فِي غَيْرِ السِّنِّ مُتَعَذِّرٌ، لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، بِخِلَافِ السِّنِّ، لِأَنَّهُ يُبْرَدُ بِالمِبْرَدِ، وَلَوْ قَلَعَ مِنْ أَصْلِهِ يُقْلَعُ الثَّانِي فَيَتَمَاثَلَانِ.
قَالَ: (وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ شِبْهُ عَمْدٍ، إِنَّمَا هُوَ عَمْدٌ أَوْ خَطَةٌ) لِأَنَّ شِبْهَ العَمْدِ يَعُودُ إِلَى الآلَةِ، وَالقَتْلُ هُوَ الَّذِي يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا دُونَ مَا دُونَ النَّفْسِ، لِأَنَّهُ
وبين الأطباء كلام في السن: أنه عظم أو طرف عصب يابس، فقيل: إنه ليس بعظم؛ لأنه يحدث وينمو بعد تمام الخلقة، فعلى هذا؛ لا حاجة إلى الفرق بينه وبين سائر العظام.
وإن قلنا: إنه عظم؛ فالفرق: أن في سائر العظام يتعذر اعتبار المساواة، فلا يجب القصاص، وفيه لا يتعذر؛ لأنه ممكن أن تبرد بالمبرد بقدر ما كسر منه، ولذلك لو قلع لا يقلع سنه قصاصا؛ لتعذر المساواة، بل يبرد إلى موضع أصل السن.
قوله: (وليس فيما دون النفس شبه عمد) وشبه العمد فيما دون النفس عمد، إن أمكن فيه القصاص يجب القصاص، وإلا يجب الأرش.
ولا فرق بين ما لو حصل الضرب بالسلاح أو بغيره، ولا يترك القصاص فيه بسبب الآلة التي هي غير السلاح، بخلاف النفس؛ لأن إتلافها بغير آلة السلاح شبه العمد؛ لما ذكرنا أن القتل إزهاق الروح، والقصد إليه أمر باطن، فأقمنا الآلة الصالحة؛ لتفريق الأجزاء مقام الإزهاق القصدي؛ لأنه غير محسوس، فأما الطرف؛ فإنها محسوسة، فلا يحتاج إلى ذلك.
يؤيد ما ذكرنا: [حديث الربيع] (١) أنها لطمت جارية، فكسرت سنها، فأمر النبي ﷺ بالقصاص، واللطمة إذا أتت على النفس لا توجب القود، وأوجبت فيما دون النفس، فثبت أن ما كان في النفس شبه عمد، فهو فيما دون النفس عمد.
وقال أحمد: لو ضربه بحجر صغير لا يوضح مثله فأوضحه؛ لم يجب القود؛ لأنه شبه العمد، فلا يجب القود إلا بالعمد المحض؛ اعتبارًا بالنفس.
وبه قال الشافعي.
стр. 7002
لَا يَخْتَلِفُ إِتْلَافُهُ بِاخْتِلَافِ الْآلَةِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا العَمْدُ وَالخَطَأُ.
(وَلَا قِصَاصَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، وَلَا بَيْنَ الحُرِّ وَالعَبْدِ، وَلَا بَيْنَ العَبْدَيْنِ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، إِلَّا فِي الحُرِّ يَقْطَعُ طَرَفَ العَبْدِ. وَيَعْتَبِرُ الأَطْرَافَ بِالْأَنْفُسِ لِكَوْنِهَا تَابِعَةٌ لَهَا.
وقال أبو بكر الحنبلي: يجب القود، ولا يراعى فيه ذلك؛ لعموم الآية.
قوله: (خلافًا للشافعي في [جميع] (١) ذلك): وبه قال مالك، وإسحاق.
والأصل عندهم: أن كل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس؛ يجري بينهما القصاص في الأطراف السليمة، كالحُرَّيْنِ والعبدين؛ لأنه إذا لم تؤخذ نفسه بنفسه لعدم المكافأة؛ وجب ألا يؤخذ طرفه بطرفه لعدم المكافأة؛ إذ الطرف تابع للنفس.
قوله: (ولا بين العبدين)؛ أي: في حق النفس. وبقولنا: قال الثوري.
ولنا: أن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال؛ لأنها وقاية الأنفس كالأموال، والمماثلة معتبرة في القصاص في الأطراف، بدليل أن [الصحيحة] (٢) لا تقتص بالشلاء (٣)؛ للتفاوت بينهما في البدل والمنفعة، فاعتبر المماثلة في الأطراف في الفعل والمحل، ولا مماثلة بين طرف الرجل والمرأة، لا في المنفعة ولا في البدل، بتقويم الشرع؛ فامتنع القصاص لعدم المماثلة.
بخلاف الأنفس؛ فإن التفاوت في الدية لا يمنع القصاص بالإجماع، حتى يقتل الذكر بالأنثى مع التفاوت بينهما في الدية؛ لأن القصاص في النفس يتعلق بإزهاق الروح، ولا تفاوت فيه، ولهذا تقتص الصحيحة بالزمنة.
فإن قيل: التفاوت في البدل يمنع استيفاء الأكمل بالأنقص، ولا يمنع استيفاء الأنقص بالأكمل، حتى إن الشلاء تقطع بالصحيحة، وعندكم لا تقطع يد المرأة بيد الرجل.
стр. 7003
وَلَنَا: أَنَّ الْأَطْرَافَ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكُ الأَمْوَالِ فَيَنْعَدِمُ التَّمَاثُلُ بِالتَّفَاوُتِ فِي القِيمَةِ، وَهُوَ مَعْلُومٌ قَطْعًا بِتَقْوِيمِ الشَّرْعِ فَأَمْكَنَ اعْتِبَارُهُ، بِخِلَافِ التَّفَاوُتِ فِي البَطْشِ، لِأَنَّهُ لَا ضَابِطَ لَهُ، فَاعْتُبِرَ أَصْلُهُ، وَبِخِلَافِ الأَنْفُسِ، لِأَنَّ المُتْلَفَ إِزْهَاقُ الرُّوحِ وَلَا تَفَاوَتَ فِيهِ.
قلنا: نعم إذا كان التفاوت بسبب حسي، كالشلل وفوات بعض الأصابع، أما إذا كان التفاوت بمعنى حكمي؛ فإنه يمنع استيفاء كل واحد لصاحبه، كاليمين مع اليسار، وفي التفاوت الحسي، من له الحق إذا رضي بالاستيفاء يجعل مُبَرِّئًا لبعض حقه مستوفيًا لما بقي، وذلك جائز، ولهذا لا يستوفي الأكمل بالأنقص، وإن رضي به القاطع؛ لأنه بالرضى يكون باذلا للزيادة، فلا يحل استيفاء الطرف بالبدل. فأما إذا كان التفاوت بمعنى حكمي؛ فلا وجه؛ لتمكنه من الاستيفاء هاهنا بطريق إسقاط البعض، ولا بطريق البدل. كذا قيل.
قوله: (وهو معلوم)؛ أي: التفاوت في القيمة معلوم (بتقويم الشرع) فإن الشرع قوَّم اليد الواحدة للحر بخمسمائة دينار قطعا ويقينا، ولا تبلغ قيمة يد العبد إلى ذلك، ولو بلغت إنما تبلغ بالحزر والظن فلا تكون مساوية ليد الحر، فينعدم التماثل.
وهذا في الحقيقة جواب عن شبهة ترد على التعليل، وهو أن ما ذكرتم يستقيم بين طرف الحر والعبد، ولا يستقيم بين طرف العبدين (١)، فأما لو فرضنا المسألة فيما إذا استوت قيمة العبدين باتفاق المقومين؛ كانت قيمة أطرافهما أيضًا مستوية، فحينئذ ينبغي أن يجري القصاص بين طرفي العبدين؛ لاستواء قيمتهما.
فقال: لا وجه لذلك؛ لأن طريق معرفة استوائهما الحزر والظن، والمماثلة المشروطة شرعًا لا تثبت بطريق الحزر والظن، كالمماثلة في الأموال الربوية عند المقابلة بجنسها.
وفي المبسوط: الدليل على أن المساواة في القيمة شرط لجريان القصاص
стр. 7004
(وَيَجِبُ القِصَاصُ فِي الأَطْرَافِ بَيْنَ المُسْلِمِ وَالكَافِرِ) لِلتَّسَاوِي بَيْنَهُمَا فِي الأَرْشِ.
قَالَ: (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ مِنْ نِصْفِ السَّاعِدِ، أَوْ جَرَحَهُ جَائِفَةً، فَبَرِئَ مِنْهَا، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ المُمَاثَلَةِ فِيهِ، إِذِ الْأَوَّلُ كَسْرُ العَظْمِ وَلَا ضَابِطَ فِيهِ، وَكَذَا البُرْءُ نَادِرٌ، فَيُفْضِي الثَّانِي إِلَى الهَلَاكِ ظَاهِرًا. قَالَ: (وَإِذَا كَانَتْ يَدُ المَقْطُوعِ صَحِيحَةً، وَيَدُ القَاطِعِ شَلَّاءَ، أَوْ نَاقِصَةَ الأَصَابِعِ، فَالمَقْطُوعُ بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ قَطَعَ اليَدَ المَعِيبَةَ، وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهَا، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْأَرْشَ كَامِلًا) لِأَنَّ
في الأطراف: ما روى عمران بن الحصين، أن عبدا لقوم فقراء قطع أذن عبد لقوم أغنياء، فأتوا إلى النبي ﷺ ، فلم يقتص منه.
ولأن القيمة معنى اليد شرعًا، والتفاوت في المعنى الشرعي بمنزلة التفاوت في المعنى الحسي، وهو البطش والمشي، إلا أن ذلك التفاوت لا يمكن ضبطه من حيث البطش والمشي، فاعتبر أصل السلامة. أما التفاوت في المعنى وهو قيمة العضو، يمكن اعتباره قطعًا؛ لأنه [مقيد] (١) شرعًا، وهذا بخلاف الأنفس؛ لأن الدية فيها بدل الأجزاء لا بدل الروح، والقتل محله الروح، وقد استويا في الروح.
قوله: (فالمقطوع بالخيار: إن شاء أخذ الأرش كاملا وإن شاء قطع اليد المعيبة ولا شيء له) ولا يعلم فيه خلاف في الشلاء، وفي ناقصة الأصابع ليس له مع القطع أرش، وبه قال أبو بكر الحنبلي.
وقال الشافعي وأحمد، ومالك: فالمقطوع يخير، فله أن يقتص ويأخذ أرش المفقودة، وله أن يعفو ويأخذ دية اليد كاملة.
وذكر في المبسوط: وقال الشافعي: له الأرش مطلقا، ولم يفصل بين الشلل ونقصان الأصابع. وذكر فيه: وكذا لو كانت يد القاطع صحيحة، فسقطت لأكلة، أو قطعت ظلما؛ فلا شيء لمن له القصاص عندنا. وعند الشافعي: له الأرش (٢).
стр. 7005
اسْتِيفَاءَ الحَقِّ كَامِلا مُتَعَذِّرٌ، فَلَهُ أَنْ يَتَجَوَّزَ بِدُونِ حَقِّهِ، وَلَهُ أَنْ يَعْدِلَ إِلَى العِوَضِ كَالمِثْلِيِّ إِذَا انْصَرَمَ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ بَعْدَ الإِتْلَافِ، ثُمَّ إِذَا اسْتَوْفَاهَا نَاقِصًا، فَقَدْ رَضِيَ بِهِ فَيَسْقُطُ حَقَّهُ كَمَا إِذَا رَضِيَ بِالرَّدِيءِ مَكَانَ الجَيْدِ (وَلَوْ سَقَطَتِ المَؤُوفَةُ قَبْلَ اخْتِيَارِ المَجْنِي عَلَيْهِ، أَوْ قُطِعَتْ ظُلْمًا: فَلَا شَيْءَ لَهُ) عِنْدَنَا، لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَيِّنٌ فِي القِصَاصِ، وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ إِلَى المَالِ بِاخْتِيَارِهِ فَيَسْقُطُ بِفَوَاتِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قُطِعَتْ بِحَقِّ عَلَيْهِ مِنْ قِصَاصِ أَوْ سَرِقَةٍ، حَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَرْشُ، لِأَنَّهُ أَوْفَى بِهِ حَقًّا مُسْتَحَقًّا فَصَارَتْ سَالِمَةٌ لَهُ مَعْنَى.
قَالَ: (وَمَنْ شَجَّ رَجُلًا فَاسْتَوْعَبَتِ الشَّجَّةُ مَا بَيْنَ قَرْنَيْهِ، وَهِيَ لَا تَسْتَوْعِبُ مَا
وكذلك في النفس لو مات من عليه القصاص، فهو بناء على ما سبق: أن الواجب عنده أحد الشيئين: إما القصاص، أو الأرش، فإذا تعذر القصاص لفوات محله؛ تعين الآخر. وعندنا: الواجب هو القصاص لا غير، وقد سقط لفوات محله حقيقة وحكما.
وفي الحلية وموجب العمد القود وحده، ولا تجب الدية إلا باختيار العفو على الدية في قول. وفي قول: موجبه أحد الأمرين (١)، فما ذكر في المبسوط على هذا القول.
قوله: (كالمثلي إذا انصرم)؛ أي: إذا انقطع ولم يبق منه إلا ناقصة الصفة، فإن المالك بالخيار: إن شاء أخذه ناقصا، وإن شاء عدل إلى القيمة إلى ما قلنا، كذا هنا. كذا في المبسوط (٢).
قوله: (فلا شيء له عندنا): يحترز به عن قول الشافعي وأحمد، حيث له الدية عندهما.
