← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.

стр. 6756

رَقِيقٌ مُلِةٌ مُطْرِبٌ، وَلِهَذَا يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الفُسَّاقُ، فَيَحْرُمُ شُرْبُهُ دَفْعًا لِلْفَسَادِ المُتَعَلِّقِ بِهِ، وَأَمَّا نَقِيعُ التَّمْرِ. وَهُوَ السَّكَرُ وَهُوَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ التَّمْرِ، أَيْ الرَّطْبِ. فَهُوَ حَرَامٌ مَكْرُوهُ، وَقَالَ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّهُ مُبَاحٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] امْتَنَّ عَلَيْنَا بِهِ، وَهُوَ بِالمُحَرَّمِ لَا يَتَحَقَّقُ، وَلَنَا إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ﵃، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ، وَالآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الابْتِدَاءِ إِذْ كَانَتْ الأَشْرِبَةُ مُبَاحَةً كُلُّهَا، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ التَّوْبِيخَ مَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ: تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وقلنا: المثلث غليظ لا يدعو قليله إلى كثيره، أما هذا مثلث رقيق، ويدعو قليله إلى كثيره، فكان حرامًا كالخمر. قوله: (أي: الرطب) فسر التمر بالرطب؛ لأن الشراب المتخذ اسمه نبيذ التمر لا السكر، والنقيع: ما ينقع في الماء، والنبيذ ما يطبخ أدنى طبخة، وأردف الحرمة بالكراهة بقوله: (حرام مكروه) في المختصر: لأن في حرمته نوع ضعف؛ لما أن حرمته ليست كحرمة الخمر، فلذلك أردف الحرمة بالكراهة؛ إذ حرمة السكر اجتهادية، وحرمة الخمر بالإجماع قطعية، ولهذا لا يكفر مستحل السكر، ويكفر مستحل الخمر. قوله: (ما روينا) إشارة إلى قوله ﷺ : «الخمرُ مِنْ هَاتَينِ الشَّجَرَتَينِ» (١) والآية محمولة على الابتداء. قال مقاتل: نزلت الآية قبل تحريم الخمر؛ لأن السورة مكية، وتحريم الخمر بالمدينة. قوله: (وقيل: أراد به التوبيخ)؛ أي: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرَا﴾ [النحل: ٦٧] والمراد منه خمر التمر، وتتركون رزقا حسنًا، وهو الدبس وما يؤكل منه، كالفلائج. وفي الذخيرة ما يتخذ من الشراب من التمر ثلاثة: السكر والعصير والنبيذ، أما السكر: فهي النّيئ من ماء الرطب، وإنه حلال ما دام حلوا، وإذا اشتد وقذف بالزبد حرام عندنا، ومن الناس من أباحه، والصحيح أنه حرام؛ لما

стр. 6757

وَتَدَّعُونَ رِزْقًا حَسَنًا، وَأَمَّا نَقِيعُ الرَّبِيبِ - وَهُوَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ الرَّبِيبِ - فَهُوَ حَرَامٌ إِذَا اشْتَدَّ وَغَلَى، وَيَتَأَنَّى فِيهِ خِلَافُ الأَوْزَاعِيِّ، وَقَدْ بَيَّنَّا المَعْنَى مِنْ قَبْلُ، إِلَّا أَنَّ حُرْمَةَ هَذِهِ الأَشْرِبَةِ دُونَ حُرْمَةِ الخَمْرِ، حَتَّى لَا يَكْفُرَ مُسْتَحِلُّهَا، وَيَكْفُرُ مُسْتَحِلُّ الخَمْرِ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا اجْتِهَادِيَّةٌ، وَحُرْمَةُ الخَمْرِ قَطْعِيَّةٌ، وَلَا يَجِبُ الحَدُّ بِشُرْبِهَا حَتَّى يَسْكَرَ، وَيَجِبُ بِشُرْبِ قَطْرَةٍ مِنْ الخَمْرِ، وَنَجَاسَتُهَا خَفِيفَةٌ فِي رِوَايَةٍ، وَغَلِيظَةٌ فِي أُخْرَى، روي عن عمر أنه سئل عن السُّكْرِ قال: هي خمر، وكان علي يشدد في تحريم السُّكْرِ، وأكثر أهل العلم. وأما الفضيخ: فهو النيئ من ماء البسر المذنّب، والاسم مشتق من الفضخ: وهو الكسر، فالبسر المذنب، ويجعل في جب، ويصب عليه الماء الحار، فتخرج حلاوته يسمى فضيحًا لكونه مستخرجا من البسر المفضوخ، وإنه حلال ما دام حلوا، فإذا اشتد وقذف بالزبد فهو حرام عندنا وأكثر أهل العلم، ولكن حرمته دون حرمة الخمر، فإن عند أبي حنيفة يجوز بيع السكر، ولا يجب الحد بشرب قليله، ولا يمنع جواز الصلاة بإصابته الثوب أكثر من قدر الدرهم. وأما نبيذ التمر، وهو نقيعه، إذا طبخ أدنى طبخة وغلى واشتد وقذف بالزبد فإنه حلال عند أبي حنيفة وأبي يوسف لاستمراء الطعام والتداوي، والسكر منه حرام، وهو قول محمد أولا، ثم رجع وقال: لا يحل شربه. وهو قول الشافعي. قوله: (وقد بينا المعنى) أراد قوله: (أنه رقيق ملذ مطرب … ) إلى آخره. وأما نقيع الزبيب، فالمتخذ منه شيئان: نقيع ونبيذ، فالنقيع وهو ما ينقع الزبيب حتى تستخرج حلاوته، فما دام حلوا يحل بالإجماع، فإذا اشتد وقذف بالزبد فحكمه حكم الباذق، وأما النبيذ فهو النّيئ من ماء الزبيب إذا طبخ أدنى طبخة، ما دام حلوا يحل، وإن غلى واشتد وقذف بالزبد فهو كالمثلث. كذا ذكره المحبوبي. قوله: (ونجاستها)؛ أي: نجاسة الأشربة المحرمة الثلاثة (خفيفة في رواية). قال الفضلي: وهو قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وروى هشام عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنها غليظة كالخمر.

стр. 6758

وَنَجَاسَةُ الخَمْرِ غَلِيظَةٌ رِوَايَةٌ وَاحِدَةً، وَيَجُوزُ بَيْعُهَا، وَيَضْمَنُ مُتْلِفُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوَّمٌ، وَمَا شَهِدت دَلَالَةٌ قَطْعِيَّةٌ بِسُقُوطِ تَقَوُّمِهَا، بِخِلَافِ الخَمْرِ، غَيْرَ أَنَّ عِنْدَهُ يَجِبُ قِيمَتُهَا لَا مِثْلُهَا عَلَى مَا عُرِفَ، وَلَا يُنْتَفَعُ بِهَا بِوَجْهِ مِنْ الوُجُوهِ؛ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا إِذَا كَانَ الذَّاهِبُ بِالطَّبْنِ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ دُونَ الثُّلُثَيْنِ (وَقَالَ فِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الأَشْرِبَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ) قَالُوا: هَذَا الجَوَابُ عَلَى هَذَا العُمُومِ وَالبَيَانِ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ نَصُّ عَلَى أَنَّ مَا يُتَّخَذُ مِنْ الحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالعَسَلِ وَالذُّرَةِ حَلَالٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا يُحَدُّ شَارِبُهُ عِنْدَهُ وَإِنْ سَكِرَ مِنهُ، وَلَا يَقَعُ طَلَاقُ السَّكْرَانِ مِنهُ بِمَنْزِلَةِ النَّائِمِ، وَمَنْ ذَهَبَ عَقْلُهُ بِالبَنْجِ وَلَبَنِ الرِّمَاكِ، قوله: (ويجوز بيعها)؛ أي: بيع الأشربة الثلاثة عند أبي حنيفة، لكن مع الكراهة. [قوله] (١): (فيهما) في البيع والإتلاف. قوله: (على ما عرف)، وهو أن المسلم ممنوع عن التصرف في الحرام، فلا يكون مأمورًا بإعطاء المثل، حتى لو أعطى يخرج عن العهدة، إلا أنه مكروه. قوله: (لا يوجد في غيره)؛ أي: غير الجامع، أي: ما ذكر في الجامع. قوله: (ومن ذهب عقله بالبنج ولبن الرماك) فإنه لا يقع طلاقه، ولا يصح بيعه وإقراره. ذكره فخر الإسلام. وعن أبي حنيفة قال: من زال عقله بالبنج؛ إن علم أنه بنج حين أكل يقع طلاقه وعتاقه، وإن لم يعلم لا يقع طلاقه، والسكر من هذه الأشربة حرام بالإجماع؛ لأن السكر من البنج حرام مع أنه مأكول غير مشروب، فمن المشروب أولى. كذا ذكره المحبوبي.

стр. 6759

وَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ حَرَامٌ، وَيُحَدُّ شَارِبُهُ وَيَقَعُ طَلَاقُهُ إِذَا سَكِرَ مِنْهُ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ المُحَرَّمَةِ (*) (وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا: وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: مَا كَانَ مِنَ الْأَشْرِبَةِ يَبْقَى بَعْدَ مَا يَبْلُغُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَلَا يَفْسُدُ فَإِنِّي أَكْرَهُهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةً) وَقَوْلُهُ الأَوَّلُ مِثْلُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ: إِنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، إِلَّا أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهَذَا الشَّرْطِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: يَبْلُغُ: يَغْلِي وَيَشْتَدُّ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: وَلَا يَفْسُدُ: لَا يَحْمَضُ، وَوَجْهُهُ: أَنَّ بَقَاءَهُ هَذِهِ المُدَّةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحْمَضَ دَلَالَةُ قُوَّتِهِ وَشِدَّتِهِ فَكَانَ آيَةَ حُرْمَتِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَعْتَبِرُ حَقِيقَةَ الشِّدَّةِ عَلَى الحَدِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِيمَا يَحْرُمُ وقيل: أكل البنج حرام وإن لم يسكر؛ لما روي أنه ﷺ نهى عن الميسر والخمر والكوبة والغبيراء، قيل: هو البنج. قوله: (وعن محمد أنه حرام يحد شاربه) إذا سكر منه. وفي النوازل وفتاوى الخسرواني وجامع المحبوبي: الفتوى على قول محمد؛ لغلبة الفساد. قوله: (وقال فيه أيضًا)؛ أي: في الجامع. قوله: (إلا أنه؛ أي: أبا يوسف ﵀ تفرد بهذا الشرط) وهو ألا يفسد بعد ما بلغ عشرة أيام. وفي الكافي: وكان أبو يوسف ﵀ يقول أولا في المطبوخ من ماء الزبيب والتمر: إنه إذا صار مُعَتَّقًا لا يحل شربه، وإن كان بحيث يفسد إذا تُرِك عشرة أيام فلا بأس بشربه، ثم رجع إلى قول أبي حنيفة، فالحاصل أن أبا يوسف قال أولا مثل قول محمد: أن كل مسكر حرام لكن بشرط ألا يفسد بعد ما بلغ عشرة أيام، أي: لا يحمض. قوله: (ومثل ذلك يروى عن ابن عباس)؛ فإنه قال: كل نبيذ يفسد عند إبانه فلا بأس، وكل نبيذ يزداد جودة على طول الترك فلا خير فيه، أراد به النيئ من ماء الزبيب والتمر أنه ما دام حلوا ولم يصر معتقًا فهو بحيث يفسد عند إبانه،

стр. 6760

أَصْلُ شُرْبِهِ وَفِيمَا يَحْرُمُ السُّكْرُ مِنهُ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَبُو يُوسُفَ رَجَعَ إِلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَلَمْ يُحَرِّمْ كُلَّ مُسْكِرٍ، وَرَجَعَ عَنْ هَذَا الشَّرْطِ أَيْضًا (وَقَالَ فِي المُخْتَصَرِ: وَنَبِيذُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ إِذَا طُبِخَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَدْنَى طَبْخَةٍ حَلَالٌ وَإِنْ اشْتَدَّ، إِذَا شَرِبَ مِنهُ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يُسْكِرُهُ مِنْ غَيْرِ لَهْوِ وَلَا طَرَبٍ)، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيّ: حَرَامٌ، وَالكَلَامُ فِيهِ كَالكَلَامِ فِي المُثَلَّثِ العِنَبِيِّ وَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالخَلِيطَيْنِ) لِمَا رُوِيَ فلا بأس بشربه إذا صار معتقًا بأن غلى واشتد وقذف بالزبد، فهو يزداد جودة على طول الترك، فلا خير فيه. قوله: (عند محمد والشافعي حرام) وبه قال مالك وأحمد. قوله: (والكلام فيه كالكلام في المثلث العِنَبي). وفي الأوضح: نبيذ الزبيب إذا طبخ أدنى طبخة روى هشام في النوادر عن أبي حنيفة وأبي يوسف؛ أنه لا يحل ما لم يذهب ثلثاه بالطبخ. قال أبو جعفر: يحتمل أن تكون في المسألة روايتان، ويحتمل أن تكون رواية، واختلاف الجواب لاختلاف الوضع، فيكون موضوع ظاهر الرواية ما إذا كان ماء الزبيب قبل الطبخ في غلظ المنصف؛ فيلحقه أدنى طبخة بالمثلث في موضوعها ما ذكر في النوادر ما إذا كان ماء الزبيب قبل الطبخ في رقة العصير؛ فلا يلحق بالمثلث بأدنى طبخة بإن كان في المسألة روايتان. قوله: (الظاهر أن النّيئ من ماء الزبيب) دون النيئ من ماء العنب؛ لأن ماء العنب لا يخالطه ماء آخر، وإنما يستخرج ماؤه بالأقدام، وماء الزبيب يستخرج بماء آخر فيختلط. ولهذا قال عمر: كل شراب استخرج بغير مائه فهو حلال فاشربوه، ولهذا لا يفسق شارب النقيع والنبيذ، وإذا كان دون النيئ من ماء العنب لا يشترط لحلها ما يشترط لحل ماء العنب من الطبخ. [قوله] (١): (ولا بأس بالخليطين) وهو أن يجمع بين ماء التمر والزبيب،

