← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.

стр. 7036

أَمَّا الخَطَأُ: فَمُوجِبُهُ المَالُ، وَحَقُّ الوَرَثَةِ يَتَعَلَّقُ بِهِ فَيُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ. تكون هذه الإعارة من جميع المال، أي: لا يكون للورثة حق مطالبة الثلثين من المنفعة، فعلم أن هذه الإعارة تكون نظير مسألة الكتاب (١). أما لو أوصى بإعارة أرضه من فلان كان باطلا، وكذا لو أوصى بأن يستقي عنه الماء في سبيل الله شهرًا؛ كان الإيصاء باطلا. ذكره قاضي خان، وإن صح؛ فالحكم التهايؤ كما بينا. قوله: (فيعتبر من الثلث). فإن قيل: القاتل واحد من العاقلة، فكيف جواز (٢) الوصية بجميع الثلث هاهنا، حتى صح في نصيب القاتل، مع أن الوصية لا تصح للقاتل كما قال الشافعي في وجه. قلنا: إنما جوز ذلك؛ لأن المجروح لم يقل: أوصيتك بثلث الدية، وإنما عفا عن المال بعد سبب وجوبه، فكان تبرعًا مبتدأ، وذلك جائز للقاتل؛ ألا ترى أنه لو وهب شيئًا له وسلمه جاز، وإنما لا تجوز الوصية من جهته. وفي جامع قاضي خان، والمحبوبي: هذا على قول من يقول: إن الدية تجب على العاقلة ابتداءً، أما على قول من يقول: تجب الدية على القاتل، ويتحمل عنه العاقلة، فكذلك؛ لأنهم يتحملون عنه بطريق الحوالة، وإنما توجب براءة ذمة الأصيل. ولم يذكر في الكتاب، هل يبطل بمقدار ما يتحمل القاتل، وهو قدر نصيبه عند القسمة؟ واختلفوا فيه: قيل: لا يسقط قدر نصيب القاتل. وقيل: يصح ويسقط الكل؛ لأنه لو بقي نصيبه يجعل كالواجب، ليس إلا هذا، فتتحمل عنه العاقلة، ثم هكذا وهكذا إلى ألا يبقى شيء على القاتل في الآخرة، فأوجب سقوط الكل، وهو الصحيح؛ وذلك لأنا لو أبطلنا الوصية في

стр. 7037

قَالَ: (وَإِذَا قُطِعَتِ المَرْأَةُ يَدَ رَجُلٍ، فَتَزَوَّجَهَا عَلَى يَدِهِ ثُمَّ مَاتَ، فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، وَعَلَى عَاقِلَتِهَا الدِّيَةُ إِنْ كَانَ خَطَأً، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَفِي مَالِهَا) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّ العَفْوَ عَنْ اليَدِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَفْوًا عَمَّا يَحْدُثُ مِنْهُ عِنْدَهُ، فَالتَّزَوُّجُ عَلَى اليَدِ لَا يَكُونُ تَزَوُّجًا عَلَى مَا يَحْدُثُ مِنْهُ، ثُمَّ القَطْعُ إِذَا كَانَ عَمْدًا يَكُونُ هَذَا تَزَوُّجًا عَلَى القِصَاصِ فِي الطَّرَفِ، وَهُوَ لَيْسَ بِمَالٍ، فَلَا يَصْلُحُ مَهْرًا، لَا سِيَّمَا عَلَى تَقْدِيرِ السُّقُوطِ فَيَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ، وَعَلَيْهَا الدِّيَةُ فِي مَالِهَا، لِأَنَّ التَّزَوُّجَ وَإِنْ كَانَ يَتَضَمَّنُ حصة القاتل؛ كانت الوصية كلها للعاقلة، كمن أوصى لِحَيِّ وميت؛ كانت الوصية للحَيّ تصحيحًا للوصية، فلو أبطلنا الوصية في حصته ابتداء؛ يلزمنا تصحيحًا في الانتهاء، على ما ذكرنا، فصححناها ابتداء قصرا للمسافة. قوله: (فتزوجها على يده)؛ أي: موجب يده (ثم مات) الزوج (فلها مهر مثلها) قيد بالموت في وجوب مهر المثل؛ لأنه إذا لم يمت فتزوجها على اليد؛ صحت القسمة، ويصير أرش اليد مهرا لها بالإجماع، سواء كان القطع عمدًا أو خطأ، تزوجها على القطع، أو على القطع وما يحدث منه، أو على الجناية؛ لأنه لما برئ تبين أن موجبها الأرش دون القصاص؛ لأن القصاص لا يجري في الأطراف بين الرجل والمرأة عندنا، والأرش يصلح صداقا. كذا ذكره المحبوبي، وقاضي خان. قوله: (يكون هذا تزوجًا على القصاص في الطرف) وإن كان لا يجري القصاص في الأطراف بين الرجل والمرأة عندنا؛ لأن موجب العمد بالنظر إلى الأصل: القصاص؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، إلا أنه تعذر (١) الاستيفاء هاهنا؛ لقيام المانع وهو التفاوت بين طرف الرجل والمرأة، فلا يصلح مهرا. (لا سيما على تقدير السقوط)؛ أي: سقوط القصاص هاهنا، إما بقبول الزوج، وإما باعتبار استحالة استيفاء القصاص.

стр. 7038

العَفْوَ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، لَكِنْ عَنْ القِصَاصِ فِي الطَّرَفِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَإِذَا سَرَى تَبَيَّنَ أَنَّهُ قَتْلُ النَّفْسِ وَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ العَفْوُ فَتَجِبُ الدِّيَةُ وَتَجِبُ فِي مَالِهَا، لِأَنَّهُ عَمْدٌ، وَالقِيَاسُ: أَنْ يَجِبَ القِصَاصُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَإِذَا وَجَبَ لَهَا مَهْرُ المِثْلِ وَعَلَيْهَا الدِّيَةُ تَقَعُ المُقَاصَّةُ إِنْ كَانَا عَلَى السَّوَاءِ، وَإِنْ كَانَ فِي الدِّيَةِ فَضْلٌ، تَرُدُّهُ عَلَى الوَرَثَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي المَهْرِ فَضْلٌ، يَرُدُّهُ الوَرَثَةُ عَلَيْهَا، وَإِذَا كَانَ القَطْعُ خَطَأً، (فإذا (١) سرى)؛ أي: القطع (تبين أنه)؛ أي: القطع (قتل النفس) ولم يتناوله العفو، فتجب الدية في ماله؛ لأنه عمد، والعواقل لا تقبل العمد. والقياس: أن يجب القصاص على ما بينا؛ وهو أنه موجب العمد، وهذا قتل عمد كما قاله مالك، إلا أنه لما جعل القصاص مهرا؛ جعل ولاية الاستيفاء للمرأة، ولو استوفت المرأة القصاص؛ إنما تستوفي عن نفسها لنفسها، وهو محال؛ لأن الشخص الواحد لا يصلح أن يكون مطالبًا للقصاص ومطالبا به، فسقط القصاص لاستحالة الاستيفاء، ولما سقط القصاص بقي النكاح بلا تسمية؛ فيجب مهر المثل، كما لو لم يسم ابتداء. كذا في المبسوط (٢). وقال المحبوبي: لما مات الزوج كانت القسمة باطلة بالإجماع. أما عندهما؛ فلأن التزوج على القطع؛ تزوج عليه وعلى ما يحدث منه، فإذا مات صار متزوجا لها على القصاص، وهو ليس بمال، فلا يصلح مهرا، كما لو تزوجها على طلاق ضرتها، أو عتق ابنها. وعند أبي حنيفة ﵀: التزوج على القطع لا يكون تزوجا على الحادث منه كالعفو عن القطع لا يكون عفوا عن الحادث منه، فكان تزوجًا على القطع لا غير، فقد ظهر أن القطع لم يكن حقا له، بل حقه العقل، ولم يتزوجها على ما هو حقه، فلم تصح التسمية. فإن قيل: ينبغي أن تصح التسمية؛ لأن التزوج على القطع تزوج بموجبه، وهو نصف الدية، فكان متزوجا بخمسة آلاف درهم ظنا منه

стр. 7039

يَكُونُ هَذَا تَزَوُّجًا عَلَى أَرْشِ اليَدِ، وَإِذَا سَرَى إِلَى النَّفْسِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا أَرْشَ لِلْيَدِ وَأَنَّ المُسَمَّى مَعْدُومٌ، فَيَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ، كَمَا إِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى مَا فِي اليَدِ وَلَا شَيْءَ فِيهَا. وَلَا يَتَقَاصَّانِ لِأَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ عَلَى العَاقِلَةِ فِي الخَطَةِ وَالمَهْرُ لَهَا. قَالَ: (وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى اليَدِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا، أَوْ عَلَى الجِنَايَةِ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ، وَالقَطْعُ عَمْدٌ، فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا) لِأَنَّ هَذَا تَزَوُّجٌ عَلَى القِصَاصِ، وَهُوَ لَا يَصْلُحُ مَهْرًا، فَيَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَصَارَ كَمَا إِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى خَمْرٍ، أَوْ خِنْزِيرٍ وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ القِصَاصِ مَهْرًا فَقَدْ رَضِيَ بِسُقُوطِهِ بِجِهَةِ المَهْرِ، بوجوبها، وبظهور الأمر بخلافه لم يفسد، كما لو ظن أن له عليها ألفا (١)، فتزوجها ثم تصادقا على أنه لم يكن له عليها شيء؛ كان متزوجا لها على ألف، فكذلك هاهنا. قلنا: هذا هكذا إذا تزوجها على خمسة آلاف له عليها، ثم ظهر أنه لم يكن عليها، أما هاهنا، تزوجها على القطع، ثم ظهر أن القطع لم يكن حقا له، وإذا لم يصح ذكر القطع؛ لم يثبت ما في ضمنه وهو خمسة آلاف، فإذا بطلت التسمية؛ وجب المثل بالدخول والموت، والمتعة بالطلاق قبل الوطء. قوله: (تبين أنه لا أرش لليد، وأن المسمى معدوم، فيجب مهر المثل) إلى آخره هذا على قول أبي حنيفة. أما عندهما فالمسمى موجود، وتصير دية الزوج مهرا لها؛ لأن التزوج على القطع عندهما؛ تزوج على القطع وما يحدث منه، فلو تزوجها على القطع وما يحدث منه، والجناية خطأ؛ صارت دية الزوج كلها مهرا لها عند الكل، فكذا هاهنا. قوله: (ولا يتقاصان)؛ أي: ما على الزوج، وهو مهر المثل، وما على المرأة من الدية لاختلاف الذمم، وفي قبيل هذه الصورة تقع المقاصة بين الدية والمهر؛ لأن الدية في تلك الصورة تجب عليها لا على العاقلة، ووجب المهر لها، فاتحدت ذمة المرأة في الوجوب لها وعليها، أما في هذه الصورة تجب الدية على العاقلة، فتختلف الذمة في الوجوب لها وعليه. قوله: (ولا شيء له عليها)؛ أي: لا القصاص ولا الدية، وكذلك لا شيء

стр. 7040

فَيَسْقُطُ أَصْلًا كَمَا إِذَا أَسْقَطَ القِصَاصَ بِشَرْطِ أَنْ يَصِيرَ مَالًا، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ أَصْلًا (وَإِنْ كَانَ خَطَأً، يُرْفَعُ عَنِ العَاقِلَةِ مَهْرُ مِثْلِهَا، وَلَهُمْ ثُلُثُ مَا تَرَكَ وَصِيَّةً) لِأَنَّ هَذَا تَزَوُّجٌ عَلَى الدِّيَةِ، وَهِيَ تَصْلُحُ مَهْرًا إِلَّا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِقَدْرِ مَهْرِ المِثْلِ مِنْ جَمِيعِ المَالِ، لِأَنَّهُ مَرِيضٌ مَرَضَ المَوْتِ وَالتَّزَوُّجُ مِنْ الحَوَائِجِ الأَصْلِيَّةِ، وَلَا يَصِحُ فِي حَقِّ الزِّيَادَةِ عَلَى مَهْرِ المِثْلِ، لِأَنَّهُ مُحَابَاةٌ، فَيَكُونُ وَصِيَّةٌ فَيُرْفَعُ عَنْ العَاقِلَةِ، لِأَنَّهُمْ يَتَحَمَّلُونَ عَنْهَا، فَمِنْ المُحَالِ أَنْ تَرْجِعَ عَلَيْهِمْ بِمُوجِبِ جِنَايَتِهَا، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ وَصِيَّةٌ لَهُمْ، لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الوَصِيَّةِ لِمَا أَنَّهُمْ لَيْسُوا بِقَتَلَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ تَسْقُطُ، وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ يَسْقُطُ ثُلُثُهُ، على عاقلتها؛ لأنهم لا يتحملون الدية في العمد. قوله: (بشرط أن يصير)؛ أي: القصاص (مالا) والقصاص هو الدم، فكان معناه، بشرط أن يصير الدم مالا، والدم ليس بمال في دين سماوي، فكان شرطا باطلا، فصار إسقاطا مطلقا. (وإن كان)؛ أي: القطع (خطأ). قوله: (ولهم)؛ أي: للعاقلة (وصية)؛ لأن هذا تزوج على الدية؛ لأنه موجب الخطأ، والتزوج على اليد تزوج على موجبها. قوله: (ويرفع عن العاقلة)؛ أي: يرفع قدر مهر مثلها (ولهم ثلث ما [ترك] (١) وصية)؛ أي: للعاقلة ثلث ما ترك وصية. قوله: (فمن المحال أن ترجع)؛ أي: المرأة (عليهم). قال التمرتاشي: لو كان مهر المثل مثل الدية أو أكثر؛ فلا شيء على العاقلة؛ لأنهم إنما يتحملون عنها بسبب جنايتها. (فإن كانت)؛ أي: الزيادة (تخرج من الثلث تسقط) عنهم أيضًا (وإن كانت لا تخرج يسقط ثلثه)؛ أي: ثلث ما زاد على مهر المثل إلى تمام الدية، ويردون ما بقي إلى الورثة.