قال صاحب المجتبى وعلى هذا السن وسائر الأطراف التي يجب فيها القصاص، إذا كان طرف الضارب والقاطع معيبة؛ يتخير المجني عليه بين أخذ الدية كاملا وبين استيفاء المعيب.
стр. 7006
بَيْنَ قَرْنَي الشَّاحِ، فَالْمَشْجُوجُ بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ بِمِقْدَارِ شَجَّتِهِ يَبْتَدِئُ مِنْ أَيِّ الجَانِبَيْنِ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الأَرْشَ) لِأَنَّ الشَّجَّةَ مُوجِبَةٌ لِكَوْنِهَا مَشِينَةٌ فَقَطْ فَيَزْدَادُ الشَّيْنُ بِزِيَادَتِهَا، وَفِي اسْتِيفَائِهِ مَا بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّاجٌ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فَعَلَ، وَلَا يَلْحَقُهُ مِنْ الشَّيْنِ بِاسْتِيفَائِهِ قَدْرَ حَقِّهِ مَا يَلْحَقُ المَشْجُوجَ فَيَنْتَقِصُ، فَيُخَيَّرُ كَمَا فِي الشَّلَّاءِ وَالصَّحِيحَةِ، وَفِي عَكْسِهِ: يُخَيَّرُ أَيْضًا، لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الاسْتِيفَاءُ كَامِلًا لِلتَّعَدِّي إِلَى غَيْرِ
قال برهان الأئمة والد الصدر الشهيد: هذا إذا كان الشلاء لا ينتفع بها لا يكون محلا للقصاص؛ فله دية كاملة من غير خيار، وعليه الفتوى.
قوله: (فَالْمَشْجُوجُ بالخيار) بين أخذ الدية والقصاص بلا خلاف.
ولو أراد أن يأخذ بعض حقه من مقدم رأسه، وبعضه من مؤخره؛ فعند بعض أصحاب الشافعي لا يجوز. وقيل: يحتمل أن يجوز، إلا أن يقول بعض أهل الخبرة في ذلك ضرر زائد، فلا يجوز. وعن أحمد وجهين مثل هذا.
قوله: (ولا يلحقه من الشَّين باستيفائه)؛ يعني: لو كان رأس الشاج لا شجة فيها؛ فلا يلحقه من الشين ما يلحق المشجوج، والقصاص ينبئ عن المساواة، خصوصا في الأطراف. بخلاف ما إذا كان يد القاطع أكثر من يد المقطوع؛ فإنه لا خيار للمقطوع؛ لأن القصاص باعتبار فوات منفعة البطش، وذا لا يتفاوت بين اليد الصغيرة والكبيرة. هذا الفرق في ظاهر الرواية.
وذكر الطحاوي عن علي الرازي الكبير: أنه قال لا فرق بينهما؛ لأن في القصاص فيما دون النفس يعتبر المساواة في المحل، ولا ينظر إلى الصغر والكبر، كما في اليد الكبيرة والصغيرة.
وجوابه: ما ذكرنا.
قرنا الرأس فوداه؛ أي: ناحيتاه.
(وفي عكسه)؛ أي: لو كان رأس المشجوج أكبر من رأس الشاج؛ يخير أيضًا، ولا شيء له للزيادة. وبه قال أبو بكر الحنبلي.
وقال الشافعي، وأكثر أصحاب أحمد له أرش ما بقي من شجته؛ لأنه تعذر القصاص فيما جنى عليه، فكان له أرشه، كما لو تعذر في الجميع.
стр. 7007
حَقِّهِ، وَكَذَا إِذَا كَانَتْ الشَّجَّةُ فِي طُولِ الرَّأْسِ، وَهِيَ تَأْخُذُ مِنْ جَبْهَتِهِ إِلَى قَفَاهُ وَلَا تَبْلُغُ إِلَى قَفَا الشَّاجُ: فَهُوَ بِالخِيَارِ لِأَنَّ المَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ.
قَالَ: (وَلَا قِصَاصَ فِي اللِّسَانِ وَلَا فِي الذَّكَرِ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ إِذَا قُطِعَ مِنْ أَصْلِهِ يَجِبُ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ اعْتِبَارُ المُسَاوَاةِ. وَلَنَا: أَنَّهُ يَنْقَبِضُ وَيَنْبَسِطُ، فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ المُسَاوَاةِ (إِلَّا أَنْ تُقْطَعَ الحَشَفَةُ) لِأَنَّ مَوْضِعَ القَطْعِ مَعْلُومٌ كَالمَفْصِلِ، وَلَوْ قَطَعَ بَعْضَ الحَشَفَةِ، أَوْ بَعْضَ الذَّكَرِ: فَلَا قِصَاصَ فِيهِ، لِأَنَّ البَعْضَ لَا يُعْلَمُ مِقْدَارُهُ،
وقلنا: القصاص والدية لا يجتمعان في جرح واحد، وقد تعذر استيفاء حقه كملا، فيجب الأرش.
(فهو بالخيار لأن المعنى لا يختلف)؛ وهو أن بلوغه إلى قفاه زيادة على ما فعل، وباستيفائه حقه لا يلحقه الشين كما ذكرنا.
قوله: (ولا قصاص في اللسان): وبه قال مالك في رواية، وأبو إسحاق من أصحاب الشافعي.
وعن أبي يوسف: إذا قطع بعضه لا يجب القود، ولو قطع من أصله يجب.
وقال الشافعي، ومالك في رواية، وأحمد يجب القود في الكل، وفي البعض بقدره؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، وله حد ينتهي إليه، فاقتص لإمكان المساواة. ولكن لا يقتص لسان ناطق بلسان أخرس؛ لأنه أفضل، ولكن يؤخذ الأخرس عندهم؛ لأنه بعض حقه. ولأنه أمكن القصاص في بعضه، كما أمكن في كله.
(ولا في الذكر): وعند الأئمة الثلاثة: يجب القود في الذكر بقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ﴾، وله حد ينتهي إليه، فيمكن القصاص من غير حيف، فيجب كما في اليد.
(ولنا: أنه)؛ أي: الذَّكَر واللسان (ينقبض وينبسط فلا يمكن اعتبار المساواة) من غير حيف (إلا أن تقطع الحشفة) فحينئذ يجب القود؛ لإمكان المساواة؛ لأنه بمنزلة المفصل.
أما لو قطع بعض الحشفة أو بعض الذكر؛ فلا قود. وعند الأئمة الثلاثة:
стр. 7008
بِخِلَافِ الأُذُنِ إِذَا قُطِعَ كُلُّهُ، أَوْ بَعْضُهُ، لِأَنَّهُ لَا يَنْقَبِضُ وَلَا يَنْبَسِطُ وَلَهُ حَدٌّ يُعْرَفُ، فَيُمْكِنُ اعْتِبَارُ المُسَاوَاةِ، وَالشَّفَةُ إِذَا اسْتَقْصَاهَا بِالقَطْعِ يَجِبُ القِصَاصُ، لِإِمْكَانِ
يؤخذ بعضه ببعضه، ويعتبر ذلك [بالأجزاء] (١) دون المساحة، فيؤخذ النصف بالنصف، والربع بالربع، وما زاد أو نقص فبحساب من ذلك، كما في الأذن [والأنف] (٢).
وقلنا: البعض منه لا يعرف مقداره، بخلاف الأذن؛ فإنه لا ينقبض ولا ينبسط، وله حد يعرف، فيمكن اعتبار المساواة في الكل والبعض في الأذن.
وعن بعض أصحاب الشافعي: لا يجب القود في بعض الأذن.
وحكي عن مالك: أنه لا تؤخذ أذن السميع بأذن الأصم.
ولو قطع الختان بعض الحشفة في الصبي أو في العبد؛ فعليه حكومة عدل.
وإن قطع الحشفة كلها، فإن برأ فعليه في العبد كمال القيمة، وفي الصبي كمال الدية، فإذا مات؛ ففي الصبي نصف الدية، وفي العبد نصف القيمة؛ لأن التلف حصل بفعلين، أحدهما مأذون فيه؛ وهو قطع الحشفة، فيجب نصف الضمان.
أما إذا برئ فقطع الجلدة مأذون فيه، فجعل كأن لم [يكن] (٣)، وقطع الحشفة غير مأذون فيه، فوجب ضمان الحشفة كاملا؛ وهو الدية في الصبي. وفي مجموع النوازل ما ذكرنا أنه إذا مات فعليه نصف الدية؛ رواية محمد.
وذكر في الأصل: أنه لا يجب شيء إن مات. هكذا ذكر في الذخيرة.
قوله: (والشفة) يجب القود في الشفة (إن استقصاها في القطع)؛ يعني: يقطعها من الأصل. وبه قالت الأئمة الثلاثة.
واختار أبو حامد من أصحاب الشافعي: أنه لا يجب القود؛ لعدم إمكان المساواة، كما لو قطع بعضها.
وقلنا: لما استقصى في القطع يمكن اعتبار المساواة.
стр. 7009
اعْتِبَارِ المُسَاوَاةِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قُطِعَ بَعْضُهَا لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ اعْتِبَارُهَا.
فَصْلٌ: [وَإِذَا اصْطَلَحَ القَاتِلُ وَأَوْلِيَاءُ القَتِيلِ عَلَى مَالٍ]
قَالَ: (وَإِذَا اصْطَلَحَ القَاتِلُ وَأَوْلِيَاءُ القَتِيلِ عَلَى مَالٍ: سَقَطَ القِصَاصُ، وَوَجَبَ المَالُ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عُفِى لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] الآيَةُ عَلَى مَا قِيلَ: نَزَلَتِ الآيَةُ فِي الصُّلْحِ. وَقَوْلُهُ ﵊: «مَنْ قُتِلَ لَهُ
قوله: (لأنه يتعذر اعتبارها)؛ أي: اعتبار المساواة. هذا رواية القدوري.
وذكر في شرح الطحاوي: إذا قطع شفة رجل، وكان يستطاع أن يقتص منه؛ فعليه القصاص، السفلى بالسفلى والعليا بالعليا، ولا تؤخذ السفلى بالعليا، ولا العليا بالسفلى.
فَصْلٌ
لما ذكر القصاص؛ شرع في بيان الصلح والعفو منه؛ إذ هما بعد وجوب القصاص.
قوله: (ووجب المال قليلا كان أو كثيرًا): بخلاف الخطأ؛ فإن الدية مقدرة شرعًا، والصلح على أكثر من الدية ربا. أما القصاص ليس بمال، فكان التقويم بالعقد، فيتقوم بقدر ما أوجبه الصلح، قل أو كثر. كذا في الإيضاح.
ولا يعلم فيه خلاف؛ لأنه ﵊ قال: «مَنْ قتل عمدًا دُفِعَ إِلَى أولياء المقتول، إن شاؤوا قتَلُوا، وإن شاؤوا أخذوا الدية وصالحوا» (١) رواه الترمذي.
وقال بعض أصحاب الشافعي: إذا صالح على غير جنس الدم؛ لم يصح إذا قلنا: إن الواجب أحد الأمرين، وإن قلنا: الواجب هو القود؛ صح. ولو صالح على أكثر الدية، مثلا على ديتين؛ فيه وجهان.
قوله: (على ما قيل: نزلت في الصلح) قاله ابن عباس، والحسن، والضحاك، ومجاهد.
стр. 7010
قَتِيلُ» الحَدِيثُ، …
تقدير الآية على قولهم: ﴿فَمَنْ عُفِى لَهُ﴾ (١) سهولة، وأريد به ولي (٢) القتيل، يقال: خذ ما أتاك عفوًا؛ أي: سهلًا مِنْ أَخِيهِ؛ أي: من جهة أخيه المقتول. شَىْءٍ؛ أي: شيء من المال بطريق الصلح. ﴿فَانْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: فله - وهو ولي القتيل - اتباع بالمعروف، يعني: مطالبة بدل الصلح على مجاملة. ﴿وَأَدَاء إِلَيْهِ﴾؛ أي: بأداء من القاتل، أي: ولي القتيل. ﴿بِإِحْسَانِ﴾ مع الأداء.
وقيل: ذكر (عفي) بصلة اللام، ومعها يراد به البدل، يقال: عفي له؛ أي: بذل له، وقد مر تفسير الآية في الصلح عن دم العمد والخطأ.
وعلى قول أكثر أهل التفسير، حيث قالوا: الآية في عفو بعض أولياء، يدل عليه: قوله: (شيء)؛ فإنه يراد به البعض، تقديره فمن عفي عنه، وهو القاتل من أخيه في الدين، وهو المقتول شيء من القصاص، بأن عفا بعضهم، وصار نصيب الباقين مالًا.
﴿فَانْبَاعُ﴾؛ أي: فليتبع الذين لم يعفوا القاتل بطلب حصصهم بالمعروف، أي: بقدر حقوقهم من غير زيادة.
وَأَدَاءُ إِلَيْهِ؛ أي ليؤد القاتل إلى غير العافي حقه بإحسان، أي: وافيا غير ناقص.
وأريد بالمصدر في قوله ﴿فَانْبَاعٌ وَأَدَاءُ﴾؛ الأمر بهذا الفعل، كما في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣]، وقوله: ﴿فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فالمنقول (٣) من الصحابة والتابعين وعليه المفسرون هذان الوجهان. كذا في التفسير.
قوله: (الحديث): آخر الحديث: «فأهلُهُ بينَ خِيْرَتَيْنِ: إِنْ شاؤوا فَادُوا»، وفي رواية: «إن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدية» (٤).
