برواية كعب بن عُجْرَة فحسن، وإن أخذ بحديث علي فأحسن، وإن أخذ بحديث الصحابة فأحسن وأجود وبه نأخذ؛ لأن رواته أكثر، فالتمسك به أفضل. وقال ركن الصادي: لو فرغ المقتدي عن التشهد قبل إمامه يسكت (١). وقال الغزالي: الصلاة على النبي ركن من الأركان عند الشافعي (٢). وقال الجويني (٣): من فرائض الصلاة، وأقل مقدارها (اللهم صل على محمد)، وزاد الغزالي (وعلى آل محمد). فإن قيل: كيف قال: (كما صليت على إبراهيم … ) إلى آخره، والمشبه دون المشبه به، وهو أكرم على الله تعالى منه؟. قلنا: ذاك قبل أن يبين الله تعالى منزلته فلما بين أبقى الدعوة، أو تشبيه لأصل الصلاة بأصل الصلاة لا القدر، كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، أو هذا سؤال التسوية مع إبراهيم، ويزيد عليه في غيرها، أو التشبيه وقع في الصلاة على الآل لا عليه، فكان قوله: (اللهم صل على محمد) منقطع عن التشبيه، أو المشبه الصلاة على محمد وآله وعلى إبراهيم وآله، ومعظم الأنبياء آل إبراهيم، فإذا تقابلت الجملة بالجملة؛ تعذر أن يكون آل الرسول ﵇ كآل إبراهيم. والحميد بمعنى المحمود؛ أي: مستحق لجميع أنواع المحامد، عدل إلى صيغة المبالغة، والمجيد بمعنى الماجد؛ وهم من كمل في الشرف والكرم والصفات المحمودة. قوله: (ودعا بما [شاء مما] يشبه ألفاظ القرآن): وفي المحيط، والجامع الصغير: ادع في الصلاة بكل شيء من القرآن ونحوه (٤).

стр. 704

وَالْأَدْعِيَةِ المَأْثُورَةِ) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ له قَالَ لَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ نقل عن الفضلي أنه كان يقول: كل دعاء في القرآن إذا دعا بذلك لا تفسد صلاته، كما إذا قال: (اللهم اغفر لي ولوالدي)، ولو قال: (اللهم اغفر لأخي) أو (اغفر لزيد) تفسد؛ لأنه ليس في [القرآن] (١) (٢). وعن الحلواني: لو قال: (اللهم اغفر لأخي) لا تفسد صلاته، ولو قال: (اللهم ارزقني من بقلها وقتائها وفومها وعدسها وبصلها) لا تفسد؛ لأن عينه في القرآن، ولو قال: (اللهم ارزقني عدساً وبصلاً) تفسد؛ لأن عين هذا اللفظ ليس فيه. وكذا ذكر شيخ الإسلام أيضاً (٣). وفي الْمُجْتَبى (٤): مما يشبه ألفاظ القرآن من الدعوات: اللهم اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات يوم يقوم الحساب، وقوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَوَةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠] الآية، وقوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] الآية، وقوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾ [آل عمران: ١٩٢] الآية. قوله: (والأدعية): بالنصب عطفا على ألفاظ القرآن، والجر عطفا على بما المأثورة المروية عن النبي ﵇. عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ : علمني دعاء يا رسول الله أدعو به في صلاتي، فقال ﵇: «قُلِ اللهم إني ظلمتُ نَفسي ظلماً كثيرًا وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفِرْ لي مغفرةً من عندِكَ وارْحَمني إنك أنت الغفور الرحيم» (٥)، وكان ابن مسعود يدعو بكلمات منهن اللهم إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر

стр. 705

وَالسَّلَامُ: «ثُمَّ اخْتَرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَطْيَبَهُ وَأَعْجَبَهُ إِلَيْكَ»، وَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى الْإِجَابَةِ … ... … ... … ... كله ما علمت منه وما لم أعلم (١). كذا في المبسوطين (٢). وفي الْمُجْتَبى (٣): من الأدعية المأثورة: ما روت عائشة عن النبي ﵇ أنه كان يدعو في الصلاة: «اللَّهُمَّ إني أعوذُ بك من عذاب القبر، وأعوذُ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذُ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم» (٤)، وعن ابن عباس أنه ﵇ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلم السورة من القرآن: «اللَّهُمَّ إني أعوذُ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذُ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات» (٥)؛ لما روينا من حديث ابن مسعود. في المبسوط (٦): لما علم التشهد لابن مسعود قال له: «إذا قلت هذا أو فعلت هذا فاختر من الدعاء (٧) أعجبه» (٨). وقوله: (أطيبه وأعجبه): بتذكر الضمير، صح في النسخ الموثوق بها، وكذا لفظ المبسوطين، وفي بعض نسخ الهداية: (أعجبها وأطيبها) بالتأنيث، على تأويل الكلمة، وليس بصحيح. قوله: (ويبدأ بالصلاة على النبي ﵇؛ لقول ابن مسعود: ابدأ بالثناء على الله بما هو أهله، ثم بالصلاة على محمد، ثم سل حاجتك بعد

стр. 706

(وَلَا يَدْعُو بِمَا يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ) تَحَرُّزًا عَنْ الفَسَادِ، وَلِهَذَا يَأْتِي بِالمَأْثُورِ ذلك (١)، ولأنه ﵇ من خواص حضرته تعالى، ومن أتى باب الملك لسؤال شيء فلابد من تحفة لخواص حضرته؛ لينال شرف القبول، والنبي ﵇ من أخص خواصه، فلابد من تحفة صلاة عليه. قوله: (ولا يدعو بما يشبه كلام الناس): وفسره أصحابنا بما لا يستحيل سؤاله من غير الله تعالى، أعطني كذا، أو زوجني امرأة، وما لا يشبه كلام الناس ما يستحيل سؤاله عنهم، كقوله: (اغفر لي) (٢). كذا في الإيضاح (٣). وقال الفضلي: ما لا يوجد في القرآن يُفسد صلاته، سواء استحال سؤاله من العباد أو لا. كذا في الخبازية (٤). (تحرز عن الفساد)؛ أي: فساد الجزء الملاقي لكلام الناس، لا جميع الصلاة بالاتفاق؛ لأنه بعد التشهد، وهذا عندهما ظاهر، وكذا عند أبي حنيفة،؛ لأن كلام الناس صنع منه، فتتم صلاته لوجود الصنع منه، فكان بهذا خارجاً عن الصلاة كلها. كذا وجد بخط العلامة، وأشار إليه في شرح الطحاوي (٥). وفي الخبازية: يعني فساد التحريمة (٦)، حتى لا يجوز الاقتداء به لغيره، ولا يقدر على إصابة لفظ السلام أو فساد أصل الصلاة؛ بأن كان ترك سجدة من

стр. 707

المَحْفُوظ، وَمَا لَا يَسْتَحِيلُ سُؤَالُهُ مِنْ العِبَادِ، كَقَوْلِهِ: «اللَّهُمَّ زَوِّجْنِي فُلَانَةَ» يُشْبِهُ كَلَامَهُمْ وَمَا يَسْتَحِيلُ كَقَوْلِهِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» لَيْسَ مِنْ كَلَامِهِمْ، صلاته، فبعد ما جرى على لسانه من ألفاظ الناس لا يقدر أن يأتي بها، فيفسد أصل الصلاة، وبمذهبنا: قال أحمد (١)، وبعض أصحاب الشافعي. وقال الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأبو ثور له أن يدعو بما شاء من أمر الدنيا والآخرة؛ لقوله ﵇: «سلوا الله حوائجكم، حتّى الشِّسْع لنعالكم، والمِلْحَ القُدورِكُم» (٤) لكن الأفضل أن يكون دعاؤه لأمر الآخرة، والمأثورة أحب من غيره. كذا في شرح الوجيز (٥). وفي مبسوط شيخ الإسلام: احتج الشافعي (٦) بعموم قوله ﵇ لابن مسعود: «اختر من الدعاء … » (٧) ولم يفصل، وعنه ﵇ أنه قنت في الفجر فقال: «اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وربيعة … » الحديث (٨). ولأن قوله: (اللهم اغفر للمؤمنين) لا يوجب الفساد، وإذا كان الدعاء بالمغفرة لجميع المؤمنين لا يوجب الفساد؛ فلقوم بأعيانهم أولى أن لا يوجب. ولنا: ما روى حكيم بن معاوية السلمي أنه قال: بينا نحن نصلي إذا عطس رجل، فقال آخر: (يرحمك الله)، إلى أن قال: «إنَّ صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام النّاسِ» (٩)، فكان ما سوى التسبيح والتهليل من الذكر منهيا. وأما حديث ابن مسعود؛ فمحمول على الدعاء الذي لا يشبه كلام الناس،

стр. 708

وَقَوْلُهُ: «اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي مِنْ قَبِيلِ الأَوَّلِ هُوَ الصَّحِيحُ لِاسْتِعْمَالِهَا فِيمَا بَيْنَ العِبَادِ»، يُقَالُ: «رَزَقَ الأَمِيرُ الجَيْش»، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ وأما القنوت في الفجر؛ كان قبل نسخ الكلام في حال إباحته في الصلاة. وأما قوله: (لو عم لا يوجب الفساد)؛ قلنا: لأنه حينئذ تشبيه لما في القرآن، وأما ما رواه من الحديث لا اختصاص له في الصلاة؛ فإنه مطلق، والغرض تعليم الناس للالتجاء إلى الله تعالى، في جميع حوائجهم الجليلة والحقيرة؛ صونًا لهم عن الاعتماد على العباد، وحثا لهم على التوكل على الله تعالى، وقطع النظر إلى الأسباب. (اللهم ارزقني من قبيل الأول): اختلف فيه، قيل: لا تفسد؛ لأن الرازق هو الله تعالى، وهو موجود في القرآن. ذكره في المبسوط (١). والأصح: أنه يفسد؛ لأنه من قبيل كلام الناس؛ لما ذكر في الكتاب. (وعن يساره مثل ذلك): وبه قال الشافعي في الجديد (٢)، وأحمد (٣). وقال في القديم: إن كثر الناس واللفظ، والمسجد واسع؛ يسلم تسليمتين، وإن قلوا وسكتوا يسلم تسليمة واحدة، والأول أصح. وقال مالك (٤): يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه، إماماً كان أو منفردا، هكذا روت عائشة (٥) وسهل بن سعد الساعدي (٦).

