عَمِلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ مَا لَمْ يَضُرَّ بِالمُسْلِمِينَ) لِأَنَّ لَهُ حَقَّ المُرُورِ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ، فَلْيُلْحَقْ مَا فِي مَعْنَاهُ بِهِ، إِذْ المَانِعُ مُتَعَنِّتٌ، فَإِذَا أَضَرَّ بِالمُسْلِمِينَ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الإِسْلَامِ» قَالَ: (وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الدَّرْبِ الَّذِي لَيْسَ بِنَافِذٍ أَنْ يَشْرَعَ كَنِيفًا، أَوْ مِيزَابًا، إِلَّا بِإِذْنِهِمْ) لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ،
المسلمين، ويضمن، كما لو حفر بئرا على قارعة الطريق، لكن المتلف إن كان آدميا فالضمان على عاقلته، حتى لو جرح إنسانا وبلغ أرشه أرش الموضحة؛ يجب أرشه على العاقلة، وإذا كان دونه يجب في ماله، وضمان المال في ماله. كذا في جامع المحبوبي، ولا يعلم فيه خلاف.
قوله: (لا ضرر فيه)؛ أي: في المرور (فيلحق ما في معناه به)؛ أي: فيلحق ما في معنى المرور وهو المعمول؛ لأنه لا ضرر فيه (إذ المانع)؛ أي: من الانتفاع (متعنت) هو الذي يخاصم فيما لا ضرر فيه لنفسه ولغيره.
قوله: «(لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الإسلام)» (١) أي: لا يضر الرجل أخاه ابتداءً، ولا جزاء؛ لأن الضرر بمعنى الضر، وهو من واحد، والضرار من اثنين بمعنى: المضارة؛ وهو أن تضر من ضرك. كذا في المغرب (٢).
والضرر في الجزاء: هو أن يتعدى المجازي عن قدر حقه في القصاص وغيره.
الدرب: الباب الواسع على السكة، والمراد في قوله: زقاق أو درب غير نافذ السكة الواسعة نفسها. كذا في المغرب (٣).
(لأنها مملوكة لهم)؛ أي: الغالب أنها مملوكة لهم. وفي جامع الكشاني: إلّا أن يأذن جميع أهل الدرب؛ لأنها مملوكة لهم، هذا هو الغالب.
وفي جامع فخر الإسلام: المراد بغير النافذ: المملوكة، وليس ذلك بعلة
стр. 7142
وَ لِهَذَا وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ لَهُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ أَضَرَّ بِهِمْ أَوْ لَمْ يَضُرَّ إِلَّا بِإِذْنِهِمْ. وَفِي الطَّرِيقِ النَّافِذِ، لَهُ التَّصَرُّفُ إِلَّا إِذَا أَضَرَّ، لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الوُصُولُ إِلَى إِذْنِ الكُلِّ، فَجُعِلَ فِي حَقٌّ كُلِّ وَاحِدٍ كَأَنَّهُ هُوَ المَالِكُ وَحْدَهُ حُكْمًا، كَيْ لَا يَتَعَطَّلَ عَلَيْهِ طَرِيقُ الانْتِفَاعِ، وَلَا كَذَلِكَ غَيْرُ النَّافِذِ، لِأَنَّ الوُصُولَ إِلَى إِرْضَائِهِمْ مُمْكِنُ، فَبَقِيَ عَلَى الشَّرِكَةِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا.
قَالَ: (وَإِذَا أَشْرَعَ فِي الطَّرِيقِ رَوْشَنًا، أَوْ مِيزَابًا، أَوْ نَحْوَهُ، فَسَقَطَ عَلَى إِنْسَانِ فَعَطِبَ، فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ) لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِتَلَفِهِ مُتَعَدٍّ بِشَغْلِهِ هَوَاءَ الطَّرِيقِ، وَهَذَا مِنْ أَسْبَابِ الضَّمَانِ، وَهُوَ الْأَصْلُ،
الملك، فقد ينفذ وهي مملوكة، وقد يسد منفذها وهي للعامة، لكن ذلك دليل على الملك غالبًا، فأقيم مقامه، ووجب العمل به حتى يدل دليل على خلافه.
ثم لا خلاف للأئمة الثلاثة أن في الدرب الغير نافذ لا يجوز إلا بإذن أهله، إذا لم يكن له في الدرب باب، أما لو كان له في الدرب باب؛ فقد اختلف أصحاب الشافعي؛ فمنهم من منعه أيضًا. وقال بعضهم: يجوز له إخراج الجناح والساباط؛ لأن له في الدرب استطراقا بملك ذلك، كما يملكه في الدرب النافذ. ولنا: ما ذكر في المتن.
الروشن: هو الممر على العلو، وهو مثل الرُّفٌ. وقيل: الروشن: هو أن يضع الخشبة على جداري (١) السطحين ليتمكن من المرور.
(لأنه سبب لتلفه متعد بشغل هواء الطريق): وفي بعض النسخ: (لأنه مسبب متعد لتلفه).
(وهذا)؛ أي: التسبيب بطريق التعدي (من أسباب الضمان) ولا خلاف لأحد فيه (وهو الأصل)؛ أي: التقدير أصل في باب الضمان.
стр. 7143
وَكَذَلِكَ إِذَا سَقَطَ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ البَابِ (وَكَذَا إِذَا تَعَثَّرَ بِنَقْضِهِ إِنْسَانٌ، أَوْ عَطِبَتْ بِهِ دَابَّةٌ، وَإِنْ عَثَرَ بِذَلِكَ رَجُلٌ فَوَقَعَ عَلَى آخَرَ فَمَاتَا، فَالضَّمَانُ عَلَى الَّذِي أَحْدَثَهُ فِيهِمَا) لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالدَّافِعِ إِيَّاهُ عَلَيْهِ
قوله: (مما ذكرنا في أول الباب)؛ وهو الكنيف والميزاب والجرصن، وبه قال مالك، وأحمد.
وقال أصحاب الشافعي: إن وقع خشبة ليست مركبة على حائطه؛ يجب الضمان، ولو كانت مركبة على حائطه؛ وجب نصف الضمان؛ لأنه تلف بما وضعه على ملكه وملك غيره، فانقسم الضمان.
وقلنا: إنه تلف بما أجرمه بطريق التعدي فيضمنه، كما لو بنى حائطا مائلا إلى الطريق فأتلف أو أقام خشبة في ملكه مائلة إلى الطريق.
قوله: (وكذا إذا تعثر إنسان بنقضه)؛ أي: عطب.
وفي بعض النسخ: (وكذا إذا عطب إنسان بنقضه) ولا يعلم فيه خلاف.
(لأنه)؛ أي: المخرج (يصير كالدافع له بيده)؛ لأن النقض يصير آلة الدفع (١)، ولا يعلم فيه خلاف أيضًا.
ولو نحى النقض إنسان فعطب به آخر؛ فالضمان على الذي نحاه، وخرج المخرج من الضمان؛ لأن حكم فعله قد انتسخ بفراغ الموضع الذي شغله بما أحدث فيه، وإنما اشتغل بفعل الثاني في موضع آخر، فهو كالمحدث لذلك.
وفي الذخيرة محالا إلى المنتقى: ضرب إنسانًا فسقط على الطريق ميتا؛ يضمنه. ولو عثر إنسان بالميت، فإن كان حين ضربه سقط ميتا أو حيا، ولم يستطع أن يبرح من مكانه حتى مات؛ فدية العاثر على عاقلة الضارب، وإن كان يقدر أن يقوم من مكانه، فلم يقم حتى مات مكانه جَنَى به المقتول.
ولو أن رجلا مر في الطريق وسقط ميتا من غير جناية، فعطب به إنسان؛ لم يضمن، لا الميت ولا عاقلته. [ولو سقط حيا ثم مات؛ ضمن عاقلته] (٢) من عطب به.
стр. 7144
(وَإِنْ سَقَطَ المِيزَابُ نُظِرَ، فَإِنْ أَصَابَ مَا كَانَ مِنْهُ فِي الحَائِطِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍ فِيهِ لِمَا أَنَّهُ وَضَعَهُ فِي مِلْكِهِ (وَإِنْ أَصَابَهُ مَا كَانَ خَارِجًا مِنْ الحَائِطِ، فَالضَّمَانُ عَلَى الَّذِي وَضَعَهُ فِيهِ) لِكَوْنِهِ مُتَعَدِّيَا فِيهِ، وَلَا ضَرُورَةَ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُرَكِّبَهُ فِي الحَائِطِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَلَا يُحْرَمُ عَنِ المِيرَاتِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَاتِلٍ حَقِيقَةٌ (وَلَوْ أَصَابَهُ الطَّرَفَانِ جَمِيعًا، وَعُلِمَ ذَلِكَ، وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَهُدِرَ
قوله: (وإن سقط الميزاب): فعندنا مسألة الميزاب على أربعة أوجه بالقسمة العقلية، فأما إن علم أنه أصابه الطرف الداخل في الحائط، أو الخارج منه، أو الطرفان جميعًا، أو لم يعلم أي طرف أصابه. فإن أصابه الداخل؛ فلا ضمان؛ لأنه غير متعد فيه؛ لما أنه وضعه في ملكه. وإن أصابه الخارج؛ فعليه الضمان.