стр. 7041

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: كَذَلِكَ الجَوَابُ فِيمَا إِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى اليَدِ، لِأَنَّ العَفْوَ عَنْ اليَدِ عَفْرٌ عَمَّا يَحْدُثُ مِنْهُ عِنْدَهُمَا فَاتَّفَقَ جَوَابُهُمَا فِي الفَصْلَيْنِ. قَالَ: (وَمَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ، فَاقْتُصَّ لَهُ مِنْ اليَدِ، ثُمَّ مَاتَ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ المُقْتَصُّ مِنْهُ) لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الجِنَايَةَ كَانَتْ قَتْلَ عَمْدٍ، وَحَقُّ المُقْتَصٌ لَهُ القَوَدُ، وَاسْتِيفَاءُ القَطْعِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ القَوَدِ كَمَنْ كَانَ لَهُ القَوَدُ إِذَا اسْتَوْفَى طَرَفَ مَنْ عَلَيْهِ القَوَدُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يَسْقُطُ حَقَّهُ فِي القِصَاصِ، لِأَنَّهُ لَمَّا أَقْدَمَ عَلَى القَطْعِ فَقَدْ أَبْرَأَهُ عَمَّا وَرَاءَهُ. وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّمَا أَقْدَمَ عَلَى القَطْعِ ظَنَّا مِنْهُ أَنَّ حَقَّهُ فِيهِ، وَبَعْدَ السِّرَايَةِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ فِي القَوَدِ فَلَمْ يَكُنْ مُبْرِنَا عَنْهُ بِدُونِ العِلْمِ بِهِ. قَالَ: (وَمَنْ قُتِلَ وَلِيُّهُ عَمْدًا، فَقَطَعَ يَدَ قَاتِلِهِ، ثُمَّ عَفَا، وَقَدْ قُضِيَ لَهُ بِالقِصَاصِ، أَوْ لَمْ يُقْضَ: فَعَلَى قَاطِعِ اليَدِ دِيَةُ اليَدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، قوله: (في الفصلين)؛ أي: فيما إذا تزوجها على اليد، وفيما إذا تزوجها على اليد وما يحدث منها، بنى الفصلين باعتبار المتفق والمختلف، وإلا فالفصول ثلاثة. قوله: (ثم مات)؛ أي: المقطوع الأول من القطع (فإنه يقتل المقتص منه)؛ وهو القاطع الأول، وبه قالت الأئمة الثلاثة. قوله: (لا يوجب سقوط القود) ولا يصير شبهة أيضًا، كمن له قود على آخر إذا استوى طرفه أولا ثم قتله؛ يكون مسيئا ولا شيء عليه. وكذا لو أحرقه بالنار؛ كان مسيئا ولا شيء عليه كذا في جامع المحبوبي. (وقد قضي له بالقصاص أو لم يقض) وترديد القضاء وعدمه مقدم على العفو (فعلى قاطع اليد ديّة عند أبي حنيفة) وبه قال أحمد. ولو قتله لا شيء عليه عنده وعند أحمد عليه الدية، وعند مالك: عليه القصاص؛ لأنه قطع يد مكافئ عمدًا غير مستحق للقطع. وأحمد يقول: قطع طرفًا له قيمة بغير حق؛ فكان مضمونا عليه في الصورتين، والقصاص يسقط بالشبهة، واستحقاقه لإتلاف جملته، واليد جزء منها في إسقاط القصاص، فأشبه الأبوة.

стр. 7042

وَقَالَا: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) (*) لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ فَلَا يَضْمَنُهُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ إِتْلَافَ النَّفْسِ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا، وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَعْفُ لَا يَضْمَنُهُ، وَكَذَا إِذَا سَرَى وَمَا بَرِئَ، أَوْ مَا عَفَا وَمَا سَرَى، أَوْ قَطَعَ ثُمَّ حَرَّ رَقَبَتَهُ قَبْلَ البُرْءِ أَوْ بَعْدَهُ، وَصَارَ كَمَا إِذَا كَانَ لَهُ قِصَاصٌ فِي الطَّرَفِ فَقَطَعَ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ عَفَا لَا يَضْمَنُ الأَصَابِعَ. وَلَهُ: أَنَّهُ اسْتَوْفَى غَيْرَ حَقِّهِ، لِأَنَّ حَقَّهُ فِي القَتْلِ. وَهَذَا قَطْعُ وَإِبَانَةٌ، وَكَانَ القِيَاسُ: أَنْ يَجِبَ القِصَاصُ إِلَّا أَنَّهُ سَقَطَ لِلشَّبْهَةِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُتْلِفَهُ تَبَعًا، وَإِذَا سَقَطَ وَجَبَ المَالُ، وَإِنَّمَا لَا يَجِبُ فِي الحَالِ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَصِيرَ قَتْلًا بِالسِّرَايَةِ فَيَكُونُ مُسْتَوْفِيًا حَقَّهُ، وَمِلْكُ القِصَاصِ فِي (وقالا)؛ أي: أبو يوسف ومحمد (لا شيء عليه) لا القصاص ولا الدية، وبه قال الشافعي؛ لأنه قطع يدا من نفس لو أتلفها لم يضمن، فوجب أن لا يضمن اليد، كما لو قطع يد مرتد ثم أسلم (وهذا لأنه استحق إتلاف نفسه بجميع أجزائها) فيستتبع الحق في الأجزاء، فيبطل بالعفو حقه عما بقي، لا عما استوفى. (ولهذا لو لم يعف)؛ أي: لم يعف وسرى (لا يجب الضمان عليه): هذا إلزام على أبي حنيفة، لا على أحمد ومالك؛ لأنهما قالا بضمان اليد بعد الاستيفاء، كما ذكرنا. وقوله: (وما برئ) تأكيد لقوله: (إذا سرى)؛ أي: لم يعف وسرى (وما عفا)؛ يعني: قطع وما عفا (وما سرى)؛ يعني: ما ظهر حاله بعد القطع. وكان القياس أن يجب القصاص كالأجنبي، وهو قول مالك. (إلا أنه)؛ أي: القصاص (سقط للشبهة). قوله: (فإن له أن يتلفه)؛ أي: الطرف (تبعًا) للنفس تعليل لإثبات الشبهة. وقوله: (وإنما لا يجب في الحال): جواب سؤال تقديري، وهو أن يقال: لما سقط القصاص ووجب المال؛ ينبغي أن يثبت المال في الحال، ولا يتوقف على البرء، كما في الجنايات. فقال: يحتمل أن يصير قتلا بالسراية، فيظهر [أنه] (١) استوفى حقه. وقوله: (وملك القصاص) إلى آخره جواب عما قالا: أنه استوفى حقه،

стр. 7043

النَّفْسِ ضَرُورِيٌّ لَا يَظْهَرُ إِلَّا عِنْدَ الاسْتِيفَاءِ، أَوْ العَفْوِ، أَوْ الِاعْتِيَاضِ لِمَا أَنَّهُ تَصَرُّفٌ فقال: ليس كذلك؛ لأن استحقاقه لو كان؛ لكان بملك القصاص، وأنه ضروري ثبت مع المنافي، كما بينا، فلا يظهر إلا عند الاستيفاء أو العفو أو الاعتياض عنه، وهو عفو من وجه، فأما قبل ذلك فلا يظهر؛ لعدم الضرورة إلى إظهاره، وإذا كان الملك عدما قبل الاستيفاء في حق المحل؛ فلا يظهر في الأطراف قبل الاستيفاء، فإذا اتصل به الاستيفاء؛ يحكم الآن بظهوره في حق الأطراف، فلم يكن هذا استيفاء لحقه. فإن قيل: لا نسلم أن القطع غير القتل مطلقا، فإن الشاهدين إذا شهدا بالقتل، فقطع المولى يده [ثم] (١) رجعا ضمنا لصاحب اليد يده؛ فإنما يضمنان ما أتلفا بشهادتهما، فدل أن اليد متلف بشهادتهما، وهما ما شهدا إلا بالقتل، فلو كان القطع غير القتل لما ضمنا. ولأن ولي القتل في مسألتنا لو أعقب القطع قتلا؛ لم يضمن شيئًا باعتبار ثبوت حقه في الطرف، ففي إعقاب العفو أولى؛ لأنه في العفو محسن، وإحسانه لا يكون موجبًا عليه الضمان، فلو كان [هذا] (٢) أدى إلى خلاف المعقول والنص، أما المعقول؛ فظاهر، وأما النص؛ فقوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]. ولأن القطع بعد العفو لو سرى إلى النفس؛ لم يضمن شيئًا، والقطع الساري أفحش من المقتصر، فإذا لم يضمن الأفحش شيئًا فالمقتصر أولى أن لا يضمن شيئًا؛ وهذا لأن الأطراف تابعة للنفس، فمن ضرورة ثبوت حقه في النفس؛ ثبوته في الأطراف. قلنا: القطع غير القتل، فإن القتل يزيل الحياة، والقطع يبين العضو من الحي بلا إزالة روح، وأحكامها تختلف أيضًا، وفي مسألة الشاهد ما أوجب اليد، بل أوجب له قتل النفس، وذلك يبرئ القاطع عن ضمان القطع، وضمن

стр. 7044

فِيهِ، فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَظْهَرْ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ بِخِلَافِ مَا إِذَا سَرَى لِأَنَّهُ اسْتِيفَاءُ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَعْفُ وَمَا سَرَى، قُلْنَا: إِنَّمَا يَتَبَيَّنُ كَوْنُهُ قَطْعًا بِغَيْرِ حَقٌّ بِالْبُرْءِ حَتَّى لَوْ قَطَعَ وَمَا عَفَا وَبَرِئ، الصَّحِيحُ أَنَّهُ عَلَى هَذَا الخِلَافِ، وَإِذَا قَطَعَ ثُمَّ حَزَّ رَقَبَتَهُ قَبْلَ البُرْءِ، … .. بإيجاب البراءة عليه بعد علة الضمان له، وصار كما لو شهدا بأنه أبرأ غريمه عن الدين، ثم رجعوا يضمنون. ونظيره ما لو شهدا بالطلاق قبل الدخول ثم رجعا؛ ضمنا نصف المهر، كأنهما أوجبا عليه؛ لأن الفرقة قبل الدخول توجب البراءة عن كل المهر، فكأنهما أوجبا بعد البراءة. وأما في مسألة إعقاب القتل بعد القطع؛ فقلنا: إنما لم يضمن؛ لأن حقه في النفس، والأطراف تابعة لها، فيثبت الحق في استيفاء الأطراف تبعا لا مقصودًا، فإذا استوفى الطرف مقصودًا؛ كان مستوفيًا ما ليس بحق له، إلا أنه قبل العفو كان متمكنا من أن يجعله تبعًا للنفس، بأن يقتله ويكون كل واحد من الفعلين قتلا، ويصير الطرف تبعًا للنفس، فلا يضمن شيئًا، وبعد العفو سقط حقه في النفس، وبقي الطرف مقصودًا، ولا حق له فيه مقصودا، وكان مضمونا عليه؛ ألا ترى أن من وجب عليه قصاص على امرأة، لو زني بها يحد، والمستوفى في الوطء في حكم جزء من العين، فلو ثبت له الحق في الطرف مقصودًا؛ لصار ذلك شبهة في سقوط الحد، فعلم أن ما يبرأ خلاف المعقول جاء من معنى آخر؛ وهو أنه بالعفو أسقط حقه في النفس، فكان ما قطعه قبل العفو واقعا في غير محله، وظهر ذلك بالعفو، فأضيف الحكم إلى العفو باعتباره. وأما جواب مسألة سراية القطع بعد العفو، مذكور في الكتاب؛ وهو [أن] (١) بالسراية تيقن أن القطع قتل، إلى آخره. وأما المرتد؛ فقد سقط تقومه في النفس والطرف بالارتداد في حق الكل، بخلاف من عليه القصاص؛ أن نفسه متقومة في حق غير من له حق القصاص، على ما ذكرنا أشار إلى الكل في المبسوط، والأسرار.

