← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

بِقِصَارِ المُفَصَّلِ) وَالأَصْلُ فِيهِ كِتَابُ عُمَرَ ﵁ إِلَى أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ: «أَنْ اقْرَأ فِي الفَجْرِ وَالظَّهْرِ بِطِوَالِ المُفَصَّلِ، وَفِي العَصْرِ وَالعِشَاءِ بِأَوْسَاطِ المُفَصَّلِ، وَفِي وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] (١)». كذا في مبسوط شيخ الإسلام، والمحيط (٢). طوال المفصل: من سورة الحجرات إلى ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوج﴾ [البروج: ١]، والأوساط منها: إلى سورة ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ [البينة: ١]، والقصار منها: إلى الآخر. وقيل: طوال المفصل: من سورة (الحجرات) إلى (عبس)، والأوساط: من (كورت) إلى (والضحى)، والقصار منها: إلى الآخر. كذا في جامع المحبوبي، وقاضي خان (٣). إلا أنه ذكر في جامع قاضي خان: قيل: أول الطوال: سورة محمد، وقيل: (ق). قوله: (بطوال): وفي بعض النسخ: (ويطول)، كذلك جرى التوارث من لدن رسول الله ﷺ . اختلف المشايخ في التفاوت بينهما: قيل: ينبغي أن يكون بقدر الثلث والثلثين، الثلثان في الأولى، والثلث في الثانية. وفي شرح الطحاوي: ينبغي أن يقرأ في الأولى بقدر ثلثين، وفي الثانية بقدر عشر أو عشرين، هذا بيان الأولوية، أما في الحكم لا يتفاوت وإن كانتا متساويتين (٤). وأما إطالة الركعة الثانية على الأولى؛ فمكروه بالإجماع. كذا في المحيط (٥). وعن مالك: لا يكره (٦).

стр. 737

المَغْرِبِ بِقِصَارِ المُفَصَّلِ» وَلِأَنَّ مَبْنَى المَغْرِبِ عَلَى العَجَلَةِ وَالتَّخْفِيفُ أَلْيَقُ بِهَا. وَالعَصْرُ وَالعِشَاءُ يُسْتَحَبُّ فِيهِمَا التَّأخِيرُ، وَقَدْ يَقَعَانِ بِالتَّطْوِيلِ فِي وَقْتِ غَيْرِ مُسْتَحَبُّ فَيُوَقِّتُ فِيهِمَا بِالأَوْسَاطِ وَيُطِيلُ الرَّكْعَةَ الأُولَى مِنْ الفَجْرِ عَلَى الثَّانِيَةِ إِعَانَةٌ لِلنَّاسِ عَلَى إِدْرَاكِ الجَمَاعَةِ. قَالَ: (وَرَكْعَنَا الظُّهْرِ سَوَاءٌ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُطِيلَ الرَّكْعَةَ الأُولَى عَلَى غَيْرِهَا فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا) (*) لِمَا وقال شيخ الإسلام: ينبغي أن لا يفصل بين الركعتين بسورة أو سورتين، بل يفصل بِسُورٍ، وركعتا الظهر سواء. (١) قال الكرخي: السنة في الفجر ثلاثين إلى ستين، وفي الثانية ما بين عشرين إلى ثلاثين، وفي ركعتي الظهر مثل الأولى من الفجر (٢). وفي الجامع الأصغر (٣): خمسين أو ستين، وفي الظهر نحو ذلك أو دونه. وقال الشافعي ﵁: المستحب أن يسوي في قدر القراءة بين الركعتين في الصلوات كلها؛ لما روى أبو سعيد الخدري [أنه ﵇] (٤) كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر في كل ركعة ثلاثين آية (٥). وقال بعض أصحابه: يستحب أن يطوّل القراءة في الركعة الأولى من كل صلاة، ويستحب ذلك في الفجر أكثر، وهو مذهب محمد، وأحمد (٦)، والثوري؛ لما روى أبي قتادة أنه ﵇ كان يطول في الأولى ما لا يطول في الثانية (٧)، ولأن فيه فائدة أن يتلاحق الناس فيدركوا أول الصلاة مع الإمام.

стр. 738

رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُطِيلُ الرَّكْعَةَ الأُولَى عَلَى غَيْرِهَا فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا» وَلَهُمَا: أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ اسْتَوَيَا فِي اسْتِحْقَاقِ القِرَاءَةِ فَيَسْتَوِيَانِ فِي المِقْدَارِ، بِخِلَافِ الفَجْرِ لِأَنَّهُ وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ، وَالحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الإِطَالَةِ مِنْ حَيْثُ الثَّنَاءُ وَالتَّعَوُّذُ وَالتَّسْمِيَةُ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ بِمَا دُونَ ثَلَاثِ آيَاتٍ لِعَدَمِ إِمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ كذا في تتمتهم (١). قوله: (فيستويان في المقدار)؛ يعني: إذا كانت آيات السور غير متفاوتة في الطول والقصر، فالتقدير بعدد الآيات، ولو كانت متفاوتة، بعضها قصيرة وبعضها طويلة؛ فالتقدير فيه بعدد الحروف. وقوله: (بخلاف الفجر)؛ جواب قياس محمد، حيث قاس سائر الصلوات بالفجر، فإن إطالة الأولى على الثانية مسنونة بالإجماع. وفي جامع المحبوبي: الجمعة والعيد وغيرهما في هذا الحكم سواء (٢). وفي نظم الزندويستي: يسوي في القراءة في الركعتين فيهما بالاتفاق (٣). وفي المحبوبي: ويطيل الأولى من الفجر على الثانية بقدر ثلثها. وقيل: بقدر نصفها بالإجماع، وكذا في سائر الصلوات عند محمد، وعليه الفتوى (٤). قوله: (ولا معتبر بالزيادة … ) إلى آخره؛ فإنه ﵇ قرأ المعوذتين في المغرب في الركعتين (٥)، والثانية أطول من الأولى، وإطالة الركعة الثانية على الأولى بثلاث ركعات فصاعدا في الفرائض مكروه بالإجماع، وفي السنن والنوافل لا يكره؛ لأن أمرها أسهل. كذا في جامع المحبوبي (٦). وفي جامع التمرتاشي: هذا كله إذا كان إماما، أما إذا كان منفردا قرأ ما

стр. 739

حَرَجٍ (وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ قِرَاءَةُ سُورَةٍ بِعَيْنِهَا بِحَيْثُ لَا تَجُوزُ بِغَيْرِهَا) شاء؛ لأن على الإمام أن يراعي حق القوم، وذكر بكر: أن الأفضل للمنفرد ولو كان إماماً لا يطول؛ تيسيراً على الناس (١). وفي المجرد: قال أبو حنيفة: المنفرد كالإمام في جميع ما وصفنا من القراءة، إلا أنه ليس عليه الجهر (٢). وقيل: يستحب للمنفرد رجلا كان أو امرأة تطويل القراءة؛ لقول محمد: طول القنوت أحبُّ إليَّ من كثرة الركوع والسجود؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. قيل: القنوت طول القيام، وسئل النبي ﵇ أي الأعمال أفضل؟ قال: «طول القنوت». رواه مسلم (٣)، وفي رواية أبي داود (٤): قال: «طول القيام»، وعن النبي ﵇ أنه قال: «إذا كان أحدُكُم إماماً فَلْيُخَفِّفْ؛ فإنه يقومُ وراءه الضعيف والكبير وذو الحاجة، وإذا صلّى لِنفسِهِ فَلْيُطَوِّلْ ما شاء» (٥). كذا في الْمُجْتَبى (٦). وفي القنية: القراءة المسنونة يستوي فيها الإمام والمنفرد، والناس عنها غافلون (٧). قوله: (قراءة سورة بعينها): وفي الإيضاح: يريد به سوى الفاتحة (٨). وفي الكافي (٩): فيه نفي قول الشافعي؛ فإن عنده الفاتحة فرض على التعيين؛ لإطلاق ما تلونا، وهو قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا﴾ [المزمل: ٢٠]، ولنهي النبي

стр. 740

لإِطْلَاقِ مَا تَلَوْنَا (وَيُكْرَهُ أَنْ يُوَقِّتَ بِشَيْءٍ مِنْ القُرْآنِ لِشَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ) لِمَا فِيهِ مِنْ ﵇ عن تجريد القرآن. وفي الغريبين: التجريد إفراد طائفة منه لا يقرئ بغيرها (١). وفي الْمُجْتَبى: كرر سورة في الركعتين؛ يكره إلا في النوافل، وفي الفرائض في موضع واحد؛ وهو ما إذا قرأ في الأولى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] يكررها في الثانية، هكذا فعل أبو حنيفة في المغرب (٢). وقال الطحاوي: يبتدئ بالبقرة ولا يكرر، وكذا يكره تكرار سورة في ركعة في الفرائض لا في النوافل (٣). وعن جماعة من السلف: أنهم يحيون ليلتهم بآية العذاب أو الرحمة. فإن قيل: ما الفرق بين هذه المسألة وبين مسألة بعدها؛ وهي قوله: (ويكره أن يوقت - أي: يعين - بعض القرآن لبعض الصلوات). قلنا: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن هذه المسألة من مسائل القدوري، والتي بعدها من مسائل الجامع الصغير، والمصنف التزم ذكر مسائلها (٤)، وفيه تأمل. والثاني: أن هذه المسألة في تعين السورة مع إطلاق الصلوات كما قال الشافعي في الفاتحة، والثانية في تعيين السورة والصلاة كما قال الشافعي: يستحب أن يقرأ سورة السجدة و ﴿هَلْ أَتَى﴾ [الإنسان: ١] لصلاة الفجر في كل جمعة (٥)؛ لحديث ابن مسعود (٦). قال قاضي خان: أراد بذلك: أن لا يقرأ غيرها؛ لما فيه من وهم التفضيل وهجران غيره، وأنه خطأ فاحش، فأما من غير أن يعتقد فضيلة؛ فلا بأس بفعله