وقال الشافعي في الجديد: يضمن في جميع الصور نصف الدية. وإن انتصف الميزاب، فسقط منه ما خرج عن الحائط؛ يضمن جميع الدية؛ لأن كله في غير ملكه.
وعند أحمد: يضمن جميع الدية في جميع الصور. وقال الشافعي في القديم، ومالك: لا ضمان عليه في جميع الصور؛ لأنه غير متعد في إخراجه، فلم يضمن ما تلف، كما لو أخرجه في ملكه. ولو أصابه الطرفان ولم يعلم أي طرف أصابه؛ فعليه النصف وهدر النصف، وبه قال الشافعي.
وقال أحمد: عليه كل الضمان؛ لأنه أتلفه بما أخرجه إلى هواء الطريق، وهو متعد فيه.
قوله: (ولا كفارة عليه ولا يحرم عن الميراث): خلافا للأئمة الثلاثة؛ فإن القتل بالسبب يوجب الكفارة وحرمان الميراث عندهم، وقد مر الخلاف مع دلائله في أول كتاب الجنايات.
قوله: (وليس بقاتل حقيقة)؛ إذ لو كان قاتلًا حقيقة [يستوي] (١) فيه ملكه
стр. 7145
النِّصْفُ، كَمَا إِذَا جَرَحَهُ سَبعٌ وَإِنْسَانٌ، وَلَوْ لَمْ يُعْلَمْ أَيُّ طَرَفٍ أَصَابَهُ، يَضْمَنُ
وغير ملكه، ووجوب الكفارة وحرمان الميراث بحقيقة القتل بالنص، ووجوب الضمان باعتبار تسبيبه على الهلاك بطريق التعدي؛ صيانة لدم المتلف عن الهدر، ووجوب الكفارة وحرمان الميراث جزاء لفعل القتل، ولم يوجد، ولا يمكن أن نجعله قاتلًا عند الإصابة، فلعل المحدث يكون ميتًا عند الإصابة، فكيف يكون الميت قاتلا؛ ألا ترى أن حرمان الميراث باعتبار توهم القصد إلى استعجال الميراث، وذلك في العمد لا يشكل.
وكذا في الخطأ؛ لاحتمال أن يكون أظهر الخطأ من نفسه، وهو قاصد إلى ذلك، وهذا لا يتحقق في التسبيب، ولهذا بقتل الصبي والمجنون لا يثبت وجوب الكفارة ولا حرمان الميراث؛ لأنهما (١) جزاء قتل محظور، وفعلهما لا يوصف بذلك، والجزاء شرعًا ينبني على الخطاب. كذا في المبسوط (٢).
قوله: (كما إذا جرحه سبع وإنسان): أو جرح هو نفسه وإنسان آخر، أو جرحه عبده وإنسان آخر؛ يضمن الآخر النصف.
وعلى هذا: لو جلس غيره على ثوبه، وهو لا يعلم في حال جلوسه، ثم قام فتخرق الثوب من قيامه، وثقل الجالس. أو وضع إنسان قدمه على مؤخر نعله في حال مشيه، فرفع هو قدمه حتى تخرق النعل من فعله، وثقل قدم الآخر؛ حيث يضمن الأجنبي النصف، ولذا قال في رجل في يده الثوب لآخر، فجذبه صاحب الثوب من يده، فتخرق؛ ضمن الممسك نصف الخرق.
وقالوا في صبي في يد أبيه، جذبه آخر في يده، والأب يمسكه حتى مات؛ فديته على الجاذب، ويرث أبوه؛ لأن الأب ممسك بالحق، والجاذب متعد.
وفرع على هذا مسألة الثوب لو جذب غير صاحبه فتخرق؛ فضمانه على الجاذب. ولو تجاذبا صبيًا وأحدهما يدعي أنه ابنه، والآخر يدعي أنه عبده
стр. 7146
النِّصْفَ) اعْتِبَارًا لِلْأَحْوَالِ (وَلَوْ أَشْرَعَ جَنَاحًا إِلَى الطَّرِيقِ، ثُمَّ بَاعَ الدَّارَ، فَأَصَابَ الجَنَاحُ رَجُلًا فَقَتَلَهُ، أَوْ وَضَعَ خَشَبَةً فِي الطَّرِيقِ، ثُمَّ بَاعَ الخَشَبَةَ، وَبَرِئَ إِلَيْهِ مِنْهَا، فَتَرَكَهَا المُشْتَرِي حَتَّى عَطِبَ بِهَا إِنْسَانٌ، فَالضَّمَانُ عَلَى البَائِعِ) لِأَنَّ فِعْلَهُ - وَهُوَ الوَضْعُ - لَمْ يَنْفَسِخْ بِزَوَالِ مِلْكِهِ وَهُوَ المُوجِبُ (وَلَوْ وَضَعَ فِي الطَّرِيقِ جَمْرًا، فَأَحْرَقَ شَيْئًا: يَضْمَنُهُ) لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِيهِ (وَلَوْ حَرَّكَتْهُ الرِّيحُ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، ثُمَّ أَحْرَقَ شَيْئًا، لَا
فمات؛ فدمه على مدعي العبد؛ لما أنه لو ادعى أحدهما أنه ابنه والآخر أنه عبده؛ فمدعي البنوة أولى، فصار إمساكه بحق وجذب الآخر بغير حق؛ فيضمن.
قوله: (اعتبارا للأحوال)؛ لأنه يجب في حال ولا يجب في حال، جعل كأنه أصابه الطرفان، فصار كأنه جرحه إنسان وسبع ومات، وإشراع الجناح لم ينفسخ، فإن جنايته وهو شغل هواء المسلمين بالجناح، وبالبيع لم يزل هذا الشغل، فبقيت حياته على حالها، والمشتري (١) بالامتناع عن الدفع مع تمكنه لم يصر مسببًا ولا مباشرًا، بل صار تاركًا للمعروف، فلا يضمن هو بالامتناع، كمن رأى أعمى يقع في البئر، فلم يمنعه من الوقوع حتى مات، أو رأى إنسانًا يموت من الجوع ومعه طعام، فلم يدفعه إليه حتى مات، أو مر في الطريق وفيه حجر، فلم يرفعه حتى عثر إنسان ومات؛ لا يضمن شيئًا؛ لما أنه غير مباشر ولا مسبب.
وكذا بائع الحائط المائل بعد التقدم إليه، لو وقع الحائط في يد المشتري وأتلف شيئًا؛ لم يضمن البائع لزوال ملكه بالبيع فيزول تمكنه من النقض أيضًا؛ إذ لا يتمكن من نقض حائط الغير وإن كان مائلا، ولا يضمن المشتري أيضًا؛ لعدم التقدم إليه، ولا أعلم فيه خلافًا، وكذا الحكم في الهبة مع القبض.
قوله: (ولو حركته الريح إلى موضع آخر)؛ أي: حركت عين الجمر.
وإنما قيد به؛ لأن عند بعض أصحابنا: أن الريح إذا هبت بشررها فأحرقت شيئًا يضمن؛ لأن عين الجمر لما كانت باقية في موضعها، كانت الجناية باقية، فكان ضمان ذلك عليه.
стр. 7147
يَضْمَنُهُ) لِنَسْخِ الرِّيحِ فِعْلَهُ، وَقِيلَ: إِذَا كَانَ اليَوْمُ رِيحًا يَضْمَنُهُ، لِأَنَّهُ فَعَلَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِعَاقِبَتِهِ وَقَدْ أَفْضَى إِلَيْهَا فَجُعِلَ كَمُبَاشَرَتِهِ.
(وقيل: إذا كان اليوم ريحًا): وفي الذخيرة: هذا اختيار شمس الأئمة السرخسي، وكان الحلواني لا يقول بالضمان من غير تفصيل، وهو قياس قول الأئمة الثلاثة.
(وقد أفضى إليها)؛ أي: إلى عاقبته، وهو الحرق بواسطة الريح، فلا ينسخ حكم فعله بالانتقال من موضع إلى موضع؛ لأنه كان عالمًا به، بمنزلة الدابة التي جالت في رباطها. كذا في المبسوط (١).
الفعلة: جمع الفاعل، كالقتلة في جمع القاتل.