стр. 7045

فَهُوَ اسْتِيفَاءُ، وَلَوْ حَزَّ بَعْدَ البُرْءِ فَهُوَ عَلَى هَذَا الخِلَافِ، هُوَ الصَّحِيحُ، وَالأَصَابِعُ وَإِنْ كَانَتْ تَابِعَةٌ قِيَامًا بِالكَفِّ فَالكَفَّ تَابِعَةٌ لَهَا غَرَضًا، بِخِلَافِ الطَّرَفِ، لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلنَّفْسِ مِنْ كُلِّ وَجْهِ. قَالَ: (وَمَنْ لَهُ القِصَاصُ فِي الطَّرَفِ إِذَا اسْتَوْفَاهُ، ثُمَّ سَرَى إِلَى النَّفْسِ وَمَاتَ، يَضْمَنُ دِيَةَ النَّفْسِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَضْمَنُ)؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ وَهُوَ القَطْعُ، وَلَا يُمْكِنُ التَّقْيِيدُ بِوَصْفِ السَّلَامَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ سَدِّ بَابِ القِصَاصِ، إذ الاحْتِرَازُ عَنْ السِّرَايَةِ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ، فَصَارَ كَالإِمَامِ وَالبَزَّاغِ وَالحَجَّامِ وَالمَأْمُورِ بِقَطْعِ اليَدِ، وَلَهُ قوله: (فهو استيفاء)؛ أي: حز الرقبة استيفاء؛ لأن القطع محتمل السراية، فالحز مُتمم (١) له. (ولو حز بعد البرء فهو على الخلاف هو الصحيح)؛ لأنه بالبرء تبين أن القطع بغير حق. قوله: (فالكف تابعة لها)؛ أي: للأصابع (غرضًا)؛ لأن منفعة البطش تقوم بالأصابع، والكف كالشرط؛ لأنه محل، فأمكن إظهار ملك القصاص في الكف عند التصرف في الأصابع استيفاء؛ لما أنها أصول من وجه، وكذا في حق التقوم الأصابع أصل؛ فإنه ﵊ قابل الدية بالأصابع، فقال: «في كُلِّ إصبع عشرٌ مِنَ الإِبل» (٢) وإذا كان كذلك؛ فحقه في الأصابع، فلا يضمن بقطعها. كذا في جامع البزدوي. (بخلاف الطرف) مع النفس (لأنها تابعة للنفس من كل وجه). قوله: (وقالا: لا يضمن): وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد. (كالإمام)؛ أي: القاضي إذا قطع يد السارق ومات من ذلك. (وكالبزاغ والحجام والإمام والمأمور بقطع اليد): بأن قال لآخر: اقطع

стр. 7046

أَنَّهُ قَتْلٌ بِغَيْرِ حَقٍّ، لِأَنَّ حَقَّهُ فِي القَطْعِ، وَهَذَا وَقَعَ قَتْلًا، وَلِهَذَا لَوْ وَقَعَ ظُلْمًا كَانَ قَتْلًا. وَلِأَنَّهُ جُرْحٌ أَفْضَى إِلَى فَوَاتِ الحَيَاةِ فِي مَجْرَى العَادَةِ، وَهُوَ مُسَمَّى القَتْلِ، إِلَّا أَنَّ القِصَاصَ سَقَطَ لِلشَّبْهَةِ، فَوَجَبَ المَالُ، بِخِلَافِ مَا اسْتَشْهَدَا بِهِ مِنْ المَسَائِلِ، إِلَّا أَنَّهُ مُكَلَّفٌ فِيهَا بِالفِعْلِ، إِمَّا تَقَلُّدًا كَالإِمَامِ أَوْ عَقْدًا كَمَا فِي غَيْرِهِ مِنْهَا. وَالوَاجِبَاتُ لَا تَتَقَيَّدُ بِوَصْفِ السَّلَامَةِ كَالرَّمْيِ إِلَى الحَرْبِيِّ، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَا يدي، فقطع يده، فسرى إلى النفس؛ لا يضمن المأمور بالإجماع؛ وهذا لأن السراية تبع لابتداء الجناية، فلم يجز أن يكون ابتداء الجناية مباحًا وسرايتها مضمونة، وفي ابتدائها قطع قصدًا، فكذا في الانتهاء يكون قطعا لا قتلا. وأبو حنيفة يقول: المعتبر في الجنايات مالها لا ابتداؤها؛ ألا ترى أنه لو قطع يدا من نصف الساعد؛ لم يكن عليه، قصاص، فإن سرى إلى النفس يجب القود، فعلم أن المعتبر هو المال، وبالنظر إليه علم أنه غير حقه، ولا يتصور أن يكون الفعل على صفة ثم يصير على صفة أخرى؛ إذ لا بقاء له، ولكن تبين أنه كان من الأصل قتلا، وهو بمنزلة تحريك الخشبة، إن لم تصب شيئًا؛ كان تحريكا، وإن أصاب كوزا؛ كان كسرًا، وإن أصاب حيوانًا فمات؛ كان قتلا، وهاهنا [لما] (١) انزهق به الروح كان قتلا في الأصل، ولا حق له في القتل. كذا في المبسوط (٢). قوله: (في مجرى العادة)؛ يعني: الموت من الجرح ليس على خلاف العادة. (كما في غيره)؛ أي: غير الإمام، وهو البزاغ والحجام والختان، وفي المأمور أقام الأمر المأمور مقام نفسه في القطع مطلقا، وكما فرغ من ذلك خرج من عهدته، وصار مسلما إلى الأمر بذلك، كالرمي إلى الحربي؛ فإنه واجب، فإذا رمى إلى حربي وأصاب مسلما؛ لم يضمن؛ إذ هو مندوب إلى العفو، قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧].

стр. 7047

التِزَامَ وَلَا وُجُوبَ، إِذْ هُوَ مَنْدُوبٌ إِلَى العَفْوِ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الإِطْلَاقِ فَأَشْبَهَ الإِصْطِيَادَ. (فيكون من باب الإطلاق)؛ أي: الإباحة، فيتقيد بوصف السلامة، كالمشي في الطريق، والرمي إلى الصيد، وتعزير الزوج زوجته، فيتقيد بشرط السلامة. أما ما كان مستحقاً عليه لا يتقيد بوصف السلامة؛ كيلا يكون تكليف ما ليس في الوسع. كذا في المبسوط (١)، وجامع المحبوبي. فإن قيل: ما الفرق لأبي حنيفة ﵀ بين المقتص له، والمستعير، والمستأجر للدابة للركوب، حيث لو ماتت الدابة من ركوبها لم يضمنا، وبين المعلم إذا ضرب الصبي بإذن الأب؛ لم يضمن هو، بل يضمن الأب، وبين ما [لو] (٢) قطع يد حربي أو مرتد فأسلم، ثم سرى إلى النفس؛ لا يضمن، والمقتص له بالسراية يضمن. قلنا: الفرق: أن المستعير والمستأجر وإن صار فعلهما قتلا في الانتهاء؛ لأنهما مأذونان من جهة المالك في الركوب، فانتقل فعلهما إليه، فصار كأن المالك ركب ومات من ركوبه، بخلاف المقتص له؛ فإنه يقطع بالملك دون الإذن، ففي الإذن ينتقل الفعل دون الملك، فإذا سرى علم أنه تصرف في غير ملكه. وكذا المعلم لا يضمن؛ لما أنه فعله بأمر الأب، وأمر الأب له بالضرب صحيح، فينتقل فعله إلى الأب، فكأن الأب ضربه والمعلم آلة، وإذا ضرب الأب بنفسه ومات؛ تجب الدية على الأب، فكذا هاهنا. أما المقتص له يقطع بحق الملك كما ذكرنا، وفي قطع الحربي والمرتد إنما لم يضمن القاطع؛ لأن القطع بالسراية يصير قتلا من الابتداء، ولو قتله ابتداءً في تلك الحالة لا يجب الضمان، فكذا في الانتهاء.

стр. 7048

بَابُ الشَّهَادَةِ فِي القَتْلِ قَالَ: (وَمَنْ قُتِلَ وَلَهُ ابْنَانِ، حَاضِرٌ وَغَائِبٌ، فَأَقَامَ الحَاضِرُ البَيِّنَةَ عَلَى القَتْلِ، ثُمَّ قَدِمَ الغَائِبُ، فَإِنَّهُ يُعِيدُ البَيِّنَةَ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يُعِيدُ (*) (وَإِنْ كَانَ خَطَأً، لَمْ يُعِدْهَا بِالإِجْمَاعِ) وَكَذَلِكَ الدَّيْنُ يَكُونُ لِأَبِيهِمَا عَلَى آخَرَ، لَهُمَا فِي الخِلَافِيَّةِ: أَنَّ القِصَاصَ طَرِيقُهُ طَرِيقُ الوِرَاثَةِ كَالدَّيْنِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ نَفْسِهِ فَيَكُونُ المِلْكُ فِيهِ بَابُ الشَّهَادَةِ فِي الْقَتْلِ لما كانت الشهادة في القتل متعلقا بالقتل؛ أوردها بعد ذكر حكم القتل؛ لأنه لما تعلق به صار كالتابع له. قوله: (وإن كان)؛ أي: القتل (خطأ لم يعيدها)؛ أي: البينة بالإجماع. اعلم أن العلماء أجمعوا على قبول بينة الحاضرين، وعلى ألا يقضى بالقود ما لم يحضر الغائب؛ لأن المقصود بالقضاء الاستيفاء، والحاضر لا يتمكن من الاستيفاء بالإجماع، وعلى أن يحبس القاتل؛ لأنه متهم (١) بالقتل، والمتهم يحبس. والخلاف في إعادة البينة إذا حضر الغائب؛ فعند أبي حنيفة ﵀: كلف الغائب بالإعادة. وعندهما: لا، وهو قياس قول الأئمة الثلاثة. قوله: (طريقه طريق الوراثة)؛ أي: سبب ملك القود للمورث، ثم للوارث بالنفس (كالدين) فينتصب أحد الورثة خصمًا عن الباقين فيما يدعي للميت، فلا يكلف الغائب إقامة البينة، والقضاء على الغائب وإن كان لا يجوز قصدًا فيجوز ضمنًا، كما لو ادعى الكفالة على رجل وأقام بينة؛ يثبت الدين على الغائب. ذكره في الجامع الصغير. (وهذا)؛ أي: كونه بطريق الوراثة (لأنه)؛ [أي:] (٢) القود (عوض عن نفسه) قال تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، والملك في المعوض للمورث، فكذا في العوض.

стр. 7049

لِمَنْ لَهُ المِلْكُ فِي المُعَوَّضِ كَمَا فِي الدِّيَةِ، وَلِهَذَا لَو انْقَلَبَ مَالًا يَكُونُ لِلْمَيِّتِ، وَلِهَذَا يَسْقُطُ بِعَفْوِهِ بَعْدَ الجُرْحِ قَبْلَ المَوْتِ، فَيَنْتَصِبُ أَحَدُ الوَرَثَةِ خَصْمًا عَنِ البَاقِينَ، وَلَهُ: أَنَّ القِصَاصَ طَرِيقُهُ الخِلَافَةُ دُونَ الوِرَاثَةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مِلْكَ القِصَاصِ يَثْبُتُ بَعْدَ المَوْتِ، وَالمَيِّتُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ وَالدِّيَةِ، لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ المِلْكِ فِي الأَمْوَالِ، كَمَا إِذَا نَصَبَ شَبَكَةً فَتَعَلَّقَ بِهَا صَيْدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ، وَإِذَا كَانَ طَرِيقُهُ الإِثْبَاتَ ابْتِدَاءً لَا يَنْتَصِبُ أَحَدُهُمْ خَصْمًا عَنْ البَاقِينَ، فَيُعِيدُ البَيِّنَةَ بَعْدَ حُضُورِهِ (فَإِنْ وفي جامع قاضي خان وللمرأة حق في القصاص، وأنها لا تملك شيئًا من حقوق الزوج إلا بطريق الوراثة. قوله: (طريقه الخلافة)؛ وهو أن يثبت الملك ابتداء للوارث دون المورث؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، ولهذا يثبت ملك القصاص بعد الموت، [والميت] (١) ليس بأهل لملك القصاص؛ لأنه شرع للتشفي ودرك الثأر، كالعبد إذا [اتهب] (٢)؛ فإنه يثبت الملك للمولى ابتداءً بطريق الخلافة؛ لأن العبد ليس بأهل للملك، ولهذا صح عفو الوارث قبل الموت، والقياس ألا يصح؛ لأن حقه يثبت بعد الموت، والعفو قبل الثبوت لا يصح. وفي الاستحسان يصح؛ لأنه عفو بعد وجود السبب، وإنما صح عفو المجروح عنده استحسانًا أيضًا لا قياسًا؛ إذ القياس أن لا يصح؛ لأن القتل لم يوجد. وفي الاستحسان يصح؛ لأن السبب انعقد له. ذكره في الإيضاح. ولأنه من حيث إنه بدل نفسه فيصح عفوه. (وإذا كان طريقه؛ أي: طريق ملك القصاص إثباته للورثة) لا أنه يثبت للميت ثم ينتقل إلى الورثة لا ينتصب أحد الورثة خصمًا عن الباقين في إثبات حقه بغير وكالة منه ونيابة، وبالبينة التي أقامها لا يثبت القصاص في حق الغائب، فيعيد البينة عند حضوره؛ ليتمكن من استيفائه، ولا يلزم أن القصاص