стр. 709

يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَيْمَنِ، وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَيْسَرِ» (وَيَنْوِي بِالتَّسْلِيمَةِ الأُولَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ … ... … ولنا: ما روى ابن مسعود، وأنس (١)، وابن عباس (٢)، وكثير من الصحابة، والحديث مذكور في المتن رواه الترمذي (٣)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وهو أولى؛ لأن عائشة كانت تقف في صف النساء، وسهل كان من جملة الصبيان، فيحمل على أنهما لم يسمعا التسليمة الثانية، على ما روي أنه ﵇ يسلم الثانية أخفض من الأولى، ولأنه يسلم قياساً على الجانب الآخر. كذا ذكره شيخ الإسلام (٤). مع أن أهل الحديث ضعفوا حديث سهل، فقال يحيى: ضعيف، وقال أبو حاتم الرازي: هذا حديث منكر، وقال أبو بكر بن العربي المالكي: يرويه عبد العميري، وهو ضعيف. قال البغوي في شرح السنة: في إسناده مقال (٥). قال الترمذي: لا نعرفه مرفوعاً إلا من رواية زهير بن محمد من أهل الشام. قال البخاري: يروي مناكير. وفي شرح الطحاوي: الأولى للخروج، والثانية للتسوية وترك الجفاء؛ لأن معنى السلام بعد الصلاة؛ أن المصلي إذا تحرم لها غاب عن الناس، ويناجي ربه، وعند التحلل كأنه رجع إليهم، فيسلم. إليه أشار في المبسوط (٦)، وجامع فخر الإسلام. (وينوي)؛ لأن السلام قربة من وجه، فلابد فيه من النية.

стр. 710

مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالحَفَظَةِ وَكَذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ) لِأَنَّ الأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ، وَلَا يَنْوِي النِّسَاءَ فِي زَمَانِنَا، وَلَا مَنْ لَا شَرِكَةَ لَهُ فِي صَلَاتِهِ، هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ الخِطَابَ حَظٌّ وقوله: (من الرجال): لفظ الجامع الصغير، وأما رواية المبسوط: بتقديم الحفظة على الرجال (١). وينويهم عند السلام. قال شيخ الإسلام وكذا في خارج الصلاة. وقال الإمام السَّرَخْسِي: ينويهم؛ لِأَنَّهُ يَسْتَقْبِلُهُمْ بِوَجْهِهِ، وَيُخَاطِبُهُمْ بِلِسَانِهِ، ويَنْوِيهِمْ بِقَلْبِهِ، فَإِنَّ الْكَلَامَ يَصِيرُ عَزِيمَةٌ بِالنِّيَّةِ (٢). ظن بعض مشايخنا أن ما ذكر في المبسوط بناء على قول أبي حنيفة الأول في تفصيل الملائكة على البشر، وما ذكر في الجامع بناء على قوله الآخر في تفضيل البشر عليها، وليس كما ظن؛ لأن الواو لا توجب الترتيب، ومن سلم على جماعة لا يمكنه أن يرتب بالنية، وأكثر مشايخنا يخص هذه النية بمن يشاركه في الصلاة. (ولا ينوي النساء)؛ لأنهن لا يحضرن الجماعات؛ لفساد الزمان. (ولا من لا شركة)؛ إذ السلام تحية الحاضرين. وقال الحاكم الشهيد ينوي جميع الرجال والنساء، من يشاركه ومن لا يشاركه، كما في سلام التشهد. كذا في الجامع الأصغر (٣)، وبه قال الشافعي (٤). وقوله: (هو الصحيح)؛ احتراز عن قول الحاكم: (وفي سلام التشهد ينوي جميع الرجال والنساء)، قال ﵇: «إذا قال العبد: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ أصابَ كلّ عبدٍ صالح من أهل السماء والأرض» (٥). قال أبو اليسر في جامعه: هذا شيء تركه جميع الناس؛ لأنه قل ما ينوي

стр. 711

الحَاضِرِينَ (وَلَا بُدَّ لِلْمُقْتَدِي مِنْ نِيَّةِ إِمَامِهِ، فَإِنْ كَانَ الإِمَامُ مِنْ الجَانِبِ الْأَيْمَنِ أَوْ أحد شيئاً (١). وفِي الْمُجْتَبى (٢): قيل: ينوي بالسلام الأول الحضور، وبالثاني جميع عباد الله تعالى الصالحين. وقيل: ينوي بهما جميع المؤمنين، وقيل: لا ينوي الفسقة، وكفى بالفسقة معرة وشيناً حيث لا نصيب لهم في الدنيا من سلام المصلين. والأولى أن يقدم الحفظة لفضلهم أو لقربهم، أو لكونهم أحق بالدعاء لعظمتهم عن الكبائر والصغائر، وهذا مذهب المعتزلة. وفي جامع الكردري: خلق الله تعالى في الآدمي العقل والشهوة، وفي الملائكة العقل دون الشهوة، وفي البهائم الشهوة دونه، فمن سلط منا عقله على شهوته، وعمل بمقتضى عقله وترك العمل بموجب شهوته؛ فهو أفضل من الملائكة، وإن سلط شهوته على عقله، وعمل بمقتضى شهوته لا عقله؛ فهو من البهائم، ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، فكان المؤمن المتقي أفضل منها عند أهل السنة (٣). (ينوي الإمام) (٤): تخصيص الإمام بالذكر؛ يؤيد قول من يقول: (ينوي من يشاركه في الصلاة دون غيره). كذا في جامع قاضي خان (٥). وفي المبسوط: قال ابن سيرين: المقتدي يسلم ثلاث تسليمات، إحداهن لرد سلام الإمام، وهذا ضعيف؛ فإن مقصود الرد حاصل بهما؛ إذ لا فرق في الجواب بين أن يقول: (عليكم السلام) وبين أن يقول: (السلام عليكم) (٦). وفي النوازل: لو قال: (السلام) ودخل رجل في صلاته؛ لا يصير داخلا، فثبت بهذا أن الخروج لا يتوقف على (عليكم)، ولو سلم أولاً عن

стр. 712

الأَيْسَرِ نَوَاهُ فِيهِمْ) وَإِنْ كَانَ بِحِذَائِهِ نَوَاهُ فِي الأُولَى عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَرْجِيحًا لِلْجَانِبِ الأَيْمَنِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ نَوَاهُ فِيهِمَا (*)، لِأَنَّهُ ذُو حَظِّ مِنْ الجَانِبَيْنِ (وَالمُنْفَرِدُ يَنْوِي الحَفَظَةَ لَا غَيْرُ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ سِوَاهُمْ (وَالإِمَامُ يَنْوِي بِالتَّسْلِيمَتَيْنِ) هُوَ الصَّحِيحُ، وَلَا يَنْوِي فِي المَلَائِكَةِ عَدَدًا مَحْصُورًا، … ... يساره؛ يسلم عن يمينه ولا يعيده، ولو سلم تلقاء وجهه يعيده (١). (نواه فيهما)؛ أي: في اليمين واليسار. وقال الشافعي: ينويه في أيهما شاء، ويستحب جانب الأيمن، والمنفرد ينوي الحفظة لا غير؛ لأنهم هم الحاضرون (٢). وعلى قول الحاكم: ينوي جميع المسلمين في الدنيا. وفي شرح الإرشاد: هذه المسألة تتفرع على ذلك الاختلاف. وقوله: (هو الصحيح)؛ احتراز عما قال بعض المشايخ: أن الإمام ينوي بالتسليمة الأولى. كذا ذكره قاضي خان (٣). (ترجيحاً لجانب اليمين): والأصح: الجمع؛ لأن الجمع عند التعارض ممكن، فلا يصار إلى الترجيح. قال أبو اليسر: يجب أن لا ينوي الإمام؛ لأنه يجهر بالتسليمين، ويشير إليهم، وهو فوق النية، ولا حاجة إليها (٤). (عددا محصوراً): قال شيخ الإسلام (٥): ينوي الحفظة، ولم يذكر كيف ينوي، واختلف فيه: قيل: ينوي كرام الكاتبين وهما اثنان: واحد عن يمينه، وواحد عن يساره.