قال شيخ الإسلام: هذا على وجوه، إن قال مخرج الجناح للأجراء: ابنوا جناحًا لي على فناء داري؛ فإنه ملكي، أو لي حق إشراع الجناح فيه من القديم، ولم يعلم العَمَلةُ. بخلاف ما قاله ثم سقط فأصاب شيئًا؛ فالضمان عليهم، ويرجعون بالضمان على الآمر قياسًا واستحسانًا، سواء سقط قبل الفراغ من العمل أو بعده؛ لأن الضمان يجب على العامل بأمر الأمر، فكان له أن يرجع عليه، كما لو استأجر غيره ليذبح شاة، ثم استحقت الشاة؛ فالمستحق يضمن الذابح، ويرجع الذابح على الأمر، كذا هذا لأنه غيره.
وإن قال لهم: اشرعوا جناحًا في فناء داري، ولم يقل أن له حقا (٢) في الإشراع، أو قال: فابنوا بأمره، وسقط فأتلف شيئًا؛ إن سقط قبل فراغهم من العمل فالضمان عليهم، ولم يرجعوا على الأمر قياسًا واستحسانًا، وإن سقط بعد الفراغ من العمل فكذلك على جواب القياس؛ لأنه أمرهم بما لا يملك مباشرته بنفسه، وقد علموا بفساد الأمر، فلم يحكم بالضمان على الأمر، كما لو أمرهم أن يبنوا في وسط الطريق، فبنوا وأتلف شيئًا؛ لم يرجعوا به على الأمر قياسًا.
стр. 7148
(وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَبُّ الدَّارِ الفَعَلَةَ لِإِخْرَاجِ الجَنَاحِ، أَوْ الظُّلَّةِ، فَوَقَعَ، فَقَتَلَ إِنْسَانًا قَبْلَ أَنْ يَفْرَغُوا مِنْ العَمَلِ، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمْ) لِأَنَّ التَّلَفَ بِفِعْلِهِمْ (وَمَا لَمْ يَفْرَغُوا لَمْ يَكُنْ العَمَلُ مُسَلَّمًا إِلَى رَبِّ الدَّارِ) وَهَذَا لِأَنَّهُ انْقَلَبَ فِعْلُهُمْ قَتْلًا، حَتَّى وَجَبَتْ عَلَيْهِم الكَفَّارَةُ، وَالقَتْلُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي عَقْدِهِ، فَلَمْ يَتَسَلَّمْ فِعْلُهُمْ إِلَيْهِ، فَاقْتَصَرَ عَلَيْهِمْ (وَإِنْ سَقَطَ بَعْدَ فَرَاغِهِمْ، فَالضَّمَانُ عَلَى رَبِّ الدَّارِ اسْتِحْسَانًا) لِأَنَّهُ صَحَ الِاسْتِنْجَارُ، حَتَّى اسْتَحَقُّوا الأَجْرَ، وَوَقَعَ فِعْلُهُمْ عِمَارَةٌ وَإِصْلَاحًا، فَانْتَقَلَ فِعْلُهُمْ إِلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ فَعَلَ بِنَفْسِهِ، فَلِهَذَا يَضْمَنُهُ (وَكَذَا إِذَا صَبَّ المَاءَ فِي الطَّرِيقِ فَعَطِبَ بِهِ إِنْسَانٌ، أَوْ دَابَّةٌ،
وفي الاستحسان: يكون الضمان على الأمر؛ لأن هذا الأمر صحيح، من حيث إن فناء داره مملوك له من وجه على معنى أنه يباح له الانتفاع بشرط السلامة، ولكنه غير صحيح وغير مملوك، من حيث إنه لا يجوز بيعه، فمن حيث إنه صحيح؛ يكون قرار الضمان على الأمر بعد الفراغ من العمل، ومن حيث إنه فاسد؛ يكون الضمان على العامل قبل الفراغ من العمل عملا، وإظهارا شُبَه الصحة بعد الفراغ من العمل أولى من إظهاره قبل الفراغ؛ لأن أمر الأمر إنما يصح من حيث إنه يملك الانتفاع بفناء داره، وإنما حصل له المنفعة بعد الفراغ من العمل، فإظهار شبهة الصحة بعد الفراغ أولى. كذا ذكره المحبوبي.
قوله: (فالضمان على رب الدار استحسانًا).
وفي المبسوط: وجه الاستحسان: حديث شريح؛ فإنه قضى بالضمان في مثله على رب الدار والمعنى: [أن عملهم] (١) ينتقل إليه؛ لأنه يباح (٢) له فيما بينه وبين ربه، إحداث مثل ذلك في فناء داره إذا لم يتضرر به غيره، وقد جرت العادة بذلك في بلاد المسلمين، فاعتبر أمره، ولما كان الفناء غير مملوك له؛ يتقيد بشرط السلامة، فصح أمره، فجعل كأنه بنى بنفسه (٣).
стр. 7149
وَكَذَا إِذَا رَشَّ المَاءَ أَوْ تَوَضَّأَ) لِأَنَّهُ مُتَعَدٌ فِيهِ بِإِلْحَاقِ الضَّرَرِ بِالمَارَّةِ (بِخِلَافِ مَا إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي سِكَةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ وَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ قَعَدَ أَوْ وَضَعَ مَتَاعَهُ) لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِيهَا لِكَوْنِهِ مِنْ ضَرُورَاتِ السُّكْنَى، كَمَا فِي الدَّارِ المُشْتَرَكَةِ. قَالُوا: هَذَا إِذَا رَشَّ مَاءً كَثِيرًا بِحَيْثُ يُزْلَقُ بِهِ عَادَةً، أَمَّا إِذَا رَشَّ مَاءً قَلِيلًا كَمَا هُوَ
قوله: (بخلاف ما إذا فعل في سكة غير نافذة)؛ يعني: لو صب الماء أو رشه، أو توضأ في الطريق فتلف شيء؛ لم يضمن.
وفي الذخيرة: لو فعل شيئًا من ذلك في الطريق، في سكة غير نافذة، فعطب به إنسان؛ ينظر: إن فعل ما ليس من جملة السكنى - كحفر البئر -؛ لا يضمن حصة نفسه، ويضمن حصة (١) شركائه. وإن فعل شيئًا من جملة [السكنى] (٢) كما إذا وضع خشبة أو توضأ، أو قعد أو أوقص دابته فعطب؛ فالقياس كذلك، والاستحسان لا يضمن شيئًا؛ لأن الطريق في سكة غير نافذة، مملوك لأهل السكة مشترك فيما بينهم، فكان كالدار المشتركة، وفي الدار المشتركة إذا أحدث شيئًا بغير إذن الشركاء؛ فالجواب على التفصيل، كذا هاهنا.
بخلاف ما إذا كانت السكة نافذة.
وفي السكة النافذة إنما يضمن الراش وغيره إذا لم يعلم المار، بأن كان أعمى، أو مر ليلا، أما لو علم المار بالرش، ومضى على الموضع الذي رش؛ لا يضمن الرَّاشُ. وكذا لو تعمد المرور على الخشبة؛ وذلك لأن المار هو الذي خاطر بروحه لما علم الرش والخشبة، وتعمد المشي، فيكون هو مباشرًا، فلا يكون على المسبب ضمان.
وفي نوادر ابن سماعة عن محمد: وضع خشبة في طريق غير نافذ أحد منهم ونحوها، فلا ضمان؛ لأن هذه بمزلة الدار بين الشركاء.
ولو حفر بئرا فوقع فيه إنسان يضمن، كما لو حفر بئرا في الدار المشتركة، فيضمن حصة شركائه دون حصته؛ لأن السكة تخالف الدار المشتركة في الحفر
стр. 7150
المُعْتَادُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُزْلَقُ بِهِ عَادَةً، لَا يَضْمَنُ (وَلَوْ تَعَمَّدَ المُرُورَ فِي مَوْضِعِ صَبٌ المَاءِ فَسَقَطَ، لا يَضْمَنُ الرَّاشِ) لِأَنَّهُ صَاحِبُ عِلَّةٍ. وَقِيلَ: هَذَا إِذَا رَشَ بَعْضَ الطَّرِيقِ، لِأَنَّهُ يَجِدُ مَوْضِعًا لِلْمُرُورِ لَا أَثَرَ لِلْمَاءِ فِيهِ، فَإِذَا تَعَمَّدَ المُرُورَ عَلَى مَوْضِعِ صَبِّ المَاءِ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ عَلَى الرَّاسُ شَيْءٌ، وَإِنْ رَشَ جَمِيعَ الطَّرِيقِ، يَضْمَنُ، لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ فِي المُرُورِ؛ وَكَذَلِكَ الحُكْمُ فِي الخَشَبَةِ المَوْضُوعَةِ فِي الطَّرِيقِ في أَخْذِهَا جَمِيعَهُ، أَوْ بَعْضَهُ وَلَوْ رَشَ فِنَاءَ حَانُوتٍ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ، فَضَمَانُ مَا عَطِبَ عَلَى الْآمِرِ اسْتِحْسَانًا. وَإِذَا اسْتَأجَرَ أَجِيرًا لِيَبْنِيَ لَهُ فِي فِنَاءِ حَانُوتِهِ، فَتَعَقَّلَ بِهِ إِنْسَانُ
في خصلة؛ وهي أن الجاني في الدار المشتركة يضمن ما نقصها الحفر دون السكة؛ لأن الدار المشتركة مملوكة لهم حقيقة فينتفعون بها، بخلاف السكة.
