← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.

стр. 7071

عَلَى عَلِيٌّ ﵁ وَمَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ﵊، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا دُونَ الثُّلُثِ لَا يَتَنَصَّفُ، وَإِمَامُهُ فِيهِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁، وَالحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَاهُ بِعُمُومِهِ، وَلِأَنَّ حَالَهَا أَنْقَصُ مِنْ حَالِ الرَّجُلِ وَمَنْفَعَتُهَا أَقَلُّ، وَقَدْ ظَهَرَ أَثَرُ النُّقْصَانِ بِالتَّنْصِيفِ. الرجل. وحكى غيرهما عن ابن علية والأصم أنهما قالا: هما سواء؛ لقوله ﵊: «في النفس المؤمنة مائةً مِنَ الإِبل» (١). ولنا: ما كتب عمرو بن حزم «دِيةُ المَرأة على النصفِ مِنْ دِيةِ الرّجل» (٢)، وأجمع الصحابة على ذلك، وما ذكراه يخص بذلك، وقولهما شاذ، ومخالف الإجماع الصحابة. وقال الشافعي: ما دون الثلث لا يتنصف، وكذا الثلث. قاله في القديم، وبه قال مالك، وأحمد، وهو قول الفقهاء السبعة، وابن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، والزهري، وقتادة، والأعرج، وربيعة، وهكذا روي عن عمر، وابنه، وزيد بن ثابت، وعندنا، والشافعي في ظاهر مذهبه، واختاره [ابن] (٣) المنذر، وأبو ثور. (على النصف) (٤): فيما قلَّ أو كَثُرَ، وبه قال الثوري، والليث، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وابن سيرين. وفي النهاية: والصواب أن يقال: الثلث وما دونه لا يتنصف عند الشافعي، أي: في القديم كما ذكرنا. فللشافعي ومن تابعه ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «عقلُ المرأة [مثل] (٥) عقلِ الرّجل حَتَّى تَبْلُغَ الثَّلَثَ مِنْ دِيَتِهَا» (٦) أخرجه النسائي.

стр. 7072

فِي النَّفْسِ، فَكَذَا فِي أَطْرَافِهَا، وَأَجْزَائِهَا اعْتِبَارًا بِهَا وَبِالثُّلُثِ وَمَا فَوْقَهُ. وقال ربيعة: قلت لابن المسيب، كم في إصبع المرأة؟ قال: عشر من الإبل، فقلت: ففي إصبعين؟ قال: عشرون، قلت: ففي ثلاث أصابع؟ قال: ثلاثون، قلت: ففي أربع؟ قال: عشرون، قلت: سبحان الله؛ لما عظمت مصيبتها قلَّ عقلها، قال: أعراقي أنت أم جاهل مسترشد؟ قال: جاهل مسترشد قال: هكذا السنة يا ابن أخي. والسنة مطلقا تقتضي سنة رسول الله ﷺ . وفي [الثلاث] (١) لأحمد روايتان في رواية: يستويان؛ لأنه لم يعبر حد القلة، ولهذا صحت الوصية. وفي الصحيح: لا يستويان؛ لقوله ﷺ : «حتى تبلغ الثلث» (٢) وما بعد حتى يخالف ما قبله؛ لأن الثلث في حد الكثرة؛ لقوله ﷺ : «الثلث كثيرٌ» (٣). ولنا: ما رويناه بعمومه وما ذكر ربيعة، فإن تأثير القطع في إيجاب الأرش لا في إسقاطه، فهذا شيء يحيله العقل. ولأنهما شخصان مختلفان في دية النفس، فكذا فيما دون النفس، كالمسلم والكافر. وأما الحديث فشاذ نادر فيما تعم به البلوى، فلا يمكن إثبات الحكم الذي يحيله العقل به. وقول سعيد: "من السنة" سنة زيد، فإن كبار الصحابة أفتى بخلافه. كذا في المبسوط (٤). وقال ابن قدامة في المغني: إثبات مذهبه والإجماع ممنوع؛ لما ذكر من قول علي، وعمل كبار الصحابة. قوله: (اعتبارًا بها)؛ أي بالنفس (وبالثلث وما فوقه). وفي النهاية: والصواب أن يقال: اعتبارًا بها وبما فوق الثلاثة، بما ذكرنا من أن الثلث يساوي، وما فوق الثلث لا يساوي.

стр. 7073

قَالَ: (وَدِيَةُ المُسْلِمِ وَالذُّمِّيِّ سَوَاءٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: دِيَةُ اليَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِي أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَدِيَةُ المَجُوسِيِّ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَم. وَقَالَ مَالِكٌ: دِيَةُ اليَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِي سِتَّةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، لِقَوْلِهِ ﵊: «عَقْلُ الكَافِرِ نِصْفُ عَقْلِ المُسْلِمِ» وَالكُلُّ عِنْدَهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا، وَلِلشَّافِعِيِّ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊: … ... … ... … ... … قوله: (ودية المسلم [والذمي] (١) سواء): وبه قال علقمة، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والثوري. روي ذلك عن عمر، وعثمان، وابن مسعود، ومعاوية. وقال ابن عبد البر: هو قول ابن المسيب، والزهري. وقال الشافعي: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم. وبه قال أحمد، وهو قول ابن المسيب، وعطاء، والحسن، وعكرمة، وعمرو بن دينار، وإسحاق، وأبو ثور، وروي عن عمر، وعثمان أيضًا. وقال مالك: دية اليهودي والنصراني نصف دية المسلم. وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعروة، وعمرو بن شعيب. وعن أحمد: كنت أقول ديتهما ثلث دية المسلم، إلا أني رجعت عن هذا، وأنا أذهب اليوم إلى نصف دية المسلم. أما دية المجوسي: ثمانمائة درهم باتفاقهم. لمالك: ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أنه ﵊ قال: «دِيةُ المُعاهِدِ نصفُ ديةِ المُسلم (٢)» وفي لفظ: أنه ﵊ «قضى أنّ عقل أهل الكتابِ نصفُ عقلِ المُسلمين» (٣). قوله: (وللشافعي: ما روي أن النبي ﵊ قال:

стр. 7074

جَعَلَ دِيَةَ اليَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِي أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَدِيَةَ المَجُوسِيِّ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَم». وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊ دِيَةٌ كُلِّ ذِي عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ أَلْفُ دِينَارٍ وَكَذَلِكَ قَضَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄، وَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ اللهُ لَمْ يُعْرَفْ رَاوِيهِ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي كُتُبِ الحَدِيثِ، جعل اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم ودية المجوسي ثمانمائة درهم) (١): وهكذا روي عن عمر أنه جعل دية أهل الكتاب أربعة آلاف، ودية المجوسي ثمانمائة درهم. ولأن نقصان الكفر فوق نقصان الأنوثة، وبالأنوثة تنتصف بالإجماع، فينبغي أن يكون بالكفر أنقص منه، فيكون ثلث دية المسلم. ولأن الدية تنتقص باعتبار الرق، وهو أثر من آثار الكفر، فبالكفر أولى. ولأن عقد الذمة أدون من الإسلام، فينبغي ألا يؤثر في حقن الدم مثل الإسلام. (ولنا: قوله ﵊: روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أنه عليه الصلاة السلام [قال:] (٢) «دية اليهودي والنصراني مثل دية المسلم»، وفي رواية: «دية كلِّ ذي عهد في عهده ألف دينار» (٣) وكذا قضى أبو بكر، وعمر وعثمان. رواه أبو هريرة قاله ابن عبد البر أيضًا، وهو مذهبه. ولأنه تعالى قال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، والمراد به: ما هو المراد في قتل المؤمن، ودية مسلمة إلى أهله. كذا في الأسرار، والمبسوط (٤). ولأنه حر معصوم، قال علي: "إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا " الحديث، وما يروى بخلاف هذا من الصحابة، فيكون معصوما، فتكمل ديته كالمسلم. قوله: (لم يذكر في كتب الحديث).

стр. 7075

وَمَا رَوَيْنَاهُ أَشْهَرُ مِمَّا رَوَاهُ مَالِكٌ، فَإِنَّهُ ظَهَرَ بِهِ عَمَلُ الصَّحَابَةِ ﵃. قال ابن قدامة في المغني: وأما حديث عبادة فلم يذكره أصحاب السنن، والظاهر أنه ليس بصحيح (١). قوله: (فإنه ظهر به)؛ أي: بما روينا (عمل الصحابة) كما ذكر الزهري قضى به أبو بكر وعمر وعثمان وكذا كان في عهد رسول الله ﷺ ، فلما كان زمن معاوية جعلها على النصف". وعن علي مثل ذلك، فقال: " إنما بذلوا الجزية … " إلى آخره. وعن ابن مسعود: "دية الذمي مثل دية المسلم". وقال ابن قدامة في المغني جوابًا عن حديث الشافعي: إن قيمة الدية كانت في عهد رسول الله ﷺ ثمانمائة دينار، وثمانمائة درهم (٢)، فلذا جعلها أربعة آلاف؛ لأنها بعض النصف، فكان موافقًا لما روينا؛ وهو أن ديته نصف دية المسلم، وفيه جمع بين الأحاديث، وقول النبي ﷺ مقدم على قول عمر وغيره بغير إشكال، مع أنه روي عنه خلاف ذلك (٣). هذا كلامه. قلنا: الجمع بين الأحاديث فيما ذكرنا، وفيه عمل بالاحتياط، وما قال: إن حديث عمرو [بن] (٤) شعيب كما روينا أخرجه الأئمة في كتبهم لا تضرنا؛ لأن الزهري ثقة، وقد نقله عن النبي ﷺ كما ذكرنا، فتكون الأحاديث والآثار متعارضا، فيكون الاحتياط فيما قلنا، مع أن ما رويناه عن حديث عمرو بن شعيب أخرجه أبو داود في مراسيله، وسند رجاله ثقات عن ابن المسيب، ومراسيله مقبول بالإجماع، ويؤيده مرسلين صحيحين، وعمل الصحابة، ورواه الطحاوي وبسنده وقال: لا يعلم، يروى عن النبي ﷺ في دية المجوسي غير هذا الحديث الذي لا يكتبه أهل الحديث؛ لأجل ابن مطعم من رواية عبد الله بن صالح.

стр. 7076

فَصْلٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ قَالَ: (وَفِي النَّفْسِ الدِّيَةُ) وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ. قَالَ: (وَفِي المَارِنِ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ) وَالأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ: «فِي النَّفْسِ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ، وَفِي المَارِنِ الدِّيَةُ» والعجب من الشافعي، أنه لا يعمل بأثر الصحابي، فيحتج بقضاء عمر، مع أن ما روى ابن المسيب [عن عمر منقطع؛ لأن ابن المسيب] (١) لم يسمع من عمر، [مع] (٢) أن ما روينا مثبت وما رواه ناف والمثبت مقدم على النافي. وأما قوله: (نقصان) الكفر فوق نقصان الأنوثة فمسلم، إلا أن نقصان الدية فيها باعتبار الرق فغير مسلم بل باعتبار نقصان المالكية أيضًا، ولا تأثير للكفر في نقصان المالكية. وأما اعتبارهم نقصان الدية عن الإسلام فساقط؛ لأن الإحراز والتقويم بالدار عندنا، وهما في ذلك سواء إليه أشار في المبسوط، والأسرار. وديات نساء أهل الكتاب من ديات رجالهم بإجماع أهل العلم، وكذا جراحاتهم كالمسلمين. فَصْلٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ لما ذكر حكم الكل؛ شرع في حكم الجزء. قوله: (في النفس الدية)؛ أي: قتلها سبب لوجوب الدية، كما يقال في النكاح حل، وفي الشراء ملك. كذا في المبسوط (٣). وإنما بدأ بالنفس؛ تبركا بلفظ النبي ﷺ . (وقد ذكرناه)؛ أي: في أول الجنايات، لقوله: (والدية مغلظة على العاقل). (المارن): قصبة الأنف. الحاصل: أن ما في الإنسان من الأعضاء، إن كان واحدًا؛ ففيه الدية كاملة، وإن كان اثنين؛ ففيهما الدية، وفي أحدهما نصف الدية، وإن كان