стр. 713

لِأَنَّ الْأَخْبَارَ فِي عَدَدِهِمْ قَدْ اخْتَلَفَتْ فَأَشْبَهَ الإِيمَانَ بِالْأَنْبِيَاءِ ﵈، ثُمَّ إِصَابَةُ لَفْظِ السَّلَامِ وَاجِبَةٌ عِنْدَنَا وَلَيْسَتْ بِفَرْضِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ … ... .. وقيل: ينوي جميع من معه من الملائكة؛ لأنه اختلفت الأخبار في عددهم، فعن ابن عباس أنه قال: مع كل مؤمن خمس من الحفظة: واحد عن يمينه يكتب الحسنات، وواحد عن يساره يكتب السيئات، وآخر أمامه يلقنه الخيرات، وآخر وراءه يدفع عنه المكاره، وآخر عند ناصيته يكتب ما يصلي على النبي ﵇، ويبلغه الرسول ﷺ (١). وفي بعض الأخبار: مع كل مؤمن ستون ملكًا، وفي بعضها: مائة وستون؛ فإنه جاء في الحديث: «وُكِّلَ بالعبد مائة وستون مَلَكًا يَذبُونَ عنه كما يُذَبُّ عن ضعفة النساء في اليوم الصائف الذباب، ولو بَدَوْا لَكُمْ لرأيتُموهم على كلِّ سهل وجبل، كلهم باسِطٌ يدَهُ فاغِرٌ فاهُ، ولو وُكِّلَ العبدُ إِلَى نَفْسِهِ طَرْفَةَ عينٍ لاختطفته الشياطين» (٢). (بالْأَنْبِيَاءِ ﵈؛ يعني: عددهم ليس بمعلوم قطعاً، فينبغي أن يقال: آمنت بجميع الأنبياء: أولهم آدم ﵇، وآخرهم محمد ﵇. وقيل: مائة وأربعة وعشرون ألفًا واجبة عندنا. وفي جامع الكردري: قال بعض أصحابنا: إصابة لفظ السلام سنة. وقال بعضهم: واجبة، وهو الصحيح (٣). وعند الشافعي: فرض، وأقل السلام: (السلام عليكم). كذا في خلاصتهم (٤). وفي تتمتهم: السلام ركن من أركان الصلاة (٥).

стр. 714

هُوَ يَتَمَسَّكُ بِقَوْلِهِ ﵊: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ». وَلَنَا: مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، وَالتَّحْيِيرُ يُنَافِي الفَرْضِيَّةَ وقال أحمد في أصح الروايتين عنه: تجب التسليمتان (١). وقال مالك: تجب تسليمة واحدة، والثانية غير فرض عنده (٢). وعندنا التسليمة الثانية سنة في قول، والأصح أنها واجبة. كذا في المختلفات. (هو)؛ أي: الشافعي. (يتمسك بقوله ﵇؛ روى أبو سعيد الخدري أنه ﵇ قال: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم» (٣)، والألف واللام لاستغراق الجنس؛ لأنه لم يسبق هاهنا معهود حتى ينصرف إليه، فجعل أجناس السلام تحليلها، فمن أثبته بغيره فقد خالف النص؛ لأنه لا مدخل للقياس في ذلك كالتحريمة. وإليه أشير في شرح الوجيز (٤). (ولنا: ما روينا من حديث ابن مسعود)؛ وهو قوله ﵇: «إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد» (٥). (والتخيير ينافي الفرضية)؛ أي: بقاء الفرض والواجب عليه، وقد روي أنه ﵇ صلى الظهر خمساً، ولم يرو أنه أعادها، ولو كانت إصابة لفظ السلام فرضاً لكان لا تجزيه صلاته، كما إذا قيد الخامسة بسجدة، كما لو كان المتروك سجدة، وحديث تعليم الأعرابي الصلاة كما ذكرنا، ولم يذكر فيه لفظ السلام.

стр. 715

وَالْوُجُوبَ، إِلَّا أَنَّا أَثْبَتْنَا الْوُجُوبَ بِمَا رَوَاهُ احْتِيَاطًا، … ... … .. وأما تعلقه بحديث أبي سعيد الخدري لا يصح؛ لأن مداره على عبد الله بن محمد بن عقيل، وعلى أبي سفيان طريف بن شهاب السعدي، وكلاهما ضعيف الرواية عند نقلة الحديث، ولئن سلمنا؛ فمعناه: أن التحليل يقع بالتسليم، وليس فيه أنه لا يقع بغيره؛ لأنه مسكوت عنه، فبالتسليم يقع الخروج بالنص، وبغيره بالقياس عليه. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (١). وقوله: (لا مدخل للقياس فيه)؛ غير مسلم، وما قال في تتمتهم (حديث أبي سعيد يدل على أن السلام متعين للتحليل)؛ غير مسلم؛ لأن التخصيص بالاسم العلم لا يدل على نفي ما عداه، إذ لو لزم لا يسد باب القياس، مع أنه رو ابن عمرو عن النبي ﵇ أنه قال: «إذا قضى الإمام صلاته ثم أحدث قبل أن يُسلِّم فقد [تمت] (٢) صلاته وصلاةُ من خَلْفَهُ». ذكره في الإيضاح. رواه أبو داود (٣). وفي شرح الإرشاد: روي عن عطاء عن ابن عباس أنه ﵇ قال فيمن أحدث بعد ما فرغ من التشهد: «أنه تمت صلاته». رواه الترمذي (٤). ولأن السلام للخروج عن الصلاة، والخروج عن الشيء يقع بما يضاد الركن، وما يضاده لا يكون منه، فكان السلام مخرجًا له عنها من حيث إنه كلام يضاد الركن فاستوى فيه الحدث العمد والكلام، إلا أنه ﵇ خص السلام؛ لأنه أحسن الكلام، وهذا يرد إشكالا على قول أبي حنيفة؛ حيث

стр. 716

وَبِمِثْلِهِ لَا تَثْبُتُ الفَرْضِيَّةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. يقول: (الخروج من الصلاة بفعل المصلي فرض)، وقد قال في المتن: (والتخيير ينافيه)، فكيف يتم الاستدلال على مذهبه؟. قيل في جوابه: قد قال الكرخي: إن الخروج منها بفعل المصلي ليس بفرض عنده؛ إذ لو كان فرضاً لاختص بما هو قربة للخروج من الحج، ولما كان الحدث العمد مخرجاً، ويأتي جوابه في المسائل الاثنى عشرة (١). قال شمس الأئمة: والصحيح ما قاله الكرخي (٢). وقال صاحب التأسيس: قوله أحسن، وقول أبي سعيد البرذعي وأكثر المشايخ؛ وهو أن الخروج منها بفعل المصلي فرض، ليس بمنصوص عن أبي حنيفة (٣). والجواب على قول أبي سعيد: أنه إنما صار فرضاً لأداء صلاة أخرى؛ لأن أداءها لا يمكن إلا بالخروج منها، فكان فرضاً لأجل صلاة أخرى، لا لأجل هذه الصلاة، والتخيير يدل على أنه لم يبق عليه ركناً أو فرضاً لهذه الصلاة لا لصلاة أخرى. أو نقول: هذا الاستدلال على مذهبهما لا على مذهب أبي حنيفة، وأبو حنيفة يتمسك في المسألة بحديث الأعرابي كما قلنا، وبحديث ابن عباس وأبي بكر وعمر كما ذكرنا، وبالقياس على التسليم الثاني فإنه أحد التسليمتين، فلا يكون فرضاً كالسلام الثاني، فإنه ليس بفرض بالإجماع. (وبمثله)؛ أي: بمثل ما روى الشافعي من قوله ﵇: «تحليلها التسليم» (٤). (لا تثبت الفرضية)؛ لأنه خبر واحد. كذا في الأسرار (٥).

стр. 717

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ثم لم يذكر هاهنا أن المقتدي متى يسلم؟ فعن أبي حنيفة روايتان، في رواية: يسلم مع الإمام كالتكبير. قال أبو جعفر: المقتدي يخرج بسلام الإمام، فشرط أن يسلم معه ليكون خارجا مع سلام نفسه، فيكون مقيما للسنة. وفي رواية: يسلم بعد سلام الإمام؛ لأن الخروج بالسلام، فيجب أن يتأخر خروجه عن خروج الإمام. والفرق على هذه الرواية بين التكبير والتسليم: أن في مقارنة التكبير شرعة إلى العبادة، وفي مقارنة التسليم شرعة الخروج منها، فكان مقارنة التكبير أولى. كذا في المحيط (١). وقال الشافعي: المقتدي سلم بعد فراغ الإمام من التسليمة الأولى، فلو سلم مقارنا بسلامه؟ فلو قلنا: أن نية الخروج بالسلامة شرط لا يجزيه، كما لو كبر مع الإمام لا تنعقد له صلاة الجماعة، فعلى هذا تبطل صلاته، ويجعل كما لو تقدم على الإمام بركن. وإذا قلنا: نية الخروج غير واجبة فيجزيه، كما لو ركع معه. وفي وجوب نية الخروج عن الصلاة بالسلام وجهان: أحدهما: أنه يجب، والثاني: أنه لا يجب. كذا في تتمتهم (٢). وذكر في المبسوط: المقتدي يخرج من الصلاة بسلام الإمام. وقيل: هو قول محمد، أما عندهما: يخرج بسلام نفسه (٣). وعن الحلواني (٤): يتبين بهذه المسألة جهل بعض الناس، فمن يشتغل

стр. 718

فَصْلٌ فِي القِرَاءَةِ بالدعوات بعد سلام الإمام، فالأولى أن يسلم معه؛ ليكون خروجه بسلام نفسه، ولو أخر يكون خروجه بسلام الإمام عند الكل، على إطلاق جواب الكتاب، وعند محمد على ما قيل. وهذا الخلاف فيمن لم يبق عليه شيء من واجبات الصلاة، إذ لو بقي لا يخرج عند الكل كَاللَّاحِقِ. وفي المبسوط: يظهر الخلاف في انتقاض الوضوء بسلام الإمام قبل سلام نفسه بالقهقهة، فعنده لا ينتقض، خلافاً لهما (١). [فَصْلٌ فِي القِرَاءَةِ] (٢) لما فرغ من بيان أركان الصلاة وفرائضها وسننها؛ ذكر أحكام القراءة بفصل على حدة دون سائر الأركان؛ لزيادة أحكام تعلقت بها دون سائرها، ثم ابتدأ بالجهر دون ذكر القدر، مع أن القدر راجع إلى الذات، والجهر إلى الصفة؛ لأن وجوب الجهر وهو المراد هاهنا من صفة الأداء الكامل، والقدر يشمل الكامل والقاصر، فكان الابتداء بصفة تختص بالأداء الكامل الذي هو الأصل في شرعية الصلاة أولى. كذا قيل. وفيه تأمل؛ لأن الأداء الكامل الصلاة بالجماعة، فينبغي أن يذكر الجهر هو صفته بعد الجماعة. وفي مبسوط شيخ الإسلام (٣): الجهر فيما يجهر والمخافتة فيما يخافت في الصلاة التي تقام بالجماعة واجب بالسنة، وإجماع الأمة، ونوع من المعنى: أما السنة: فما روي عن عبد الله بن مسعود: ما أَسْمَعْنَا النَّبِيُّ ﵇ أَسْمَعْنَاكُمْ وما سَكَتْنَا عَنْكُمْ (٤).