стр. 7011
وَالمُرَادُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - الأَخْذُ بِالرِّضَا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَهُوَ الصُّلْحُ بِعَيْنِهِ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ لِلْوَرَثَةِ يَجْرِي فِيهِ الإِسْقَاطُ عَفْوًا، فَكَذَا تَعْوِيضًا، لِاشْتِمَالِهِ عَلَى إِحْسَانِ الأَوْلِيَاءِ، وَإِحْيَاءِ القَاتِلِ، فَيَجُوزُ بِالتَّرَاضِي وَالقَلِيلُ وَالكَثِيرُ فِيهِ سَوَاءٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَضٌ مُقَدِّرٌ، فَيُفَوَّضُ إِلَى اصْطِلَاحِهِمَا كَالخُلْعِ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوا حَالًا وَلَا مُؤَجَّلًا: فَهُوَ حَالٌ، لِأَنَّهُ مَالٌ وَاجِبٌ بِالعَقْدِ، وَالأَصْلُ فِي أَمْثَالِهِ الحُلُولُ نَحْوُ المَهْرِ وَالثَّمَنِ، بِخِلَافِ الدِّيَةِ لِأَنَّهَا مَا وَجَبَتْ بِالعَقْدِ.
قَالَ: (وَإِنْ كَانَ القَاتِلُ حُرًّا وَعَبْدًا، فَأَمَرَ الحُرُّ وَمَوْلَى العَبْدِ رَجُلًا بِأَنْ يُصَالِحَ عَنْ دَمِهِمَا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَفَعَلَ، فَالأَلْفُ عَلَى الحُرِّ وَمَوْلَى العَبْدِ نِصْفَانِ) لِأَنَّ عَقْدَ الصُّلْحِ أُضِيفَ إِلَيْهِمَا.
(وَإِذَا عَفَا أَحَدُ الشَّرَكَاءِ عَنِ الدَّمِ، أَوْ صَالَحَ مِنْ نَصِيبِهِ عَلَى عِوَضٍ، سَقَطَ حَقُّ البَاقِينَ عَنْ القِصَاصِ، وَكَانَ لَهُمْ نُصِيبُهُمْ مِنْ الدِّيَةُ).
وَأَصْلُ هَذَا: أَنَّ القِصَاصَ حَقُّ جَمِيعِ الوَرَثَةِ، وَكَذَا الدِّيَةَ، خِلَافًا لِمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ فِي الزَّوْجَيْنِ. لَهُمَا: أَنَّ الوِرَاثَةَ خِلَافَةٌ، وَهِيَ بِالنَّسَبِ دُونَ السَّبَبِ،
قوله: (على ما بيّناه)؛ أي: في أول الكتاب: أن المراد: يأخذوا الأخذ بالرضا؛ لما أن عندنا: ليس لولي القتيل أخذ الدية إلا برضا القاتل.
قوله: (نص مقدر) بكسر الدال من التقدير.
كالخلع وغيره؛ وهو الإعتاق على مال الكتابة.
قوله: (لأن عقد الصلح أضيف إليهما)؛ أي: [إلى] (١) الحر والعبد. ولأنه مقابل بالقصاص، والقصاص عليهما.
قوله: (خلافًا لمالك والشافعي في الزوجين): وهذا اللفظ يحمل على أنه ليس للزوجين حق في القصاص والدية، والمشهور عن مالك: أن القصاص موروث للعصبات الخاصة، وبه قال بعض أصحاب الشافعي.
وقال بعض أصحابه: لذوي الأنساب دون الزوجين؛ لقوله عليه الصلاة
стр. 7012
لِانْقِطَاعِهِ بِالمَوْتِ، وَلَنَا: «أَنَّهُ ﵊ أَمَرَ بِتَوْرِيثِ امْرَأَةِ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ
والسلام: «فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ» (١) وأهله: ذوو رحمه. ولأن المقصود من القصاص درك الثأر، وذلك مختص بالأقارب.
وقال الليث والزهري، وابن شبرمة، والأوزاعي، والحسن، وقتادة: ليس للنساء عفو.
وقال بعض أهل المدينة: القصاص لا يسقط بعفو بعض الشركاء.
وقيل: هو رواية عن مالك؛ لأن حق غير العافي لا يسقط إلا برضاه، ولم يرض بإسقاطه، وقد تؤخذ النفس ببعض النفس، بدليل قتل الجماعة بالواحد.
وعندنا، والشافعي، وأحمد، وأكثر أهل العلم: من وَرِثَ المالَ وَرِثَ القصاص، أما الدية: لا ترث الزوجة من [دية] (٢) زوجها عند مالك؛ لما روي أن عمر لم يورثها.
قوله: (لانقطاعه بالموت)؛ أي: لانقطاع السبب وهو الزوجية بالموت، ولم يبق لأحدهما حق في نفس الأخذ. بخلاف التركة؛ لأنه ماله.
وفي النهاية: ما ذكره في الكتاب: من أنه لا حظ للزوجين في القصاص والدية عند مالك والشافعي، مخالف لرواية المبسوط، والأسرار، والإيضاح، حيث قال فيها: خلاف لمالك في الدية لا غير. وعند ابن أبي ليلى: لا يثبت فيها حق الزوجين. ولكن ما ذكر في الكتاب صحيح، يعرف بالنظر إلى ما نقلنا من كتبهم.
قوله: (بتوريث امرأة أشيم الضبابي): بكسر الضاد، وهو الصواب.
روي أن رسول الله ﷺ أمر ضحاك بن سفيان الكلابي بأن يورث امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها، وقد روي أن عمر رجع إلى هذا الحديث.
وعن عليّ: أنه كان يقسم الدية على من أحرز الميراث.
стр. 7013
مِنْ عَقْلِ زَوْجِهَا أَشْيَمَ»، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَجْرِي فِيهِ الإِرْثُ، حَتَّى أَنَّ مَنْ قُتِلَ وَلَهُ ابْنَانِ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا عَنْ ابْنِ، كَانَ القِصَاصُ بَيْنَ الصُّلْبِيِّ وَابْنِ الِابْنِ، فَيَثْبُتُ لِسَائِرِ الوَرَثَةِ، وَالزَّوْجِيَّةُ تَبْقَى بَعْدَ المَوْتِ حُكْمًا فِي حَقِّ الإِرْثِ، أَوْ يَثْبُتُ بَعْدَ المَوْتِ
وللعامة: قوله ﷺ : «من ترك مالا أو حقًا فَلِورثتِهِ» (١) والقصاص حقه.
وقوله ﵊: «فأهلُهُ بينَ خِيرَتَينِ» (٢) متناول جميع أهله، من المرأة وغيرها، والمرأة من أهله؛ بدليل قوله ﵊: «وما كان يدخل أحد على أهلي إلَّا مَعِي» (٣) يريد عائشة.
وروي أن عمر أتي برجل قتل قتيلا، فجاء ورثة المقتول ليقتلوه، فقالت امرأة المقتول - وهي أخت القاتل -: قد عفوت عن حقي، فقال عمر: الله أكبر، عتق القتيل. رواه أبو داود.
وروى قتادة أن عمر رُفِعَ إليه رجل قتل رجلًا، فجاء أولاد المقتول وقد عفا بعضهم، فقال عمر لابن مسعود: ما تقول؟ قال: إنه قد أُحرز من القتل، فضرب عمر على كتفه، قال: كُنَيْفٌ مُلِئ علمًا (٤).
قوله: (والزوجية تبقى حكمًا) إلى آخره هذا جواب عما قالا: لانقطاعه بالموت.
وقلنا: الدية تجب للميت أولا، ثم تثبت للورثة، ولا تثبت للميت إلا بأن يستند الموت إلى سببه وهو الجرح، فصار كمال آخر، ولهذا لو أوصى بثلث ماله؛ تدخل الدية في تلك الوصية. يؤيده: ما روي عن علي ﵁، كما ذكرنا.
стр. 7014
مُسْتَنِدًا إِلَى سَبَبِهِ، وَهُوَ الجُرْحُ، وَإِذَا ثَبَتَ لِلْجَمِيعِ، فَكُلُّ مِنْهُمْ يَتَمَكَّنُ مِنَ الاسْتِيفَاءِ وَالإِسْقَاطِ عَفْوًا وَصُلْحًا وَمِنْ ضَرُورَةِ سُقُوطِ حَقِّ البَعْضِ فِي القِصَاصِ سُقُوطُ حَقٌّ
قوله: (فكل منهم)؛ أي: ممن ورث (١) القصاص (يتمكن [من] (٢) استيفاء القصاص).
وفي النهاية: قال في الأسرار: قال الشافعي: لا يتمكن الزوجان من استيفاء القصاص، ولكن يتملكان الإسقاط والعفو، ولكن ما وجدت ذلك في كتبهم التي عندي.
ولكن ذكر: لو قتل بعض الأولياء القاتل بغير إذن الباقين؛ لم يجب عليه القصاص عند أبي حنيفة، وأحمد، والشافعي في الأصح.
وقال الشافعي [في] (٣) قول: عليه القصاص؛ لأنه ممنوع عن قتله، ولو قتله مع العلم بعفو شريكه، سواء حكم به حاكم أو لا؛ يجب القود عليه. وهو الظاهر من مذهب الشافعي، وأحمد.
وقال الشافعي في قول: لا يجب القود؛ لأن فيه شبهة؛ لوقوع الخلاف فيه.
وقلنا: قتل معصومًا مكافئًا، مع العلم أنه لا حق له فيه؛ فيجب عليه القود، كما لو قتله بعد الحكم بالقود، والاختلاف لا يسقط القود، فإنه لو قتل كافر مسلما؛ قتلناه مع الاختلاف فيه.
ولو قتله بعد العلم بالعفو؛ لا يجب القود، وعليه الدية. وبه قال أحمد، والشافعي في قول.
وقال الشافعي في قول، وزفر: يجب القود؛ لأنه قتله عمدًا بغير حق.
وقلنا: إذا لم يعلم بالعفو؛ كان القود واجبًا في حقه ظاهرا، فيصير شبهة في درء ما يسقط بالشبهات.
ولو قتله العافي بعد العفو؛ يجب القود عند أكثر أهل العلم، وبهذا قالت الأئمة الأربعة. وروي عن الحسن: تؤخذ منه الدية.
стр. 7015
البَاقِينَ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قُتَلَ رَجُلَيْنِ، وَعَفَا أَحَدُ الوَلِيِّيْنِ، لِأَنَّ الوَاجِبَ هُنَاكَ قِصَاصَانِ مِنْ غَيْرِ شُبْهَةٍ، لِاخْتِلَافِ القَتْلِ وَالمَقْتُولِ، وَهَاهُنَا وَاحِدٌ لاتِّحَادِهِمَا، وَإِذَا سَقَطَ القِصَاصُ، يَنْقَلِبُ نَصِيبُ البَاقِينَ مَالًا، لِأَنَّهُ امْتَنَعَ لِمَعْنَى رَاجِعِ إلَى القَاتِلِ، وَلَيْسَ لِلْعَافِي شَيْءٌ مِنْ المَالِ، لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ بِفِعْلِهِ وَرِضَاهُ، ثُمَّ يَجِبُ مَا يَجِبُ مِنْ المَالِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَقَالَ زُفَرُ: يَجِبُ فِي سَنَتَيْنِ فِيمَا إِذَا كَانَ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ وَعَفَا أَحَدُهُمَا، لِأَنَّ الوَاجِبَ نِصْفُ الدِّيَةِ، فَيُعْتَبَرُ بِمَا إِذَا قُطِعَتْ يَدُهُ خَطَأً.
وَلَنَا: أَنَّ هَذَا بَعْضُ بَدَلِ الدَّمِ، وَكُلُّهُ مُؤَجَّلٌ إِلَى ثَلَاثِ سِنِينَ، فَكَذَلِكَ بَعْضُهُ، وَالوَاجِبُ فِي اليَدِ كُلُّ بَدَلِ الطَّرَفِ، وَهُوَ فِي سَنَتَيْنِ فِي الشَّرْعِ وَيَجِبُ فِي مَالِهِ، لِأَنَّهُ عَمْدٌ.
وقال عمر بن عبد العزيز: الحكم فيه إلى السلطان.
وقلنا: قتل نفسًا معصومة بغير حق. وروى جابر أنه ﵊ [قال] (١): «لا أُعْفِيَ من قتل [بعد أَخْذِ الدِّيَة]» (٢)(٣).
قوله: (لأنه امتنع؛ أي: القصاص امتنع لمعنى راجع إلى القاتل)؛ وهو ثبوت عصمة القاتل بعفو البعض، فيجب المال كما في الخطأ، فإن العجز عن القود ثم لمعنى من القاتل؛ وهو كونه خاطئا.
ثم إذا عفا أحد الشريكين؛ فللآخر نصف الدية في مال القاتل، في ثلاث سنين عندنا. وقال زفر: في سنتين الثلث في سنة، والسدس في سنة أخرى، إلا أن الواجب نصف الدية كما في قطع اليد خطأ، فإنه فيه يجب نصف الدية إلى سنتين بالإجماع.
وقلنا: حقه في بدل النفس، وبدل كل النفس مؤجل إلى ثلاث سنين، فكذا بعض بدله مؤجل إلى ثلاث سنين، فصار كما لو أبرأ الولي القاتل عن نصف الدية، فإن النصف الآخر مؤجل إلى ثلاث سنين بخلاف بدل الطرف؛ فإنه في سنتين (ويجب في ماله؛ لأنه عمد).