стр. 7077

وَهَكَذَا هُوَ فِي الكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﵊ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ﵁. وَالأَصْلُ فِي الأَطْرَافِ: أَنَّهُ إِذَا فَوَّتَ جِنْسَ مَنْفَعَةٍ عَلَى الكَمَالِ، أَوْ أَزَالَ جَمَالًا مَقْصُودًا فِي الآدَمِيِّ عَلَى الكَمَالِ، يَجِبُ كُلُّ الدِّيَةِ لِإِتْلَافِهِ النَّفْسَ مِنْ وَجْهِ، وَهُوَ مُلْحَقٌّ بِالإِخْلَافِ مِنْ كُلِّ وَجْهِ تَعْظِيمًا لِلْآدَمِيِّ، أَصْلُهُ: قَضَاءُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالدِّيَةِ كُلِّهَا فِي اللِّسَانِ وَالأَنْفِ، وَعَلَى هَذَا تَنْسَحِبُ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ، فَنَقُولُ: فِي الأَنْفِ الدِّيَةُ لِأَنَّهُ أَزَالَ الجَمَالَ عَلَى الكَمَالِ وَهُوَ مَقْصُودٌ، … ... … ... … ... … ... … ... أربعة؛ ففيها الدية، وفي أحدهما ربع الدية، وإن كان عشرة؛ ففيها الدية، وفي أحدها ربع الدية، فما فوت جنس المنفعة ففيه الدية؛ لأن بفواته يفوت الآدمي من وجه ذكره في المبسوط (١)، ولا يعلم فيه خلاف. وقد روى الزهري عن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن رسول الله ﷺ كتب، وكان في كتابه: «في الأنف إذا وُعِبَتْ جَدْعًا أو اسْتُوعِبَتْ» وفي رواية: «وفي الأنف إذا أُوْعِبَتْ مارِنُهُ الدِّيةُ، وفي اللسان الدية، وفي الشَّفتينِ الدِّيةُ، وفي البيضتينِ الدِّيةُ، وفي الذَّكَرِ الدِّية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرّجل الواحدة نصف الدية» (٢) رواه النسائي، وغيره. قال ابن عبد البر: كتاب عمرو بن حزم معروف عند العلماء، وما فيه متفق عليه إلا قليلا. قوله: (فوَّتَ جنس المنفعة على الكمال أو أزال جمالا على الكمال): قيد بالكمال فيهما؛ احترازًا عما ليس بكامل منها، حيث لا تجب كل الدية، وإن كان فيه تفويت عضو مقصود، كقطع لسان أخرس؛ فإنه لا يجب فيه الدية؛ لأنه لم يفوت جنس منفعة، ولا فوت جمالا على الكمال. ذكره في الذخيرة. فإن قيل: يشكل على قوله: (فوت جمالًا على الكمال) بما لو سلخ جلد الوجه؛ فإنه لا يجب كمال الدية، وقد فوت جمالا على الكمال. قلنا: ذكر شيخ الإسلام في شرحه: لا رواية في هذا، وقود مذهبنا وجوب الدية كاملة.

стр. 7078

وَكَذَا إِذَا قَطَعَ المَارِنَ، أَوْ الأَرْنَبَةَ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلَوْ قَطَعَ المَارِنَ مَعَ القَصَبَةِ، لَا يُزَادُ عَلَى دِيَةٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّهُ عُضْوٌ وَاحِدٌ، فإن قيل: يشكل بما لو قلع الأظفار؛ حيث لا تجب الدية، وقد فوت الجمال على الكمال. قلنا: لا رواية في هذا، وقد اختلف المشايخ فيه، قلنا منعه، ولا يلزم حلق شعر الصدر؛ لأنا نعني جمالا ظاهرًا. وفي لسان الأخرس إذا لم يذهب بقطعه ذوقه؛ حكومة عدل عند جميع أهل العلم. وعن النخعي: يجب فيه كمال الدية؛ لظاهر الحديث. وقلنا: المقصود منه الكلام، ولا كلام فيه، فصار كاليد الشلاء، وآلة الخصي والعنين، والرّجل العرجاء، والعين القائمة العوراء، والسن السوداء. قوله: (أو الأرنبة)؛ وهي طرف الأنف لما ذكرنا؛ وهو قوله: (وقد فوت الجمال على الكمال) (١) وكذا المنفعة؛ لأن المارن لإشمام الروائح في الأنف، لتعلو منها إلى الدماغ، وذلك يفوت بقطع المارن. كذا في المبسوط (٢). وفي شرح الأقطع: الدليل على أن ذهاب الجمال يوجب الدية: ذكر المبرد في كتاب الكامل: أنه عليه الصلاة السلام قال: «وَفِي الصَّعْرِ الدِّيةُ» (٣) قال: وهو اعوجاج الوجه، ومعلوم أن في اعوجاج الوجه ليس شيء غير تفويت الجمال. (ولو قطع المارن مع القصبة): قصبة الأنف: عظمه، وهي واحدة القصب من العظام لا يزاد على دية واحدة وبه قال مالك، وأحمد. وقال الشافعي: في المارن الدية، وفي القصبة حكومة عدل؛ لأن المارن وجه موجب للدية، فوجبت الحكومة في الزائد، كما لو قطع القصبة وحدها مع قطع لسانه.

стр. 7079

وَكَذَا اللِّسَانُ لِفَوَاتِ مَنْفَعَةٍ مَقْصُودَةٍ وَهُوَ النُّطْقُ، وَكَذَا فِي قَطْعِ بَعْضِهِ إِذَا مَنَعَ الكَلَامَ، لِتَفْوِيتِ مَنْفَعَةٍ مَقْصُودَةٍ وَإِنْ كَانَتْ الآلَةُ قَائِمَةٌ، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى التَّكَلُّمِ بِبَعْضِ الحُرُوفِ، قِيلَ: تُقْسَمُ عَلَى عَدَدِ الحُرُوفِ، وَقِيلَ: عَلَى عَدَدِ حُرُوفٍ تَتَعَلَّقُ بِالنِّسَانِ؛ ولنا: قوله ﵊: «وفي الأنف إذا أوعَبَ جَدْعًا الدِّيةُ» (١)، ولأنه عضو واحد، فلم تجب فيه أكثر من دية. ولو قطع أنفه فذهب شمه؛ فعليه ديتان؛ لأن الشم في غير الأنف، فلا تدخل دية أحدهما في الآخر، كالسمع مع الأذن، ولا يعلم فيه خلاف. قوله: (وكذا اللسان)؛ يعني: فيه الدية بلا خلاف لأحد؛ لما ذكر في كتاب عمرو بن حزم. (ولفوات منفعة مقصودة وهو النطق) وفيه جمال أيضًا، قال ﷺ : «المرء بأصْغَرَيهِ قَلبُهُ وَلسانُهُ»، ويقال: ما الإنسان لولا اللسان، إلا صورة ممثلة أو بهيمة مهملة. ولأنه لا يقدر على إقامة مصالحه إلا بإفهام أغراضه، وذا باللسان؛ إذ الآدمي مختار من بين سائر الحيوانات بالبيان، قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣ - ٤]. (وكذا في قطع بعضه إذا منع الكلام)؛ لأن الدية تجب بتفويت المنفعة لا بتفويت صورة الآلة، وقد حصل بقطع البعض، فتجب الدية كاملة. قوله: (تقسم على عدد الحروف)؛ أي: الحروف الثمانية والعشرين من حروف المعجم، وهو قول الأئمة الثلاثة. (وقيل: حروف تتعلق باللسان) وهو قول بعض أصحاب الشافعي، ووجه عن أحمد، وما لم يتعلق باللسان الشفوية، وهي أربعة: الباء، والميم، والفاء، والواو. والحلقية، وهي ستة: الهمزة، والهاء، والحاء، والخاء، والعين، والغين، فهذه عشرة، بقي ثمانية عشر، فبعد ذلك يقسم على عدد الحروف. والأصل فيه: ما نقل أن رجلا قطع طرف لسان رجل في زمن علي، فأمره

стр. 7080

فَبِقَدْرِ مَا لَا يَقْدِرُ تَجِبُ، وَقِيلَ: إِنْ قَدَرَ عَلَى أَدَاءِ أَكْثَرِهَا تَجِبُ حُكُومَةُ عَدْلٍ لِحُصُولِ الإِفْهَامِ مَعَ الاِخْتِلَالِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ أَدَاءِ الأَكْثَرِ: يَجِبُ كُلُّ الدِّيَةِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا تَحْصُلُ مَنْفَعَةُ الكَلَامِ، وَكَذَا الذَّكَرُ، لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ بِهِ مَنْفَعَةَ الوَطْء، وَالإِيلَادِ، وَاسْتِمْسَاكِ البَوْلِ، وَالرَّمْي بِهِ، وَدَفْقِ المَاءِ وَالإِيلَاجِ الَّذِي هُوَ طَرِيقُ الإِعْلَاقِ عَادَةٌ، وَكَذَا فِي الحَشَفَةِ الدِّيَةُ كَامِلَةً، لِأَنَّ الحَشَفَةَ أَصْلٌ فِي مَنْفَعَةِ الإِيلَاجِ وَالدَّفْقِ، وَالقَصَبَةُ كَالتَّابِعِ لَهُ. قَالَ: (وَفِي العَقْلِ إِذَا ذَهَبَ بِالضَّرْبِ الدِّيَةُ) لِفَوَاتِ مَنْفَعَةِ الْإِدْرَاكِ، إِذْ بِهِ يَنْتَفِعُ بِنَفْسِهِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ (وَكَذَا إِذَا ذَهَبَ سَمْعُهُ، أَوْ بَصَرُهُ، أَوْ شَمُّهُ، أَوْ ذَوْقُهُ) لِأَنَّ أن يقرأ أ ب ت ث، فكل ما قرأ حرفًا أسقط من الدية بقدر ذلك، وما لم يقرأ أوجب من الدية بحساب ذلك. كذا في جامع التمرتاشي، والذخيرة. ولو ذهب بجنايته على الحلق والشفة بعض الحلقية والشفوية؛ ينبغي أن يجب بقدره من الثمانية والعشرين. ولو بدل حرفًا مكان حرف، فقال لدرهم: دُلَّهُمْ؛ فعليه ضمان الحرف؛ لتلفه، وما يبدله لا يقوم مقامه. قوله: (وكذا الذكر)؛ أي: تجب فيه الدية، ولا خلاف فيه للعلماء؛ لحديث عمرو بن شعيب. (هو طريق الإعلاق عادة): قيد بالعادة؛ إذ قد يحصل الإعلاق بالسحق أيضًا، إلا أنه خلاف العادة، فإن البكر لو حملت بالسحق يتعسر عليه الولادة، فعلم أن بقطعه يفوت الإيلاد. قوله: (إذا ذهب بالضرب) بأن ضربه على رأسه فذهب عقله. (في معاشه)؛ أي: في دنياه (ومعاده)؛ أي: آخرته؛ إذ العقل من أعظم ما يختص به الآدمي، فبه يدرك الأشياء ويمتاز من البهائم، فكان فيه منفعة مقصودة، وكذا في غيره. ويعرف فوات هذه المعاني بتصديق، الجاني، أو نكوله إذا استحلف، ويعرف فوات البصر بقول العدلين من الأطباء. كذا في المبسوط (١).

стр. 7081

كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَضَى بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ فِي ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ، ذَهَبَ بِهَا العَقْلُ وَالكَلَامُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ. قَالَ: (وَفِي اللَّحْيَةِ إِذَا حُلِقَتْ فَلَمْ تَنْبُتُ الدِّيَةُ) لِأَنَّهُ يُفَوِّتَ بِهِ مَنْفَعَةَ الجَمَالِ. قَالَ: (وَفِي شَعْرِ الرَّأْسِ الدِّيَةُ) لِمَا قُلْنَا. وَقَالَ مَالِكٌ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيّ: تَجِبُ فِيهِمَا حُكُومَةُ عَدْلٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ زِيَادَةٌ فِي الآدَمِيِّ، وَلِهَذَا يُحْلَقُ شَعْرُ الرَّأْسِ كُلُّهُ، وَاللَّحْيَةُ بَعْضُهَا فِي بَعْضِ البِلَادِ. وَصَارَ وفي الذخيرة: طريق معرفة ذهاب السمع أن يتغافل فينادى، فإن أجاب لذلك؛ علم أن سمعه لم يذهب. وحكى الناطفي عن القاضي أبي حازم، والقدوري عن إسماعيل بن حماد: فإن رجلا ضرب على رأس امرأته، فزعمت أن سمعها ذهب، فاشتغل إسماعيل بالقضاء، ثم التفت إليها وهي غافلة، فقال: استر عورتك، فجعلت تجمع ثيابها، فعلم أنها سامعة. وقال أبو يوسف في المنتقى: لا يعرف ذهاب السمع، والقول فيه للجاني. أما طريق معرفة ذهاب البصر؛ قال محمد بن مقاتل الرازي: يستقبل الشمس مفتوحة العين، فإن دمعت عينه؛ علم أن الضوء باق، وإن لم تدمع؛ علم أن الضوء ذاهب. وذكر الطحاوي: أنه يلقى بين يديه حية، فإن هرب من الحية؛ علم أنه لم يذهب بصره. وقال محمد في الأصل: إن لم يعلم بما ذكرنا؛ يعتبر فيه الدعوى والإنكار، والقول للجاني مع يمينه على البتات؛ لأن هذا يمين على فعل نفسه، وهو إذهاب بصر غيره. وفي شرح الكافي: يدخل أرسُ الأَمَةِ في الدية؛ لأن هذه جناية واحدة في موضع واحد، فإذا وجب في العقل الدية؛ لم يجب فيها شيء آخر. قوله: (لما قلنا)؛ وهو أنه تفوت به منفعة الجمال. وبقولنا: قال أحمد، والثوري، سواء كان شعر رجل أو امرأة، أو كبير أو صغير، ويؤجل سنة، فإن