стр. 719

قال (وَيَجْهَرُ بِالقِرَاءَةِ فِي الفَجْرِ وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ إِنْ كَانَ إِمَامًا، وَيُخْفِي فِي الأُخْرَيَيْنِ هَذَا هُوَ المَأثُورُ المُتَوَارَثُ وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَهُوَ مُخَيَّرٌ إِنْ شَاءَ جَهَرَ وَأَسْمَعَ نَفْسَهُ) لِأَنَّهُ إِمَامٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ (وَإِنْ شَاءَ خَافَتَ) لِأَنَّهُ لَيْسَ واجتمعت الأمة من لدن رسول الله إلى يومنا هذا على الجهر، وعلى المخافتة فيما يخافت، وكذا القياس يقتضي الجهر في الصلوات كلها؛ لأن القراءة ركن من أركان الصلاة، فيجب إظهارها كسائر الأركان، ولهذا كان النبي ﵇ يجهر في الابتداء في الصلوات كلها، إلا أن الكفار لما [كانوا] (١) يلغونه في القراءة ويغلطونه في الظهر والعصر؛ ترك الجهر فيهما بهذا العذر، ثم تثبت هذه السُّنَّة وإن زال بهذا العذر بكثرة المسلمين، أما في المغرب والعشاء والفجر فالكفار متفرقون وأكثرهم ينامون فجهر النبي ﵇ بالقراءة فيها على ما عليه الأصل. وقيل: في الظهر والعصر في الأغلب تكون قلوبهم مشغولة بالكسب، فيحتمل الاستماع، فيأثمون لعدم حصول فائدته وهو التفكر والتأمل، بخلاف المغرب والعشاء والفجر، أما الجمعة والعيد تؤدى في الأحايين مرة على هيئة مخصوصة من الجمع الكثير، فيكون ذلك باعثا على التأمل والاعتبار، فلا يختل للاستماع. وإنما ذكر قوله (وأسمع نفسه)؛ لمعنيين: أحدهما: أنه جواب سؤال مقدر؛ وهو أنه لما قال: (إن شاء جهر) فيورد عليه أن يقال: يجب أن لا يجهر؛ لعدم فائدة الجهر، فإنه للاستماع، وليس معه أحد يسمعه، فقال في جوابه: فائدة الجهر حاصله هاهنا أيضاً بقدره؛ وهو أن يسمع نفسه فيجهر لذلك. والثاني: ما ذكره فخر الإسلام في مبسوطه: لا يجهر كل الجهر؛ لأنه ليس معه أحد يسمعه، بل يأتي بأدنى الجهر، فكان معناه على هذا: إن شاء جهر وأسمع نفسه ولا يسمع غيره؛ لما أن التخصيص في الرواية يدل على نفي ما

стр. 720

خَلْفَهُ مَنْ يَسْمَعُهُ، وَالأَفْضَلُ هُوَ الجَهْرُ لِيَكُونَ الأَدَاءُ عَلَى هَيْئَةِ الجَمَاعَةِ وَيُخْفِيهَا الإِمَامُ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ وَإِنْ كَانَ بِعَرَفَةَ لِقَوْلِهِ ﵊: صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ أَيْ لَيْسَتْ فِيهَا قِرَاءَةٌ مَسْمُوعَةٌ، عداه في الغالب (١). وفي المحيط: المنفرد إمام في حق نفسه، فيجهر لإسماع نفسه (٢). فإن قيل: إذا اعتبر إماما في حق نفسه جاز له المخافتة في حق نفسه. قلنا: القراءة له دون غيره، فكان مخافته كجهره. قوله: (على هيئة الجماعة): وفي الشامل: قال ﵇: «من صلى على هيئةِ الجَماعةِ صَلَّتْ بصلاته صفوف الملائكة» (٣). وعند الشافعي: الجهر سنة للمنفرد؛ لأنه ﵇ أمر بالجهر أبا بكر وعمر في صلاة الليل وكانا منفردين، ولأنه ليس بتابع لغيره، فهو كالإمام (٤). قوله: (ليست فيها قراءة مسموعة): وهكذا فسره في الغريبين، وإنما فسره بهذا؛ احترازا عن قول ابن عباس، فإنه قال: لا قراءة في هاتين الصورتين بهذا الحديث، وفسره بأن لا قراءة فيها. ولنا: حديث خباب بن الأرت أنه ﵇ قال: «لا صلاة إلا بالقِراءَةِ»، قيل له: بِمَ عرفتم قِراءَتَهُ ﵇ في هاتين الصورتين؟ قال: باضطراب لحيته (٥). وقال أبو قتادة: كان النبي ﵇ يسمعنا الآية والآيتين في الظهر أحيانًا (٦).

стр. 721

وَفِي عَرَفَةَ خِلَافُ مَالِكِ ﵀، وَالحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَاهُ … ... … ... وقال أبو سعيد الخدري: سجد رسول الله ﷺ في الظهر، فظننا أنه قرأ ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١ - ٢] السجدة (١)، وقد كان النبي ﷺ في الابتداء يجهر بالقراءة في الصلوات كلها، وكان المشركون يؤذونه، فأنزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]؛ أي: لا تجهر بقراءتك وتخفي في هاتين الصورتين؛ لأنهم كانوا مستعدين للإيذاء فيهما، وقد صح رجوع ابن عباس عن هذا القول؛ فإن رجلا سأله أقرأ خلف الإمام؟ فقال ﵇: «أما في صَلاةِ الظُّهرِ والعَصْرِ فَنَعَمْ» (٢). وتأويل قوله ﵇ «صَلاةُ النَّهارِ عَجْماءُ» (٣)؛ أي: ليس فيها قراءة مسموعة. كذا في المبسوط (٤). قوله: (وفي عرفة خلاف مالك)؛ فإنه يقول بالجهر بالجمع بعرفات؛ لأنها تؤدى بجمع عظيم، كما في الجمعة (٥). (والحجة عليه)؛ أي: على مالك. (ما رويناه)؛ وهو قوله ﵇: «صَلاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ» وهو عام. فإن قيل: عام خُصَّ منه البعض وهو صلاة الجمعة والعيد، فيجوز (٦) تخصيصه بالقياس. قلنا: القياس بالجمعة لا يصح؛ لأن الاجتماع فيها للصلاة، بخلاف الاجتماع في عرفات. كذا قيل، وفيه تأمل. وقيل: فرضت الجمعة بالمدينة، فكان الجهر فيها على خلاف القياس، فيقتصر على مورده، والجمع بعرفات ليس في معناه من كل وجه، فلا يجوز

стр. 722

(ويَجْهَرُ فِي الجُمُعَةِ والعِيدَيْنِ) لِوُرُودِ النَّقْلِ المُسْتَفِيضِ بِالجَهْرِ، وَفِي التَّطَوُّعِ بِالنَّهَارِ يُخَافِتُ، وَفِي اللَّيْلِ يَتَخَيَّرُ اعْتِبَارًا بِالفَرْضِ فِي حَقِّ المُنْفَرِدِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ مُكَمِّلٌ لَهُ الإلحاق، وفيه تأمل أيضاً. قوله: (ويجهر في الجمعة): وإن كانت صلاة النهار لأنها فرضت بالمدينة وكانت الغلبة للمؤمنين. وكذا في الأعياد. كذا في المبسوط (١). (وبالنهار يخافت)؛ أي: حتما حتى يكره الجهر. (وفي الليل يتخير)؛ لكن الجهر أفضل والأفضلية تستفاد من اعتباره بالفرض في حق المنفرد، وقد أثبت قبل هذا أفضلية الجهر في حق المنفرد في الفرض. وفي المبسوط (٢): الجهر بالتطوع أفضل؛ لحديث عائشة أنه ﵇ جهر في التهجد بالليل، وكان يؤنس اليقظان، ولا يوقظ الوسنان (٣)، ولحديث أبي هريرة أنه ﵇ خفض طورا ورفع طورا (٤)، ومر النبي ﵇ بأبي بكر ﵁ وهو يتهجد ويخفي القراءة، وبعمر ﵁ وهو يتهجد ويجهر بالقراءة، وببلال ﵁ وهو يتنقل من سورة إلى سورة، فلما أصبحوا سأل كل واحد منهم، فقال أبو بكر: كنت أُسمِعُ مَنْ أناجيه، وقال عمر: كنت أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان، وقال بلال: أتنقل من بستان إلى بستان، فقال ﵇ لأبي بكر: «ارفَعْ مِنْ صوتِكَ قليلًا»، ولعمر «اخفِضْ مِنْ صوتك قليلًا»، ولبلال «إذا ابتدأت سورةً فأتمها» (٥).