وقال أحمد: في حفر البئر في الدار المشتركة؛ يضمن جميع ما تلف، وهو قياس مذهب الشافعي؛ لأنه متعد بالحفر فيضمن الكل، كما لو حفر في دار غيره.
وقلنا: تعديه في نصيب شريكه لا في نصيب نفسه، فكان الضمان بقدره.
ولو كان الشركاء ثلاثًا؛ يضمن الحافر ثلثي التالف لما ذكرنا.
وقال أبو يوسف: عليه نصف الضمان؛ لأنه تلف بجهتين، وكان الضمان نصفين، كما [لو] (١) جرح واحد جرحًا والآخر جرحين.
قوله: (ليبني له في فناء حانوته) إلى آخره: الفناء: سعة أمام البيوت المعد لحوائجها. كذا في المغرب (٢).
وذكر التمرتاشي: الفناء: ما أعد لحوائج الدار، كربط الدابة وكسر الحطب.
فتعقل به؛ أي: تشبث وتعلق بالبناء.
وفي جامع المحبوبي: والذي ذكره في الكتاب؛ فيما إذا لم يعلم الأجير أن الفناء للغير، أما إذا علم؛ فالضمان على الأجير، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
стр. 7151
بَعْدَ فَرَاغِهِ فَمَاتَ، يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الآمِرِ اسْتِحْسَانًا، وَلَوْ كَانَ أَمَرَهُ بِالبِنَاءِ فِي وَسَطِ الطَّرِيقِ فَالضَّمَانُ عَلَى الأَجِيرِ) لِفَسَادِ الْأَمْرِ.
قَالَ: (وَمَنْ حَفَرَ بِثْرًا فِي طَرِيقِ المُسْلِمِينَ، أَوْ وَضَعَ حَجَرًا فَتَلِفَ بِذَلِكَ إِنْسَانُ، فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَإِنْ تَلِفَتْ بِهِ بَهِيمَةٌ، فَضَمَانُهَا فِي مَالِهِ) لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِيهِ، فَيَضْمَنُ مَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ، غَيْرَ أَنَّ العَاقِلَةَ تَتَحَمَّلُ النَّفْسَ دُونَ المَالِ، فَكَانَ ضَمَانُ البَهِيمَةِ فِي مَالِهِ، وَإِلْقَاءُ التَّرَابِ، وَاتِّخَاذُ الطِّينِ فِي الطَّرِيقِ، بِمَنْزِلَةِ الْقَاءِ الحَجَرِ وَالخَشَبَةِ لِمَا ذَكَرْنَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَنَسَ الطَّرِيقَ فَعَطِبَ بِمَوْضِعِ كَنْسِهِ إِنْسَانٌ، حَيْثُ لَمْ يَضْمَنْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَعَدِّ، فَإِنَّهُ مَا أَحْدَثَ شَيْئًا فِيهِ، إِنَّمَا قَصَدَ دَفْعَ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، حَتَّى لَوْ جَمَعَ الكُنَاسَةَ فِي الطَّرِيقِ وَتَعَقَّلَ بِهَا إِنْسَانٌ، كَانَ ضَامِنًا لِتَعَدِّيهِ بِشَغْلِهِ (وَلَوْ وَضَعَ حَجَرًا فَنَاهُ غَيْرُهُ عَنْ مَوْضِعِهِ، فَعَطِبَ بِهِ إِنْسَانُ، فَالضَّمَانُ عَلَى الَّذِي نَجَّاهُ) لِأَنَّ حُكْمَ فِعْلِهِ قَدْ انْتَسَخَ لِفَرَاغِ مَا شَغَلَهُ، وَإِنَّمَا اشْتُغِلَ بِالفِعْلِ الثَّانِي مَوْضِعُ آخَرُ (وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: فِي البَالُوعَةِ يَحْفِرُهَا الرَّجُلُ فِي الطَّرِيقِ، فَإِنْ أَمَرَهُ السُّلْطَانُ بِذَلِكَ، أَوْ
قال شيخ الإسلام: إن كان الطريق معروفًا للعامة؛ فالضمان على الأجير، أعلمهم المستأجر بذلك أو لا؛ لأن الطريق إذا كان مشهورا يعرفه كل أحد، فقد علم الأجير فساد الأمر؛ [إذ الأمر] (١) بالحفر في ملك الغير فاسد بلا خلاف لأحد، فصار وجوده كعدمه.
وفي المبسوط: لا شيء على الأجراء إن لم يعلموا أنها (٢) في غير فنائه؛ لأن عمرو بن الحارث كان من جملة الرؤساء، معلوم أنه ما باشر الحفر بنفسه، بل بالأجراء، ثم ضمنه شريح؛ وهذا لأنهم يعلمون أنه له، ولهذا يستوجبون الأجر عليه، فصاروا مغرورين من جهته، حيث لم يعلمهم أن ذلك الموضع ليس بفنائه، وإنما حفروا اعتمادا على أمره، وعلى أن ذلك من فنائه، فلدفع ضرر الغرور ينقل فعلهم إلى الأمر، فيصير كأنه حفر بنفسه (٣)، ولا يعلم فيه خلاف.
قوله: (في البالوعة): قيل: هو بئر في وسط الدار لماء المطر.
стр. 7152
أَجْبَرَهُ عَلَيْهِ لَمْ يَضْمَنْ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍ، حَيْثُ فَعَلَ مَا فَعَلَ بِأَمْرِ مَنْ لَهُ الوِلَايَةُ فِي حُقُوقِ العَامَّةِ (وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَهُوَ مُتَعَدٌ) إِمَّا بِالتَّصَرُّفِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، أَوْ بِالافْتِيَاتِ عَلَى رَأي الإِمَامِ، أَوْ هُوَ مُبَاحٌ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ، وَكَذَا الجَوَابُ
وفي الصحاح: البلوعة: ثقب في وسط الدار (١).
والافتئات: الاستبداد بالرأي افتعال من الفوت وهو الشق.
وفي المبسوط: لو حفر بالوعة في الطريق الأعظم، منع من ذلك؛ لأنه لا يخلو عن ضرر، فإن أمره السلطان بذلك؛ لم يضمن ما تلف فيها، وإنما لم يضمن فيما إذا كان بإذن الإمام، إذا كان فيه مصلحة (٢)، وهو قول الشافعي. أما إذا كان فيه مفسدة يضمن وإن كان بإذن الإمام؛ لأن إذن الإمام لا يعتبر فيما يكون فيه مفسدة بلا خلاف.
وقال أحمد: إذن الإمام لا يعتبر وإن لم يكن فيه مفسدة، حتى لو حفر في موضع لآخر وفيها نظر، إن حفرها لنفسه؛ ضمن ما تلف بها، سواء حفرها بإذن الإمام أو غير إذنه؛ لأنه حفر في موضع مشترك بغير إذن أهله، فيضمن كما لو لم يأذن الإمام.
وقلنا: للإمام أن يأذن في الانتفاع بما لا ضرر فيه، كالإذن بالقعود فيه.
أما لو حفرها لماء المطر، أو ليشرب منه العامة ونحوه؛ فلا ضمان عليه إذا حفرها بإذن الإمام، فلا خلاف فيه.
والصحيح عن أحمد أنه لا يضمن بغير الإذن؛ لأن فيه منفعة العامة ومصلحتهم، وقد يشق استئذان الإمام، فتفوت مصلحتهم.
وعن بعض أصحاب الشافعي ثلاثة أوجه أحدها: أنه لا ضمان عليه.
والثاني: يجب عليه الضمان والثالث: لو حفرها لارتفاق نفسه ضمن وإن حفرها لارتفاق المسلمين لا يضمن.
قوله: (أو هو مباح مقيد بشرط السلامة)؛ لأن الانتفاع بطريق العامة إنما يباح بشرط السلامة.
стр. 7153
عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ فِي جَمِيعِ مَا فُعِلَ فِي طَرِيقِ العَامَّةِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَغَيْرِهِ، لِأَنَّ المَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ (وَكَذَا إِنْ حَفَرَهُ فِي مِلْكِهِ، لَا يَضْمَنُ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٌ (وَكَذَا إِذَا حَفَرَهُ فِي فِنَاءِ دَارِهِ) لِأَنَّ لَهُ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ دَارِهِ، وَالفِنَاءُ فِي تَصَرُّفِهِ، وَقِيلَ: هَذَا إِذَا كَانَ الفِنَاءُ مَمْلُوكًا لَهُ، أَوْ كَانَ لَهُ حَقُّ الحَفْرِ فِيهِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدِّ، أَمَّا إِذَا كَانَ لِجَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ، أَوْ مُشْتَرَكًا، بِأَنْ كَانَ فِي سِكَّةِ غَيْرِ نَافِذَةٍ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ لِأَنَّهُ مُسَبِّبٌ مُتَعَدِّ، وَهَذَا صَحِيحٌ.