стр. 6761

عَنْ ابْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ قَالَ: سَقَانِي ابْنُ عُمَرَ ﵁ شَرْبَةٌ مَا كِدْت أَهْتَدِي إِلَى مَنْزِلِي، فَغَدَوْتِ إِلَيْهِ مِنْ الغَدِ فَأَخْبَرْته بِذَلِكَ فَقَالَ: مَا زِدْنَاكَ عَلَى عَجْوَةٍ وَزَبِيبٍ، وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ الخَلِيطَيْنِ وَكَانَ مَطْبُوخًا؛ لِأَنَّ المَرْوِيَّ عَنْهُ حُرْمَةُ نَقِيعِ الرَّبِيبِ، وَهُوَ النِّيءُ مِنهُ، وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ الجَمْعِ بَيْنَ التَّمْرِ وَالرَّبِيبِ، وَالرُّطَبِ وَالبُسْرِ» مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الشِّدَّةِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الابْتِدَاءِ. ويطبخ أدنى طبخة ويترك إلى أن يشتد، كذا في الأوضح، والمحرر، والمغرب (١)، وشرح الغريبين، وهكذا قال الخطابي. والعجوة: التمرة الجيدة التي يغيب فيه الضرس لجودته؛ (لما روي عن ابن زياد) وهو عبد الله بن زياد إلى آخره. وابن عمر كان معروفًا بالزهد والفقه من الصحابة؛ فلا يظن أنه كان يسقي غيره ما لا يشربه أو يسقي ما كان حرامًا. قوله: (وهذا نوع من الخليطين) وكان مطبوخا؛ (لأن المروي عنه) أي: عن ابن عمر من نقيع الزبيب، فقال عمر: اجتنبها، وفيه رد لقول أصحاب الظواهر، وبعض الروافض، وأحمد في رواية أنهم لا يحلون شرب الخليطين وإن كان حلوا؛ لأنه ﷺ نَهَى عَنْ الجمع بين التمر والزبيب، والزبيب والرطب، [والرطب] (٢) والبسر، رواه أبو سعيد الخدري. وكذا لا يُحِلُّون الجمع بين النعمتين لظاهر الحديث؛ لأنه يدل على أن الجمع بينهما منهي؛ لما أن كلا منهما أصلا لا تبعًا بخلاف المرقة والإدام، والجمع بين التمرتين بعد الطعام، والنعم على التعاقب، فإنه لا يكره بالإجماع؛ لما أن أحدهما صار تبعًا للآخر، وأكل النعم على التعاقب لا يكون جمعًا في وقت واحد. ولنا حديث ابن زياد وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] بلا تفصيل بين حالة وحالة، والحديث محمول على حال الشدة

стр. 6762

قَالَ: (وَنَبِيذُ العَسَلِ وَالتِّينِ وَنَبِيذُ الحِنْطَةِ وَالذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ حَلَالٌ، وَإِنْ لَمْ يُطْبَحْ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إِذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ لَهْوٍ وَطَرَبٍ، لِقَوْلِهِ ﵊: «الخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ، وَأَشَارَ إِلَى الكَرْمَةِ وَالنَّخْلَةِ» خَصَّ التَّحْرِيمَ بِهِمَا وَالمُرَادُ بَيَانُ الحُكْمِ، ثُمَّ قِيلَ: يُشْتَرَطُ الطَّبْخُ فِيهِ لِإِبَاحَتِهِ، وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ وَهُوَ المَذْكُورُ فِي الكِتَابِ؛ لِأَنَّ قَلِيلَهُ لَا يَدْعُو إِلَى كَثِيرِهِ كَيْفَمَا كَانَ. وَهَلْ يُحَدُّ فِي المُتَّخَذِ مِنْ الحُبُوبِ إِذَا سَكِرَ مِنْهُ؟ … ... … ... … ... . والقحط؛ فاستحب أن يأكل كل واحد بلا جمع، ويؤثر بالآخر جاره الجائع حتى لا يشبع هو وجاره جائع، كذا روي عن إبراهيم النخعي، كذا في مبسوط شيخ الإسلام. والدليل على أنه كان في زمن القحط أو في بدء الإسلام روي عن عائشة ﵂: كنت أنتبذ لرسول الله ﷺ فلم يستمرئه، فأمرني أن ألقي زبيبا فألقيت فيه زبيبا (١). قوله: (حلال وإن لم يطبخ)؛ أي: ما دون المسكر. وعن محمد ﵀ في النوادر: إن شرب النيئ منه بعدما اشتد وقام؛ لأنه مسكر. وجه ظاهر الرواية: أن العسل، والشعير والذرة حلال المتناول، متغيرا كان أو لا، فكذا ما يتخذ منها من الأشربة؛ لأن هذا في معنى الطعام، والتغير في الطعام لا يؤثر في الحرمة، وكذا نفس الشدة لا توجب الحرمة؛ فقد يكون ذلك في بعض الأدوية كالبنج، وفي بعض الأشربة كاللبن، ولئن روي فيه حديث فهو شاذ فيما تعم به البلوى ورد. قوله: (من الحبوب كالبر، والشعير والذرة، إذا سكر منه) وكذا في المتخذ من العسل والفانيد، والسكر، والتوت والكمثرى، وغير ذلك إذا

стр. 6763

قِيلَ: لَا يُحَدُّ وَقَدْ ذَكَرْنَا الوَجْهَ مِنْ قَبْلُ، قَالُوا: وَالأَصَحُ أَنَّهُ يُحَدُّ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ سَكِرَ مِنْ الأَشْرِبَةِ أَنَّهُ يُحَدُّ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الفُسَّاقَ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ فِي زَمَانِنَا اجْتِمَاعَهُمْ عَلَى سَائِرِ الأَشْرِبَةِ، بَلْ فَوْقَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ المُتَّخَذُ مِنْ الأَلْبَانِ إِذَا اشْتَدَّ فَهُوَ عَلَى هَذَا، وَقِيلَ: إِنَّ المُتَّخَذَ مِنْ لَبَنِ الرِّمَاكِ لَا يَحِلُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ اعْتِبَارًا بِلَحْمِهِ؛ إِذْ هُوَ مُتَوَلِّدٌ مِنهُ قَالُوا: وَالْأَصَحُ أَنَّهُ يَحِلُّ؛ لِأَنَّ كَرَاهَةَ لَحْمِهِ لِمَا فِي إِبَاحَتِهِ مِنْ قَطْعِ مَادَّةِ الجِهَادِ، أَوْ لِاحْتِرَامِهِ، فَلَا يُتَعَدَّى إِلَى لَبَنِهِ. قَالَ: (وَعَصِيرُ العِنَبِ إِذَا طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ: سكر لا يحدّ؛ لأن النص ورد بالحد في الخمر، وهذا ليس في معنى الخمر، فلو وجب الحد فيه؛ لكان بطريق القياس، وذا لا يجوز. ولأن الحد شرع للزجر عن ارتكاب سيئة، ودعاء الطبع إلى هذه الأشربة لا يكون كدعاء الطبع للمتخذ من الزبيب والعنب والتمر، فلا يشرع فيه الزاجر، كذا في مبسوط السرخسي (١). وقوله: (وقد ذكرنا الوجه)؛ إشارة إلى قوله: لأنه غير متخذ من أصل الخمر، فكان كلبن الرماك. قوله: (قالوا: والأصح أنه يحد) وكذا قال في مبسوط شيخ الإسلام، والإسبيجابي. قوله: (والأصح أنه يحل؛ لأن كراهة لحمه … ) إلى آخره، وفي فتاوى قاضي خان، وعامة المشايخ قالوا: هو مكروه كراهة التحريم إلا أنه لا يحد شاربه. [قوله] (٢): (حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه) وهو المدعو بالمثلث العنبي حلال عندهما. وقال محمد، ومالك، والشافعي وأحمد وأبو عبيد، وأبو ثور، وإسحاق، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، ومجاهد وقتادة، وطاوس،

стр. 6764

حَلَالٌ، وَإِنْ اشْتَدَّ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: حَرَامٌ (*)، وَهَذَا الخِلَافُ فِيمَا إِذَا قَصَدَ بِهِ التَّقَوِّي، أَمَّا إِذَا قَصَدَ بِهِ التَّلَهيَ: لَا يَحِلُّ بِالاتِّفَاقِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ مِثْلُ قَوْلِهِمَا، وَعَنْهُ: أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ، وَعَنْهُ أَنَّهُ تَوَقَّفَ فِيهِ، لَهُمْ فِي إِثْبَاتِ الحُرْمَةِ قَوْلُهُ ﵊: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ»، وَقَوْلُهُ ﵊: مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ وَيُرْوَى عَنْهُ ﵊: «مَا أَسْكَرَ الجَرَّةُ مِنهُ، فَالجَرْعَةُ مِنهُ حَرَامٌ» وَلِأَنَّ المُسْكِرَ يُفْسِدُ العَقْلَ، وأصحاب الظاهر: حرام، وفي النوازل: بقول محمد نأخذ، وقد ذكرنا الفتوى على قوله. قوله: (قصد به التقوّي)؛ أي: استمراء الطعام بواسطة. وسئل أبو حفص الكبير عنه فقال: لا يحل شربه، فقيل له: لم خالفت أبا حنيفة، وأبا يوسف؟ فقال: لأنهما يَحِلّان للاستمراء، والناس في زماننا يشربون للفجور وللتلهي، فعلم أن الخلاف فيما إذا قصد به التقوي، وإذا قصد التلهي لا يحل بالاتفاق، وعن أبي يوسف في أماليه: لو أراد أن يشربها للسكر فقليله وكثيره حرام، وقعوده بذلك حرام، ومشيه إليه حرام. (وعنه)؛ [أي] (١): عن محمد (أنه توقف فيه) فقال: لا أبيحه ولا أحرمه؛ لتعارض الآثار، فيكون حرامًا قليله وكثيره كالخمر، فإن قليلها وكثيرها حرام يوجب الحد، فكذا هذا؛ لأن القليل منه لو كان مباحًا لما وجب الحد وإن سكر منه؛ لأن السكر إنما حصل بشرب الحرام والحلال حينئذ، فباعتبار جانب الحل يمنع وجوب الحد عليه، فإذا اجتمع الموجب للحد والمسقط له ترجح المسقط على الموجب لسقوطه بالشبهة، ولأن القليل وإن لم يكن مسكرا فهو مؤد إليه، وما يؤدي إلى الحرام يكون حرامًا. ألا ترى أن القليل من الباذق المشتد والمنصف المشتد حرام، وإن كان القليل منه لا يسكر؛ لأنه يؤدي إلى السكر فكذا هذا.

стр. 6765

فَيَكُونُ حَرَامًا قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ كَالخَمْرِ، وَلَهُمَا: قَوْلُهُ ﵊: «حُرِّمَتْ الخَمْرُ لِعَيْنِهَا» وَيُرْوَى بِعَيْنِهَا قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا، وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ خَصَّ السُّكْرَ بِالتَّحْرِيمِ فِي غَيْرِ الخَمْرِ؛ إذ العَطْفُ لِلْمُغَايَرَةِ، وَلِأَنَّ المُفْسِدَ هُوَ القَدَحُ المُسْكِرُ، وَهُوَ حَرَامٌ عِنْدَنَا وَإِنَّمَا يَحْرُمُ القَلِيلُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَدْعُو لِرِقَتِهِ وَلَطَافَتِهِ إِلَى الكَثِيرِ، فَأُعْطِيَ حُكْمَهُ، وَالمُثَلَّثُ لِغِلَظِهِ لَا يَدْعُو، وَهُوَ فِي نَفْسِهِ غِذَاءٌ، فَبَقِيَ عَلَى الإِبَاحَةِ: وَالحَدِيثُ الأَوَّلُ غَيْرُ ثَابِتٍ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، (ويروى)؛ أي: لأبي حنيفة ولأبي يوسف قوله: «حُرِّمَت الخمر لعينها والشكرُ مِنْ كُلِّ شراب» رواه ابن عباس وهذا خبر صحيح. وفي رواية عن ابن عباس: «حُرِّمَت الخمر لعينها قليلها وكَثيرِهَا، والسُّكر من كل شراب» (١). وعن علي كرم الله وجهه عن النبي ﷺ أنه أتى مكة بنبيذ فذاقه فقطب وجهه فرده، فقيل يا رسول الله: هذا شراب أهل مكة، فقال ﷺ : «حرمت الخمر لعينها، والشكر من كل شراب» (٢)؛ فقد خص السكر في غير الخمر؛ فعلم أن القدح المسكر حرام. قوله: (وإنما يَحْرُم القليل منه؛ أي: من الخمر؛ لأنه يدعو لرقته ولطافته إلى الكثير فأعطي)؛ أي: القليل. (حكمه)؛ أي: حكم الكثير، بخلاف المثلث فإن قليله لا يدعو إلى كثيره، فلا يكون القليل سببًا للفساد، فيكون مباحًا، وهذا في الحقيقة جواب عن قولهم: إن القليل حرام؛ لأنه سبب للفساد، ولهذا حرم قليل الباذق والمنصف، لأن قليله يدعو إلى كثيره غالبًا للطافته. قوله: (على ما بيناه)؛ أي: في أول الكتاب من طعن يحيى بن معين. وعن إبراهيم النخعي قال: وما يرويه الناس عنه (٣) ﵇: «كل