стр. 7016
[قَتْلُ جَمَاعَةٍ وَاحِدًا عَمْدًا]
قَالَ: (وَإِذَا قَتَلَ جَمَاعَةٌ وَاحِدًا عَمْدًا، اقْتُصَّ مِنْ جَمِيعِهِمْ) لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁ فِيهِ: لَوْ تَمَالَا عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ، وَلِأَنَّ القَتْلَ بِطَرِيقِ التَّغَالُبِ غَالِبٌ، وَالقِصَاصُ مَزْجَرَةٌ لِلسُّفَهَاءِ، فَيَجِبُ تَحْقِيقًا لِحِكْمَةِ الإِحْيَاءِ.
قوله: (اقتص من جميعهم) وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد، وأكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين.
وقال ابن الزبير، والزهري، وابن سيرين، وحبيب بن أبي ليلى، وعبد الملك، وربيعة، وداود، وابن المنذر، وأحمد في رواية: لا يقتلون به، وتجب عليهم الدية؛ لأنه تعالى قال: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] بمفهومه يدل أنه لا يؤخذ بالنفس أكثر من نفس واحدة، وأن في القصاص تجب المساواة، ولا مساواة بين العشرة والواحد.
ولنا: إجماع الصحابة، فروى ابن المسيب أن [عمر] (١) قتل سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلًا، وقال: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا ".
وعن علي: أنه قتل ثلاثة قتلوا رجلا. وعن ابن عباس: أنه قتل جماعة بواحد، ولم يعرف لهم في عصرهم مخالف؛ لأن شرع القود لحكمة الحياة والزجر عن التغالب، كما قررنا، ومعلوم أن القتل بغير حق في العادة لا يكون إلا بالتغالب والاجتماع، فيجعل كل واحد منهم كالمنفرد بهذا الفعل، فيجب القود تحقيقا لمعنى الإحياء، فصار كل واحد قاتلا كأن ليس معه غيره؛ لأن الروح لا يقبل الوصف بالتجزؤ، فإذا أضيف إليه البعض أضيف إليه الكل، كولاية الإنكاح، فلو لم يجعل هكذا؛ لأدى إلى سد باب القياس، وإبطال الحكم التي وقعت الإشارة إليها. كذا في المبسوط (٢).
التمالؤ: التعاون في الملء، وهو الدلو، ثم عم في كل معاونة.
стр. 7017
(وَإِذَا قَتَلَ وَاحِدٌ جَمَاعَةً، فَحَضَرَ أَوْلِيَاءُ المَقْتُولِينَ، قُتِلَ لِجَمَاعَتِهِمْ، وَلَا شَيْءَ لَهُمْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنْ حَضَرَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، قُتِلَ لَهُ، وَسَقَطَ حَقُّ البَاقِينَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقْتَلُ بِالأَوَّلِ مِنْهُمْ، وَيَجِبُ لِلْبَاقِينَ المَالُ، وَإِنْ اجْتَمَعُوا وَلَمْ يُعْرَفِ الأَوَّلُ: قُتِلَ لَهُمْ، وَقُسِمَتِ الدِّيَاتُ بَيْنَهُمْ، وَقِيلَ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ، فَيُقْتَلُ لِمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ. لَهُ: أَنَّ المَوْجُودَ مِنْ الوَاحِدِ قِتْلَاتٌ، وَالَّذِي تَحَقَّقَ فِي حَقِّهِ قَتْلُ وَاحِدٍ، فَلَا تَمَاثُلَ، وَهُوَ القِيَاسُ فِي الفَصْلِ الأَوَّلِ، إِلَّا أَنَّهُ عُرِفَ بِالشَّرْعِ. وَلَنَا: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاتِلٌ بِوَصْفِ الكَمَالِ، … ... …
قوله: (قُتِل له وسقط حق الباقين) وبه قال مالك، والشافعي، واستوفى الباقون (١) الديات من تركته.
وقال أحمد: إن طلبوا القصاص قتل بجماعتهم، ولا شيء له. وإن طلب بعضهم القصاص والبعض الدية؛ قتل بمن طلب القود، وللآخرين الدية.
وعن مالك رواية كقول أحمد.
وقول أحمد والشافعي بناء على أن الواجب للأولياء، إما القصاص وإما الدية كما ذكرنا، فإذا سقط القصاص من غير إبراء؛ ثبت المال.
وقال أحمد: لما اختاروا الكل؛ سقط المال.
قوله: (ولم يعرف)؛ يعني: إذا قتلهم على التعاقب يقتل بالأول، والديات لغيره، وإذا قتلهم معًا؛ يقرع أو تقسم الديات بينهم.
(لأن الموجود من الواحد قتلات والذي تحقق في حقه)؛ أي: القاتل الواحد (قتل واحد، ولا تماثل بين الواحد والأكثر (وهو القياس في الفصل الأول) وهو قتل الجماعة الواحد لعدم التماثل إلا أنه عرف بالشرع) أو ترك القياس بقضية عمر في أهل صنعاء.
(ولنا: أن كل واحد منهم)؛ أي: الأولياء (قاتله بوصف الكمال) ولهذا لو قتل جماعة واحدًا؛ يكون كل واحد قاتلا بوصف الكمال؛ إذ لو لم يكن لا
стр. 7018
فَجَاءَ التَّمَاثُلُ أَصْلُهُ الفَضْلُ الأَوَّلُ، إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمَا وَجَبَ القِصَاصُ، … ...
يجب القصاص، وإذا كان كذلك؛ لا تجب الدية لعدم اجتماعهما.
(أصله)؛ أي: أصل ثبوت التماثل (الفصل الأول)؛ وهو قتل الجماعة واحدا.
فإن قيل: فيما ورد النص جعل مثلا شرعا على خلاف القياس، وفي موضع لم يرد النص لم يجعل؛ لأن القياس يأبى ذلك.
قلنا: لما سلمت أن العشرة صارت مثلا للواحد بالنص، فبالضرورة يكون الواحد مثلا للعشرة؛ لأن المثل اسم مشترك، فلما كان الشيء مثلا لآخر؛ ﴿يَكُونُ الآخَرُ﴾ (١) مثله ضرورة، ككونه أخا له، يكون الآخر أخا له ضرورة.
فإن قيل: أوجبنا القصاص على الجماعة بقتل الواحد لرد عليه القتل بغير حق، من غير اعتبار المماثلة، وهذا لا يوجد فيما نحن فيه.
قلنا: لا كذلك، بل المماثلة مرعية في جميع الصور في القصاص، ثم الزيادة في العدد أبلغ من الزيادة في الوصف، فإذا كان لا يقتل المسلم بالمستأمن، وعلى قول الخصم بالذمي وبالعبد؛ لانعدام المماثلة في الوصف، مع الحاجة إلى رد غلبة القتل بغير حق، فلأن لا يقتل العشرة بالواحد أولى، ولهذا لا يجب القصاص في كسر العظم؛ لانعدام المماثلة، مع تحقق الحاجة إلى رد غلبة الجناية هنا بغير حق، فعرف أن العشرة إنما تقتل بالواحد بطريق المماثلة.
بيانه: أن القتل لا يتجزأ؛ لأنه إزهاق الروح، وهو لا يتجزأ، فإذا اشترك جماعة فيما لا يتجزأ؛ جعل كل واحد كأن ليس معه غيره، وإذا كان كذلك؛ كان كل واحد قاتلا على طريق الكمال، وفي هذا المعنى: القتل الذي هو عدوان، والقتل الذي هو جزاء سواء، فإذا اجتمع الأولياء فقتلوه؛ كان كل واحد قاتلا بكماله، فلا تجب الدية. كذا في المبسوط (٢).
стр. 7019
وَلِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جُرْحٌ صَالِحٌ لِلْإِزْهَاقِ فَيُضَافُ إِلَى كُلِّ مِنْهُمْ إِذْ هُوَ لَا يَتَجَزَّأُ، وَلِأَنَّ القِصَاصُ شُرِعَ مَعَ المُنَافِي لِتَحْقِيقِ الإِحْيَاءِ وَقَدْ حَصَلَ بِقَتْلِهِ فَاكْتَفَى بِهِ.
قَالَ: (وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ القِصَاصُ إِذَا مَاتَ، سَقَطَ القِصَاصُ) لِفَوَاتِ مَحِلِّ الاسْتِيفَاءِ، فَأَشْبَهَ مَوْتَ العَبْدِ الجَانِي، وَيَتَأَنَّى فِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ، إِذِ الوَاجِبُ أَحَدُهُمَا عِنْدَهُ.
قَالَ: (وَإِذَا قَطَعَ رَجُلَانِ يَدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَعَلَيْهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُقْطَعُ يَدَاهُمَا، وَالمُفْروضُ إِذَا أَخَذَا سِكِّينًا،
(ولأنه وجد من كل واحد من الأولياء جرح صالح للإزهاق) فيكون كل واحد قاتلا على الكمال، والحكم متى يثبت عقيب العلل؛ لا بد من الإضافة إليها.
والدليل على أن كل واحد قاتل: حلف لا يقتل فلانًا، وآخر حلف كذلك، وآخر حلف كذلك، فاجتمعوا عليه وقتلوه؛ حنث كل واحد منهم، والحنث لا يثبت إلا بوجود الشرط؛ لما ذكرنا أنه لا يتجزأ (١).
قوله: (لأن القصاص شرع مع المنافي): قال ﵊: «الآدميُّ بُنيانُ الرَّبِّ، ملعون من هَدمَ بُنيانَ الرَّبِّ» (٢).
وأوجب الشرع القصاص لمعنى الانتقام، وتشفي الصدر للولي، ودفع الغيظ عنه (وتحقيقا للإحياء، وقد حصل بقتله، فاكتفى به).
قوله: (إذ الواجب أحدهما عنده): إما القتل أو الدية، فإذا فات أحدهما تعين الآخر.
ولو قال لامرأتيه: إحداكما طالق، فمات إحداهما؛ تعينت الأخرى للطلاق، فحينئذ تؤخذ الدية من تركته وبه قال أحمد. وبقولنا: قال مالك.
قوله: (والمفروض)؛ أي: موضع فرض المسألة الخلافية: إذا أخذ الرجلان سكينًا واحدًا، وأمرًا على يده، حتى لو وضع أحدهما السكين في
стр. 7020
وَأَمَرَّاهِ عَلَى يَدِهِ حَتَّى انْقَطَعَتْ، لَهُ: الاعْتِبَارُ بِالأَنْفُسِ، وَالْأَيْدِي تَابِعَةٌ لَهَا فَأَخَذَتْ حُكْمَهَا، أَوْ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِجَامِعِ الزَّجْرِ. وَلَنَا: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَاطِعُ بَعْضَ اليَدِ،
جانب، والآخر السكين الآخر من جانب آخر، وأمرًا حتى التقى السكينان؛ لم يجب القود عنده. ذكره في المبسوط (١). وبقول الشافعي: قال مالك، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
وفي المغني لابن قدامة: هذا الخلاف فيما إذا قلعوا عينا بفعل واحد اشتركوا فيه، أو قطعوا يدا بسكين واحد يُمِرُّهُ على مفصل جميعًا، أما لو قطع أحدهما بعض المفصل وأتمه الآخر، أو ضرب كل واحد ضربة، أو وضعا منشارًا على المفصل، ثم مده كل واحد مرة مرة حتى بانت؛ فلا قود بلا خلاف (٢).
وبقولنا: قال الثوري والزهري، والحسن، وابن المنذر.
(وله)؛ أي: للشافعي ومن تبعه الاعتبار بالأنفس ولهذا يجري القصاص في الطرف عنده في حق كل من يتكافأ بينهما في النفس، ويقتل الجماعة بالواحد، وكذا في الطرف.
(أو يجمع بينهما)؛ أي: بين الطرف والنفس (بجامع الزجر)؛ سدا لباب العدوان، وردًّا للجناية بغير حق بطريق التغالب.
يؤيد ذلك: ما روي عن علي أن شاهدين شهدا عنده على رجل بالسرقة، فقطع يده، ثم جاء وقالا: هذا هو السارق، وأخطأنا في الأول؛ فرد شهادتهما على الثاني، وغرمهما دية يد الأول، وقال: "لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما "، فأخبر أن القصاص كان واجبًا عليهما لو تعمدا قطع يد واحدة.
(ولنا: أن كل واحد قاطع بعض اليد) إلى آخره.
وفي المبسوط: وحاصل هذه المسألة: راجع إلى أن التفاوت يعتبر في الأطراف عندنا، حتى لا تقطع يدان بيد واحدة، وعنده تقطع كما في النفس؛ لوجود قطع اليد من كل واحد؛ إذا وضعا السكين من جانب وأمرًا، بخلاف ما
стр. 7021
لِأَنَّ الِانْقِطَاعَ حَصَلَ بِاعْتِمَادِيهِمَا، وَالمَحَلُّ مُتَجَنِّى، فَيُضَافُ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا البَعْضُ، فَلَا مُمَاثَلَةَ، بِخِلَافِ النَّفْسِ، لِأَنَّ الاِنْزِهَاقَ لَا يَتَجَزَّأُ، وَلِأَنَّ القَتْلَ بِطَرِيقِ الاجْتِمَاعِ غَالِبٌ حَذَارِ الغَوْثِ، وَالاجْتِمَاعُ عَلَى قَطْعِ اليَدِ مِنْ المِفْصَلِ فِي حَيْنِ
لو اختلف موضعهما، أو فعلهما أو محل فعلهما؛ فحينئذ يقع فعل كل واحد على بعض العضو، فلا توجد المماثلة. وعندنا: كل واحد قاطع بعض يده، سواء اختلف محل الفعل أو لا؛ لأن القطع هو الفصل بين متصلين، ولهذا يطلق هذا الاسم على الخشب والثياب والحبال، ونحن نتيقن أن ما انقطع بفعل أحدهما لم ينقطع بقوة الآخر، وهذا شيء يعرفه كل عاقل، فعرف أن كل واحد منهما قاطع بعض اليد، فلا يجوز أن يقطع جميع يده بقطع بعض اليد؛ لأن المساواة في الفعل معتبرة لا محالة (١).