стр. 723

فَيَكُونُ تَبَعًا له (وَمَنْ فَاتَتْهُ العِشَاءُ فَصَلَّاهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِنْ أَمَّ فِيهَا جَهَرَ) كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَضَى الفَجْرَ غَدَاةَ لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ بِجَمَاعَةٍ (وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ خَافَتَ حَتْمًا، وَلَا يَتَخَيَّرُ هُوَ الصَّحِيحُ) لِأَنَّ الجَهْرَ يَخْتَصُّ إِمَّا بِالجَمَاعَةِ حَتْمًا أَوْ وقوله: (ومن فاتته صلاة العشاء) إلى قوله: (ومن قرأ في العشاء) (١) ليس في بعض النسخ والصواب ذكرها؛ لما أن ذلك من أصل مسائل الجامع الصغير؛ حيث قال فخر الإسلام في جامعه: في هذه المسألة مسألة الكتاب، والمصنف التزم ذكر مسائله (٢). وقوله: (هو الصحيح): في هذه النسخة مخالف لما ذكره شمس الأئمة، وفخر الإسلام، وقاضي خان، والتمرتاشي، والمحبوبي في شروحهم الجامع الصغير؛ فإنه ذكر قاضي خان: ولو صلى وحده خافت؛ لأن الجهرة سنة الجماعة والأداء في الوقت، فلا يجهر بعد خروج الوقت (٣). وقال بعضهم: يتخير بينهما، والجهر أفضل كما في الوقت، وهو الصحيح؛ لأن القضاء يكون على وفق الأداء، وفي الأداء المنفرد يتخير، والجهر أفضل، فكذا في القضاء. وهكذا ذكره فخر الإسلام (٤). وعند الشافعي: لو فاتته صلاة بالليل وأراد قضاءها بالنهار، أو على العكس؛ يعتبر وقت القضاء، وهو ظاهر مذهبه؛ فإن قضى بالنهار يُسرّ، وبالليل يَجْهَر.

стр. 724

بِالوَقْتِ فِي حَقِّ المُنْفَرِدِ عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ وَلَمْ يُوجَدْ أَحَدُهُمَا (وَمَنْ قَرَأَ فِي العِشَاءِ فِي الأُولَيَيْنِ السُّورَةَ وَلَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ لَمْ يُعِدْ فِي الأُخْرَيَيْنِ، وَإِنْ قَرَأَ فِي وقال بعض أصحابه: يعتبر وقت الفوات، فإن كان من صلاة الليل جهر فيها، وإن كان من صلاة النهار أسر فيها. كذا في تتمتهم (١). وفي الخبازية: إنما قال: يصليها بعد طلوع الشمس، ولم يقل بعد طلوع الفجر وإن كانت تجوز فائتته في الوقتين؛ لتبين أن المعتبر في حكم الجهر والمخافتة حالة الأداء لا حالة القضاء، فإن حالة قضائها حالة المخافتة، بخلاف ما بعد طلوع الفجر. قوله: (ومن قرأ في العشاء) إلى آخره: قال عيسى بن أبان: ينبغي أن يكون الجواب في المسألة على العكس؛ لأن قراءة الفاتحة واجبة، وقراءة السورة غير واجبة، والواجب أولى بالقضاء (٢). وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أنه يقضيها، أما الفاتحة فلما قال، وأما السورة فلما ذكرا (٣). وقال أبو يوسف: لا يقضي واحد منهما، أما السورة؛ فلأنها سنة في وقتها، فكانت بدعة في غير وقتها، وأما الفاتحة؛ فلأن الشفع الثاني محل أدائها، فإن قرأ مرة تكون أداء، وإن قرأ مرتين تكون بدعة؛ لأن تكرارها في قيام واحد غير مشروع. لكن ذكر في فتاوى العتابي: أن تكرار الفاتحة في التطوع لا يكره؛ لورود الخبر في مثله (٤). وجه ظاهر الرواية: أن قراءة الفاتحة واجبة في الشفع الأول، وكذا سورة معها، حتى لو تركها ساهيا يلزمه السهو، وقضاها في الشفع الثاني أو لا، إلا

стр. 725

الأوليين الفَاتِحَةَ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا قَرَأَ فِي الأُخْرَيَيْنِ الفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ وَجَهَرَ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: لَا يَقْضِي وَاحِدَةً مِنهُمَا لِأَنَّ الوَاجِبَ إِذَا فَاتَ عَنْ وَقْتِهِ لَا يُقْضَى إِلَّا بِدَلِيلٍ (*). وَلَهُمَا، وَهُوَ الفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ: أَنَّ قِرَاءَةَ الفَاتِحَةِ شُرِعَتْ عَلَى وَجْهِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا السُّورَةُ، فَلَوْ قَضَاهَا فِي الأُخْرَيَيْنِ تَتَرَتَّبُ الفَاتِحَةُ عَلَى السُّورَةِ، وَهَذَا خِلَافُ المَوْضُوعِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا تَرَكَ السُّورَةَ، لِأَنَّهُ أَمْكَنَ قَضَاؤُهَا عَلَى الوَجْهِ المَشْرُوعِ، ثُمَّ ذَكَرَ هَاهُنَا مَا يَدُلُّ عَلَى الوُجُوبِ، وَفِي الْأَصْلِ … ... … أنه محل لأداء الفاتحة فلم يقضها كما قال أبو يوسف، ولكن ليست بمحل لأداء السورة فجاز أن تكون محلا لقضائها. ولأن الفاتحة في الشفع الأول وجبت على وجه تفتح بها القراءة، ويترتب عليه في السورة، فلو قضاها في الشفع الثاني لا تترتب عليها السورة، فلا يكون القضاء على وفق الأداء، أما لو قضى السورة كانت السورة مرتبة على الفاتحة، فيكون القضاء على وفق الأداء، وهذا معنى قوله: (أمكن قضاؤها على الوجه المشروع). قوله: (إلا بدليل): والدليل شرعية ما له ليصرف إلى ما عليه؛ لأن القضاء صرف ما له إلى ما عليه، والسورة في الآخرتين غير مشروع، فلم يوجد الدليل فلا يقضي، كما إذا فات تكبيرات التشريق، وهذا البحث مذكور في الأصول. (ثم ذكر هاهنا)؛ أي: في الجامع الصغير. (ما يدل على الوجوب)؛ وهو قوله: (قراءة الفاتحة والسورة وجهر)؛ لأن في كل موضع فيه الجهر تكون القراءة واجبة، أو لأنه إخبار ونص في الرواية، فيكون كالوجوب. (وفي الأصل)؛ أي: في المبسوط.

стр. 726

بِلَفْظَةِ الِاسْتِحْبَابِ، لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مُؤَخَّرَةً فَغَيْرُ مَوْصُولَةٍ بِالفَاتِحَةِ، فَلَمْ يُمْكِنُ مُرَاعَاةُ مَوْضُوعِهَا مِنْ كُلِّ وَجْهِ وَيَجْهَرُ بِهِمَا هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الجَهْرِ وَالمُخَافَتَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ شَنِيعٌ، وَتَغْيِيرُ النَّفْلِ - وَهُوَ الفَاتِحَةُ - أَوْلَى، (بلفظ الاستحباب)؛ فإنه قال فيه: أحب إلي أن يقضي، وما قال يجب؛ لأنه يكون خلاف الموضوع؛ وهو عدم اتصال السورة بالفاتحة. كذا في الكافي (١). (ويجهر بهما): اختلفوا في قول محمد: (وجهر) أنه ينصرف إلى السورة وحدها أو إليهما؟ قال البلخي: ينصرف إليها وحدها؛ لأن قراءتها في الآخرتين تقع قضاء، والقضاء يقع بالمثل، وفي أداء السورة كانت تجهر، فكذا في القضاء؛ ليكون القضاء على وفق الأداء (٢). قال شيخ الإسلام في مبسوطه، والتمرتاشي في جامعة: وهو الصحيح، بخلاف الفاتحة فإنها تقع أداء في الآخرتين، وفيهما لا يُجهر بالقراءة. وقال شمس الأئمة في مبسوطه، وقاضي خان في جامعه: والصحيح: أنه ينصرف إليهما؛ كيلا تختلف صيغة القراءة في قيام واحد (٣). وقوله: (وَتَغْيِيرُ النَّفْلِ): جواب سؤال مقدر وهو أن يقال: فلما لم يجز الجمع بين الجهر والمخافتة وقضاء السورة أولا لا يجوز ينبغي أن تخافت السورة تبعاً للفاتحة. فقال: يعتبر النفل وهو الفاتحة؛ إذ هي سنة في الآخرتين، والسورة واجبة لكونها قضاء، وكانت الفاتحة تبعاً في هذه السورة، فيجهر بها تبعًا للسورة، ولأن الجهر بها في القضاء مشروع، والمخافتة بالسورة بالجماعة غير مشروع أصلا، ولأن الفاتحة أداء، والأداء يقبل التغيير دون القضاء؛ اعتبارًا باقتداء