стр. 741

هَجْرِ البَاقِي وَإِيهَامِ التَّفْضِيلِ وَلَا يَقْرَأُ المُؤْتَمُّ خَلْفَ الإِمَامِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ فِي تبركا بفعله ﵇، لكن لا يواظب عليه، ويترك في بعض الأوقات؛ كيلا يظن ظان أن لا يجوز بدونها، ولهذا ذكر الحلواني: يكره تخصيص المكان في المسجد للصلاة فيه؛ لأنه إن فعل ذلك تصير الصلاة طبعاً، والعبادة متى صارت طبعاً فسبيلها الترك، ولهذا كره صوم الأبد. كذا في جامع التمرتاشي (١). وقال الإسبيجابي، والطحاوي: هذا إذا رأى ذلك حتما لا يجوز غيره، أو يرى غيره مكروهاً، أما إذا قرأ تبركا بقراءة النبي ﵇، أو بما تيسر عليه فلا يكره، لكن بشرط أن يتركه أحياناً؛ كيلا يظن أنه لا يجوز غيرها؛ ألا ترى أنه لم ينقل من السلف، فكان محدثاً، وشر الأمور محدثاتها. كذا في الخبازية (٢). (هجر الباقي): وليس شيء من القرآن مهجوراً. قاله ابن عباس؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَرَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]. قوله: (ولا يقرأ المؤتم)؛ أي: المقتدي. (خلف الإمام)؛ سواء جهر الإمام أو أسَرَّ، وبه قال الثوري. وقال الشافعي: يجب عليه قراءة الفاتحة في صلاة السر وفي الركعات التي لا يجهر بها (٣)، وبه قال مالك (٤)، وأحمد (٥). فأما فيما يجهر فيه الإمام، هل تجب عليه قراءة الفاتحة؟ قال الربيع: يجب، وهو المذهب الصحيح؛ لما روي عن عبادة بن الصامت أنه قال: كنا خلف النبي ﵇ في صلاة الفجر، فقرأ النبي ﵇ فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: «تقرؤون خلف إمامكم؟»، قلنا:

стр. 742

الفَاتِحَةِ. لَهُ: أَنَّ القِرَاءَةَ رُكْنٌ مِنْ الْأَرْكَانِ فَيَشْتَرِكَانِ فِيهِ. نعم، قال ﵇: «لا تَفعَلوا إلا بفاتحة الكتاب؛ فإنهُ لَا صلاةَ لِمَنْ لا يقرأها» (١)، وهذا القول يعرف بالجديد (٢). وفي التهذيب: ويستحب للإمام على هذا القول أن يسكت بعدها قدر ما يقرأ المقتدي الفاتحة (٣). وقال المزني: لا يجب (٤)، وبه قال مالك (٥)، وأحمد (٦)، وداود. والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وما روى أبو هريرة أنه ﵇ انصرف من صلاة جهر فيها، فقال: «هَلْ قَرأَ أحدٌ مِنْكُمْ معي»؟ فقال رجل: نعم يا رسول الله، فقال: «مالي أنازع في القُرآن» (٧)، فانتهى الناس عن القراءة مع النبي ﵇ فيما جهر فيه بالقراءة. كذا في تتمتهم (٨). (له)؛ أي: للشافعي. (فيشتركان)؛ أي: الإمام والمقتدي (فيه)؛ يعني أنها ركن، فلا يسقط بسبب الاقتداء عند الاختيار كالركوع والسجود، بخلاف ما لو أدرك الإمام في الركوع؛ لأن تلك الحالة حالة الضرورة؛ فإنه يخاف فوت الركعة، وبسبب الضرورة تسقط؛ ألا ترى أن القيام ركن بعد التكبير، وقد سقط هاهنا للضرورة. كذا في المبسوط (٩). ولنا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]؛ فأكثر أهل التفسير

стр. 743

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . على أن هذا خطاب للمقتدين، ومنهم من حمل الآية على حالة الخطبة، ولا تنافي بينهما؛ فإنما أمروا بهما فيها لما فيها من قراءة القرآن. وقوله ﵇: «إنما جُعِلَ الإمامُ إماماً لِتَأتَمُّوا به، فإذا كبر فكبّروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا ركع فارْكَعوا، وإذا قال: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه، قولوا: رَبَّنا لك الحمد». رواه الخمسة غير الترمذي (١). وقال مسلم: هو صحيح عندي. فبين ﵇ كيفية الائتمام، فأمر في البعض بالمشاركة، وفي البعض بالسكوت، عن عبد الله بن شداد أنه ﵇ قال: «مَنْ كانَ لَهُ إمام فقراءةُ الإمام له قراءة» (٢). رواه الخطابي، ومنع المقتدي عن القراءة مروي عن ثمانين نفرا من كبار الصحابة، منهم: المرتضى، والعبادلة الثلاثة، وقد جمع أهل الحديث أساميهم، وقال سعد بن أبي وقاص: "من قرأ خلف الإمام فسدت صلاته". كذا في شرح التأويلات (٣). ولأن المطلوب من القراءة التدبر والتفكر وحياة القلب، وذا يحصل بالاستماع لا بالمغالبة، وهو كالخطبة لما شرعت وعظًا وجب الاستماع، ولا يقال الإمام يسكت ليقرأ المقتدي؛ لأنا نقول: الخلاف ثابت في إمام لم يسكت، ولأنه لو سكت وقع في الحرام؛ إذ السكوت بلا قراءة حرام، حتى لو سكت طويلا يلزمه السهو، بخلاف سائر الأركان؛ فإنها شرعت للخشوع، ولا يحصل ذلك إلا بفعله، ولأنه لو كانت ركنا في حق المقتدي لما سقطت بالعذر، كما لا يسقط الركوع والسجود به، ولا نقول: بأن القيام يسقط، بل لا بد أن يكبر قائماً، وفرض القيام يتأدى بأدنى ما يتناول الاسم، وما روي من حديث عبادة؛ محمول على أنه كان في الابتداء، فعن أبي بن كعب: لما نزلت هذه الآية تركوا القراءة خلف الإمام؛ ألا ترى أنه ﵇ لما سمع رجلا يقرأ خلفه قال:

стр. 744

وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» … .. «ما لي أنازع في القرآن» (١). وقيل: محمول على غير المأموم، وقد جاء مصرحاً به فيما روى الجلابي بإسناد عنه ﵇ «كلُّ صلاةٍ لا يُقرأُ فيها بأم القرآن فهي خداج إلا أن يكون وراء الإمام» (٢)، وروى أيضاً موقوفاً على جابر (٣)، وفيه تأمل. وعن الشعبي ﵁، عن النبي ﵇ أنه قال: «لا قراءة خلف الإمام، من كان له إمام فقراءة الإمام قراءة له» (٤). وعن علي ﵁: من قرأ خلف الإمام فليس على الفطرة (٥)، أي: السنة، والآثار والأخبار فيه كثير. فإن قيل: معنى التدبر والتفكر إنما يصح في صلاة يجهر فيها، والخلاف في الكل. قلنا: أصل القراءة جهر غير عال، قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] الآية، والاستماع واجب على الأصل، ثم أمر بالمخافتة في صلاة النهار قطعاً لمخالفة المنافقين، فبقي الحكم على الأصل، ولأن الإنصات يجب وإن لم يمكن الاستماع؛ لأن المأمور شيئان، فيجب ما أمكن. كذا في الأسرار (٦). وفي شرح الإرشاد: ما روى الخصم محمول على ابتداء الإسلام، بدليل ما روي عن علي ﵁ أنه قال: آخر ما أمر به رسول الله ﷺ النهي عن القراءة خلف الإمام في الصلاة، ورأسه في حجري، فلا ينبغي أن يقرأ المؤتم احتياطاً؛ لما روينا من السلف، وتمام الاحتياط فيما ينجو به الإنسان رأساً برأس.

стр. 745

وَعَلَيْهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ رُكْنٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، لَكِنَّ حَظَّ الْمُقْتَدِي الْإِنْصَاتُ قوله: (وعليه إجماع الصحابة): فإن قيل: قد نقل بعض الصحابة وجوب القراءة خلف الإمام كما ذكرنا، فكيف ينعقد الإجماع مع خلافهم؟ قلنا: سماه إجماعاً باعتبار اتفاق الأكثر؛ فإنه يسمى إجماعاً عندنا، وقد روي منع القراءة عن ثمانين نفرا كما قلنا، وقلما يتجاوز عدد من أفتى في ذلك الزمان عن الثمانين، فكان اتفاقهم بمنزلة الإجماع. أو نقول: إجماع ثبت بنقل الآحاد، ولهذا لم يعد مخالفه ضالًا، فلا يمنعه نقل البعض بخلافه كنقل حديث بالآحاد لا يمنع نقل حديث آخر معارض له، ثم لما ثبت نقل الأمرين ترجح ما قلنا؛ لأنه موافق لقول العامة، وظاهر الكتاب، والأحاديث المشهورة. فإن قيل: قوله ﵇: «قراءة الإمام قراءةٌ لَهُ» (١) معارض لقوله: ﴿فَاقْرَءُوا﴾ [المزمل: ٢٠]، فلا يجوز تركه بخبر الواحد. قلنا: نحن نجعله قارئاً بقراءة الإمام، فلا يلزمه الترك، مع أنه خص منه المقتدي الذي أدرك الإمام في الركوع؛ فإنه لا تجب عليه القراءة بالإجماع، فيجوز الزيادة عليه حينئذ بخبر الواحد فيما يروى عن محمد. وفي الذخيرة (٢): لو قرأ المقتدي خلف الإمام في صلاة لا يجهر فيها، اختلف المشايخ فيه، فقال أبو حفص الكبير وبعض مشايخنا: لا يكره على قوله، ويكره على قولهما، والأصح: أنه يكره لما فيه من الوعيد؛ لما ذكرنا من حديث علي ﵁ وعن ابن مسعود: من قرأ خلف الإمام مُلِئَ فوه ترابًا (٣)، وعن ابن عباس ﵁: لو وليت أمر الناس لقطعت لسان من يقرأ خلف الإمام، وعن سعد بن أبي وقاص ﵁: من قرأ خلف الإمام لا صلاة له (٤). كذا في شرح