стр. 7082

كَشَعْرِ الصَّدْرِ وَالسَّاقِ، وَلِهَذَا يَجِبُ فِي شَعْرِ العَبْدِ نُقْصَانُ القِيمَةِ، وَلَنَا: أَنَّ اللَّحْيَةَ فِي وَقْتِهَا جَمَالٌ وَفِي حَلْقِهَا تَفْوِيتُهُ عَلَى الكَمَالِ، فَتَجِبُ الدِّيَةُ كَمَا فِي الْأُذُنَيْنِ الشَّاخِصَتَيْنِ، وَكَذَا شَعْرُ الرَّأْسِ جَمَالٌ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ عَدِمَهُ خِلْقَةٌ يَتَكَلَّفُ فِي سَتْرِهِ، بِخِلَافِ شَعْرِ الصَّدْرِ وَالسَّاقِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ جَمَالٌ، وَأَمَّا لِحْيَةُ العَبْدِ، فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يَجِبُ فِيهَا كَمَالُ القِيمَةِ، وَالتَّخْرِيجُ عَلَى الظَّاهِرِ: أَنَّ المَقْصُودَ بِالعَبْدِ نبت؛ لم تجب الدية، وإن مات قبل مضي السنة؛ لا شيء فيه. وقالا: يجب حكومة عدل. ذكره التمرتاشي. قوله: (وفي حلقها)؛ أي: في حلق شعر اللحية (تفويته)؛ أي: تفويت الجمال. والأصل فيه: قوله ﵊: «إِنَّ لِلَّهِ تعالى ملائكة، تسبيحهم: سُبحانَ من زيَّنَ الرِّجالَ باللَّحَى، والنِّسَاءَ بِالقُرون» وفي رواية: «بالذَّوائِبِ» (١). ولأن بنبات اللحية يخرج عن حد الشهوة، ويأمن على نفسه في الأسفار، ويعظم في المحافل، ويهاب في الحروب، فدل أن فيها جمالا، ومنفعة الجمال عند العقلاء يزيد على كل المنافع؛ لأن منفعة الجاه أعظم من الكل، مع أن الحاجب يرد العرق من العين ويفرقه، وهدب العين يرد عنها ويصونها، فجرى مجرى أجفانها، بخلاف شعر الصدر والساق؛ فإنه لا جمال فيهما ولا منفعة. قوله: (وفي الأذنين الشاخصتين)؛ أي: المرتفعتين، من شخص - بالفتح ارتفع، فإن فيه تفويت منفعة الجمال، مع بقاء السماع، وتجب الدية كاملة، فكذا في اللحية. قوله: (وعن أبي حنيفة): روى الحسن عن أبي حنيفة (أنه يجب كمال القيمة)؛ لفوات الجمال، كما في الحر. (والتخريج على الظاهر)؛ أي: على ظاهر الرواية.

стр. 7083

المَنْفَعَةُ بِالاسْتِعْمَالِ دُونَ الجَمَالِ بِخِلَافِ الحُرِّ. قَالَ: (وَفِي الشَّارِبِ حُكُومَةُ عَدْلٍ، هُوَ الأَصَحُ) لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلَّحْيَةِ فَصَارَ كَبَعْضِ أَطْرَافِهَا. (وَلِحْيَةُ الكَوْسَجِ: إِنْ كَانَ عَلَى ذَقَنِهِ شَعَرَاتٌ مَعْدُودَةٌ، فَلَا شَيْءَ فِي حَلْقِهِ لِأَنَّ وُجُودَهُ يَشِينُهُ وَلَا يُزَيِّنُهُ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ عَلَى الخَدِّ وَالذَّقَنِ جَمِيعًا، لَكِنَّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ عَدْلٍ) لِأَنَّ فِيهِ بَعْضَ الجَمَالِ وَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا، فَفِيهِ كَمَالُ الدِّيَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَوْسَجِ، وَفِيهِ مَعْنَى الجَمَالِ، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا فَسَدَ المَنْبَتُ، فَإِنْ نَبَتَتْ حَتَّى اسْتَوَى كَمَا كَانَ، لَا يَجِبُ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ أَثَرُ الجِنَايَةِ، وَيُؤَدِّبُ عَلَى ارْتِكَابِهِ مَا لَا يَحِلُّ، وَإِنْ نَبَتَتْ بَيْضَاءَ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ فِي الحُرِّ، لِأَنَّهُ يَزِيدُ جَمَالاً، وَفِي العَبْدِ تَجِبُ حُكُومَةُ عَدْلٍ، لِأَنَّهُ يَنْقُصُ قِيمَتُهُ، وَعِنْدَهُمَا: تَجِبُ حُكُومَةُ عَدْلٍ، لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ يَشِينُهُ وَلَا يُزَيِّنُهُ، وَيَسْتَوِي العَمْدُ وَالخَطَأُ عَلَى هَذَا الجُمْهُورِ. وبقوله: (وهو الأصح)؛ يحترز عما قال بعض مشايخنا: يجب فيه كمال الدية؛ لأنه عضو على حدة. قوله: (ففيه حكومة عدل) وعند أحمد: لا تفاوت بين كثيفها وخفيفها في وجوب الدية، كما في سائر الأعضاء لا يفترق الحال. وقلنا: فيه تفويت بعض الجمال. ولو حلق نصف لحيته أو رأسه؛ يجب نصف الدية، وبه قال أحمد. وقال بعض أصحابنا: يجب كمال الدية؛ لفوات الجمال بحلق البعض. قوله: (ويستوي فيه الخطأ والعمد في هذا)؛ أي في شعر الرأس واللحية، وكذا في شعر الحاجب عند الجمهور. وقال بعض الناس - وهم أصحاب الظاهر -: يجب في شعر الحاجب واللحية في العمد القصاص؛ لإمكان المساواة. وقلنا: القصاص عقوبة، فلا تثبت قياسًا، بل تثبت بالنص، وما ورد نص في الشعور، ولا يجوز الاستدلال بالنصوص الواردة في الجراحات، قال

стр. 7084

(وَفِي الحَاجِبَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي إِحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ) وَعِنْدَ مَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: تَجِب حُكُومَةُ عَدْلٍ، وَقَدْ مَرَّ الكَلَامُ فِيهِ فِي اللَّحْيَةِ. قَالَ: (وَفِي العَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي اليَدَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الأُذُنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةُ) كَذَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﵊، قَالَ: (وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأَشْيَاءِ نِصْفُ الدِّيَةِ) وَفِيمَا كَتَبَهُ النَّبِيُّ ﵊ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «وَفِي العَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي إِحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ» وَلِأَنَّ فِي تَفْوِيتِ الاثْنَيْنِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ تَفْوِيتُ جِنْسِ المَنْفَعَةِ، أَوْ كَمَالِ الجَمَالِ، فَيَجِبُ كُلُّ الدِّيَةِ، وَفِي تَفْوِيتِ إِحْدَاهُمَا: تَفْوِيتُ النِّصْفِ، فَيَجِبُ نِصْفُ الدِّيَةِ. قَالَ: (وَفِي ثَدْيَي المَرْأَةِ الدِّيَةُ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ وَفِي إِحْدَاهُمَا نِصْفُ دِيَةِ المَرْأَةِ لِمَا بَيَّنَّا، بِخِلَافِ ثَدْيَي الرَّجُلِ، حَيْثُ تَجِبُ حُكُومَةُ عَدْلٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَفْوِيتُ جِنْسِ المَنْفَعَةِ وَالجَمَالِ. تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]؛ لأن حلق الشعر ليس في معنى الجراحة؛ إذ لا يحتاج في إزالته بالجرح والضرب، فلا يتوهم فيه السراية، كما في الجراح؛ لأنه لا روح للشعر، ولهذا لا يتألم الإنسان بحلقه، فلم يكن في معنى ما ورد به النص، مع أنه روي أنه عليه الصلاة السلام قال: «لَا قِصَاصَ فِي الشَّعْرِ». ثم قيل: صورة الخطأ في حلق الشعر: أن يظنه مباح الدم، ثم تبين أنه غير مباح الدم. قوله: (في الأذنين الدية) وبه قال أحمد، ومالك في رواية. وعن مالك في رواية: يجب حكومة عدل؛ لأن الشرع لم يرد فيهما بتقدير، ولا يثبت التقدير بالقياس. ولنا: كتاب عمرو بن حزم، وعمر وعلي قضيا فيهما بالدية. وما روي عن أبي بكر أنه قضى في الأذن بخمسة عشر بعيرا غير ثابت. قاله ابن المنذر.

стр. 7085

(وَفِي حَلَمَتَيْ المَرْأَةِ الدِّيَةُ كَامِلَةً) لِفَوَاتِ جِنْسِ مَنْفَعَةِ الإِرْضَاعِ وَإِمْسَاكِ اللَّبَنِ (وَفِي إِحْدَاهُمَا نِصْفُهَا) لِمَا بَيَّنَّاهُ. قَالَ: (وَفِي أَشْفَارِ العَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي إِحْدَاهَا رُبْعُ الدِّيَةِ) قوله: (وفي حلمتي المرأة الدية) وبه قال الشافعي، وأحمد. وقال الثوري، ومالك: إن ذهب اللبن وجبت الدية، وإلا تجب حكومة عدل. والحلمة: رأس الثدي. وقال أحمد، وإسحاق، والشافعي في قول: في ثديي الرجل الدية. وقال الشافعي في ظاهر مذهبه، ومالك، وابن المنذر: تجب الحكومة، كقولنا. وجه قول أحمد: أن ما وجب فيه الدية من عضو يستوي فيه المرأة والرجل، كسائر الأعضاء. ولأنهما عضوان في البدن منهما الجمال، فتجب الدية بذهابهما، كالأذنين الشاخصتين. ولنا: ما ذكر في المتن. وعن زيد بن ثابت: فيه ثمن الدية. وقال الزهري: عشر من الإبل. قوله: (وفي أشفار العينين الدية وفي إحداها ربع الدية): الأشفار: جمع الشفر؛ وهو منبت الأهداب، وهو الأجفان، فيكون في الأجفان الدية، وفي أحدها ربع الدية عند أكثر أهل العلم. وحكي عن مالك: في جفن العين وحجابها الاجتهاد؛ لأنه لم يعلم تقديره عن النبي ﷺ ، والتقدير لا يثبت قياسًا. وقلنا: إنها أعضاء، وفيها جمال ظاهر، ونفع كامل؛ فإنها تحفظ العين وتقيها الحر والبرد، وتكون كالغلق عليها، يطبقه إذا شاء ويفتحه إذا شاء، ولولاها لقبح منظره، فوجبت فيها الدية كاليدين، والتقدير فيها يثبت بالاستدلال لا بالقياس. وعن الشعبي: يجب في الأعلى ثلثا دية العين، وفي الأسفل ثلثها؛ لأن الأعلى أكثر نفعًا.

стр. 7086

قَالَ ﵁: يُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَهُ الأَهْدَابُ مَجَازًا، كَمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي «الْأَصْلِ» لِلْمُجَاوِرَةِ كَالرَّاوِيَةِ لِلْقِرْبَةِ، وَهِيَ حَقِيقَةٌ فِي البَعِيرِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ الجَمَالَ عَلَى الكَمَالِ وَجِنْسَ المَنْفَعَةِ، وَهِيَ مَنْفَعَةُ دَفْعِ الأَذَى وَالقَذَى عَنِ العَيْنِ، إِذْ هُوَ يَنْدَفِعُ بِالهُدْبِ، وَإِذَا كَانَ الوَاجِبُ فِي الكُلِّ كُلَّ الدِّيَةِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ، كَانَ فِي أَحَدِهَا رُبْعُ الدِّيَةِ، وَفِي ثَلَاثَةٍ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ مَنْبَتَ الشَّعْرِ، وَالحُكْمُ فِيهِ هَكَذَا. وقلنا: كل ذي عدد تجب الدية في جميعه، ففي الواحد بحصته، كاليدين والأصابع، وما ذكره يبطل باليمنى مع اليسرى. ولو قلع العين بأجفانها تجب ديتان؛ لأنهما جنسان، كاليدين والرجلين. قوله: (يُحتمل أن مراده)؛ أي: مراد القدوري (الأهداب) من الأشفار (مجازًا) والأهداب: جمع الهدب؛ وهو الشعر الذي على الأجفان. وهذا الذي ذكره في الكتاب مع البسيط مأخوذ من مبسوط شيخ الإسلام، حيث قال فيه: جعل محمد الأشفار اسمًا للشعر الذي ينبت على حروف العين، وقد خطأه أهل اللغة في هذا، فقالوا: الأشفار منابت الشعور، والشعور تسمى أهدابًا، قالوا: وكأنه أخذ من شفير الوادي، وهو حافته. وسميت منابت الشعور أشفارًا؛ لأنها حدود الأجفان، وإليه ذهب العيني في كلامه، ولكن مشايخنا بأن الأمر كما قالوا: بأن الأشفار اسم لمنابت الشعور، إلا أنه كنى بالأشفار عن الأهداب؛ لمجاورة بينهما، كما سمى العرب القربة راوية، وهو اسم للبعير الذي يستقى عليه الماء؛ لمجاورة واتصال بينهما. (ويحتمل أن يكون مراده منبت الشعر، والحكم فيه هكذا). في المبسوط: يجب في كلِّ شعر ربع الدية، ويستوي فيه أن ينتف الأهداب، وأفسد المنبت، أو قطع الجفون كلها بالأشفار؛ لأن تفويت الجمال يتم بذلك، وكذلك تفويت المنفعة؛ لأنه بالأهداب والجفون نفي الأذى عن العينين، وتفويت ذلك ينقص من البصر، وآخره العمى، فيجب فيها كمال الدية

