وَأَرْشُ المُوضِحَةِ يَجِبُ بِفَوَاتِ جُزْءٍ مِنْ الشَّعْرِ، حَتَّى لَوْ نَبَتَ يَسْقُطُ، وَالدِّيَةُ بِفَوَاتِ
العقل لا موضع له يشار إليه كالروح في الجسد. كذا في المبسوط (١)، وجامع التمرتاشي، وفيه [متأمل] (٢)؛ إذ بعض أهل السنة قالوا: محل العقل القلب، وبعضهم محله الرأس.
قوله: (وأرش الموضحة يجب بفوات جزء من الشعر).
وفي المبسوط: وجوب أرش الموضحة باعتبار ذهاب الشعر، بدليل أنه لو نبت الشعر على ذلك الموضع فاستوى كما كان؛ لا يجب شيء، وإذا وجب كمال دية النفس باعتبار ذهاب الشعر؛ لا يجب ما دونه باعتباره أيضًا؛ لتعلق الأرشين بسبب واحد، وهو الجناية على الرأس، وبجناية واحدة في محل واحد لا يجب شيئان (٣).
ولأنه ﵊ أوجب في الموضحة خمسًا من الإبل، والموضحة متى كان في الرأس يتناثر الشعر؛ يوجب الأرش كالإيضاح، ولم يوجب النبي ﷺ بتناثر الشعر شيئًا؛ لأن أرش ما يتناثر في موضع الشجة يكون أقل من أرش الموضحة، فعلم أن الأقل يدخل في الأكثر، فصار هذا أصلا.
قوله: (وجوابه ما ذكرناه)؛ وهو قوله: (لأن بفوات العقل) إلى آخره.
وفي الذخيرة: الشجاج كلها إذا برأ ولم يبق لها أثر لا يجب شيء، إلا عند محمد؛ فإنه قال: يجب مقدار ما أنفق إلى أن برأ.
ولو شج موضحة فالتأمت ونبت الشعر؛ قال أبو حنيفة ﵀: ليس عليه شيء. وقال أبو يوسف: عليه الأرش كملا. وإن التأمت ولم ينبت الشعر؛ فعليه أرش بالاتفاق.
وفي العيون: لو التأمت ونبت الشعر؛ فالقياس ألا يجب شيء، وهو قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: يستحسن أن يجعل عليه حكومة عدل مثل أجرة الطبيب، وكذا كل جراحة.
стр. 7107
كُلُّ الشَّعْرِ، وَقَدْ تَعَلَّقَا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ، فَدَخَلَ الجُزْءُ فِي الجُمْلَةِ كَمَا إِذَا قَطَعَ أُصْبُعَ رَجُلٍ فَشُلَّتْ يَدُهُ.
وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَدْخُلُ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جِنَايَةٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، فَلَا يَتَدَاخَلَانِ كَسَائِرِ الجِنَايَاتِ. وَجَوَابُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ. قَالَ: (وَإِنْ ذَهَبَ سَمْعُهُ، أَوْ بَصَرُهُ، أَوْ كَلَامُهُ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ المُوضِحَةِ مَعَ الدِّيَةِ) قَالُوا: هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ الشَّجَّةَ تَدْخُلُ فِي دِيَةِ السَّمْعِ وَالكَلَامِ، وَلَا تَدْخُلُ فِي دِيَةِ
الشلل: فساد في اليد، من حد علم.
وفي شرح الطحاوي: قطع من إصبع مفصلًا واحدًا، فشل الباقي من الإصبع أو الكف؛ لا يجب القصاص، ولكن تجب الدية فيما شل منه، إن كان إصبعًا فدية الإصبع، وإن كان كفا فدية الكف، وهذا بالإجماع.
قوله: (فعليه أرش الموضحة والدية): وبه قالت الأئمة الثلاثة.
(قالوا)؛ أي: المشايخ (هذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف): فذكر أبي يوسف هاهنا وقع سهوا من الكاتب؛ لأنه مخالف لجميع كتب أصحابنا، وينبغي أن يذكر محمدًا مكان أبي يوسف، كما ذكر في الإيضاح والكافي، أو لا يذكر أحدًا، لا أبا يوسف ولا محمدًا، كما هو رواية المبسوط، وشروح الجامع، والذخيرة، والمغني.
اعلم: أن هذا الذي ذكره فيما إذا كان خطأ، وإن كان عمدًا؛ فقد ذكر في الذخيرة محيلًا إلى الجامع الصغير: فلا قصاص في شيء من ذلك عند أبي حنيفة، ولكن يجب أرش الموضحة، ودية السمع والبصر.
وعندهما: يجب القصاص في الشجة والدية في السمع والبصر.
وقال أحمد، وبعض أصحاب الشافعي: يجب القصاص في البصر أيضًا؛ لأن ضوء العين لا يمكن مباشرته بالجناية، وإذا جنى على محل سرى منه إلى العين تعلق به القصاص، كما إذا سرى إلى النفس.
وفي الحلية: وهو المنصوص (١).
стр. 7108
البَصَرِ (*). وَجْهُ الأَوَّلِ: أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا جِنَايَةٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، وَالمَنْفَعَةُ مُخْتَصَّةٌ بِهِ، فَأَشْبَهَ الأَعْضَاءَ المُخْتَلِفَةَ، بِخِلَافِ العَقْلِ، لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ عَائِدَةٌ إِلَى جَمِيعِ الأَعْضَاءِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
وقال بعض أصحابه: لا يجب القصاص في ضوء العين، كما لو [قطع] (١) إصبع رجل فشلت كفه؛ لا قصاص في الكف. ثم إذا أراد الاقتصاص يوضحه أولا، فإن ذهب ضوء عينه؛ استوفى حقه، وإلا فله أن يذهب ضوء عينه بأخف ما يكون، من حديدة محماة يُقَرِّبُها إلى عينه، أو بدواء يضعه فيها، بحيث لا تذهب حدقته. ولو لم يكن إذهاب ضوئه إلا بما تذهب به الحدقة؛ سقط القصاص حينئذ؛ لأنه لا يجوز أن يستوفي أكثر من حقه. وأجمع أهل العلم أنه لا قصاص في ذهاب بعض البصر؛ لتعذر المساواة. كذا في المغني لابن قدامة. وقد بينا طريق معرفة ذهاب البصر والسمع، فلا نعيده.
قوله: (وجه الأول)؛ وهو عدم دخول أرش الموضحة (أن كلا منها جناية فيما دون النفس) وأصل بنفسها في المنافع؛ لتعدد حكم الجناية بتعدد أثر الفعل، ولم يستتبع واحد من ذلك ما سواه. (بخلاف العقل؛ لأن منفعته عائدة إلى كل الأعضاء).
(على ما بينا) أن بزوال العقل صار كالبهائم، ويصير كزوال الروح، وصار كالموت، فيدخل الأقل في الأكثر. وفي الإيضاح: لا يتضح هذا الفرق.
قال الهندواني: كنا نفرق بهذا الفرق، حتى رأيت ما ينتقض هذا الفرق؛ وهو أنه لو قطع يده فذهب عقله؛ أن عليه دية العقل وأرش اليد بلا خلاف لأحد، فلو كان زوال العقل كذهاب (٢) الروح؛ لما أوجب أرش اليد، كما لو مات.
стр. 7109
وَوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ السَّمْعَ وَالكَلَامَ مُبْطَنٌ، فَيُعْتَبَرُ بِالعَقْلِ، وَالبَصَرُ ظَاهِرُ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ. قَالَ: (وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَمَنْ شَجَّ رَجُلًا مُوضِحَةً، فَذَهَبَتْ عَيْنَاهُ، فَلَا قِصَاصَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. قَالُوا: وَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الدِّيَةُ فِيهِمَا (وَقَالَا: فِي المُوضِحَةِ القِصَاصُ) (*) قَالُوا: وَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الدِّيَةُ فِي العَيْنَيْنِ.
قَالَ: (وَإِنْ قَطَعَ أُصْبُعَ رَجُلٍ مِنْ المِفْصَلِ الأَعْلَى، فَشُلَّ مَا بَقِيَ مِنْ الأَصْبُعِ، أَوْ اليَدِ كُلِّهَا لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) وَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الدِّيَةُ فِي المِفْصَلِ الأَعْلَى، وَفِيمَا بَقِيَ حُكُومَةُ عَدْلٍ وَكَذَلِكَ لَوْ كَسَرَ بَعْضَ سِنِّ رَجُلٍ فَاسْوَدَّ مَا بَقِيَ)
والصحيح من الفرق: أن الجناية وقعت على عضو واحد في العقل، وفي السمع والبصر على عضوين، فلا يدخل.
قوله: (ووجه الثاني)؛ وهو رواية أبي يوسف.
(فيعتبر بالعقل): فتدخل دية الشجة في دية السمع والكلام.
(والبصر ظاهر فلا يلحق به؛ أي: بالعقل، فلا يدخل دية الشجة في دية البصر.
قوله: (قالوا)؛ أي: المشايخ ينبغي أن تجب الدية)؛ أي: على قول أبي حنيفة (في الموضحة والعينين).
(وقالوا)؛ أي: المشايخ (ينبغي أن تجب الدية في العينين)؛ أي: على قولهما.
وإنما كرر لفظ (قالوا)؛ لأن الأول في قول أبي حنيفة، والثاني في قولهما.
قوله: (لا قصاص في شيء من ذلك)؛ أي: باتفاق أصحابنا.
وقال الشافعي، ومالك، وأحمد لم يسقط القود عن الإصبع؛ لأنه عمد يمكن اعتبار المساواة فيه. ولا يجب القصاص في الباقي في قول من الشافعي، وفي رواية عن أحمد.
قوله: (فاسود ما بقي) وكذا لَوِ اخْضَرَّ.
стр. 7110
وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا، وَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الدِّيَةُ فِي السِّنِّ كُلِّهِ (وَلَوْ قَالَ: اقْطَعَ المِفْصَلَ وَاتْرُكْ مَا يَبِسَ، أَوْ اكْسِرِ القَدْرَ المَكْسُورَ وَاتْرُكِ البَاقِيَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) لِأَنَّ الفِعْلَ فِي نَفْسِهِ مَا وَقَعَ مُوجِبًا لِلْقَوَدِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ شَجَّهُ مُنَقِّلَةٌ فَقَالَ: أَشُجُّهُ مُوضِحَةٌ وأَتْرُكُ الزِّيَادَةَ. لَهُمَا فِي الخِلَافِيَّةِ: أَنَّ الفِعْلَ فِي مَحَلَّيْنِ، فَيَكُونُ جِنَايَتَيْنِ مُبْتَدَأَتَيْنِ، فَالشَّبْهَةُ فِي إِحْدَاهُمَا لَا تَتَعَدَّى إِلَى الأُخْرَى، كَمَنْ رَمَى إِلَى رَجُلٍ عَمْدًا، فَأَصَابَهُ، وَنَفَذَ مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ فَقَتَلَهُ، يَجِبُ القَوَدُ فِي الأَوَّلِ، وَالدِّيَةُ فِي الثَّانِي.
قوله: (وينبغي أن تجب الدية في السن كله) وبه قال مالك، وأحمد في رواية، والشافعي في قول، [وأكثر] (١) أهل العلم.
وفي الفوائد الشاهية، والجامع الحسامية: وينبغي أن تجب حكومة العدل في السن كله. وهذه رواية مخالفة لرواية الكتاب، وبه قال أحمد في رواية، والشافعي في قول إن لم يذهب نفعها، وهو المختار عند أصحاب الشافعي.
قوله: (لهما في الخلافية)؛ وهو ما إذا شج موضحة فذهبت عيناه.
(أن الفعل في محلين)؛ يعني: الجناية إذا وقعت في محلين متباينين حقيقة، فوجوب المال في أحدهما؛ لا يمنع وجود القود في الآخر، وهو قول الأئمة الثلاثة أيضًا. ومتى وقعت على محل واحد، وأتلفت شيئين: أحدهما يوجب القود، والآخر يوجب المال؛ يجب المال بلا خلاف من أصحابنا، خلافا للأئمة الثلاثة، فهما يقولان: وقعت الجناية على محلين متباينين؛ إذ بينهما حائل، وأخذ حكم فعلين كل واحد منهما مبتدأ، فلم تبعد الشبهة من أحدهما إلى الآخر، كما لو رمى سهما إلى إنسان فنفذ منه إلى الآخر؛ يجب القود في الأول، والدية في الثاني.
وكمن قطع إصبعًا فاضطربت السكين، فأصابت إصبعًا أخرى خطأ منه؛ فإنه يقتص في الأولى بالإجماع دون الثانية. بخلاف السن إذا اسود ما بقي منها، أو الإصبع إذا شُلَّ ما بقي منها، وشلت اليد كلها؛ لاتحاد المحل؛ لأن ذلك بمنزلة شيء واحد.