قال في شرح الأقطع: قد قالوا: لو قعد في الطريق ليستريح، أو لمرض أو ضعفه، فعثر به إنسان يضمن؛ لأن المشي في الطريق مباح بشرط السلامة، كما أن الله أباح الرمي إلى الصيد، فلو رمى صيدا وأصاب إنسانًا أو شاة؛ ضمن، واعتبر فيه السلامة.
قوله: (على هذا التفصيل)؛ وهو أنه لو فعله بأمر من له الولاية في الأمر لا يضمنه، وبغير أمره يضمنه.
(مما ذكرناه) من أول الباب إلى هاهنا من إشراع الجناح، وإحداث الكنيف والميزاب، أو الجرصن، أو حفر البئر في طريق المسلمين.
وقوله: (وغيره)؛ وهو كبناء الظلة، وغرس الأشجار، ورمي الثلج، والجلوس للبيع؛ لأن هذه الأشياء غير مذكورة في الكتاب.
قوله: (أو كان له حق الحفر فيه) بأن لا يضر المسلمين، أو أذن له الإمام وجعل له حق الحفر وقت القسمة.
وذكر التمرتاشي: أفنية الأبواب التي في الطريق الشارع؛ ليست بمملوكة لأصحاب الدور، ولو أرادوا أن يحدثوا شيئًا في أفنيتهم؛ فهذا وما لو أحدثوا في غير أفنيتهم سواء.
وفي المحيط: رمى بثلج أو جمد في الطريق، فزلق به إنسان؛ قال محمد: إن كانت السكة نافذة ضمن وإن كانت غير نافذة وفيها دور، فرموا أصحاب الدور ثلجهم فزلق؛ لا ضمان عليهم.
قال أبو الليث: يجب أن لا يضمن وإن كانت السكة نافذة؛ لعموم البلوى في بلادنا؛ لكثرة الثلج، والثلج في بلادهم قليل والصحيح: جواب محمد.
стр. 7154
(وَلَوْ حَفَرَ فِي الطَّرِيقِ، وَمَاتَ الوَاقِعُ فِيهِ جُوعًا، أَوْ غَمًّا، لَا ضَمَانَ عَلَى الحَافِرِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَهُ، لِأَنَّهُ مَاتَ لِمَعْنَى فِي نَفْسِهِ، فَلَا يُضَافُ إِلَى الحَفْرِ، وَالضَّمَانُ إِنَّمَا يَجِبُ إِذَا مَاتَ مِنْ الوُقُوعِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: إِنْ مَاتَ جُوعًا فَكَذَلِكَ، وَإِنْ مَاتَ غَمَّا فَالحَافِرُ ضَامِنٌ لَهُ، لِأَنَّهُ لَا سَبَبَ لِلْغَمِّ سِوَى الوُقُوعِ، أَمَّا الجُوعُ فَلَا يَخْتَصُّ بِالبِئْرِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ ضَامِنٌ فِي الوُجُوهِ كُلِّهَا (*)، لِأَنَّهُ إِنَّمَا حَدَثَ بِسَبَبِ الوُقُوعِ، إِذْ لَوْلَاهُ لَكَانَ الطَّعَامُ قَرِيبًا مِنْهُ.
قَالَ: (وَإِنْ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ، فَحَفَرُوهَا لَهُ فِي غَيْرِ فِنَائِهِ، فَذَلِكَ عَلَى المُسْتَأْجِرِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَجَرَاءِ إِنْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهَا فِي غَيْرِ فِنَائِهِ) لِأَنَّ الإِجَارَةَ صَحَتْ ظَاهِرًا
قوله: (أو غما)؛ أي: اختناقا بالعفونة كذا وجدت بخط الثقات.
وفي الصحاح: يوم غَمٌ؛ إذا كان يأخذ النفس من شدة الحر (١).
(لأنه)؛ أي: الجوع والغم (معنى في نفسه).
وفي بعض النسخ: (مات لمعنى في نفسه فصار كأنه مات حتف أنفه.
وفي المبسوط: لا يصير هلاكه مضافًا إلى الحفر؛ لطروء سبب آخر وهو سبب الهلاك، وهو الجوع أو الغم، والجوع أثر هيجان طبعه، والغم من أثر قلبه، ولا صنع للحافر فيهما، فلا يجعل الحافر كالدافع (٢).
قوله: (لأنه لا سبب للغم سوى الوقوع)؛ إذ الغم أثر جعل الأرض عميقا، وهو من آثار حفره، فيضاف إليه، أما الجوع معنى يحدث فيه بهيجان الطبع، حتى لم يبق شيء في معدته من سوى الطعام، وليس ذلك من أثر حفره.
(وقال محمد: هو ضامن)؛ أي: الحافر في الوجوه) سواء مات جوعًا أو غما أو غيرهما، وهو قياس قول الأئمة الثلاثة.
قوله: (ولا شيء على الأجراء إذا لم يعلموا أنها في غير فنائه): ولا يعلم فيه خلاف.
стр. 7155
إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا، فَنُقِلَ فِعْلُهُمْ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَغْرُورِينَ، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَمَرَ آخَرَ بِذَبْحِ هَذِهِ الشَّاةِ فَذَبَحَهَا، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الشَّاةَ لِغَيْرِهِ، إِلَّا أَنَّ هُنَاكَ يَضْمَنُ المَأْمُورُ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْآمِرِ، لِأَنَّ الذَّابِحَ مُبَاشِرٌ، وَالآمِرُ مُسَبِّبٌ، وَالتَّرْجِيحُ لِلْمُبَاشَرَةِ، فَيَضْمَنُ المَأْمُورُ وَيَرْجِعُ المَغْرُورُ، وَهُنَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى المُسْتَأْجِرِ ابْتِدَاءً، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسَبِّبٌ، وَالأَجِيرُ غَيْرُ مُتَعَدِّ، وَالمُسْتَأجِرُ مُتَعَدِّ، فَيُرَجَّحُ جَانِبُهُ (وَإِنْ عَلِمُوا ذَلِكَ، فَالضَّمَانُ عَلَى الأَجَرَاءِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أَمْرُهُ بِمَا لَيْسَ بِمَمْلُوكِ لَهُ، وَلَا غُرُورَ، فَبَقِيَ الفِعْلُ مُضَافًا إِلَيْهِمْ وَإِنْ قَالَ لَهُمْ: هَذَا فِنَائِي وَلَيْسَ لِي فِيهِ حَقُّ الحَفْرِ، فَحَفَرُوا، وَمَاتَ فِيهِ إِنْسَانٌ: فَالضَّمَانُ عَلَى الأَجَرَاءِ قِيَاسًا لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا بِفَسَادِ الْأَمْرِ فَمَا غَرَّهُمْ (وَفِي الاسْتِحْسَانِ الضَّمَانُ عَلَى المُسْتَأجِرِ) لِأَنَّ كَوْنَهُ فِنَاءً لَهُ بِمَنْزِلَةِ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا لَهُ لِانْطِلَاقِ يَدِهِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ مِنْ الْقَاءِ الدِّينِ وَالحَطَبِ وَرَبْطِ الدَّابَّةِ
وذكر خواهر زاده: هذا إذا لم يكن الطريق مشهورًا أنه طريق العامة، أما إذا كان مشهورًا أنه طريق العامة؛ ضمنوا، علموا أو لم يعلموا.
قوله: (ولا [غرور]) (١)؛ يعني: إنما يعتبر أمره لإثبات صفة الحل، أو لدفع الغرور، وقد انعدما جميعًا هاهنا بالعلم.
قوله: (لانطلاق يده في التصرف): فإن عند أبي حنيفة: يحل له ذلك فيما بينه وبين ربه إذا لم يمنعه مانع. وعندهما له أن يحفر في فنائه إذا لم يضر بالمارة، وليس لأحد منعه من ذلك، ولكن بشرط السلامة يحل.
قوله: (فكان الأمر بالحفر في ملكه ظاهرًا).
فإن قيل: قوله: (ليس لي حق الحفر فيه) يخالف هذا الظاهر، وهو صريح، فلا تعتبر الدلالة بمقابلته.
قلنا: قوله: (ليس لي فيه حق الحفر) يحتمل أراد: ليس لي فيه حق الحفر في القديم، وهكذا في المبسوط، فيكون الصريح مشترك الدلالة، فلا يعارض الدلالة.