стр. 6766

ثُمَّ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى القَدَحِ الأَخِيرِ، إِذْ هُوَ المُسْكِرُ حَقِيقَةٌ، وَالَّذِي يُصَبُّ عَلَيْهِ المَاءُ بَعْدَ مَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ بِالطَّبْخِ حَتَّى يَرِقَّ، ثُمَّ يُطْبَخُ طَبْخَةٌ: مُسْكرٍ حَرَامٌ» خطأ زادوا فيه الميم، والصحيح من الرواية «كلُّ سُكر حرام»، وكذا ما يرويه الناس «ما أسكر كثيره فقليله حرام» (١) لم يثبت عن النبي ﷺ ، ولأن الخلاف في ذلك مشهور بين الصحابة، ولم يحتج بهما أحد. ولأن الأخبار لما تعارضت يتمسك بالقياس، وهو شاهد لنا؛ لأنه تعالى في قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية، بيَّنَ في الجملة تحريم الخمر، وهو الصد عن ذكر الله، وإيراث العداوة والبغضاء، وهذه المعاني لا تحصل بشرب القليل، ولو خلينا ظاهر الآية؛ لقلنا بأن القليل من الخمر لا يحرم أيضًا، لكنا تركناه في قليل الخمر بالإجماع، ولا إجماع فيما عداه فبقي على ظاهر الآية. (ثم هو) أي: الحديث إن صح (محمول على القدح الأخير) بدليل ما روى ابن عباس أنه ﷺ [قال] (٢) «كلُّ مسكر حرام فقيل: يا رسول الله إن هذا الشراب إذا أكثرنا منه سكرنا، قال ﷺ ليس كذلك إذا شرب تسعةً فلم يسكر لا بأس به، وإذا شرب العاشر فسكر فذلك حرام (٣). ولهذا قال أبو يوسف: لو شرب تسعة أقداح من النبيذ ولم يسكر فأوجر العاشر وسَكِرَ لا حدّ عليه، ولو أوجِرَ التسعة وشرب القدح العاشر بالاختيار وسكر يحد، ذكره في المحيط. وعن أبي موسى الأشعري قال: بعثني رسول الله ﷺ ومعاذًا إلى اليمن، فقلنا: يا رسول الله إن بها شرابين يصنعان من البر والشعير أحدهما: يقال له المزر، والآخر يقال له البتع، فقال ﷺ : اشربا ولا تسكرا» (٤) فدل أن المراد

стр. 6767

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . من قوله: «كلُّ مُسْكِرٍ حرامٌ» (١)، وإنما هو في المقدار الذي يُسكِرُ لا على العين الذي يسكر كثيره، والأخبار في الباب كثيرة. ولهذا قال أبو حنيفة: لو أُعطيت الدنيا بحذافيرها لا أفتي بحرمته؛ لأن فيه تفسيق بعض الصحابة، ولو أُعطيت الدنيا بشربها لا أشربه؛ لأنه لا ضرورة فيه، وهذا غاية تقواه (٢). وابن حزم صحح قوله ﷺ : «كلُّ مُسْكِرٍ حرامٌ» ورمى أحاديثنا لجهالة الراوي، وللإرسال. وهذا غاية تعصبه وسفاهته؛ لأن الثقات رموا حديثه أيضًا بعدم الصحة كما ذكرنا، فالأولى الجمع كما ذكرنا، أو يحمل ذلك على [الابتداء] (٣)؛ ليكون فطامًا عن الخمر، فلما وقع الفطام أباح ذلك، بدليل ما روي عن عمر ﵁ أنه قال: إنا نشرب من هذا النبيذ شرابًا يقطع لحوم الإبل في بطوننا. قال عمرو بن ميمون: فشربت من نبيذه فكان أشد النبيذ. وعن عامر قال: أتى رجل سكران إلى عمر فجلده، فقال إنما شربت من نبيذك [فقال] (٤) وإن كان، إنما أضربك للسكر. والأقوال في خبر عمر في هذا الباب كثير فعلم أن ذلك كان في الابتداء. فإن قيل: القدح الأخير إنما يصير مسكرًا بما تقدمه لا بانفراده بنفسه؛ فينبغي أن يكون الكل حرامًا. قلنا: الحكم يضاف إلى الجزء الأخير؛ لما ذكر في الأصول أنه عِلَّةٌ معنى وحكمًا، كما أن أكل الميتة حالة المخمصة مباح بقدر الشبع وما زاد حرام، فتكون الحرمة مضافة إلى الجزء الأخير، وكما أن مقدار الدرهم من النجاسة غير

стр. 6768

حُكْمُهُ حُكْمُ المُثَلَّثِ؛ لِأَنَّ صَبَّ المَاءِ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا ضَعْفًا، بِخِلَافِ مَا إِذَا صُبَّ المَاءُ مانع والحكم يضاف إلى الجزء الأخير، وكذا المن الأخير في السفينة يضاف إليه الضمان وإن كان الفرق يحصل بالكل، وكالمتخم فإن تناول الطعام بقدر ما يغذيه ويقوي بدنه حلال وما يتخمه وهو الأكل فوق الشبع حرام، فالمحرم ما هو المتخم وما زاد على الشبع وإن كان هذا لا يكون متخمًا إلا باعتبار ما تقدمه فكذا في الشراب، كذا في المبسوط (١)، والذخيرة. قوله: (حكمه حكم المثلث) لم يذكر اسم هذا الشراب وله أسام خمسة: البختج: تعريب (بخته)، ذكره في المغرب (٢)، والذخيرة. والجمهوري: منسوب إلى جمهور الناس أي: جلهم. والحميدي: منسوب إلى رجل اسمه حمد بن هانئ سُمِّيَ بتصغير الحمد ذكره في المغرب. وأبو يوسفي، ويعقوبي: كلاهما علم لأبي يوسف، نسب إليه لأنه يستعمله كثيرا. في الذخيرة: اختلف المشايخ فيه، قال الفقيه أبو محمد: هو العصير الذي صب فيه الماء وطبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، فيكون الذاهب من العصير أقل من الثلثين، فما دام حلوا يحل شربه، وإذا اشتد وقذف بالزبد لا يحل عند علمائنا جميعا. وقال بعضهم: البختج هو الحميدي. وفي الذخيرة: صورته أن يصب الماء على المثلث حتى يرق، ويترك حتى يشتد، فإنه يحل شربه عند أبي حنيفة، وأبي يوسف ما دون السكر. وهل يشترط لإباحته بعد الصب عندهما أدنى طبخة؟ اختلف المشايخ فيه. قال الفضلي: يشترط، وقال غيره ممن كان في زمانه: لا يشترط. ومن الأشربة التي يحل شربها الخردلي، وهو أن يطلي الخابية بالخردل،

стр. 6769

عَلَى العَصِيرِ، ثُمَّ يُطْبَخُ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَا الكُلِّ؛ لِأَنَّ المَاءَ يَذْهَبُ أَوَّلًا لِلَطَافَتِهِ، أَوْ يَذْهَبُ مِنهُمَا فَلَا يَكُونُ الذَّاهِبُ ثُلُثَيْ مَاءِ العِنَبِ، وَلَوْ طُبِخَ الْعِنَبُ كَمَا هُوَ، ثُمَّ يُعْصَرُ، يُكْتَفَى بِأَدْنَى طَبْخَةٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: لَا يَحِلُّ مَا لَمْ يَذْهَبْ ثُلُثَاهُ بِالطَّبْخِ، وَهُوَ الأَصَحُ؛ لِأَنَّ العَصِيرَ قَائِمٌ فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَغَيُّرٍ فَصَارَ كَمَا بَعْدَ العَصْرِ، وَلَوْ جُمِعَ فِي الطَّبْخِ بَيْنَ العِنَبِ وَالتَّمْرِ أَوْ بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ: لَا يَحِلُّ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ، لِأَنَّ التَّمْرَ إِنْ كَانَ يُكْتَفَى فِيهِ بِأَدْنَى طَبْخَةٍ فَعَصِيرُ العِنَبِ لَا بُدَّ أَنْ يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ، فَيُعْتَبَرُ جَانِبُ العِنَبِ احْتِيَاطًا، وَكَذَا إِذَا جُمِعَ بَيْنَ عَصِيرِ العِنَبِ وَنَقِيعِ التَّمْرِ لِمَا قُلْنَا. وَلَوْ طُبِخَ نَقِيعُ التَّمْرِ وَالرَّبِيبِ أَدْنَى طَبْخَةٍ، ثُمَّ أُنْقِعَ فِيهِ تَمْرُ أَوْ زَبِيبٌ، إِنْ كَانَ مَا أَنْقَعَ فِيهِ شَيْئًا يَسِيرًا لَا يُتَّخَذُ النَّبِيدُ مِنْ مِثْلِهِ لَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ يُتَّخَذُ النَّبِيذُ مِنْ مِثْلِهِ لَمْ يَحِلَّ، كَمَا إِذَا صُبَّ فِي المَطْبُوخِ قَدَحٌ مِنْ النَّقِيعِ، وَالمَعْنَى: تَغْلِيبُ جِهَةِ الحُرْمَةِ، وَلَا حَدَّ فِي شُرْبِهِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لِلِاحْتِيَاطِ وَهُوَ لِلْحَدِّ فِي دَرْئِهِ. وَلَوْ طُبِخَ الخَمْرُ أَوْ غَيْرُهُ بَعْدَ الاشْتِدَادِ، حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ: لَمْ يَحِلَّ؛ لِأَنَّ الحُرْمَةَ قَدْ تَقَرَّرَتْ، فَلَا تَرْتَفِعُ بِالطَّبْخِ. ويصب فيها العصير، ويمضي على ذلك مدة ولم يشتد ولم يسكر، فإن سكر فحرام، كذا في جامع قاضي خان. قوله: (في رواية عن أبي حنيفة)، وهو رواية الحسن عنه؛ فقد روي عنه إذا طبخ أدنى طبخة يحل شربه إذا غلا واشتد كما في نقيع الزبيب والتمر. وأنكر المتقدمون من مشايخنا هذه الرواية عنه. وقد روى الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف قال: سمعت أبا حنيفة [يقول] (١) إنه لا يحل ما لم يذهب ثلثاه بالطبخ، وهذا أصح؛ لأن العصير فيه قائم بلا تغيير وتأثير الطبخ في الفصل بين العصير والثفل، وكما لا يحل الشرب بأدنى طبخة ويشترط ذهاب الثلثين، فكذلك العنب، كذا في الذخيرة.

стр. 6770

قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالانْتِبَاذِ فِي الدُّبَّاءِ وَالحَنْتَمِ وَالمُزَفَّتِ وَالنَّقِيرِ) لِقَوْلِهِ ﵊ فِي حَدِيثٍ فِيهِ طُولٌ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الأَوْعِيَةِ: «فَاشْرَبُوا فِي كُلِّ ظَرْفٍ، فَإِنَّ الظَّرْفَ لَا يُحِلُّ شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمُهُ وَلَا تَشْرَبُوا المُسْكِرَ» وَقَالَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا أَخْبَرَ عَنِ النَّهْيِ عَنْهُ، فَكَانَ نَاسِخًا لَهُ، وَإِنَّمَا يُنْتَبَذُ فِيهِ بَعْدَ تَطْهِيرِهِ، فَإِنْ كَانَ الوِعَاءُ عَتِيقًا يُغْسَلُ ثَلَاثًا فَيَطْهُرُ، قوله: (ولا بأس بالانتباذ … ) إلى آخره وهو قول أكثر أهل العلم. وعن أحمد في رواية: كره الانتباذ فيها؛ لنهيه ﷺ . وقال مالك: أكره أن ينتبذ في الدباء والمزفت، وأباح الجرر كله غير المزفت، والحنتم، والنقير. والدباء: هو اليقطين والحنتم الجرار الحمر. وقيل: الصفر يحمل فيها الخمر إلى المدينة، الواحدة حنتمة. والمزفت: الوعاء المطلي بالزفت، وهو القير. والصحيح من مذهب أحمد كقول العامة؛ لما روي أنه ﷺ قال: «كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها فقد أُذِنَ لمُحمدٍ في زيارة قبر أمه، ولا تقولوا هجرًا، وعن لحم الأضاحي أن تمسكوه فوق ثلاثة أيام، فأمسكوا ما بَدَا لكم وتزودوا، فإنما نهيتكم لِيَتَّسِعَ مُوسِرُكم عَلَى مُعْسِرِكم، وعن النبيذ في الدُّبَّاءِ والحَنْتَم والمُزَفَّتِ، فاشربوا في كلِّ ظرف، فإنَّ الظرف لا يحلُّ شيئًا ولا يحرمه، ولا تشربوا مسكرًا» (١)، ففي الحديث دليل جواز نسخ السنة بالسنة. قوله: (وإنما ينتبذ فيه؛ أي: في وعاء الخمر بعد تطهيره، فإن كان الوعاء عتيقا يغسل ثلاثا فيطهر)، كما [لو] (٢) تنجس الظرف بالدم والبول، فإنه يطهر

стр. 6771

وَإِنْ كَانَ جَدِيدًا لَا يَطْهُرُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِتَشَرُّبِ الخَمْرِ فِيهِ، بِخِلَافِ العَتِيقِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، يُغْسَلُ ثَلَاثًا وَيُجَفَّفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ (*)، وَهِيَ مَسْأَلَهُ مَا لَا يَنْعَصِرُ بِالعَصْرِ، وَقِيلَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: يُمْلَأُ مَاءً مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، حَتَّى إِذَا خَرَجَ المَاءُ صَافِيًا غَيْرَ مُتَغَيِّرِ يُحْكُمُ بِطَهَارَتِهِ. قَالَ: (وَإِذَا تَخَلَّلَتِ الخَمْرُ حَلَّتْ، سَوَاءٌ صَارَتْ خَلًا بِنَفْسِهَا، أَوْ بِشَيْءٍ يُطْرَحُ فِيهَا، وَلَا يُكْرَهُ تَخْلِيلُهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُكْرَهُ التَّخْلِيلُ، وَلَا يَحِلُّ الخَلُّ الحَاصِلُ بِهِ: إِنْ كَانَ التَّخْلِيلُ بِإِلْقَاءِ شَيْءٍ فِيهِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ الْقَاءِ شَيْءٍ فِيهِ: فَلَهُ بالغسل ثلاثا، (وإن كان جديدًا لا يطهر عند محمد) وقد مر في الطهارات فيما لا ينعصر بالعصر. قوله: (قولا واحدًا) وبه قال مالك وأحمد (وإن كان بغير إلقاء شيء) [بِأَنْ] (١) ينقل من الظل إلى الشمس، أو بإيقاد النار بالقرب منه فله قولان: في قول: يحل كقولنا. وفي قول: لا يحل، وبه قال مالك، وأحمد، أما إذا صار خمرا بطول المدة بدون علاج يحل بلا خلاف. لهم ما روى أنس قال: سُئِلَ النبي ﷺ أَيَتَّخذ الخمر خلا؟ قال: «لا» رواه الترمذي (٢). وروى مسلم (٣). عن أبي طلحة أنه سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرا، فقال: «أهْرِقُها» قال: أفلا أُخَلَّلْهَا؟ قال: «لا» رواه أبو داود (٤). وعن عمر أنه قال على المنبر: [لَا] (٥) تحل خمر أفسدت حتى يكون الله تعالى تولى إفسادها، ولم ينكر عليه أحد.