стр. 7050

كَانَ أَقَامَ القَاتِلُ البَيِّنَةَ أَنَّ الغَائِبَ قَدْ عَفَا، فَالشَّاهِدُ خَصْمٌ، وَيَسْقُطُ القِصَاصُ) لِأَنَّهُ ادَّعَى عَلَى الحَاضِرِ سُقُوطَ حَقِّهِ فِي القِصَاصِ إِلَى مَالِ، وَلَا يُمْكِنُهُ إِثْبَاتُهُ إِلَّا بِإِثْبَاتِ العَفْوِ مِنْ الغَائِبِ فَيَنْتَصِبُ الحَاضِرُ خَصْمًا عَنْ الغَائِبِ وَكَذَلِكَ عَبْدٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ قُتِلَ عَمْدًا، وَأَحَدُ الرَّجُلَيْنِ غَائِبٌ، فَهُوَ عَلَى هَذَا لِمَا بَيَّنَّاهُ. قَالَ: (فَإِنْ كَانَ الأَوْلِيَاءُ ثَلَاثَةٌ، فَشَهِدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ عَلَى الْآخَرِ أَنَّهُ قَدْ عَفَا، فَشَهَادَتُهُمَا بَاطِلَةٌ، وَهُوَ عَفْرٌ مِنْهُمَا) لِأَنَّهُمَا يَجُرَّانِ بِشَهَادَتِهِمَا إِلَى أَنْفُسِهِمَا مَغْنَمًا، وَهُوَ الْقِلَابُ القَوَدِ مَالًا (فَإِنْ صَدَّقَهُمَا القَاتِلُ، فَالدِّيَةُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا) مَعْنَاهُ: إِذَا صَدَّقَهُمَا وَحْدَهُ، لِأَنَّهُ لَمَّا صَدَّقَهُمَا فَقَدْ أَقَرَّ بِثُلُثَي الدِّيَةِ لَهُمَا، فَصَحَّ إِقْرَارُهُ، إِلَّا أَنَّهُ يَدَّعِي سُقُوطَ حَقِّ المَشْهُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ يُنْكِرُ فَلَا يُصَدَّقُ وَيَغْرَمُ نَصِيبَهُ إذا صار مالا صار موروثا؛ لأنه إنما لم يورث لعدم الفائدة؛ لأنه لا يصلح لقضاء حوائج الميت، فإذا صار مالا صار صالحًا لقضاء حوائجه، فصار مفيدًا. قوله: (فالشاهد خصم)؛ أي: فالحاضر خصم. قوله: (لما بيناه)؛ وهو أن القود مشترك بينهما، فالقاتل يدعي بطلان حق الحاضر وانتقاله، ولا يمكنه إثبات ذلك إلا بإثبات العفو عن الغائب، فصار الغائب مقضيا عليه. ويحتمل أن يكون معنى قوله: (على ما بيَّنَّاه) من أن ملك القود يثبت عندهما بطريق الوراثة؛ لأن العبد مبقى في حق الدم على أصل الحرية، وعنده بطريق الخلافة. قوله: (لأنهما يجران بشهادتهما) إلى آخره: تعليل لقوله: (شهادتهما باطلة) ودليل قوله: (وهو عفو منهما) متروك، فقد ذكره في شهادة المحبوبي: شهادتهما عفو منهما؛ لأنهما زعما أن القود سقط، وزعمهما معتبر في حقهما، فإذا سقط حقهما سقط في حق الكل؛ لأن القصاص لا يتجزأ. قوله: (صدقهما وحده)؛ أي: صدق القاتل الشاهدين وحده، ولم يصدق المشهود عليه بل كذبهما قيد به؛ لأنه إذا صدق المشهود عليه مع القاتل أيضًا؛ يسقط حقه في الدية لإقراره بالعفو.

стр. 7051

(وَإِنْ كَذَّبَهُمَا فَلَا شَيْءَ لَهُمَا، وَلِلْآخَرِ ثُلُثُ الدِّيَةِ) وَمَعْنَاهُ: إِذَا كَذَّبَهُمَا القَاتِلُ أَيْضًا، وَهَذَا لِأَنَّهُمَا أَقَرًّا عَلَى أَنْفُسِهِمَا بِسُقُوطِ القِصَاصِ فَقُبِلَ، وَادَّعَيَا انْقِلَابَ نَصِيبِهِمَا مَالًا، فَلَا يُقْبَلُ إِلَّا بِحُجَّةِ، وَيَنْقَلِبُ نَصِيبُ المَشْهُودِ عَلَيْهِ مَالًا، لِأَنَّ دَعْوَاهُمَا العَفْوَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُنْكِرُ، بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ العَفْوِ مِنْهُمَا فِي حَقِّ المَشْهُودِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ سُقُوطَ القَوَدِ مُضَافُ إِلَيْهِمَا، وَإِنْ صَدَّقَهُمَا المَشْهُودُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ: غَرِمَ القَاتِلُ ثُلُثَ الدِّيَةِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، لِإِقْرَارِهِ لَهُ بِذَلِكَ. قوله: (معناه: إذا كذبهما القاتل أيضًا): وفي بعض النسخ: (معناه: إذا كذبهما المشهود عليه أيضًا). وقيد به؛ لأنه لو صدقهما القاتل كان عليه دية كاملة؛ لأنه أقر بسقوط القصاص، وانقلاب نصيبهما مالاً، فيصير نصيب المشهود عليه مالا أيضًا. قوله: (لإقراره له)؛ أي: إقرار القاتل للمشهود عليه (بذلك)؛ لأنه أنكر عفو المشهود عليه بعد انقلاب القصاص مالا بشهادة صاحبه، ولكنه يصرف إلى الشاهد. وفي بعض النسخ: (لكنه يصرف ذلك إلى الشاهدين) إلى آخره. وفي الأوضح: أورد القياس والاستحسان فيما إذا كان دم عمد بين اثنين، فشهد أحدهما على الآخر، فصدقه المشهود عليه وحده؛ لا يلزم القاتل شيء (١) قياسًا، ويلزمه نصف الدية استحسانًا، والشهادة لما كانت لا تقبل هاهنا للتهمة، فشهادة الاثنين والفرد سواء. وقال أصحاب الشافعي: لو شهد أحدهما بالعفو عن القود والمال؛ سقط القود وتثبت له حصته من الدية، ونصيب المشهود عليه إن كان الشاهد ممن تقبل شهادته عليه، حلف القاتل أنه عفا [عن] (٢) القود والمال جميعا. كذا في الحلية (٣).

стр. 7052

قَالَ: (وَإِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهُ ضَرَبَهُ، فَلَمْ يَزَلْ صَاحِبَ فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَ، فَعَلَيْهِ القَوَدُ إِذَا كَانَ عَمْدًا) لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالشَّهَادَةِ كَالثَّابِتِ مُعَايَنَةٌ، وَفِي ذَلِكَ القِصَاصُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى قَتْلِ العَمْدِ تَتَحَقَّقُ عَلَى هَذَا الوَجْهِ، لِأَنَّ المَوْتَ بِسَبَبِ الضَّرْبِ إِنَّمَا يُعْرَفُ إِذَا صَارَ بِالضَّرْبِ صَاحِبَ فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَ، وَتَأْوِيلُهُ: إِذَا شَهِدُوا أَنَّهُ ضَرَبَهُ بِشَيْءٍ جَارِحٍ. قَالَ: (وَإِذَا اخْتَلَفَ شَاهِدَا القَتْلِ فِي الأَيَّامِ، أَوْ فِي البَلَدِ، أَوْ فِي الَّذِي كَانَ بِهِ القَتْلُ، فَهُوَ بَاطِلٌ) لِأَنَّ القَتْلَ لَا يُعَادُ وَلَا يُكَرَّرُ، وَالقَتْلُ فِي زَمَانٍ أَوْ فِي مَكَانَ غَيْرُ القَتْلِ فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَانَ آخَرَ، وَالقَتْلُ بِالعَصَا غَيْرُ القَتْلِ بِالسِّلَاحِ، لِأَنَّ الثَّانِيَ عَمْدٌ، قوله: (فعليه القود إذا كان عمدًا): شرط العمد لوجوب القصاص، ولم يتعرض للآلة، وذكر هذه المسألة في ديات الأصل، وتعرض ولم يشترط العمدية، وقال: إذا ضرب رجلًا بالسيف، فلم [يزل] (١) صاحب فراش حتى مات، فشهد شاهدان (٢) بذلك؛ كان عليه القصاص؛ لما ذكر في الجامع الصغير: إن كان قولهما فهو مُجرى على إطلاقه، وإن كان قول الكل؛ فتأويله: أن تكون الآلة جارحة. كذا في الذخيرة. قوله: (ضربه بشيء جارح). فإن قيل: الشهود شهدوا على الضرب بشيء، جارح، ولكن الضرب قد يكون خطأ، فكيف يثبت القود، مع أنهم لم يشهدوا أنه كان متعمدا. قلنا: لما شهدوا أنه ضربه بالسلاح؛ فقد شهدوا أنه ضربه عمدًا؛ لأنه لما كان مخطئًا لا يحل لهم أن يشهدوا أنه ضربه، وإنما يشهدون أنه قصد ضرب غيره فأصابه. كذا ذكره شيخ الإسلام خواهر زاده. قوله: (أو في (٣) الذي كان به القتل): بأن قال أحدهما: قتله بالعصا، وقال الآخر: كان سيفا (فهو باطل) ولا يعلم فيه خلاف.

стр. 7053

وَالأَوَّلَ شِبْهُ العَمْدِ، وَيَخْتَلِفُ أَحْكَامُهُمَا، فَكَانَ عَلَى كُلِّ قَتْلِ شَهَادَةٌ فَرُدَّ (وَكَذَا إِذَا قَالَ أَحَدُهُمَا: قَتَلَهُ بِعَصًا، وَقَالَ الآخَرُ: لَا أَدْرِي بِأَيِّ شَيْءٍ قَتَلَهُ، فَهُوَ بَاطِلٌ) لِأَنَّ المُطْلَقَ يُغَايِرُ المُقَيَّدَ. قَالَ: (وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ قَتَلَهُ، وَقَالَا: لَا نَدْرِي بِأَيِّ شَيْءٍ قَتَلَهُ، فَفِيهِ الدِّيَةُ اسْتِحْسَانًا) وَالقِيَاسُ: أَنْ لَا تُقْبَلَ هَذِهِ الشَّهَادَةُ، لِأَنَّ القَتْلَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْآلَةِ، فَجُهِلَ المَشْهُودُ بِهِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّهُمْ شَهِدُوا بِقَتْلٍ مُطْلَقٍ، وَالمُطْلَقُ لَيْسَ بِمُجْمَلٍ، فَيَجِبُ أَقَلُّ مُوجِبَيْهِ، وَهُوَ الدِّيَهُ، وَلِأَنَّهُ يُحْمَلُ إِجْمَالُهُمْ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى إِجْمَالِهِمْ بِالمَشْهُودِ عَلَيْهِ سِتْرًا عَلَيْهِ. وَأَوَّلُوا كَذِبَهُمْ فِي نَفْيِ العِلْمِ بِظَاهِرِ مَا وَرَدَ بِإِطْلَاقِهِ فِي إِصْلَاحِ ذَاتِ البَيْنِ، وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ، فَلَا يَثْبُتُ الاخْتِلَافُ بِالشَّكَ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ، لِأَنَّ الأَصْلَ قوله: (لأن المطلق يغاير المقيد)؛ لأن المقضي به إن كان القتل بعصا؛ فالدية على العاقلة، وإن كان المقضي به لا يعلم؛ فالدية في ماله. كذا ذكره شيخ الإسلام خواهر زاده. قوله: (والمطلق ليس بمجمل) ولهذا أوجب التحرير في التكفير بقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ولو كان مجملا لما وجب الكل. قوله: (ولأنه يحمل إجمالهم في الشهادة إلى آخره؛ يعني: لا يحمل قولهما: لا ندري)، على الغفلة، بل يحمل على أنهما (١) سعيا في الدية، والمندوب إليه في العقوبات إحسانًا للظن بهما، وذلك شائع وإن كان كذبا؛ لأن الشرع جوز الكذب في إصلاح ذات البين، قال ﵊: «ليس بكذَّابٍ مَنْ أصلح بين اثنين، وقال خيرًا أو نَما خَيرًا» (٢)، وهذا أحق من ذلك؛ لأن الشاهد مندوب إلى الستر، وإلى السعي بدرء العقوبات. (فلا يثبت الاختلاف بالشك) إلى آخره: وهذا في الحقيقة جواب إشكال