стр. 746

وَالاسْتِمَاعُ، قَالَ ﵊: «وَإِذَا قَرَأَ الإِمَامُ فَأَنْصِتُوا» وَيُسْتَحْسَنُ عَلَى سَبِيلِ الاحْتِيَاطِ فِيمَا يُرْوَى عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀، وَيُكْرَهُ عِنْدَهُمَا (*) لِمَا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ (وَيَسْتَمِعُ وَيُنْصِتُ وَإِنْ قَرَأَ الإِمَامُ آيَةَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ) لِأَنَّ الإِسْتِمَاعَ وَالْإِنْصَاتَ التأويلات (١)، وقال ﵇: «من قرأ خلف الإمام ففي فِيهِ جمرة» (٢). وقيل: يستحب أن تكسر أسنانه. قال السَّرَخْسِي: تفسد صلاته في قول عدة من الصحابة (٣). وفي التفريد: قال عامة مشايخ بلخ: يستحب القراءة للمقتدي في جميع الصلوات، وفرق بعضهم بين ما يجهر فيه وبين ما يخافت. قوله: (ويستمع وينصت) هاهنا ثلاث مسائل: مسألة المنفرد والجواب فيها: أنه إن كان في التطوع فهو حسن؛ لحديث حذيفة قال: صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الليل، فما مر بآية فيها ذكر الجنة إلا وقف وسأل الله تعالى الجنة، وما مر بآية فيها ذكر النار إلا وقف وتعوذ بالله من النار (٤)، وإن كان في الفرض لكره له ذلك؛ لأنه لم ينقل عنه ﵇ ذلك، ولا عن أئمة بعده، وكان محدثًا، وشر الأمور محدثاتها. ومسألة الإمام، والجواب فيها: أنه لا يفعل ذلك في التطوع ولا في الفرض؛ لأنه لم ينقل عنه ﵇ ولا عن أئمة العلم ذلك، ولأنه يؤدي إلى تطويل الصلاة على القوم، وأنه مكروه. ومسألة المقتدي، والجواب فيها: أنه يستمع وينصت ولا يشتغل بالدعاء؛ لأن الاستماع والإنصات واجبان عليه بالنص، والدعاء يخلهما. كذا في

стр. 747

فَرْضُ بِالنَّيِّ، وَالْقِرَاءَةُ وَسُؤَالُ الجَنَّةِ وَالتَّعَوُّذُ مِنْ النَّارِ كُلُّ ذَلِكَ مُخِلٌّ بِهِ، (وَكَذَلِكَ فِي الخُطْبَةِ، وَكَذَلِكَ إِنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ﵊ لِفَرْضِيَّةِ الاسْتِمَاعِ إِلَّا أَنْ يَقْرَأَ الخَطِيبُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] المحيط (١). وقال الشافعي: إذا قرأ الإمام آية الرحمة يستحب له أن يسأل الله تعالى، أو آية عذاب يستحب له أن يستعيذ، أو آية تنزيه يستحب له أن يُسَبِّحَ؛ لحديث حذيفة، ويستحب للمقتدي أن يتابعه على ذلك. نقله المزني في المختصر (٢)؛ لأن كل ذكر يسن للإمام يسن للمقتدي كسائر الأذكار. وكذا لو قرأ قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠] يقول: بلى وأنا [على] ذلك من الشاهدين، وكذا لو قرأ قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَكِمِينَ﴾ [التين: ٨] يقول: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، وكذا لو قرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَعَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ﴾ [الملك: ٣٠] إلى آخره يستحب أن يقول: الله تعالى، ولو قرأ قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثِ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] يقول: آمنت بالله، أو يقول: لا إله إلا الله، وبجميع ذلك ورد الخبر عن النبي ﷺ (٣)، والكل سنة في حق المقتدي أيضاً. كذا في تتمتهم (٤). وقلنا: هذا محمول على النفل أو خارج الصلاة. قوله: (وكذلك في الخطبة)؛ روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ قالَ لِصاحِبِهِ أنصِتْ فقدْ لَغَا، ومَن لَغَا فَلَا صلاةَ لَهُ» (٥). وكذلك الإمام ينبغي أن لا يتكلم في حالة الخطبة؛ لأنه ذكر منظوم، والتكلم في خلاله يُذهِبُ بهاءَهُ، وكذا التشميت ورد السلام لا يأتي بها حالة

стр. 748

الآيَةَ، فَيُصَلِّي السَّامِعُ فِي نَفْسِهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي النَّائِي عَنْ المِنبَرِ، وَالأَحْوَطُ هُوَ السُّكُوتُ إِقَامَةٌ لِفَرْضِ الإِنْصَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الخطبة، والمسلم ممنوع عن السلام، فلا يكون الجواب فرضاً. وكذا لو قرأ القرآن فسلم عليه لا يرد الجواب؛ لما مر عن الفضلي: إذا كان لرجل ورد من القرآن والدعوات، فسلم عليه رجل في حال وِرْدِهِ؛ له أن لا يرد الجواب، وكذا لو سلم على المدرس حال تدريسه؛ له أن لا يرد الجواب، وكذا لو سلم المكدي على إنسان؛ لا يرد الجواب؛ لأن مقصوده المال دون إفشاء السلام. كذا ذكره المحبوبي (١). وفي مبسوط شيخ الإسلام (٢): عن ابن عمر أنه سمع رجلاً يقول لصاحبه والإمام يخطب: متى تخرج القافلة؟ فقال له صاحبه: أنصت، فلما فرغ قال للذي قال: أنصت، أما أنت فلا صلاة لك، وأما صاحبك فحمار (٣). فقد حرم الكلام بما هو أمر بالمعروف، وإن كان الأمر بالمعروف فرضاً؛ كيلا يفوتهم فرض، فلأن يحرم ما هو من كلام الناس أولى. وكذلك إن صلى على النبي ﵇ قال أبو يوسف لأبي حنيفة على وجه السؤال: ويذكرون الله إذا ذكر الإمام، ويصلون على النبي ﵇؟ قال: أحب أن يستمعوا وينصتوا، ولم يقل: لا يذكرون الله ولا يصلون، فقد أحسن في الجواب، واحتشم من أن يقول: لا يذكرون الله ولا يصلون، وإنما كان الاستماع والإنصات أحب؛ لأن ذكر الله تعالى والصلاة على النبي ﵇ ليستا فرضين وهما فرضان، فلا يجوز ترك الفرض لإقامة السنة. ثم هذا لا يشكل إذا كان قريبا من المنبر بحيث يسمع الخطبة، أما إذا كان بعيداً لا يسمع الخطبة، فذِكْرُ الله تعالى وقراءة القرآن أولى أم الإنصات؟

стр. 749

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فهذا فصل لا رواية فيه عن أصحابنا. وفي المبسوط: واختلف المشايخ المتأخرون: فقال محمد بن سلمة: الإنصات أولى، وقال نصير بن يحيى: يحرك شفتيه ويقرأ القرآن (١). وقال الطحاوي: يستحب الاستماع والإنصات في الخطبة الأولى، وكذا في الثانية إلى أن يبلغ إلى قوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] الآية؛ فإن عليهم أن يصلوا ويسلموا على النبي في أنفسهم؛ وذلك لأن الخطيب حكى عن الله تعالى أنه يُصلِّي، وعن الملائكة أنهم يُصلُّون، وحكى أمر الله تعالى بذلك، وهو قد اشتغل أيضاً بالصلاة تحقيقاً لما طلب منهم، وقد روي عن أبي يوسف هذا. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٢). وقال الشافعي: الإنصات مستحب بلا خلاف، والاستماع سنة، وفي وجوبه عنه قولان: أحدهما: أنه واجب، وهو القديم، والثاني: أنه مستحب؛ لما روي أنه ﵇ على المنبر، فدخل رجل، فقال له ﵇: «قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» (٣)؛ فأمره بالصلاة، ولو كان استماع الخطبة واجباً لما أمره بالاشتغال بها، فعلى هذا القول يجوز أن يشتغل بالصلاة والقراءة والتسبيح، ورد السلام وتشميت العاطس والكلام. كذا في تتمتهم (٤). وفي شرح الوجيز (٥): الإنصات: هو السكوت، والاستماع: شغل السمع بالسماع، والإنصات فرض والكلام حرام في القديم، وبه قال أبو حنيفة، ومالك (٦)، وهو أظهر الروايتين عن أحمد (٧)؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].

стр. 750

بَابُ الإِمَامَةِ (الجَمَاعَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) لِقَوْلِهِ ﵊ «الجَمَاعَةُ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ قيل: أراد به الخطبة، سماها قرآنا؛ لأن القراءة فيها مشروعة. [بَابُ الْإِمَامَةِ] لما ذكر أفعال الإمامة فيما تقدم من وجوب الجهر والمخافتة، وسنة قراءة الإمام؛ ذكر في هذا الباب صفة شرعية الإمامة بأنها على أي صفة شرعت؟ فقال: (الجماعة سنة مؤكدة)؛ أي: قوية تشبه الواجب في القوة. وفي فتاوى العتابي: حتى لا يجوز تركها إلا بعذر (١). وقيل: إنها مستحبة، والصحيح: أنها واجبة وسنة مؤكدة. وقال أحمد (٢)، وداود، وإسحاق بن راهويه، وابن خزيمة، وداود الطائي، وبعض أصحاب الشافعي (٣): أنها فريضة فرض عين، حتى لو صلى وحده لم يجزه؛ لقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، قيل: أراد به الجماعة. ولقوله ﵇: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (٤)، ولما روي أنه ﵇ قال: «هَمَمْتُ أن آمر رجلاً يُصلّي بالناس، ثم أعمد إلى قوم تخلفوا عن الصلاة بأنْ أُحَرِّقَ عليهم بيوتهم» (٥)، ولو كان سنة ما استحق تاركه الوعيد إلا عند أحمد وداود الظاهري ليس بشرط لصحة الصلاة، وسأل رجل ابن عباس عمن يقوم بالليل ويصوم بالنهار ولا يحضر الجماعة قال: هو في النار. وقال أكثر أصحاب الشافعي (٦)، والكرخي، والطحاوي، وجماعة من