стр. 7156
وَالرُّكُوبِ وَبِنَاءِ الدُّكَّانِ، فَكَانَ الأَمْرُ بِالحَفْرِ فِي مِلْكِهِ ظَاهِرًا بِالنَّظَرِ إِلَى مَا ذَكَرْنَا، فَكَفَى ذَلِكَ لِنَقْلِ الفِعْلِ إِلَيْهِ. قَالَ: (وَمَنْ جَعَلَ قَنْطَرَةً بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ فَتَعَمَّدَ رَجُلٌ المُرُورَ عَلَيْهَا فَعَطِبَ: فَلَا ضَمَانَ عَلَى الَّذِي عَمِلَ القَنْطَرَةَ، وَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَ خَشَبَةٌ فِي الطَّرِيقِ، فَتَعَمَّدَ رَجُلٌ المُرُورَ عَلَيْهَا) لِأَنَّ الأَوَّلَ: تَعَدٌّ هُوَ تَسْبِيبٌ، وَالثَّانِي: تَعَدِّ هُوَ مُبَاشَرَةٌ، فَكَانَتِ الإِضَافَةُ إِلَى المُبَاشِرِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ تَخَلَّلَ فِعْلِ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ يَقْطَعُ النِّسْبَةَ كَمَا فِي الحَافِرِ مَعَ المُلْقِي. قَالَ: (وَمَنْ حَمَلَ شَيْئًا فِي الطَّرِيقِ، فَسَقَطَ عَلَى إِنْسَانٍ، فَعَطِبَ بِهِ إِنْسَانٌ، فَهُوَ ضَامِنٌ، وَكَذَا إِذَا سَقَطَ فَتَعَثَرَ بِهِ إِنْسَانٌ، وَإِنْ كَانَ رِدَاءً قَدْ لَبِسَهُ، فَسَقَطَ عَنْهُ فَعَطِبَ بِهِ إِنْسَانٌ: لَمْ يَضْمَنْ) وَهَذَا اللَّفْظُ يَشْمَلُ الوَجْهَيْنِ،
قوله: (ولو جعل قنطرة): القنطرة: ما أحكم بناؤه ولا يرفع. والجسر: ما يوضع ويرفع.
(فلا ضمان على الذي قنطره): وكذا لو كان النهر ملكه لا يضمن؛ لأن الأول تعدى إلى (١) بناء القنطرة، ووضع الخشبة تعد؛ لأن التدبير في وضع القناطر على الأنهار العظام، من حيث تعيين المكان والتضييق والسعة للإمام، فكان جناية بهذا الاعتبار، والجناية تعد كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
(والثاني)؛ وهو المرور (متعمدا) قيل: على قياس مسألة الماء، ينبغي أنه إذا لم يوجد طريق آخر يمر فيه، فعبر على النهر؛ يضمن وإن تعمد المشي، هذا إذا كان النهر خاصا، أما إذا كان النهر لجماعة المسلمين؛ فكذلك في ظاهر الرواية، وبه قال الشافعي في قول، وأحمد في وجه.
وعن أبي يوسف: لا ضمان عليه، علم الماشي بذلك أو لم يعلم؛ لأنه أقام خشبة في موضع له حق، فلا يضمن، كما لو بسط حصيرا في مسجد لغيره، وبه قال الشافعي وأحمد في وجه، ولهذا لو حفر بئرا في أرض مفازة لانتفاع الناس؛ لا يضمن الحافر.
وقوله: (وهذا اللفظ)؛ إشارة إلى قوله: (فعطب به إنسان).
стр. 7157
وَالفَرْقُ: أَنَّ حَامِلَ الشَّيْءِ قَاصِدٌ حِفْظُهُ، فَلَا حَرَجَ فِي التَّقْيِيدِ بِوَصْفِ السَّلَامَةِ، وَاللَّابِسُ لَا يَقْصِدُ حِفْظُ مَا يَلْبَسُهُ، فَيَخْرُجُ بِالتَّقْيِيدِ بِمَا ذَكَرْنَا، فَجَعَلْنَاهُ مُبَاحًا مُطْلَقًا، وَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ إِذَا لَبِسَ مَا لَا يَلْبَسُهُ عَادَةٌ، فَهُوَ كَالحَامِلِ، لِأَنَّ الحَاجَةَ لَا تَدْعُو إِلَى لُبْسِهِ.
قَالَ: (وَإِذَا كَانَ المَسْجِدُ لِلْعَشِيرَةِ فَعَلَّقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فِيهِ قِنْدِيلًا، أَوْ جَعَلَ فِيهِ بَوَارِيَ، أَوْ حَصَاةً، فَعَطِبَ بِهِ رَجُلٌ: لَمْ يَضْمَنْ،
(يشمل الوجهين)؛ وهما تلف الإنسان بسقوط اللبد عليه، أو بعثوره عليه. (والفرق)؛ أي: بين الشيء المحمول؛ حيث يجب الضمان به فيما إذا هلك إنسان، و [بين] (١) الثوب الملبوس؛ حتى لا يجب الضمان فيه.
وإن هلك إنسان بوقوعه عليه، إن حمل المتاع في الطريق على رأسه أو على ظهره، مباح، لكنه مقيد بشرط السلامة، بمنزلة الرامي إلى الهدف والصيد. (فيخرج بالتقييد بما ذكرناه)؛ أي: بوصف السلامة.
قوله: (إذا لبس ما لا يلبسه)؛ أي: في العادة، كاللبد، والجوالق، ودرع الحرب في غير موضع الحرب، أو لبس ثوبًا لا يحتاج إليه من حيث الزينة، ومن حيث دفع الحر والبرد.
وذكر المحبوبي: لو لبس ثوبا زيادة على قدر الحاجة؛ لم يذكره محمد في الكتاب، وروى ابن سماعة عنه أنه قال: يضمن إذا سقط وعطب به إنسان؛ لأنه لا تعم به البلوى. وقياس قول الأئمة الثلاثة: لا يضمن؛ لعدم التعدي.
العشيرة: القبيلة. ذكرها في الصحاح (٢)، والمراد هاهنا: أهل المسجد.
قوله: (لم يضمن)؛ يعني: وإن كان بغير إذن الإمام. وبه قال أحمد، والشافعي في وجه. وقال الشافعي في وجه: بغير إذن الإمام يضمن.
وإن كان الذي فعل ذلك من غير العشيرة، وفعل بغير إذن الإمام وبغير إذن العشيرة؛ ضمن، وبه قال الشافعي في وجه.
стр. 7158
وَإِنْ كَانَ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ العَشِيرَةِ ضَمِنَ قَالُوا: هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَضْمَنُ فِي الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا (*)، لِأَنَّ هَذِهِ مِنْ القُرَبِ، وَكُلُّ أَحَدٍ مَأْذُونٌ فِي إقَامَتِهَا، فَلَا يَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ، كَمَا إِذَا فَعَلَهُ بِإِذْنِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ المَسْجِدِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الفَرْقُ: أَنَّ التَّدْبِيرَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالمَسْجِدِ لِأَهْلِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ، كَنَصْبِ الإِمَامِ، وَاخْتِيَارِ المُتَوَلِّي، وَفَتْحِ بَابِهِ وَإِغْلَاقِهِ، وَتَكْرَارِ الجَمَاعَةِ إِذَا سَبَقَهُمْ بِهَا غَيْرُ أَهْلِهِ، فَكَانَ فِعْلُهُمْ مُبَاحًا مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ، وَفِعْلُ غَيْرِهِمْ تَعَدِّيًا، أَوْ
قوله: (وقالا: لا يضمن في الوجهين)؛ وهما إذن الإمام أو العشيرة، أو عدم إذنهما، وبه قال الشافعي في وجه، ومالك، وأحمد.
قال الحلواني: أكثر مشايخنا أخذوا بقولهما في هذه المسألة، وعليه الفتوى. كذا في الذخيرة وفيها: ووضع الحب لشرب الماء؛ على هذا الاختلاف.
قال التمرتاشي: لو ضاق المسجد بأهله؛ لأهله أن يمنعوا من ليس من أهله عن الصلاة فيه لنصب الإمام.
عن ابن سلام: باني المسجد أولى بالعمارة، والقوم أولى بنصب الإمام والمؤذن.
وعن الإسكاف: الباني أحق بذلك.
قال أبو الليث: وبه نأخذ، إلا أن يُنَصَّبَ والقوم يريدون من هو أصلح لذلك.
(وتكرار الجماعة إذا سبقهم بها غير أهله)؛ يعني: لو صلّى فيه غير أهل المسجد بجماعة؛ لأهل المسجد تكرار الجماعة بلا كراهة. أما لو صلّى أهل المسجد بجماعة؛ لا يكون لغير أهله أن يصلّوا فيه بجماعة، فعلم بهذا أن أهل المسجد ليسوا بسواء لغير أهله.