стр. 7087

(وَلَوْ قَطَعَ الجُفُونَ بِأَهْدَابِهَا، فَفِيهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّ الكُلَّ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ، وَصَارَ كَالمَارِنِ مَعَ القَصَبَةِ. قَالَ: (وَفِي كُلِّ أُصْبُعِ مِنْ أَصَابِعِ اليَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، عُشْرُ الدِّيَةِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «فِي كُلِّ أُصْبُعِ عَشْرٌ مِنْ الإِبِلِ» وَلِأَنَّ فِي قَطْعِ الكُلِّ تَفْوِيتَ جِنْسِ المَنْفَعَةِ، وَفِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَهِيَ عَشَرٌ، فَتَنْقَسِمُ الدِّيَةُ عَلَيْهَا. قَالَ: (وَالْأَصَابِعُ كُلُّهَا سَوَاءٌ) لِإِطْلَاقِ الحَدِيثِ، كما في الأجفان (١). وبه قال أحمد. وقال الشافعي: في الأهداب مفردها تجب حكومة عدل؛ لأنها شعر وزيادة في الآدمي، كما في شعر الرأس واللحية. وبه قال مالك. ولنا: ما قلنا أنه يفوت الجمال، وفيها منفعة دفع الأذى عن العينين، إلى آخره. قوله: (دية واحدة) إلى آخره؛ أي: لا يجب في الأشفار دية أخرى؛ لأنها تابعة للجفون؛ لما أن قوامها بالجفون، فصار كدية النفس مع الأطراف، فمتى وجبت دية النفس لا تجب دية الأطراف. كذا في مبسوط شيخ الإسلام. قوله: (والأصابع كلها سواء): ولا يعلم فيه خلاف، إلا رواية عن عمر: أنه قضى في الإبهام بثلاث عشرة إبل، وفي التي تليها باثني عشر، وفي الوسطى بعشر، وفي التي تليها بتسع، وفي الخنصر بست. وروي عن عمر كقول العامة؛ لإطلاق الحديث، وهو ما روي عن ابن عباس أنه ﷺ قال: «لِكُلِّ إصبع عشر» (٢) رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وهكذا في كتاب عمرو بن حزم. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «هَذِهِ وهَذِهِ سَواءٌ» (٣) يعني: الإبهام والخنصر. أخرجه البخاري، وأبو داود.

стр. 7088

وَلِأَنَّهَا سَوَاءٌ فِي أَصْلِ المَنْفَعَةِ، فَلَا تُعْتَبَرُ الزِّيَادَةُ فِيهِ كَاليَمِينِ مَعَ الشِّمَالِ، وَكَذَا أَصَابِعُ الرِّجْلَيْنِ، لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ بِقَطْعِ كُلِّهَا مَنْفَعَةَ المَشْيِ، فَتَجِبُ الدِّيَةُ كَامِلَةً، ثُمَّ فِيهِمَا عَشْرُ أَصَابِعَ فَتَنْقَسِمُ الدِّيَةُ عَلَيْهَا أَعْشَارًا. قَالَ: (وَفِي كُلِّ أُصْبُعِ فِيهَا ثَلَاثَةُ مَفَاصِلَ؛ فَفِي أَحَدِهَا ثُلُثُ دِيَةِ الأَصْبُعِ)، وَمَا فِيهَا مِفْصَلَانِ فَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُ دِيَةِ الأَصْبُعِ وَهُوَ نَظِيرُ انْقِسَامِ دِيَةِ اليَدِ عَلَى الأَصَابِعِ. قَالَ: (وَفِي كُلِّ مِنْ خَمْسٌ مِنْ الإِبِلِ) لِقَوْلِهِ ﵊ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁: «وَفِي كُلِّ مِنْ خَمْسٌ مِنْ الإِبِلِ» وَالْأَسْنَانُ وَالْأَضْرَاسُ كُلُّهَا سَوَاءٌ، لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا، وَلِمَا رُوِيَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: (ولأنها)؛ أي: الأصابع (سواء في أصل المنفعة)؛ وهو البطش (فلا تعتبر الزيادة) ولا تشكل فصل الكفارة، حيث يفصل الإبهام على سائرها، فلا يجوز مقطوع إبهام اليدين أو الرجلين من الكفارة؛ لأن بفواتهما في فصل الكفارة يفوت جنس منفعة البطش، وهاهنا يعتبر أصل منفعة البطش، وقد مر في الكفارة. قوله: (ففي أحدهما)؛ أي: أحد المفصلين (نصف الدية) ولا يعلم فيه خلاف، إلا ما حكي عن مالك أنه قال: الإبهام أيضًا ثلاثة مفاصل، أحدها باطنة. وليس بصحيح؛ لأن الاعتبار يقتضي وجوب العشر في الظاهر، لا ما بطن منها، وأصابع اليدين والرجلين سواء بلا خلاف. قوله: (والأسنان والأضراس) وكان من حقه أن يقال: والأضراس والثنايا سواء، بالجمع بين النوعين كما ذكر في المبسوط. أو يقال: الأسنان كلها سواء، كما جاء في الحديث؛ لأن السن اسم جنس، والأضراس اسم لغير الثنايا. ولا خلاف لأهل العلم في أن دية السن خمس من الإبل، كما ذكر في الحديث في المتن. وروى أبو داود أنه عليه الصلاة السلام قال: «في الأسنان خَمْسٌ خَمْسٌ» (١).

стр. 7089

وَالأَسْنَانُ كُلُّهَا سَوَاءٌ، وَلِأَنَّ كُلَّهَا فِي أَصْلِ المَنْفَعَةِ سَوَاءٌ، فَلَا يُعْتَبَرُ التَّفَاضُلُ كَالأَيْدِي وَالأَصَابِعِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ خَطَأً، فَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَفِيهِ القِصَاصُ، وَقَدْ مَرَّ فِي الجِنَايَاتِ. قَالَ: (وَمَنْ ضَرَبَ عُضْوًا فَأَذْهَب مَنْفَعَتَهُ: فَفِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، كَاليَدِ إِذَا شُلَّتْ، وحكى ابن المسيب عن عمر أنه قال: «في الأضراس بعير بعير». قال ابن المسيب: لو كنت أنا لجعلت في الأضراس بعيرين بعيرين"، روى ذلك مالك في الموطأ (١)، وعن عطاء نحوه. وفي المبسوط: ولسنا نأخذ بذلك للحديث (٢). ولقد روى ابن عباس أنه ﷺ قال: «الأصابع سواء، والأسنان سواء، الثَّنِيَّةُ والضّرسُ سواءٌ، هَذِهِ وهَذهِ» (٣)، ولقوله ﵊ في حديث أبو داود: «في الأسنان خَمسُ خَمس» (٤). ولأن الكل في أصل المنفعة وهو المضغ سواء، وإن كان في بعضها زيادة منفعة، لكن في بعضها زيادة جمال، والجمال كالمنفعة في الآدمي، حتى قيل: لو قلع جميع أسنانه تجب ستة عشر ألفا، وليس في البدن عضو ديته أكثر من دية النفس سوى الأسنان. وعن الشافعي في وجه: لو قلع زيادة على عشرين سنا؛ تجب دية كاملة في العشرين، ولا تجب في الزيادة شيء. وفي الكوسج تجب أربعة عشر ألفا؛ لأن أسنانه تكون ثمانية وعشرين. حُكِيَ أن امرأة قالت لزوجها يا كوسج، فقال: إن كنت كوسجا فأنت طالق، فسئل أبو حنيفة ﵀ عن ذلك، فقال: تعد أسنانه، إن كانت ثمانية وعشرين فهو كوسج. قوله: (ومن ضرب عضوًا)؛ أي خطأ، إلى آخره، ولا يعلم فيه خلاف.

стр. 7090

وَالعَيْنِ إِذَا ذَهَبَ ضَوْؤُهَا) لِأَنَّ المُتَعَلِّقَ تَفْوِيتُ جِنْسِ المَنْفَعَةِ لَا فَوَاتُ الصُّورَةِ. (وَمَنْ ضَرَبَ صُلْبَ غَيْرِهِ فَانْقَطَعَ مَاؤُهُ تَجِبُ الدِّيَةُ) لِتَفْوِيتِ جِنْسِ المَنْفَعَةِ (وَكَذَا لَوْ أَحْدَبَهُ) قوله: (لأن المتعلق تفويت جنس المنفعة)؛ أي: الموضع الذي تعلق به وجوب كل الدية تفويت جنس المنفعة. فإن قيل: قد ذكرنا من رواية المبسوط والتمرتاشي: أن في قطع اليد الشلاء وفَقْء العين العوراء حكومة عدل، وذكر هاهنا أن في إذهاب منفعة اليدين مع إبقاء الصورة كمال الدية، فعلم (١) أن الصورة والمعنى كل واحد معتبر، موجب شيئًا بحياله، فينبغي أن يجب بقطع اليدين الصحيحين الدية مع الحكومة، فالدية لإزالة المنفعة، والحكومة لإزالة الصورة. قلنا: نعم كذلك، إلا أنه دخل الأقل في الأكثر، كما لو شج فذهب العقل؛ دخل أرش الموضحة في الدية. ولا يقال: في باب الدية، المنفعة المقصودة موجبة الدية، والجمال أيضًا موجب للدية، كما في الأذنين الشاخصتين، وحلق اللحية، والحاجب، ففي قطع اليدين الصحيحين فات الجمال والمنفعة، فينبغي أن تجب ديتين؛ لأنا نقول: الأعضاء التي منها المقصود المنفعة؛ فمعنى الجمال تابع فيها، فباعتباره لا يتكامل الجنايتين في حق الأرش، ولما اجتمعا حصل الجمال تبعًا للمنفعة المقصودة عند الاجتماع معها أولى. إليه أشار في المبسوط. قوله: (لتفويت جنس المنفعة)؛ وهو منفعة النسل، ولا يعلم فيه خلاف. (وكذا لو أحدبه) وبه قال مالك، وأحمد، وعطاء، والحسن، والزهري، وزيد بن ثابت. وقال الشافعي، والقاضي الحنبلي: إن ذهب منيه أو جماعه؛ تجب الدية لذلك المنفعة؛ لأنه عضو لم يذهب منفعته، فلم تجب فيه دية كاملة، كسائر الأعضاء. ولنا: ما روي في كتاب عمرو بن حزم: «وفي الصلب الدِّية» (٢).