стр. 751

الهُدَى لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ» (وَأَوْلَى النَّاسِ بِالإِمَامَةِ أَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَقْرَؤُهُمْ (*) لِأَنَّ القِرَاءَةَ لَا بُدَّ مِنْهَا، وَالحَاجَةُ إِلَى العِلْمِ إِذَا نَابَتْ نَائِبَةٌ، وَنَحْنُ نَقُولُ: القِرَاءَةُ مُفْتَقَرٌ إِلَيْهَا لِرُكْنٍ وَاحِدٍ وَالعِلْمُ لِسَائِرِ الْأَرْكَانِ (فَإِنْ تَسَاوَوْا أصحابنا: أنها فرض كفاية. وقال بعض أصحابنا: إنها سنة، وبه قال مالك (١). واختلفت الروايات عن أصحابنا، قيل: إنها واجبة، وبه قال السيد الإمام في الأحقاف؛ لقوله ﵇: «لقد هممت … » الحديث، وقيل: إنها سنة مؤكدة؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢]؛ أمرنا بإقامة الصلاة مطلقا، فتجوز وحده، ولا تكون الجماعة واجبة؛ لقوله ﵇: «صلاةُ الرجل بجماعة تفضلُ على صلاةِ الرَّجل وحدَهُ بخمس وعشرين درجة أو سبع وعشرين درجة»، ولم يقل: صلاة الرجل وحده فاسدة، فدل أنها سنة، مع أنه ﵇ أطلق لفظ السنة عليها كما ذكر في الخبر، إلا أنها مؤكدة؛ لأنها من شعائر الإسلام، ومن خصائص هذا الدين، وما كان من الشعائر فالسبيل فيه الإظهار. وأما تعلقهم بالآية؛ فقلنا: إنها لا تدل على الفرضية؛ لأن الخطاب لليهود، فإنه لا ركوع في صلاتهم. وقيل: أراد الخضوع، وفي الآية أقاويل فلا تثبت الفرضية، وكذا تعلقهم بالحديث؛ لأن المراد به نفي الفضيلة بمعارضة أحاديث أخر، وكذا تعلقهم بالحديث الآخر؛ لأنه قال فيه (تخلفوا عن الصلاة) ولم يقل (تخلفوا عن الجماعة) والصلاة فريضة، وتارك الفرض يستحق الوعيد. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٢). ولم يقل تخلفوا عن جماعة، ويروى عن الصلاة في جماعة لا يدل عليها أيضاً؛ لأنه خبر واحد، فلا يزاد على إطلاق الكتاب، ولا على الواجب؛

стр. 752

فَأَقْرَؤُهُمْ) لِقَوْلِهِ ﵊: لمعارضة أحاديث أخر، فثبت تأكدها به. كذا في الإيضاح (١). وقد ذكرنا عن محمد: أن أهل قرية لو تركوا الأذان يقاتلون، ولو تركه واحد ضربته وحبسته، فهذا في الأذان الذي [هو] دعاء الجماعة، فما ظنك في الجماعة؟ (٢). وعن أبي حفص: من لا يحضر الجماعة؛ للمؤذن أن يرفعه إلى السلطان فيأمره بذلك، فإن أبى عذر (٣)، ومن سمع النداء كره له الاشتغال بالعمل؛ لحديث عائشة ﵂ عن النبي ﵇ أنه قال: «إذا أذن المؤذن فكلُّ عملٍ يعمله الإنسان فهو نصيب الشيطان» (٤). وعن محمد: لا بأس بالإسراع إلى الجماعة والجمعة ما لم يجهد نفسه، والسكينة أفضل فيهما (٥). وقيل: الإسراع أفضل فيها؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩]، وعن عائشة قالت: إذا سمع الأذان فما عمل بعده فهو حرام. قال أستاذنا: يعني حال الأذان، وإن عمل بعده؛ قيل: لا بأس (٦). وقال محمد: لا تجب الجماعة والجمعة على الأعمى والمقعد، ومقطوع اليد والرجل من خلاف، ومقطوع الرجلين، ولا على من شبكه الريح، ولا على المفلوج الذي لا يستطيع المشي وإن لم يكن بهم ألم، وعلى الشيخ الكبير الذي لا يقدر على المشي (٧)، قال: وإن زاد على واحد فجماعة في غير الجمعة، ولو

стр. 753

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كان معه صبي يعقل كانت جماعة، ولو فاتته جماعة؛ جمع بأهله في بيته ينال ثواب الجماعة. كذا فعله النبي ﵇. وفي تتمة الدهر: سئل الحلواني عن من يصلي بجماعة مع أهل بيته أحيانًا، هل ينال ثواب الجماعة؟ قال: لا، ويكون ذلك بدعة ومكروهاً بلا عذر (١). وفي شرح التمرتاشي (٢): واختلف في كون المطر والثلج والوحل والبرد الشديد عذراً، فقال الجلابي في صلاته: المطر والبرد الشديد والخوف والحبس، كله عذر يمنع لزوم الجماعة. وقيل: الوحل عذر، والسفر غير عذر. كذا في القنية (٣). وعن أبي حنيفة: إذا اشتد البرد يعذر (٤). وفي المبسوط: لا أحب ترك المساجد للأوحال والردع، وقال أبو يوسف: هذا حسن (٥). وفي فتاوى الظهيرية: ولا يستحب تركها في الأمطار وغيرها. وقال محمد في الموطأ (٦): الحديث رخصة، وهو قوله ﵇: «إذا ابتلَّتِ النِّعالُ فالصلاة في الرحال» (٧)، والنعل للأرض الغليظة يبرق حصاها ولا ينبت شيئاً، ويختار جماعة مسجد حَيِّه، ولو كان مَسجِدان يختار أقدمهما، وإن استويا يختار الأقرب، وإن صلوا في الأقرب وسمع الإقامة من غيره، فإن كان دخل فيه لا يخرج منه، وإلا فيذهب إليه.

стр. 754

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقيل: جماعة الجامع أفضل من مسجد محلته. وقيل: مسجد حيه أفضل، ولو كان متفقها فمسجد أستاذه لدرسه، أو مجلس العامة أفضل بالاتفاق؛ تحصيلا للمثوبتين. ولو فاتته جماعة فصلاها في مسجده وحده أو بجماعة في مسجد آخر أو في بيته، فكل ذلك حسن. وتكره الجماعة في المسجد بأذان وإقامة بعد ما صلى أهله بجماعة، وبه قال الشافعي (١)، ومالك (٢). وقال أحمد (٣)، وداود: لا يكره تكرار الجماعة. ولو صلى فيه من ليس بأهله بجماعة؛ كان لأهله أن يصلوا فيه بأذان وإقامة. وعن أبي يوسف: إنما يكره تكرار الجماعة بقوم كثير، أما إذا صلى واحد بواحد وباثنين؛ فلا بأس به، وعنه: لا بأس به مطلقاً إذا صلى في غير مقام الإمام (٤). وعن محمد: إنما يكره تكرار الجماعة على سبيل التداعي، أما إذا كان يخفيه في زاوية المسجد فلا بأس به (٥). قال القدوري: لا بأس به في مسجد قارعة الطريق (٦). قال قاضي خان مسجد لا إمام له ولا مؤذن، فصلى الناس فيه فوجاً فوجاً، فالأفضل أن يصلي كل فريق بأذان وإقامة على حدة، ولو صلى بعض أهل المسجد بأذان وإقامة مخافتة، ثم حضر بقيتهم؛ فلهم أن يصلوا على وجه الإعلان الكل من الْمُجْتَبى (٧).

стр. 755

﴿يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ كَانُوا سَوَاءٌ فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ﴾ وفي فتاوى الصغرى وقت إدراك الفضيلة تكبيرات الأولى عند أبي حنيفة أن يكبر مع الإمام، وعندهما وقت الثناء. وقيل: ما لم يفرغ الإمام من الفاتحة، وهذا لا يصح؛ لأن بلالا يقول النبي ﵇ له: «إن كنت تسبقني بالتكبير فلا تسبقني بالتأمين» (١)، ففيه دليل على أنه لا يدرك بعدها. قوله: (أعلمهم بالسنة)؛ أي: بالفقه وأحكام الشريعة. كذا في البدرية (٢)، وبه قال الشافعي (٣)، ومالك (٤). وقال أبو يوسف: أقرأهم، وبه قال أحمد (٥)؛ لظاهر الحديث. وفي المبسوط (٦): القراءة يحتاج إليها في ركن واحد، والعلم يحتاج إليه في جميع الأركان، والخطأ المفسد للصلاة لا يعرف إلا بالعلم، فكان الأعلم أولى إذا قدر على القراءة قدر ما يحتاج إليها، وإنما قدم الإقراء في الحديث؛ لأنهم كانوا في ذلك الزمان يتعلمون القرآن بأحكامه، على ما روي أن عمر ﵁ حفظ سورة البقرة في ثنتي عشرة سنة، وقال ابن مسعود: كنا لا نجاوز عشر آيات حتى نعرف أمرها ونهيها وأحكامها؛ فالأقرأ فيهم يكون أعلم. ويؤيده قوله ﵇: «مروا أبا بكر يصلي للناس» (٧)، إذ كان فيهم من هو أقرأ منه للقرآن مثل أبي وغيره، وأبو بكر أفقههم في كل أمره، أما في زماننا فقد يكون الرجل ماهرا في القراءة ولا حظ له في العلم، فالأعلم بالسنة أولى، إلا أن يكون ممن يطعن عليه في دينه، فحينئذ لا يقدم؛ لأن الناس لا يرغبون في الاقتداء به.