وأما النفس: فالقياس فيها هكذا، [لكن] (٢) ترك بحديث عمر، والمخصوص من القياس لا يلحق به إلا ما كان في معناه من كل وجه، والطرف ليس في معنى النفس من كل وجه؛ لأن الفعل في النفس لا يحتمل [التجزيء] (٣) بما ذكرنا أنه انزهاق الروح، والفعل في الطرف يحتمل التجزيء؛ ألا ترى (٤) أن القطع يتحقق في بعض اليد، بأن يقطع بعضها وترك ما بقي، وفي النفس لا يتحقق انزهاق بعض الروح والحياة دون البعض، فلعدم احتمال التجزيء هناك؛ جعل كاملا في حق كل واحد، ولاحتمال التجزيء هنا؛ جعل كل واحد قاطعا للبعض.
أما حديث عليّ؛ فمبالغة في الزجر، وإلا لا يجب القصاص على الشهود بالرجوع عندنا ومالك، وقد مر في الشهادات.
قوله: (ولأن القتل بطريق الاجتماع غالب) إلى آخره: جواب عما جمع الشافعي بين النفس والطرف.
стр. 7022
النُّدْرَةِ لِافْتِقَارِهِ إِلَى مُقَدَّمَاتٍ بَطِيئَةٍ فَيَلْحَقُهُ الغَوْثُ، قَالَ: وَعَلَيْهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ لِأَنَّهُ دِيَةُ اليَدِ الوَاحِدَةِ وَهُمَا قَطَعَاهَا.
(وَإِنْ قَطَعَ وَاحِدٌ يَمِينَيْ رَجُلَيْنِ، فَحَضَرَا فَلَهُمَا أَنْ يَقْطَعَا يَدَهُ، وَيَأْخُذَا مِنْهُ نِصْفَ الدِّيَةِ يَقْسِمَانِهِ نِصْفَيْنِ، سَوَاءٌ قَطَعَهُمَا مَعًا، أَوْ عَلَى التَّعَاقُبِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي التَّعَاقُبِ يُقْطَعُ بِالأَوَّلِ، وَفِي القِرَانِ يُقْرَعُ،
قوله: (يميني رجلين): وكذا الحكم لو قطع يساري رجلين.
وقيد به؛ لأنه لو قطع يمين رجل ويسار آخر؛ تقطع يداه. وكذا لو قطع اليمين واليسار من واحد تقطع يداه؛ لأن المماثلة المشروطة في الفعل والمحل موجودة. ذكره في المبسوط (١)، ولا يعلم فيه خلاف.
فإن قيل: ينبغي ألا تقطع يداه؛ لأن فيه تفويت جنس المنفعة، وهو استهلاك حكمي، كما لو سرق ثالثًا لا تقطع يساره؛ لأن فيه استهلاك حكمي بتفويت جنس المنفعة عندنا.
قلنا: في حق كل واحد يعتبر ما استوفى، وفي استيفائه حقه ليس تفويت جنس المنفعة، أما في السرقة؛ الاستهلاك الحقيقي غير مشروع، فكذا الحكمي، وفي القصاص؛ الاستهلاك الحقيقي مشروع إذا وجدت المماثلة، فكذا الحكمي.
(فلهما أن يقطعا يده؛ أي: يمينه، وبه صرح في المبسوط.
ويأخذا منه نصف الدية): وبقولنا: قال مالك.
وقال أحمد: يقطع لهما إن طلبا، ويقسم نصف الدية بينهما. وإن طلب أحدهما القصاص يقطع له، وللآخر الأرش، كما في النفس.
(وقال الشافعي: في التعاقب يقطع الأول): وللآخر الأرش كما في النفس، ولا يقرع كما في النفس، فمن خرجت قرعته؛ فله القطع، وللآخر الأرش، وقد مر.
стр. 7023
لِأَنَّ اليَدَ اسْتَحَقَّهَا الْأَوَّلُ فَلَا يَثْبُتُ الاسْتِحْقَاقُ فِيهَا لِلثَّانِي كَالرَّهْنِ بَعْدَ الرَّهْنِ، وَفِي القِرَانِ اليَدُ الوَاحِدَةُ لَا تَفِي بِالحَقَّيْنِ فَتُرَبَّحُ بِالقُرْعَةِ. وَلَنَا: أَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي سَبَبٍ الاسْتِحْقَاقِ فَيَسْتَوِيَانِ فِي حُكْمِهِ كَالغَرِيمَيْنِ فِي التَّرِكَةِ، وَالقِصَاصُ مِلْكُ الفِعْلِ يَثْبُتُ مَعَ المُنَافِي فَلَا يَظْهَرُ إِلَّا فِي حَقِّ الاسْتِيفَاءِ.
أَمَّا المَحِلُّ: فَخُلُو عَنْهُ، فَلَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الثَّانِي، بِخِلَافِ الرَّهْنِ، لِأَنَّ الحَقَّ ثَابِتٌ فِي المَحَلِّ. فَصَارَ كَمَا إِذَا قَطَعَ العَبْدُ يَمِينَيْهِمَا عَلَى التَّعَاقُبِ فَتُسْتَحَقُّ رَقَبَتُهُ لَهُمَا، وَإِنْ حَضَرَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَقَطَعَ يَدَهُ، فَلِلْآخَرِ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، لِأَنَّ لِلْحَاضِرِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ لِثُبُوتِ حَقِّهِ وَتَرَدُّدِ حَقِّ الغَائِبِ، وَإِذَا اسْتَوْفَى لَمْ يَبْقَ مَحِلُّ الِاسْتِيفَاءِ
قوله: (في سبب الاستحقاق)؛ وهو القطع المحسوس يوجب المساواة في الحكم.
وقوله: (والقصاص ملك الفعل): [جواب عن قوله: (أن اليد استحقها الأول) إلى آخره، يعني: كونه مشغولاً بحق الأول لا يمنع تقرر السبب في حق الثاني؛ لأن حق الأول ملك الفعل] (١)، وهو إطلاق الفعل.
(يثبت مع المنافي)؛ لأن من عليه حر فلا يظهر حق الأول إلا في حال الاستيفاء؛ لأنه ثابت لضرورته، فيتقدر بقدرها، فلا يثبت حقه في المحل وهو متصور، كما في الاصطياد والاحتشاش، فإن الفعل مملوك والمحل خلو عنه، ولهذا يجب القصاص على قاتل من وجب عليه القصاص بالإجماع، فعرف أن المحل غير مملوك له، فلا يمنع ثبوت حق الثاني.
(بخلاف الرهن)؛ لأنه لثبوت يد الاستيفاء حكمًا، فإذا ثبت للأول؛ استحال ثبوته للثاني، كما في الاستيفاء الحقيقي.
قوله: (فللآخر عليه)؛ أي: على القاطع (نصف الدية) وهو أرش اليد.
قوله: (وتردد في الغائب)؛ يعني حقه ثابت ومزاحمة الغائب في الاستيفاء موهوم، عسى أن يعفو وعسى أن لا يحضر، فلا يؤخر الاستيفاء
стр. 7024
فَيَتَعَيَّنُ حَقُّ الْآخَرِ فِي الدِّيَةِ، لِأَنَّهُ أَوْفَى بِهِ حَقًّا مُسْتَحَقًّا.
قَالَ: (وَإِذَا أَقَرَّ العَبْدُ بِقَتْلِ العَمْدِ لَزِمَهُ القَوَدُ) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَصِحُ إِقْرَارُهُ، لِأَنَّهُ يُلاقِي حَقَّ المَوْلَى بِالإِبْطَالِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَقَرَّ بِالمَالِ، وَلَنَا: أَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَم فِيهِ،
المعلوم لمكان الموهوم، كأحد الشفيعين إذا حضر والآخر غائب؛ فإنه يقضي بالجميع له لهذا المعنى.
(فيتعين حق الآخر الغائب في الدية؛ لأنه أوفى به)؛ أي: بالقطع (حقًا مستحقا) له عليه، فلو قضى القاضي بينهما، ثم عفى أحدهما قبل استيفاء الدية؛ فللآخر القود عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وعن محمد: له الأرش؛ لأن القاضي إذا قضى بالقود والأرش بينهما؛ فقد أثبت الشركة، فإذا عفا أحدهما لم يتمكن الآخر من استيفاء الكل.
ولهما: أن الإمضاء من القضاء في العقوبات، فصار كما لو عفا قبل القضاء، ولو عفا أحدهما قبل القضاء؛ فللآخر القود لزوال المزاحمة، كذا هاهنا.
ولو قطع أحدهما يد القاطع من المرفق فلهما دية؛ لأنه فات المحل بالظلم، وصار كما لو سقط بأكلة، فإذا سقط حقهما في القصاص بقي في الدية، والقاطع الأول بالخيار: إن شاء (١) قطع ذراع القاطع، وإن شاء ضمنه دية اليد، وحكومة العدل في الذراع إلى المرفق.
قوله: (فإذا أقر العبد بقتل العمد لزمه القود) وبه قالت الأئمة الثلاثة.
(وقال زفر: لا يصح إقراره) وقيد بالعمد؛ لأنه لو أقر بالخطأ لا يصح إقراره بالاتفاق، سواء كان مأذونا أو محجورًا؛ لأن إقراره بالخطأ ليس من باب التجارة، فكان إقراره على مولاه، فلا يصح. ذكره في المبسوط.
لزفر: أن إقراره يؤدي إلى إبطال حق، مولاه، فلا يصح، كإقراره بالخطأ والمال.
стр. 7025
لِأَنَّهُ مُضِرُّ بِهِ فَيُقْبَلُ، وَلِأَنَّ العَبْدَ مُبْقَى عَلَى أَصْلِ الحُرِّيَّةِ فِي حَقِّ الدَّمِ عَمَلًا بِالْآدَمِيَّةِ، حَتَّى لَا يَصِحَ إِقْرَارُ المَوْلَى عَلَيْهِ بِالحَدِّ وَالقِصَاصِ، وَبُطْلَانُ حَقِّ المَوْلَى بِطَرِيقِ الضّمْنِ، فَلَا يُبَالَى بِهِ.
(وَمَنْ رَمَى رَجُلًا عَمْدًا، فَنَفَذَ السَّهْمُ مِنْهُ إِلَى آخَرَ، فَمَاتَا، فَعَلَيْهِ القِصَاصُ لِلْأَوَّلِ، وَالدِّيَةُ لِلثَّانِي عَلَى عَاقِلَتِهِ) لِأَنَّ الأَوَّلَ عَمْدٌ، وَالثَّانِي أَحَدُ نَوْعَيْ الخَطَأ، كَأَنَّهُ رَمَى إِلَى صَيْدٍ فَأَصَابَ آدَمِيًّا، وَالفِعْلُ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْأَثَرِ.
فَصْلٌ: [بَيَانُ حُكْمِ الفِعْلَينِ فِي الجِنَايَاتِ]
ولنا: أن العبد يبقى على أصل الحرية في حق الدم والحياة، (ولهذا لا يصح إقرار المولى عليه بالقصاص والحد) إلى آخر ما ذكرنا في المتن.
قوله: (وبطلان حق المولى) إلى آخره جواب عن قول زفر، يعني: بطلان حق المولى ضمني فلا يبالي كما لو تزوج رجل في مرض الموت على مهر معين، ومات؛ فهي أسوة للغرماء، والتزام المهر يضر بهم، إلا أنه يثبت ضمنًا للنكاح.
(فلا يبالي به) بخلاف إقراره بالمال؛ لأنه يضر به المولى لا في ضمن شيء، فيتهم في إقراره، ولا يضره، وأما هاهنا يضر هو به؛ لأنه يقتل به.
قوله: (والفعل يتعدد بتعدد الأثر)؛ أي: الفعل الواحد يتعدد بتعدد أثره، فصار بمنزلة فعلين، فإن الرمي الواحد جاز أن يتعدد بتعدد آثاره، فإن الرمي إذا أصاب حيوانًا ومزق جلده؛ سمي جرحًا، وإذا قتله يسمى قتلا، وإذا أصاب كوزا وفرق أجزاءه؛ يسمى كسرًا باعتبار اختلاف المحل، فجاز أن يكون الفعل الواحد (١) عمدًا بنسبة محل، وخطاً بنسبة محل آخر.
فَضْل
لما ذكر حكم الفعل الواحد؛ شرع في حكم الفعلين؛ إذ الاثنين بعد الواحد.