стр. 7054

في الفِعْلِ الحَمْدُ، فَلَا يَلْزَمُ العَاقِلَةُ. قَالَ: (وَإِذَا أَقَرَّ رَجُلَانِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ قَتَلَ فُلَانًا، فَقَالَ الوَلِيُّ: قَتَلْتُمَاهُ جَمِيعًا، فَلَهُ أَنْ يَقْتُلَهُمَا، وَإِنْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَ فُلَانًا، وَشَهِدَ آخَرُونَ عَلَى آخَرَ بِقَتْلِهِ، وَقَالَ الوَلِيُّ: قَتَلْتُمَاهُ جَمِيعًا، بَطَلَ ذَلِكَ كُلُّهُ) وَالفَرْقُ: أَنَّ الإِقْرَارَ وَالشَّهَادَةَ يَتَنَاوَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وُجُودَ كُلِّ القَتْلِ وَوُجُوبَ القِصَاصِ، وَقَدْ حَصَلَ التَّكْذِيبُ فِي الأُولَى مِنْ المُقِرِّ، لَهُ وَفِي الثَّانِيَةِ مِنْ المَشْهُودِ لَهُ، غَيْرَ أَنَّ تَكْذِيبَ المُقَرِّ لَهُ المُقِرُّ فِي بَعْضِ مَا أَقَرَّ بِهِ لَا يُبْطِلُ إِقْرَارَهُ فِي البَاقِي، وَتَكْذِيبُ المَشْهُودِ لَهُ الشَّاهِدَ فِي بَعْضِ مَا شَهِدَ بِهِ يُبْطِلُ شَهَادَتَهُ أَصْلًا، لِأَنَّ التَّكْذِيبَ تَفْسِيقٌ، وَفِسْقُ الشَّاهِدِ يَمْنَعُ القَبُولَ، أَمَّا فِسْقُ المُقِرِّ: لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الإِقْرَارِ. يرد على جواب الاستحسان، وهو أن يقال: ينبغي ألا تقبل شهادتهم في قولهم: لا ندري أصادقون أم كاذبون؟ فعلى الوجهين لا تقبل؛ لأن على تقدير صدقهم لا يمكن القضاء بشهادتهم؛ لاختلاف موجب السيف والعصا، وإن كذبوا صاروا فسقة، فلا تقبل شهادتهم. فقال في جوابه: جُعِلُوا عالمين بأنه قتله بالسيف، لكنهم بقولهم: لا ندري أولوا كذبهم إلى آخره؛ يعني: اختاروا على القاتل جهة الستر. قوله: (قتلتماه جميعًا فله أن يقتلهما): أما لو قال: صدقتما في هذه الصورة؛ لا يقتل واحدًا منهما. ذكره التمرتاشي. والفرق: أن قوله: صدقتما، كقوله لكل واحد: أنت قتلته وحدك، وفي تصديق كل واحد منهما تكذيب الآخر، وهو تكذيب لهما حينئذ. بخلاف قوله: قتلتما؛ لأنه لما أقر كل واحد بكمال القتل، صدق الولي بقوله: قتلتما كل واحد في نصف القتل والتكذيب في نصف ما أقر به لا يبطل إقراره، أما التكذيب في كل ما أقر به يبطل الإقرار، كما لو أقر لرجل بألف، فصدقه في النصف وكذبه بالنصف؛ صح الإقرار. كذا ذكره الكشاني.

стр. 7055

بَابُ اعْتِبَارِ حَالَةِ القَتْلِ قَالَ: (وَمَنْ رَمَى مُسْلِمًا فَارْتَدَّ المَرْمِيُّ إِلَيْهِ - وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ - ثُمَّ وَقَعَ بِهِ السَّهْمُ، فَعَلَى الرَّامِي الدِّيَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ بِالارْتِدَادِ أَسْقَطَ تَقَوُّمَ نَفْسِهِ، فَيَكُونُ مُبْرِنَا لِلرَّامِي عَنْ مُوجِبِهِ كَمَا إِذَا أَبْرَأَهُ بَعْدَ الجُرْحِ قَبْلَ المَوْتِ، وَلَهُ: أَنَّ الضَّمَانَ يَجِبُ بِفِعْلِهِ، وَهُوَ الرَّمْيُ، إِذْ لَا فِعْلَ مِنْهُ بَعْدُ، فَتُعْتَبَرُ حَالَةُ الرَّمْيِ وَالمَرْمِيِّ إِلَيْهِ فِيهَا مُتَقَوْمٌ، وَلِهَذَا تُعْتَبَرُ حَالَةُ الرَّمْي فِي حَقِّ الحِلِّ حَتَّى لَا يَحْرُمَ بِرِدَّةِ الرَّامِي بَعْدَ الرَّمْي، وَكَذَا فِي حَقِّ التَّكْفِيرِ، حَتَّى جَازَ بَعْدَ الجُرْحِ قَبْلَ المَوْتِ. وَالفِعْلُ وَإِنْ كَانَ عَمْدًا، فَالقَوَدُ سَقَطَ لِلشُّبْهَةِ، وَوَجَبَت الدِّيَةُ. (وَلَوْ رَمَى إِلَيْهِ وَهُوَ مُرْتَدُّ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ وَقَعَ بِهِ السَّهْمُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ بَابٌ فِي اعْتِبَارِ حَالَةِ الْقَتْلِ ذكر أحوال القتل بعد وجود ذكر القتل وما يتعلق به؛ لأن الحال صفة، والصفة تعتري [وجود] (١) الشيء. قوله: (فعلى الرامي الدية عند أبي حنيفة)؛ أي: لورثة المرتد. (وقالا: لا شيء عليه) من الدية والقصاص، وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لأن التلف حصل في محل لا عصمة له، فيكون هدرًا، كما لو جرحه ثم ارتد ثم مات. (وكما إذا أبرأه بعد الجرح)؛ أي: عن الجناية أو حقه، وكما لو أبرأه عن حقه أو الجناية، ثم أصابه السهم. وكما لو أعتق المالك عبد المغصوب؛ يصير مبرئًا للغاصب عن الضمان. كذا في جامع صدر الإسلام. (وله: أن الضمان وجب بفعله)؛ يعني: الرامي إنما يصير قاتلا بفعله، وفعله الرمي لا غير (والمرمي إليه وقت الرمي متقوم). قوله: (فلا شيء عليهم في قولهم)؛ أي: في قول أصحابنا. وقال الشافعي، وأحمد: يجب عليه في المرتد والحربي إذا أصابهما الرمية

стр. 7056

جَمِيعًا، وَكَذَا إِذَا رَمَى حَرْبِيًّا فَأَسْلَمَ) لِأَنَّ الرَّمْيَ مَا انْعَقَدَ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ لِعَدَمِ تَقَوُّمِ المَحِلِّ، فَلَا يَنْقَلِبُ مُوجِبًا لِصَيْرُورَتِهِ مُتَقَوِّمًا بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ: (وَإِنْ رَمَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ، ثُمَّ وَقَعَ السَّهْمُ بِهِ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِلْمَوْلَى) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: عَلَيْهِ فَضْلُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ مَرْمِيًّا إِلَى غَيْرِ مَرْمِيِّ، وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ مَعَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ (*)، لَهُ: أَنَّ العِتْقَ قَاطِع لِلسِّرَايَةِ، بعد إسلامهما الدية؛ لأن الاعتبار لحالة الإصابة؛ إذ الرمي سبب، والإصابة جناية، والاعتبار لحالة الجناية، كما لو حفر بئر الحربي فوقع فيها بعد إسلامه. وقلنا: إن الرمي لم ينعقد موجبًا للضمان؛ لأن المرمي غير متقوم، وإن أصابه متقوما بعده. وأصحابنا اعتبروا حالة الرمي كما في هذه المسألة، وكذا مسألة الرجم على ما يجيء، وكذا في مسألة الرمي ثم تمجس، وكذا في مسألة المحرم على ما يجيء، إلا أنهما يقولان في مسألة رمى مسلما فارتد؛ أنه بالارتداد يصير مبرئًا للرامي عن الضمان، ولهذا قالا بالارتداد مُبَرِّئًا، والإبراء إنما يصح بعد انعقاد السبب. وأبو حنيفة يقول: بالارتداد لا يصير مُبَرِّنًا؛ لأن في اعتقاد المرتد أن الردة لا تبطل التقوم فكيف يصير مُبرِّئًا عن الضمان؟ كذا في جامع قاضي خان، والتمرتاشي، والمحبوبي. قوله: (فعليه قيمته للمولى عند أبي حنيفة) إلى آخره: وقال الشافعي، وأحمد: يجب عليه دية حر لورثته؛ لما ذكرنا من أن الاعتبار للضمان عندهما حالة الإصابة. وبقولهما: قال زفر. (له)؛ أي: لمحمد (أن العتق قاطع للسراية)؛ لأن توجه السهم إليه أوجب إشرافه على الهلاك، فصار ذلك كالجرح الواقع به، ولو جرحه ثم أعتقه مولاه؛

стр. 7057

وَإِذَا انْقَطَعَتْ بَقِيَ مُجَرَّدُ الرَّمْي، وَهُوَ جِنَايَةٌ يَنْتَقِصُ بِهَا قِيمَةُ المَرْمِيّ إِلَيْهِ بِالإِضَافَةِ إِلَى مَا قَبْلَ الرَّمْي فَيَجِبُ ذَلِكَ، وَلَهُمَا: أَنَّهُ يَصِيرُ قَاتِلًا مِنْ وَقْتِ الرَّمْي، لِأَنَّ فِعْلَهُ الرَّمْيُ وَهُوَ مَمْلُوكٌ فِي تِلْكَ الحَالَةِ فَتَجِبُ قِيمَتُهُ؛ بِخِلَافِ القَطْعِ وَالجُرْحِ؛ لِأَنَّهُ إِتْلَافُ بَعْضِ المَحِلّ، وَأَنَّهُ يُوجِبُ الضَّمَانَ لِلْمَوْلَى، وَبَعْدَ السِّرَايَةِ لَوْ وَجَبَ شَيْءٌ لَوَجَبَ لِلْعَبْدِ، فَتَصِيرُ النِّهَايَةُ مُخَالِفَةً لِلبِدَايَةِ. أَمَّا الرَّمْيُ قَبْلَ الإِصَابَةِ لَيْسَ بِإِتْلَافِ شَيْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لَهُ فِي المَحِلّ، وَإِنَّمَا لانقطعت سراية جنايته، ولم يضمن قيمته ولا ديته بالاتفاق، ولكن يضمن نقصانه؛ لانتقاص قيمته بالإضافة إلى ما قبل الرمي، فكذا هنا. قوله: (وإذا انقطعت السراية فبقي مجرد الرمي) إلى آخره: وإنما قال: إن العتق قاطع للسراية؛ لما أن ابتداء الفعل يقتضي ثبوت الضمان للمولى، وانتهاء الفعل يقتضي ثبوته للمرمي إليه؛ فيكون انتهاء الفعل مخالفا لأوله، فلا بد أن يجعل العتق قاطعا للسراية ضرورة. وفرق أبو يوسف بين هذه المسألة والمسألة الأولى، وهو أن المرمي مسلم (١) وارتد حالة الإصابة، فقال هنا: بالردة يخرج من أن يكون معصوما، فيكون مسبوقا، أما هاهنا فالمعترض على الضمان ليس إلا العتق، وأنه لا ينافي وجوب الضمان، بل يؤكده لعدم سقوط عصمته، بل ازدادت، فلا يلزم المخالفة بين النهاية والبداية في استحقاق الضمان، وتجب القيمة دون الدية؛ لأنه انعقد موجبا للقيمة، ولا يعترضه ما ينافيه، فلا تعتبر بعده. كذا في جامع المحبوبي. قوله: (أما الرمي (٢) قبل الإصابة ليس بإتلاف شيء منه)؛ أي: من المرمي إليه. (لأنه)؛ أي: لأن الرمي (لا أثر له)؛ أي: للرمي (في المحل)؛ لعدم إصابته إلى المحل، فلم تخالف النهاية البداية. بخلاف الجرح؛ فإن هناك اتصلت بالمحل، ووجب ضمان الجرح للمولى في الحال، وعند السراية لو قلنا

стр. 7058

قلت الرَّغَبَاتُ فِيهِ فَلَا يَجِبُ بِهِ ضَمَانٌ، فَلَا تَتَخَالَفُ النّهَايَةُ وَالبِدَايَةُ، فَتَجِبُ قِيمَتُهُ لِلْمَوْلَى. وَزُفَرُ وَإِنْ كَانَ يُخَالِفُنَا فِي وُجُوبِ القِيمَةِ نَظَرًا إِلَى حَالَةِ الإِصَابَةِ، فَالحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا حَقَقْنَاهُ. قَالَ: (وَمَنْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالرَّجْمِ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ ثُمَّ رَجَعَ أَحَدُ الشُّهُودِ، ثُمَّ وَقَعَ بِهِ الحَجَرُ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الرَّامِي) لِأَنَّ المُعْتَبَرَ حَالَةُ الرَّمْيِ، وَهُوَ مُبَاحُ الدَّمِ فِيهَا. (وَإِذَا رَمَى المَجُوسِيٌّ صَيْدًا، ثُمَّ أَسْلَمَ، ثُمَّ وَقَعَتِ الرَّمْيَةُ بِالصَّيْدِ، لَمْ يُؤْكَلْ، وَإِنْ رَمَاهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ، ثُمَّ، تَمَجَّسَ - وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ -: أُكِلَ) لِأَنَّ المُعْتَبَرَ حَالُ الرَّمْيِ فِي حَقِّ الحِلِّ وَالحُرْمَةِ، إذ الرَّمْيُ هُوَ الذَّكَاةُ فَتُعْتَبَرُ الْأَهْلِيَّةُ وَانْسِلَابُهَا عِنْدَهُ. (وَلَوْ رَمَى المُحْرِمُ صَيْدًا، ثُمَّ حَلَّ، فَوَقَعَتْ الرَّمْيَةُ بِالصَّيْدِ، فَعَلَيْهِ الجَزَاءُ، وَإِنْ رَمَى حَلَالٌ صَيْدًا، ثُمَّ أَحْرَمَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الضَّمَانَ إِنَّمَا يَجِبُ بِالتَّعَدِّي، وَهُوَ رَمْيُهُ فِي حَالَةِ الإِحْرَامِ، وَفِي الأَوَّلِ: هُوَ مُحْرِمٌ وَقْتَ الرَّمْيِ، وَفِي الثَّانِي: حَلَالٌ، فَلِهَذَا افْتَرَقَا. بوجوب ضمان النفس؛ كان ذلك للعبد الميت، فخالفت النهاية البداية، فكذلك قطع العتق السراية. هذا كله مما أشار إليه المحبوبي. وقال الشافعي وأحمد في وجه: تجب دية حر في الجرح أيضًا؛ لأن الجناية معتبرة حال استقرارها، وهو حينئذ حر. وعن أحمد في وجه كقولنا، أي: للسيد كمال قيمته. قوله: (وانسلابها)؛ أي: سقوط الأهلية (عنده)؛ أي: عند الرمي.