стр. 756

وَأَقْرَؤُهُمْ كَانَ أَعْلَمَهُمْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَلَقَّوْنَهُ بِأَحْكَامِهِ فَقُدِّمَ فِي الحَدِيثِ، وَلَا كَذَلِكَ قوله: (وأقرؤهم كان أعلمهم): فإن قيل: الكلام في الأفضلية مع الاتفاق على الجواز على أي وجه كان، والحديث بصيغته يدل على عدم جواز إمامة الثاني عند وجود الأول؛ لأن صيغته صيغة إخبار، وهو في اقتضاء الوجوب أكد من الأمر، أو أنه ذكره بالشرط والجواز على طريق الترتيب، فكان اعتبار الثاني إنما كان بعد وجود الأول لا قبله. قلنا: صيغة الإخبار لبيان الشريعة لا أنه يجوز غيره؛ لقوله ﵇: «يَمسحُ المقيم يوماً وليلةً» (١)، ولئن سلمنا أنها محمولة على معنى الأمر، ولكن يحمل الأمر على الاستحباب؛ لوجود الجواز بدون الاقتداء بالإجماع. فإن قيل: لو كان المراد من الأقْرَأ في الحديث الأعلم يلزم تكرار الأعلم فيه، ويُؤوّل تقديره ويؤم القوم أعلمهم، فإن تساووا فأعلمهم. قلنا: المراد من قوله (أعلمهم) بأحكام كتاب الله تعالى دون السنة، ومن قوله (أعلمهم بالسنة) أعلمهم بأحكام الكتاب والسنة جميعاً، فكان الأعلم الثاني غير الأعلم الأول. كذا نقل عن شيخ شيخي رحمهما الله (٢). وفي الخبازية (٣): المساواة في القراءة توجب المساواة في العلم في ذلك الزمان ظاهرا إلا قطعاً، فجاز تصوير مساواة الاثنين في القراءة مع التفاوت بينهما في معرفة الأحكام، أليس أن أُبَيَّ بن كعب كان أقرأ من ابن مسعود، وابن مسعود كان أعلم، وصاحب الشرع ﵇ بين هذا الممكن لو اتفق وقوعه. أو نقول: قال ذلك بحسب زماننا، فإن المساواة في القراءة لا تستلزم المساواة في العلم وفيه تأمل (التلقي حيزي اركسي كرفتن).

стр. 757

فِي زَمَانِنَا فَقَدَّمْنَا الْأَعْلَمَ ﴿فَإِنْ تَسَاوَوْا فَأَوْرَعُهُمْ﴾ لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ وفي الْمُجْتَبى: العالم بالسنة أولى إذا كان يحذر الفواحش الظاهرة، وإن كان غيره أورع منه (١). وفي الشفا: عن أبي حفص: الأمي الذي يقرأ القليل أحب إلي من الفاسق القارئ (٢). وفي شرح الإرشاد: لو كان عالماً بمسائل الصلاة متبحراً فيها، غير متبحر في سائر العلوم؛ فإنه أولى من المتبحر في سائر العلوم (٣). قوله: (فأورعهم) وفي البدرية: الورع: الاجتناب عن الشبهات، والتقوى: الاجتناب عن المحرمات (٤). وفي الكافي: المتقي الذي لا يأكل الربا، والورع لا يدفع المال ببدل الإجارة (٥). ثم الورع ليس في لفظ الحديث في ترتيب الإمامة، وإنما فيه يعد ذكر الأعلم أقدمهم هجرة، ولكن أصحابنا وأكثر أصحاب الشافعي جعلوا مكان الهجرة الورع؛ لأنها منقطعة في زماننا، وقد قال ﵇: «لا هجرة بعد الفتح» (٦) وإنّما المهاجر من هجر السيئات (٧)، فجعلوا الهجرة عن المعاصي مكان تلك الهجرة، فإن هجرتهم لتعلم الأحكام، وعند ذلك يزداد الورع، وقال ﵇: «مَلاكُ دِينِكُم الورع» (٨)، وفي الحديث: «الجهاد جهادان:

стр. 758

صَلَّى خَلْفَ عَالِم تَقِيٍّ فَكَأَنَّمَا صَلَّى خَلْفَ نَبِيٍّ» (فَإِنْ تَسَاوَوْا فَأَسَنُّهُمْ)، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ أحدهما أفضل من الآخر؛ [هو أن تجاهد نفسك وهواك] (١)، والهجرة هجرتان: أحدهما أفضل من الآخرِ؛ وهو أن يهجر السيئات (٢). وقدم صاحب التهذيب (٣)، والتتمة من أصحاب الشافعي: الأورع على الأعلم والأقرأ. وقال في التتمة (٤): لأن الإمامة سفارة بين الله تعالى وبين عباده، فيقدم في السفارة من له منزلة عنده، والمنزلة عند الله تعالى الأتقياء، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَنَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، ثم بعد الورع العلم مقدم، واعتبر فيه الهجرة بعد العلم والقراءة، وقال: يعني بها سبق الإسلام. وفي شرح الوجيز وكذلك الهجرة بعد النبي ﵇ معتبرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، وأولاد من هاجر أو تقدمت هجرته مقدمون على أولاد غيرهم (٥). وعندنا الهجرة انتسخت بما روينا؛ فإنه ذكر فيه بكلمة (إنما) وهي للحصر، وأنه ﵇ يبين الأحكام لا الحقائق، فقام الورع مقامه. وفي شرح الإرشاد والهجرة في زماننا أن يهجر المعاصي، إلا أن يكون رجل أسلم في دار الحرب؛ فإنه يلزمه الهجرة إلى دار الإسلام، فإذا هاجر، فالذي نشأ في دار الإسلام أولى بالتقديم إذا استويا في سائر الفضائل، وكذا قالوا: إن استويا فيه إلا أن أحدهما أقدمهما ورعاً أولى بالتقديم، وروي من

стр. 759

الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِابْنَيْ أَبِي مُلَيْكَةَ: وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا سِنًّا وَلِأَنَّ فِي تَقْدِيمِهِ تَكْثِيرَ الجَمَاعَةِ. أشراط الساعة أن يقدموا من يُغَنِّي بهم يختارون طيب الصوت ويتركون الورع، والدليل عليه: أن هذا مقام الأنبياء ﵈، فمن كان أشبه بهم فهو أولى به (١). قوله: (فأكبر كما)؛ لقوله ﵇ لابني أبي مليكة: «إذا سافَرتُما فأذنا وأقيما وليؤمكُما أكبر كما» (٢)، ولقوله ﵇: «الكبر الكبر» (٣)، وعن أبي مسعود الأنصاري عن النبي ﵇ أنه قال: «ليؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا سواءً فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا سواءً فأقدَمُهم هجرةً، فإن كانوا سواءً فأكبرهم سنا، فإن كانوا سواءً فأحسنُهم خُلُقاً، فإن كانوا سواءً فأحسنهم وجها، فإن كانوا سواءً فأَصْبَحُهُم وَجْهَا» (٤). وجملة الجواب: أن المستحب بالتقدم أن يكون أفضل القوم قراءة وعلماً وصلاحاً ونسباً وخلقاً وخلقاً. كذا في المبسوطين (٥). وفي الكافي (٦): تفسير حسن الوجه: أن يصلي بالليل، في الحديث: «من كثر صلاته [١/ ١١٨] بالليل حَسُنَ وجهه بالنهار» (٧)، فإن تساووا فأشرفهم نسباً، وإن استووا في هذه الخصال يقرع، أو الخيار إلى القوم. كذا في الخلاصة (٨).

стр. 760

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي الْمُجْتَبى (١): وإن استويا في العلم وأحدهما أقرأ وقدموا غيره؛ فقد أساءوا ولا يأثمون، قال ﵇: «من أم قومًا وفيهم مَنْ هُوَ أفضلُ منه فلا صلاة له» (٢). وقيل: إمامة المقيم أولى من العكس، وعن الفضل الكرماني: هما سواء. ثم بعد الفقه والقراءة والورع للشافعي قولان (٣)، في القديم: يقدم الأشرف ثم الأقدم هجرة ثم الأسن، وهو الأصح؛ لقوله ﵇: «قدموا قريشًا ولا تتَقدَّموها» (٤)، ولأن الشرف يعود إلى الكسب؛ لأن شرفه لانتسابه وفضيلتهم خصلة اكتسبوها من الورع والعلم. والقول الثاني: يقدم الأسنُّ ثم الأشرف ثم الأقدم هجرة؛ لقوله ﵇: «لِيؤُمَكَما أكبر كما» (٥)، وقال ﵇: «إن الله تعالى يستَحِي أَنْ يَرُدَّ دعوة ذي الشيبة في الإسلام» (٦)، ولأن الكبر صفة فيه، والشرف صفة في الآباء، فما كان صفة فيه كان أولى، ولأن أكبرهم سنا أعظمهم حرمة، وعادة ورغبة الناس في الاقتداء به أكثر.

стр. 761

(وَيُكْرَهُ تَقْدِيمُ العَبْدِ) لِأَنَّهُ لَا يَتَفَرَّغُ لِلتَّعَلُّمِ (وَالأَعْرَابِيِّ) لِأَنَّ الغَالِبَ فِيهِمْ الجَهْلُ وعندنا: هذا أصح؛ لأن قوله ﵇ «يَؤُمُّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» نص في تقديم الأكبر، وما رواه ظاهره يحتمل الإمامة وغيرها، فيحمل المحتمل عليه. وفي تتمتهم (١): ثم بعد الكبر والشرف يقدم بنظافة الثوب، والمراد به: النظافة عن الوسخ، لا عن النجاسات؛ لأن الصلاة مع النجاسة لا تصح، وفي النظافة عن الوسخ يميل قلوب الناس إلى الصلاة خلفه، فتكثر الجماعة بسببها، ثم بعد ذلك حسن الصوت؛ لأن به يميل الناس إلى الصلاة خلفه فتكثر الجماعة، ثم بعد ذلك حسن الصورة؛ لأن من كان حسن الوجه أحبه الناس في العادة فيميلون إليه، فتكثر الجماعة، ولأنه جاء في الخبر «أنه تعالى لا يُحَسِّنُ خُلُقَ رجلٍ وخَلْقَهُ وهوَ يريد أن يُعذِّبُهُ بالنارِ» (٢). قوله: (ويكره تقديم العبد … ) إلى آخره: قال مالك: لا يؤتم به جمعة ولا عيد (٣). وقال الأوزاعي: لا يجوز أن يؤم الأحرار. ولنا: قوله ﵇: «اسمعوا وأطيعوا ولَوْ أُمْرَ عليكم عبدٌ حَبَشِيٌّ أَجْدَعْ» (٤)، وما روي عن أبي سعيد مولى أبي أسيد قال: عَرَّسْتُ وأنا عبد، فدعوت رهطا من الصحابة فيهم أبو ذر، فحضرت الصلاة، فأراد أبو ذر أن يؤم، فقالوا له: تؤم وأنت في بيت غيرك، فقدموني وصليت بهم (٥)، ولأن الإمامة أمر ديني يستوي فيه الحر والعبد، ولهذا جوز الشافعي إمامته بلا كراهة، وقال: الحر أولى.