стр. 7091

لِأَنَّهُ فَوَّتَ جَمَالًا عَلَى الكَمَالِ، وَهُوَ اسْتِوَاءُ القَامَةِ (فَلَوْ زَالَتْ الحُدُوبَةُ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِزَوَالِهَا لَا عَنْ أَثَرِ. فَصْلٌ فِي الشَّجَاجِ قَالَ: (الشَّجَاجُ عَشْرَةٌ: الحَارِصَةُ) وَهِيَ الَّتِي تَحْرِصُ الجِلْدَ، أَيْ تَخْدِشُهُ وَلَا وعن ابن المسيب: "مضت السُّنَّة أن في الصلب الدية ". (ولأنّه فيه فوت جمالًا على الكمال، وهو استواء القامة): قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] قالوا: المراد به: انتصاب القامة. ولو ذهب منيه وجماعه؛ فعند الشافعي في قول، وأحمد في رواية: تجب ديتان؛ لأن كل واحد منفردًا يوجب الدية، فإذا اجتمعا وجبت ديتان، كالسمع والبصر. وفي رواية عن أحمد دية واحدة، وهو قولنا؛ لأنهما نفع عضو واحد، فلم تجب أكثر من دية واحدة، كما لو قطع لسانه فذهب كلامه وذوقه. قوله: (لزوالها)؛ أي: لزوال الحدوبة بلا أثر. ولو بقي بعض أثر الضربة؛ تجب الحكومة بلا خلاف؛ لأنه بقي بعض الشيء. والله أعلم. فَصْلٌ فِي الشَّجَاج فصل أحكام الشجاج بفصل على حدة؛ لتكاثر مسائل الشجاج اسما وحكما. قوله: (الشجاج عشرة) وجه الانحصار: ظاهر بحسب تعاقب آثارها، كما قيل: إن الشجة لا تخلو إما أن يقطع الجلد أم لا، فإن لم يقطع فلا تكون شجة، ولا كلام فيه، وإن قطعت فلا تخلو إما أن يظهر الدم أم لا، فإن لم يظهر الدم فهي الحارصة، وإن أظهرت، فلا تخلو إما أن يسيل الدم أم لا، فإن لم يسل فهي الدامعة، وإن سالت، فلا يخلو إما أن قطعت بعض اللحم أم لا، فإن لم تقطع فهي الدامية، وإن قطعت، فلا تخلو إما أن يكون ذلك البعض أكثر اللحم الذي بينه وبين العظم أم لا، فإن لم يكن أكثر اللحم فهي الباضعة، وإن

стр. 7092

تُخْرِجُ الدَّمَ (وَالدَّامِعَةُ) وَهِيَ الَّتِي تُظْهِرُ الدَّمَ وَلَا تُسِيلُهُ كَالدَّمْعِ مِنْ العَيْنِ (وَالدَّامِيَةُ) وَهِيَ الَّتِي تُسِيلُ الدَّمَ (وَالبَاضِعَةُ) وَهِيَ الَّتِي تَبْضَعُ الجِلْدَ أَيْ تَقْطَعُهُ (وَالمُتَلَاحِمَةُ) كان أكثر، فلا يخلو إما أن أظهرت الجلدة الرقيقة الحائلة بين اللحم والعظم أم لا، فإن لم تظهر فهي المتلاحمة، وإن ظهرت فهي السمحاق. ثم بعد ذلك، انحصرت على إظهار العظم أم لا، فإن انحصرت، فلا تخلو من أن انحصرت على كسر العظم أم لا، فإن انحصرت عليه فهي الهاشمة، وإن لم تنحصر فلا يخلو إما أن انحصرت على نقل العظم وتحويله، من غير وصول إلى الجلدة التي بين العظم والدماغ أم لا، فإن انحصرت فهي المنقلة، وإلا فهي الأمة، وهي العاشرة. ولم يذكر ما بعدها وهي الدامغة - بالغين المعجمة؛ وهي التي تخرج الدماغ -؛ لأن النفس لا تبقى بعدها، فكان ذلك قتلا لا شجة، والكلام في الشجة لا في القتل، فعلم أن حصر الشجاج تعاقب آثارها. هكذا قرر في المبسوط (١). ثم الخارصة: مأخوذة من خرص القصار الثوب؛ أي: شقه في الدق، وهي تقطع الجلد أيضًا. (والدامعة) - بالعين المهملة -: مأخوذة من الدمع في العين. وسميت بها؛ لأن الدم (٢) فيها بقدر الدمع. وفي الذخيرة: سميت بها؛ لأن صاحبها يدمع بسبب ما يجد من الألم. (والمتلاحمة) في المغرب: هي شجة تشق اللحم دون العظم، ثم تتلاحم بعد شقها؛ أي: تتلاءم وتتلاصق (٣). قال الأزهري: سميت بذلك على ما يؤول إليه، أو على التفاؤل. وفي المبسوط: عن محمد: أن المتلاحمة قبل الباضعة، وهذا اختلاف

стр. 7093

وَهِيَ الَّتِي تَأْخُذُ فِي اللَّحْمِ (وَالسِّمْحَاقُ) وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إِلَى السِّمْحَاقِ، وَهِيَ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ بَيْنَ اللَّحْمِ وَعَظْمِ الرَّأْسِ (وَالمُوضِحَةُ) وَهِيَ الَّتِي تُوضِحُ العَظْمَ أَيْ تُبَيِّنُهُ (وَالهَاشِمَةُ) وَهِيَ الَّتِي تُهَشِّمُ العَظْمَ: أَيْ تَكْسِرُهُ (وَالمُنَقِّلَةُ) وَهِيَ الَّتِي تَنْقُلُ العَظْمَ بَعْدَ الكَسْرِ: أَيْ تُحَوِّلُهُ (وَالآمَّةُ) وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إِلَى أُمِّ الرَّأْسِ، وَهُوَ الَّذِي فِيهِ الدِّمَاغُ. قَالَ: (فَفِي المُوضِحَةِ القِصَاصُ إِنْ كَانَتْ عَمْدًا) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَضَى بِالقِصَاصِ فِي المُوضِحَةِ وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَهِيَ السِّكِّينُ إِلَى العَظْمِ فَيَتَسَاوَيَانِ، فَيَتَحَقَّقُ القِصَاصُ. قَالَ: وَلَا قِصَاصَ فِي بَقِيَّةِ الشَّجَاجِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ المُسَاوَاةِ فِيهَا، لِأَنَّهُ لَا حَدَّ يَنْتَهِي السِّكِّينُ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّ فِيمَا فَوْقَ المُوضِحَةِ كَسْرَ العَظْمِ، وَلَا قِصَاصَ فِيهِ، وَهَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. مأخذ الكلمة لا في الحكم، فذهب محمد إلى أن المتلاحمة مأخوذة من قولك: التحم الشيئان إذا اتصل بالآخر، والمتلاحمة تظهر اللحم ولا تقطعه، والباضعة بعدها؛ لأنها تقطعه (١). وفي ظاهر الرواية: المتلاحمة: ما تعمل في قطع أكثر اللحم، فهو بعد الباضعة. (والآمة): بالمدّ من أَمَّهُ؛ أي: شجَّهُ آمَّةٌ، وهي التي تصل أم الدماغ. وأم الدماغ الجلدة التي تجمع الدماغ. كذا في الصحاح (٢). قوله: (ففي الموضحة القصاص إن كانت عمدًا): ولا يعلم فيه خلاف. قوله: (لأن فيما فوق الموضحة)؛ أي: فيما هو أكثر شجة من الموضحة، وهو ما ذكره بعد الموضحة من الهاشمة، والمنقلة، والأمة. (لا قصاص فيه) ولا يعلم فيه خلاف، إلا ما روي عن ابن الزبير أنه قال: «في المأمومة قصاص، وفي المنقلة قصاص» وليس بثابت عنه ذلك. كذا قال ابن المنذر. وروى ابن ماجه أنه ﷺ قال: «لَا قَودَ في المَأمومَةِ، ولا في المُنَقَّلَةِ، ولا

стр. 7094

وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الأَصْلِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ: يَجِبُ القِصَاصُ فِيمَا قَبْلَ المُوضِحَةِ (*)، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ اعْتِبَارُ المُسَاوَاةِ فِيهِ، إِذْ لَيْسَ فِيهِ كَسْرُ العَظْمِ وَلَا خَوْفٌ هَلَاكِ غَالِبٍ، فَيُسْبَرُ غَوْرُهَا بِمِسْبَارٍ، ثُمَّ تُتَّخَذُ حَدِيدَةٌ بِقَدْرِ ذَلِكَ، فَيُقْطَعُ بِهَا مِقْدَارُ مَا قَطَعَ، فَيَتَحَقَّقُ اسْتِيفَاءُ القِصَاصِ. قَالَ: (وَفِيمَا دُونَ المُوضِحَةِ حُكُومَةُ عَدْلٍ) لِأَنَّهُ في الجَائِفَة» (١) ولأنه لا يمكن اعتبار المساواة. قوله: (فيما قبل الموضحة)؛ أي: دون الموضحة في الأثر، كالسمحاق ونحوه. وفي الكافي: هذا هو الصحيح؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ﴾ [المائدة: ٤٥]، ويمكن اعتبار المساواة كما ذكره في المتن. وهو قول مالك. وروى الحسن عن أبي حنيفة: لا قصاص فيما دون الموضحة. وبه قال الشافعي، وأحمد؛ لأنه جراحة لا تنتهي إلى عظم، فصار كالمأمومة، فلا يجب القصاص؛ لعدم اعتبار المساواة. المسبار: ما يسبر به الجرح. قوله: (وفيما دون الموضحة حكومة العدل)؛ يعني: ما دون الموضحة أثرًا، ولكن قبل الموضحة ذكرًا؛ وهو من الخارصة إلى السمحاق. ولا يقال: هذا مخالف لما ذكره في الأصل قبل هذا: أن فيما قبل الموضحة قصاص. ثم المراد بما دون الموضحة: قبل الموضحة، فقد ذكر اختلاف الحكم مع اتحاد الموضوع؛ لأن هذا الذي ذكره في غير رواية الأصل، ولا قصاص في بقية الشجاج، وما قبل الموضحة بقية الشجاج، فلما لم يلزم القصاص لا بد له عن حكم، وذكر حكمه هاهنا بقوله: (وفيما دون الموضحة حكومة عدل). ثم عند أكثر الفقهاء والعلماء في الشجاج التي لا توقيف فيها؛ حكومة عدل، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد في الأصح منه.

стр. 7095

لَيْسَ فِيهَا أَرْشُ مُقَدَّرُ، وَلَا يُمْكِنُ إِهْدَارُهُ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ بِحُكْمِ العَدْلِ، وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنِ النَّخَعِيِّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ. قَالَ: (وَفِي المُوضِحَةِ إِنْ كَانَتْ خَطَأً نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَفِي الهَاشِمَةِ عُشْرُ الدِّيَةِ، وَفِي المُنَقَلةِ عُشْرُ الدِّيَةِ، وَنِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَفِي الآمَّةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وعن أحمد في رواية: في الدامية بعير، وفي الباضعة بعيرين، وفي المتلاحمة ثلاثة أبعرة، وفي السمحاق أربعة أبعرة؛ لأن (١) هذا يروى عن زيد بن ثابت. وعن علي في السمحاق مثل ذلك. وعن علي وعثمان في السمحاق: نصف أرش الموضحة. والصحيح الأول؛ لأنه لم يثبت فيها مقدر بتوقيف، ولا له قياس يصح، فوجب الرجوع إلى حكومة العدل. وروي عن مكحول أنه قال: "قضى النبي ﷺ في الموضحة بخمس من الإبل، ولم يقض فيما دونه بشيء". وفي المبسوط: روي عن إبراهيم النخعي، وعمر بن عبد العزيز، أنهما قالا: "ما دون الموضحة من الشجاج بمنزلة الخدوش، فيها حكومة عدل"، وما روي عن زيد، وعلي، وعمر، وعثمان؛ غير مشهور (٢). قوله: (وفي الجائفة ثلث الدية). وفي الإيضاح والذخيرة والجائفة: جراحة تصل إلى الجوف من الصدر والبطن والظهر والجنبين، والاسم دليل عليه، وما وصل من الرقبة إلى الموضع الذي إذا وصل إليه الشراب كان مفطرًا، وما فوق ذلك لا يكون جائفة. فعلى هذا ذكر الجائفة في مسائل الشجاج وقع اتفاقًا. قال ابن عبد البر: إن مالكًا وأبا حنيفة والشافعي وأصحابهم اتفقوا على أن الجائفة لا تكون إلا في الجوف، وبه قال البتي، وأحمد. وفي الجائفة ثلث الدية عند عامة أهل العلم؛ من أهل المدينة، وأهل

стр. 7096

فَإِنْ نَفَذَتْ فَهُمَا جَائِفَتَانِ، فَفِيهِمَا ثُلُثَا الدِّيَةِ) لِمَا رُوِيَ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ: وَفِي المُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنْ الإِبِلِ، وَفِي الهَاشِمَةِ عَشْرٌ، وَفِي المُنَقَّلَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَفِي الآمَّةِ وَيُرْوَى: «المَأْمُومَةُ ثُلُثُ الدِّيَةِ» وَقَالَ ﵊: «فِي الجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ» وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنَّهُ حَكَمَ فِي جَائِفَةٍ نَفَذَتْ إِلَى الجَانِبِ الآخَرِ بِثُلُثَي الدِّيَةِ، وَلِأَنَّهَا إِذَا نَفَذَتْ نَزَلَتْ مَنْزِلَةَ جَائِفَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا مِنْ جَانِبِ البَطْنِ وَالأُخْرَى مِنْ جَانِبِ الظَّهْرِ، وَفِي كُلِّ جَائِفَةٍ ثُلُثُ الدِّيَةِ، فَلِهَذَا وَجَبَ فِي النَّافِذَةِ ثُلُنَا الدِّيَةِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ جَعَلَ المُتَلَاحِمَةَ قَبْلَ البَاضِعَةِ، وَقَالَ: هِيَ الَّتِي يَتَلَاحَمُ فِيهَا الدَّمُ، وَيَسْوَدُّ. وَمَا ذَكَرْنَاهُ بَدْءًا مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَهَذَا اخْتِلَافُ عِبَارَةٍ لَا يَعُودُ إِلَى مَعْنَى وَحُكْمِ. وَبَعْدَ هَذَا: شَجَّةٌ أُخْرَى تُسَمَّى الدَّامِغَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إِلَى الدِّمَاءِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهَا لِأَنَّهَا تَقَعُ قَتْلًا فِي الغَالِبِ لَا جِنَايَةً مُقْتَصِرَةٌ مُنْفَرِدَةٌ بِحُكْمِ عَلَى حِدَةٍ، ثُمَّ هَذِهِ الكوفة، وأصحاب الرأي، إلا مكحولاً قال: فيها في العمد ثلثا الدية. ولنا: حديث عمرو بن حزم، كما ذكر في المتن. قوله: (فإن نفذت فهما جائفتان) وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد، وأكثر أهل العلم. قال ابن عبد البر: لا أعلمهم يختلفون في ذلك. وحكي عن بعض أصحاب الشافعي، وعن أبي حنيفة في رواية: أنها جائفة واحدة؛ لأن الجائفة ما ينفذ من ظاهر البدن إلى الجوف، والثانية من الباطن إلى الظاهر. وللعامة: ما روى ابن المسيب " أن أبا بكر قضى فيه بثلثي الدية"، ولا مخالف له، فيكون إجماعًا. وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن عمر قضى فيها بأرش جائفتين ". قوله: (وما ذكرناه بدءًا)؛ أي: أولا (مروي عن أبي يوسف) وهو ظاهر الرواية كما ذكرنا.