стр. 7026
قَالَ: (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ خَطَأً، ثُمَّ قَتَلَهُ عَمْدًا قَبْلَ أَنْ تَبْرَأَ يَدُهُ، أَوْ قَطَعَ يَدَهُ عَمْدًا، ثُمَّ قَتَلَهُ خَطَأً، أَوْ قَطَعَ يَدَهُ خَطَأً، فَبَرِئَتْ يَدُهُ، ثُمَّ قَتَلَهُ خَطَأً، أَوْ قَطَعَ يَدَهُ عَمْدًا فَبَرِئَتْ، ثُمَّ قَتَلَهُ عَمْدًا، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِالأَمْرَيْنِ جَمِيعًا) وَالْأَصْلُ فِيهِ: أَنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الجِرَاحَاتِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ تَتْمِيمًا لِلْأَوَّلِ، لِأَنَّ القَتْلَ فِي الْأَعَمِّ يَقَعُ بِضَرَبَاتٍ مُتَعَاقِبَةِ، وَفِي اعْتِبَارِ كُلِّ ضَرْبَةٍ بِنَفْسِهَا بَعْضُ الحَرَجِ، إِلَّا أَنْ لَا يُمْكِنَ الجَمْعُ فَيُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ حُكْمَ نَفْسِهِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ الجَمْعُ فِي هَذِهِ الفُصُولِ فِي الْأَوَّلَيْنِ، لِاخْتِلَافِ حُكْمِ الفِعْلَيْنِ، وَفِي الْآخَرَيْنِ لِتَخَلُّلِ البُرْءِ، وَهُوَ قَاطِعٌ لِلسَّرَايَةِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَتَخَلَّلْ وَقَدْ تَجَانَسَا، بِأَنْ كَانَا خَطَأَيْنِ، يُجْمَعُ بِالإِجْمَاعِ لِإِمْكَانِ الجَمْعِ وَاكْتَفَى بِدِيَةٍ وَاحِدَةٍ (وَإِنْ كَانَ قَطَعَ يَدَهُ عَمْدًا، ثُمَّ قَتَلَهُ عَمْدًا قَبْلَ أَنْ تَبْرَأَ يَدُهُ، فَإِنْ شَاءَ الإِمَامُ قَالَ: اقْطَعُوهُ ثُمَّ اقْتُلُوهُ، وَإِنْ شَاءَ قَالَ: اقْتُلُوهُ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يُقْتَلُ وَلَا تُقْطَعُ يَدُهُ (*)، لِأَنَّ الجَمْعَ مُمْكِنُ لِتَجَانُسِ الفِعْلَيْنِ وَعَدَمِ تَخَلَّلِ البُرْءِ، فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا.
قوله: (يؤخذ بالأمرين): حتى يجب القصاص في العمد، والأرش في الخطأ، سواء تخلل بينهما برء أو لا؛ لأنهما فعلان مختلفان حقيقة، فإن أحدهما قطع والآخر قتل، وموجب أحدهما القصاص، وموجب الآخر الأرش، فيمكن الجمع، وإنما تجعل جناية واحدة إذا كان موجبهما واحدًا، بأن كانا خطأين أو كانا عمدين، فإن كان أحدهما عمدًا والآخر خطأ؛ فلا يمكن إدخال أحدهما في الآخر، فيؤخذ بالأمرين. كذا في المبسوط (١)، ولا يعلم فيه خلاف.
قوله: (وهذا عند أبي حنيفة ﵀)، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد في رواية، وأبو ثور.
(وقالا)؛ أي: أبو يوسف ومحمد (يقتل ولا تقطع يده) وبه قال أحمد في رواية، والثوري، وعطاء؛ لظاهر قوله ﵊: «لَا قَوَدَ إِلَّا بالسيف» (٢). رواه ابن ماجه.
стр. 7027
وَلَهُ: أَنَّ الجَمْعَ مُتَعَذِّرٌ، إِمَّا لِلاخْتِلَافِ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ هَذَيْنِ، لِأَنَّ المُوجِبَ القَوَدُ، وَهُوَ يَعْتَمِدُ المُسَاوَاةَ فِي الفِعْلِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ القَتْلُ بِالقَتْلِ، وَالقَطْعُ بِالقَطْعِ، وَهُوَ مُتَعَذِّرٌ، أَوْ لِأَنَّ الحَرَّ يَقْطَعُ إِضَافَةَ السِّرَايَةِ إِلَى القَطْعِ، حَتَّى لَوْ صَدَرَ مِنْ شَخْصَيْنِ يَجِبُ القَوَدُ عَلَى الحَازُ، فَصَارَ كَتَخَلُّلِ البُرْءِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَطَعَ وَسَرَى،
ولأن القصاص أحد بدلي النفس، فيدخل حكم الطرف في الجملة كالدية، وقد أمكن التداخل لتجانس الفعلين، والثاني يصلح مُتمما للأول؛ لأن القطع يصلح مزهقا للروح بالسراية، والقتل متمما له قبل تخلل البرء، فصار كما إذا قطع وسرى القطع، وبعد تخلل البرء صار القطع كالعدم، فلا يجعل القتل متمما فلا يجمع، وهذا بالإجماع. وبخلاف ما لو كانا مختلفين، بأن كان أحدهما عمدًا والآخر خطأ؛ لأن الثاني لا يصلح مُتممّا، فلا يمكن الجمع بلا خلاف.
قوله: (وله)؛ أي: لأبي حنيفة ومن تبعه (أن الجمع متعذر) ومعنى الجمع هاهنا الاكتفاء بالقتل إما للاختلاف بين الفعلين فإن أحدهما إبانة الجزء عن الجملة، ويسلك مسلك الأموال، والآخر إزهاق الروح.
(لأن الموجب) للفعلين (القود، وهو)؛ أي: القود (يعتمد المساواة في الفعل) قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقال تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].
(وذلك بأن يكون القتل بالقتل والقطع بالقطع، وهو)؛ أي: القود الذي يعتمد المساواة (متعذر) فيما قاله الخصم؛ لأنه يكون القتل الفرد بمقابلة القتل والقطع.
قوله: (ولأن الحز)؛ أي: حز الرقبة (يقطع إضافة السراية إلى القطع)؛ أي: يمنع السراية؛ لما أن موجب القطع قد يكون برءا، وقد يكون سراية، فالحز منع السراية، فيكون الحز ماحية لأثر القطع وهو السراية، إلى آخر ما ذكر في المتن إلى قوله: (فصار كتخلل البرء).
فإن قيل: لو كان بمنزلة تخلل البرء؛ ينبغي ألا يكون للإمام خيار، كما لو تخلل البرء.
стр. 7028
لِأَنَّ الفِعْلَ وَاحِدٌ، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَا خَطَأَيْنِ، لِأَنَّ المُوجَبَ الدِّيَةُ، وَهِيَ بَدَلُ النَّفْسِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ المُسَاوَاةِ، وَلِأَنَّ أَرْشَ اليَدِ إِنَّمَا يَجِبُ عِنْدَ اسْتِحْكَامِ أَثَرِ الفِعْلِ، وَذَلِكَ بِالحَقِّ القَاطِعِ لِلسِّرَايَةِ، فَيَجْتَمِعُ ضَمَانُ الكُلِّ وَضَمَانُ الجُزْءِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا يَجْتَمِعَانِ، أَمَّا القَطْعُ وَالْقَتْلُ قِصَاصًا يَجْتَمِعَانِ.
قلنا: المسألة مجتهد فيها، فالقاضي يقضي على ما وافق رأيه.
قال شمس الأئمة السرخسي: أشار هاهنا إلى أن الخيار إلى الإمام عنده، يعين أيهما شاء، وليس كذلك؛ بل الخيار للولي؛ لأن القصاص حقه، وإنما الخيار للإمام في فصل قطاع الطريق عنده إذا قتلوا وأخذوا المال. ذكره في الأسرار، وجامع المحبوبي.
وقيل: معنى ما قال في المتن: أن هذا (١) من الإمام اجتهاد في محله، فعليه أن يتبعه فيما يقطع الإمام خياره عليه.
وفي النهاية الشاهية: روي عن نصر بن سلام أنه كان يقول: الخلاف فيما إذا قطع يده في مجلس، وقتله في مجلس آخر، أما إذا وجد في مجلس واحد؛ يقتل ولا يقطع، وتجعل الجنايتان بسبب اتحاد المجلس جناية واحدة. ولكن في عامة الروايات ذكره مطلقا.
وفي المستصفى (٢): ولا يعتبر اتحاد المجلس وتعدده في الظاهر.
قوله: (لأن الفعل واحد): والقصاص جزء الفعل.
(وبخلاف ما إذا كانا خطأين): حيث يكتفى بدية واحدة؛ لأن الدية بدل النفس، صيانة للمحل عن الإهدار من غير اعتبار المساواة.
ولأن أرش اليد إنما يجب عند استحكام أثر الفعل؛ يعني: لو وجب إنما يجب عند الجزء، وذا لا يمكن؛ لاجتماع ضمان الكل والجزء في حالة واحدة، وهي حالة الجزء.
(أما القطع والقتل قصاصا يجتمعان)؛ لأن العمد يبتني على التغليظ
стр. 7029
قَالَ: (وَمَنْ ضَرَبَ رَجُلًا مِائَةَ سَوْطٍ، فَبَرَأَ مِنْ تِسْعِينَ، وَمَاتَ مِنْ عَشَرَةٍ، فَفِيهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّهُ لَمَّا بَرَأَ مِنْهَا لَا تَبْقَى مُعْتَبَرَة فِي حَقِّ الأَرْشِ وَإِنْ بَقِيَتْ مُعْتَبَرَةً فِي حَقِّ التَّعْزِيرِ فَبَقِيَ الِاعْتِبَارُ لِلْعَشَرَةِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ جِرَاحَةِ انْدَمَلَتْ وَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
والتشديد، ولهذا يقتل العشرة بواحد، وفي مراعاة صورة الفعل معنى التغليظ، وتحقيق معنى الانتقام والتشفي، فيتعين ذلك العمد. بخلاف الخطأ؛ فإنه مبني على التخفيف، ولهذا لا تتعدد الدية بتعدد القاتلين. وإنما أثبتنا الخيار للولي؛ لاحتمال أن يكون القتل متمما للقطع كما قالا، فيثبت له الخيار. كذا في المبسوط (١).
فإن قيل: يشكل بمن قطع إصبع رجل، ثم قطع الكف قبل البرء؛ حيث يلزمه القصاص في الكف دون الإصبع، وقد زال بفعلين.
قلنا: لأن الجمع بينهما غير ممكن؛ لأنا متى فصلنا قطع الكف عن قطع الإصبع لم يجب القصاص، وأنها قطعت وهي ناقصة الطرف، وكف القاطع كاملة، فاعتبروا لهذه الضرورة كجناية واحدة، وإن كان فيها لغو الإصبع؛ لأنها أهون من الكف.
ولأن القصاص في الطرف لا يصير متعددًا بأعداد القاطعين، كجماعة قطعوا يدا واحدة، وكذلك عدد القطع من واحد بخلاف النفس. كذا في الأسرار.
قوله: (ومات من عشرة) وهذا إذا ضرب عشرة في موضع، وتسعين في موضع آخر، فَبِرئ موضع التسعين، وسرى موضع العشرة، وإلا يمكن الفرق بين سراية العشرة وبرء تسعين.
قوله: (على أصل أبي حنيفة): قيد بقوله: (لم يبق لها أثر) [حتى لو بقي أثر] (٢) الجراحة من نقصان وغيره؛ تجب حكومة العدل بلا خلاف لأحد.
стр. 7030
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي مِثْلِهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ تَجِبُ أُجْرَةُ الطَّبِيبِ (وَإِنْ ضَرَبَ رَجُلًا مِائَةَ سَوْطٍ وَجَرَحَتْهُ، وَبَقِيَ لَهُ أَثَرٌ، تَجِبُ حُكُومَةُ العَدْلِ) لِبَقَاءِ الْأَثَرِ وَالْأَرْشِ إِنَّمَا يَجِبُ بِاعْتِبَارِ الأَثَرِ فِي النَّفْسِ.
قَالَ: (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ فَعَفَا المَقْطُوعَةُ يَدُهُ عَنِ القَطْعِ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ، فَعَلَى القَاطِعِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ، … ... … ... …
أما إذا لم يبق لها أثر لا يجب شيء؛ لأنه لا قيمة لمجرد الألم، وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ ألا ترى أنه لو ضربه أو لطمه أو وكزه، فتألم ولم يؤثر فيه؛ لا يجب شيء. ذكره المحبوبي، وهو ظاهر الجواب، ويجب عليه التعزير.
(وعن أبي يوسف: حكومة عدل في مثله): وتفسير (١) حكومة العدل يجيء في آخر فصل الشجاج.
(وعن محمد: أنه تجب أجرة الطبيب): وثمن الأدوية، ويحتمل أن يكون هذا تفسيراً للأول. كذا في الكافي.
وذكر بكر: لا قصاص في اللطم والوكزة والضربة بالسوط؛ لأنه لا يمكن اعتبار المساواة، إلا إذا رضي الضارب به فيستوفي؛ لأن الامتناع لحقه؛ كيلا يستوفي منه أكثر مما جنى عليه، فإذا رضي فقد أسقط حقه في الزيادة.
وفي النوازل: قال لآخر: يا خبيث؛ جاز له أن يقول: بل أنت؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨]، وكذا كل كلمة لا توجب الحد.
وقيل: معنى الآية: وهو الرجل يشتمك فتشتمه، ولكن إن افترى عليك فلا تفتر عليه. كذا ذكره التمرتاشي.
قوله: (فعلى القاطع الدية في ماله): وبه قال الشافعي، وأحمد.
وعن مالك: يجب القود؛ لأن الجناية صارت نفسًا ولم يقف عنها.
وقلنا: استيفاء القصاص في النفس دون ما عفا عنه متعذر (٢)، فسقط في النفس، كما لو عفا بعض الأولياء.
стр. 7031
وَإِنْ عَفَا عَنْ القَطْعِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهُ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ عَفْرٌ عَنِ النَّفْسِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ خَطَأً فَهُوَ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَهُوَ مِنْ جَمِيعِ المَالِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: إِذَا عَفَا عَنْ القَطْعِ فَهُوَ عَفْرٌ عَنْ النَّفْسِ أَيْضًا (*)، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ إِذَا عَفَا عَنْ الشَّجَةِ، ثُمَّ سَرَى إِلَى النَّفْسِ وَمَاتَ، لَهُمَا: أَنَّ العَفْوَ عَنِ القَطْعِ عَفْرٌ عَنْ
ولأن الجناية لم يبق فيها قصاص بعد العفو مع إمكانه، فلم تجب بسرايتها، كما لو قطع مرتدا، ثم أسلم ثم مات منها.