стр. 762

(وَالفَاسِقِ) لِأَنَّهُ لَا يَهْتَمُّ لِأَمْرِ دِينِهِ (وَالأَعْمَى) لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّى النَّجَاسَةَ (وَوَلَدِ الزِّنَا) لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَبٌ يُثَقِّفُهُ فَيَغْلِبَ عَلَيْهِ الجَهْلُ، وَلِأَنَّ فِي تَقْدِيمِ هَؤُلَاءِ تَنْفِيرَ الجَمَاعَةِ ولكن ذكر في تتمتهم (١): تكره إمامته، ووجه الكراهة: أن في تقديمه تقليل الجماعة؛ لأن الناس يستنكفون متابعته، ولأنه لم يتفرغ للتعلم لاشتغاله بخدمة المولى، ولأن الإمامة من باب الكمال والأمانة، والعبد ليس بأهل لهما، ولهذا لا تثبت له الولاية والشهادة. وفي شرح الإرشاد: وقدم قوم إلى عمر ﵁، فقال: من يؤمكم؟ قالوا: عبيدنا وصبياننا، فأنكر عليهم. وأما كراهة إمامة الأعرابي؛ لأنه يكون بعيدا من مجالس العلم عادة، فيغلب فيه الجهل، وهو معنى قوله ﵇: «مَنْ بَدَا جَفَا» (٢)، وأخبر عن مثل هؤلاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ﴾ [الحجرات: ٤] الآية، أما جواز إمامته؛ فلأنه تعالى أثنى على بعض [الأعراب] (٣) بقوله ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٩٩] الآية. وفي الكافي (٤): يستحب تقديم العربي؛ لأنه يسكن المدن، ولهذا يقال: محمد العربي. [ولا يكره] (٥) تقديم الخلفاء والصحابة، أما الأعرابي يسكن البوادي، حتى قيل: أهل الكفور أهل القبور. وأما إمامة الفاسق جائزة عندنا ولكنها مكروهة، وقال مالك (٦): لا تجوز؛ لأن الإمامة أمانة وكرامة، وقد ظهرت خيانته في أمر دينه، فلا يؤتمن ولا يؤهل

стр. 763

فَيُكْرَهُ (وَإِنْ تَقَدَّمُوا جَازَ) لِقَوْلِهِ ﵊: … ... … ... … ... … لهذه الكرامة التي هي من شعائر الإسلام، وإعلام العظام هذا في فاسق بلا تأويل، كالزاني وشارب الخمر، أما في الفاسق بالتأويل؛ كمن يسب السلف الصالح؛ فعنه فيه روايتان. وعن أحمد روايتان في جواز الاقتداء به مطلقاً، أصحهما: المنع (١). وقلنا نحن والشافعي (٢): تجوز إمامته؛ لقوله ﵇: «صَلُّوا خلف كُلِّ بَرٍّ وفاجِرٍ» (٣)، ولأن ابن عمر وأنساً وغيرهما من الصحابة والتابعين صلوا خلف الحجاج صلاة الجمعة وغيرها، مع أنه كان أفسق أهل زمانه، وروي أن عمر بن عبد العزيز قال: لو جاء كل أمة بجناياتها، وجئنا بأبي محمد - يعني الحجاج - لغلبناهم (٤). وروي أن حجاجاً كان يخطب يوم الجمعة، فأطال الخطبة حتى كاد يدخل وقت العصر، فقام ابن عمر وقال: أقصر يا مكثار خذلك الله، فلما فرغ الحجاج دعا ابن عمر ليقتله، وقال له: أما تخشى أن الله تعالى سلطني على مالك ودمك فأهريقه، أو على نفسك فأَضُرُّ بها، فقال ابن عمر: أما يكفيني أني صليت خلف رسول الله ﷺ ، وخلف أبي بكر وعمر ﵄، والآن أصلي خلفك وأنت من أفسق الناس، ولأن الفاسق ليس من أهل الشهادة والقضاء، فيصلح إماماً بالطريق الأولى، ولكن لا يؤتمن عليه في الأمانة الشرعية، مع أن الناس يستنكفون عن إمامته، وفيه تقليل الجماعة، ولهذا قال أصحابنا: لا ينبغي أن يقتدى بالفاسق إلا في الجمعة؛ لأن في سائر الصلوات تجد إماماً غيره، بخلاف الجمعة، وكان ابن مسعود يصلي خلف الوليد بن عقبة فيها وسائر الصلوات، وكان الوليد والياً بالكوفة وكان فاسقاً، حتى صلى بالناس يوماً وهو سكران. كذا في شرح الإرشاد (٥).

стр. 764

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي المحيط (١): لو صلى خلف فاسق أو مبتدع؛ يكون محرزاً ثواب الجماعة؛ لقوله ﵇: «صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وفَاجِرٍ (٢)»، أما لا ينال ثواب من يصلي خلف التقي. ثم الفاسق إذا كان يؤم وعجز القوم عن منعه تكلموا فيه. قيل: يقتدي به في صلاة الجمعة، ولا يترك الجمعة بإمامته، أما في غيرها من المكتوبات؛ فلا بأس بأن يتحول إلى مسجد آخر، ولا يصلي خلفه، ولا يأثم بذلك. وفي الْمُجْتَبى (٣)، والمبسوط (٤): يكره الاقتداء بصاحب البدعة. وفي شرح بكر (٥): حاصل الجواب: أن كل من كان من أهل قبلتنا ولم يُغْلِ في هواه، حتى لم يحكم بكفره ولا بمجانته بتأويل فاسد؛ تجوز الصلاة خلفه، وإن كان هوى يكفّر أهلها؛ كالجهمي والقدري الذي قال بخلق القرآن، والرافضي الغالي الذي ينكر خلافة أبي بكر، والمشبهة؛ لا تجوز، وبه قال أكثر أصحاب الشافعي (٦). وقال القفال: ومن تابعه يجوز الاقتداء بهم وأنهم لا يكفرون، وهو ظاهر مذهب الشافعي؛ لقوله ﵇: «صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ مَنْ قال لا إلهَ إِلَّا الله، وعلَى مَنْ قال لا إله إلا الله (٧)» كذا في شرح الوجيز (٨). وعن أبي يوسف: من انتحل من هذه الأهواء شيئاً فهو صاحب بدعة، روى

стр. 765

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . محمد عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أن الصلاة خلف أهل الأهواء لا تجوز، أما الصلاة خلف الشافعية إذا انحرف عن القبلة، أو لم يتوضأ من الخارج من غير السبيلين، أو لم يغسل المني الذي أكثر من الدرهم؛ لا تجوز على الأصح، وإلا فتجوز (١). وقيل: لكنه يكره، وتجيء هذه المسألة بتمامها في باب الوتر. وقال أبو يوسف: لا تجوز الصلاة خلف المتكلم وإن تكلم بحق (٢). قال الهندواني: يجوز أن يكون مراد أبي يوسف؛ من يناظر في دقائق علم الكلام (٣). وفي شرح السنة: اتفق علماء السلف من أهل السنة على النهي عن الجدال والخصومات في الصفات، وعلى الزجر عن الخوض في علم الكلام (٤). وطعن صاحب المجتبى على هذا بناء على اعتقاد مذهب الاعتزال، فقال: بني النهي عن الخوض في علم الكلام الذي يرفع به أعلام الإسلام، ويدفع به شكوك الملاحدة، ومطاعن الضلال عن مذهبه الذي شهدت البراهين العقلية والحجج السمعية على بطلانه من التقليد في معرفة الله تعالى وصفاته، ومعرفة حقيقة كتبه ورسله (٥). وأما قول أبي يوسف (لا تجوز الصلاة خلف المتكلم)؛ يجوز أن يريد المتكلم الذي قدره أبو حنيفة حين رأى ابنه حمادا يناظر في الكلام فنهاه، فقال: رأيتك في الكلام تناظر وتنهاني، فقال: كنا نناظر وكأن على رؤوسنا الطير مخافة أن يزل صاحبنا، وأنتم تناظرون وتريدون زلة صاحبكم، ومن أراد أن يزل صاحبه فقد أراد أن يكفر صاحبه، فهو قد كفر قبل صاحبه، فهذا هو

стр. 766

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الخوض المنهي في الكلام، وهذا المتكلم ممن لا يجوز الاقتداء به، أما لو أراد الوصول إلى الحق وهداية الضلال؛ فهو ممن يتبرك باقتدائه. وأما الأعمى فتجوز إمامته؛ لأنه ﵇ استخلف ابن أم مكتوم على المدينة مرة، وعثمان بن مالك مرة، وهما أعميان، ولكن البصير أولى، وبه قال بعض أصحاب الشافعي (١)؛ لما ذكر في الكتاب، ولما روي أنه قيل لابن عباس بعد ما كف بصره: ألم تؤم الناس؟ فقال: كَيْفَ أَؤُمُّهُمْ وَهُمْ يَعْدِلُونَنِي إِلَى الْقِبْلَةِ (٢)، فأشار إلى أن الإمام هو الذي يهتدي به الناس، لا الذي يهديه الناس. كذا في شرح الإرشاد (٣). والمذهب الصحيح عند الشافعي: أن الأعمى والبصير سواء لما ذكرنا، وعنه أنه قال: أستحسن إمامة الأعمى؛ لأنه لا يشتغل بالنظر، فهو أخشع في صلاته من البصير. وفي الحلية: هذا خلاف نص الشافعي (٤). وفي مبسوط شيخ الإسلام (٥): هذا إذا كان من البصراء من هو أفضل منه، فأما إذا لم يكن فهو أولى؛ ألا ترى أنه ﵇ استخلف ابن أم مكتوم حين خرج إلى غزوة تبوك؛ لأنه لم يبق أحد أفضل منه، وكذلك جابر وعتبان (٦) بن مالك بعد ما كف بصرهما. وأما ولد الزنا فإن الجهل فيه غالب؛ لأنه ليس له أب يثقفه - أي: يؤدبه - من التثقيف وهو التأديب. وبقولنا: قال الشافعي (٧) ومالك (٨).