стр. 727

ثُمَّ المُخَافَتَةُ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ، وَالجَهْرُ أَنْ يُسْمِعَ غَيْرَهُ، وَهَذَا عِنْدَ الفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ الهِنْدُوَانِي لَهُ لِأَنَّ مُجَرَّدَ حَرَكَةِ اللِّسَانِ لَا يُسَمَّى قِرَاءَةً بِدُونِ الصَّوْتِ. وَقَالَ الكَرْخِيُّ: أَدْنَى الجَهْرِ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ، وَأَدْنَى الْمُخَافَتَةِ تَصْحِيحُ الحُرُوفِ المسافر بالمقيم في الوقت وخارج الوقت. وفي مبسوط فخر الإسلام: لم يذكر هاهنا كيفية القضاء في التقديم والتأخير، قال بعضهم: يقدم السورة؛ لأنها ملحقة بالقراءة في الأوليين، فكان تقديم السورة أولى. وقال بعضهم: يؤخر، وهو الأشبه وأبعد من التغيير؛ إذ تقديمها على الفاتحة غير مشروع (١). قوله: (ثم المخافتة): اختلفوا في حد وجود القراءة على ثلاثة أقوال (٢): فشرط الهندواني والفضلي لوجودها خروج صوت يصل إلى أذنه، وبه قال الشافعي (٣). وشرط بشر المريسي وأحمد (٤) خروج الصوت من الفم وإن لم يصل إلى أذنه، ولكن بشرط أن يكون مسموعًا في الجملة، حتى لو أدنى أحد صماخه إلى فيه سمع. ولم يشترط الكرخي وأبو بكر البلخي - المعروف بالأعمش - السماع، واكتفى بتصحيح الحروف، وبه قال مالك (٥). في الذخيرة: لا بد من تحريك اللسان في تصحيح الحروف، حتى قال الكرخي: لا يجزئه بلا خلاف بلا تحريك اللسان، واختار شيخ الإسلام وقاضي خان وصاحب المحيط والحلواني قول الهندواني (٦).

стр. 728

لِأَنَّ القِرَاءَةَ فِعْلُ اللِّسَانِ دُونَ الصِّمَاخِ. وَفِي لَفْظِ الْكِتَابِ إِشَارَةٌ إِلَى هَذَا. وَعَلَى هَذَا الأَصْلِ كُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنُّطْقِ كَالطَّلَاقِ وَالعَتَاقِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (وفي لفظ الكتاب)؛ أي: الجامع. (إشارة إلى هذا)؛ أي: إلى قول الكرخي، حيث قال فيه: (وإن كان وحده وكان صلاة يجهر فيها؛ قرأ في نفسه، وإن شاء جهر وأسمع نفسه)، فلما فسر الجهر بكونه مسموعاً لنفسه؛ لا بد أن تكون المخافتة ما لم يكن مسموعاً، إذ لو كان إسماع نفسه داخلا في القراءة لكان مستفاداً من قوله: (قرأ في نفسه)، فعلم أن المراد من قوله: (قرأ في نفسه) تصحيح الحروف، يؤيده قول ابن مسعود: من أسمع أذنيه لم يخافت (١). احتج من قال: (لا يجوز ما لم يسمع نفسه) بأن القراءة كلام، وهو عبارة عما يظهر المرء ما في ضميره، ولهذا قيل: اللسان ترجمان القلب، وذلك لا يكون إلا بصوت مسموع وحروف مضمومة؛ لأن الكلام لا يوجد مع إقامة الحروف، كالكتابة فإنها لا تسمى كلاماً، وإن وجد إقامة حروف مفهومة مظهر لما في الضمير. وأما قوله: (إن القراءة فعل اللسان). قلنا: نعم، لكن مع الصوت وإقامة الحروف. وأما قوله: (في الكتاب إشارة إلى ما ادعاه): قلنا: ليس كذلك، بل فيه دليل على ما قلنا؛ لأنه أراد بقوله: (وقرأ في نفسه) أن يسمع نفسه لا غير، وبقوله: (إن شاء جهر وأسمع نفسه) أن يسمع نفسه وغيره، فصار كأنه قال: المنفرد فيما يجهر بالخيار، إن شاء أسمع نفسه لا غير، وإن شاء أسمع غيره وأسمع نفسه؛ لأن الجهر عبارة عن إسماع الغير. كذا في مبسوط شيخ الإسلام والمحيط (٢). (إلى هذا)؛ أي: إلى أن القراءة فعل

стр. 729

(وَأَدْنَى مَا يُجْزِئُ مِنْ القِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ آيَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: ثَلَاثُ آيَاتٍ قِصَارٍ، أَوْ آيَةٌ طَوِيلَةٌ) (*) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى قَارِنَا بِدُونِهِ فَأَشْبَهَ قِرَاءَةَ مَا دُونَ الآيَةِ. اللسان دون الصماخ وهو ثقب الأذن، وغير ذلك كالتعليق، وحكم التسمية على الذبيحة، ووجوب سجدة التلاوة وجواز الصلاة. كذا في جامع قاضي خان (١). قال شيخ الإسلام: وكذا الإيلاء والبيع على الخلاف (٢). وقيل: الصحيح في البيع أن يسمع المشتري. وفي النصاب: سئل الفضلي عن الإمام يسمع قراءته رجل أو رجلان في صلاة المخافتة، قال: لا تكون جهراً، والجهر أن يسمع الكل (٣). وعن الهندواني: كلما ازداد الإمام أو المنفرد في الجهر في صلاة الجهر فهو أفضل بعد أن لا يجهر نفسه، ولا يؤذي من خلفه وإن زاد على حاجة المقتدين (٤). عن أبي نصر: حرك لسانه بحروف الاستثناء جاز استثناؤه. كذا عن أبي يوسف وأبي مطيع وإبراهيم النخعي (٥). قال أبو نصر: وكذا القراءة في الصلاة وإن سمعت فهو أوثق. قال أبو الليث: وبه نأخذ. كذا في الْمُجْتَبى (٦). قوله: (وأدنى ما يجزئ) إلى آخره وفي جامع الكردري (٧): القراءة أنواع: فريضة، وواجبة، وسنة ومكروهة، فالفريضة عند أبي حنيفة في رواية: قدر ما يطلق عليه اسم القراءة، مقصودة لا يشوبها قصد خطاب أحد ولا جوابه، ولا

стр. 730

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قصد التلقن من غيره؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] الآية؛ أمرنا بالقراءة مطلقا، وبإطلاقه يتناول هذا القدر. وفي رواية عنه: آية واحدة، وهو رواية عن أحمد (١)؛ لأن ما دونها يوجد في كلام الناس، فلا ينطلق عليه اسم القرآن. وفي رواية عنه: ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة، وهو قول صاحبيه؛ لأن المقصود من القراءة الإعجاز والتدبر، وأيا ما كان لا يحصل بهذا القدر، أما الواجبة فقراءة الفاتحة مع ثلاث آيات قصار أو آية طويلة، وأما المسنونة فيتنوع إلى قراءة في السفر والحضر، ويجيء بعده في قول المصنف (وفي السفر يقرأ كذا)، وأما المكروه فالقراءة خلف الإمام، والقراءة في الصلاة في غير حالة القيام، وتعيين شيء من القرآن، والقراءة فيها من الصحف عندهما. ثم على قول أبي حنيفة، لو قرأ آية قصيرة هي كلمات أو كلمتان نحو قوله ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ١٩] ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١] وما أشبه ذلك؛ يجوز بلا خلاف بين المشايخ، أما لو قرأ آية وهي كلمة واحدة نحو قوله ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] أو حرف واحد نحو قوله ﴿ق﴾ و ﴿ص﴾ و ﴿ن﴾، فإن هذه آيات عند بعض القراء، اختلف المشايخ فيه: قال في شرح الطحاوي، وجامع الإسبيجابي: يجوز ويكره (٢). ولو قرأ آية طويلة نحو آية الكرسي وآية المداينة في ركعتين، بعضها في ركعة والبعض في الأخرى، اختلف المشايخ فيه على قوله أيضاً، قال بعضهم: لا يجوز؛ لأنه ما قرأ آية تامة في كل ركعة، وعامتهم أنه يجوز؛ لأن بعض هذه الآية يزيد على ثلاث آيات قصار وتعدلها، فلا تكون قراءته أدنى من قراءة ثلاث آيات قصار. كذا في المحيط (٣).

стр. 731

وَلَهُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ إِلَّا أَنَّ مَا دُونَ الآيَةِ خَارِجٌ، وَالآيَةُ لَيْسَتْ فِي مَعْنَاهُ (وَفِي السَّفَرِ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَأَيِّ وفي فتاوى العتابي: قراءة ثلاث آيات قصار أو آية طويلة واجبة بالإجماع، وقد روي رجوع أبي حنيفة عن آية مثل الاسم (١). وفي البدرية: هذا حد الجواز، أما الكراهية ثابتة ما لم يقرأ الفاتحة مع ثلاث آيات (٢). وفي شرح الطحاوي: قراءة الفاتحة وحدها ومعها آية أو آيتين مكروه (٣). وفي الْمُجْتَبى: ما ذكره الطحاوي: قدر ثلاث آيات؛ يدل على أنه لو قرأ معها آية طويلة لا يكون آتيا بالواجب (٤). وفي مبسوط بكر: آية طويلة بمنزلة ثلاث آيات في حق إقامة السنة (٥). (والآية ليست في معناه)؛ أي: في معنى ما دون الآية؛ لأن الآية قرآن حقيقة وحكماً، أما حقيقةً فظاهر، وأما حكماً فلحرمة قراءتها على الجنب والحائض بالإجماع، وما دون الآية ليس له حكم القرآن، ولهذا ذكر الطحاوي: لا تحرم قراءته عليهما. كذا في المحيط (٦). إلا أنه بالنظر إلى إطلاق الآية ينبغي أن يجوز؛ لإطلاق اسم القرآن عليه حقيقة جدا، وتحرم قراءته على الجنب في الأصح كما مر. وإليه أشير في جامع الكردري (٧). وفي الأسرار: ما قالاه احتياطاً؛ لأن قوله ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص: ٣] ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١] لا يتعارف قرآنا، وإن كانا قرآنا حقيقة؛ فالإتيان بما يكون قرآنا