стр. 7059

كِتَابُ الدِّيَاتِ قَالَ: (وَفِي شِبْهِ العَمْدِ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ عَلَى العَاقِلَةِ، وَكَفَّارَةٌ عَلَى القَاتِلِ) وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي أَوَّلِ الجِنَايَاتِ. كِتَابُ الدِّيَاتِ قدم القصاص؛ لأنه هو الأصل، قال الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وصيانة الحياة والأنفس فيه أقوى، والدية كالخلف له، ولهذا تجب بالعوارض كالخطأ وما في معناه، وقد بينا المحاسن في أول الجنايات. والدية لغة: مصدر وَدَى القاتل المقتول؛ إذا أعطى وَلِيَّهُ المال الذي هو بدل النفس. ثم قيل لذلك المال تسمية بالمصدر، وكان التاء في آخرها عوضًا عن الواو في أولها، كالعدة، والأمر يجيء من ودى يدي دوا، ومنه الحديث: «قُومُوا فَدُوهُ» (١). وأصل التركيب يدل على معنى الجَرْي، ويخرج منه الوادي؛ لأن الماء يدي فيه، أي: يجري. والأرش: اسم للواجب على ما دون النفس. وفي الصحاح: الأرش دية الجراحات (٢). ثم الأصل في وجوب الدية: الكتاب، قال الله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]. والسنة: فروى أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم، أنه ﷺ كتب لعمرو بن حزم كتابًا إلى أهل اليمن فيه الفرائض والسنن والديات، وقال فيه: «وَأنَّ في

стр. 7060

قَالَ: (وَكَفَّارَتُهُ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] الآيَةُ ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ بِهَذَا النَّصِّ (وَلَا يُجْزِئُ فِيهِ الإِطْعَامُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ نَصُّ، وَالمَقَادِيرُ تُعْرَفُ بِالتَّوْقِيفِ، وَلِأَنَّهُ جَعَلَ المَذْكُورَ كُلَّ النفس مائةً مِنَ الإِبِلِ» (١) رواه النسائي في سننه، ومالك في موطئه. وقال ابن عبد البر: هو كتاب مشهور عند أهل السير وأهل العلم، فاستغني بشهرتها عن الإسناد؛ لأنه أشبه المتواتر في مجيئه في أحاديث كثيرة، تأتي في مواضعها من الكتاب. وأجمع أهل العلم على وجوب الدية في الجملة. وفي المبسوط: القتل من أعظم الكبائر، فلا بد له من زاجر، إلا أنه لو وقع الاقتصار على الزجر بالوعيد في الآخرة؛ ما انزجر إلا أقل القليل، وإنما أكثر الناس إنما ينزجر عن مخافة العاجلة بالعقوبة، فشرع فيه القصاص والدية؛ لتحقيق معنى الزجر، وهذا الكتاب لبيان ذلك، وقد سماه محمد كتاب الديات؛ لأن وجوب الدية بالقتل أعم من وجوب القصاص، فإن الدية تجب في الخطأ وسببه العمد، فرجح جانب الدية في نسبة الكتاب (٢). قوله: (ولا يجزئ فيها)؛ أي: الكفارة (الإطعام) وبه قال الشافعي في قول، ومالك، وأحمد في رواية. وقال الشافعي، ومالك، وأحمد في رواية: فإن لم يقدر على الصيام يجب إطعام ستين مسكينًا؛ لأنها كفارة فيها عتق وصيام شهرين متتابعين، فكان فيها إطعام ستين مسكينا عند عدمهما، ككفارة الظهار والفطر في رمضان. وقلنا: هذا من المقادير والمقادير لا تعرف بالرأي، بل بالنص، ولم يرد به نص؛ لأن المذكور في النص كل الواجب؛ لأن (٣) بدخول الفاء يعلم أنه خبر الشرط المذكور قبله، وهو إنما يكون خبرًا أن لو كان كل الجزاء، وإلا لا يكون جزاء؛ لأن الجزاء اسم للكافي.

стр. 7061

الوَاجِبِ بِحَرْفِ الفَاءِ، أَوْ لِكَوْنِهِ كُلَّ المَذْكُورِ عَلَى مَا عُرِفَ (وَيُجْزِئُهُ رَضِيعُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمٌ) لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ بِهِ، وَالظَّاهِرُ بِسَلَامَةِ أَطْرَافِهِ (وَلَا يُجْزِئُ مَا فِي البَطْنِ) لِأَنَّهُ لَا تُعْرَفُ حَيَاتُهُ وَلَا سَلَامَتُهُ. قَالَ: (وَهُوَ الكَفَّارَةُ فِي الخَطَأ) لِمَا تَلَوْنَاهُ (وَدِيتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ (أو لأنه)؛ أي: العتق أو الصيام (كل المذكور) وهذا ينفي كون غيره غير مراد؛ إذ لو كان غيره مراد الذكر لأنه موضع الحاجة إلى البيان، فحيث لم يذكر؛ دل أنه غير مراد؛ لأن السكوت عن البيان في موضع الحاجة بيان. قوله: (لأنه مسلم به)؛ أي: بأخذ الدية. قوله: (والظاهر بسلامة أطرافه): هذا جواب السؤال مقدر، وهو أن يقال: ينبغي أن لا يصح عتقه؛ لأنه يجب في ذكره ولسانه حكومة عدل - كما سيجيء، وسلامة أطرافه غير [معلوم] (١)، وسلامة الأطراف في عتق الرقبة شرط لوقوعه كفارة. فقال: والظاهر سلامة أطرافه، والظاهر يصلح حجة للدفع لا للإلزام، وفي إيجاب الدية في القطع إلزام الدية، فلا يصلح حجة. أما هاهنا لدفع الواجب. ولأنه إذا عاين هاهنا يعرف سلامة أطرافه، أما هناك لو قطعت أطرافه لم يظهر لنا سلامة أطرافه، لا في حال القطع ولا بعد العتق، وفي الإعتاق لم ينسد باب حدوث السلامة، فافترقا. قوله: (وهو الكفارة)؛ أي: عتق الرقبة الذي ذكرنا في شبه العمد هو الكفارة في الخطأ. قوله: (وديته)؛ أي: دية شبه العمد. قيد به؛ لأن دية الخطأ المحض مائة من الإبل أرباعًا. وقوله: (عند أبي حنيفة): فالاقتصار على قول أبي حنيفة مخالف لعامة روايات الكتب، من المباسيط وغيرهم، والجوامع، والأسرار، والإيضاح؛ فإن المذكور فيها عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وكتب في بعض النسخ: (عند أبي

стр. 7062

مِائَةٌ مِنْ الإِبِلِ أَرْبَاعًا: خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةٌ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً (*) وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ: أَثْلَاثًا، ثَلَاثُونَ جَذَعَةٌ، وَثَلَاثُونَ حِقَّةٌ، وَأَرْبَعُونَ ثَنِيَّةٌ، كُلُّهَا خَلِفَاتٌ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا، لِقَوْلِهِ ﵊: «أَلَا إِنَّ قَتِيلَ خَطَإِ العَمْدِ قَتِيلُ السَّوْطِ وَالعَصَا، وَفِيهِ مِائَةٌ مِنْ الإِبِلِ أَرْبَعُونَ مِنْهَا فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» وَعَنْ عُمَرَ ﵁: ثَلَاثُونَ حِقَّةٌ حنيفة وأبي يوسف)؛ موافقا لعامة الروايات. وقوله: (عشرون بنت مخاض): بنصب بنت، وكذا في غيره؛ لأن مميز أحد عشر إلى تسعة وتسعين يجيء منصوبًا. الخلفة: الحامل من النوق، وجمعها: مخاض من غير لفظها، وقد يقال: خلفات، فعلى هذا التفسير، كان قوله: (في بطونها أولادها) صفة مقررة، كما في قوله ﷺ : «مَا أَبْقَتْهُ الفَرَائِضُ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (١). فدية شبه العمد أرباعًا كما ذكر في الكتاب عند أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومالك، وأحمد في رواية، وبه قال الزهري، وربيعة، وسليمان بن يسار. وعند محمد، والشافعي وأحمد في رواية أخرى: أثلاثا كما ذكر في الكتاب؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه ﷺ قال: «من قتل مُتعمِّدًا دُفِعَ إِلَى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتَلُوهُ وإن شاؤوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حِقَّةً، وثلاثون جَذَعَةً، وأربعونَ خَلِفةً، وما صالحوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ» (٢) رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب. وعن ابن عمر أنه ﷺ قال: «ألا إن في قتيل عمدِ الخَطَا قتيل السوط والعصا، مِائَةٌ مِنَ الإبل أربعونَ خَلِفَةً في بطونها أولادها» (٣) رواه أبو داود، وأحمد، وغيرهما.

стр. 7063

وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَلِأَنَّ دِيَةَ شِبْهِ العَمْدِ أَغْلَظُ، وَذَلِكَ فِيمَا قُلْنَا. وَلَهُمَا: قَوْلُهُ ﵊: «فِي نَفْسِ المُؤْمِنِ مِائَةٌ مِنْ الإِبِلِ» وَمَا رَوَيَاهُ غَيْرُ ثَابِتٍ، وعن عمرو بن شعيب أن رجلا حذف ابنه بالسيف فقتله، فأخذ عمر منه الدِّية، ثلاثين حِقَّةً وثلاثين جَذَعَةً وأربعين خَلِفةً. رواه مالك في الموطأ (١). ولنا ما روى الزهري عن السائب بن يزيد قال: كانت الدية في عهد رسول الله ﷺ أرباعًا، خمسا وعشرين جذعة، وخمسا وعشرين بنت لبون، وخمسا وعشرين حِقَّة، وخمسا وعشرين بنت مخاض، ومعلوم أنها لم يرد به الخطأ؛ لأنها في الخطأ تجب أخماسًا، فعرف أن المراد به شبه العمد. وقال ﷺ : «فِي نَفْسِ المُؤمِنِ مائةٌ مِنَ الإِبِلِ» (٢)، والمراد: أدنى ما يكون منه، وما قلنا أدنى. وعن ابن مسعود: "دية شبه العمد أرباعًا "، وهكذا عن علي، كما ذكر في الكتاب. ولأن دية شبه العمد أغلظ من دية الخطأ المحض (وذلك)؛ أي: كونها أغلظ (فيما قلنا)؛ لأن في الخطأ المحض تجب أخماسًا. ولأن الدية إنما تجب عوضا عن المقتول، والحامل لا يجوز أن تستحق في شيء من المعاوضات؛ لما أن صفة الحمل لا يمكن الوقوف عليها، أو لأن الجنين من وجه كالمنفصل، فيكون هذا في معنى إيجاب الزيادة على المائة. وبالاتفاق أن صفة التغليظ من حيث السن لا من حيث العدد، والديات تعتبر بالصدقات؛ لأنها تجب على العاقلة بطريق الصلة للقاتل، كالصدقات والشرع نهى عن أخذ الحوامل في الصدقات؛ لأنها كرائم أموال الناس، فكذلك في الديات. كذا في المبسوط (٣). قوله: (وما روياه)؛ أي: محمد والشافعي من الحديث لا تكاد تصح (٤).