стр. 6772

فِي الخَلِّ الحَاصِلِ بِهِ قَوْلَانِ: لَهُ: أَنَّ فِي التَّخْلِيلِ اقْتِرَابًا مِنَ الخَمْرِ عَلَى وَجْهِ التَّمَوُّلِ، وَالأَمْرُ بِالاجْتِنَابِ يُنَافِيهِ، وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «نِعْمَ الإِدَامُ الخَلُّ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَقَوْلُهُ ﵊: «خَيْرُ خَلْكُمْ خَلٌّ خَمْرِكُمْ» وَلِأَنَّ بِالتَّخْلِيلِ يَزُولُ الوَصْفُ المُفْسِدُ، وَتَثْبُتُ صِفَةُ الصَّلَاحِ مِنْ حَيْثُ تَسْكِينُ الصَّفْرَاءِ وَكَسْرُ الشَّهْوَةِ، وَالتَّغَذّي بِهِ وَالإِصْلَاحُ مُبَاحٌ، وَكَذَا الصَّالِحُ لِلْمَصَالِحِ، اعْتِبَارًا ولأن الاجتناب عنها واجب بالنص، وفي التخليل اقتراب منها على وجه التمول، وهو ضد المأمور، وهو الاقتراب للإراقة؛ لأن ذلك مبالغة في الاجتناب عنها معنى؛ وإذا كان التخليل حرامًا، فلا يكون مؤثرا في الخل كذبح الشاة في غير مذبحها، بخلاف ما إذا تخللت بنفسها بمضي الزمان لتبدلها شيئًا آخر بطبعها كما يصير الشاب شيئًا. أما بالتخليل لا تنقلب العين؛ لأنه ليس إلى العباد تغليب العين بالتكليف، كما أن الشيخ لا يصير شابا والشاب شيخًا بالتكلف. ولنا قوله ﷺ : «أَيُّما إهابٍ دُبِغَ فقدْ طَهُرَ كالخمرِ تُخَلَّلُ فتَحِلُّ» (١) وفي رواية «كَالخَمرِ يتَخَلَّلُ فَيَحِلُّ» والروايتان كالخبرين فيعمل بهما. وقوله ﷺ : «نعم الإدامُ … » (٢) ولم يُفَصِّل، وقوله ﷺ : «خيرُ خَلْكُم خَمْرُكُم» (٣). وقد روي عن علي، وابن عمر، وعائشة، وأبي الدرداء، والحسن، وسعيد ابن جبير أنهم اصطبغوا بخل الخمر، وليس في أخبارهم أنها انقلبت بنفسها، ولأن التخليل إصلاح لجوهر فاسد فكان حلالا كدبغ الجلد. (والإصلاح مباح) أي: بالإجماع كالدباغ (وكذا الصالح للمصالح) مباح كما لو تخلل.

стр. 6773

بِالمُتَخَلِّلِ بِنَفْسِهِ وَبِالدِّبَاغِ، وَالاقْتِرَابُ لِإِعْدَامِ الفَسَادِ فَأَشْبَهَ الْإِرَاقَةَ، وَالتَّخْلِيلُ أَوْلَى، لِمَا فِيهِ مِنْ إِحْرَازِ مَالٍ يَصِيرُ حَلَالًا فِي الثَّانِي فَيَخْتَارُهُ مَنْ ابْتُلِيَ بِهِ، وَإِذَا صَارَ الخَمْرُ وقوله: (والاقتراب) جواب عن قولهم: إن الاقتراب حرام. فإن قيل: هي نجس العين يحرم التصرف فيها قياسًا على الميتة، والبول، والدم. قلنا: ليس كذلك، فذاتها ذات العصير وهو طاهر قبل التخمر، والنجاسة باعتبار الشدة، وما هي بعينها بل هي وصفها، وهي تقبل الزوال كالصبا في [الصبي] (١) ولهذا لو تخللت بنفسها تحل. وأما قوله ﷺ : «لا تتخذوا الخمر خلا» (٢) أي: لا تستعملوا استعمال الخل بأن يؤتدم بها، وتوضع على المائدة كما يوضع الخل، وهو نظير ما روي عنه ﷺ أنه نهى عن تحليل الحرام وتحريم الحلال، وأن يتخذوا الدواب كراسي، المراد الاستعمال. ولما نزل قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] قال عَدِيٌّ بن حاتم: ما عبدناهم قط، فقال ﷺ : «أليس كانوا يأمرون وينهون وتُطيعوهُمْ» قال: نعم، قال: «هو ذاك» (٣) فقد فسر الاتخاذ بالاستعمال. وأما قولهم: التخليل تصرف فيها على قصد التمول، قلنا: بل ما هو على قصد التمول للخمر، بل هو إتلاف صفة الخمرية، فكان كالاقتراب للإراقة. وأما قولهم: ليس إلى العباد تقليب العين. قلنا: فمسلّم، ولكن إليهم إحداث المجاورة بين الخل والخمر حتى تزول صفة الخمرية إلى طبع الخل في أسرع الأوقات، فكان هذا أقرب إلى الجواز

стр. 6774

خَلَّا يَطْهُرُ مَا يُوَازِيهَا مِنْ الإِنَاءِ، فَأَمَّا أَعْلَاهُ وَهُوَ الَّذِي نَقَصَ مِنْهُ الخَمْرُ قِيلَ يَطْهُرُ تَبَعًا، وَقِيلَ: لَا يَطْهُرُ؛ لِأَنَّهُ خَمْرٌ يَابِسٌ إِلَّا إِذَا غُسِلَ بِالخَلِّ فَيَتَخَلَّلُ مِنْ سَاعَتِهِ فَيَطْهُرُ، وَكَذَا إِذَا صُبَّ فِيهِ الخَمْرُ ثُمَّ مُلِئَ خَلَّا يَطْهُرُ فِي الحَالِ عَلَى مَا قَالُوا. قَالَ: (وَيُكْرَهُ شُرْبُ دُرْدِي الخَمْرِ وَالِامْتِشَاطُ بِهِ)؛ لِأَنَّ فِيهِ أَجْزَاءَ الخَمْرِ، من الإمساك، فإذا جاز الإمساك إلى أن تتخلل فالتخليل أولى بالجواز، إليه أشار في المبسوط (١). وأما حديث أبي طلحة فمحمول على أنه كان في التحريم حين كان ﵊ يبالغ في أمر الخمر زجرًا لهم وقلعًا عن العادة، وخمور الأيتام كانت جائزة الإراقة؛ لأنها ليست بأموال متقومة في حق المسلمين، ولولي اليتيم أن يحفظ عليه ما كان مالا لا ما ليس بمال، مع أن فيها [مفسدة لكنها خاصة] (٢)، ويجوز ارتكابها لمصلحة، كجواز الرمي إلى الكفار إذا تترسوا بصبيان المسلمين. قوله: (نقص منه)؛ أي انتقص من النقصان. قوله: (وقيل: يطهر تبعًا) من غير إدارة الخل، وبه أخذ الهندواني، وأبو الليث والصدر الشهيد. (وقيل: لا يطهر) لأن ما بداخله (خمر يابس) فيكون نجسا فلا يطهر حتى يغسل أعلاه بالخل؛ فما دخل من أجزاء الخمر يصير خلا، فإن لم يفعل ذلك وملأه من العصير نجس العصير ولا يحل شربه؛ لأنه عصير خالطه خمر؛ فالحيلة أن يدار فيه الخل حتى يصيب جميع الظرف، فإذا فعل ذلك فقد طهر وإن لم يتشرب فيه الخل، كذا في الذخيرة. قوله: (الامتشاط به) أي: بالدردي فإن بعض النساء يفعل ذلك، وقد صح عن عائشة أنها كانت تنهى النساء عن ذلك أشد النهي. الدردي: ما يبقى أسفل كل شيء، يقال: دردي الزيت وغيره ما في أسفله كذا في الصحاح.

стр. 6775

وَالانْتِفَاعُ بِالمُحَرَّمِ حَرَامٌ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُدَاوِيَ بِهِ جُرْحًا، أَوْ دَبْرَةَ دَابَّةٍ، وَلَا أَنْ يَسْقِيَ ذِمِّيًا، وَلَا أَنْ يَسْقِيَ صَبِيًّا لِلتَّدَاوِي، وَالوَبَالُ عَلَى مَنْ سَقَاهُ، وَكَذَا لَا يَسْقِيهَا الدَّوَابَّ، وَقِيلَ: لَا تُحْمَلُ الخَمْرُ إِلَيْهَا، أَمَّا إِذَا قِيدَتْ إِلَى الخَمْرِ، فَلَا: بَأْسَ بِهِ كَمَا فِي الكَلْبِ وَالمَيْتَةِ، وَلَوْ أُلْقِيَ الدُّرْدِيُّ فِي الخَلِّ: لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ خَلَّا، لَكِنْ يُبَاحُ حَمْلُ الخَلِّ إِلَيْهِ لَا عَكْسُهُ لِمَا قُلْنَا. قَالَ: (وَلَا يُحَدُّ شَارِبُهُ) أَيْ شَارِبُ الدُّرْدِي إِنْ لَمْ يَسْكَرْ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُحَدُّ؛ لِأَنَّهُ شَرِبَ جُزْءًا مِنْ الخَمْرِ، وَلَنَا: أَنَّ قَلِيلَهُ لَا يَدْعُو إِلَى كَثِيرِهِ لِمَا فِي الطَّبَاعِ مِنْ النَّبْوَةِ عَنْهُ، فَكَانَ نَاقِصًا، فَأَشْبَهَ غَيْرَ الخَمْرِ مِنْ الأَشْرِبَةِ، وَلَا حَدَّ فِيهَا إِلَّا بِالسُّكْرِ، وَلِأَنَّ الغَالِبَ عَلَيْهِ النُّفْلُ، فَصَارَ كَمَا إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ المَاءُ بِالِامْتِزَاجِ (وَيُكْرَهُ الاحْتِقَانُ بِالخَمْرِ وَإِقْطَارُهَا فِي الإِحْلِيلِ)؛ لِأَنَّهُ انْتِفَاعُ بِالمُحَرَّمِ، ودبرة الدابة: قرحتها أو جرحها. (والوبال على من سقاه) أي: الصبي؛ لأنه غير مخاطب، (لا تحمل)؛ أي: الدواب؛ إذ في السقي والحمل اقتراب إلى الخمر على قصد التمول. (كما في الكلب والميتة)؛ أي: لا تحمل الميتة إلى الكلب، ولو نقل الميتة إلى الكلب لا بأس به، وكذا الفأرة لا تحمل إلى الهرة، ولكن الهرة تحمل إلى الفأرة؛ كيلا تصير حاملا للنجاسة بلا ضرورة. وفي الذخيرة ويكره أن يبل الطين بالخمر. (قوله: وقال الشافعي: يحد) وبه قال مالك، وأحمد، وأكثر أهل العلم؛ لأنه شرب جزءًا من الخمر؛ إذ الدردي لا يخلو عنه، وفي الخمر يجب الحد في القليل والكثير. قلنا: وجوب الحد للزجر، وشرع الزاجر فيما يميل إليه الطبع، والطباع لا تميل إلى شرب الدردي؛ بل من يعتاد شرب الخمر يعاف الدردي، وقليله لا يدعو إلى كثيره. قوله: (لأنه)؛ أي: الاحتقان والإقطار انتفاع بالمحرم، وهو حرام، وبه قال مالك، والشافعي في قول، وأحمد.

стр. 6776

وَلَا يَجِبُ الحَدُّ لِعَدَمِ الشُّرْبِ وَهُوَ السَّبَبُ، وَلَوْ جُعِلَ الخَمْرُ فِي مَرَقَةٍ لَا تُؤْكَلُ لِتَنَبُّسِهَا بِهَا، وَلَا حَدَّ مَا لَمْ يَسْكَرْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَصَابَهُ الطَّبْخُ، (وَيُكْرَهُ أَكْلُ خُبْرٍ عُجِنَ عَجِينُهُ بِالخَمْرِ) لِقِيَامِ أَجْزَاءِ الخَمْرِ فِيهِ. وقال الشافعي في قول: يجوز إذا أخبره عدلان أن شفاءه في ذلك. (ولا يجب الحد)؛ أي: بالاحتقان والإقطار، وبه قال الشافعي، وأحمد، ومالك؛ لأن الحد يجب بالشرب بالحديث وعدم الشرب، ولشبهة اختلاف العلماء في إباحته هاهنا. وحكي عن أحمد في رواية أنه يجب الحد بالاحتقان؛ لأنه أوصله إلى جوفه. قال ابن قدامة: والأصح أنه لا يجب الحد؛ لعدم الشرب. قوله: (ولا حد ما لم يسكر منه)؛ لأنه مطبوخ، ولأن الغالب عليها غير الخمر، والمغير هو الغالب في حكم الحل. وقال أحمد: يُحدُّ لأن عين الخمر موجود فيها. قوله: (خبز عُجن عجينه بالخمر)؛ لأن العجين يتنجس بالخمر، والعجين لا يطهر بالخبز، فلا يحل أكله، لكن لا يحد؛ لأن أجزاء الخمر أكلتها النار، ولم يبق إلا أثره. أما اللحم إذا طبخ بالخمر فعند محمد: لا يطهر أبدا. وعند أبي يوسف: يغلى بالماء الطاهر ثلاث مرات، ويبرّد في كل مرة فيطهر. ولا يحل لبن الميتة وأنفحتها طاهر عند أبي حنيفة مائعة كانت أو جامدة. وقالت الأئمة الثلاثة: نجس جامدة أو مائعة. وقال أبو يوسف، ومحمد: إن كانت جامدة فهي طاهرة وتؤكل إذا غسلت، وإن كانت مائعة فهي نجسة؛ لأنها في وعاء نجس لتنجسه بالموت، كما لو وقع المائع في وعاء نجس بعد الخروج، وإن كانت جامدة يتنجس ظاهره فيطهر بالغسل. وعندهم: من أجزاء الميتة، وله أنها وعاء ليس ينجس؛ لأنه عصب، وعصب الميتة طاهر، والبيضة التي تخرج من دجاجة ميتة إن كانت جامدة فطاهرة عندنا، وإن كانت مائعة فهي على الاختلاف، وهي كالأنفحة.