стр. 767

«صَلَّوْا خَلْفَ كُلِّ بَرِّ وَفَاجِرٍ». (وَلَا يُطَوِّلُ الإِمَامُ بِهِمْ الصَّلَاةَ) لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ أَمَّ قَوْمًا وقال أحمد (١): لا يكره، ورواه ابن المنذر عن مالك، واختاره؛ لما روي عن عائشة أنها قالت: ما عليه من وزر أبويه شيء (٢)، والذي روي أنه ﵇ قال: «ولد الزنا شر الثلاثة» (٣)؛ فقد ردت عائشة هذا الحديث، أو قاله في ولد زنا بعينه نشأ مرتدا. وكذا ما روي أنه ﵇ قال: «إن ولد الزنا مما ذرأه الله لجهنم» (٤)؛ محمول على هذا، فأما من كان مؤمناً فالاقتداء به يصح. كذا في المبسوطين (٥). وقيل: إنما قال له (شر الثلاثة)؛ لأن للزانيين الأب والأم خبثة الفعل لا الذات، ولولد الزنا خبثة الذات والفعل جميعاً؛ لأنه ليس له أب يثقفه. قوله: (لقوله ﵇: «صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَرِّ وَفَاجِرٍ»): والاستدلال به في حق الفاسق ظاهر، وفي حق العبد والأعمى يتمسك بدلالته؛ لأنه لما جوز الاقتداء به مع المعنى الموجب للتنفير، فيجوز في حقهما بالطريق الأولى. أو نقول: كل واحد منهما لائح من أن يكون برّاً أو فاجراً، والنبي ﷺ جوز الاقتداء بكليهما. وفي الْمُجْتَبى (٦): والمراد من الكراهة في هذه المواضع: التنزيه؛ فإنه قال محمد في الأصل: إمامة غيرهم أحب إلي (٧). (قوله ﵇: مَنْ أمَّ قوماً … . الحديث): وفي المبسوط (٨): في هذا

стр. 768

فَلِيُصَلِّ بِهِمْ صَلَاةَ أَضْعَفِهِمْ، فَإِنَّ فِيهِمْ المَرِيضَ وَالكَبِيرَ وَذَا الحَاجَةِ» (وَيُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ أنْ يُصَلِّينَ وَحْدَهُنَّ الجَمَاعَةُ) لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ ارْتِكَابِ مُحَرَّمٍ، وَهُوَ قِيَامُ الإِمَامِ الحديث دليل على أن الإمام لا ينبغي أن يطوّل بهم القراءة على وجه يمل القوم، وقال ﵇: «إِنَّ مِنَ الأئمةِ الطَّرادين» (١)، وحديث معاذ معروف. وقال أنس: ما صليت خلف أحد أتم وأخف مما صليت خلف النبي ﵇ (٢)، وروي أنه ﵇ قرأ المعوذتين في الفجر، فلما فرغ قالوا: أوجزت، قال: «سمعتُ بكاءَ صبي، فخشيت علَى أُمِّهِ أَنْ تُفتَنَ» (٣)، فدل أن الإمام ينبغي أن يراعي حال قومه. قوله: (ويكره للنساء وحدهن الجماعة) وبه قال مالك (٤)، وأحمد في رواية (٥). وقال الشافعي (٦)، والثوري، والأوزاعي: جماعة النساء في بيوتهن أفضل، وليس فيها في التأكيد بمنزلة الرجال، ولا يكره لهن فعلها وتركها، وبه قال عطاء، وأحمد في رواية أخرى؛ لأنه ﵇ أمر أم ورقة أن تأم أهل دارها (٧). وعن صفوان بن سليم أنه قال: من السنة أن تصلي المرأة بالنساء (٨)، وتقوم وسطهن؛ لحديث رائطة: أن عائشة أمتنا وقامت وسطنا (٩).

стр. 769

وَسَطَ الصَّفِّ فَيُكْرَهَ كَالعُرَاةِ (فَإِنْ فَعَلْنَ قَامَت الإِمَامُ وَسَطَهُنَّ) لِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ فَعَلَتْ ولنا: ما روى ابن مسعود أنه ﵇ قال: «صلاة المرأة في بيتها أفضلُ مِنْ صَلاتِها في حُجرَتِها، وصَلاتُها في مَخدَعِها أفضلُ من صَلاتِها في بيتها». رواه أبو داود (١) بإسناد صحيح على شرط مسلم. ولأن جماعتهن لو كانت مشروعة لكره تركها، ولشاعت كما شاع شرع جماعة الرجال على أنها من الشعائر، فتختص بالرجال كالأذان والخطب، والجمع والأعياد، ولأن جماعتهن لائح عن ارتكاب محرم؛ لأن في التقديم زيادة كشف، وفي التوسط ترك المقام، وكل ذلك حرام، أما زيادة الكشف؛ فلقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، وأما ترك القيام؛ فلأنه خلاف السنة؛ لأنه لم يعمل به النبي ﵇ ولا واحد من الصحابة. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٢). وأما حديث أم ورقة ورائطة؛ كان في ابتداء الإسلام، أو تعليمًا للجواز، مع أن في حديث أم ورقة مقال عند أهل الحديث. قيل: في حمل حديث عائشة على ابتداء الإسلام بعد؛ لأنه ﵇ أقام بمكة ثلاث عشرة سنة، ثم تزوج عائشة بالمدينة، بل الأولى أن يقال: أنه منسوخ وإن لم يكن في ابتداء الإسلام، فالنساء يحضرن الجماعة ثم نسخت. هكذا قالوا. (كالعراة)؛ فإنهم أمروا بترك الجماعة؛ ليتباعد بعضهم عن بعض، فلا يقع بصر بعضهم على عورة البعض؛ لأن الستر يحصل به، ولكن الأولى لإمامهم إذا أمهم أن يقوم وسطهم؛ كيلا يقع بصرهم على عورته، وإن تقدمهم جاز، وحالهم في هذا الموضع كحال النساء في الجماعة. كذا في المبسوطين (٣). وقال الحسن البصري: يصلون بالجماعة؛ لأنهم يتوصلون إلى إقامتها من غير ارتكاب مكروه؛ بأن يقدموا إمامهم ويغضوا أبصارهم.

стр. 770

كَذَلِكَ، وَحُمِلَ فِعْلُهَا الجَمَاعَةَ عَلَى ابْتِدَاءِ الإِسْلَامِ، وَلِأَنَّ فِي التَّقَدُّمِ زِيَادَةَ الكَشْفِ. وقلنا: غض البصر مكروه حالة الاختيار، كقيام الإمام وسط الصف، فصح أنهم لا يتوصلون إلى إقامتها بدون ارتكاب أمر مكروه، وإقامة الجماعة سنة، فترك السنة أولى من ارتكاب المكروه، فعلم بهذا كله أن التشبيه بالعراة ليس من كل وجه؛ بل في أفضلية الإفراد وأفضلية قيام الإمام وسطهن، وأما العراة فيصلون قعوداً وهو أفضل، والنساء قائمات مقام الإمام. قال المطرزي: الإمام: من يُؤَمُّ به - أي: يقتدى - ذكرا كان أو أنثى (١). فإن قيل: تعارضت هاهنا حرمتان: حرمة زيادة الكشف بالتقدم، وحرمة ترك مقام الإمام، فلم رجحت حرمة زيادة الكشف؟. قلنا: الاحتراز عن كشف العورة قوي الفرائض والاحتراز عن ترك مقام الإمام الذي هو التقديم سنة، وتعيين الفرض أقوى من السنة، وإنما قلنا ذلك، فإن النجاسة التي في بدن المصلي لو منعت الجواز، ولا يمكن غسلها إلا بإظهار عورته؛ يصلي معها احترازا عنه. كذا ذكره في جامع التمرتاشي (٢)، فلأن يرجح على السنة أولى. فإن قيل: لو فرضنا تقدم المرأة على جماعة النساء لابسة ثوبًا من قرنها إلى قدمها، وليس بينهن أحد من الرجال يكره، مع أنه لا كشف فيه أصلاً، فلو كانت الكراهة لزيادة الكشف ينبغي أن يجوز هناك لانعدام العلة. قلنا: يجب أن تكون المرأة على أستر الأحوال، خصوصاً في حق الصلاة، ولا شك أن الستر أكثر في الوسط من المتقدم، وما تركت عائشة سنة التقدم حين أمت إلا لأمر أوجب عليها؛ وهو رعاية جانب الستر، فكان أصل ترك التقدم ثابتاً بالسنة لا بالتعليل. وفي شرح الطحاوي: إمامة الرجل للمرأة جائزة إذا نوى إمامتها (٣) إذا لم