стр. 7097

الشَّجَاجُ تَخْتَصُّ بِالوَجْهِ وَالرَّأْسِ لُغَةٌ، وَمَا كَانَ فِي غَيْرِ الوَجْهِ وَالرَّأْسِ، يُسَمَّى جِرَاحَةً، وَالحُكْمُ مُرَتَّبٌ عَلَى الحَقِيقَةِ فِي الصَّحِيحِ، حَتَّى لَوْ تَحَقَّقَتْ فِي غَيْرِهِمَا نَحْوُ السَّاقِ وَاليَدِ لَا يَكُونُ لَهَا أَرْشُ مُقَدَّرٌ، وَإِنَّمَا تَجِبُ حُكُومَةُ العَدْلِ، لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِالتَّوْقِيفِ، وَهُوَ إِنَّمَا وَرَدَ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِمَا، وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا وَرَدَ الحُكْمُ فِيهَا لِمَعْنَى الشَّيْنِ الَّذِي يَلْحَقُهُ بِبَقَاءِ أَثَرِ الجِرَاحَةِ، وَالشَّيْنُ يَخْتَصُّ بِمَا يَظْهَرُ مِنْهَا فِي الغَالِبِ، وَهُوَ العُضْوَانِ هَذَانِ لَا سِوَاهُمَا، وَأَمَّا اللَّحْيَانِ فَقَدْ قِيلَ: لَيْسَا مِنْ الوَجْهِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، حَتَّى لَوْ وُجِدَ فِيهِمَا مَا فِيهِ أَرْشُ مُقَدَّرٌ: لَا يَجِبُ المُقَدَّرُ. وَهَذَا لِأَنَّ الوَجْهَ مُشْتَقٌ مِنْ المُوَاجِهَةِ، وَلَا مُوَاجِهَةَ لِلنَّاظِرِ، فِيهِمَا إِلَّا أَنَّ عِنْدَنَا هُمَا مِنْ الوَجْهِ. قوله: (تختص بالوجه والرأس لغة): وبه قالت الأئمة الثلاثة، وأكثر أهل العلم. وعلى ما ذكر في الإيضاح: يختص بالجبهة والوجنتين والذقن أيضًا. قوله: (ورد) فيما يختص بهما؛ أي: بالوجه والرأس. ثم في الموضحة خمس من الإبل، سواء كان في الوجه أو في الرأس. وبه قال الشافعي، وأحمد، وأكثر أهل العلم. وقال مالك: إذا كانت على الأنف أو في اللحي الأسفل؛ ففيها حكومة عدل؛ لأنها تبعد عن الدماغ، فأشبهت موضحة سائر البدن. وهو معنى قول الشيخ: (وأما اللحيان) إلى قوله: (وهو قول مالك). (ولأن الوجه مشتق من المواجهة، ولا مواجهة للناظر فيهما)؛ أي: في اللحيين (١). ولنا: أنهما من الوجه؛ لاتصالهما به، إلى آخر ما ذكر في المتن. أما الذقن من الوجه بلا خلاف. وعن ابن المسيب أنه قال: "تضعف موضحة الوجه على موضحة الرأس، فيجب في موضحة الوجه عشر من الإبل"، وهو رواية عن أحمد؛ لأن شينها أكثر، وموضحة الرأس يسترها الستر والعمامة.

стр. 7098

لاتِّصَالِهِمَا بِهِ مِنْ غَيْرِ فَاصِلَةٍ، وَقَدْ يَتَحَقَّقُ فِيهِ مَعْنَى المُوَاجِهَةِ أَيْضًا. وَقَالُوا: الجَائِفَةُ تَخْتَصُّ بِالجَوْفِ جَوْفِ الرَّأْسِ، أَوْ جَوْفِ البَطْنِ، وَتَفْسِيرُ حُكُومَةِ العَدْلِ عَلَى مَا قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ: أَنْ يُقَوَّمَ مَمْلُوكًا بِدُونِ هَذَا الْأَثَرِ، وَيُقَوَّمُ وَبِهِ هَذَا الأَثَرُ، ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى تَفَاوُتِ مَا بَيْنَ القِيمَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ نِصْفَ عُشْرِ القِيمَةِ: يَجِبُ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَإِنْ كَانَ رُبْعَ عُشْرٍ، فَرُبْعُ عُشْرٍ. وَقَالَ الكَرْخِيُّ: يُنْظَرُ كَمْ مِقْدَارُ هَذِهِ الشَّجَّةِ مِنْ المُوضِحَةِ. ولنا: عموم الأحاديث، وقول أبي بكر وعمر: "الموضحة في الرأس والوجه سواء"، ولا عبرة لكثرة الشين، بدليل التسوية بين الصغيرة والكبيرة. ولا معنى لقول مالك؛ فإن الموضحة في الصدر أقرب إلى القلب، وأكثر ضررًا، ولا مقدر فيها. قوله: (وقد يتحقق فيه)؛ أي: في اللحي (معنى المواجهة أيضًا) فيكون من الوجه حقيقة. وفي مبسوط شيخ الإسلام والقياس: أن يجب غسلهما؛ لأنهما من الوجه حقيقة، لكن ترك هذه الحقيقة بالإجماع، ولا إجماع هاهنا، فبقيت العبرة للحقيقة. قوله: (وتفسير حكومة العدل). اختلف أصحابنا في تفسير حكومة العدل؛ فقال الطحاوي: هو أن يقوم لو كان عبدًا بدون هذا الأثر، ويقوم وبه الأثر، إلى آخره. وفي فتاوى قاضي خان وعليه الفتوى (١)، وبه أخذ الحلواني، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وأهل العلم. قال ابن المنذر: وهو قول كل من يحفظ عنه العلم. (وقال الكرخي) تفسيره (أن ينظر كم مقدار هذه الشجة من الموضحة) إلى آخره.

стр. 7099

فَيَجِبُ بِقَدْرِ ذَلِكَ مِنْ نِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ، لِأَنَّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ يُرَدُّ إِلَى المَنْصُوصِ عَلَيْهِ. فَصْلٌ: [فِي بَيَانِ مَسَائِلِ الجِرَاحِ التي فيما دُونَ النَّفْسِ فِيمَا دُونَ الرَّأْسِ] قال شيخ الإسلام وهو الأصح؛ لحديث علي، فإنه اعتبر حكومة العدل في الذي قطع طرف لسانه بهذا الاعتبار، ولم يعتبر بالعبيد. وفي المحيط: قالوا: ما قاله الطحاوي ضعيف؛ لأن جراحات العبد لا تشبه جراحات الحر؛ لأن الحر إذا شج موضحة صغيرة أو كبيرة فهما سواء، ولو شج في المملوك موضحة صغيرة؛ يجب فيها أقل ما يجب في الكبيرة. وقال شيخ الإسلام خواهر زاده من مشايخنا من سوى بين الرجل والمرأة في الحكومة، ومنهم من قال: بل تكون على النصف مما يجب في الرجل، وهو الذي ذكره القدوري في تفسير الحكومة. وقال بعض المشايخ في تفسيرها: ينظر إلى قدر ما تحتاج إليه من النفقة إلى أن تبرأ هذه الجراحة، فيجب هذا على الجاني، فإن عرف القاضي مقداره، وإلا يسأل من له علم بذلك من الأطباء. قالوا: هذا لا يقوى؛ لأن الناس مما يتفاوتون في ذلك، فمنهم من يكون أبطأ برءًا، ومنهم من يكون أسرع برءا، فالتقدير بمقدار لا يعرفه كل أحد لتفاوت الناس. ومنهم من قال: تفسيرها: أن ينظر إلى أرش ذلك العضو بكماله، وإلى ما نقصه تلك الجراحة، فتجب بقدر ذلك. هذا إذا بقي للجراحة أثر، فأما إذا لم يبق؛ قال أبو يوسف: لا شيء على الجاني. وقال محمد يلزمه قدر ما أنفق إلى أن يبرأ. وقال أكثر أهل العلم بقول أبي يوسف. فَصْلٌ لما ذكر [في] (١) الجراح الذي يتعلق بالرأس؛ شرع في مسائل ما دونه على الترتيب.

стр. 7100

قَالَ: (وَفِي أَصَابِعِ اليَدِ نِصْفُ الدِّيَةِ) لِأَنَّ فِي كُلِّ أُصْبُعٍ عُشْرُ الدِّيَةِ عَلَى مَا رَوَيْنَا، فَكَانَ فِي الخَمْسِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَلِأَنَّ فِي قَطْعِ الأَصَابِعِ تَفْوِيتَ جِنْسِ مَنْفَعَةِ البَطْشِ، وَهُوَ المُوجِبُ عَلَى مَا مَرَّ (فَإِنْ قَطَعَهَا مَعَ الكَفِّ فَفِيهِ أَيْضًا نِصْفُ الدِّيَةِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «وَفِي اليَدَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي إِحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ» وَلِأَنَّ الكَفَّ تَبَعُ لِلْأَصَابِعِ، لِأَنَّ البَطْشَ بِهَا (وَإِنْ قَطَعَهَا مَعَ نِصْفِ السَّاعِدِ، فَفِي الأَصَابِعِ وَالكَفِّ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي الزِّيَادَةِ حُكُومَةُ عَدْلٍ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ (*)، وَعَنْهُ: أَنَّ مَا زَادَ عَلَى أَصَابِعِ اليَدِ وَالرِّجْلِ، فَهُوَ تَبَعٌ لِلْأَصَابِعِ إِلَى المَنْكِبِ وَإِلَى الفَخِذِ، لِأَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ فِي اليَدِ الوَاحِدَةِ نِصْفَ الدِّيَةِ، وَاليَدُ اسْمٌ لِهَذِهِ الجَارِحَةِ قوله: (في أصابع اليد)؛ أي: اليد الواحدة (نصف الدية)؛ إذ في أصابع اليدين كمال الدية. ولا يعلم فيه خلاف. (على ما روينا)؛ وهو قوله ﵊: «في كُلِّ إصبع عَشْرٌ مِنْ الإبل» (١) في الفصل السابق. وقوله: (على ما مر)؛ إشارة إلى قوله: (لأن في قطع الكل تفويت جنس المنفعة). قوله: (وهو رواية عن أبي يوسف) وبه قال الشافعي في ظاهر مذهبه، والقاضي الحنبلي. (وعنه)؛ أي: عن أبي يوسف إلى آخره وبه قال أحمد، ومالك، وابن أبي ليلى، وبعض أصحاب الشافعي، والنخعي، وقتادة، وعطاء؛ لأن اسم اليد للجميع إلى المنكب لغةً وعرفًا، فلا يلزمه أكثر من ديتها التي قدرها النبي ﷺ بقوله: «في اليدين الدية، وفي إحداهما نصف الدية … » (٢) الحديث. ولأن الساعد ليس له [أرش] (٣) مقدر، فيكون تبعا لما له أرش مقدر، كالكف.