стр. 7111
وَلَهُ: أَنَّ الجِرَاحَةَ الأُولَى سَارِيَةٌ، وَالجَزَاءُ بِالمِثْلِ، وَلَيْسَ فِي وُسْعَةِ السَّارِي فَيَجِبُ المَالُ، وَلِأَنَّ الفِعْلَ وَاحِدٌ حَقِيقَةٌ وَهُوَ الحَرَكَةُ القَائِمَةُ، وَكَذَا المَحَلُّ مُتَّحِدٌ مِنْ وَجْهِ لِاتِّصَالِ أَحَدِهِمَا بِالْآخِرِ فَأَوْرَثَتْ نِهَايَتُهُ شُبْهَةَ الخَطَةِ فِي البِدَايَةِ، بِخِلَافِ النَّفْسَيْنِ، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ مِنْ سِرَايَةِ صَاحِبِهِ، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا وَقَعَ السِّكِّينُ عَلَى الأَصْبُعِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِعْلًا مَقْصُودًا.
قَالَ: (وَإِنْ قَطَعَ أُصْبُعًا فَشُلَّتْ إِلَى جَنْبِهَا أُخْرَى، فَلَا قِصَاصَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ).
(وله)؛ أي: لأبي حنيفة (أن الجزاء بالمثل، والجراحة الأولى سارية، وليس في وسعة الساري؛ فيجب المال).
ولأن سراية الفعل مع ابتداء الفعل كشيء واحد، فإن السراية لا تنفصل عن الجناية، وقد اتحد المحل من وجه، بواسطة اتصال أحدهما بالآخر، فإذا لم يكن آخر الفعل موجبًا للقود؛ لا يكون أوله أيضًا موجبًا للقود؛ لأنه بالنظر إلى الابتداء إن كان عمدًا، فبالنظر إلى الانتهاء خطأ، فصار خطأ من وجه دون وجه، فلا يكون موجبا للقود للشبهة.
بخلاف التفسير؛ لأن أحدهما ليس من سراية الآخر، ولا يتصور سراية الفعل من شخص إلى شخص، ويتصور ذلك في شخص واحد. بخلاف السكين إذا اتصل إلى إصبع أخرى؛ لأن القطع في الإصبع الأخرى ليس من أثر الفعل الأول، بل الفعل عليه مقصودًا، فينفرد بحكمه؛ يعني: أن القطع في الإصبع الأخرى لا يقصد من الأولى؛ إذ الخطأ لا يقصد من العمد، ولا يمكن أن يجعل القطع الثاني تتمة للأول، فلا يورث شبهة. كذا قاله فخر الإسلام، وصاحب الإيضاح.
وذكر في النهاية: وبهذا يعلم أن فيما قاله في الكتاب ليس مقصودا نظر، وأن الصواب فيما ذكره فخر الإسلام وصاحب الإيضاح.
أجيب عن كلامه: ما ذكره في الكتاب من حيث المعنى، والتأويل ما قالاه، فيكون صحيحًا؛ لما قلنا: إن الضمير في (لأنه) رجع إلى القطع في إصبع أخرى.
стр. 7112
عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا وَزُفَرُ وَالحَسَنُ: يُقْتَصُّ مِنْ الأُولَى، وَفِي الثَّانِيَةِ أَرْشُهَا. وَالوَجْهُ مِنْ الجَانِبَيْنِ قَدْ ذَكَرْنَاهُ. وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي المَسْأَلَةِ الأُولَى - وَهُوَ مَا إِذَا شُجَّ مُوضِحَةٌ فَذَهَبَ بَصَرُهُ -: أَنَّهُ يَجِبُ القِصَاصُ فِيهِمَا، لِأَنَّ الحَاصِلَ بِالسَّرَايَةِ مُبَاشَرَةٌ كَمَا فِي النَّفْسِ وَالبَصَرُ يَجْرِي فِيهِ القِصَاصُ، بِخِلَافِ الخِلَافِيَّةِ الأَخِيرَةِ، لِأَنَّ الشَّلَلَ لَا قِصَاصَ فِيهِ، فَصَارَ الأَصْلُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: أَنَّ سِرَايَةَ مَا يَجِبُ فيهِ القِصَاصُ إِلَى مَا يُمْكِنُ فِيهِ القِصَاصُ يُوجِبُ الاِقْتِصَاصَ، كَمَا لَوْ آلَتْ إِلَى النَّفْسِ وَقَدْ وَقَعَ الأَوَّلُ ظُلْمًا. وَوَجْهُ المَشْهُورِ: أَنَّ ذَهَابَ البَصَرِ بِطَرِيقِ التَّسْبِيبِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّ الشَّجَةَ بَقِيَتْ مُوجِبَةٌ فِي نَفْسِهَا، وَلَا قَوَدَ فِي التَّسْبِيبِ، بِخِلَافِ السِّرَايَةِ
قوله: (وقالا وزفر): والصواب من حيث الإعراب أن يقال: (وقالا فيها وزفر)؛ لما أن العطف على الضمير المرفوع المتصل لا يحسن بدون الفاصل. وبقولهما قالت الأئمة الثلاثة.
قوله: (قد ذكرناه)؛ أي: آنفا في مسألة: ومن شجه فذهب عيناه.
قوله: (يجب القصاص فيهما)؛ أي: في الشجة وذهاب البصر. وبه قال الشافعي في قول، وأحمد في رواية، كما ذكرنا. فرق محمد على هذه الرواية بين ذهاب البصر من الشجة، وبين ذهاب السمع منها؛ لأنه لو ذهب سمعه بفعل مقصود، بأن ضرب على رأسه حتى ذهب سمعه؛ لا يجب القود؛ لتعذر المساواة. بخلاف البصر؛ فإن ذهابه لو كان بفعل مقصود يجب القود؛ لإمكان المساواة، فكذلك في سراية الموضحة.
قوله: (بخلاف الخلافية الأخيرة)؛ وهي قطع إصبع فشلت أخرى إلى جنبها.
(ووجه المشهور)؛ أي: القول المشهور من محمد (أن ذهاب البصر طريق التسبيب) فإن الفعل الأول بقيت شجة على ما كانت، حتى يجب أرشها. ولا قود في التسبيب عندنا وأكثر أهل العلم إلا في رواية عن مالك، وعن الشافعي في قول. (بخلاف السراية) فإن الشجة تصير قتلا بالسراية، ولم تبق شجة.
стр. 7113
إلى النفس، لأنه لا تبقى الأولى فانقلبت الثانية مباشرة.
قال: (ولو كسر بعض السن فسقطت، فلا قصاص) إلا على رواية ابن سماعة (ولو أوضحه موضحتين فتاكلنا، فهو على الروايتين هاتين).
قال: (ولو قلع سن رجل، فنبتت مكانها أخرى: سقط الأرش في قول أبي حنيفة، وقالا: عليه الأرش كاملا) (*) لأن الجناية قد تحققت، والحادث نعمة مبتدأة من الله تعالى. وله: أن الجناية انعدمت معنى، فصار كما إذا قلع سن صبي فنبتت، لا يجب الأرش بالإجماع.
قوله: (فتآكلتا)؛ أي: صارتا واحدة (فهو على الروايتين) فعلى الرواية المشهورة: لا قصاص. وعلى رواية ابن سماعة: يقتص منهما وهما موضحتان.
قوله: (سقط الأرش في قول أبي حنيفة): وإن كان أخذها ردها. وبه قال أحمد، والشافعي في قول.
وقالا: لا يسقط، ولم يرد شيئا لو أخذها. وبه قال مالك، والشافعي في قول؛ لأن الجناية قد وجدت، والعادة عدم العود. بخلاف سن الصبي؛ فإنها بعرضية النبات، ولهذا قيل: [يتأنى] (١) في سن الصبي حولا دون البالغ؛ لأن الغالب في سن البالغ عدم النبات، فإن عاد كانت هبة من الله.
(ولأبي حنيفة ﵀: أن الجناية انعدمت معنى)؛ لأنه عاد مكانها مثل التي قلعت، فلم يجب شيء (كما إذا قلع سن صبي فنبتت؛ لا يجب الأرش بالإجماع).
وفي الحلية، والمغني لابن قدامة (٢): وضع المسألة فيمن ثغر سنه؛ أي: سقطت رواضعه ثم نبتت، يقال لمن سقطت رواضعه: ثغر سنه، فهو مثغور، وإذا نبتت؛ قيل: اتغر واثغر لغتان. كذا في الصحاح (٣).
стр. 7114
لِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْ عَلَيْهِ مَنْفَعَةٌ وَلَا زِينَةٌ (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ تَجِبُ حُكُومَةٌ عَدْلٍ) لِمَكَانِ الأَلَمِ الحَاصِلِ (وَلَوْ قَلَعَ سِنَّ غَيْرِهِ، فَرَدَّهَا صَاحِبُهَا فِي مَكَانِهَا وَنَبَتَ عَلَيْهِ اللَّحْمُ، فَعَلَى القَالِعِ الْأَرْشُ بِكَمَالِهِ) لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُعْتَدُّ بِهِ، إِذْ العُرُوقُ لَا تَعُودُ (وَكَذَا إِذَا قَطَعَ أُذُنَهُ فَأَلْصَقَهَا فَالتَحَمَتْ) لِأَنَّهَا لَا تَعُودُ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ.
وَفي النِهاية: أطلق الرواية ولم يقيدها بالخطأ والعمد.
وفي الذَخيرة: يدل على أن هذا الحكم في العمد والخطإ سواء، مع أن القصاص يجري في السن في الكبير والقلع؛ لأنه ذكر فيها.
وفي المنتقى: إذا كسر من سن رجل طائفة منها؛ انتظر بها حولا، فإذا تم الحول ولم يثغر؛ فعليه القصاص، يبرد بالمبرد بقدره.
ولو نبت نصف سنها؛ فعليه نصف أرشها. رواه الحسن عن أبي حنيفة.
ولو نبتت بيضاء تامة، ثم نزعها آخر؛ ينتظر سنة، فإن نبت، وإلا اقتص منه، ولا شيء على الأول.
(وعن أبي يوسف) إلى آخره: رواه بن أبي مالك عن أبي يوسف (أنه تجب حكومة عدل) وهو أرش الألم، يقوم وبه هذا الألم، ويقوم بلا ألم، فكم ينتقص به فيجب بقدره.
قوله: (فعلى القالع الأرش بكماله) وبه قال الشافعي، وأحمد في رواية القاضي.
وقال أحمد في رواية: لم تجب الدية، وعليه الحكومة لنقصانها.
قال شيخ الإسلام: هذا إذا لم تعد إلى حالها الأولى بعد النبات في المنفعة والجمال، والغالب أن لا تعود إلى تلك الحالة؛ لأن المقلوع لا يلتزق بالعصب والعروق في الغالب، فيكون وجود النبات وعدمه بمنزلة. فأما لو تصور عود الجمال والمنفعة بالإنبات؛ لا يجب على القالع، كما لو نبتت السن المقلوعة.
كذا في الذخيرة.
(وكذا إذا قطع أذنه) إلى آخره فعندنا على القاطع الأرش كاملة، وبه قال
стр. 7115
(وَمَنْ نَزَعَ سِنَّ رَجُلٍ، فَانْتَزَعَ المَنْزُوعَةُ سِنُّهُ سِنَّ النَّازِعِ، فَنَبَتَتْ سِنُّ الأَوَّلِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لِصَاحِبِهِ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ) لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ اسْتَوْفَى بِغَيْرِ حَقٌّ، لِأَنَّ المُوجِبَ فَسَادُ المَنْبَتِ وَلَمْ يَفْسُدْ، حَيْثُ نَبَتَ مَكَانَهَا أُخْرَى، فَانْعَدَمَت الجِنَايَةُ، وَلِهَذَا يَسْتَأْنِي حَوْلًا بِالإِجْمَاعِ،
الشافعي في قول، وأحمد في رواية. وقال الشافعي وأحمد في رواية أخرى: تجب الحكومة ولا تجب الدية؛ لقيام نفعها وجمالها بعد الالتحام، فإن نفعها جمع الصوت، ومنع دخول الهوام والماء في صماخه، وهذا باق بعد شللها والتحامها.
ولنا: ما ذكرنا في السن أن الالتحام وعدمها سواء (لأنها لا تعود إلى ما كانت عليه).
قوله: (فعلى الأول)؛ أي: المنزوعة سنه أولا (لصاحبه)؛ وهو الجاني عليه (نصف دية السن) وبه قال الشافعي في قول، وأحمد.
وفي قول آخر: هو هبة مبتدأة، فلا يجب شيء، وهو قياس قول مالك. وفي جامع المحبوبي: هذا إذا نبت السن المنزوعة كالأول، فإن نبت معوجا؛ تجب حكومة العدل.
قوله: (يستأني حولا) (١): يؤجل. الاستيناء: الانتظار، ويقال: استأنيت به؛ أي: انتظرته، ومنه تستأنى الجراحات؛ أي: ينتظر مآلها. وأصله: من أنى يأني (٢)؛ أي: حان.
وقوله: (بالإجماع) يخالف رواية التتمة؛ فإنه ذكر فيها: أن سن البالغ إذا سقط؛ ينتظر حتى يبرأ موضع السن لا الحول هو الصحيح؛ لأن نبات سن البالغ نادر، فلا يفيد التأجيل، إلا أن قبل البرء لا يقتص ولا يؤخذ الأرش؛ لأنه لا يدرى عاقبته.