стр. 732

سُورَةٍ شَاءَ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي سَفَرِهِ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ»، وَلِأَنَّ السَّفَرَ أَثَرَ فِي إِسْقَاطِ شَطْرِ الصَّلَاةِ، فَلَأَنْ يُؤَثَّرَ فِي تَخْفِيفِ القِرَاءَةِ حقيقة وعرفا احتياط (١). وفي المستصفى: الأصل أن المجاز المتعارف أولى عندهما من الحقيقة، وعنده الحقيقة المستعملة أولى منه (٢)، وفيه تأمل. وفي شرح الإرشاد لأبي حنيفة: ما روي عن ابن عباس أنه سئل عن القراءة في كل ركعة فقال: اقرأ من القرآن ما قل أو كثر (٣)، وكذا عن أبي هريرة (٤)، ولأنه قرأ في الصلاة ما يمنع الجنب والحائض عن قراءته، فيجزئه كما لو قرأ آية طويلة، ويلزم عليه ما دون الآية. ولهما: أن القرآن إنما يتميز عن غيره بالإعجاز، وهذا لا يظهر إلا في سورة، وأقصر السور ثلاث آيات، وأما الآية الطويلة فالإعجاز بها يحصل أيضاً؛ لأنه عليه مراعاة السنة؛ فإنه روي أنه ﵇ قرأ في الحضر بمثله في صلاة الفجر (٥). وقيل: في قوله: (لأن السفر أثر في إسقاط شطر الصلاة) نظر؛ لأن السفر ما أثر في إسقاطه على مذهبنا، بل صلاة السفر من الأصل وجبت ركعتين؛ لحديث عائشة أن الصلاة فرضت ركعتين، فأُقِرُّتْ في السفر وزيدت في الحضر. رواه مسلم (٦). قيل في جوابه: قال ذلك بالنظر إلى الحضر مع التخفيف؛ يعني: قيام السفر في هذه الحالة أوجب التخفيف؛ لأن الحكم يدور مع العلة لا مع الحكمة؛ ألا ترى أنه يباح الفطر مع ذلك الأمن والقرار لوجود علة التخفيف.

стр. 733

أَوْلَى، وَهَذَا إِذَا كَانَ عَلَى عَجَلَةٍ مِنْ السَّيْرِ، وَإِنْ كَانَ فِي أَمَنَةٍ وَقَرَارٍ يَقْرَأُ فِي الفَجْرِ نَحْوَ سُورَةِ البُرُوجِ وَ «انْشَقَّتْ»، لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ مُرَاعَاةُ السُّنَّةِ مَعَ التَّخْفِيفِ (وَيَقْرَأُ فِي الحَضَرِ فِي الفَجْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بِأَرْبَعِينَ آيَةً أَوْ خَمْسِينَ آيَةً سِوَى فَاتِحَةِ الْكِتَابِ) قوله: (ويقرأ في الفجر في الحضر): هذا اللفظ يدل على أن أربعين آية منقسمة على الركعتين، فحينئذ يصيب كل ركعة عشرون آية، وهو خلاف الآثار، فإن ذكر في المبسوط (١): عن مورق العجلي قال: تلقفت سورة (ق) و (اقتربت) من في رسول الله ﷺ لكثرة قراءته إياها في صلاة الفجر (٢)، ولا يمكن حمله على أنه قرأ بعض السورة في ركعة والبعض في ركعة؛ لما ذكرنا أن المستحب قراءة سورة تامة، وقد أمر به النبي ﵇ بلالا لما ذكرنا (٣)، وفعله ﵇ محمول على ما هو الأولى، وكذا روي عن ابن عباس أنه ﵇ كان يقرأ في الفجر يوم الجمعة ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١ - ٢] و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ﴾ [الإنسان: ١] (٤) وكذا المعهود في زماننا قراءة سورة في الفجر تحتوي إلى أربعين أو خمسين، أو أزيد أو أنقص، لا أن يكتفي بسورة محتوية بعشرين في الركعة الأولى؛ كسورة البلد والغاشية، ولاشك أن أمرهم محمول على التوارث كابراً عن كابر. وفي المحيط (٥): قال في الكتاب: يقرأ في الفجر في الركعتين بأربعين أو خمسين أو ستين سوى الفاتحة، ثم قال: ولم يرد بقوله (أربعين أو خمسين) في كل ركعة، بل أراد فيهما، في كل ركعة عشرون، فحينئذ يحمل ما رواه العجلي على قوله في الكتاب أو من ستين إلى مائة؛ فإنه ﵇ لما قرأ سورة

стр. 734

وَيُرْوَى: مِنْ أَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ وَمِنْ سِتِّينَ إِلَى مِائَةٍ، وَبِكُلِّ ذَلِكَ وَرَدَ الأَثَرُ. وَوَجْهُ التَّوْفِيقِ: أَنَّهُ يَقْرَأُ بِالرَّاغِبِينَ مِائَةٌ، وَبِالكُسَالَى أَرْبَعِينَ، وَبِالْأَوْسَاطِ مَا بَيْنَ خَمْسِينَ إِلَى سِتِّينَ، وَقِيلَ: يَنْظُرُ إِلَى طُولِ اللَّيَالِي وَقِصَرِهَا، وَإِلَى كَثْرَةِ الأَشْغَالِ (ق) في الركعة الأولى وهي خمسون أو أربعون آية؛ كان يقرأ في الثانية ما يعادلها أو يقرب منها، فكان مجموعها يقرب إلى مائة. كذا ذكره في مبسوط شيخ الإسلام (١)، مفسراً بهذا وقال: أنه ﵇ كان يقرأ سورة (ق) أو (اقتربت) في الركعة الأولى (٢) وكذلك ذكر فيه أنه ﵇ قرأ في صلاة الفجر فيها ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السجدة وفي الثانية (هل أتى) (٣) فكان المجموع إحدى وستين؛ فإن السجدة ثلاثون آية ﴿هَلْ أَتَى﴾ إحدى وثلاثون آية، فلما اختلفت مقادير قراءة رسول الله ﷺ ؛ اختلفت مقادير محمد أيضاً، وكذلك اختلفت مقادير القراءة في الآثار أيضاً. وروي أن أبا بكر ﵁ قرأ في الفجر سورة البقرة، فلما فرغ قال له عمر: كادت الشمس تطلع يا خليفة رسول الله فقال: لو طَلَعَتْ لم تجدنا غافلين (٤)، وعمر ﵁ قرأ فيه سورة يوسف، فلما انتهى إلى قوله ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَنِي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] خنقته العبرة فركع (٥). وجه التوفيق: ما ذكره محمد: المراد من الأربعين؛ إذا كانت الآي طوالا كسورة الملك، فإنها مع طولها ثلاثون آية، والمراد من الخمسين أو الستين؛ إذا كانت الآي متوسطة. كذا في المحيط (٦). وقيل: يبني على حالة نفسه من الخفة والثقل وحسن الصوت. وقيل: بقدر رغبات المقتدين. وقيل: بقدر سرعة القراءة وبطولها.

стр. 735

وَقِلَّتِهَا. قَالَ: (وَفِي الظُّهْرِ مِثْلَ ذَلِكَ) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي سَعَةِ الوَقْتِ، وَقَالَ فِي الأَصْلِ: أَوْ دُونَهُ، لِأَنَّهُ وَقْتُ الاشْتِغَالِ فَيَنْقُصُ عَنْهُ تَحَرُّزًا عَنِ المَلَالِ (وَالْعَصْرُ وَالعِشَاءُ سَوَاءٌ، يَقْرَأُ فِيهِمَا بِأَوْسَاطِ المُفَصَّلِ، وَفِي المَغْرِبِ دُونَ ذَلِكَ، يَقْرَأُ فِيهَا فالحاصل أن الإمام يخفف ولا يُطَوّل على الناس؛ لحديث معاذ بن جبل، وهو مشهور. قوله: (وفي الظهر) إلى آخره روي أنه ﵇ كان يقرأ في الظهر الم ﴿تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١ - ٢] السجدة (١)، وقد روينا أنه كان يقرأ في الفجر الم ﴿تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١ - ٢] (٢)، فدل أنه كان يقرأ في ركعتي الظهر مثل ما يقرأ في الفجر. (وفي الأصل)؛ أي: المبسوط. (أو دونه)؛ روى أبو سعيد الخدري أنه ﵇ كان يقرأ في الظهر قدر ثلاثين آية (٣) وهو نحو سورة الملك. كذا في المبسوطين (٤). قوله: (بأوساط المفصل)؛ عن جابر بن سمرة (٥) أنه ﵇ كان يقرأ في الركعتين الأوليين من العصر ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوج﴾ [البروج: ١]، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق: ٦] (٦)، وروي أنه ﵇ كان يقرأ في المغرب المعوذتين (٧)، وقوله ﵇ لمعاذ: «أين أنت من ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] ﴿وَالشَّمْسِ

стр. 736

بِقِصَارِ المُفَصَّلِ) وَالأَصْلُ فِيهِ كِتَابُ عُمَرَ ﵁ إِلَى أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ: «أَنْ اقْرَأ فِي الفَجْرِ وَالظَّهْرِ بِطِوَالِ المُفَصَّلِ، وَفِي العَصْرِ وَالعِشَاءِ بِأَوْسَاطِ المُفَصَّلِ، وَفِي وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] (١)». كذا في مبسوط شيخ الإسلام، والمحيط (٢). طوال المفصل: من سورة الحجرات إلى ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوج﴾ [البروج: ١]، والأوساط منها: إلى سورة ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ [البينة: ١]، والقصار منها: إلى الآخر. وقيل: طوال المفصل: من سورة (الحجرات) إلى (عبس)، والأوساط: من (كورت) إلى (والضحى)، والقصار منها: إلى الآخر. كذا في جامع المحبوبي، وقاضي خان (٣). إلا أنه ذكر في جامع قاضي خان: قيل: أول الطوال: سورة محمد، وقيل: (ق). قوله: (بطوال): وفي بعض النسخ: (ويطول)، كذلك جرى التوارث من لدن رسول الله ﷺ . اختلف المشايخ في التفاوت بينهما: قيل: ينبغي أن يكون بقدر الثلث والثلثين، الثلثان في الأولى، والثلث في الثانية. وفي شرح الطحاوي: ينبغي أن يقرأ في الأولى بقدر ثلثين، وفي الثانية بقدر عشر أو عشرين، هذا بيان الأولوية، أما في الحكم لا يتفاوت وإن كانتا متساويتين (٤). وأما إطالة الركعة الثانية على الأولى؛ فمكروه بالإجماع. كذا في المحيط (٥). وعن مالك: لا يكره (٦).