стр. 6777

فَصْلٌ فِي طَبْخِ العَصِيرِ وَالأَصْلُ: أَنَّ مَا ذَهَبَ بِغَلَيَانِهِ بِالنَّارِ وَقَذْفِهِ بِالزَّبَدِ: يُجْعَلُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَيُعْتَبَرُ ذَهَابُ ثُلُثَيْ مَا بَقِيَ لِيَحِلَّ الثُّلُثُ البَاقِي، بَيَانُهُ: عَشَرَةُ دَوَارِقَ مِنْ عَصِيرٍ طُبِخَ فَذَهَبَ دَوْرَقٌ بِالزَّبَدِ يُطْبَخُ البَاقِي حَتَّى يَذْهَبَ سِتَّةُ دَوَارِقَ وَيَبْقَى الثُّلُثُ فَيَحِلُّ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَذْهَبُ زَبَدًا هُوَ العَصِيرُ أَوْ مَا يُمَازِجُهُ، وَأَيَّا مَا كَانَ جُعِلَ كَأَنَّ العَصِيرَ تِسْعَةُ دَوَارِقَ، فَيَكُونُ ثُلُثُهَا ثَلَاثَةٌ. وَأَصْلٌ آخَرُ: أَنَّ العَصِيرَ إِذَا صُبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ قَبْلَ الطَّبْخِ ثُمَّ طُبِخَ بِمَائِهِ، إِنْ كَانَ المَاءُ أَسْرَعَ ذَهَابًا لِرِقَتِهِ وَلَطَافَتِهِ، يُطْبَخُ البَاقِي بَعْدَ مَا ذَهَبَ مِقْدَارُ مَا صُبَّ فِيهِ مِنْ المَاءِ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ؛ لِأَنَّ الذَّاهِبَ الأَوَّلَ هُوَ المَاءُ وَالثَّانِي العَصِيرُ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذَهَابِ ثُلُثَيْ العَصِيرِ، وَإِنْ كَانَا يَذْهَبَانِ مَعًا تُغْلَى الجُمْلَةُ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ فَصْلٌ فِي طَبْخِ العَصِيرِ لما كان طبخ العصير من أسباب ما يمنعه عن التخمير ألحقه بالأشربة؛ تعليما لإبقاء ما هو حلال على حله. قوله: (يجعل كأن لم يكن) يعني ما ذهب من القدر من غاية الغليان (١) وقذفه بالزبد لا يعتبر. الدورق: مكيال للشراب، وهي أعجمي معرب عن العوزي قيل تسعة عشرًا مَنَّا. قوله: (أو ما يمازجه) من التراب والتفل، والدردي؛ فعلم أن ما أخذه من الزبد انتقص من أصل العصير فسقط اعتباره. قوله: (وإن كانا يذهبان معا تغلى الجملة)، كأن محمدًا يحكم أن العصير على نوعين منه ما لو صب فيه الماء وطبخ حتى يذهب الماء أولا، ومنه ما لو صب الماء يذهبان معًا، ففصل الجواب. ففي الأول: وهو الذي يذهب الماء أولا، بطبخ حتى تبقى تسع الجملة، ووجه معرفة هذا؛ أن يجعل كل عشرة من الماء والعصير على ثلاثة أسهم؛ لأنك تحتاج إلى أن تجعل عشرة دوارق عصير على ثلاثة، لحاجتك إلى الثلث والثلثين، فيكون الماء ستة، والعصير ثلاثة، والكل تسعة أسهم، فإذا ذهب الماء أولا فقد ذهب ستة من تسعة. وما ذهب يجعل كأن لم يكن؛ لأنه ما بقي العصير لا غير، وهو ثلاثة

стр. 6778

وَيَبْقَى ثُلُثُهُ فَيَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ الثُّلُثَانِ مَاءً وَعَصِيرًا، وَالثُّلُثُ البَاقِي مَاءٌ وَعَصِيرٌ، فَصَارَ كَمَا إِذَا صُبَّ المَاءُ فِيهِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ مِنْ العَصِيرِ بِالغَلْيِ ثُلُثَاهُ. بَيَانُهُ عَشَرَةُ دَوَارِقَ مِنْ عَصِيرٍ، وَعِشْرُونَ دَوْرَقًا مِنْ مَاءٍ، فَفِي الوَجْهِ الأَوَّلِ: يُطْبَخُ حَتَّى يَبْقَى تُسْعُ الجُمْلَةِ؛ لِأَنَّهُ ثُلُثُ العَصِيرِ؛ وَفِي الوَجْهِ الثَّانِي: حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُنَا الجُمْلَةِ لِمَا قُلْنَا، وَالغَلْيُ بِدَفْعَةٍ أَوْ دَفَعَاتٍ سَوَاءٌ إِذَا حَصَلَ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مُحَرَّمًا، وَلَوْ قُطِعَ عَنْهُ النَّارُ فَغَلَى حَتَّى ذَهَبَ الثُّلُثَانِ يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ أَثَرُ النَّارِ. وَأَصْلٌ آخَرُ: أَنَّ العَصِيرَ إِذَا طُبِخَ، فَذَهَبَ بَعْضُهُ ثُمَّ أُهْرِيقَ بَعْضُهُ، ثُمَّ تُطْبَخُ البَقِيَّةُ حَتَّى يَذْهَبَ الثُّلُثَانِ، فَالسَّبِيلُ فِيهِ أَنْ تَأْخُذَ ثُلُثَ الجَمِيعِ، فَتَضْرِبَهُ فِي البَاقِي بَعْدَ المُنْصَبٌ، ثُمَّ تَقْسِمَهُ عَلَى مَا بَقِيَ بَعْدَ ذَهَابِ مَا ذَهَبَ بِالطَّبْخِ أسهم، فيطبخ حتى يذهب ثلثاه، فقد مرة (١) ستة ومرة اثنان، فقد ذهب ثمانية وبقي واحد، وهو تسع الكل. قوله: (وفي الوجه الثاني)، وهو الذي يذهب الماء والعصير معا يجب أن يطبخ حتى يذهب ثلثاه عشرون وبقي عشرة ثلثه، فمتى بقي عشرة كان ثلثاه ماء وثلثه عصيرا، وكان الباقي ثلث العصير وثلث الماء، فهذا ما لو صب الماء في العصير بعدما طبخه على الثلث والثلثين سواء، كذا في مبسوط شيخ الإسلام. قوله: (قبل أن يصير محرمًا)؛ أي: قبل غليانه واشتداده؛ لأن الطبخ الثاني وجد في حالة حلاوته، أما بعد اشتداده وغليانه وصيرورته محرمًا لا يحل؛ لأن الطبخ في المرة الثانية لاقى عينًا محرمًا. قوله: (ولو قطع عنه النار)، وصورته إذا طبخ العصير حتى ذهب ثلاثة أخماسه مثلا وبقي خمساه، ثم قطع عنه النار فلم يبرد حتى نقص عنه تمام الثلثين وبقي الثلث؛ لأن ما ذهب بعد قطع النار ذهب بحرارتها، فصار كما لو شمس العصير وذهب ثلثاه بحرارة الشمس فيصير مثلثًا؛ لأن المقصود ذهاب الثلثين، وصار كما لو صار مثلثًا والنار تحته، بخلاف ما لو برد وصار مشتدا محرمًا، ثم طبخ حتى ذهب ثلثاه، لما قلنا إن النار لاقى محرمًا، الكل من المبسوط (٢)، والذخيرة. قوله: فتضربه في الباقي بعد المنصب … إلى آخره، وذلك أن الرطل

стр. 6779

قَبْلَ أَنْ يَنْصَبَّ مِنْهُ شَيْءٌ، فَمَا يَخْرُجُ بِالقِسْمَةِ فَهُوَ حَلَالٌ، بَيَانُهُ: عَشَرَةُ أَرْطَالِ عَصِيرٍ طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ رِطْلٌ، ثُمَّ أُهْرِيقَ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَرْطَالٍ، تَأخُذُ ثُلُثَ العَصِيرِ كُلَّهُ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ وَثُلُثٌ، وَتَضْرِبُهُ فِيمَا بَقِيَ بَعْدَ المُنْصَبٌ هُوَ سِتَّةٌ، فَيَكُونُ عِشْرِينَ، ثُمَّ تَقْسِمُ العِشْرِينَ عَلَى مَا بَقِيَ بَعْدَ مَا ذَهَبَ بِالطَّبْخِ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَبَّ مِنْهُ شَيْءٌ وَذَلِكَ تِسْعَةٌ، فَيَخْرُجُ لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ ذَلِكَ اثْنَانِ وَتُسْعَانِ، فَعَرَفْت أَنَّ الحَلَالَ فِيمَا بَقِيَ مِنْهُ رِطْلَانِ وَتُسْعَانِ، وَعَلَى هَذَا تُخَرَّجُ المَسَائِلُ وَلَهَا طَرِيقٌ آخَرُ، وَفِيمَا اكْتَفَيْنَا بِهِ كِفَايَةٌ وَهِدَايَةٌ إِلَى تَخْرِيجٍ غَيْرِهَا مِنْ المَسَائِلِ. الذاهب في الغليان في المعنى داخل فيما بقي، وكان الباقي قبل أن ينصب منه شيء تسعة أرطال؛ فعرف أن كل رطل في ذلك في معنى رطل وتسع رطل؛ لأن الذاهب بالغليان يقسم على ما بقي أتساعًا، فإذا انصب منه ثلاثة أرطال؛ فهذا في المعنى ثلاثة أرطال وثلاثة أتساع رطل، فيكون الباقي منه ستة أرطال وستة أتساع رطل، فيطبخه حتى يبقى منه الثلث وهو رطلان وتسعا رطل، كذا في المبسوط (١). ووجه آخر أن ما ذهب بالطبخ ذهب من الحرام؛ لأنه إنما يطبخ ليذهب حرامه ويبقى حلاله؛ فثلثا عشرة أرطال حرام، وهو ستة أرطال وثلثا رطل، وثلثه حلال، وهو ثلاثة أرطال وثلث، رطل، والذاهب بالطبخ ذاهب من الحرام، والباقي تسعة أرطال والحلال منها ثلاثة أرطال وثلث رطل، والحرام خمسة أرطال وثلثا رطل. فإذا أريق ثلثه فهذا من الحلال والحرام جميعًا؛ لأنه لا تعلق للذاهب عينًا بالحلال أو بالحرام، وكان الذاهب منهما على السواء، فذهب من الحلال ثلثه وهو رطل وتسع رطل، فيبقى ثلثاه رطلان وتسعا رطل، ولو رُمْتَ زيادة الانكشاف فاجعل كل رطل تسعة لاحتياجك إلى حساب له ثلث، ولثلثه ثلث وهو تسعة، فصارت أرطال الحلال ثلاثين سهما، وقد أريق ثلاثة وهو عشرة، فبقي عشرون وهو رطلان وتسعا رطل، وهذا معنى قول الشيخ ولهذا طريق آخر، وفيما اكتفينا كفاية. والله أعلم.

стр. 6780

كِتَابُ الصَّيْدِ الصَّيْدُ الاصْطِيَادُ، وَيُطْلَقُ عَلَى مَا يُصَادُ، وَالفِعْلُ مُبَاحٌ لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ فِي غَيْرِ الحَرَمِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَأَصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وَقَوْلُهُ : ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] وَلِقَوْلِهِ ﵊ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ ﵁: «إِذَا أَرْسَلْت كَلْبَك المُعَلَّمَ وَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ فَلَا تَأْكُلْ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ شَارَكَ كَلْبَكَ كَلْبٌ آخَرُ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ إِنَّمَا سَمَّيْت عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمٌ عَلَى كَلْبِ غَيْرِك» وَعَلَى إِبَاحَتِهِ انْعَقَدَ الإِجْمَاعُ، وَلِأَنَّهُ كِتَابُ الصَّيْدِ قيل: أورد الصيد بعد الأشربة؛ لأن كلا منهما قد يصير من أسباب التلهي، إلا أن التلهي بالأشربة حرام، وبالصيد مكروه، فقدم الحرام؛ لقوته على المكروه، أو لأن كلا منهما يورث الطرب والسرور، والسرور بالشرب يحصل بأمر داخل، وفي الصيد بأمر خارج، فكان السرور الأول أكثر لصوقًا بالآدمي من الخارجي فقدمه. ثم الصيد من المكاسب فكانت المحاسن المذكورة في البيع وغيره من المعاملات كائنة فيه. الصيد لغة: مصدر بمعنى الاصطياد، وقد يسمى المصيد صيدا تسمية بالمصدر، والاصطياد مباح في غير الحرم لغير المحرم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَأَصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، والأمر للإباحة، وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]، وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]. والحديث مذكور في المتن والإجماع أيضًا. وقوله: (لأنه … ) إلى آخره دليل معقول.