стр. 7116
وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُنْتَظَرَ اليَأْسُ فِي ذَلِكَ لِلْقِصَاصِ، إِلَّا أَنَّ فِي اعْتِبَارِ ذَلِكَ تَضْيِيعَ الحُقُوقِ، فَاكْتَفَيْنَا بِالحَوْلِ، لِأَنَّهُ تَنْبُتُ فِيهِ ظَاهِرًا، فَإِذَا مَضَى الحَوْلُ وَلَمْ تَنْبُتْ، قَضَيْنَا بِالقِصَاصِ، وَإِذَا نَبَتَتْ تَبَيَّنَ أَنَّا أَخْطَأْنَا فِيهِ، وَالِاسْتِيفَاءُ كَانَ بِغَيْرِ حَقٍّ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ القِصَاصُ لِلشَّبْهَةِ فَيَجِبُ المَالُ. قَالَ: (وَلَوْ ضَرَبَ إِنْسَانُ سِنَّ إِنْسَانٍ، فَتَحَرَّكَتْ، يَسْتَأْنِي حَوْلًا) لِيَظْهَرَ أَثَرُ فِعْلِهِ (فَلَوْ أَجَّلَهُ القَاضِي سَنَةً، ثُمَّ جَاءَ المَضْرُوبُ، وَقَدْ سَقَطَتْ سِنُّهُ، فَاخْتَلَفَا قَبْلَ السَّنَةِ فِيمَا سَقَطَ بِضَرْبِهِ، فَالقَوْلُ لِلْمَضْرُوبِ) لِيَكُونَ التَّأْجِيلُ مُفِيدًا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا شَجَّهُ مُوضِحَةٌ، فَجَاءَ وَقَدْ صَارَتْ مُنَقِّلَةٌ فَاخْتَلَفَا،
وفي الذخيرة، والمحيط: مطلق الاستيناء قول بعض المشايخ في الصغير والكبير؛ لقوله ﵊: «فِي الجِنَايَاتِ كُلِّها يُستأنَى حَوْلًا».
وإنما قدر بالحول؛ لأنه مشتمل على الفصول الأربعة، فلعل فصلا من الفصول الأربعة يوافق طبع المجروح، فتبرأ جراحته وتلتئم، أو يخالفه فيموت.
وفي المجرد عن أبي حنيفة: لو نزع سنا؛ ينبغي للقاضي أن يأخذ ضمينا من النازع، ثم يؤجله سنة من يوم النزع، فإذا مضت ولم تنبت؛ اقتص منه.
قال هشام لمحمد فيمن ضرب سن رجل فسقط: انتظرها حولا لعلها تنبت، قال: لا، فقلت: واحد من إخوانك ينتظر، قال: إنما ذلك إذا تحركت.
قوله: (فاختلفا قبل السنة فيما سقط)؛ أي: اختلفا في سبب السقوط، قال الضارب: سقطت بضرب غيري، وقال المجني عليه بل بضربتك (فالقول للمضروب) وبه قال الشافعي في الأصح، وأحمد.
(ليكون التأجيل مفيدًا)؛ يعني: لو لم يقبل قوله؛ كان التأجيل وعدمه سواء؛ إذ التأجيل لظهور [عاقبة] (١) الأمر، فلو لم يقبل قول المضروب؛ كان التأجيل وعدمه سواء.
قوله: (فاختلفا)؛ أي: قال المشجوج: صارت منقلة من ضربتك، وأنكر الضارب.
стр. 7117
حَيْثُ يَكُونُ القَوْلُ قَوْلَ الضَّارِبِ، لِأَنَّ المُوضِحَةَ لَا تُورِثُ المُنَقِّلَةَ، أَمَّا التَّحْرِيكُ فَيُؤَكِّرُ فِي السُّقُوطِ، فَافْتَرَقَا (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ بَعْدَ السَّنَةِ، فَالقَوْلُ لِلضَّارِبِ) لِأَنَّهُ يُنْكِرُ أَثَرَ فِعْلِهِ وَقَدْ مَضَى الأَجَلُ الَّذِي وَقَّتَهُ القَاضِي لِظُهُورِ الأَثَرِ، فَكَانَ القَوْلُ لِلْمُنْكِرِ (وَلَوْ لَمْ تَسْقُط، لَا شَيْءَ عَلَى الضَّارِبِ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ تَجِبُ حُكُومَةُ الأَلَمِ، وَسَنُبَيِّنُ الوَجْهَيْنِ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَلَوْ لَمْ تَسْقُطُ، وَلَكِنَّهَا اسْوَدَّتْ، يَجِبُ الأَرْسُ فِي الخَطَإِ عَلَى العَاقِلَةِ، وَفِي العَمْدِ فِي مَالِهِ، وَلَا يَجِبُ
وذكر في المبسوط: الاختلاف في اسوداد السن، فقال الضارب: اسودت من ضربة حدثت وكذبه المضروب؛ فالقول للمضروب مع يمينه (١).
والأصح: أن القول للضارب؛ لأنه ينكر السبب الموجب للضمان، فإن الضربة بنفسها لا توجب الضمان ما لم يكن سواد السن من تلك الضربة، فإنكاره حدوث السواد بها؛ كإنكاره أصل الضرب وبه قال الشافعي في قول.
قوله: (وعن أبي يوسف: أنه تجب حكومة الألم): وفي بعض النسخ: (وعن أبي حنيفة) مكان أبي يوسف، والأول أصح؛ لأنه ذكر في الذخيرة وغيرها قول أبي يوسف في هذا الموضع.
(وسنبين الوجهين)؛ وهما وجه قوله: (لا شيء على الضارب).
ووجه حكومة الألم والموعود فيما بعد هذا هو قوله: (سقط الأرش عند أبي حنيفة) إلى آخره.
قوله: (يجب الأرش في الخطأ على العاقلة، وفي العمد في ماله): وبه قال مالك، وأحمد في رواية والشافعي في قول، وهو قول ابن المسيب، والحسن، وابن سيرين، وشريح، والزهري، والنخعي، والثوري، والليث، وعبد الملك بن مروان، وعبد العزيز بن أبي سلمة.
وعن أحمد في رواية: إن ذهب منفعتها من المضغ ونحوه؛ ففيها ديتها، وإلا ففيها حكومة.
стр. 7118
القِصَاصُ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَضْرِبَهُ ضَرْبًا تَسْوَدُّ مِنْهُ (وَكَذَا إِذَا كَسَرَ بَعْضَهُ وَاسْوَدَّ البَاقِي) لَا قِصَاصَ لِمَا ذَكَرْنَا (وَكَذَا لَو احْمَرَّ أَوْ اخْضَرَ) وَلَوِ اصْفَرَّ: فِيهِ رِوَايَتَانِ.
وقال الشافعي في قول وهو المختار عند أصحابه -: إنه [إن] (١) لم تذهب منفعتها فلم يحمل (٢) ديتها، كما لو اصفرت.
ولنا: قول زيد بن ثابت ولم يعرف له مخالف في الصحابة، فكان إجماعًا.
ولأنه أذهب الجمال على الكمال، فتجب ديتها، كما لو قطع أذن الأصم وأنف الأخشم.
وقوله: (لما ذكرنا)؛ إشارة إلى قوله: (لأنه لا يمكنه أن يضرب ضربًا تسود).
قوله: (وكذا لو احمر أو اخضر)؛ أي: لا قصاص، بل يجب الأرش في الخطأ على العاقلة، وفي العمد في ماله.
وقالت الأئمة الثلاثة: تجب الحكومة في الاصفرار والاحمرار؛ لأنه لم يزل الشين بالكمال. وفي الاخضرار كذلك عند الشافعي، ومالك، وأحمد في رواية.
وعن أحمد في رواية: يكون كالأسود.
وقال أشهب المالكي: فيما إذا كسر بعضه واسود الباقي؛ ففيه ثلاثة أرباع ديتها.
وفي الاصفرار اختلف مشايخنا؛ قال بعضهم: يجب كمال الأرش، كما في الاسوداد والاحمرار.
وقال بعضهم: تجب الحكومة، وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لأنه لم يفوت جنس السن، ولا فوت الجمال على الكمال؛ لأن الصفرة قد تكون في لون الأسنان، إلا أن فيه نوع نقص، فتجب الحكومة، بخلاف الخضرة والحمرة
стр. 7119
قَالَ: (وَمَنْ شَجَّ رَجُلًا فَالتَحَمَتْ، وَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ، وَنَبَتَ الشَّعْرُ: سَقَطَ الأَرْشُ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِزَوَالِ الشَّيْنِ المُوجِبِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجِبُ عَلَيْهِ أَرْشُ الأَلَمِ، وَهُوَ حُكُومَةُ عَدْلٍ، لِأَنَّ الشَّيْنَ إِنْ
والسواد، حيث لا يكون في الأسنان بحال، فيكون مفوتًا للجمال على الكمال، فيجب الأرش كمالا.
وفي المبسوط للسرخسي: لو اصفرَّتْ؛ روى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أن فيها الحكومة. وذكر هشام عن محمد عن أبي حنيفة قال: لا يجب شيء (١).
وفي المملوك تجب الحكومة، وعند محمد فيها الحكومة، وهو قول أبي يوسف؛ لأن الجمال على الكمال في بياض السن، وبالصفرة ينقص معنى الجمال، ولهذا تجب في المملوك الحكومة، فكذا في الحر.
ولأبي حنيفة: أن الصفرة من ألوان السن، فلا يكون دليل فوت السن. بخلاف السواد؛ فإنه دليل فوته، والمطلوب من السن في الأحرار المنفعة، وهي قائمة بالاصفرار، وفي المملوك المطلوب المالية، وتنتقص المالية بالصفرة.
وفي الذخيرة: أوجب محمد كمال الأرش في الاسوداد، ولم يفصل بين أن يكون السن من الأضراس التي لا ترى، أو من العوارض التي ترى.
قالوا: ويجب أن يكون الجواب فيها على التفصيل، إن كان السن من الأضراس التي لا ترى، إن فاتت منفعة المضغ بالاسوداد [يجب كمال الأرش، وإلا تجب الحكومة. ولو كان السن من العوارض التي ترى وتظهر من الأسنان؛ يجب كمال الأرش بالاسوداد] (٢) وإن لم تفت منفعته؛ لأنه فوت جمالا على الكمال.
قوله: (وقال أبو يوسف: يجب أرش الألم، وهو حكومة).
قال الطحاوي: عن أبي يوسف أنه قال: تجب حكومة العدل، ثم قال: أي أجر العلاج وأجر الطبيب، وقد بينا فيه قول الأئمة الثلاثة.
стр. 7120
زَالَ فَالأَلَمُ الحَاصِلُ مَا زَالَ فَيَجِبُ تَقْوِيمُهُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: عَلَيْهِ أُجْرَةُ الطَّبِيبِ (*)، لِأَنَّهُ إِنَّمَا لَزِمَهُ الطَّبِيبُ وَثَمَنُ الدَّوَاءِ بِفِعْلِهِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ، إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: إِنَّ المَنَافِعَ عَلَى أَصْلِنَا لَا تَتَقَوَّمُ إِلَّا بِعَقْدِ أَوْ بِشُبْهَةٍ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّ الجَانِي فَلَا يَغْرَمُ شَيْئًا.
قَالَ: (وَمَنْ ضَرَبَ رَجُلًا مِائَةَ سَوْطٍ فَجَرَحَهُ، فَبَرِئَ مِنْهَا، فَعَلَيْهِ أَرْسُ الضَّرْبِ) مَعْنَاهُ: إِذَا بَقِيَ أَثَرُ الضَّرْبِ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَبْقَ أَثَرُهُ فَهُوَ عَلَى اخْتِلَافٍ قَدْ مَضَى فِي الشَّجَّةِ المُلْتَحِمَةِ.
قَالَ: (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ خَطَأً، ثُمَّ قَتَلَهُ خَطَأً قَبْلَ الْبُرْءِ، فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ، وَسَقَطَ عَنْهُ أَرْشُ اليَدِ)
(فصار كأنه)؛ أي: الضارب (أخذ ذلك القدر من مال المضروب) وأعطاه إلى الطبيب، فيكون مضطرًا في الإنفاق على الجراحة.
قوله: (أو بشبهة)؛ أي: بشبهة العقد، كما في الإجارة الفاسدة والمضاربة، ولم يوجد العقد ولا شبهه (فلا يغرم شيئًا) كما لو لطمه وأولمه. ولا يجوز أن يضمن قدر ما أنفق؛ لأنه أنفق مختارا.
وما قال محمد أنه مضطر؛ فليس كذلك؛ لأن السراية قد تكون وقد لا تكون، فلا يثبت الاضطرار بالوهم. كذا في مبسوط بكر.
قوله: (فجرحه فبرئ): قيد بالجرح؛ إذ لو لم يجرحه لا يجب شيء أصلا بلا خلاف. ذكره الكساني.
(فهو على الاختلاف قد مضى في الشجة الملتحمة) يسقط الأرش ويجب أرش الألم عند أبي يوسف، وأجر الطبيب عند محمد.
قوله: (ثم قتله خطأ قبل البرء)؛ أي: خطأ.
قوله: (وسقط عنه أرش اليد) وبه قالت الأئمة الثلاثة.
وعن بعض أصحاب الشافعي: تجب دية الأطراف المقطوعة، ودية النفس؛
стр. 7121
لِأَنَّ الجِنَايَةَ مِنْ جِنْسِ وَاحِدٍ، وَالمُوجَبُ وَاحِدٌ، وَهُوَ الدِّيَةُ، وَإِنَّهَا بَدَلُ النَّفْسِ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا، فَدَخَلَ الطَّرَفُ فِي النَّفْسِ كَأَنَّهُ قَتَلَهُ ابْتِدَاءً.