ثم عند الشافعي: إن عفا على مال فله الدية كاملة، وإن عفا على غير مال وجبت الدية، إلا أرش الجرح الذي عفا عنه؛ لأن الجناية أوجبت الضمان، فكانت مضمونة، وإنما سقط أرشها بعفوه عنها، فإذا سرت يجب غيره.
وقلنا: تجب الدية كاملة؛ لأن الجناية صارت نفسًا، وحقه في النفس لا فيما عفا عنه، وإنما سقط القود للشبهة.
قوله: (فهو عفو عن النفس): سواء عفا بلفظ العفو أو الوصية. وبه قال مالك، وأحمد، وطاووس، والحسن، وقتادة، والأوزاعي.
قال أصحاب الشافعي: إذا قال: عفوت عن الجناية وما يحدث عنها؛ ففيه قولان: أحدهما: أنه وصية تبنى على الوصية للقاتل. وفيها قولان: أحدهما: لا يصح (١)، فتجب دية النفس إلا دية الجرح والثاني: تصح، فإن خرجت من الثلث سقط، وإلا سقط منها ما يخرج من الثلث، ووجب الباقي.
والقول الثاني: ليس بوصية؛ لأنه إسقاط في الجناية، فلا يصح، وتلزمه دية النفس إلا دية الجرح.
(ثم إن كان الجرح (خطأ فهو؛ أي: العفو من الثلث)؛ لأنه وصية بالمال وإن كان عمدًا فمن جميع المال).
(وقالا)؛ أي: أبو يوسف ومحمد (العفو عن القطع عن نفس).
قال القاضي الحنبلي: ظاهر كلام أحمد يقتضي هذا، كما لو قال: عفوت عن الجناية؛ فإنه عفو عما يحدث عنها.
стр. 7032
مُوجِبِهِ، وَمُوجِبُهُ القَطْعُ لَو اقْتَصَرَ، أَوْ القَتْلُ إِذَا سَرَى، فَكَانَ العَفْوُ عَنْهُ عَفْوًا عَنْ أَحَدٍ مُوجِبَيْهِ أَيُّهُمَا كَانَ، وَلِأَنَّ اسْمَ القَطْعِ يَتَنَاوَلُ السَّارِيَ وَالمُقْتَصِرَ، فَيَكُونُ العَفْوُ عَنْ قَطْعِ عَفْوًا عَنْ نَوْعَيْهِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا عَفَا عَنْ الجِنَايَةِ، فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الجِنَايَةَ السَّارِيَةَ وَالمُقْتَصِرَةَ، كَذَا هَذَا، وَلَهُ: أَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ قَدْ تَحَقَّقَ، وَهُوَ قَتْلُ نَفْسٍ مَعْصُومَةٍ مُتَقَوْمَةٍ، وَالعَفْوُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ بِصَرِيحِهِ، لِأَنَّهُ عَفَا عَنِ الْقَطْعِ وَهُوَ غَيْرُ القَتْلِ، وَبِالسِّرَايَةِ تَبَيَّنَ أَنَّ الوَاقِعَ قَتْلٌ وَحَقَّهُ فِيهِ وَنَحْنُ نُوجِبُ ضَمَانَهُ. وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ القِصَاصُ وَهُوَ القِيَاسُ، لِأَنَّهُ هُوَ المُوجِبُ لِلْعَمْدِ، إِلَّا أَنَّ فِي الاسْتِحْسَانِ تَجِبُ الدِّيَةُ، لِأَنَّ صُورَةَ العَفْوِ أَوْرَثَتْ شُبْهَةٌ، وَهِيَ دَارِئَةٌ لِلْقَوَدِ. وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ السَّارِيَ نَوْعٌ مِنْ القَطْعِ، وَأَنَّ السِّرَايَةَ صِفَةٌ لَهُ، بَلْ السَّارِي قَتْلٌ مِنْ الابْتِدَاءِ، وَكَذَا لَا مُوجِبَ لَهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ قَطْعًا، فَلَا يَتَنَاوَلُهُ العَفْوُ،
قوله: (يتناول الساري): ولهذا لو قال لغيره: اقطع يدي، فقطع ثم سرى إلى النفس؛ لا يضمن القاطع شيئًا بالإجماع. كذا ذكره شيخ الإسلام.
(فيكون العفو عنه)؛ أي: عن القطع (عفوًا (١) عن نوعيه) وهو المقتصر والساري، كما لو قال للغاصب: أبرأتك عن الغصب؛ يكون إبراء عن ضمانه، وهو رد العين عند قيامه، ورد قيمته عند هلاكه.
(فإنه)؛ أي: العفو عن الجناية (يتناول السارية والمقتصرة) بلا خلاف لأحد، فكذا هذا.
قوله: (بل الساري قتل من الابتداء)؛ لأن القتل فعل مزهق للروح، فلما عقبه انزهاق الروح؛ عرفنا أنه كان قتلا.
(لا موجب له)؛ أي: للساري، فإن القطع قودًا ليس بموجب للقطع الساري.
قوله: (فلا يتناوله العفو)؛ أي: لا يتناول العفو القطع الساري؛ لأنه قتل، والقطع غير القتل.
стр. 7033
بِخِلَافِ العَفْوِ عَنْ الجِنَايَةِ، لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسِ، وَبِخِلَافِ العَفْوِ عَنِ الشَّجَّةِ وَمَا يَحْدُثُ
(بخلاف العفو عن الجناية لأنه)؛ أي: لفظ الجناية (اسم جنس) فيتناول الساري وغيره؛ وهذا لأن المعتبر في الجناية مآلها؛ ألا ترى أن أصل الفعل قد لا يكون موجبا للقصاص، وبالسراية يتبين أنه كان موجبا، وقد يكون موجبا للقصاص، فبالسراية يتبين أنه كان غير موجب، كما لو قطع يده من المفصل فسرى إلى نصف الساعد، وباعتبار المال هنا يتبين أنه لم يكن له حق في اليد؛ ألا ترى أنه لو قال الولي بعد السراية: عفوتك عن اليد؛ لم يصح، فكذا قبل السراية. ولو قال المجني عليه: عفوتك عن القتل ثم اقتصر؛ لم يصح، فكذا إذا قال: عفوتك عن اليد فسرى.
فإن قيل: يشكل بما قال في الجامع الصغير: أن عبدا لو قطع يد شخص، فصالح مولاه عن القطع، على أن يدفع العبد إليه؛ فأعتقه المجني عليه ثم مات؛ فإن العتق نافذ، والعبد صلح بالجناية، فلما كان الصلح عن القطع صلحا عن السراية، فكذلك العفو.
وكذا في الجامع الكبير: ادعى على رجل شجة مع السراية، وشهد أحدهما والآخر بها، وبالسراية تقبل شهادتهما على الشجة، ولو لم تكن الشجة بعد السراية صفة؛ لما قبلت لاختلاف الشاهدين.
وكذا لو قال: اقطع يدي، فقطعه المأمور ثم سرى؛ لا يضمن القاطع؛ دل أن اسم القطع يتناول الساري. وكذا عدم وجوب القصاص في النفس والعفو عن القطع؛ يدل على أن العفو عن القطع عفو عما يحدث عنه، وإلا يوجب القصاص كما قال مالك.
قلنا: في مسألة الجامع الصغير: لو لم يعتق العبد حتى سرى؛ فالصلح باطل، والقصاص واجب عند أبي حنيفة.
قيل: ما ذكر هنا جواب القياس. وقيل: بل يفرق أبو حنيفة ويقول: الصلح مضاف إلى العبد، والعفو ليس بسبب؛ لثبوت حقه في النفس، وهنا العفو يلاقي المعفو؛ وهو القطع أو الشجة، وهو سبب لثبوت حقه في النفس، فيصير ذلك شبهة في إسقاط القود.
стр. 7034
مِنْهَا، لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي العَفْوِ عَنْ السّرَايَةِ وَالقَتْلِ، وَلَوْ كَانَ القَطْعُ خَطَأَ فَقَدْ أَجْرَاهُ مَجْرَى العَمْدِ فِي هَذِهِ الوُجُوهِ وِفَاقًا وَخِلَافًا، آذَنَ بِذَلِكَ إِطْلَاقَهُ،
وأما مسألة الجامع الكبير؛ قيل: إنها قول محمد، ثم إنما تبين أن الحق في النفس إذا ثبتت السراية، ولم تثبت؛ لأن الشاهد بها واحد، وبدون السراية الحق في الشجة، وقد اتفق الشاهدان عليه، فتثبت الشجة.
وأما مسألة الإذن بقطع اليد، فإنما سقط الضمان من القاطع؛ لأنه لما قطع يده بإذنه فقد انتقل الفعل إليه، وصار كأنه قطع يد نفسه بنفسه ومات، فلم يضمن، فانتفاء الضمان بهذا الطريق؛ لأنه لو جعل هذا إذنا بما يحدث منه؛ لكان إذنا بالقتل حينئذ، وفيه تجب الدية على القاطع إذا مات، كما لو قال: اقتلني، فقتله؛ فإن هناك تجب الدية على القاتل.
وأما عدم وجوب القصاص: فإن العفو وإن بطل معنى من حيث إنه صار القطع قتلا؛ لكنه بقي صورة القطع، وكان شبهة في درء القصاص؛ ألا ترى أن المقيم إذا سافر بعد طلوع الفجر في رمضان ثم أفطر؛ لا كفارة عليه، وإن كان هذا السفر لا يبيح الإفطار في هذا اليوم لقيام صورته، كذا هاهنا. كذا في المبسوط (١)، وجامع المحبوبي.
قوله: (ولو كان القطع خطأ فأجراه)؛ أي: محمد (مجرى العمد) حتى لو قال: عفوتك عن القطع الخطأ؛ كان عفوا عن الدية عندهما إذا سرى، وعن أرش اليد عند أبي حنيفة في هذه الوجوه الأربعة: وهي العفو عن القطع مطلقا، والعفو عن القطع وما يحدث منه، والعفو عن الشجة، والعفو عن الجناية.
(وفاقًا)؛ أي: اتفاقا، وهو في موضعين في العفو عن القطع وما يحدث منه، والعفو عن الجناية (وخلافًا)؛ أي: اختلافًا، وهو في موضعين: في العفو عن القطع عندهما عفو عن الدية، وعنده عفو عن أرش اليد، والثاني عفو عن الشجة إذا سرت، فعندهما عفو عن الدية، وعنده عفو عن أرش الشجة.
(آذن بذلك)؛ أي: أعلم من الإيذان (إطلاقه)؛ أي: إطلاق لفظ الجامع
стр. 7035
إِلَّا أَنَّهُ إِنْ كَانَ خَطَأً فَهُوَ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَهُوَ مِنْ جَمِيعِ المَالِ، لِأَنَّ مُوجِبَ العَمْدِ القَوَدُ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ الوَرَثَةِ، لِمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَوْصَى بِإِعَارَةِ أَرْضِهِ.
الصغير، وهو قوله: (ومن قطع يد رجل فعفا) إلى آخره، فلم يتعرض العمد والخطأ، فكان متناولا لهما.
لا يقال: لفظه مقيد، بدليل قوله: (فعلى القاطع الدية في ماله)، وذلك يبين أن مراده العمد، وإلا لأوجبت الدية على العاقلة؛ لأنا نقول: ممكن أن هذا جواب أحد نوعي القطع، فكان تقديره: الدية إن كان القطع عمدًا، وهذا لا يخرج اللفظ عن إطلاقه، فيعتبر في الخطأ عن الثلاث. وبه قال مالك، وأحمد، والثوري، والأوزاعي، وعمر بن عبد العزيز، وإسحاق؛ لأن الوصية هاهنا بمال، ولا تفاوت بين الصور الأربع.
قوله: (كما إذا أوصى بإعارة أرضه)؛ أي: لا يتقيد جواز الإعارة بالثلث، سواء كان ذلك في الصحة أو المرض؛ لأن المنافع ليست بمال، فلم يتعلق به حق الورثة؛ لأن ذلك بطريق الخلافة، وحكم الخلف لا يثبت إلا عند عدم الأصل، والقياس في المال كذلك، إلا أنه ثبت ذلك شرعًا؛ قال ﵊: «لَأَنْ تَدَعَ ورَثَتَكَ أغنياء» (١) والغنى بالمال يكون، ولا يكون ذلك إلا بتعلق حقهم به.
وقيل: لفظ الكتاب غير صحيح الظاهر، وأنه وقع سهوا من الكتاب؛ لأن الحكم في الإيصاء بإعارة ما أوصى أن يتهايا، فيسكن الموصى له يوما والورثة يومين، وإن كان قابلا للقسمة بفرز الثلث من الثلثين، فيسكن الموصى له في الثلث، فعلم أن حق الورثة باق هاهنا، فلا يكون نظيرا للأول، وإنما الصحيح إذا أعار أرضه في مرضه، ولهذا ذكر في المبسوط، والكافي: كما لو أعار أرضه في مرض موته، وانتفع بها المستعير، ثم مات المعير؛ فلا
стр. 7036
أَمَّا الخَطَأُ: فَمُوجِبُهُ المَالُ، وَحَقُّ الوَرَثَةِ يَتَعَلَّقُ بِهِ فَيُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ.
تكون هذه الإعارة من جميع المال، أي: لا يكون للورثة حق مطالبة الثلثين من المنفعة، فعلم أن هذه الإعارة تكون نظير مسألة الكتاب (١).