стр. 7101

إلَى المَنْكِبِ، فَلَا يُزَادُ عَلَى تَقْدِيرِ الشَّرْعِ، وَلَهُمَا: أَنَّ اليَدَ آلَةٌ بَاطِشَةٌ وَالبَطْسُ يَتَعَلَّقُ بِالكَفِّ، وَالأَصَابِعُ دُونَ الذَّرَاعِ، فَلَمْ يَجْعَل الذَّرَاعَ تَبَعًا فِي حَقِّ التَّضْمِينِ، وَلِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إِلَى أَنْ يَكُونَ تَبَعًا لِلْأَصَابِعِ، لِأَنَّ بَيْنَهُمَا عُضْوًا كَامِلًا وَلَا إِلَى أَنْ يَكُونَ تَبَعًا لِلْكَفْ، لِأَنَّهُ تَابِعٌ وَلَا تَبَعَ لِلتَّبَعِ. قَالَ: (وَإِنْ قَطَعَ الكَفَّ مِنْ المِفْصَلِ، وَفِيهَا أُصْبُعُ وَاحِدَةٌ، فَفِيهِ عُشْرُ الدِّيَةِ، وَإِنْ كَانَ أَصْبُعَيْنِ فَالخُمُسُ، وَلَا شَيْءَ فِي الكَفَّ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يُنْظَرُ إِلَى أَرْشِ الكَفْ وَالأَصْبُعِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ الأَكْثَرُ، وَيَدْخُلُ القَلِيلُ فِي الكَثِيرِ (*)، لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إِلَى الجَمْعِ بَيْنَ الْأَرْشَيْنِ، (ولهما: أن اليد آلة باطشة)؛ يعني: أرش اليد باعتبار إزالة البطش، والأصل في البطش الأصابع، والكف تبع لها، أما الساعد فلا يتبعها؛ لأنه غير متصل بها، فلم يجعل تبعًا لها في حق التضمين. قوله: (ولا وجه إلى آخره؛ يعني: لا يخلو إما أن يجعل الساعد تبعًا للأصابع أو الكف، ولا يمكن جعله تبعًا للأصابع؛ لأن الكف عضو كامل بينهما، والتبع ما يكون متصلا بالأصل، ولا يمكن تبعه للكف؛ لأن الكف تبع للأصابع. (ولا تبع للتبع): ولما لم يكن تبعا لهما، ولا وجه إلى إهداره، وليس فيه أرش مقدر؛ فتجب الحكومة، كما لو قطعه بعد قطع الكف. ولا حجة له في الحديث؛ لأن اليد إذا ذكرت في موضع القطع، فالمراد منه: من الكوع، كما في آية السرقة. قوله: (ففيه)؛ أي: ففي الإصبع الواحدة عشر الدية) والإصبع يذكر ويؤنث. قوله: (لا) وجه إلى الجمع بين الأرشين؛ أي: أرش الكف وأرش الإصبع، يعني: الجمع بين هذين الأرشين ممتنع اتفاقا؛ لأن ضمان الأصابع ضمان الكف، وضمان الكف ضمان الأصابع، فهما شيء واحد. كذا ذكره فخر الإسلام في جامعه.

стр. 7102

لِأَنَّ الكُلَّ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَلَا إِلَى إِهْدَارِ أَحَدِهِمْ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْلٌ مِنْ وَجْهِ، فَرَجَّحْنَا بِالكَثْرَةِ. وَلَهُ: أَنَّ الأَصَابِعَ أَصْلٌ، وَالكَفُّ تَابِعٌ حَقِيقَةً وَشَرْعًا، لِأَنَّ البَطْشَ يَقُومُ بِهَا، وَأَوْجَبَ الشَّرْعُ فِي أَصْبُعِ وَاحِدَةٍ عَشْرًا مِنْ الإِبِلِ، وَالتَّرْجِيحُ مِنْ حَيْثُ الذَّاتُ وَالحُكْمُ أَوْلَى مِنْ التَّرْجِيحِ مِنْ حَيْثُ مِقْدَارُ الوَاجِبِ (وَلَوْ كَانَ فِي (فرجحنا بالكثرة)؛ يعني: لما لم يجز الإهدار؛ وجب الترجيح بالكثرة، كما قلنا فيمن شج رأس شخص وتناثر بعض شعره، حيث يدخل هناك الأول في الأكثر. (وله)؛ أي: لأبي حنيفة ﵀. (أصل) إلى قوله: (حقيقةً وشرعًا)؛ يعني: من حيث الحقيقة (لأن البطش يقوم بها)؛ أي: بالأصابع، وهو منفعة اليد. (وشرعًا)؛ أي: من حيث الشرع، فإن الإصبع له أرش مقدر شرعًا، والكف ليس له أرش مقدر شرعًا. (والترجيح من حيث الذات والحكم)؛ أي من حيث الحقيقة والشرع (أولى من الترجيح من حيث مقدار الواجب)؛ لما أن التقدير الشرعي ثابت بالنص، وما لم يثبت فيه تقدير يكون تقديره بالرأي، والرأي لا يعارض النص. وأما قولهما: أن بالكثرة أولى؛ فقلنا: إنما يصار إلى الترجيح عند المساواة في القوة، ولا مساواة بين الرأي والنص. وأما مسألة الشجة والشعر، فلا يكون تبعًا للآخر، وفيما نحن فيه الكف كذا ذكره قاضي خان. فلما كان الاعتبار عند أبي حنيفة للنص، وتقدير الشرع لا يتفاوت بين أن يكون الباقي إصبع أو أكثر، ولهذا قال أبو حنيفة: إذا لم يبق من الإصبع إلا مفصل واحد؛ ففي ظاهر الرواية: عنده أرش ذلك المفصل، ويجعل الكف تبعًا له؛ لأن أرش المفصل مقدر شرعًا، وما بقي شيء من الأصل، وإن قل لا حكم للتبع، كما إذا بقي واحد من أصحاب الخطة في المحلة، لا يعتبر السكان. وروى الحسن عن أبي حنيفة: إذا كان الباقي دون إصبع؛ يعتبر فيه الأقل والأكثر كقولهما، فيدخل الأقل في الأكثر؛ لأن أرش الإصبع منصوص عليه، وأرش كل مفصل غير منصوص عليه، واعتبرناه بالمنصوص عليه بنوع رأي،

стр. 7103

الكَفِّ ثَلَاثَةُ أَصَابِعَ، يَجِبُ أَرْشُ الأَصَابِعِ، وَلَا شَيْءَ فِي الكَفِّ بِالإِجْمَاعِ) لِأَنَّ الأَصَابِعَ أُصُولٌ فِي التَّقْويمِ، وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الكُلِّ فَاسْتَتْبَعَت الكَفَّ، كَمَا إِذَا كَانَتْ الأَصَابِعُ قَائِمَةً بِأَسْرِهَا. قَالَ: (وَفِي الأَصْبُعِ الزَّائِدَةِ حُكُومَةُ عَدْلٍ) تَشْرِيفًا لِلْآدَمِيِّ، لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ يَدِهِ، وَلَكِنْ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ وَلَا زِينَةَ فيعتبر فيه الأقل والأكثر. ولكن الأول أصح؛ لما ذكرنا أن أرشه مقدر شرعًا، فلا يحتاج فيه إلى الرأي. كذا في المبسوط (١). وفي الإيضاح: لو قطع الكف ولا أصابع فيها؛ قال أبو يوسف فيها حكومة عدل لا يبلغ رأس إصبع؛ لأن الإصبع الواحدة تتبعها الكف على قول أبي حنيفة، فلا يبلغ قيمة التبع إلى قيمة المتبوع. قوله: (وفي الإصبع الزائدة حكومة عدل) وبه قال الشافعي، وأحمد، والثوري، ولا يعلم لهم مخالف. وعن زيد بن ثابت قال: فيها ثلث دية الإصبع. وفي الذخيرة: فيها الحكومة، سواء كان في العمد أو في الخطأ، وسواء كان للقاطع إصبع زائدة أم لا. أما إذا لم يكن للقاطع إصبع زائدة؛ فظاهر أنه لا وجه لقطع إصبع أخرى لأجلها، وكذا إذا كان له إصبع زائدة لا يجري القصاص؛ لتفاوت القيمة، إذ الحكومة تعرف بالقيمة، والقيمة بالحزر والظن، فلا تثبت المساواة في المالية والمساواة في القيمة شرط لجريان القصاص، ولهذا لا يجرى في أطراف العبيد. قوله: (لكن لا منفعة فيه ولا جمال) إلى آخره ولا يشكل بما إذا كان على ذقنه شعرات معدودة، حيث لا يجب فيه شيء، وإن كان الشعر جزءًا من الآدمي، ولهذا لا يحل الانتفاع به ولا بيعه؛ لأنه جزء الآدمي، ولا منفعة فيه ولا زينة. وفي الإصبع الزائدة تجب الحكومة؛ لأن بعد إزالة شعرات الذقن لا يبقى أثرها، فلا يشينه، وفي الإصبع الزائدة يبقى أثر القطع، فيشينه، فيجب بسبب

стр. 7104

(وَكَذَلِكَ السِّنُّ الشَّاغِيَةُ) لِمَا قُلْنَا. (وَفِي عَيْنِ الصَّبِيِّ، وَذَكَرِهِ، وَلِسَانِهِ، إِذَا لَمْ تُعْلَمْ صِحَّتُهُ، حُكُومَةُ عَدْلٍ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَجِبُ فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، لِأَنَّ الغَالِبَ فِيهِ الصِّحَّةُ، فَأَشْبَهَ قَطْعَ المَارِنِ وَالْأُذُنِ. وَلَنَا: أَنَّ المَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الأَعْضَاءِ المَنْفَعَةُ، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ صِحَّتُهَا لَا يَجِبُ الْأَرْسُ الكَامِلُ بِالشَّكَ، وَالظَّاهِرُ لَا يَصْلُحُ حَجَّةٌ لِلْإِلْزَامِ، شينه، مع أنها جزء الآدمي في الحكومة. كذا قيل. (وكذلك السن الشاغية)؛ أي: في قلعها الحكومة (لما قلنا)؛ وهو قوله: (لأنه جزء من الآدمي). السن الشاغية: هي الزائدة على الأسنان، وهي التي يخالف نبتها نبت غيرها من الأسنان يقال: رجل أشغى وامرأة شَغْوَى، فإنها وإن كانت زائدة ففيها نقص معنى. قال قائل: فإن الشغي نقص وإن كان زائدا. وقيل: الشغي: خروج الثنيتين من الشفة. وإنما قيل للعقاب شَغْوَى؛ لتعقب في منقارها. كذا في الغريبين. قوله: (وقال الشافعي: تجب دية كاملة): وبه قال أحمد، والثوري؛ لعموم الحديث. ولأن الأصل هو الصحة، فأشبه قطع المارن والأذن من الصبي. وقلنا: لم يبق الحديث على عمومه؛ لخروج لسان الأخرس. ولأن المقصود من هذه الأعضاء المنفعة. (وإذا لم يعلم صحتها لا يجب الأرش كاملا بالشك)؛ لأن السلامة بالدليل، وبالظاهر تثبت السلامة. (والظاهر لا يصلح حجة للإلزام): وقيد به؛ لأن الظاهر يصلح لغير الإلزام، حتى لو أعتق عبدًا صغيرًا لا يعلم صحة هذه الأعضاء منه يقينا، يخرج عن عهدة الكفارة؛ لأن الغالب هو السلامة، فتصلح دافعة لا ملزمة، وقد مر في الكفارة: أن الرضيع يجزئه. وفي ذكر العنين والخصي حكومة عدل عندنا، وبه قال أحمد في رواية. وقال الشافعي: فيهما دية كاملة، وبه قال في ذكر العنين في رواية،

стр. 7105

بِخِلَافِ المَارِنِ وَالْأُذُنِ الشَّاخِصَةِ، لِأَنَّ المَقْصُودَ هُوَ الجَمَالُ، وَقَدْ فَوَّتَهُ عَلَى الكَمَالِ وَكَذَا لَوِ اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ صَوْتٍ، وَمَعْرِفَةُ الصِّحَّةِ فِيهِ بِالكَلَامِ، وَفِي الذَّكَرِ بِالحَرَكَةِ، وَفِي العَيْنِ بِمَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى النَّظَرِ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ بَعْدَ ذَلِكَ حُكْمَ البَالِغِ فِي العَمْدِ وَالخَطَرِ. قَالَ: (وَمَنْ شَجَّ رَجُلًا، فَذَهَبَ عَقْلُهُ، أَوْ شَعْرُ رَأسِهِ، دَخَلَ أَرْشُ المُوضِحَةِ فِي الدِّيَةِ) لِأَنَّ بِفَوَاتِ العَقْلِ تَبْطُلُ مَنْفَعَةُ جَمِيعِ الأَعْضَاءِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَوْضَحَهُ فَمَاتَ، وأحمد، ومالك، وأكثر أهل العلم. وقال مالك، وأحمد في رواية: في ذكر الخصي مثل قولنا، وهو قول الثوري، وقتادة، وإسحاق. للشافعي: عموم قوله ﷺ : «فِي الذَّكَرِ الدِّيةُ» (١). ولنا: أن المنفعة الأصلية من هذا العضو الجماع والإنزال والإحبال، فإذا عدمت هذه المنفعة؛ صارت كالعين القائمة بلا ضوء، واليد الشلاء والرجل الشلاء. وفرق مالك في رواية بين العنين والخصي، وقال في العنين: غير ميؤوس من جماعه، بخلاف الخصي. ولأن الإنزال والإحبال منه غير مرجو. وقلنا: المرجو مشكوك، وعدم النفع ثابت بيقين، وبالشك لا تثبت الدية. قوله: (دخل أرش الموضحة في الدية): وبه قال الشافعي في القديم. وقال في الجديد: لا يدخل، وبه قال مالك، وأحمد، والحسن، وزفر في رواية؛ لاختلاف محل الجناية، أو محل الموضحة غير محل العقل، فلم يتداخل الأرشان، كما لو أوضحه وذهب بصره أو سمعه. وقلنا: ذهاب العقل [في معنى تبديل النفس] (٢)، وإلحاقه بالبهائم، فيكون بمنزلة الموت، وما قالوا: (أن محل أحدهما غير محل الآخر) ليس كذلك؛ لأن