قَالَ: (وَمَنْ جَرَحَ رَجُلًا جِرَاحَةً، لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ حَتَّى يَبْرَأَ).
لأنه صار بالقطع (١) كالمستقر، فصار كما لو قتله بعد البرء.
وقلنا: الجناية من جنس واحد من حيث إنهما خطأ، فصار كأنه سرى إلى النفس، والقتل يكون متمما كما بينا.
قوله: (لم يقتص منه حتى يبرأ): وبه قال مالك، وأحمد، وأكثر أهل العلم.
قال ابن المنذر: كل من يحفظ منه العلم يرى الانتظار؛ لما روي (٢) أن رجلا طعن رجلا بقرن في ركبته فقال: يا رسول الله، أقدني؛ فقال ﵊: «حتى تَبْرَأَ» (٣) فأبَى وعجَلَ، فاستقاد له رسول الله ﷺ .
ولأن القصاص من الطرف لا يسقط بالسراية إلى النفس، فوجب أن يملك الاقتصاص، كما لو برأ.
ولنا: ما روى جابر أنه ﷺ «نهى أن يُستقَادَ من الجارح حتى يبرأ المجروح» (٤)، والنهي يقتضي التحريم.
ولأن المعتبر في الجراحات مالها، فلا يدرى في الحال أنه قتل أم قطع، فينبغي أن ينتظر ليعلم الواجب فيه.
وأما حديثه: فقد رواه الدارقطني بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن
стр. 7122
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُقْتَصُّ مِنْهُ فِي الحَالِ، اعْتِبَارًا بِالقِصَاصِ فِي النَّفْسِ، وَهَذَا لأَنَّ المُوجِبَ قَدْ تَحَقَّقَ فَلَا يُعَطَّلُ. وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊ يَسْتَأْنَي فِي الجِرَاحَاتِ سَنَةٌ وَلِأَنَّ الجِرَاحَاتِ يُعْتَبَرُ فِيهَا مَالُهَا لَا حَالُهَا، لِأَنَّ حُكْمَهَا فِي الحَالِ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَلَعَلَّهَا تَسْرِي إِلَى النَّفْسِ، فَيَظْهَرُ أَنَّهُ قَتَلَ، وَإِنَّمَا يَسْتَقِرُّ الْأَمْرُ بِالبُرْءِ.
قَالَ: (وَكُلُّ عَمْدٍ سَقَطَ القِصَاصُ فِيهِ بِشُبْهَةٍ، فَالدِّيَةُ فِي مَالِ القَاتِلِ، وَكُلُّ أَرْشِ وَجَبَ بِالصُّلْحِ، فَهُوَ فِي مَالِ القَاتِلِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا تَعْقِلُ العَوَاقِلُ عَمْدًا» الحَدِيثُ. وَهَذَا عَمْدٌ، غَيْرَ أَنَّ الأَوَّلَ يَجِبُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، لِأَنَّهُ مَالٌ وَجَبَ
جده، وفيه: ثم جاء الثالثة فقال: يا رسول الله، عَرِجْتُ؛ فقال ﷺ : «نَهِيتُكَ فعصَيْتَني، فأبعدَكَ اللهُ وبَطَلَ عَرَجُكَ» (١)، ثم نهى أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه، وهذه زيادة يجب قبولها، فدلت على نسخ جواز الاستيقاد قبل البرء.
وما قاسه رد المختلف على المختلف، فيمنع.
فعلى هذا الاختلاف لو سرى الجرحان (٢) فماتا؛ فهو هدر عند مالك، وأحمد.
وعندنا: يجب ضمان كل واحد على صاحبه، ثم يتقاصان. وعند الشافعي: إن مات المجني عليه أولا، ثم مات الجاني؛ كان قصاصا، فلا يجب شيء. وكذا لو مات الجاني أولا في أحد الوجهين.
وفي وجه آخر: دم الجاني هدر ولولي المجني عليه نصف الدية. كذا في المغني لابن قدامة (٣).
قوله: (الحديث): آخر الحديث: «لَا تَعْقِلُ العَوَاقل عمدًا ولا عبدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا» (٤).
(غير أن الأول)؛ وهو عمد سقط فيه القصاص لشبهة.
стр. 7123
بِالقَتْلِ ابْتِدَاءً، فَأَشْبَهَ شِبْهَ العَمْدِ، وَالثَّانِي يَجِبُ حَالًا، لِأَنَّهُ مَالٌ وَجَبَ بِالعَقْدِ، فَأَشْبَهَ الثَّمَنَ فِي البَيْعِ. قَالَ: (وَإِنْ قَتَلَ الأَبُ ابْنَهُ عَمْدًا، فَالدِّيَةُ فِي مَالِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: تَجِبُ حَالَّةً، لِأَنَّ الأَصْلَ، أَنَّ مَا يَجِبُ بِالإِثْلَافِ يَجِبُ حَالًا، وَالتَّأْجِيلُ لِلتَّخْفِيفِ فِي الخَاطِئِ وَهَذَا عَامِدٌ فَلَا يَسْتَحِقُّهُ، وَلِأَنَّ المَالَ وَجَبَ جَبْرًا لِحَقِّهِ، وَحَقَّهُ فِي نَفْسِهِ حَالٌ، فَلَا يَنْجَبِرُ بِالمُؤَجَّلِ. وَلَنَا: أَنَّهُ مَالٌ وَاجِبٌ بِالقَتْلِ، فَيَكُونُ مُؤَجَّلًا كَدِيَةِ الخَطَرِ، وَشِبْهِ العَمْدِ، وَهَذَا لِأَنَّ القِيَاسَ يَأْبَى تَقَوُّمَ الآدَمِيِّ بِالمَالِ لِعَدَمِ التَّمَاثُلِ، وَالتَّقْوِيمُ ثَبَتَ بِالشَّرْعِ، وَقَدْ وَرَدَ بِهِ مُؤَجَّلًا لَا مُعَجَّلًا، فَلَا يَعْدُلُ عَنْهُ لَا سِيَّمَا إِلَى زِيَادَةٍ، وَلَمَّا لَمْ يَجُزُ التَّغْلِيطُ بِاعْتِبَارِ العَمْدِيَّةِ قَدْرًا لَا يَجُوزُ وَصْفًا (وَكُلُّ جِنَايَةٍ اعْتَرَفَ بِهَا الجَانِي فَهِيَ فِي مَالِهِ، وَلَا يَصْدُقُ عَلَى عَاقِلَتِهِ) لِمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّ الإِقْرَارَ لَا يَتَعَدَّى المُقِرَّ، لِقُصُورِ وِلَايَتِهِ عَنْ غَيْرِهِ: فَلَا يَظْهَرُ فِي
(وقال الشافعي: تجب حالة).
وقال مالك، وأحمد: لأن القود سقط شرعًا إلى بدل (١)، ليكون ذلك البدل حالا، كما في الصلح على مال؛ وهذا لأن الأصل أن ضمان المتلف على المتلف حالا، كما في سائر المتلفات، والتأجيل في الدية في الخطأ يثبت تخفيفًا على الجاني وعلى عاقلته، والعامد لا يستحق ذلك التخفيف.
قوله: (لا سيما إلى زيادة) وهي المعجل؛ لأن المعجل زائد على المؤجل من حيث الوصف في المالية؛ ألا ترى أن في العرف يشترى الشيء بالنسيئة أكثر مما يشترى بالنقد، وإيجاب المال حالا بالقتل يكون زيادة على ما أوجبه الشرع. كذا في المبسوط (٢).
قوله: (فالزيادة)؛ وهو الزيادة على الدية بالإجماع.
(لا يجوز وصفًا)؛ أي من حيث الوصف؛ إذ المعجل زائد من حيث الوصف؛ لأن الوصف تبع للقدر.
قوله: (لما روينا)؛ وهو قوله ﷺ : «وَلَا اعْتِرافًا» (٣).
стр. 7124
حَقِّ العَاقِلَةِ. قَالَ: (وَعَمْدُ الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ خَطَأً، وَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى العَاقِلَةِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ جِنَايَةٍ مُوجَبُهَا خَمْسُمِائَةٍ فَصَاعِدًا، وَالمَعْتُوهُ كَالمَجْنُونِ)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: عَمْدُهُ عَمْدٌ حَتَّى تَجِبَ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ حَالَّةٌ، لِأَنَّهُ عَمْدٌ حَقِيقَةٌ، إذ العَمْدُ هُوَ القَصْدُ غَيْرَ أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْهُ أَحَدُ حُكْمَيْهِ وَهُوَ القِصَاصُ فَيَنْسَحِبُ عَلَيْهِ حُكْمُهُ الْآخَرُ، وَهُوَ الوُجُوبُ فِي مَالِهِ، وَلِهَذَا تَجِب الكَفَّارَةُ بِهِ، وَيَحْرُمُ عَنْ المِيرَاثِ عَلَى أَصْلِهِ، لِأَنَّهُمَا يَتَعَلَّقَانِ بِالقَتْلِ، وَلَنَا: مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٌّ ﵁ أَنَّهُ جَعَلَ عَقْلَ المَجْنُونِ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَقَالَ: عَمْدُهُ وَخَطَؤُهُ سَوَاءٌ، وَلِأَنَّ الصَّبِيَّ مَظِنَّةُ المَرْحَمَةِ، وَالعَاقِلُ الخَاطِئُ لَمَّا اسْتَحَقَّ التَّخْفِيفَ حَتَّى وَجَبَتْ الدِّيَةُ عَلَى العَاقِلَةِ فَالصَّبِيُّ وَهُوَ أَعْذَرُ أَوْلَى بِهَذَا التَّخْفِيفِ. وَلَا نُسَلِّمُ تَحَقَّقَ العَمْدِيَّةِ، فَإِنَّهَا تَتَرَتَّبُ عَلَى العِلْمِ، وَالعِلْمُ بِالعَقْلِ، وَالمَجْنُونُ عَدِيمُ العَقْلِ، وَالصَّبِيُّ قَاصِرُ العَقْلِ، فَأَنَّى يَتَحَقَّقُ مِنْهُمَا القَصْدُ، وَصَارَ
قوله: (وقال الشافعي: عمده)؛ أي: عمد كل واحد من الصبي والمجنون والمعتوه عمد، وهذا أحد قوليه. وقال في قول: كقولنا. وقال مالك وأحمد كقولنا أيضًا.
(لأنه عمد حقيقة)؛ لأن العمد لغة (١): القصد، فمن يتحقق منه الخطأ؛ يتحقق منه القصد، وقصده معتبر شرعًا في الجملة، ولهذا يؤدب ويعزر، والتعزير إنما يكون على فعل صدر عمدًا لا خطأ، إلا أنه لا يبتني على هذا القصد حكم القود؛ لقصوره في القصدية، والصبي ليس من أهل العقوبة شرعًا؛ لأنها مبنية على الخطاب، والخطاب عنه موضوع. وهو من أهل الحكم الآخر؛ وهو وجوب الضمان في ماله، كما في غرامات الأموال، فيلزمه ذلك. بمنزلة السرقة؛ فإنه لا يقطع؛ لأنه ليس من أهله؛ لأنه عقوبة، ويجب ضمانه؛ لأنه أهل لذلك (ولهذا تجب الكفارة) جزاء؛ أي: بالمال، ولا يجب الصوم بالإجماع.
قوله: (على أصله)؛ أي: على أصل الشافعي.
стр. 7125
كَالنَّائِمِ، وَحِرْمَانُ المِيرَاثِ عُقُوبَةٌ، وَهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ العُقُوبَةِ، وَالكَفَّارَةُ كَاسْمِهَا سَتَارَةٌ، وَلَا ذَنْبَ تَسْتُرُهُ لِأَنَّهُمَا مَرْفُوعَا القَلَمِ.
فَصْلٌ فِي الجَنِينِ
قَالَ: (وَإِذَا ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيْتًا، فَفِيهِ غُرَّةٌ، وَهِيَ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ) قَالَ ﵁: مَعْنَاهُ دِيَةُ الرَّجُلِ، وَهَذَا فِي الذَّكَرِ، وَفِي الْأُنْثَى عُشْرُ دِيَةِ المَرْأَةِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَالقِيَاسُ: أَنْ لَا يَجِبَ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يُتَيَقَّنْ بِحَيَاتِهِ،
فَصْلٌ فِي الجَنِينِ
لما فرغ من أحكام الآدميين من كل وجه؛ شرع في بيان أحكام الآدميين من وجه، وهو الجنين.
والجنين: بمعنى المجنون؛ أي: المستور.
ولما كانت حجتنا في النظر ليست له ذمة صالحة؛ لكونه جزء الآدمي، ولكونه منفردًا بالحياة معدًّا ليكون له نفس (١)؛ له ذمة صالحة، فباعتبار هذا الوجه يكون أهلا لوجوب الحق له لا عليه.
غرة المال: خياره، كالفرس والبعير النجيب، والعبد والأمة الفارهة. كذا في المغرب (٢).
وفي مبسوط شيخ الإسلام: سمى بدل الجنين غرة؛ لأن الواجب عبد، والعبد يسمى غرة.
وقيل: لأنه أول مقدار ظهر في باب الدية، وغرة البيع أوله، كما سمي أول الشهر غرة. وسمي وجه الإنسان غرة؛ لأن أول شيء يظهر فيه الوجه.