стр. 7064

لاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي صِفَةِ التَّعْلِيظِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ بِالتَّغْلِيظِ أَرْبَاعًا كَمَا ذَكَرْنَا، وَهُوَ كَالمَرْفُوعِ، فَيُعَارَضُ بِهِ. قَالَ: (وَلَا يَثْبُتُ التَّغْلِيظُ إِلَّا فِي الإِبِلِ خَاصَّةً) لِأَنَّ التَّوْقِيفَ فِيهِ، فَإِنْ قَضَى بِالدِّيَةِ فِي غَيْرِ الإِبِلِ لَمْ تَتَغَلَّ لِمَا قُلْنَا. الزيادة، وهي أربعونَ مِنها خَلِفاتٌ في بطونها أولادها، وهذه الزيادة لم تثبت؛ لأنه ﵇ قاله في حجة الوداع في خطبته، وكان بمحضر من جماعة الصحابة، ولم يَرْوِ هذا الحديث إلا نعمان بن بشير، وهو في ذلك الوقت من الصبيان، وقد خفي الحديث على كبار الصحابة، حيث اختلفوا فيما بينهم في [صفة] (١) التغليظ، ولم تجر المحاجة [بينهم] (٢) بالحديث، علم أنه لا يكاد يصح. كذا في المبسوط (٣). وفي شرح الأقطع: وما رواه محمد والشافعي معارض لأثر ابن مسعود؛ لأن ابن مسعود ما قال ذلك إلا سماعًا؛ لأنه لا مدخل للرأي في المقادير، وإذا تعارض الخبران كان الأخذ بالمتيقن أولى، وهو أدنى الإبل أولى، وهذا معنى قوله: (كالمرفوع)؛ أي أثر ابن مسعود كالمرفوع (فيعارض به) فيؤخذ (٤) بالأدنى. قوله: (لاختلاف الصحابة في صفة التغليظ) فإن عمر، وزيدًا، وأبا موسى الأشعري، والمغيرة بن شعبة، قالوا كما قال محمد والشافعي. وعن علي وعثمان وزيد بن ثابت في رواية عنه: أنهم قالوا ثلاثون حقة، وثلاثون بنت لبون، وأربعون خلفة. وعن ابن مسعود كما ذكرنا. ثم على قول الشافعي ومحمد: لو اختلف في حملها يرجع إلى أهل الخبرة، كما يرجع في حمل المرأة إلى قول القوابل. ولو اختلف الولي والجاني بعدما أخذها بقول أهل الخبرة، قال الولي: لم تكن حوامل، وقال الجاني: ولدت عندك؛ فالقول للجاني، وإن أخذها بغير

стр. 7065

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قولهم؛ فالقول للولي؛ لأن الأصل عدم الحمل. ثم دية شبه العمد على العاقلة عندنا، والشافعي، وأحمد في الظاهر، والثوري، وإسحاق، والنخعي، والحكم، وحماد، والشعبي. وقال ابن سيرين وابن شبرمة، وأبو ثور، وقتادة، والثوري، والحارث العكلي، وأحمد في رواية: في مال القاتل. وهكذا يجب أن يكون قول مالك؛ لأن شبه العمد عنده من باب العمد. لهم: أنها موجب فعل قصده، فلم تتحمله العاقلة كالعمد المحض. ولأنها دية مغلظة، فأشبهت دية العمد. ولنا: ما روى أبو هريرة، اقتتلت امرأتان من هذَيْلٍ، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها، فقضى رسول الله ﷺ بدية المرأة على عاقلتها. متفق عليه (١). ولأنه قتل لا يوجب القصاص، فوجبت ديته على عاقلته كالخطأ. ولا يعلم خلاف بين أهل العلم أنها مؤجلة. وحكي عن قوم من الخوارج أنهم قالوا: حالة؛ لأنها بدل متلف فتجب حالة؛ كالقصاص، وبدل سائر المتلفات. وقلنا: يخالف سائر المتلفات والقصاص؛ لأنها تجب على غير الجاني على سبيل المواساة فاقتضت الحكمة تخفيفها عليهم. وقد روي عن عمر وعلي أنهما قضيا بالدية على العاقلة في ثلاث سنين، ولا مخالف لهما في عصرهما، فكان إجماعًا، وقول الخارجي مخالف للإجماع. أما الدية التي تجب في العمد المحض في مال القاتل بالإجماع، ولكن عندنا مؤجلة، وعند الأئمة الثلاثة حالة؛ لأنها بدل النفس كالقصاص.

стр. 7066

قَالَ: (وَقَتْلُ الخَطَأَ تَجِبُ بِهِ الدِّيَةُ عَلَى العَاقِلَةِ، وَالكَفَّارَةُ عَلَى القَاتِلِ) لِمَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ، قَالَ: (وَالدِّيَةُ فِي الخَطَأ: مِائَةٌ مِنْ الإِبِلِ أَخْمَاسًا، عِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونِ، وَعِشْرُونَ ابْنَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً) وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودَ ﵁، وَأَخَذْنَا نَحْنُ وَالشَّافِعِيُّ بِهِ، لِرِوَايَتِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِي قَتِيلِ قُتِلَ خَطَأَ أَخْمَاسًا عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ، وَلِأَنَّ مَا قُلْنَاهُ أَخَفُ، فَكَانَ أَلْيَقَ بِحَالَةِ الخَطَرِ، لِأَنَّ الخَاطِئَ مَعْذُورٌ، غَيْرَ أَنَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَقْضِي بِعِشْرِينَ ابْنَ لَبُونٍ مَكَانَ ابْنِ مَخَاضِ، وَالحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَاهُ. قَالَ: (وَمِنْ العَيْنِ أَلْفُ دِينَارٍ، وَمِنْ الوَرِقِ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مِنْ الوَرِقِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا، .................... وقلنا: دية آدمي، فكانت مؤجلة؛ كدية شبه العمد. قوله: (لما بينا من قبل)؛ إشارة إلى ما ذكر في أول الجنايات. قوله: (أخذنا نحن والشافعي به) وبه قال مالك، وأحمد، وابن المنذر، وأكثر أهل العلم. قوله: (غير أن عند الشافعي يقضي بعشرين ابن لبون مكان عشرين ابن مخاض) وبه قال مالك، والليث، وربيعة. قال الخطابي: روي أنه عليه الصلاة السلام وَدَى الذي قتل بخيبر بمائة من إبل الصدقة، وليس في أسنان الصدقة ابن مخاض. وهكذا روي عن ابن مسعود أيضًا. ولنا: ما روى ابن مسعود ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «في دِيَةِ الخطإ عشرون حقةً، وعشرونَ جَذَعَةً، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنتَ لبون، وعشرون ابن مخاض» (١) رواه النسائي، وأبو داود، وابن ماجة. وأما دية قتيل خيبر فلا حجة لهم فيه؛ لأنهم لم يدعوا على أهل خيبر قتله إلا عمدًا، فتكون ديته دية العمد، وهي من أسنان الصدقة، والخلاف في الخطأ. قوله: (وقال الشافعي من الورق اثني عشر ألفا) وبه قال

стр. 7067

لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَضَى بِذَلِكَ. وَلَنَا: مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَضَى بِالدِّيَةِ فِي قَتِيلِ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَم». وَتَأْوِيلُ مَا رَوَى أَنَّهُ قَضَى مِنْ دَرَاهِمَ كَانَ وَزْنُهَا وَزْنَ سِتَّةٍ، وَقَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ. مالك، وأحمد، وإسحاق (لما روى ابن عباس ﵄ أنه ﷺ قضى في الدية بذلك). وروى يزيد الرقاشي، أنه عليه الصلاة السلام قال: «لأن أجلس مع قوم يذكرون الله من بعد صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس؛ أحبُّ إليَّ من أن أعتق ثمانية من ولد إسماعيل، ديةُ كلِّ واحدٍ منهم اثنا عَشَرَ ألفًا» (١). وعن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ الخمسمائة إلى ألف آية أصبح وله قنطار في الآخرة، والقنطار دية أحدِكم اثنا عشر ألف درهم» (٢). (ولنا: ما روي) إلى آخره وروي عن عمر بن عبد العزيز بعشرة آلاف درهم. وبقولنا: قال الثوري، وأبو ثور صاحب الشافعي. قوله: (وزنها وزن ستة). فإن قيل: (اثني عشر) بوزن ستة تكون أكثر من عشرة آلاف أيضًا، فكيف يفيد هذا التأويل؟ قلنا: يحتمل أنه كان وزن ستة إلا شيء، إلا أنه أضيف الوزن إلى ستة؛ لما أنه كان قريبا من وزن ستة على أن هذا الوزن غير مراد على التعيين، بل يكون محمولاً على وزن يوافق قضاء رسول الله ﷺ ، سواء كان وزن ستة أو خمسة. كذا في مبسوط شيخ الإسلام. ولهذا قال في الأسرار: وروي عن ابن عباس ﵄ أنه ﷺ جعل الدية عشرة آلاف نصيب شريعة. وما رواه الشافعي قضية في حادثة، فيحمل على حال ما إذا كانت الدراهم

стр. 7068

قَالَ: (وَلَا تَثْبُتُ الدِّيَةُ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: مِنْهَا وَمِنَ البَقَرِ مِائَتَا بَقَرَةٍ، وَمِنَ الغَنَمِ أَلْفَا شَاةٍ، وَمِنَ الحُلَلِ مِائَتَا حُلَّةٍ، كُلُّ حُلَّةٍ ثَوْبَانِ) (*). وزن خمسة، فإنها كانت على ذلك في الأغلب إلى عهد عمر، فأبطل عمر ذلك الوزن. أو يحمل على أنه قَضَى برضا الغارم بالدية، أو قَضَى بقيمة الإبل فرضًا. والعجب من الشافعي، أنه لا يعمل بالمرسل، وحديث الحسن مرسل، وحديث الرقاشي ضعيف عند الثقات. ولأنا أجمعنا أنها من الذهب ألف دينار، والدينار متقوم شرعًا بعشرة دراهم على أصولنا، كما في نصاب السرقة دينار أو عشرة دراهم، وكذلك في الصداق. ويستدل أيضًا بموضع الوفاق، فإن الزكاة تجب في المال الكثير لا في القليل، ثم الشرع قَدَّرَ نصاب الفضة ثمانين درهم، ونصاب الذهب بعشرين مثقالاً، فيصير كل دينار بعشرة دراهم. ولأن الواجب في الجنين عشر قيمة الأم عنده، وعندنا عشر قيمتها إن كانت أنثى، والواجب خمسمائة بالنص والإجماع. قوله: (ولا تثبت الدية إلا من هذه الأنواع الثلاثة): اختلف العلماء في الأصل في الدية؛ فقال الشافعي، وأحمد في رواية، وابن المنذر: الإبل فقط، فتجب قيمة الإبل بالغة ما بلغت؛ لأنه ﵊ قال: «ألا إن في قتيل عمد الخطا قتيل السوط والعصا مائةٌ مِنَ الإبل» (١)؛ لأنه ﵊ فرق بين دية العمد والخطا، فغلّظ بعضها وخفف بعضها، ولا يتحقق في غير الإبل. ولأن الإبل مجمع عليه، وما عداه مختلف فيه، فيؤخذ بالمتيقن. وقال أبو حنيفة: الإبل، والذهب، والفضة. وبه قال أحمد، والشافعي [في] (٢) القديم.

стр. 7069

لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ هَكَذَا جَعَلَ ........ وقال أبو يوسف، ومحمد وأحمد في رواية: الإبل، والذهب والفضة، والبقر مائتا بقرة، والغنم ألفا شاة، والحُلَّة مائتا حُلَّة؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أنه قام عمر خطيبًا وقال: "ألا إن الإبل قد غلَتْ، تقوم الإبل على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الوَرِقِ اثني عشر ألفا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلة مائتي حُلة " (١). رواه أبو داود. وفائدة الخلاف: تظهر في اختيار القاتل، فعند أبي حنيفة: فله الخيار من أي أنواع الثلاثة، وفي الصلح، فإن عنده يجوز الصلح على أكثر من مائتي بقر في رواية، وفي رواية عنه: لا يجوز، كقولهما، كما لو صالح على أكثر من مائة ألف، أو ألف دينار. وعند مالك: إن كان القاتل من أهل البوادي والعمود؛ فهي مائة من الإبل، وإن كان من أهل الذهب، كأهل الشام ومصر والمغرب، ومن لحق بهم في ذلك؛ فألف دينار، وإن كان من أهل الورق، كأهل خراسان والعراق وفارس؛ فاثني عشر ألف درهم. ذكره في الجواهر. فعلم أن الأصول عنده ثلاثة، وبالكل جاء الحديث، ففي كتاب عمرو بن حزم أنه عليه الصلاة السلام كتب إلى أهل اليمن «وأن في النفس المؤمنة مائةً مِنَ الإبل، وعلى أهلِ الوَرِقِ ألف دينار» (٢) رواه النسائي. وروى الشعبي، أن عمر جعل على أهل المدينة ألف دينار. رواه أبو داود، وابن ماجه. وما أخذ عمر من البقر والغنم والحلل كان بطريق القيمة للتيسير، فظن الراوي أنه أخذه بطريق التقدير. يؤيده: ما جاء في رواية عمرو بن شعيب أنه قام خطيبا "ألا إن الإبل قد غلت، تقوم الإبل … " إلى آخره. الحلة: إزار ورداء، هو المختار وقيل: في ديارنا قميص وسراويل.