стр. 7106

وَأَرْشُ المُوضِحَةِ يَجِبُ بِفَوَاتِ جُزْءٍ مِنْ الشَّعْرِ، حَتَّى لَوْ نَبَتَ يَسْقُطُ، وَالدِّيَةُ بِفَوَاتِ العقل لا موضع له يشار إليه كالروح في الجسد. كذا في المبسوط (١)، وجامع التمرتاشي، وفيه [متأمل] (٢)؛ إذ بعض أهل السنة قالوا: محل العقل القلب، وبعضهم محله الرأس. قوله: (وأرش الموضحة يجب بفوات جزء من الشعر). وفي المبسوط: وجوب أرش الموضحة باعتبار ذهاب الشعر، بدليل أنه لو نبت الشعر على ذلك الموضع فاستوى كما كان؛ لا يجب شيء، وإذا وجب كمال دية النفس باعتبار ذهاب الشعر؛ لا يجب ما دونه باعتباره أيضًا؛ لتعلق الأرشين بسبب واحد، وهو الجناية على الرأس، وبجناية واحدة في محل واحد لا يجب شيئان (٣). ولأنه ﵊ أوجب في الموضحة خمسًا من الإبل، والموضحة متى كان في الرأس يتناثر الشعر؛ يوجب الأرش كالإيضاح، ولم يوجب النبي ﷺ بتناثر الشعر شيئًا؛ لأن أرش ما يتناثر في موضع الشجة يكون أقل من أرش الموضحة، فعلم أن الأقل يدخل في الأكثر، فصار هذا أصلا. قوله: (وجوابه ما ذكرناه)؛ وهو قوله: (لأن بفوات العقل) إلى آخره. وفي الذخيرة: الشجاج كلها إذا برأ ولم يبق لها أثر لا يجب شيء، إلا عند محمد؛ فإنه قال: يجب مقدار ما أنفق إلى أن برأ. ولو شج موضحة فالتأمت ونبت الشعر؛ قال أبو حنيفة ﵀: ليس عليه شيء. وقال أبو يوسف: عليه الأرش كملا. وإن التأمت ولم ينبت الشعر؛ فعليه أرش بالاتفاق. وفي العيون: لو التأمت ونبت الشعر؛ فالقياس ألا يجب شيء، وهو قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: يستحسن أن يجعل عليه حكومة عدل مثل أجرة الطبيب، وكذا كل جراحة.

стр. 7107

كُلُّ الشَّعْرِ، وَقَدْ تَعَلَّقَا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ، فَدَخَلَ الجُزْءُ فِي الجُمْلَةِ كَمَا إِذَا قَطَعَ أُصْبُعَ رَجُلٍ فَشُلَّتْ يَدُهُ. وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَدْخُلُ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جِنَايَةٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، فَلَا يَتَدَاخَلَانِ كَسَائِرِ الجِنَايَاتِ. وَجَوَابُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ. قَالَ: (وَإِنْ ذَهَبَ سَمْعُهُ، أَوْ بَصَرُهُ، أَوْ كَلَامُهُ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ المُوضِحَةِ مَعَ الدِّيَةِ) قَالُوا: هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ الشَّجَّةَ تَدْخُلُ فِي دِيَةِ السَّمْعِ وَالكَلَامِ، وَلَا تَدْخُلُ فِي دِيَةِ الشلل: فساد في اليد، من حد علم. وفي شرح الطحاوي: قطع من إصبع مفصلًا واحدًا، فشل الباقي من الإصبع أو الكف؛ لا يجب القصاص، ولكن تجب الدية فيما شل منه، إن كان إصبعًا فدية الإصبع، وإن كان كفا فدية الكف، وهذا بالإجماع. قوله: (فعليه أرش الموضحة والدية): وبه قالت الأئمة الثلاثة. (قالوا)؛ أي: المشايخ (هذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف): فذكر أبي يوسف هاهنا وقع سهوا من الكاتب؛ لأنه مخالف لجميع كتب أصحابنا، وينبغي أن يذكر محمدًا مكان أبي يوسف، كما ذكر في الإيضاح والكافي، أو لا يذكر أحدًا، لا أبا يوسف ولا محمدًا، كما هو رواية المبسوط، وشروح الجامع، والذخيرة، والمغني. اعلم: أن هذا الذي ذكره فيما إذا كان خطأ، وإن كان عمدًا؛ فقد ذكر في الذخيرة محيلًا إلى الجامع الصغير: فلا قصاص في شيء من ذلك عند أبي حنيفة، ولكن يجب أرش الموضحة، ودية السمع والبصر. وعندهما: يجب القصاص في الشجة والدية في السمع والبصر. وقال أحمد، وبعض أصحاب الشافعي: يجب القصاص في البصر أيضًا؛ لأن ضوء العين لا يمكن مباشرته بالجناية، وإذا جنى على محل سرى منه إلى العين تعلق به القصاص، كما إذا سرى إلى النفس. وفي الحلية: وهو المنصوص (١).

стр. 7108

البَصَرِ (*). وَجْهُ الأَوَّلِ: أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا جِنَايَةٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، وَالمَنْفَعَةُ مُخْتَصَّةٌ بِهِ، فَأَشْبَهَ الأَعْضَاءَ المُخْتَلِفَةَ، بِخِلَافِ العَقْلِ، لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ عَائِدَةٌ إِلَى جَمِيعِ الأَعْضَاءِ عَلَى مَا بَيَّنَّا. وقال بعض أصحابه: لا يجب القصاص في ضوء العين، كما لو [قطع] (١) إصبع رجل فشلت كفه؛ لا قصاص في الكف. ثم إذا أراد الاقتصاص يوضحه أولا، فإن ذهب ضوء عينه؛ استوفى حقه، وإلا فله أن يذهب ضوء عينه بأخف ما يكون، من حديدة محماة يُقَرِّبُها إلى عينه، أو بدواء يضعه فيها، بحيث لا تذهب حدقته. ولو لم يكن إذهاب ضوئه إلا بما تذهب به الحدقة؛ سقط القصاص حينئذ؛ لأنه لا يجوز أن يستوفي أكثر من حقه. وأجمع أهل العلم أنه لا قصاص في ذهاب بعض البصر؛ لتعذر المساواة. كذا في المغني لابن قدامة. وقد بينا طريق معرفة ذهاب البصر والسمع، فلا نعيده. قوله: (وجه الأول)؛ وهو عدم دخول أرش الموضحة (أن كلا منها جناية فيما دون النفس) وأصل بنفسها في المنافع؛ لتعدد حكم الجناية بتعدد أثر الفعل، ولم يستتبع واحد من ذلك ما سواه. (بخلاف العقل؛ لأن منفعته عائدة إلى كل الأعضاء). (على ما بينا) أن بزوال العقل صار كالبهائم، ويصير كزوال الروح، وصار كالموت، فيدخل الأقل في الأكثر. وفي الإيضاح: لا يتضح هذا الفرق. قال الهندواني: كنا نفرق بهذا الفرق، حتى رأيت ما ينتقض هذا الفرق؛ وهو أنه لو قطع يده فذهب عقله؛ أن عليه دية العقل وأرش اليد بلا خلاف لأحد، فلو كان زوال العقل كذهاب (٢) الروح؛ لما أوجب أرش اليد، كما لو مات.

стр. 7109

وَوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ السَّمْعَ وَالكَلَامَ مُبْطَنٌ، فَيُعْتَبَرُ بِالعَقْلِ، وَالبَصَرُ ظَاهِرُ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ. قَالَ: (وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَمَنْ شَجَّ رَجُلًا مُوضِحَةً، فَذَهَبَتْ عَيْنَاهُ، فَلَا قِصَاصَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. قَالُوا: وَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الدِّيَةُ فِيهِمَا (وَقَالَا: فِي المُوضِحَةِ القِصَاصُ) (*) قَالُوا: وَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الدِّيَةُ فِي العَيْنَيْنِ. قَالَ: (وَإِنْ قَطَعَ أُصْبُعَ رَجُلٍ مِنْ المِفْصَلِ الأَعْلَى، فَشُلَّ مَا بَقِيَ مِنْ الأَصْبُعِ، أَوْ اليَدِ كُلِّهَا لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) وَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الدِّيَةُ فِي المِفْصَلِ الأَعْلَى، وَفِيمَا بَقِيَ حُكُومَةُ عَدْلٍ وَكَذَلِكَ لَوْ كَسَرَ بَعْضَ سِنِّ رَجُلٍ فَاسْوَدَّ مَا بَقِيَ) والصحيح من الفرق: أن الجناية وقعت على عضو واحد في العقل، وفي السمع والبصر على عضوين، فلا يدخل. قوله: (ووجه الثاني)؛ وهو رواية أبي يوسف. (فيعتبر بالعقل): فتدخل دية الشجة في دية السمع والكلام. (والبصر ظاهر فلا يلحق به؛ أي: بالعقل، فلا يدخل دية الشجة في دية البصر. قوله: (قالوا)؛ أي: المشايخ ينبغي أن تجب الدية)؛ أي: على قول أبي حنيفة (في الموضحة والعينين). (وقالوا)؛ أي: المشايخ (ينبغي أن تجب الدية في العينين)؛ أي: على قولهما. وإنما كرر لفظ (قالوا)؛ لأن الأول في قول أبي حنيفة، والثاني في قولهما. قوله: (لا قصاص في شيء من ذلك)؛ أي: باتفاق أصحابنا. وقال الشافعي، ومالك، وأحمد لم يسقط القود عن الإصبع؛ لأنه عمد يمكن اعتبار المساواة فيه. ولا يجب القصاص في الباقي في قول من الشافعي، وفي رواية عن أحمد. قوله: (فاسود ما بقي) وكذا لَوِ اخْضَرَّ.

стр. 7110

وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا، وَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الدِّيَةُ فِي السِّنِّ كُلِّهِ (وَلَوْ قَالَ: اقْطَعَ المِفْصَلَ وَاتْرُكْ مَا يَبِسَ، أَوْ اكْسِرِ القَدْرَ المَكْسُورَ وَاتْرُكِ البَاقِيَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) لِأَنَّ الفِعْلَ فِي نَفْسِهِ مَا وَقَعَ مُوجِبًا لِلْقَوَدِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ شَجَّهُ مُنَقِّلَةٌ فَقَالَ: أَشُجُّهُ مُوضِحَةٌ وأَتْرُكُ الزِّيَادَةَ. لَهُمَا فِي الخِلَافِيَّةِ: أَنَّ الفِعْلَ فِي مَحَلَّيْنِ، فَيَكُونُ جِنَايَتَيْنِ مُبْتَدَأَتَيْنِ، فَالشَّبْهَةُ فِي إِحْدَاهُمَا لَا تَتَعَدَّى إِلَى الأُخْرَى، كَمَنْ رَمَى إِلَى رَجُلٍ عَمْدًا، فَأَصَابَهُ، وَنَفَذَ مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ فَقَتَلَهُ، يَجِبُ القَوَدُ فِي الأَوَّلِ، وَالدِّيَةُ فِي الثَّانِي. قوله: (وينبغي أن تجب الدية في السن كله) وبه قال مالك، وأحمد في رواية، والشافعي في قول، [وأكثر] (١) أهل العلم. وفي الفوائد الشاهية، والجامع الحسامية: وينبغي أن تجب حكومة العدل في السن كله. وهذه رواية مخالفة لرواية الكتاب، وبه قال أحمد في رواية، والشافعي في قول إن لم يذهب نفعها، وهو المختار عند أصحاب الشافعي. قوله: (لهما في الخلافية)؛ وهو ما إذا شج موضحة فذهبت عيناه. (أن الفعل في محلين)؛ يعني: الجناية إذا وقعت في محلين متباينين حقيقة، فوجوب المال في أحدهما؛ لا يمنع وجود القود في الآخر، وهو قول الأئمة الثلاثة أيضًا. ومتى وقعت على محل واحد، وأتلفت شيئين: أحدهما يوجب القود، والآخر يوجب المال؛ يجب المال بلا خلاف من أصحابنا، خلافا للأئمة الثلاثة، فهما يقولان: وقعت الجناية على محلين متباينين؛ إذ بينهما حائل، وأخذ حكم فعلين كل واحد منهما مبتدأ، فلم تبعد الشبهة من أحدهما إلى الآخر، كما لو رمى سهما إلى إنسان فنفذ منه إلى الآخر؛ يجب القود في الأول، والدية في الثاني. وكمن قطع إصبعًا فاضطربت السكين، فأصابت إصبعًا أخرى خطأ منه؛ فإنه يقتص في الأولى بالإجماع دون الثانية. بخلاف السن إذا اسود ما بقي منها، أو الإصبع إذا شُلَّ ما بقي منها، وشلت اليد كلها؛ لاتحاد المحل؛ لأن ذلك بمنزلة شيء واحد.
следующие страницы →