أو نقول: لا يبعد أن يكون المسلمون فيما هو المقصود وهو الصلاة فيه
стр. 7159
مُبَاحًا، مُقَيَّدًا بِشَرْطِ السَّلَامَةِ، وَقَصْدُ القُرْبَةِ لَا يُنَافِي الغَرَامَةَ إِذَا أَخْطَأَ الطَّرِيقَ، كَمَا إِذَا تَفَرَّدَ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا، وَالطَّرِيقُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ الاسْتِنْذَانُ مِنْ أَهْلِهِ. قَالَ: (وَإِنْ جَلَسَ فِيهِ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَعَطِبَ بِهِ رَجُلٌ، لَمْ يَضْمَنْ إِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ ضَمِنَ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَضْمَنُ عَلَى كُلِّ حَالٍ (*).
سواء، ومع ذلك يختص أهل المسجد بالتدبير فيه، كالكعبة، فالناس فيما هو المقصود وهو الطواف سواء، ثم اختص بنو شيبة بالتدبير، حتى إنه ﷺ [لما] (١) أخذ المفتاح منهم يوم الفتح، نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
(وقصد القربة لا ينافي الغرامة)؛ ألا ترى أن الإنسان إذا وقف في الطريق لإماطة الأذى عن الطريق، أو لدفع الظلم عن غيره، فعطب به إنسان؛ يضمن وإن كان يستحق الثواب. هذا كله في المبسوط (٢)، والذخيرة.
قوله: (تفرد بالشهادة)؛ فإن شهادتها في حقوق الله تعالى حسبة كانت قربة، لكن لما فات شرطه وهو كون الشهود أربعة؛ تنقلب شهادته قذفًا، حتى يجب حد القذف على الشاهد.
قوله: (لم يضمن إن كان في الصلاة): سواء كانت الصلاة فرضا أو نفلا. ذكره شيخ الإسلام.
(وهذا)؛ أي: التفصيل الذي ذكرنا.
وكونه في غير الصلاة يضمن عندنا مطلقا، ليس بصحيح على إطلاقه؛ فإن شمس الأئمة ﵀ قال في جامعه: لو جلس لانتظار الصلاة لا يضمن؛ لقوله ﷺ : «المُنتَظِرُ للصَّلاةِ في الصَّلاةِ» (٣)، وإنما الخلاف فيمن جلس لعمل ليس له اختصاص بالمسجد؛ كدرس العلم، وقراءة القرآن.
стр. 7160
وَلَوْ كَانَ جَالِسًا لِقِرَاءَةِ القُرْآنِ، أَوْ لِلتَّعْلِيمِ، أَوْ لِلصَّلَاةِ، أَوْ نَامَ فِيهِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، أَوْ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، أَوْ مَرَّ فِيهِ مَارٌ، أَوْ قَعَدَ فِيهِ لِحَدِيثٍ، فَهُوَ عَلَى هَذَا الاخْتِلَافِ، وَأَمَّا المُعْتَكِفُ: فَقَدْ قِيلَ: عَلَى هَذَا الاخْتِلَافِ، وَقِيلَ: لَا يَضْمَنُ بالاتِّفَاقِ. لَهُمَا: أَنَّ المَسْجِدَ إِنَّمَا بُنِيَ لِلصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَلَا يُمْكِنُهُ أَدَاءُ الصَّلَاةِ
وفي الذخيرة: لو جلس للدرس، أو لقراءة القرآن، أو للذكر والتسبيح، أو للاعتكاف؛ لا رواية لهذا في الكتاب، واختلف المتأخرون:
قال أبو بكر الرازي: يضمن عنده.
وقال أبو بكر البلخي: إن جلس لقراءة القرآن، أو معتكفا في المسجد؛ لا يضمن بالإجماع.
وذكر فخر الإسلام، والصدر الشهيد: لو جلس للحديث؛ يضمن بالإجماع؛ لأنه غير مباح له.
وفي النهاية: فعلى هذا، ما ذكره في المتن: (ولو كان جالسًا لقراءة القرآن أو للتعليم أو للصلاة إلى [قوله] (١) فهو على هذا الخلاف) مخالف لهذه الروايات، والله أعلم بصحته.
أجيب: يمكن أن يكون مختار صاحب الكتاب مختار أبي بكر الرازي. ولكن فيه بعد كما ترى. وبقولهما: قالت الأئمة الثلاثة.
قوله: (وله)؛ أي: لأبي حنيفة (بني للصلاة) إلى آخره.
فإن قيل: المسجد كما بُنِيَ للصلاة بُنِي لذكر الله تعالى وتسبيحه، وللاعتكاف، قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور: ٣٦]، وقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤]، وقال تعالى: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فيجب أن يكون في القعود لهذه الأشياء لا يضمن، كما لو كان في الصلاة.
قلنا: الآيات تدل على إباحة هذه الأشياء، ويكون مأجورا لو فعل هذه الأشياء فيه مباحًا وقربة. وقلنا: كونه مباحًا للثواب وقربة لا ينافي الغرامة، كما قلنا في الوقوف على الطريق لدفع الأذى عن الطريق، أو لدفع الظلم، أما
стр. 7161
بِالجَمَاعَةِ إِلَّا بِانْتِظَارِهَا، فَكَانَ الجُلُوسُ فِيهِ مُبَاحًا، لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَاتِ الصَّلَاةِ، أَوْ لأَنَّ المُنْتَظِرَ لِلصَّلَاةِ فِي الصَّلَاةِ حُكْمًا بِالحَدِيثِ، فَلا يَضْمَنُ كَمَا إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ.
وَلَهُ: أَنَّ المَسْجِدَ إِنَّمَا بُنِيَ لِلصَّلَاةِ، وَهَذِهِ الأَشْيَاءُ مُلْحَقَةٌ بِهَا، فَلَا بُدَّ مِنْ إظْهَارِ التَّفَاوُتِ، فَجَعَلْنَا الجُلُوسَ لِلْأَصْلِ مُبَاحًا مُطْلَقًا، وَالجُلُوسَ لِمَا يُلْحَقُ بِهِ مُبَاحًا مُقَيَّدًا بِشَرْطِ السَّلَامَةِ، وَلَا غَرْوَ أَنْ يَكُونَ الفِعْلُ مُبَاحًا، أَوْ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ كَالرَّمْيِ إِلَى الكَافِرِ، أَوْ إِلَى الصَّيْدِ، وَالمَشْيِ فِي الطَّرِيقِ،
المسجد بني للصلاة قصدًا بدليل شرعي وعرفي ولغوي. أما الشرعي؛ فإنه للمصلي أن يزعج القاعد عن موضعه حتى يصلي فيه، وإن كان القاعد مشتغلا بالذكر والتدريس والقراءة والاعتكاف. أما لو كان أحد يصلي فيه؛ ليس لغيره أن يزعج السابق عن مكانه.
وأما العرفي فظاهر؛ فإن الناس تعارفوا بناءه للصلاة لا لغيرها.
وأما اللغوي؛ فهو أنه سمي مسجدا، والمسجد موضع السجود؛ أي: السجود في الصلاة، ولهذا لا تجوز الصلاة في غير المسجد قبل شريعتنا. إليه أشار في الذخيرة، وجامع شمس الأئمة.
(فجعلنا الجلوس للأصل) وهو الصلاة (مباحًا مطلقًا)؛ أي: غير مقيد بشرط السلامة.
فإن قيل: هذه القاعدة منقوضة على أهله؛ لأن عنده لا تفاوت بين الأصل والفرع، كما في سعي الجمعة مع الجمعة، فإن بها ينتقض الظهر.
قلنا: الانتقاض ثمة لا لعدم التفاوت بين الأصل والفرع، بل باعتبار قصد الارتفاض في محل يقبله، فيرتفضه ضرورة. كذا قيل.
قوله: (ولا غرو)؛ أي: لا عجب. قال قائل (١):
لا غرو إن أحرَقَتْ نارُ الهَوَى كَبِدِي … فَالنّارُ حَقُّ عَلَى مَنْ يَعبُدُ الوَثَنا
стр. 7162
وَالمَشْيِ فِي المَسْجِدِ إِذَا وَطِئَ غَيْرَهُ وَالنَّوْمِ فِيهِ إِذَا انْقَلَبَ عَلَى غَيْرِهِ (وَإِنْ جَلَسَ رَجُلٌ مِنْ غَيْرِ العَشِيرَةِ فِيهِ لِلصَّلَاةِ، فَتَعَقَّلَ بِهِ إِنْسَانٌ، يَنْبَغِي أَنْ لَا يَضْمَنَ) لِأَنَّ المَسْجِدَ بُنِيَ لِلصَّلَاةِ، وَأَمْرُ الصَّلَاةِ بِالجَمَاعَةِ إِنْ كَانَ مُفَوَّضًا إِلَى أَهْلِ المَسْجِدِ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ المُسْلِمِينَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ وَحْدَهُ.