أما لو أوصى بإعارة أرضه من فلان كان باطلا، وكذا لو أوصى بأن يستقي عنه الماء في سبيل الله شهرًا؛ كان الإيصاء باطلا. ذكره قاضي خان، وإن صح؛ فالحكم التهايؤ كما بينا.
قوله: (فيعتبر من الثلث).
فإن قيل: القاتل واحد من العاقلة، فكيف جواز (٢) الوصية بجميع الثلث هاهنا، حتى صح في نصيب القاتل، مع أن الوصية لا تصح للقاتل كما قال الشافعي في وجه.
قلنا: إنما جوز ذلك؛ لأن المجروح لم يقل: أوصيتك بثلث الدية، وإنما عفا عن المال بعد سبب وجوبه، فكان تبرعًا مبتدأ، وذلك جائز للقاتل؛ ألا ترى أنه لو وهب شيئًا له وسلمه جاز، وإنما لا تجوز الوصية من جهته.
وفي جامع قاضي خان، والمحبوبي: هذا على قول من يقول: إن الدية تجب على العاقلة ابتداءً، أما على قول من يقول: تجب الدية على القاتل، ويتحمل عنه العاقلة، فكذلك؛ لأنهم يتحملون عنه بطريق الحوالة، وإنما توجب براءة ذمة الأصيل.
ولم يذكر في الكتاب، هل يبطل بمقدار ما يتحمل القاتل، وهو قدر نصيبه عند القسمة؟
واختلفوا فيه: قيل: لا يسقط قدر نصيب القاتل.
وقيل: يصح ويسقط الكل؛ لأنه لو بقي نصيبه يجعل كالواجب، ليس إلا هذا، فتتحمل عنه العاقلة، ثم هكذا وهكذا إلى ألا يبقى شيء على القاتل في الآخرة، فأوجب سقوط الكل، وهو الصحيح؛ وذلك لأنا لو أبطلنا الوصية في
стр. 7037
قَالَ: (وَإِذَا قُطِعَتِ المَرْأَةُ يَدَ رَجُلٍ، فَتَزَوَّجَهَا عَلَى يَدِهِ ثُمَّ مَاتَ، فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، وَعَلَى عَاقِلَتِهَا الدِّيَةُ إِنْ كَانَ خَطَأً، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَفِي مَالِهَا) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّ العَفْوَ عَنْ اليَدِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَفْوًا عَمَّا يَحْدُثُ مِنْهُ عِنْدَهُ، فَالتَّزَوُّجُ عَلَى اليَدِ لَا يَكُونُ تَزَوُّجًا عَلَى مَا يَحْدُثُ مِنْهُ، ثُمَّ القَطْعُ إِذَا كَانَ عَمْدًا يَكُونُ هَذَا تَزَوُّجًا عَلَى القِصَاصِ فِي الطَّرَفِ، وَهُوَ لَيْسَ بِمَالٍ، فَلَا يَصْلُحُ مَهْرًا، لَا سِيَّمَا عَلَى تَقْدِيرِ السُّقُوطِ فَيَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ، وَعَلَيْهَا الدِّيَةُ فِي مَالِهَا، لِأَنَّ التَّزَوُّجَ وَإِنْ كَانَ يَتَضَمَّنُ
حصة القاتل؛ كانت الوصية كلها للعاقلة، كمن أوصى لِحَيِّ وميت؛ كانت الوصية للحَيّ تصحيحًا للوصية، فلو أبطلنا الوصية في حصته ابتداء؛ يلزمنا تصحيحًا في الانتهاء، على ما ذكرنا، فصححناها ابتداء قصرا للمسافة.
قوله: (فتزوجها على يده)؛ أي: موجب يده (ثم مات) الزوج (فلها مهر مثلها) قيد بالموت في وجوب مهر المثل؛ لأنه إذا لم يمت فتزوجها على اليد؛ صحت القسمة، ويصير أرش اليد مهرا لها بالإجماع، سواء كان القطع عمدًا أو خطأ، تزوجها على القطع، أو على القطع وما يحدث منه، أو على الجناية؛ لأنه لما برئ تبين أن موجبها الأرش دون القصاص؛ لأن القصاص لا يجري في الأطراف بين الرجل والمرأة عندنا، والأرش يصلح صداقا. كذا ذكره المحبوبي، وقاضي خان.
قوله: (يكون هذا تزوجًا على القصاص في الطرف) وإن كان لا يجري القصاص في الأطراف بين الرجل والمرأة عندنا؛ لأن موجب العمد بالنظر إلى الأصل: القصاص؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، إلا أنه تعذر (١) الاستيفاء هاهنا؛ لقيام المانع وهو التفاوت بين طرف الرجل والمرأة، فلا يصلح مهرا.
(لا سيما على تقدير السقوط)؛ أي: سقوط القصاص هاهنا، إما بقبول الزوج، وإما باعتبار استحالة استيفاء القصاص.
стр. 7038
العَفْوَ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، لَكِنْ عَنْ القِصَاصِ فِي الطَّرَفِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَإِذَا سَرَى تَبَيَّنَ أَنَّهُ قَتْلُ النَّفْسِ وَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ العَفْوُ فَتَجِبُ الدِّيَةُ وَتَجِبُ فِي مَالِهَا، لِأَنَّهُ عَمْدٌ، وَالقِيَاسُ: أَنْ يَجِبَ القِصَاصُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَإِذَا وَجَبَ لَهَا مَهْرُ المِثْلِ وَعَلَيْهَا الدِّيَةُ تَقَعُ المُقَاصَّةُ إِنْ كَانَا عَلَى السَّوَاءِ، وَإِنْ كَانَ فِي الدِّيَةِ فَضْلٌ، تَرُدُّهُ عَلَى الوَرَثَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي المَهْرِ فَضْلٌ، يَرُدُّهُ الوَرَثَةُ عَلَيْهَا، وَإِذَا كَانَ القَطْعُ خَطَأً،
(فإذا (١) سرى)؛ أي: القطع (تبين أنه)؛ أي: القطع (قتل النفس) ولم يتناوله العفو، فتجب الدية في ماله؛ لأنه عمد، والعواقل لا تقبل العمد.
والقياس: أن يجب القصاص على ما بينا؛ وهو أنه موجب العمد، وهذا قتل عمد كما قاله مالك، إلا أنه لما جعل القصاص مهرا؛ جعل ولاية الاستيفاء للمرأة، ولو استوفت المرأة القصاص؛ إنما تستوفي عن نفسها لنفسها، وهو محال؛ لأن الشخص الواحد لا يصلح أن يكون مطالبًا للقصاص ومطالبا به، فسقط القصاص لاستحالة الاستيفاء، ولما سقط القصاص بقي النكاح بلا تسمية؛ فيجب مهر المثل، كما لو لم يسم ابتداء. كذا في المبسوط (٢).
وقال المحبوبي: لما مات الزوج كانت القسمة باطلة بالإجماع.
أما عندهما؛ فلأن التزوج على القطع؛ تزوج عليه وعلى ما يحدث منه، فإذا مات صار متزوجا لها على القصاص، وهو ليس بمال، فلا يصلح مهرا، كما لو تزوجها على طلاق ضرتها، أو عتق ابنها.
وعند أبي حنيفة ﵀: التزوج على القطع لا يكون تزوجا على الحادث منه كالعفو عن القطع لا يكون عفوا عن الحادث منه، فكان تزوجًا على القطع لا غير، فقد ظهر أن القطع لم يكن حقا له، بل حقه العقل، ولم يتزوجها على ما هو حقه، فلم تصح التسمية.
فإن قيل: ينبغي أن تصح التسمية؛ لأن التزوج على القطع تزوج بموجبه، وهو نصف الدية، فكان متزوجا بخمسة آلاف درهم ظنا منه
стр. 7039
يَكُونُ هَذَا تَزَوُّجًا عَلَى أَرْشِ اليَدِ، وَإِذَا سَرَى إِلَى النَّفْسِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا أَرْشَ لِلْيَدِ وَأَنَّ المُسَمَّى مَعْدُومٌ، فَيَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ، كَمَا إِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى مَا فِي اليَدِ وَلَا شَيْءَ فِيهَا.
وَلَا يَتَقَاصَّانِ لِأَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ عَلَى العَاقِلَةِ فِي الخَطَةِ وَالمَهْرُ لَهَا.
قَالَ: (وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى اليَدِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا، أَوْ عَلَى الجِنَايَةِ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ، وَالقَطْعُ عَمْدٌ، فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا) لِأَنَّ هَذَا تَزَوُّجٌ عَلَى القِصَاصِ، وَهُوَ لَا يَصْلُحُ مَهْرًا، فَيَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَصَارَ كَمَا إِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى خَمْرٍ، أَوْ خِنْزِيرٍ وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ القِصَاصِ مَهْرًا فَقَدْ رَضِيَ بِسُقُوطِهِ بِجِهَةِ المَهْرِ،
بوجوبها، وبظهور الأمر بخلافه لم يفسد، كما لو ظن أن له عليها ألفا (١)، فتزوجها ثم تصادقا على أنه لم يكن له عليها شيء؛ كان متزوجا لها على ألف، فكذلك هاهنا.
قلنا: هذا هكذا إذا تزوجها على خمسة آلاف له عليها، ثم ظهر أنه لم يكن عليها، أما هاهنا، تزوجها على القطع، ثم ظهر أن القطع لم يكن حقا له، وإذا لم يصح ذكر القطع؛ لم يثبت ما في ضمنه وهو خمسة آلاف، فإذا بطلت التسمية؛ وجب المثل بالدخول والموت، والمتعة بالطلاق قبل الوطء.
قوله: (تبين أنه لا أرش لليد، وأن المسمى معدوم، فيجب مهر المثل) إلى آخره هذا على قول أبي حنيفة. أما عندهما فالمسمى موجود، وتصير دية الزوج مهرا لها؛ لأن التزوج على القطع عندهما؛ تزوج على القطع وما يحدث منه، فلو تزوجها على القطع وما يحدث منه، والجناية خطأ؛ صارت دية الزوج كلها مهرا لها عند الكل، فكذا هاهنا.
قوله: (ولا يتقاصان)؛ أي: ما على الزوج، وهو مهر المثل، وما على المرأة من الدية لاختلاف الذمم، وفي قبيل هذه الصورة تقع المقاصة بين الدية والمهر؛ لأن الدية في تلك الصورة تجب عليها لا على العاقلة، ووجب المهر لها، فاتحدت ذمة المرأة في الوجوب لها وعليها، أما في هذه الصورة تجب الدية على العاقلة، فتختلف الذمة في الوجوب لها وعليه.
قوله: (ولا شيء له عليها)؛ أي: لا القصاص ولا الدية، وكذلك لا شيء
стр. 7040
فَيَسْقُطُ أَصْلًا كَمَا إِذَا أَسْقَطَ القِصَاصَ بِشَرْطِ أَنْ يَصِيرَ مَالًا، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ أَصْلًا (وَإِنْ كَانَ خَطَأً، يُرْفَعُ عَنِ العَاقِلَةِ مَهْرُ مِثْلِهَا، وَلَهُمْ ثُلُثُ مَا تَرَكَ وَصِيَّةً) لِأَنَّ هَذَا تَزَوُّجٌ عَلَى الدِّيَةِ، وَهِيَ تَصْلُحُ مَهْرًا إِلَّا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِقَدْرِ مَهْرِ المِثْلِ مِنْ جَمِيعِ المَالِ، لِأَنَّهُ مَرِيضٌ مَرَضَ المَوْتِ وَالتَّزَوُّجُ مِنْ الحَوَائِجِ الأَصْلِيَّةِ، وَلَا يَصِحُ فِي حَقِّ الزِّيَادَةِ عَلَى مَهْرِ المِثْلِ، لِأَنَّهُ مُحَابَاةٌ، فَيَكُونُ وَصِيَّةٌ فَيُرْفَعُ عَنْ العَاقِلَةِ، لِأَنَّهُمْ يَتَحَمَّلُونَ عَنْهَا، فَمِنْ المُحَالِ أَنْ تَرْجِعَ عَلَيْهِمْ بِمُوجِبِ جِنَايَتِهَا، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ وَصِيَّةٌ لَهُمْ، لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الوَصِيَّةِ لِمَا أَنَّهُمْ لَيْسُوا بِقَتَلَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ تَسْقُطُ، وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ يَسْقُطُ ثُلُثُهُ،
على عاقلتها؛ لأنهم لا يتحملون الدية في العمد.
قوله: (بشرط أن يصير)؛ أي: القصاص (مالا) والقصاص هو الدم، فكان معناه، بشرط أن يصير الدم مالا، والدم ليس بمال في دين سماوي، فكان شرطا باطلا، فصار إسقاطا مطلقا.
(وإن كان)؛ أي: القطع (خطأ).
قوله: (ولهم)؛ أي: للعاقلة (وصية)؛ لأن هذا تزوج على الدية؛ لأنه موجب الخطأ، والتزوج على اليد تزوج على موجبها.
قوله: (ويرفع عن العاقلة)؛ أي: يرفع قدر مهر مثلها (ولهم ثلث ما [ترك] (١) وصية)؛ أي: للعاقلة ثلث ما ترك وصية.
قوله: (فمن المحال أن ترجع)؛ أي: المرأة (عليهم).
قال التمرتاشي: لو كان مهر المثل مثل الدية أو أكثر؛ فلا شيء على العاقلة؛ لأنهم إنما يتحملون عنها بسبب جنايتها.
(فإن كانت)؛ أي: الزيادة (تخرج من الثلث تسقط) عنهم أيضًا (وإن كانت لا تخرج يسقط ثلثه)؛ أي: ثلث ما زاد على مهر المثل إلى تمام الدية، ويردون ما بقي إلى الورثة.