قوله: (والقياس: أن لا يجب) وفي الذخيرة: وهو قول زفر.
وفي المبسوط: القياس فيه أحد شيئين: إما أن لا يجب فيه شيء؛ لأنه لم يعرف صوته، وفعل القتل يتحقق في الحي، والضمان بالشك لا يتحقق. ولا يقال: الظاهر أنه حي؛ لأن الظاهر لا يصلح للاستحقاق.
стр. 7126
وَالظَّاهِرُ لَا يَصْلُحُ حُجَّةٌ لِلاسْتِحْقَاقِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ: «فِي الجَنِينِ غُرَّةٌ: عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، قِيمَتُهُ خَمْسُمِائَةٍ» وَيُرْوَى: أَوْ
أو يجب كمال الدية؛ لأن الضارب منع حدوث صفة الحرية فيه، فيكون كالمزهق للروح، كالولد المغرور؛ فإنه حر بالقيمة؛ لما أنه منع صفة الرق فيه، ولكن ترك القياس بالأثر (١).
وفي جامع المحبوبي: سأل رجل زفر عن هذه، فقال: فيه غرة عبد أو أمة، فقال الرجل: لا يخلو إما أن يكون الجنين حيا نفخ فيه الروح أو لا، فإن كان فعدم بضربه فتجب دية كاملة، وإن لم ينفخ فلم يجب بضربه شيء، فسكت زفر، فقال له السائل: أعتقتك سائبة، فجاء زفر إلى أبي يوسف فسأله، فأجابه أبو يوسف بمثل جوابه، فحاجه بمثل ما حاجه السائل، فقال أبو يوسف: التعبد؛ أي: ثابت شرعًا على خلاف القياس؛ فإنه روي أنه عليه الصلاة السلام قال: «فِي الجَنينِ غُرَّةُ عبد أو أمَةٍ قِيمَتُهُ خَمسمائة» (٢) ففيه دليل على أن الدية مقدرة بعشرة آلاف؛ لأن بدل الجنين بالاتفاق نصف عشر الدية، وقد قدر ذلك بخمسمائة، وفيه أيضًا دليل على أن الحيوان لا يثبت في الذمة؛ لأنه لما قال: عبد أو أمة وهو خمسمائة؛ علم أنه يجب باعتبار صفة المالية لا مطلقا. كذا في المبسوط (٣).
وقوله: («عبد أو أمةٌ»): بالرفع؛ لأنه صفة الغرة وتفسيرها، ويروى بالإضافة، والأول أحسن.
ولا خلاف لأهل العلم [أن] (٤) في جنين الحرة المسلمة غرة؛ لما روى المغيرة، أنه عليه الصلاة السلام «قضَى بغُرّةِ عبد أو أمة»، رواه حين استشار عمر في إملاص المرأة، قال عمر: لتأتين بمن يشهد معك، فشهد له محمد بن مسلمة.
стр. 7127
خَمْسُمِائَةِ، فَتَرَكْنَا القِيَاسَ بِالأَثَرِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ قَدَّرَهَا بِسِتِّمِائَةٍ نَحْرُ مَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ (وَهِيَ عَلَى العَاقِلَةِ) عِنْدَنَا إِذَا كَانَتْ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: فِي مَالِهِ، لِأَنَّهُ بَدَلُ الجُزْءِ
وحديث أبي هريرة فيمن اقتتلت امرأتان من هذيل (١)، والأحاديث متفق عليه في هذا الباب.
قوله: (وهو)؛ أي: الحديث (حجة على من قدرها؛ أي: الغرة (بستمائة) درهم، أو خمسين دينارا.
فإن قيل: إنه عليه الصلاة السلام قال: «الغُرَّةُ قيمتها نِصْفُ عُشْرِ الدِّيةِ، خمس مِنَ الإبل» وبه قال أكثر أهل العلم، وروي ذلك عن عمر، وزيد، ومن ذلك لا يلزم أن عشر الدية خمسمائة درهم، حتى تكون حجة على الشافعي، ومالك، وأحمد، ومن تبعهم.
قلنا: ما قلنا منقول نقله العدول، فلا بد من قبوله فيكون حجة. أو قلنا: يكون حجة على تقدير ثبوته.
(وهي)؛ أي: دية الجنين على العاقلة) وبه قال الشافعي.
وقال أحمد: تحمل العاقلة دية الجنين إذا مات مع أمه، إذا كانت الجناية عليها خطأ أو شبه عمد.
وقال مالك: في ماله، وبه قال أحمد إذا كان قتل [الأم عمدًا، أو مات الجنين وحده قتل] (٢).
بقوله: (إذا كانت بخمسمائة درهم) يحترز عن جنين الأمة إذا كانت لا تبلغ خمسمائة درهم. ولكن هذا لا يصح؛ لأن ما وجب في جنين الأمة في مال الضارب. ذكره في الإيضاح والذخيرة، وغيرهما.
(لأنه بدل الجزء)؛ أي: جزء الأم، فإن الجنين عضو من وجه، حتى لا يُصلّى عليه، ولا يرث ولا يسمى ونفس من وجه، حتى انقضت العدة به، وتصير أمه أم ولد فمن حيث إنه عضو لا تجب على العاقلة؛ لأنه دون ثلث
стр. 7128
وَلَنَا: أَنَّهُ ﵊ «قَضَى بِالغُرَّةِ عَلَى العَاقِلَةِ»، وَلِأَنَّهُ بَدَلُ النَّفْسِ، وَلِهَذَا سَمَّاهُ ﵊ دِيَةٌ حَيْثُ قَالَ «دُوهُ» وَقَالُوا: «أَنَدِي مَنْ لَا صَاحَ وَلَا اسْتَهَلَّ» الحَدِيثُ، إِلَّا أَنَّ العَوَاقِلَ لَا تَعْقِلُ مَا دُونَ خَمْسِمِائَةٍ.
(وَتَجِبُّ فِي سَنَةٍ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، لِأَنَّهُ بَدَلُ النَّفْسِ، وَلِهَذَا يَكُونُ مَوْرُوثًا بَيْنَ وَرَثَتِهِ. وَلَنَا: مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵊ جَعَلَهُ عَلَى العَاقِلَةِ فِي سَنَةٍ وَلِأَنَّهُ إِنْ كَانَ بَدَلَ النَّفْسِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ نَفْسٌ عَلَى حِدَةٍ، فَهُوَ بَدَلُ العُضْوِ مِنْ حَيْثُ الاتِّصَالُ بِالأُمِّ، فَعَمِلْنَا بِالشَّبَهِ الأَوَّلِ فِي حَقِّ التَّوْرِيثِ، وَبِالثَّانِي فِي حَقِّ التَّأْجِيلِ إِلَى سَنَةٍ، لِأَنَّ بَدَلَ العُضْوِ إِذَا كَانَ ثُلُثَ الدِّيَةِ،
الدية؛ لأن ما دون ثلث الدية لا تتحمله العاقلة، ولهذا قال الليث بن سعد تلميذ مالك: إن دية الجنين [الأمه] (١)؛ لأنها بدل عضوها.
قوله: (حيث قال: «دُوهُ»)؛ أي: أَدُّوا ديته، أمر من الودي.
أول الحديث: روي عن حَمَل بن مالك بن نابغة الهذلي قال: كنت بين ضَرَّتين، فضربت إحداهما الأخرى بعمودِ فُسْطَاطٍ بِمُسَطّح خَيْمَةٍ، فألقت جنينًا ميتًا، فاختصم أولياؤها إلى رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ لأولياء الضاربة: «دُوهُ» فقال أخوها عمران بنُ عُوَيمِرُ الأَسلَمِيُّ: أَنَدِي (٢) مَنْ لا صاح ولا استَهَلَّ ولا شَربَ ولا أكل، ودم مثلُهُ بَطَلَ، فقال رسول الله ﷺ : «أَسَجْعُ كَسَجْعِ الكُهَّانِ» (٣) وفي رواية: «دَعْنِي وأَرَاجِيزَ العربِ قُومُوا فَدُوهُ». كذا في المبسوط (٤).
قوله: (مورثًا بين ورثته)؛ أي: بإجماع الأئمة الأربعة.
وفي الكافي: قال الشافعي: لأمه، وهذا قول الليث. ذكر في كتبهم.
стр. 7129
أَوْ أَقَلَّ أَكْثَر مِنْ نِصْفِ العُشْرِ، يَجِبُ فِي سَنَةٍ، بِخِلَافِ أَجْزَاءِ الدِّيَةِ، لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْهَا عَلَى مَنْ وَجَبَ يَجِبُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ (وَيَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى) لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّ فِي الحَيَّيْنِ إِنَّمَا ظَهَرَ التَّفَاوُتُ لِتَفَاوُتِ مَعَانِي الْآدَمِيَّةِ، وَلَا تَفَاوُتَ فِي الجَنِينِ، فَيُقَدَّرُ بِمِقْدَارٍ وَاحِدٍ وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ.
(فَإِنْ أَلْقَتْهُ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ، فَفِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ) لِأَنَّهُ أَتْلَفَ حَيَّا بِالضَّرْبِ السَّابِقِ (وَإِنْ
قوله: (وأقل أكثر من نصف العشر): بدون الواو، وهو الصحيح من النسخ، و (أكثر) بَدَل من (أقل)؛ يعني: إذا كان ذلك الأقل أكثر من نصف العشر.
وفي بعض النسخ: (أو أقل أو أكثر). وفي بعضها: (أو أكثر). وكلاهما غير صحيح؛ لأنه لا يبقى بدلا حينئذ.
قوله: (بخلاف أجزاء الدية؛ لأن كل جزء منها يجب في ثلاث سنين).
قوله: (ويستوي فيه)؛ أي: في وجوب قدر الغرم (الذكر والأنثى؛ لإطلاق ما رويناه)؛ وهو قوله ﷺ : «في الجنينِ غُرَّةُ عبد أو أمة» (١)، وبه قال الشافعي، وأحمد، وعامة أهل العلم.
(ولأن في الحيين)؛ أي: في الذكر والأنثى الجنين (إنما ظهر التفاوت) في الدية، فإن كانت دية الذكر ضعف دية الأنثى؛ لتفاوت معاني الآدمية، وهو المالكية، فالذكر مالك مال ونكاح، والأنثى مالك مال فقط، وهذا المعنى معدوم في الجنين؛ لتعذر التمييز بين الذكر والأنثى، خصوصا قبل أن يتم خلقه، فإن وجوب البدل لا يختص بما بعد تمام الخلقة. كذا في المبسوط (٢)، والإيضاح.
قوله: (ففيه دية كاملة): قال ابن المنذر: ولا خلاف لأهل العلم فيه.
ولكن اختلفوا في هذه المسألة في ثلاثة فصول:
أحدها: أنه تثبت حياته بكل أمارة تدل على حياته، من الاستهلال والارتضاع، أو التنفس أو العطاس، أو غيره. وهو قولنا، وقول الشافعي، وأحمد في نصه.
стр. 7130
أَلْقَتْهُ مَيْتًا، ثُمَّ مَاتَتِ الأُمُّ، فَعَلَيْهِ دِيَةٌ بِقَتْلِ الأُمِّ، وَغُرَّةٌ بِالْقَائِهَا) وَقَدْ صَحَّ «أَنَّهُ ﵊ قَضَى فِي هَذَا بِالدِّيَةِ وَالغُرَّةِ» (وَإِنْ مَاتَتِ الأُمُّ مِنْ الضَّرْبَةِ، ثُمَّ خَرَجَ الجَنِينُ بَعْدَ ذَلِكَ حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ: فَعَلَيْهِ دِيَةٌ فِي الأُمِّ، وَدِيَةٌ فِي الجَنِينِ) لِأَنَّهُ قَاتِلُ
وقال مالك، وأحمد في رواية، والزهري، وقتادة، وإسحاق، وابن عباس، والحسن بن علي، وجابر، وعمر في رواية عنه: لا يثبت له حكم الحياة إلا بالاستهلال، وهو الصياح؛ لأنه ﵊ قال: «إذا استَهَلَّ وَرِثَ وَوَرَّثَ غَيْرَهُ» (١) وأنه لا يرث إذا لم يستهل، والاستهلال الصياح؛ لأنه ﵊ قال: «ما مِنْ مولود يولَدُ إلّا مسَّهُ الشَّيطانُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِضًا إِلَّا مريم وابنها» (٢) فلا يجوز غير ما قاله النبي ﷺ .
وسمى الصياح استهلالا باعتبار عادة الناس؛ فإنهم إذا رأوا الهلال صاحوا، وأراه بعضهم بعضًا.
ولنا: كل ما علمت حياته أشبه المستهل، والخبر يدل بمعناه ودلالته وتنبيهه على ثبوت الحكم في سائر الصور؛ لأن شرب اللبن والعطاس والتنفس يدل على حياته كالصياح، أما لو تحرك عضو منه لا يدل على حياته؛ لأنها قد تكون من الاختلاج، أو من الخروج من مضيق.
وثانيها: قال أحمد والمزني: لو كان سقوطه لستة أشهر فصاعدا تجب الدية؛ لأن العلم بحياته فيما دون ذلك لا يتصور بقاؤه، فلم تجب دية كاملة، كما لو ألقته ميتا كحياة المذبوح.