стр. 6781

نَوْعُ اكْتِسَابِ وَانْتِفَاعٍ بِمَا هُوَ مَخْلُوقٌ لِذَلِكَ، وَفِيهِ اسْتِبْقَاءُ المُكَلَّفِ وَتَمْكِينُهُ مِنْ إِقَامَةِ التَّكَالِيفِ، فَكَانَ مُبَاحًا بِمَنْزِلَةِ الاحْتِطَابِ، ثُمَّ جُمْلَةُ مَا يَحْوِيهِ الكِتَابُ فَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا فِي الصَّيْدِ بِالجَوَارِحِ، وَالثَّانِي فِي الاصْطِيَادِ بِالرَّمْيِ. فَصْلٌ فِي الجَوَارِحِ قَالَ: (وَيَجُوزُ الاِصْطِيَادُ بِالكَلْبِ المُعَلَّمِ وَالفَهْدِ وَالبَازِي وَسَائِرِ الجَوَارِحِ المُعَلَّمَةِ، وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَكُلُّ شَيْءٍ عَلَّمْتَهُ مِنْ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ، فَلَا بَأْسَ بِصَيْدِهِ، قوله: (وتمكينه من إقامة) إذ ربما يكون في مفازة، أو لا يجد ثمن اللحم عنده، فلو لم يبح الاصطياد فمات جوعًا؛ فينبغي أن يكون الاصطياد واجبًا لما ذكر أن فيه التمكن من إقامة التكاليف، والتكليف (١) واجب لكونه غير متعين لإقامتها، فكان مباحًا، ولهذا قالوا: يباح إذا كان مقصوده إقامة التكليف، وإن كان مقصوده التلهي يكره. فَصْلُ الجَوَارِحِ قدم الجوارح على الرمي؛ لما أن آلة الصيد حيوان، وفي الرمي جماد، وللحيوان فضل على الجماد، مع أن الحيوان هاهنا متصفة بالعلم؛ فكان أفضل من الرمي الذي لا صلاحية له في التعلم. قوله: (لا بأس) وإنما قال بلفظ: لا بأس؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] عام مخصوص، فإنه خص منه الخنزير، والأسد، والذئب، وكان خاصا. وعند البعض: لا يبقى حجة أصلا كما ذكر في الأصول، فلهذا قال بلفظ: لا بأس. وفي الإيضاح: ولا يجوز الاصطياد بهذه الثلاثة، وإن كان عموم قوله: (وسائر الجوارح المعلمة) يتناولها؛ لأن التعلم منها لا يتصور، فإنا نستدل على

стр. 6782

وَلَا خَيْرَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ تُدْرِكَ ذَكَاتَهُ) وَالأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] وَالجَوَارِحُ: الكَوَاسِبُ، قَالَ فِي تَأْوِيلِ المُكَلِّبِينَ: المُسَلَّطِينَ، فَيَتَنَاوَلُ الكُلَّ بِعُمُومِهِ، دَلَّ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ عَدِيٌّ ﵁ وَاسْمُ الكَلْبِ فِي اللُّغَةِ: يَقَعُ عَلَى كُلِّ سَبْعِ حَتَّى الأَسَدِ، … ... … ... … ... … . التعليم بترك الأكل. ومن عادة الأسد والذئب أن يمسكا صيدهما؛ فلا يأكلانه في الحال حتى لو تصور العلم منهما جاز، وأما الخنزير فإنه نجس العين، فكان الانتفاع به محرمًا، ثم لا خلاف بين أكثر أهل العلم، أن ما يقبل التعليم من سباع البهائم كالفهد وغيره، أو جوارح الطير يجوز الصيد به إذا صار معلمًا. وحكي عن ابن عمر ومجاهد أنه لا يجوز الصيد إلا بالكلب لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]، يعني كلبتم من الكلاب. ولنا؛ المراد من الجوارح الكواسب، قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أي: كسبتم، ويقال جارحة أهله أي: كاسبهم، وَمُكَلِّبِينَ من التكليب، وهو الإغراء. وسأل عَدِيُّ رسول الله ﷺ عن صيد البَازِي فقال ﷺ : «إذا أَمْسَكَ عليكَ فَكُلْ» (١). وعن أحمد والحسن البصري، والنخعي، وقتادة، وإسحاق، وأصحاب الظاهر: لا يؤكل ما صيد بالكلب الأسود إذا كان بهيما، والبهيم الذي لا يخالط به لون سواه؛ لأنه ﷺ قال: «هو شيطان» (٢)، وأمر بقتله، وما وجب قتله حرم اقتناؤه وتعليمه، فلم يبح صيده كغير المعلم. ولنا؛ عموم الآية، والخبر، والقياس على غيره من الكلاب، ثم حِلَّ التناول مختص بشرائط: (٣)

стр. 6783

وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ اسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ الأَسَدُ وَالدُّبُّ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَعْمَلَانِ لِغَيْرِهِمَا، الأَسَدُ لِعُلُوّ هِمَّتِهِ، وَالدُّبُّ لِخَسَاسَتِهِ، وَأَلْحَقَ بِهِمَا بَعْضُهُمُ الحِدَأَةَ لِخَسَاسَتِهَا، وَالخِنْزِيرُ مُسْتَثْنَى؛ لِأَنَّهُ نَجِسُ العَيْنِ، فَلَا يَجُوزُ الانْتِفَاعُ بِهِ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ التَّعْلِيمِ؛ لِأَنَّ مَا تَلُونَا مِنْ النَّصِّ يَنْطِقُ بِاشْتِرَاطِ التَّعْلِيمِ، وَالحَدِيثِ بِهِ وَبِالإِرْسَالِ، … ... … .. منها: أن يكون الصائد من أهل الذكاة، كالمسلم، والكتابي، وأن يعقل الذبح والتسمية، حتى لا يؤكل صيد الصبي والمجنون إذا لم يعقلا بالذبح، وأن يكون ما يصطاد به معلما، وأن يجرح. وفي معنى الجوارح قولان: أن يكون جارحًا بنابه أو بمخلبه، والثاني أن يكون من الكواسب. ومنها: الإرسال بالحديث. ومنها: التسمية بالحديث حتى لو ترك المرسل التسمية عمدًا لا يؤكل، خلافًا للشافعي، ولو ترك ناسيا يؤكل عندنا، ومالك. وعن أحمد: لا يؤكل، وقد مر في الذبائح. وفي الكتاب: المُكلِّب مؤدب الجوارح ورائضها؛ ليصيد لصاحبها بطريق التأديب، واشتقاقه من الكلب؛ لأن التأديب أكثر ما يكون في الكلاب، فاشتق من لفظه؛ لكثرته في جنسه، وانتصاب ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ على الحال من ﴿عَلَّمْتُم﴾. فإن قلت: ما فائدة هذه الحال، وقد استغنى عنها بـ ﴿عَلَّمْتُم﴾؟ قلت: فائدتها أن يكون من يُعَلِّم الجوارح نحريرًا في علمه، موصوفًا بالتكليب، و ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ حال ثانية أو استئناف، وفيه فائدة جليلة وهي أن على كل من أخذ علما يجب ألا يأخذه إلّا من أَقْبَلِ أهله علما، وأنحرهم دراية، وأغوصهم على لطائفه وصفاته، وإن احتاج أن تضرب إليه أكباد الإبل، فكم آخذ من غيرِ مُثْقِنٍ، فقد ضيَّعَ أيامه وعض عند لقاء النحارير أنامله. قوله: (والحديث به) أي: بالتعليم وبالإرسال، قال رسول الله ﷺ لَعَدِي: «إذا أرسلت كلبكَ المُعَلَّمَ» (١).

стр. 6784

وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا يَصِيرُ آلَةٌ بِالتَّعْلِيمِ لِيَكُونَ عَامِلًا لَهُ فَيَتَرَسَّلُ بِإِرْسَالِهِ وَيُمْسِكُهُ عَلَيْهِ. قَالَ: (تَعْلِيمُ الكَلْبِ: أَنْ يَتْرُكَ الأَكْلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَتَعْلِيمُ البَازِي: أَنْ يَرْجِعَ وَيُجِيبَ إِذَا دَعَوْتَهُ) وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَلِأَنَّ بَدَنَ البَازِيِّ لَا يَحْتَمِلُ الضَّرْبَ، وَبَدَنُ الكَلْبِ يَحْتَمِلُهُ فَيُضْرَبُ لِيَتْرُكَهُ، وَلِأَنَّ آيَةَ التَّعْلِيمِ تَرْكُ مَا هُوَ أَلُوفٌ عَادَةٌ، وَالبَازِيُّ مُتَوَحِّشُ مُتَنَفِّرٌ فَكَانَتْ الإِجَابَةُ آيَةَ تَعْلِيمِهِ، وَأَمَّا الكَلْبُ فَهُوَ مَأْلُوفٌ يَعْتَادُ الانْتِهَابَ، فَكَانَ آيَةُ تَعْلِيمِهِ تَرْكَ مَألُوفِهِ وَهُوَ الأَكْلُ وَالِاسْتِلَابُ، ثُمَّ شُرِطَ تَرْكُ (ولأنه)؛ أي: الحيوان (إنما يصير آلة له بالتعليم ليكون عاملا له). وفي مبسوط شيخ الإسلام ﵀: الآلة [التي] (١) تحصل بها الذكاة نوعان: جماد وحيوان والجماد ما يتصل بالفاعل كالسكين، والسيف، والرمح، وما ينفصل عن الفاعل كالسهم وغيره. والحيوان نوعان ما يكون من جنس السباع، وما يكون من جنس الطيور. وإنما تصلح هذه الحيوانات آلة بعد العلم؛ لأن قتله من حيث إنّ لا عقل له وهو جارح يصلح آلة كالسكين، ومن حيث إن له اختيار لا يصلح، إلا أن الآلة ما لا اختيار له كالسكين، وإذا لم يترجح ما يوجب أن يكون آلة على ما يمنع؛ فشرط الشرع التعليم فيه، حتى يترجح ما يوجب كونه آلة؛ لأنه لما عمل لصاحبه لا لنفسه كان كالسكين فترجح كونه آلة. قوله: (وبدن الكلب يحتمله)؛ أي: الضرب، فيمكن أن يضربه حتى يدع الأكل، وبدن البازي لا يحتمله؛ فتعذر تحقيق هذا الشرط، فأقيم مقامه ما يدل عليه، وهو الإجابة عند الدعاء. قوله: (ترك ما هو ألوف عادة)؛ لأن حقيقة العلم والجهل في الحيوان أمر مُبَطَّنٌ، فأقيم تبدل العادة المألوفة مقام العلم والجري على ذلك فيقام ضده. وفي الكلب ضد العادة المألوفة ترك الأكل لا الإجابة عند الدعوة؛ لأنه ألوف في إجابة صاحبه إذا دعاه، غير مخالف لطبعه وعادته، فلا يكون ذلك

стр. 6785

الأَكْلِ ثَلَاثًا. وَهَذَا عِنْدَهُمَا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (*)؛ لِأَنَّ فِيمَا دُونَهُ مَزِيدَ الاحْتِمَالِ فَلَعَلَّهُ تَرَكَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ شِبَعًا، فَإِذَا تَرَكَهُ ثَلَاثًا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ صَارَ عَادَةً لَهُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَ مُدَّةٌ ضُرِبَتْ لِلِاخْتِبَارِ وَإِبْلَاءِ الأَعْذَارِ كَمَا فِي مُدَّةِ الخِيَارِ علامة علمه بل ترك أكله مع حاجته إليه؛ لأن الافتراس للتناول طبع الكلاب والسباع والبازي متنفر بطبعه. فالإجابة علامة علمه؛ لأنه خلاف طبعه، ولكن هذا الفرق لا يتأتى في الفهد، فإنه متنفر كالبازي، والحكم فيه وفي الكلب سواء، فالمعتمد هو الأول، ثم يشترط في البازي ما يشترط في الكلب، ألا ترى الأكل، فإن عند العامة ليس بشرط في الطير، وبه قال ابن عباس. ونص الشافعي أنه يشترط كالكلب في تحريم ما أكل منه من صيده؛ لأن مجَالِدًا روى عن الشعبي عن عدي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن أكل الكلب والبازي فَلَا تَأْكُلْ» (١)؛ لأنه جارح أكل مما صاده بعد قتله فأشبه سباع البهائم. ولنا؛ إجماع الصحابة، فإنه روي عن ابن عباس أنه قال: إذا أكل الكلب الصيد فلا تأكل، وإن أكل البازي فكل. ومما ذكرنا أن تعليمه بالإجابة، وأما الخبر فلا يصح. قال أحمد بن حنبل: روايات مجَالد غير صحيحة، وقياس الطير على السبع لا يصح؛ لما ذكرنا من الفرق وتقدير مدة الخيار وإمهال المرتد والمتحجر أي: ثلاث سنين. وقال ﷺ : «إذا استأذن أحدكم ثلاثًا؛ فَلَمْ يُؤذَنْ لَهُ فَلْيَرجِعْ» (٢). وقال عمر: إذا لم يربح أحدكم في تجارته ثلاث مرات فليتحول إلى غيرها.

стр. 6786

وَفِي بَعْضِ قَصَصِ الأَخْيَارِ، وَلِأَنَّ الكَثِيرَ هُوَ الَّذِي يَقَعُ أَمَارَةٌ عَلَى العِلْمِ دُونَ القَلِيلِ، وَالجَمْعُ هُوَ الكَثِيرُ، وَأَدْنَاهُ الثَّلَاثُ فَقُدِّرَ بِهَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا ذَكَرَ فِي الأَصْلِ: لَا يَثْبُتُ التَّعْلِيمُ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّ الصَّائِدِ أَنَّهُ مُعَلَّمٌ، وَلَا يُقَدَّرُ بِالثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ المَقَادِيرَ لَا تُعْرَفُ اجْتِهَادًا، بَلْ نَصَّا وَسَمَاعًا، وَلَا سَمْعَ فَيُفَوَّضُ إِلَى رَأَيِ المُبْتَلَى بِهِ كَمَا هُوَ أَصْلُهُ فِي جِنْسِهَا، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الأُولَى عِنْدَهُ: يَحِلُّ مَا اصْطَادَهُ ثَالِثًا، وَعِنْدَهُمَا: لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَصِيرُ مُعَلَّمًا بَعْدَ تَمَامِ الثَّلَاثِ وَقَبْلَ التَّعْلِيمِ غَيْرُ مُعَلَّمٍ، فَكَانَ الثَّالِثُ صَيْدَ كَلْبِ جَاهِلِ، وَصَارَ كَالتَّصَرُّفِ المُبَاشِرِ فِي سُكُوتِ المَوْلَى، قوله: (وبعض قصص الأخيار) كأنه أراد به قصة موسى مع معلمه ﵉، حيث قال في الثلاثة: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨]، وقصة زكريا ﵇ في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزا﴾ [آل عمران: ٤١]. قوله: (وأدناه)؛ أي: أدنى الجمع (الثلاث فقدر بها)؛ لأن ما فوقه من أفراد الجموع ليس بعضه أولى من بعض، فقدر بالأدنى لأنه المتيقن. قوله: (كما هو أصله)؛ أي: أصل أبي حنيفة ﵀ (في جنسها)؛ أي: جنس المقادير نحو جنس الغريم، وحد التقادم، وتقدير ما غلب في نزح البئر المعينة، ولم يقدر أصحاب الشافعي عدد المرات؛ لأن التقدير بالتوقيف ولا توقيف، بل قدروه بما يصير به معلَّمًا في العرف، وبه قال أحمد، إلا أنه قال: أقل ذلك ثلاث. وحكي عن مالك، وربيعة: لا يعتبر ترك الأكل كما يجيء. وقال بعض أصحاب أحمد: لا يشترط التكرار في العلم؛ لأنه صنعة فلا يعتبر فيه التكرار كسائر الصنائع. ولنا؛ ما ذكرنا أن ترك الأكل ثلاث مرات دليل علمه. قوله: (وعلى الرواية الأولى) وهي التي قدر بالثلاث. قوله: (كالتصرف المباشر في سكوت المولى)؛ فإنه غير صحيح بالاتفاق؛ لأن الإذن ثبت بسكوته فيؤثر فيما بعده.