стр. 737

المَغْرِبِ بِقِصَارِ المُفَصَّلِ» وَلِأَنَّ مَبْنَى المَغْرِبِ عَلَى العَجَلَةِ وَالتَّخْفِيفُ أَلْيَقُ بِهَا. وَالعَصْرُ وَالعِشَاءُ يُسْتَحَبُّ فِيهِمَا التَّأخِيرُ، وَقَدْ يَقَعَانِ بِالتَّطْوِيلِ فِي وَقْتِ غَيْرِ مُسْتَحَبُّ فَيُوَقِّتُ فِيهِمَا بِالأَوْسَاطِ وَيُطِيلُ الرَّكْعَةَ الأُولَى مِنْ الفَجْرِ عَلَى الثَّانِيَةِ إِعَانَةٌ لِلنَّاسِ عَلَى إِدْرَاكِ الجَمَاعَةِ. قَالَ: (وَرَكْعَنَا الظُّهْرِ سَوَاءٌ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُطِيلَ الرَّكْعَةَ الأُولَى عَلَى غَيْرِهَا فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا) (*) لِمَا وقال شيخ الإسلام: ينبغي أن لا يفصل بين الركعتين بسورة أو سورتين، بل يفصل بِسُورٍ، وركعتا الظهر سواء. (١) قال الكرخي: السنة في الفجر ثلاثين إلى ستين، وفي الثانية ما بين عشرين إلى ثلاثين، وفي ركعتي الظهر مثل الأولى من الفجر (٢). وفي الجامع الأصغر (٣): خمسين أو ستين، وفي الظهر نحو ذلك أو دونه. وقال الشافعي ﵁: المستحب أن يسوي في قدر القراءة بين الركعتين في الصلوات كلها؛ لما روى أبو سعيد الخدري [أنه ﵇] (٤) كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر في كل ركعة ثلاثين آية (٥). وقال بعض أصحابه: يستحب أن يطوّل القراءة في الركعة الأولى من كل صلاة، ويستحب ذلك في الفجر أكثر، وهو مذهب محمد، وأحمد (٦)، والثوري؛ لما روى أبي قتادة أنه ﵇ كان يطول في الأولى ما لا يطول في الثانية (٧)، ولأن فيه فائدة أن يتلاحق الناس فيدركوا أول الصلاة مع الإمام.

стр. 738

رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُطِيلُ الرَّكْعَةَ الأُولَى عَلَى غَيْرِهَا فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا» وَلَهُمَا: أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ اسْتَوَيَا فِي اسْتِحْقَاقِ القِرَاءَةِ فَيَسْتَوِيَانِ فِي المِقْدَارِ، بِخِلَافِ الفَجْرِ لِأَنَّهُ وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ، وَالحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الإِطَالَةِ مِنْ حَيْثُ الثَّنَاءُ وَالتَّعَوُّذُ وَالتَّسْمِيَةُ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ بِمَا دُونَ ثَلَاثِ آيَاتٍ لِعَدَمِ إِمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ كذا في تتمتهم (١). قوله: (فيستويان في المقدار)؛ يعني: إذا كانت آيات السور غير متفاوتة في الطول والقصر، فالتقدير بعدد الآيات، ولو كانت متفاوتة، بعضها قصيرة وبعضها طويلة؛ فالتقدير فيه بعدد الحروف. وقوله: (بخلاف الفجر)؛ جواب قياس محمد، حيث قاس سائر الصلوات بالفجر، فإن إطالة الأولى على الثانية مسنونة بالإجماع. وفي جامع المحبوبي: الجمعة والعيد وغيرهما في هذا الحكم سواء (٢). وفي نظم الزندويستي: يسوي في القراءة في الركعتين فيهما بالاتفاق (٣). وفي المحبوبي: ويطيل الأولى من الفجر على الثانية بقدر ثلثها. وقيل: بقدر نصفها بالإجماع، وكذا في سائر الصلوات عند محمد، وعليه الفتوى (٤). قوله: (ولا معتبر بالزيادة … ) إلى آخره؛ فإنه ﵇ قرأ المعوذتين في المغرب في الركعتين (٥)، والثانية أطول من الأولى، وإطالة الركعة الثانية على الأولى بثلاث ركعات فصاعدا في الفرائض مكروه بالإجماع، وفي السنن والنوافل لا يكره؛ لأن أمرها أسهل. كذا في جامع المحبوبي (٦). وفي جامع التمرتاشي: هذا كله إذا كان إماما، أما إذا كان منفردا قرأ ما

стр. 739

حَرَجٍ (وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ قِرَاءَةُ سُورَةٍ بِعَيْنِهَا بِحَيْثُ لَا تَجُوزُ بِغَيْرِهَا) شاء؛ لأن على الإمام أن يراعي حق القوم، وذكر بكر: أن الأفضل للمنفرد ولو كان إماماً لا يطول؛ تيسيراً على الناس (١). وفي المجرد: قال أبو حنيفة: المنفرد كالإمام في جميع ما وصفنا من القراءة، إلا أنه ليس عليه الجهر (٢). وقيل: يستحب للمنفرد رجلا كان أو امرأة تطويل القراءة؛ لقول محمد: طول القنوت أحبُّ إليَّ من كثرة الركوع والسجود؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. قيل: القنوت طول القيام، وسئل النبي ﵇ أي الأعمال أفضل؟ قال: «طول القنوت». رواه مسلم (٣)، وفي رواية أبي داود (٤): قال: «طول القيام»، وعن النبي ﵇ أنه قال: «إذا كان أحدُكُم إماماً فَلْيُخَفِّفْ؛ فإنه يقومُ وراءه الضعيف والكبير وذو الحاجة، وإذا صلّى لِنفسِهِ فَلْيُطَوِّلْ ما شاء» (٥). كذا في الْمُجْتَبى (٦). وفي القنية: القراءة المسنونة يستوي فيها الإمام والمنفرد، والناس عنها غافلون (٧). قوله: (قراءة سورة بعينها): وفي الإيضاح: يريد به سوى الفاتحة (٨). وفي الكافي (٩): فيه نفي قول الشافعي؛ فإن عنده الفاتحة فرض على التعيين؛ لإطلاق ما تلونا، وهو قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا﴾ [المزمل: ٢٠]، ولنهي النبي

стр. 740

لإِطْلَاقِ مَا تَلَوْنَا (وَيُكْرَهُ أَنْ يُوَقِّتَ بِشَيْءٍ مِنْ القُرْآنِ لِشَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ) لِمَا فِيهِ مِنْ ﵇ عن تجريد القرآن. وفي الغريبين: التجريد إفراد طائفة منه لا يقرئ بغيرها (١). وفي الْمُجْتَبى: كرر سورة في الركعتين؛ يكره إلا في النوافل، وفي الفرائض في موضع واحد؛ وهو ما إذا قرأ في الأولى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] يكررها في الثانية، هكذا فعل أبو حنيفة في المغرب (٢). وقال الطحاوي: يبتدئ بالبقرة ولا يكرر، وكذا يكره تكرار سورة في ركعة في الفرائض لا في النوافل (٣). وعن جماعة من السلف: أنهم يحيون ليلتهم بآية العذاب أو الرحمة. فإن قيل: ما الفرق بين هذه المسألة وبين مسألة بعدها؛ وهي قوله: (ويكره أن يوقت - أي: يعين - بعض القرآن لبعض الصلوات). قلنا: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن هذه المسألة من مسائل القدوري، والتي بعدها من مسائل الجامع الصغير، والمصنف التزم ذكر مسائلها (٤)، وفيه تأمل. والثاني: أن هذه المسألة في تعين السورة مع إطلاق الصلوات كما قال الشافعي في الفاتحة، والثانية في تعيين السورة والصلاة كما قال الشافعي: يستحب أن يقرأ سورة السجدة و ﴿هَلْ أَتَى﴾ [الإنسان: ١] لصلاة الفجر في كل جمعة (٥)؛ لحديث ابن مسعود (٦). قال قاضي خان: أراد بذلك: أن لا يقرأ غيرها؛ لما فيه من وهم التفضيل وهجران غيره، وأنه خطأ فاحش، فأما من غير أن يعتقد فضيلة؛ فلا بأس بفعله
следующие страницы →