وعندنا (٣) والشافعي: علم حياته، وقد تلف من جناية (٤)، فتجب الدية كاملة.
وثالثها: إنما تجب ديته إذا علم موته بسبب الضربة بسقوطه في الحال، وبقائه متألما إلى أن يموت أو بقاء أمه متألمة إلى أن تسقطه.
стр. 7131
شَخْصَيْنِ (وَإِنْ مَاتَتْ ثُمَّ أَلْقَتْ مَيْتًا، فَعَلَيْهِ دِيَةٌ فِي الأُمِّ، وَلَا شَيْءَ فِي الجَنِينِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَجِبُ الغُرَّةُ فِي الجَنِينِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَوْتُهُ بِالضَّرْبِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَلْقَتْهُ مَيْتًا وَهِيَ حَيَّةٌ. وَلَنَا: أَنَّ مَوْتَ الأُمِّ أَحَدُ سَبَبَيْ مَوْتِهِ، لِأَنَّهُ يَخْتَنِقُ بِمَوْتِهَا، إِذْ تَنَفُسُهُ بِتَنَفْسِهَا، فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ بِالشَّكِّ
قوله: (ولا شيء في الجنين)؛ وبه قال مالك.
(وقال الشافعي: تجب الغرة في الجنين) مع دية الأم، وبه قال أحمد.
(لأن الظاهر موته بالضرب): والحكم يضاف إلى السبب الظاهر، فيكون متلفًا نفسين، فيلزمه بدل كل واحد منهما، ولا فرق بين أن ينفصل منها وهي حية أو ميتة.
(ولنا: أن موت الأم أحد سببي (١) موته)؛ أي: موت الجنين، والسبب الآخر الضرب، فيمكن الاشتباه في سبب هلاكه حين الانفصال.
(فلا يجب الضمان بالشك): ولا يقال: الشك ثابت في الجنين الذي انفصل من الحي بالضرب، مع أنه تجب الغرة؛ لأنه يمكن إن لم ينفخ فيه الروح، وبعد وجوب الغرة لا يتوقف إلى تمام الخلقة. ذكره في المبسوط (٢)، فحينئذ لم يعتبر زوال حياته بسبب الضرب ووجوب الغرة؛ لأنا نقول: نعم كذلك، إلا أن الغرة في الجنين تثبت بالنص بخلاف القياس، فيما إذا تمكن الشبهة من وجه واحد، وإن لم ينفخ فيه الروح، فلا يكون النص الوارد في إيجاب الغرة فيما إذا تمكن الشك في وجه واحد، وأراد بإيجابها فيما إذا تمكن الشك في وجوب الضمان بوجوه. كذا قيل.
وفي المبسوط، والذخيرة: هذا الذي ذكره بأن قتل الأم لا يكون قتلا للجنين، حتى لم تجب فيه غرة الجنين، على أصل أبي حنيفة ظاهر؛ لأنه لا يجعل ذكاة الأم ذكاة الجنين، فلذلك لم يجعل قتل الأم قتلا للجنين. والشافعي يجعل ذكاة الأم ذكاة للجنين، فلذلك يجعل قتل الأم قتلا للجنين (٣).
стр. 7132
قَالَ: (وَمَا يَجِبُ فِي الجَنِينِ مَوْرُوتٌ عَنْهُ) لِأَنَّهُ بَدَلُ نَفْسِهِ، فَيَرِثُهُ وَرَثَتُهُ ﴿وَلَا يَرِثُهُ الضَّارِبُ، حَتَّى لَوْ ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَتِهِ، فَأَلْقَت ابْنَهُ مَيْتًا، فَعَلَى عَاقِلَةِ الأَبِ غُرَّةٌ، وَلَا يَرِثُ مِنْهَا﴾ لِأَنَّهُ قَاتِلٌ بِغَيْرِ حَقٌّ مُبَاشَرَةٌ، وَلَا مِيرَاثَ لِلْقَاتِلِ.
قَالَ: (وَفِي جَنِينِ الأَمَةِ إِذَا كَانَ ذَكَرًا نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا، وَعُشْرُ
وعند أبي يوسف، ومحمد: القياس ما قاله أبو حنيفة، لكنه ترك ذلك في حكم الذكاة بالسنّة. ولأن الذكاة تنبني على الوسع فبقي القياس معتبرا في حكم القتل، فلا يكون قتل الأم قتلا للجنين.
قوله: (وما يجب في الجنين) ومر فيه خلاف الليث واتفاق أكثر أهل العلم. وَلَنَا: أَنَّهُ بَدَلُ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الطَّرَفِ لَا يَجِبُ إِلَّا عِنْدَ ظُهُورِ النُّقْصَانِ، وَلَا مُعْتَبَرَ فِي ضَمَانِ الْجَنِينِ، فَكَانَ بَدَلَ نَفْسِهِ، فَيُقَدَّرُ بِهَا.
قوله: (وفي جنين الأمة)؛ أي: إذا كانت حاملًا من زوجها لا من مولاها؛ ليكون الجنين رقيقًا، ولا من مغرور؛ لأنه لو كان الحمل من مولاها أو من المغرور؛ تجب الغرة، ذكرًا كان أو أنثى. كذا ذكره شيخ الإسلام في مبسوطه.
قوله: (إذا كان ذكرًا نصف عشر قيمته لو كان حيًّا) إلى آخره: بيانه: أنه يقوم الجنين بعد انفصاله ميتًا على لونه وهيئته لو كان حيا، ينظر كم قيمته بهذا المكان؟ فإذا ظهر، فبعد هذا إن كان ذكرا يوجب [نصف] (١) عشر قيمته، وإن كان أنثى يوجب عشر قيمته، فلو لم يعلم ذكورة الجنين ولا أنوثته؛ يؤخذ بالمتيقن، كالخنثى المشكل، كمن قتل عبدًا خطأ، والمقتول خنثى مشكل؛ فإنه يجب المتيقن، كذا هاهنا.
ولو ضاع الجنين ولا يمكننا تقويمه باعتبار لونه وهيئته لو كان حيا، ووقع التنازع في قيمته؛ كان القول للضارب؛ لأنه منكر للزيادة، كما لو قتل عبدا خطأ ووقع في قيمته التنازع، وعجز القاضي عن تقويمه باعتبار حاله وهيئته لو كان حيا؛ كان القول للقاتل مع اليمين، كذا هنا. الكل من الذخيرة.
стр. 7133
قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ أُنْثَى) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ الأُمِّ، لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ وَجْهِ، وَضَمَانُ الأَجْزَاءِ يُؤْخَذُ مِقْدَارُهَا مِنْ الأَصْلِ. وَلَنَا: أَنَّهُ بَدَلُ نَفْسِهِ، لِأَنَّ ضَمَانَ الطَّرَفِ لَا
قوله: (وقال الشافعي: فيه عشر قيمة الأم): وبه قال مالك، وأحمد، وابن المنذر، وهو قول الحسن، والنخعي، والزهري، وقتادة، وإسحاق؛ لأنه جنين مات بالجناية في بطن الأم، فلم يختلف ضمانه بالذكورة والأنوثة، كجنين الحرة؛ لإطلاق النصوص.
وفي المبسوط: لم يستقر مذهب الشافعي على شيء في الجنين، فإنه يجعله في حكم الكفارة كالنفوس، وهاهنا (١) كالجزء لأمه، حتى الواجب فيه [يعتبر بأمه] (٢) لا بنفسه (٣).
ثم تعتبر قيمة أمه يوم الجناية، وهو منصوص الشافعي، وقول مالك، وأحمد.
وعن بعض أصحاب الشافعي: تعتبر قيمته يوم أسقطت؛ لأن الاعتبار في ضمان الجناية بالاستقرار.
وجه منصوصه: أن قيمتها تتغير بالجناية وتنقص، [وحال] (٤) الاستقرار ما يوجب تغيير بدل النفس، فكان الاعتبار بحال الجناية، كما لو جرح عبدا ثم نقصت السوق لكثرة الجلب، ثم مات؛ فإن الاعتبار بقيمته يوم الجناية.
(ولنا: أنه بدل نفس)؛ يعني: الضمان يجب من حيث كونه أصلا، لا من حيث كونه جزءًا؛ لما أن بدل الجزء لا يجب بدون ظهور نقصان في الأصل، حتى لو قلع سنا ثم نبت مكانه أخرى؛ لم يجب شيء، وهاهنا يجب بدل الجنين وإن لم يكن في الأم نقصان، دل أن وجوبه باعتبار النفسية. كذا [فيه] (٥) المبسوط (٦).
стр. 7134
يَجِبُ إِلَّا عِنْدَ ظُهُورِ النُّقْصَانِ، وَلَا مُعْتَبَرَ فِي ضَمَانِ الجَنِينِ فَكَانَ بَدَلَ نَفْسِهِ فَيُقَدَّرُ بِهَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجِبُ ضَمَانُ النُّقْصَانِ لَوْ انْتَقَصَتْ الأُمُّ، اعْتِبَارًا بِجَنِينِ
قوله: (ولا معتبر به)؛ أي: بظهور نقصان في الأم؛ لما ذكرنا أن بدل الجنين يجب بدون ظهور النقصان في الأم.
(فكان)؛ أي: ضمان الجنين (بدل نفسه فيقدر بها)؛ أي: بقيمة الجنين؛ لأنها بدل النفس، والأصل في النفوس نفوس الأحرار، ففي نفس الحر في الجنين نصف عشر دية الذكر، وعشر دية الأنثى، فيجب أن يكون في الأمة كذلك؛ لما أن القيمة في الرقيق قائمة مقام دية الحر.
فإن قيل: فيه تفضيل الأنثى على الذكر؛ لأن عشر قيمته إذا كان أنثى أكثر من نصف عشر قيمته إذا كان ذكرا، وفي الديات يفضل الذكر على الأنثى، لا الأنثى على الذكر، فكان فيه مخالفة (١) الأصول.
قلنا: هذا تسوية في الحقيقة، فالتسوية جائزة هنا بالاتفاق؛ وهذا لأن القيمة هنا كالدية، ودية الأنثى على النصف من دية الذكر، فصار العشر من هذا نصف العشر من الذكر والتفضيل إنما يجب عند تفاوت الحال بتفاوت المالكية، وهذا يكون في المنفصل لا في الأجنة؛ لأنه لا مالكية في الجنين، وإنما يجب ضمان الجنين باعتبار قطع النشوء، والأنثى في معنى النشوء تساوي الذكر، وربما تكون الأنثى أسرع نشوءا، كما بعد الانفصال، فلهذا جوزنا تفضيل الأنثى على الذكر لو تصور.
قوله: (وقال أبو يوسف) إلى آخره: اعلم أن وجوب بدل جنين الأمة قول أبي حنيفة ومحمد، وهو الظاهر من قول أبي يوسف.
وعن أبي يوسف: أنه لا يجب في جنين الأمة شيء، وإنما يجب نقصان الأم إن تمكن فيها نقصان، وإن لم يتمكن لا يجب شيء، كما في جنين البهيمة، فإن النقصان يجب بلا خلاف لأحد. وبهذا قال زفر، وبعض الظاهرية.
стр. 7135
البَهَائِمِ، وَهَذَا لِأَنَّ الضَّمَانَ فِي قَتْلِ الرَّقِيقِ ضَمَانُ مَالٍ عِنْدَهُ عَلَى مَا نَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَصَحَّ الاعْتِبَارُ عَلَى أَصْلِهِ. قَالَ: (فَإِنْ ضُرِبَتْ فَأَعْتَقَ المَوْلَى مَا فِي بَطْنِهَا، ثُمَّ أَلْقَتْهُ حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ: فَفِيهِ قِيمَتُهُ حَيًّا، وَلَا تَجِبُ الدِّيَةُ وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ العِتْقِ) لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِالضَّرْبِ السَّابِقِ، وَقَدْ كَانَ فِي حَالَةِ الرِّقِّ، فَلِهَذَا تَجِبُ القِيمَةُ دُونَ الدِّيَةِ، وَتَجِبُ قِيمَتُهُ حَيًّا، لِأَنَّهُ بِالضَّرْبِ صَارَ قَاتِلًا إِيَّاهُ وَهُوَ حَيٍّ، فَنَظَرْنَا إِلَى حَالَتَي السَّبَبِ وَالتَّلَفِ.
وهذا بناء على اختلافهم في ضمان الجناية على المماليك، فعند أبي يوسف: هو بمنزلة ضمان المال، حتى يجب بالغا ما بلغ. وعندهما: هو بدل عن النفس، ولهذا لا يزاد على مقدار الدية كما يذكر بعد. كذا في المبسوط (١).
قوله: (فإن ضربت)؛ أي: بطن الأمة.
وفي بعض النسخ: (فإن ضربه) وهو ظاهر.
قوله: (ولا تجب الدية)؛ أي: دية الحر.
وفي جامع فخر الإسلام قال بعض مشايخنا: معنى قوله: (تجب قيمته حيا)؛ أي: الدية، وهو قياس قول الأئمة الثلاثة.
وقوله: (ولا تجب الدية) ليس من لفظ الجامع الصغير؛ لأن الضرب وقع بالأم، فلم تعتبر جنايته في حق الدية إلا بعد أن ينفصل حيا، ولذلك لم تنقطع سرايته. بخلاف من جرح عبدا ثم أعتقه مولاه.