стр. 6787

وَلَهُ، أَنَّهُ آيَةُ تَعْلِيمِهِ عِنْدَهُ فَكَانَ هَذَا صَيْدَ جَارِحَةٍ مُعَلَّمَةٍ، بِخِلَافِ تِلْكَ المَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ الإِذْنَ إِعْلَامٌ وَلَا يَتَحَقَّقُ دُونَ عِلْمِ العَبْدِ وَذَلِكَ بَعْدَ المُبَاشَرَةِ. قَالَ: (وَإِذَا أَرْسَلَ كَلْبَهُ المُعَلَّمَ، أَوْ بَازِيَّهُ، وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ إِرْسَالِهِ، فَأَخَذَ الصَّيْدَ وَجَرَحَهُ فَمَاتَ: حَلَّ أَكْلُهُ) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ عَدِيٌّ ﵁، وَلِأَنَّ الكَلْبَ أَوْ البَازِي آلَةٌ، وَالذَّبْحُ لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الآلَةِ إِلَّا بِالِاسْتِعْمَالِ، وَذَلِكَ فِيهِمَا بِالإِرْسَالِ، فَنَزَلَ مَنْزِلَةَ الرَّمْيِ وَإِمْرَارِ السِّكِّينِ، فَلَا بُدَّ مِنْ التَّسْمِيَةِ عِنْدَهُ، وَلَوْ تَرَكَهُ نَاسِيًا حَلَّ أَيْضًا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَحُرْمَةُ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَامِدًا فِي الذَّبَائِحِ، قوله: [(وله)؛ أي] (١) لأبي حنيفة ﵀ (أنه)؛ أي: ترك الأكل (علامة (٢) تعلمه عنده)؛ أي: عند إمساكه الثالث على صاحبه، وقد أمسك على صاحبه بعد إمساك صاحبه، فكان صيد كلب معلم، فيحل كالرابع بخلاف مسألة الإذن؛ لأن الإذن إعلام، فلا يتحقق بغير علم العبد، وذا بعد مباشرته وسكوت سيده. قوله: (وذلك فيهما)؛ أي: في الكلب والبازي (بالإرسال) فلا بد من الإرسال وبه قالت الأئمة الثلاثة، وأكثر أهل العلم حتى لو استرسلت بنفسها وقتلت صيدا لم يُبَحْ. وعن عطاء، والأوزاعي: يؤكل إذا أخرجه للصيد؛ لأن الإخراج له كالإرسال. وقال إسحاق: إذا سمى عند انفلاته يباح صيده؛ لما روي أن ابن عمر سئل عن الكلاب تنفلت من مرابضها فتصيد الصيد قال: اذكر اسم الله وكل. ولنا؛ قوله ﷺ لعلي: «إذا أرسلت كلبك … » الحديث (٣)، فقد شرط الإرسال، ولأن الإرسال كاستعمال الآلة كما ذكر في المتن ولهذا اعتبرت التسمية معه، ولو استرسل وسمَّى صاحبه وزجرَهُ فزاد في عَدْوِهِ أبيح صيده، وبه قال أحمد.

стр. 6788

وَلَا بُدَّ مِنْ الجُرْحِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، لِيَتَحَقَّقَ الذَّكَاةُ الاضْطِرَارِيُّ، وَهُوَ الجُرْحُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ البَدَنِ بِانْتِسَابِ مَا وُجِدَ مِنْ الآلَةِ إِلَيْهِ بِالِاسْتِعْمَالِ، وَفِي ظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِنَ الْجَوَارِح﴾ [المائدة: ٤] مَا يُشِيرُ إِلَى اشْتِرَاطِ الجَرْحِ؛ إِذْ هُوَ مِنْ الجَرْحِ بِمَعْنَى الجِرَاحَةِ فِي تَأْوِيلٍ، فَيُحْمَلُ عَلَى الجَارِحِ الكَاسِبِ بِنَابِهِ وَمِخْلَبِهِ، وَلَا تَنَافِيَ، وَفِيهِ أَخْذُ بِاليَقِينِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ رُجُوعًا إِلَى التَّأْوِيلِ الأَوَّلِ، وَجَوَابُهُ مَا قُلْنَا. وقال الشافعي: لا يباح؛ لعدم الإرسال، وعن مالك كالمذهبين. وقلنا: لما زجره وأثر فيه صار كما لو أرسله، وكذا لو أرسله ثم سمى وزجره فزاد في عدوه أبيح صيده. قوله: (ولا بد من الجرح في ظاهر الرواية) حتى لو قتله الكلب أو البازي بلا جرح لا يحل، وكذا إذا كسره من غير جرح لا يحل. وأشار في الأصل إلى أنه يحل، كما روي عن أبي يوسف، وهو قول عن الشافعي، وفي قول آخر: لا يحل، كما في ظاهر الرواية، وبه قال مالك، وأحمد. وفي الذخيرة والفتوى على ظاهر الرواية. قوله: (رجوعًا إلى التأويل الأول) وهو أن المراد من الجوارح الكواسب، فيحل صيده بأي وجه كان؛ لعموم النص، وجواب ما قلنا، وهو أن الجوارح حقيقة ما يجرح بنابه ومخلبه، وبمعنى الكواسب، ويمكن حمله عليهما، فشرطنا كلاهما عملا بالاحتياط، كذا في المبسوط. فإن قيل: فيه جمع بين الحقيقة والمجاز وعموم للمشترك؛ لأن الجوارح إما أن تكون حقيقة في الكواسب أو مجازا. قلنا: لا كذلك، بل الجوارح أخص من الكواسب، فلو كان المراد الكواسب الجوارح لا يلزم ذلك، وهذا معنى قول فخر الإسلام في الحيض في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. قيل: أريد به الحبل، وقيل: الحيض، والصحيح أنهما

стр. 6789

قَالَ: (فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ الكَلْبُ أَوْ الفَهْدُ لَمْ يُؤْكَلْ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ البَازِيُّ أُكِلَ) وَالفَرْقُ مَا بَيَّنَّاهُ فِي دَلَالَةِ التَّعْلِيمِ، وَهُوَ مُؤَيَّدٌ بِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ عَدِيٌّ ﵁ وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ القَدِيمِ فِي إِبَاحَةِ مَا أَكَلَ الكَلْبُ مِنْهُ (وَلَوْ أَنَّهُ صَادَ صُيُودًا، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا، ثُمَّ أَكَلَ مِنْ صَيْدٍ، لَا يُؤْكَلُ هَذَا الصَّيْدُ)؛ لِأَنَّهُ عَلَامَةُ الجَهْلِ، وَلَا مَا يَصِيدُهُ بَعْدَهُ حَتَّى يَصِيرَ مُعَلَّمًا … ... … ... . مرادان؛ لأنه لا تنافي، فكذا هاهنا لا تنافي بين الكسب والجراحة، ولأنه يصير في معنى الموقوذة وهو حرام بالنص. قوله: (وهو حجة) أي: حديث عَدِيّ على مالك، والشافعي، وربيعة، حيث قالوا بإباحته تمسكًا بما روى أبو ثعلبة أنه ﷺ قال: «إذا أرسلت كلبك المُعلَّم وذكرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلْ وإن أكَلَ [مِنهُ]» رواه أبو داود (١). وقلنا: حديث عدي متفق عليه، فكان أولى بالتقديم، ولأنه متضمن للزيادة وهو ذكر الحكم معللًا. وفي حديث أبي ثعلبة قال: «كلبُكَ المُعَلَّم» ولا يحصل العلم بالأكل، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، والإمساك عليه هو أن لا يأكل منه، ذكره في الكشاف وغيره. وإليه أشار النبي ﷺ فقال: «فلا تَأْكُلْ فإنّما أمسك على نفسه»؛ فعلم أن المراد من الأكل في حديث أبي ثعلبة ولوغه في دم الصيد، وذلك القدر لا يحرم، أو كان ذلك قبل نزول الآية ثم انتسخ، كذا في المبسوط (٢). وقيل: المراد منه الأكل بعد أخذ صاحبه ووصوله إليه، وذلك لا يضر، أو أكل بعدما قتله وانصرف منه، ولا يقال قوله تعالى: ﴿مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ يقتضي شرطية عدم الأكل في البازي وما قلتم به؛ لأنا نقول: القياس ذلك إلا أنا تركناه في البازي بأثر ابن عباس وإجماع الصحابة.

стр. 6790

عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ كَمَا بَيَّنَّاهَا فِي الابْتِدَاءِ، وَأَمَّا الصُّيُودُ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ قَبْلُ، فَمَا أُكِلَ مِنْهَا: لَا تَظْهَرُ الحُرْمَةُ فِيهِ، لِانْعِدَامِ المَحَلِّيَّةِ، وَمَا لَيْسَ بِمُحْرَزٍ بِأَنْ كَانَ فِي المَفَازَةِ بِأَنْ لَمْ يَظْفَرْ صَاحِبُهُ بَعْدَ تَثَبُّتِ الحُرْمَةِ فِيهِ بِالاتِّفَاقِ، وَمَا هُوَ مُحْرَزٌ فِي بَيْتِهِ يَحْرُمُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا (*)، هُمَا يَقُولَانِ: إِنَّ الأَكْلَ لَيْسَ يَدُلُّ عَلَى الجَهْلِ فِيمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ الحِرْفَةَ قَدْ تُنْسَى، وَلِأَنَّ فِيمَا أَحْرَزَهُ قَدْ أَمْضَى الحُكْمَ فِيهِ الاجْتِهَادُ، فَلَا يُنْقَضُ بِاجْتِهَادٍ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ المَقْصُودَ قَدْ حَصَلَ بِالأَوَّلِ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُحْرَزِ؛ لِأَنَّهُ مَا حَصَلَ المَقْصُودُ مِنْ كُلِّ وَجْهِ، لِبَقَائِهِ صَيْدًا مِنْ وَجْهِ، لِعَدَمِ الإِحْرَازِ، فَحَرَّمْنَاهُ احْتِيَاطًا، وَلَهُ: أَنَّهُ آيَةُ جَهْلِهِ مِنْ الابْتِدَاءِ؛ لِأَنَّ الحِرْفَةَ لَا يُنْسَى أَصْلُهَا، فَإِذَا أَكَلَ ولو قال الخصم: إذا خص عموم النص بالأثر نحن لا نشترط عدم الأكل في الكلب قياسًا على البازي. قلنا: قياس مخالف للنص، فإنه لو أخرج الكلب منه ما بقي تحت النص شيء، فيبطل النص فيكون مخالفًا للنص. قوله: (على اختلاف الروايات) فعنده باجتهاده الكلاب، وعندهما بترك الأكل ثلاثا كما مر، ولا يعلم فيه خلاف بأن كان في المفازة بعد ولم يأخذه الصياد. فالحاصل: أنه يحكم بجهله مقصورًا، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وعند أبي حنيفة مستندا. قوله: (لا ينسى أصلها)؛ أي: أصل الحرفة، ويحتمل أن ينسى دقائقها بالترك زمانًا، كالخياطة ونحوها في الآدمي، ولما وجب الحكم بكونه جاهلا في الحال تبين أنه لم يكن مُعلَّمًا، وأنه إنما ترك الأكل حين ترك للشبع، وحين لم يترك كان جائعا، وهذا الأكل وإن كان محتملا لكنه تعين أنه لكونه غير معلم بدليل شرعي، حيث حرم تناول هذا الصيد، وتبدل الاجتهاد قبل حصول المقصود؛ لأن المقصود منه الأكل، ولم يوجد في المحرز، وصار كتبدل اجتهاد القاضي قبل [القضاء] (١).