стр. 771

(وَمَنْ صَلَّى مَعَ وَاحِدٍ أَقَامَهُ عَنْ يَمِينِهِ) لِحَدِيثِ «ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، فَإِنَّهُ ﵊ صَلَّى بِهِ وَأَقَامَهُ عَنْ يَمِينِهِ» وَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْ الإِمَامِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ نَظَلَتَهُ أَنَّهُ تكن في الخلوة، فأما لو كان لهن أو لبعضهن محرم يجوز ويكره. فإن قيل: لو كان كذلك لما جازت إمامة المرأة في صلاة الجنازة بلا كراهة. قلنا: لأنهن إن صلين بجماعة في المكتوبة والتراويح يلزم ارتكاب مكروه، والجماعة سنة فيهما، فكان ترك السنة أولى من ارتكاب المكروه، أما صلاة الجنازة فريضة، وقيام الإمام وسطهن مكروه، فإقامة الفريضة مع ارتكاب المكروه أولى، وإنما قلنا ذلك؛ لأنهن إن صلين بجماعة يلزم مكروه مع إقامة الفرض؛ لأن الصلاة تقع من الكل فرضاً، وإن صلين فرادى حتى لا يلزم المكروه أدى ذلك إلى فوات الصلاة عن البعض؛ لأن الفرض يسقط بأداء واحدة، وقد يتفق فراغ الواحدة قبل فراغ الباقيات، فتكون الصلاة من الباقيات نفلاً، والتنفل بصلاة الجماعة غير مشروع، فعلم أنهن ابتلين بين ترك الفرض وبين ارتكاب المكروه. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (١). قوله: (لحديث ابن عباس) عن ابن عباس أنه قال: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ زوج النبي ﵇ لأراقب صلاته ﵇ بالليل، فانتبه النبي ﵇ وقال: «نامَتِ العُيونُ وغارَتِ النّجومُ، وَبَقِيَ الحَيُّ القيوم»، ثم قرأ آخر سورة آل عمران ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] إلى أخر السورة، ثم قام إلى شن معلق فتوضأ وافتتح الصلاة، فقمت وتوضأت ووقفت عن يساره، فأخذ بأذني وأدارني خلفه حتى أقامني عن يمينه (٢). كذا في المبسوط (٣). وفي مبسوط شيخ الإسلام (٤): فأخذ ذؤابتي وأقامني عن يمينه، فعدت إلى

стр. 772

يَضَعُ أَصَابِعَهُ عِنْدَ عَقِبِ الإِمَامِ، وَالأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ (*)، فَإِنْ صَلَّى خَلْفَهُ أَوْ فِي يَسَارِهِ جَازَ وَهُوَ مُسِيءٌ، لِأَنَّهُ خَالَفَ السُّنَّةَ مكاني فأعادني ثانياً وثالثاً، فلما فرغ قال: «ما منعك يا غلام أن تثبت في الموضع الذي أوقفتك؟»، قلت: أنت (١) رسول الله، فلا ينبغي لأحد أن يساويك في الموقف، فقال ﵇: «اللَّهُمَّ فقهْهُ فِي الدِّينِ وعَلِّمْهُ التَّأويل»، فأعاده رسول الله إلى الجانب الأيمن (٢)، ففيه دليل على أنه هو المختار. فإن قيل: كيف يجوز أداء النافلة بالجماعة وإنه بدعة؟. قلنا: أداء النفل بلا أذان وإقامة بواحد أو اثنين يجوز، على أنا نقول: التهجد كان فرضاً على النبي ﷺ ، فيكون اقتداء المتنفل بالمفترض، مع أن ابن عباس كان صبياً، فلا يكون مخاطباً. كذا في الكاثي (٣)، وفيه تأمل. وفي الحلية (٤): السنة: أن يقف الواحد عن يمين الإمام بإجماع الأئمة الأربعة. وعن ابن المسيب أنه قال: يقف عن يسار الإمام. وقال النخعي: يقف خلفه إلى أن يركع، فإن جاء أحد وإلا تقدم، ويقف عن يمينه إذا ركع عند عقب الإمام. وفي المبسوط: هو الذي وقع عند العوام. وإن كان المقتدي أطول وسجوده قدام الإمام لم يضره؛ لأن العبرة لموضع الوقوف، كما لو وقف في الصف ووقع سجوده أمام الإمام لطوله (٥). قوله: (لأنه خالف السنة)؛ وهي ما ذكر من حديث ابن عباس آنفا.

стр. 773

(وَإِنْ أَمَّ اثْنَيْنِ تَقَدَّمَ عَلَيْهِمَا) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَتَوَسَّطُهُمَا (*)، وَنَقَلَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَلَنَا: «أَنَّهُ ﵊ تَقَدَّمَ عَلَى أَنَسٍ وَاليَتِيمِ حِينَ صَلَّى بِهِمَا» وذكر شيخ الإسلام (١): من مشايخنا من قال: الجواب في الفصلين؛ وهو ما لو قام عن يساره أو خلفه واحد؛ لأنه ترك السنة في المقام، فيكون مكروها، ومنهم من فرق وقال: لا يكون مسيئا إذا قام خلفه؛ لأنه لا يصير تاركا للسنة من كل وجه؛ لأنه عمل به واحد من الصحابة وهو ابن عباس؛ لأنه قام خلفه ﵇، ودعا له بالفقه والعلم. وعند أحمد (٢): لو وقف على يساره تبطل صلاته، ونقل ذلك عن ابن مسعود؛ فإنه صلى بعلقمة والأسود فقام وسطهما، ولأن الاصطفاف خلف الإمام سنة الجماعة، والاثنان ليس بجماعة حقيقة؛ لأنه لا ينطلق عليه اسم الجمع، فلا يقال: رجال، بل يقال: رجلان، وحكما؛ لأن الجمعة لا تنعقد بهما. وقال أحمد: لو كان أحدهما صبيا فوقفا عن يمينه؛ فلا بأس، ولو وقفا خلفه؛ توقف أحمد، وأكثرهم: لا يصح، بل الصبي يقف على يساره (٣). وجه الظاهر: (أنه ﵇ تقدم على أنس واليتيم): روي عن أنس أنه قال: صنعت جدتي مليكة طعاما، فدعت النبي ﵇، فلما فرغ قال: «قوموا لأصلي بكم»، فقمت إلى حصير لنا قد اسود، فتقدم النبي فأقامني ويتيما لنا خلفه، والعجوز من ورائنا (٤). واليتيم: أخ لأنس من أبيه، اسمه: عمير. قيل: الصحيح: أن اسمه ضميرة بن سعد الحميري المدني.

стр. 774

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإن قيل: لا خلاف أن الإمام يتقدم على الثلاثة، والخلاف في الاثنين. قلنا: المرأة كالعدم في حكم الاصطفاف؛ ولهذا لو كان خلفه رجل واحد وامرأة؛ فالسنة أن يقوم الرجل بحذاء الإمام، كما إذا لم تكن معه امرأة. وفي المبسوطين (١): وجه الظاهر: ما روى أبو موسى الأشعري عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الاثنان فما فوقهما جماعة» (٢)، ولم يرد به الحقيقة، بل أراد به الحكم، وعن علي ﷺ مثل قولهما. والمعنى: أن الاصطفاف من حكم الأداء بجماعة، وقد وجدت الجماعة حقيقة وحكمًا، أما حقيقة؛ فلأنهم ثلاثة مع الإمام، وأما حكما؛ فلأن الإمام من القوم في غير الجمعة لجواز الأداء بدونه، فيمكننا أن نعده في حقه من القوم، فإن عُدَّ منهم فقد حصل الأداء بجماعة، بخلاف الجمعة؛ فإن الإمام شرط على حدة فيها، والجماعة على حدة. وما روي من فعل ابن مسعود؛ قال إبراهيم النخعي: كان ذلك لضيق البيت والأصح: أن هذا كان من مذهب ابن مسعود؛ ولهذا قال في الكتاب: وإن لم يتقدم وصلى بهما فصلاتهم تامة؛ لأن فعلهم في موضع الاجتهاد، قال: فإن كان القوم كثيراً وقام وسط الصف، أو في ميمنة الصف أو ميسرته؛ فصلاته جائزة وأساؤوا، إلا أن الإمام يكون مسيئاً لتركه السنة من كل وجه بغير عذر؛ لأن السنة أن يقوم الإمام إزاء وسط الصف؛ ألا ترى أن المحاريب ما نصبت إلا وسط المساجد، وهي قد عينت لمقام الإمام، ولو قام واحد بجنب الإمام وخلف صف؛ يكره بالإجماع. كذا في شرح الإرشاد (٣). وفي الْمُجْتَبى (٤): وفي مبسوط بكر: السنة أن يقوم في المحراب ليعتدل

стр. 775

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الطرفان، ولو قام في أحد جانبي الصف يكره، ولو كان المسجد الصيفي بجنب الشتوي، وامتلأ المسجد؛ يقوم الإمام في جانب الحائط؛ ليستوي القوم من جانبيه. والأصح: ما روي عن أبي حنيفة أنه قال: أكره للإمام أن يقوم بين الساريتين أو في زاوية المسجد، أو في ناحية المسجد أو إلى سارية؛ لأنه خلاف عمل الأمة، قال ﵇: «وَسَطُوا الإمام وسُدُّوا الخَلَلَ» (١)، ومتى استوى جانباه يقوم عن يمين الإمام إن أمكنه، وإن وجد في الصف فرجة سدها، ولا ينتظر حتى يجيء آخر فيقفان خلفه، وإن لم يجئ حتى ركع الإمام؛ يختار أعلم الناس بهذه المسألة، فيجذبه حتى لا يتأبى عليه. وفي المبسوط (٢): يختار من يُعرَفُ منه علماً وحسن الخلق حتى لا يغضب عليه، ويقفان خلفه، ولو لم يجد عالماً؛ يقف خلف الصف بحذاء الإمام للضرورة، ولو وقف منفرداً بغير عذر؛ تصح صلاته عندنا، والشافعي (٣)، ومالك (٤)، ولكن يكره. وعن الميداني: لا يكره، ولكن ترك الأفضل. وقال أحمد (٥)، وأصحاب الحديث: لا تصح صلاته؛ لقوله ﵇: «لا صَلاةَ للمنفرد خلفَ الصَّف» (٦)؛ قاله ﵇ حين رأى رجلاً يصلي في حجرة من الأرض خلف الصف، فقال له: «أعِدْ صلاتك فإنه لا صلاة للمنفرد … » الحديث (٧).
следующие страницы →