وقال بعضهم: بل المراد منه حقيقة القيمة؛ لأن الجناية قد تمت من الجاني، لكنها لم تعتبر في حق الجنين مقصودا إلا بعد الانفصال، فأشبه الرمي الذي تم من الرامي، ولم يعتبر في حق المرمي إلا بعد الإصابة، فإذا وجد العتق ثم تمام العلة؛ عند أبي حنيفة وأبي يوسف وجب ضمان القيمة، فكذا هاهنا. وإن كان هذا بالاتفاق صار حجة لهما على محمد.
قوله: (فنظرنا إلى حالتي السبب والتلف)؛ يعني: أوجبنا القيمة دون الدية؛
стр. 7136
وَقِيلَ: هَذَا عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: تَجِبُ قِيمَتُهُ مَا بَيْنَ كَوْنِهِ مَضْرُوبًا إِلَى كَوْنِهِ غَيْرَ مَضْرُوبٍ، لِأَنَّ الإِعْتَاقَ قَاطِعٌ لِلسَّرَايَةِ عَلَى مَا يَأْتِيكَ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: (وَلَا كَفَّارَةَ فِي الجَنِينِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيّ: تَجِبُ، لِأَنَّهُ نَفْسٌ مِنْ وَجْهِ، فَتَجِبُ
اعتبارًا لحالة الضرب، وأوجبنا قيمته حيًّا لا مشكوكا في حياته؛ اعتبارًا لحالة التلف.
ولا يقال: إن هذا اعتبارًا بحالة الضرب فحسب؛ لأن الواجب في تلك الحال قيمته حيًّا أيضًا؛ لأنا نقول: جاز أن يكون حيًّا، فلا تجب قيمته حيًا هناك، بل تجب الغرة.
قوله: (قيمته ما بين كونه مضروبا) إلى آخره: قيل: هذا في قول محمد مثل هذا في مسألة: الرمي والجرح، في باب: اعتبار حالة القتل.
(لأن الإعتاق قاطع السراية)؛ يعني: لو جرح عبدا ثم أعتقه مولاه، ثم إن مات العبد من تلك الجراحة تنقطع السراية، ولا يلزم الدية ولا القيمة، وإنما يضمن النقصان بالجراحة؛ لما ذكرنا أن الجرح إتلاف بعض المحل، وأنه يوجب الضمان للمولى، وبعد السراية لو وجب لوجب للعبد، فتصير النهاية مخالفة للبداية، وقد مر في باب: اعتبار حالة القتل.
قوله: (على ما يأتيك من بعد)؛ أي: في باب جناية المملوك، في مسألة: ومن قطع عبدا ثم أعتقه المولى.
ثم لم يذكر في الكتاب أن قيمته للمولى أو لورثته، فيجوز أن يقال: [يجوز أن يكون (١) موروثا]؛ لأن المولى لما أعتقه فقد أبطل حقه، وصار في الميراث حكمه حكم الأحرار، وهو قياس قول الأئمة الثلاثة.
ويجوز أن يقال: القيمة للمولى؛ لأنه لما وجب على القاتل قيمته، صار كأنه قتل مملوكه؛ لأن وجوب الضمان استند إلى الضرب، ووقت الضرب كان مملوكًا.
وقوله: (وعند الشافعي: تجب؛ لأنه نفس من وجه) وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ
стр. 7137
الكَفَّارَةُ احْتِيَاطًا. وَلَنَا: أَنَّ الكَفَّارَةَ فِيهَا مَعْنَى العُقُوبَةِ، وَقَدْ عُرِفَتْ فِي النُّفُوسِ المُطْلَقَةِ، فَلَا تَتَعَدَّاهَا وَلِهَذَا لَمْ يَجِبْ كُلُّ البَدَلِ. قَالُوا: إِلَّا أَنْ يَشَاءَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ
قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] الآية، وهذا الجنين نفس من وجه، فإن كان من المؤمنين أو إن كان من قوم بيننا وبينهم ميثاق؛ تجب الكفارة مع الغرة. وبقوله: قال مالك، وأحمد، وأكثر أهل العلم.
ولنا: أن الكفارة فيها معنى العقوبة والشرع قدر بإيجابها (في النفوس المطلقة)؛ أي الكاملة، وهو جزء من وجه، ولهذا لو ألقاه قبل دخول الروح، إذا كان فيه شيء من خلق الآدمي؛ تجب الغرة بلا خلاف.
وعند الخصم: لو ألقاه مضغة، وشهد القوابل أنه مبدأ خلق، ولو بقي لَتَصَوَّرَ؛ تجب الغرة عند مالك، وأحمد، والشافعي في قول، فعلم أنه ليس بنفس مطلق، فليس مورد النص ولا في معناه من كل وجه، فلا يجوز إلحاقه دلالة.
ولا يتعدى إليه بالقياس؛ لأنها مخالف للقياس؛ لأن القياس لا يجري في العقوبات، ولهذا لم يذكر النبي ﷺ الكفارة في حديث الغرة، والموضع موضع البيان، فكيف يسكت عن ذكرها.
وفي الذخيرة: القياس يقتضي عدم وجوب الضمان، وعدم وجوب الكفارة؛ لأنه بمنزلة العضو، لكنا تركنا القياس في الضمان بالأثر، ولا أثر في الكفارة، فيبقى (١) على أصل القياس.
والمعنى: أنه إذا انفصل ميتًا اعتبر نفسًا في حق غيره من العباد، في حق بعض الأحكام، حتى تصير الجارية أم ولد، وتصير المرأة نفسًا، وتحل للمعتدة الأزواج، وفي حق نفسه اعتبر عضوا للأم، حتى لا تقام عليه صلاة الجنازة التي هي حق الله تعالى، ولا يسمى ولا يرث، والكفارة حق الله، فيعتبر الجنين فيها بمنزلة العضو، والكفارة لا تجب بإتلاف عضو. بخلاف ما لو خرج حيًا ثم مات؛ [لأنه نفس] (٢) من كل وجه، ولهذا يسمى ويُصلّى عليه.
стр. 7138
ارْتَكَبَ مَحْظُورًا، فَإِذَا تَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى كَانَ أَفْضَلَ لَهُ، وَيَسْتَغْفِرُ مِمَّا صَنَعَ (وَالجَنِينُ الَّذِي قَدْ اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ بِمَنْزِلَةِ الجَنِينِ النَّامٌ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ)
وفي المبسوط: الجنين عضو من وجه واعتبار الجزئية لا يمنع وجوب الضمان، ويمنع وجوب الكفارة (١).
وفي الذخيرة - ناقلا عن فتاوى أبي الليث والزيادات -: شربت الحامل دواء وحملت حملا ثقيلا، أو وضعت في قبلها شيئًا حتى ألقت جنينا ميتا؛ فعلى عاقلتها الغرة، خمسمائة في سنة، إن فعلت متعمدة بغير إذن الزوج، وإن فعلت بإذنه فلا ضمان.
وعند الأئمة الثلاثة، وأكثر أهل العلم: تجب الغرة على عاقلتها بالإذن وبغير الإذن، وتجب الكفارة أيضًا كما في غيره، وإن لم تكن لها عاقلة؛ تجب الغرة في مالها في سنة.
وفي الذخيرة: اشترى جارية فحملت منه، ثم ضربت بطن نفسها، أو شربت دواء، أو عالجت قبلها متعمدة فسقط الجنين ميتًا، ثم استحقت وقضي للمستحق بالجارية، وعقرها على المشتري، ويقال للمستحق: أمتك قتلت ولدها، وإنه ولد هذا المشتري؛ لأن ولد المغرور حر بالقيمة، فالجنين [حر] (٢) مضمون بالغرة، فادفع أمتك أو افدها بغرة الجنين الحر، ولا يعلم فيه خلاف.
وإنما شرط محمد التعمد في فعل الجارية؛ لأنها ليست بمباشرة الإتلاف، بل هي متسببة إلى قتله والتسبب إنما يوجب الضمان إذا كان بوصف التقدير، وبالتعمد لإسقاط الولد تكون متعدية، وعلى هذا الحرة.
قوله: (استبان بعض خلقه): حتى لو لم يستبن شيء من خلقه؛ لا يكون بمنزلة الولد، بل هو إن كان علقة فلا حكم لها في حق هذه الأحكام، ولا يعلم فيه خلاف.
أما لو ألقت مضغة ولم يبن فيه شيء من خلقه، فشهدت ثقات من القوابل أنه مبدأ خلق آدمي، ولو بقي لتصور؛ فلا غرة فيه. وبه قال الشافعي في الأصح، وأحمد في رواية؛ لأنه كالعلقة والنطفة.
стр. 7139
لإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّهُ وَلَدٌ فِي حَقِّ أُمُومِيَّةِ الوَلَدِ وَانْقِضَاءِ العِدَّةِ وَالنِّفَاسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَكَذَا فِي حَقِّ هَذَا الحُكْمِ، وَلِأَنَّ بِهَذَا القَدْرِ يَتَمَيَّزُ مِنْ العَلَقَةِ وَالدَّمِ فَكَانَ نَفْسَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ مَا يُحْدِثُ الرَّجُلُ فِي الطَّرِيقِ
قَالَ: (وَمَنْ أَخْرَجَ إِلَى الطَّرِيقِ الأَعْظَم كَنِيفًا، أَوْ مِيزَابًا، أَوْ جُرْصُنَا، أَوْ بَنَى دُكَّانًا، فَلِرَجُلٍ مِنْ عَرَضِ النَّاسِ أَنْ يَنْزِعَهُ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ صَاحِبُ حَقٌّ بِالْمُرُورِ بِنَفْسِهِ وَبِدَوَابِّهِ، فَكَانَ لَهُ حَقُّ النَّقْضِ، كَمَا فِي المِلْكِ المُشْتَرَكِ، فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَقُّ
وعندنا: فيه الحكومة.
وقال الشافعي في قول، وأحمد في رواية: فيه الغرة، وهو قول مالك؛ لأنه مبدأ خلق آدمي، فأشبه ما لو تصور.
بَابٌ مَا يُحْدِثُ الرَّجُلُ فِي الطَّرِيقِ
لما فرغ من بيان أحكام المباشرة؛ شرع في بيان أحكام القتل بطريق التسبيب، والضرب على بطن المرأة مباشرة في قتل الجنين.
وقدم المباشرة؛ لأنه قتل بلا واسطة، والتسبيب بالواسطة. أو لأن القتل بالمباشرة أكثر وقوعًا، فكان أمس حاجة إلى معرفة أحكامه.
وفي المغرب: الكنيف: المستراح (١)، والجُرصن دخيل؛ أي: ليس بعربي أصلي.
وقد اختلف فيه؛ فقيل: البرج. وقيل: مجرى ماء يركب في الحائط.
وعن الإمام البزدوي: جذع يخرجه الإنسان من الحائط ليبني عليه.
والعرض - بالضم -: الجانب، وفلان من عرض العشيرة؛ أي: من شقها لا من صميمها. وقيل: المراد من العرض هاهنا: أبعد الناس منزلة؛ أي: أضعفهم وأرذلهم.
قوله: (فكان له)؛ أي: بعض الناس (حق النقض) سواء كان فيه ضرر أو
стр. 7140
النَّقْضِ لَوْ أَحْدَثَ غَيْرُهُمْ فِيهِ شَيْئًا، فَكَذَا فِي الحَقِّ المُشْتَرَكِ. قَالَ: (وَيَسَعُ لِلَّذِي
لا، إذا وضع بغير إذن الإمام؛ لأن التدبير فيما يكون للعامة للإمام، وله ولاية المنع قبل الوضع أيضًا.
وقال أبو يوسف: لكل أحد المنع قبل الوضع؛ لأنه يريد أن يجعلها لنفسه خاصة، فأما بعد الوضع فقد صار في يده، فالذي يخاصمه يريد إبطال يده من غير دفع ضرر عن نفسه، فيكون متعنتا.
وعند محمد: ليس له أن يمنع ابتداء، ولا أن يخاصم بالدفع بعد الوضع إذا لم يكن فيه ضرر، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد، والنخعي، والأوزاعي، وإسحاق.
وفيما يضر لا يجوز بلا خلاف، أذن الإمام أو لا.
واختلف فيما لا يضر؛ قيل: إن كان شارعًا يمر فيه الجيوش والأحمال، فيكون بحيث إذا سار فيه الفارس ورمحه منصوب لا يبلغه.
وقال الأكثر: لا يقدر بذلك، بل يكون لا يضر بالعمارات والمحال.
وجه قول محمد: أنه مأذون في إحداثه شرعًا، فصار كما لو أذن الإمام.
وقال الصفار: إنما يلتفت إلى قوله عند أبي حنيفة إذا لم يكن له مثل ذلك من الجرصن، فإن كان لا يلتفت إلى خصومته؛ لأنه متعنت لا محتسب حين لم يبدأ بنفسه. كذا في المبسوط.
وفيه: لا يقضى عليه بالهدم بخصومة العبيد والصبيان والمحجورين؛ لأن خصومة المحجور لا تعتبر في حق ماله، فكذا في حق غيره. وينقض بمخاصمة الذمي؛ لأن له حقًا في الطريق، وهذا إذا بنى على طريق العامة بناء لنفسه، فإن بنى شيئًا للعامة كالمسجد ونحوه لا يضر بالمسلمين لا ينقض. كذا روي عن محمد.