стр. 6791

تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ تَرَكَ الأَكْلَ لِلشَّبَعِ لَا لِلْعِلْمِ، وَتَبَدَّلَ الِاجْتِهَادُ قَبْلَ حُصُولِ المَقْصُودِ؛ لِأَنَّهُ بِالأَكْلِ، فَصَارَ كَتَبَدُّلِ اجْتِهَادِ القَاضِي قَبْلَ القَضَاءِ (وَلَوْ أَنَّ صَقْرًا فَرَّ مِنْ صَاحِبِهِ فَمَكَثَ حِينًا، ثُمَّ صَادَ، لَا يُؤْكَلُ صَيْدُهُ)؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ مَا صَارَ بِهِ عَالِمًا، فَيُحْكَمُ بِجَهْلِهِ، كَالكَلْبِ إِذَا أَكَلَ مِنْ الصَّيْدِ (وَلَوْ شَرِبَ الكَلْبُ مِنْ دَمِ الصَّيْدِ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ، أُكِلَ)؛ لِأَنَّهُ مُمْسِكُ لِلصَّيْدِ عَلَيْهِ، وَهَذَا مِنْ غَايَةِ عِلْمِهِ، حَيْثُ شَرِبَ مَا لَا يَصْلُحُ لِصَاحِبِهِ وَأَمْسَكَ عَلَيْهِ مَا يَصْلُحُ لَهُ (وَلَوْ أَخَذَ الصَّيْدَ مِنْ المُعَلَّمِ، ثُمَّ قَطَعَ مِنْهُ وفي المبسوط (١): من أصحابنا من قال: هذا إذا كان العهد قريبًا بأخذ تلك الصيود، وأما إذا تطاول العهد بأن أتى عليه شهر ونحو ذلك، وقدد صاحبه صيوده لم تحرم تلك الصيود؛ لأن في المدة الطويلة يتحقق النسيان، فلا يكون ذلك دليل كونه غير معلم. وفي المدة القصيرة لا يتوهم نسيان الحرفة، فتبين أنه كان غير معلّم، والأظهر أن الخلاف في الفصلين جميعًا. وفي الذخيرة: أما ما باع مما قدد من صيوده، فعندهما: لا ينقض البيع، وعند أبي حنيفة ﵀: ينبغي أن ينقض البيع إذا تصادق المشتري والبائع على كون الكلب جاهلا. قوله: (فمكث حينا ثم صاد)؛ معناه رجع إلى صاحبه ثم صاد لا يؤكل، أما ما صاد قبل الرجوع إلى صاحبه فلا شك أنه لا يؤكل؛ لعدم الإمساك. قوله: (ولو شرب الكلب من دم الصيد ولم يأكل منه أُكل)، وبه قال أكثر أهل العلم. وعن الشعبي، والثوري: كره أكله؛ لأنه في معنى الأكل منه، ولنا ما ذكر في المتن. قوله: (ولو أخذ الصيد)؛ أي: صاحب الكلب أخذ الصيد من الكلب (المعلم).

стр. 6792

قِطْعَةً وَأَلْقَاهَا إِلَيْهِ فَأَكَلَهَا، يُؤْكَلُ مَا بَقِيَ)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ صَيْدًا، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَلْقَى إِلَيْهِ طَعَامًا غَيْرَهُ، وَكَذَا إِذَا وَثَبَ الكَلْبُ فَأَخَذَهُ مِنْهُ وَأَكَلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مَا أَكَلَ مِنْ الصَّيْدِ، وَالشَّرْطُ تَرْكُ الأَكْلِ مِنْ الصَّيْدِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا افْتَرَسَ شَاتَهُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِزَهُ المَالِكُ؛ لِأَنَّهُ بَقِيَتْ فِيهِ جِهَةُ الصَّيْدِيَّةِ (وَلَوْ نَهَسَ الصَّيْدَ فَقَطَعَ مِنْهُ بِضْعَةً فَأَكَلَهَا، ثُمَّ أَدْرَكَ الصَّيْدَ فَقَتَلَهُ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ لَمْ يُؤْكَلْ)؛ لِأَنَّهُ صَيْدُ كَلْبِ جَاهِلٍ، حَيْثُ أَكَلَ مِنْ الصَّيْدَ (وَلَوْ أَلْقَى مَا نَهَسَهُ وَاتَّبَعَ الصَّيْدَ فَقَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ، وَأَخَذَهُ صَاحِبُهُ، ثُمَّ مَرَّ بِتِلْكَ البِضْعَةِ فَأَكَلَهَا، يُؤْكَلُ الصَّيْدُ)؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَكَلَ مِنْ نَفْسِ الصَّيْدِ فِي هَذِهِ الحَالَةِ لَمْ يَضُرَّهُ، فَإِذَا أَكَلَ مَا بَانَ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لِصَاحِبِهِ أَوْلَى بِخِلَافِ الوَجْهِ الأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ فِي حَالَةِ الاِصْطِيَادِ فَكَانَ جَاهِلًا مُمْسِكًا لِنَفْسِهِ، وَلِأَنَّ نَهْسَ البِضْعَةِ قَدْ يَكُونُ لِيَأْكُلَهَا، وَقَدْ يَكُونُ حِيلَةٌ فِي الإِصْطِيَادِ لِيَضْعُفَ بِقَطْعِ القِطْعَةِ مِنْهُ فَيُدْرِكَهُ، فَالأَكْلُ قَبْلَ الأَخْذِ يَدُلُّ عَلَى الوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَبَعْدَهُ عَلَى الوَجْهِ الثَّانِي فَلَا يَدُلُّ عَلَى جَهْلِهِ. (وكذا إذا وثب الكلب فأخذه بعد أخذ صاحبه وأكل يؤكل ما بقي؛ لتحقق الإمساك عليه وخروج الصيد عن الصيدية، فلا يخرج من كونه معلّمًا، بخلاف ما لو أكل قبل أخذ صاحبه، فإنه يخرج عن كونه معلما، ولأن هذا من عادة الصيادين بعد أخذ الصيد أن يرموا بقطعة منه إلى الكلب، فكان الكلب طالبا لهذه العادة، وهو دليل حذقه لا دليل جهله، وأما قبل الأخذ لم تجر العادة، فكان أكله في ذلك الوقت دليل جهله، إليه أشار في المبسوط (١). قوله: (فلا يدل على جهله)؛ بل يدل على حذاقته، حيث تناول ما يعلم أن صاحبه لم يرغب فيه، فهو كما لو شرب من دمه، وإن أدرك المرسل الصيد حيًّا وجب عليه أن يذكيه إلى آخره. الكلام في مثله في أربعة مواضع: أحدها: الشاة أو غيرها إذا مرض وبقي فيها من الحياة ما بقي في المذبوح.

стр. 6793

قَالَ: (وَإِنْ أَدْرَكَ المُرْسِلُ الصَّيْدَ حَيًّا، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُذَكِّيَهُ، وَإِنْ تَرَكَ تَذْكِيَتَهُ حَتَّى مَاتَ لَمْ يُؤْكَلْ، وَكَذَا البَازِيُّ وَالسَّهْمُ)؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ المَقْصُودِ بِالبَدَلِ، إذ المَقْصُودُ هُوَ الإِبَاحَةُ وَلَمْ تَثْبُتْ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَبَطَلَ حُكْمُ البَدَلِ، وَهَذَا إِذَا تَمَكَّنَ مِنْ ذَبْحِهِ، أَمَّا إِذَا وَقَعَ فِي يَدِهِ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَبْحِهِ وَفِيهِ مِنْ الحَيَاةِ فَوْقَ مَا يَكُونُ فِي المَذْبُوحِ، لَمْ يُؤْكَلْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يَحِلُّ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الأَصْلِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا رَأَى المَاءَ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الاسْتِعْمَالِ، … ... … ... … .. والثاني: إذا قطع الذئب بطن الشاة وبقي فيها من الحياة مقدار ما بقي في المذبوح فأخذه المالك. والثالث: الكلب المعلم والبازي المعلم فإذا أخذ المالك صيده وبقي فيه من الحياة بقدر حياة المذبوح. والرابع: الصيد بعد رميه وإصابته السهم وبقي من الحياة فيه بقدر المذبوح فرماه آخر وقتله. ففي الأول والثاني عندهما: لا تقبل الذكاة حتى لو ذكاها لا يحل، واختلف المشايخ على قول أبي حنيفة. قال الإسبيجابي: فقيل لو ذكاها تحل، وبه كان يفتي شمس الأئمة السرخسي، والصدر الشهيد. وقال شيخ الإسلام: لا تقبل حتى لو ذبحها لا تحل على قوله. فالحاصل أن للحياة عبرة عنده وإن قلت، وعندهما لا يعتبر القليل، وقدر القليل بما تبقى في المذبوح، واتفق مع أبي حنيفة في أكثر منه. ومحمد ﵀ فرق بين القليل والكثير بيوم. وفي الثالث والرابع إذا بقي من الحياة بقدر حياة المذبوح لا تقبل الذكاة بالإجماع، حتى لو لم يذبحه يحل كذا في الذخيرة، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وأكثر أهل العلم. قوله: (وهو قول الشافعي)، وبه قال مالك، وأحمد أيضًا. (ولم يقدر على الاستعمال) فإن كان بينه وبين الماء سبع أو عدو، أو البئر

стр. 6794

وَوَجْهُ الظَّاهِرِ، أَنَّهُ قَدَرَ اعْتِبَارًا؛ لِأَنَّهُ ثَبَّتَ يَدَهُ عَلَى حَسَبٍ تَفَاوُتِهِمْ فِي الكِيَاسَةِ وَالهِدَايَةِ فِي أَمْرِ الذَّبْحِ، فَأُدِيرَ الحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا بَقِيَ فِيهِ مِنْ الحَيَاةِ مِثْلُ مَا يَبْقَى فِي المَذْبُوحِ؛ لِأَنَّهُ مَيْتٌ حُكْمًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ فِي المَاءِ وَهُوَ بِهَذِهِ الحَالَةِ لَمْ يَحْرُمْ، كَمَا إِذَا وَقَعَ وَهُوَ مَيْتٌ، وَالمَيِّتُ لَيْسَ بِمَذْبَحٍ، وَفَصَّلَ بَعْضُهُمْ فِيهَا تَفْصِيلًا، وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ لِفَقْدِ الآلَةِ لَمْ يُؤْكَلْ، وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ لِضِيقِ الْوَقْتِ لَمْ يُؤْكَلْ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ إِذَا وَقَعَ فِي يَدِهِ لَمْ يَبْقَ صَيْدًا، فَبَطَلَ حُكْمُ ذَكَاةِ الاضْطِرَارِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ يُتَوَهَّمُ بَقَاؤُهُ، أَمَّا إِذَا شَقَّ بَطْنَهُ وَأَخْرَجَ مَا فِيهِ ثُمَّ وَقَعَ فِي يَدِ صَاحِبِهِ، حَلَّ؛ لِأَنَّ مَا بَقِيَ اضْطِرَابُ المَذْبُوحِ فَلَا يُعْتَبَرُ، كَمَا إِذَا وَقَعَتْ شَاةٌ فِي المَاءِ بَعْدَمَا ذُبِحَتْ، وَقِيلَ: هَذَا قَوْلُهُمَا، أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا يُؤْكَلُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي يَدِهِ حَيًّا (*)، فَلَا يَحِلُّ إِلَّا بِذَكَاةِ الاخْتِيَارِ رَدًّا إِلَى المُتَرَدِّيَةِ عميق وليس له آلة النزح. قوله: (لا يمكن اعتباره)؛ إذ اعتبار التمكن حقيقة، فمن الناس من يتمكن من الذبح في ساعة لطيفة، ومنهم من لا يتمكن بأكثر من ساعة على حسب تفاوتهم في الكياسة، فأدير الحكم على ما ذكر، وهو إثبات يده عليه بقدر ما يتمكن من الذبح في الجملة، وأقمنا ذلك مقام التمكن حقيقة، كما أقمنا السفر مقام المشقة؛ لتفاوت الناس في لحوق المشقة. قوله: (ليس بمذبح)؛ أي محل للذبح. قوله: (خلافًا للشافعي) ومالك، وأحمد، والحسن بن زياد، ومحمد بن مقاتل أيضًا، فإن عندهم: يؤكل استحسانًا؛ لأنه لم يقدر على الأصل، وهو ذكاة الاختياري لضيق الوقت، وما جاء منه تفريط، وبه أخذ الإمام قاضي خان ﵀. قوله: (يتوهم بقاؤه)؛ أي: حيًا مع الجرح الذي جرحه الكلب. قوله: (لأنه وقع في يده حيا فلا يحل إلا بالذكاة).

стр. 6795

عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إِذَا تَرَكَ التَّذْكِيَةَ، فَلَوْ أَنَّهُ ذَكَّاهُ حَلَّ أَكْلُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَذَا المُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَالمَوْقُوذَةُ، وَالَّذِي يَبْقُرُ الذِّئْبُ بَطْنَهُ، وَفِيهِ حَيَاةٌ خَفِيَّةٌ، أَوْ بَيِّنَةٌ، وَعَلَيْهِ الفَتْوَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] اسْتَثْنَاهُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، إِذَا كَانَ بِحَالٍ لَا يَعِيشُ مِثْلُهُ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْتُهُ بِالذَّبْحِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنْ كَانَ يَعِيشُ فَوْقَ مَا يَعِيشُ المَذْبُوحُ يَحِلُّ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِهَذِهِ الحَيَاةِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ (وَلَوْ أَدْرَكَهُ وَلَمْ يَأْخُذْهُ، فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتٍ لَوْ أَخَذَهُ أَمْكَنَهُ ذَبْحُهُ، لَمْ يُؤْكَلْ)؛ لِأَنَّهُ صَارَ فِي حُكْمِ المَقْدُورِ عَلَيْهِ (وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ ذَبْحُهُ أُكِلَ)؛ لِأَنَّ اليَدَ لَمْ تَثْبُتْ بِهِ، وَالتَّمَكُنُ مِنْ قوله: (هذا الذي ذكرنا)، وهو أنه لا يؤكل عندهما فيما إذا شق بطنه وأخرج ما فيه حل أكله عند أبي حنيفة ﵀؛ لأنه إن كانت فيه حياة مستقرة فالذكاة وقعت موقعها بالإجماع، وإن لم يكن فيه حياة مستقرة فعند أبي حنيفة: ذكاته الذبح، وقد وجد عندهما حل بلا ذبح. قوله: (حياة خفية)؛ أي: دون حياة المذبوح (أو بينة)؛ أي: فوق حياة المذبوح. وقيل: الخفية بأن لم يتحرك ولكن يتنفس بالحياة، والحياة البينة بأن يتحرك يحل إذا ذكاه وعليه الفتوى على قول أبي حنيفة؛ (لأنه تعالى استثناه) [بقوله] (١): ﴿إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] (مطلقًا بلا فصل)، ولأن المقصود تسييل الدم النجس بفعل الذكاة وقد حصل، كذا في المبسوط (٢). قوله: (لأنه) أي (لم يكن موته بالذبح) أي: مضافا إلى الذبح، وبه قالت الأئمة الثلاثة. قوله: (وإن كان لا يمكنه ذبحه) أكل ولا يعلم فيه خلاف، وإن أدركه فذكاه حل ولا يعلم فيه خلاف أيضًا.
следующие страницы →