стр. 7070

عَلَى أَهْلِ كُلِّ مَالٍ مِنْهَا. وَلَهُ: أَنَّ التَّقْدِيرَ إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ بِشَيْءٍ مَعْلُومِ المَالِيَّةِ، وَهَذِهِ الأَشْيَاءُ مَجْهُولَةُ المَالِيَّةِ، وَلِهَذَا لَا يُقَدَّرُ بِهَا ضَمَانٌ، وَالتَّقْدِيرُ بِالإِبِلِ عُرِفَ بِالْآثَارِ المَشْهُورَةِ وَعَدِمْنَاهَا فِي غَيْرِهَا، وَذَكَرَ فِي المَعَاقِلِ: أَنَّهُ لَوْ صَالَحَ عَلَى الزِّيَادَةِ عَلَى مِائَتَيْ حُلَّةٍ، أَوْ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، لَا يَجُوزُ، وَهَذَا آيَةُ التَّقْدِيرِ بِذَلِكَ، ثُمَّ قِيلَ: هُوَ قَوْلُ الكُلِّ فَيَرْتَفِعُ الخِلافُ، وَقِيلَ: هُوَ قَوْلُهُمَا. قَالَ: (وَدِيَةُ المَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ) وَقَدْ وَرَدَ هَذَا اللَّفْظُ مَوْقُوفًا قوله: (على أهل كل مالٍ منها)؛ أي: من المذكورات. وقوله: (والتقدير بالإبل) (١) إلى آخره: جواب عن شبهة ترد على قوله: (وهذه الأشياء مجهولة المالية، ولهذا لا يقدر بها ضمان). فقال: ينتقض ما ذكرت بتقدير ضمان الدية بالإبل، مع أنها مجهول المالية. فقال في جوابها: ثبت ذلك بالآثار المشهورة كما ذكرنا. قوله: (في المعاقل)؛ أي: في كتاب معاقل المبسوط. أورد هذا على طريق الشبهة على قول أبي حنيفة، حيث قال فيه: لا يجوز الصلح على أكثر من مائتي حلة، ومائتي بقرة، ومن ألفي شاة (٢)، وهذا علامة التقدير، حيث لم يذكر فيه خلاف أبي حنيفة. فأجاب بجوابين: أحدهما: ما ذكر في معاقل المبسوط. (قول الكل) في الصحيح، كما ذكره بعض مشايخنا أن الخلاف بينهما غير ثابت في الدية من ستة، إلا أن أبا حنيفة ذكر الثلث؛ لأن الغالب في أيدي الناس تلك الأموال، وهذا أظهر استدلالًا بما قاله في كتاب المعاقل. وقيل: اختلاف زمان ومكان. وقال بعض المشايخ: الخلاف ثابت، وما ذكر في المبسوط قولهما لا قوله. قوله: (ودية المرأة على النصف من دية الرجل). قال ابن عبد البر، وابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن ديتها نصف دية

стр. 7071

عَلَى عَلِيٌّ ﵁ وَمَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ﵊، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا دُونَ الثُّلُثِ لَا يَتَنَصَّفُ، وَإِمَامُهُ فِيهِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁، وَالحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَاهُ بِعُمُومِهِ، وَلِأَنَّ حَالَهَا أَنْقَصُ مِنْ حَالِ الرَّجُلِ وَمَنْفَعَتُهَا أَقَلُّ، وَقَدْ ظَهَرَ أَثَرُ النُّقْصَانِ بِالتَّنْصِيفِ. الرجل. وحكى غيرهما عن ابن علية والأصم أنهما قالا: هما سواء؛ لقوله ﵊: «في النفس المؤمنة مائةً مِنَ الإِبل» (١). ولنا: ما كتب عمرو بن حزم «دِيةُ المَرأة على النصفِ مِنْ دِيةِ الرّجل» (٢)، وأجمع الصحابة على ذلك، وما ذكراه يخص بذلك، وقولهما شاذ، ومخالف الإجماع الصحابة. وقال الشافعي: ما دون الثلث لا يتنصف، وكذا الثلث. قاله في القديم، وبه قال مالك، وأحمد، وهو قول الفقهاء السبعة، وابن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، والزهري، وقتادة، والأعرج، وربيعة، وهكذا روي عن عمر، وابنه، وزيد بن ثابت، وعندنا، والشافعي في ظاهر مذهبه، واختاره [ابن] (٣) المنذر، وأبو ثور. (على النصف) (٤): فيما قلَّ أو كَثُرَ، وبه قال الثوري، والليث، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وابن سيرين. وفي النهاية: والصواب أن يقال: الثلث وما دونه لا يتنصف عند الشافعي، أي: في القديم كما ذكرنا. فللشافعي ومن تابعه ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «عقلُ المرأة [مثل] (٥) عقلِ الرّجل حَتَّى تَبْلُغَ الثَّلَثَ مِنْ دِيَتِهَا» (٦) أخرجه النسائي.

стр. 7072

فِي النَّفْسِ، فَكَذَا فِي أَطْرَافِهَا، وَأَجْزَائِهَا اعْتِبَارًا بِهَا وَبِالثُّلُثِ وَمَا فَوْقَهُ. وقال ربيعة: قلت لابن المسيب، كم في إصبع المرأة؟ قال: عشر من الإبل، فقلت: ففي إصبعين؟ قال: عشرون، قلت: ففي ثلاث أصابع؟ قال: ثلاثون، قلت: ففي أربع؟ قال: عشرون، قلت: سبحان الله؛ لما عظمت مصيبتها قلَّ عقلها، قال: أعراقي أنت أم جاهل مسترشد؟ قال: جاهل مسترشد قال: هكذا السنة يا ابن أخي. والسنة مطلقا تقتضي سنة رسول الله ﷺ . وفي [الثلاث] (١) لأحمد روايتان في رواية: يستويان؛ لأنه لم يعبر حد القلة، ولهذا صحت الوصية. وفي الصحيح: لا يستويان؛ لقوله ﷺ : «حتى تبلغ الثلث» (٢) وما بعد حتى يخالف ما قبله؛ لأن الثلث في حد الكثرة؛ لقوله ﷺ : «الثلث كثيرٌ» (٣). ولنا: ما رويناه بعمومه وما ذكر ربيعة، فإن تأثير القطع في إيجاب الأرش لا في إسقاطه، فهذا شيء يحيله العقل. ولأنهما شخصان مختلفان في دية النفس، فكذا فيما دون النفس، كالمسلم والكافر. وأما الحديث فشاذ نادر فيما تعم به البلوى، فلا يمكن إثبات الحكم الذي يحيله العقل به. وقول سعيد: "من السنة" سنة زيد، فإن كبار الصحابة أفتى بخلافه. كذا في المبسوط (٤). وقال ابن قدامة في المغني: إثبات مذهبه والإجماع ممنوع؛ لما ذكر من قول علي، وعمل كبار الصحابة. قوله: (اعتبارًا بها)؛ أي بالنفس (وبالثلث وما فوقه). وفي النهاية: والصواب أن يقال: اعتبارًا بها وبما فوق الثلاثة، بما ذكرنا من أن الثلث يساوي، وما فوق الثلث لا يساوي.

стр. 7073

قَالَ: (وَدِيَةُ المُسْلِمِ وَالذُّمِّيِّ سَوَاءٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: دِيَةُ اليَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِي أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَدِيَةُ المَجُوسِيِّ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَم. وَقَالَ مَالِكٌ: دِيَةُ اليَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِي سِتَّةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، لِقَوْلِهِ ﵊: «عَقْلُ الكَافِرِ نِصْفُ عَقْلِ المُسْلِمِ» وَالكُلُّ عِنْدَهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا، وَلِلشَّافِعِيِّ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊: … ... … ... … ... … قوله: (ودية المسلم [والذمي] (١) سواء): وبه قال علقمة، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والثوري. روي ذلك عن عمر، وعثمان، وابن مسعود، ومعاوية. وقال ابن عبد البر: هو قول ابن المسيب، والزهري. وقال الشافعي: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم. وبه قال أحمد، وهو قول ابن المسيب، وعطاء، والحسن، وعكرمة، وعمرو بن دينار، وإسحاق، وأبو ثور، وروي عن عمر، وعثمان أيضًا. وقال مالك: دية اليهودي والنصراني نصف دية المسلم. وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعروة، وعمرو بن شعيب. وعن أحمد: كنت أقول ديتهما ثلث دية المسلم، إلا أني رجعت عن هذا، وأنا أذهب اليوم إلى نصف دية المسلم. أما دية المجوسي: ثمانمائة درهم باتفاقهم. لمالك: ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أنه ﵊ قال: «دِيةُ المُعاهِدِ نصفُ ديةِ المُسلم (٢)» وفي لفظ: أنه ﵊ «قضى أنّ عقل أهل الكتابِ نصفُ عقلِ المُسلمين» (٣). قوله: (وللشافعي: ما روي أن النبي ﵊ قال:

стр. 7074

جَعَلَ دِيَةَ اليَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِي أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَدِيَةَ المَجُوسِيِّ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَم». وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊ دِيَةٌ كُلِّ ذِي عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ أَلْفُ دِينَارٍ وَكَذَلِكَ قَضَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄، وَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ اللهُ لَمْ يُعْرَفْ رَاوِيهِ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي كُتُبِ الحَدِيثِ، جعل اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم ودية المجوسي ثمانمائة درهم) (١): وهكذا روي عن عمر أنه جعل دية أهل الكتاب أربعة آلاف، ودية المجوسي ثمانمائة درهم. ولأن نقصان الكفر فوق نقصان الأنوثة، وبالأنوثة تنتصف بالإجماع، فينبغي أن يكون بالكفر أنقص منه، فيكون ثلث دية المسلم. ولأن الدية تنتقص باعتبار الرق، وهو أثر من آثار الكفر، فبالكفر أولى. ولأن عقد الذمة أدون من الإسلام، فينبغي ألا يؤثر في حقن الدم مثل الإسلام. (ولنا: قوله ﵊: روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أنه عليه الصلاة السلام [قال:] (٢) «دية اليهودي والنصراني مثل دية المسلم»، وفي رواية: «دية كلِّ ذي عهد في عهده ألف دينار» (٣) وكذا قضى أبو بكر، وعمر وعثمان. رواه أبو هريرة قاله ابن عبد البر أيضًا، وهو مذهبه. ولأنه تعالى قال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، والمراد به: ما هو المراد في قتل المؤمن، ودية مسلمة إلى أهله. كذا في الأسرار، والمبسوط (٤). ولأنه حر معصوم، قال علي: "إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا " الحديث، وما يروى بخلاف هذا من الصحابة، فيكون معصوما، فتكمل ديته كالمسلم. قوله: (لم يذكر في كتب الحديث).

стр. 7075

وَمَا رَوَيْنَاهُ أَشْهَرُ مِمَّا رَوَاهُ مَالِكٌ، فَإِنَّهُ ظَهَرَ بِهِ عَمَلُ الصَّحَابَةِ ﵃. قال ابن قدامة في المغني: وأما حديث عبادة فلم يذكره أصحاب السنن، والظاهر أنه ليس بصحيح (١). قوله: (فإنه ظهر به)؛ أي: بما روينا (عمل الصحابة) كما ذكر الزهري قضى به أبو بكر وعمر وعثمان وكذا كان في عهد رسول الله ﷺ ، فلما كان زمن معاوية جعلها على النصف". وعن علي مثل ذلك، فقال: " إنما بذلوا الجزية … " إلى آخره. وعن ابن مسعود: "دية الذمي مثل دية المسلم". وقال ابن قدامة في المغني جوابًا عن حديث الشافعي: إن قيمة الدية كانت في عهد رسول الله ﷺ ثمانمائة دينار، وثمانمائة درهم (٢)، فلذا جعلها أربعة آلاف؛ لأنها بعض النصف، فكان موافقًا لما روينا؛ وهو أن ديته نصف دية المسلم، وفيه جمع بين الأحاديث، وقول النبي ﷺ مقدم على قول عمر وغيره بغير إشكال، مع أنه روي عنه خلاف ذلك (٣). هذا كلامه. قلنا: الجمع بين الأحاديث فيما ذكرنا، وفيه عمل بالاحتياط، وما قال: إن حديث عمرو [بن] (٤) شعيب كما روينا أخرجه الأئمة في كتبهم لا تضرنا؛ لأن الزهري ثقة، وقد نقله عن النبي ﷺ كما ذكرنا، فتكون الأحاديث والآثار متعارضا، فيكون الاحتياط فيما قلنا، مع أن ما رويناه عن حديث عمرو بن شعيب أخرجه أبو داود في مراسيله، وسند رجاله ثقات عن ابن المسيب، ومراسيله مقبول بالإجماع، ويؤيده مرسلين صحيحين، وعمل الصحابة، ورواه الطحاوي وبسنده وقال: لا يعلم، يروى عن النبي ﷺ في دية المجوسي غير هذا الحديث الذي لا يكتبه أهل الحديث؛ لأجل ابن مطعم من رواية عبد الله بن صالح.
следующие страницы →