وكذا لو قعد للبيع والشراء، والطريق واسع لا يضر بالمسلمين لا يمنع، وإن كان يضر يمنع. وأما الضمان، فالذي أخرجه ضامن لما يتلف به؛ لأنه متعد (١) في التسبيب إلى الإتلاف، من حيث إنه شغل بما صنع في طريق
стр. 7141
عَمِلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ مَا لَمْ يَضُرَّ بِالمُسْلِمِينَ) لِأَنَّ لَهُ حَقَّ المُرُورِ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ، فَلْيُلْحَقْ مَا فِي مَعْنَاهُ بِهِ، إِذْ المَانِعُ مُتَعَنِّتٌ، فَإِذَا أَضَرَّ بِالمُسْلِمِينَ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الإِسْلَامِ» قَالَ: (وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الدَّرْبِ الَّذِي لَيْسَ بِنَافِذٍ أَنْ يَشْرَعَ كَنِيفًا، أَوْ مِيزَابًا، إِلَّا بِإِذْنِهِمْ) لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ،
المسلمين، ويضمن، كما لو حفر بئرا على قارعة الطريق، لكن المتلف إن كان آدميا فالضمان على عاقلته، حتى لو جرح إنسانا وبلغ أرشه أرش الموضحة؛ يجب أرشه على العاقلة، وإذا كان دونه يجب في ماله، وضمان المال في ماله. كذا في جامع المحبوبي، ولا يعلم فيه خلاف.
قوله: (لا ضرر فيه)؛ أي: في المرور (فيلحق ما في معناه به)؛ أي: فيلحق ما في معنى المرور وهو المعمول؛ لأنه لا ضرر فيه (إذ المانع)؛ أي: من الانتفاع (متعنت) هو الذي يخاصم فيما لا ضرر فيه لنفسه ولغيره.
قوله: «(لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الإسلام)» (١) أي: لا يضر الرجل أخاه ابتداءً، ولا جزاء؛ لأن الضرر بمعنى الضر، وهو من واحد، والضرار من اثنين بمعنى: المضارة؛ وهو أن تضر من ضرك. كذا في المغرب (٢).
والضرر في الجزاء: هو أن يتعدى المجازي عن قدر حقه في القصاص وغيره.
الدرب: الباب الواسع على السكة، والمراد في قوله: زقاق أو درب غير نافذ السكة الواسعة نفسها. كذا في المغرب (٣).
(لأنها مملوكة لهم)؛ أي: الغالب أنها مملوكة لهم. وفي جامع الكشاني: إلّا أن يأذن جميع أهل الدرب؛ لأنها مملوكة لهم، هذا هو الغالب.
وفي جامع فخر الإسلام: المراد بغير النافذ: المملوكة، وليس ذلك بعلة
стр. 7142
وَ لِهَذَا وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ لَهُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ أَضَرَّ بِهِمْ أَوْ لَمْ يَضُرَّ إِلَّا بِإِذْنِهِمْ. وَفِي الطَّرِيقِ النَّافِذِ، لَهُ التَّصَرُّفُ إِلَّا إِذَا أَضَرَّ، لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الوُصُولُ إِلَى إِذْنِ الكُلِّ، فَجُعِلَ فِي حَقٌّ كُلِّ وَاحِدٍ كَأَنَّهُ هُوَ المَالِكُ وَحْدَهُ حُكْمًا، كَيْ لَا يَتَعَطَّلَ عَلَيْهِ طَرِيقُ الانْتِفَاعِ، وَلَا كَذَلِكَ غَيْرُ النَّافِذِ، لِأَنَّ الوُصُولَ إِلَى إِرْضَائِهِمْ مُمْكِنُ، فَبَقِيَ عَلَى الشَّرِكَةِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا.
قَالَ: (وَإِذَا أَشْرَعَ فِي الطَّرِيقِ رَوْشَنًا، أَوْ مِيزَابًا، أَوْ نَحْوَهُ، فَسَقَطَ عَلَى إِنْسَانِ فَعَطِبَ، فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ) لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِتَلَفِهِ مُتَعَدٍّ بِشَغْلِهِ هَوَاءَ الطَّرِيقِ، وَهَذَا مِنْ أَسْبَابِ الضَّمَانِ، وَهُوَ الْأَصْلُ،
الملك، فقد ينفذ وهي مملوكة، وقد يسد منفذها وهي للعامة، لكن ذلك دليل على الملك غالبًا، فأقيم مقامه، ووجب العمل به حتى يدل دليل على خلافه.
ثم لا خلاف للأئمة الثلاثة أن في الدرب الغير نافذ لا يجوز إلا بإذن أهله، إذا لم يكن له في الدرب باب، أما لو كان له في الدرب باب؛ فقد اختلف أصحاب الشافعي؛ فمنهم من منعه أيضًا. وقال بعضهم: يجوز له إخراج الجناح والساباط؛ لأن له في الدرب استطراقا بملك ذلك، كما يملكه في الدرب النافذ. ولنا: ما ذكر في المتن.
الروشن: هو الممر على العلو، وهو مثل الرُّفٌ. وقيل: الروشن: هو أن يضع الخشبة على جداري (١) السطحين ليتمكن من المرور.
(لأنه سبب لتلفه متعد بشغل هواء الطريق): وفي بعض النسخ: (لأنه مسبب متعد لتلفه).
(وهذا)؛ أي: التسبيب بطريق التعدي (من أسباب الضمان) ولا خلاف لأحد فيه (وهو الأصل)؛ أي: التقدير أصل في باب الضمان.
стр. 7143
وَكَذَلِكَ إِذَا سَقَطَ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ البَابِ (وَكَذَا إِذَا تَعَثَّرَ بِنَقْضِهِ إِنْسَانٌ، أَوْ عَطِبَتْ بِهِ دَابَّةٌ، وَإِنْ عَثَرَ بِذَلِكَ رَجُلٌ فَوَقَعَ عَلَى آخَرَ فَمَاتَا، فَالضَّمَانُ عَلَى الَّذِي أَحْدَثَهُ فِيهِمَا) لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالدَّافِعِ إِيَّاهُ عَلَيْهِ
قوله: (مما ذكرنا في أول الباب)؛ وهو الكنيف والميزاب والجرصن، وبه قال مالك، وأحمد.
وقال أصحاب الشافعي: إن وقع خشبة ليست مركبة على حائطه؛ يجب الضمان، ولو كانت مركبة على حائطه؛ وجب نصف الضمان؛ لأنه تلف بما وضعه على ملكه وملك غيره، فانقسم الضمان.
وقلنا: إنه تلف بما أجرمه بطريق التعدي فيضمنه، كما لو بنى حائطا مائلا إلى الطريق فأتلف أو أقام خشبة في ملكه مائلة إلى الطريق.
قوله: (وكذا إذا تعثر إنسان بنقضه)؛ أي: عطب.
وفي بعض النسخ: (وكذا إذا عطب إنسان بنقضه) ولا يعلم فيه خلاف.
(لأنه)؛ أي: المخرج (يصير كالدافع له بيده)؛ لأن النقض يصير آلة الدفع (١)، ولا يعلم فيه خلاف أيضًا.
ولو نحى النقض إنسان فعطب به آخر؛ فالضمان على الذي نحاه، وخرج المخرج من الضمان؛ لأن حكم فعله قد انتسخ بفراغ الموضع الذي شغله بما أحدث فيه، وإنما اشتغل بفعل الثاني في موضع آخر، فهو كالمحدث لذلك.
وفي الذخيرة محالا إلى المنتقى: ضرب إنسانًا فسقط على الطريق ميتا؛ يضمنه. ولو عثر إنسان بالميت، فإن كان حين ضربه سقط ميتا أو حيا، ولم يستطع أن يبرح من مكانه حتى مات؛ فدية العاثر على عاقلة الضارب، وإن كان يقدر أن يقوم من مكانه، فلم يقم حتى مات مكانه جَنَى به المقتول.
ولو أن رجلا مر في الطريق وسقط ميتا من غير جناية، فعطب به إنسان؛ لم يضمن، لا الميت ولا عاقلته. [ولو سقط حيا ثم مات؛ ضمن عاقلته] (٢) من عطب به.
стр. 7144
(وَإِنْ سَقَطَ المِيزَابُ نُظِرَ، فَإِنْ أَصَابَ مَا كَانَ مِنْهُ فِي الحَائِطِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍ فِيهِ لِمَا أَنَّهُ وَضَعَهُ فِي مِلْكِهِ (وَإِنْ أَصَابَهُ مَا كَانَ خَارِجًا مِنْ الحَائِطِ، فَالضَّمَانُ عَلَى الَّذِي وَضَعَهُ فِيهِ) لِكَوْنِهِ مُتَعَدِّيَا فِيهِ، وَلَا ضَرُورَةَ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُرَكِّبَهُ فِي الحَائِطِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَلَا يُحْرَمُ عَنِ المِيرَاتِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَاتِلٍ حَقِيقَةٌ (وَلَوْ أَصَابَهُ الطَّرَفَانِ جَمِيعًا، وَعُلِمَ ذَلِكَ، وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَهُدِرَ
قوله: (وإن سقط الميزاب): فعندنا مسألة الميزاب على أربعة أوجه بالقسمة العقلية، فأما إن علم أنه أصابه الطرف الداخل في الحائط، أو الخارج منه، أو الطرفان جميعًا، أو لم يعلم أي طرف أصابه. فإن أصابه الداخل؛ فلا ضمان؛ لأنه غير متعد فيه؛ لما أنه وضعه في ملكه. وإن أصابه الخارج؛ فعليه الضمان.
وقال الشافعي في الجديد: يضمن في جميع الصور نصف الدية. وإن انتصف الميزاب، فسقط منه ما خرج عن الحائط؛ يضمن جميع الدية؛ لأن كله في غير ملكه.
وعند أحمد: يضمن جميع الدية في جميع الصور. وقال الشافعي في القديم، ومالك: لا ضمان عليه في جميع الصور؛ لأنه غير متعد في إخراجه، فلم يضمن ما تلف، كما لو أخرجه في ملكه. ولو أصابه الطرفان ولم يعلم أي طرف أصابه؛ فعليه النصف وهدر النصف، وبه قال الشافعي.
وقال أحمد: عليه كل الضمان؛ لأنه أتلفه بما أخرجه إلى هواء الطريق، وهو متعد فيه.
قوله: (ولا كفارة عليه ولا يحرم عن الميراث): خلافا للأئمة الثلاثة؛ فإن القتل بالسبب يوجب الكفارة وحرمان الميراث عندهم، وقد مر الخلاف مع دلائله في أول كتاب الجنايات.
قوله: (وليس بقاتل حقيقة)؛ إذ لو كان قاتلًا حقيقة [يستوي] (١) فيه ملكه
стр. 7145
النِّصْفُ، كَمَا إِذَا جَرَحَهُ سَبعٌ وَإِنْسَانٌ، وَلَوْ لَمْ يُعْلَمْ أَيُّ طَرَفٍ أَصَابَهُ، يَضْمَنُ
وغير ملكه، ووجوب الكفارة وحرمان الميراث بحقيقة القتل بالنص، ووجوب الضمان باعتبار تسبيبه على الهلاك بطريق التعدي؛ صيانة لدم المتلف عن الهدر، ووجوب الكفارة وحرمان الميراث جزاء لفعل القتل، ولم يوجد، ولا يمكن أن نجعله قاتلًا عند الإصابة، فلعل المحدث يكون ميتًا عند الإصابة، فكيف يكون الميت قاتلا؛ ألا ترى أن حرمان الميراث باعتبار توهم القصد إلى استعجال الميراث، وذلك في العمد لا يشكل.
وكذا في الخطأ؛ لاحتمال أن يكون أظهر الخطأ من نفسه، وهو قاصد إلى ذلك، وهذا لا يتحقق في التسبيب، ولهذا بقتل الصبي والمجنون لا يثبت وجوب الكفارة ولا حرمان الميراث؛ لأنهما (١) جزاء قتل محظور، وفعلهما لا يوصف بذلك، والجزاء شرعًا ينبني على الخطاب. كذا في المبسوط (٢).
قوله: (كما إذا جرحه سبع وإنسان): أو جرح هو نفسه وإنسان آخر، أو جرحه عبده وإنسان آخر؛ يضمن الآخر النصف.
وعلى هذا: لو جلس غيره على ثوبه، وهو لا يعلم في حال جلوسه، ثم قام فتخرق الثوب من قيامه، وثقل الجالس. أو وضع إنسان قدمه على مؤخر نعله في حال مشيه، فرفع هو قدمه حتى تخرق النعل من فعله، وثقل قدم الآخر؛ حيث يضمن الأجنبي النصف، ولذا قال في رجل في يده الثوب لآخر، فجذبه صاحب الثوب من يده، فتخرق؛ ضمن الممسك نصف الخرق.
وقالوا في صبي في يد أبيه، جذبه آخر في يده، والأب يمسكه حتى مات؛ فديته على الجاذب، ويرث أبوه؛ لأن الأب ممسك بالحق، والجاذب متعد.
وفرع على هذا مسألة الثوب لو جذب غير صاحبه فتخرق؛ فضمانه على الجاذب. ولو تجاذبا صبيًا وأحدهما يدعي أنه ابنه، والآخر يدعي أنه عبده