فَصْلٌ فِي الحَائِطِ المَائِلِ
قَالَ: (وَإِذَا مَالَ الحَائِطُ إِلَى طَرِيقِ المُسْلِمِينَ، فَطُولِبَ صَاحِبُهُ بِنَقْضِهِ، وَأُشْهِدَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَنْقُضْهُ فِي مُدَّةٍ يَقْدِرُ عَلَى نَقْضِهِ حَتَّى سَقَطَ، ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ مِنْ نَفْسٍ، أَوْ مَالٍ) وَالقِيَاسُ: أَنْ لَا يَضْمَنَ، لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ مِنْهُ مُبَاشَرَةٌ، وَالمُبَاشَرَةُ شَرْطٌ هُوَ مُتَعَدٍّ فِيهِ، لِأَنَّ أَصْلَ البِنَاءِ كَانَ فِي مِلْكِهِ، وَالمَيَلَانُ وَشَغْلُ الهَوَاءِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ، فَصَارَ كَمَا قَبْلَ الإِشْهَادِ. وَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ: أَنَّ الحَائِطَ لَمَّا مَالَ إِلَى الطَّرِيقِ فَقَدْ اشْتَمَلَ هَوَاءَ طَرِيقِ المُسْلِمِينَ بِمِلْكِهِ، وَرَفْعُهُ فِي يَدِهِ، فَإِذَا تُقُدِّمَ إِلَيْهِ وَطُولِبَ بِتَفْرِيغِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ، فَإِذَا امْتَنَعَ صَارَ مُتَعَدِّيًا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَقَعَ ثَوْبُ إِنْسَانٍ فِي حِجْرِهِ، يَصِيرُ مُتَعَدِّيًا بِالامْتِنَاعِ عَنْ التَّسْلِيمِ إِذَا طُولِبَ بِهِ كَذَا هَذَا، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الإِشْهَادِ، لِأَنَّهُ
فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الْحَائِطِ الْمَائِلِ
من حق هذا الفصل أن يؤخر من مسائل جميع الحيوانات؛ لأنه جماد، والجماد مؤخر عن الحيوان، إلا أنه ذكره هاهنا لمناسبة؛ وهو أن الحائط يناسب الجرصن والروشن والجناح وغيرها، فألحقه بها.
قوله: (والقياس أن لا يضمن): وبه قال الشافعي وأحمد في المنصوص منه، كما لو لم يطالب به؛ لأنه بناه في ملكه ولا تعدي منه.
(وجه الاستحسان): وبه قال مالك، والنخعي، والثوري، وغيرهم من أئمة التابعين؛ كشريح، والشعبي، وروي ذلك عن علي.
وفي المغني لابن قدامة: قال أصحابنا: يضمن، وإليه أومأ أحمد (١).
قوله: (بخلاف ما قبل الإشهاد)؛ فإنه لا يضمن بالإجماع.
стр. 7163
بِمَنْزِلَةِ هَلَاكِ الثَّوْبِ قَبْلَ الطَّلَبِ، وَلِأَنَّا لَوْ لَمْ نُوجِبْ عَلَيْهِ الضَّمَانَ يَمْتَنِعُ عَنْ التَّفْرِيغِ، فَيَنْقَطِعُ المَارَّةُ حَذَرًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَيَتَضَرَّرُونَ بِهِ، وَدَفْعُ الضَّرَرِ العَامُ مِنْ الوَاجِبِ، وَلَهُ تَعَلُّقٌ بِالحَائِطِ، فَيَتَعَيَّنُ لِدَفْعِ هَذَا الضَّرَرِ، وَكَمْ مِنْ ضَرَرٍ خَاصٌ يُتَحَمَّلُ لِدَفْعِ العَامُ مِنْهُ، ثُمَّ فِيمَا تَلِفَ بِهِ مِنْ النُّفُوسِ تَجِبُ الدِّيَةُ، وَتَتَحَمَّلُهَا العَاقِلَةُ، لِأَنَّهُ فِي كَوْنِهِ جِنَايَةٌ دُونَ الخَطَأ، فَيُسْتَحَقُّ فِيهِ التَّخْفِيفُ بِالطَّرِيقِ الأُولَى، كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إِلَى اسْتِنْصَالِهِ وَالإِجْحَافِ بِهِ، وَمَا تَلِفَ بِهِ مِنْ الأَمْوَالِ كَالدَّوَابِّ وَالعُرُوضِ يَجِبُ ضَمَانُهَا فِي مَالِهِ، لِأَنَّ العَوَاقِلَ لَا تَعْقِلُ المَالَ، وَالشَّرْطُ التَّقَدُّمُ إِلَيْهِ، وَطَلَبُ النَّقْضِ
وعن بعض أصحاب أحمد وجهًا: أنه يضمن قبل الإشهاد أيضًا، وبه قال ابن أبي ليلى، وأبو ثور، وإسحاق؛ لأنه متعد بتركه مائلا، فيضمن ما تلف به، كما لو بناه مائلا ابتداء.
قوله: (فإذا تُقُدِّمَ) على بناء المفعول، بدليل قوله: (وطُولِبَ) بالعطف عليه؛ أي: فإذا أُوذِنَ وأخبر أن حائطه مائل.
قوله: (وكم من ضرر خاص يتحمل لدفع العام منه) كما في الرمي (١) على الكفار وإن تترسوا بصبيان المسلمين، ومصانعة الوصي في مال اليتيم، وقطع عضو الأكلة عند خوف الهلاك.
قوله: (وتتحملها العاقلة): ولا يعلم فيه خلاف.
قال محمد ﵀: العاقلة لا تضمن حتى يشهد الشهود على ثلاثة أشياء: على التقدم إليه في النقض، وعلى أنه مات من سقوطه عليه، وعلى أن الدار له؛ لأن كون الدار في يده ظاهرا، والظاهر لا يستحق به على الغير. كذا في شرح الأقطع.
(والشرط التقدم إليه): وتفسير التقدم: أن يقول صاحب الحق لصاحب الحائط: إن حائطك هذا مخوف، أو يقول: مائل، فانقضه حتى لا يسقط ولا يتلف شيئًا.
стр. 7164
مِنْهُ دُونَ الإِشْهَادِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ الإِشْهَادُ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ إِثْبَاتِهِ عِنْدَ إِنْكَارِهِ، فَكَانَ مِنْ بَابِ الاحْتِيَاطِ. وَصُورَةُ الإِشْهَادِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ تَقَدَّمْتَ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي هَدْمِ حَائِطِهِ هَذَا، وَلَا يَصِحُ الإِشْهَادُ قَبْلَ أَنْ يَهِيَ الحَائِطُ لِانْعِدَامِ التَّعَدِّي.
قَالَ: (وَلَوْ بَنَى الحَائِطَ مَائِلًا فِي الابْتِدَاءِ، قَالُوا: يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِسُقُوطِهِ مِنْ غَيْرِ إِشْهَادٍ)
وفي المنتقى: إذا قال له: اهدم حائطك فإنه مائل؛ فهذا إشهاد عليه. ولو قال له: ينبغي أن تهدمه؛ فهذا ليس بإشهاد، بل هو مشهود.
ويشترط لصحة التقدم أن يكون التقدم إلى من له ولاية التفريغ، حتى لو تقدم إلى من يسكن بإجارة أو بإعارة تسقط بعد ذلك؛ لا ضمان على أحد. أما على المستأجر والمستعير؛ لعدم صحة التقدم إليهما. وأما على المالك؛ فلأنه لم يتقدم إليه.
وبعد صحة التقدم، يشترط لوجوب الضمان؛ دوام القدرة على التفريع إلى زمان السقوط، والتقدم إلى صاحب الحائط تقدم في نقضه، حتى لو سقط الحائط بعد التقدم، وعثر إنسان بنقضه فمات؛ فديته على صاحب الحائط، وهو قول محمد، وهو الصحيح، خلافًا لأبي يوسف فيما رواه أصحاب الأمالي. كذا في الذخيرة.
(فكان) الإشهاد (من باب الاحتياط)؛ ولهذا لو اعترف صاحبه أنه طولب بنقضه؛ وجب عليه الضمان وإن لم يشهد عليه. ذكره في التحفة.
قوله: (قبل أن يَهِيَ)؛ [أي:] (١) يميل (الحائط).
قوله: (قالوا)؛ أي: العلماء (يضمن ما تلف بسقوطه من غير إشهاد) ولا يعلم فيه خلاف؛ لأن هذه الشهادة ليست على القتل، بل على المال؛ لأن الثابت بالتقدم المال لا القتل، وكل سبب يوجب المال يثبت بشهادة النساء مع الرجال. كذا في المبسوط.
стр. 7165
لِأَنَّ البِنَاءَ تَعَدُّ ابْتِدَاءً كَمَا فِي إِشْرَاعِ الجَنَاحِ. قَالَ: (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ عَلَى التَّقَدُّمِ) لِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِشَهَادَةٍ عَلَى القَتْلِ، وَشَرْطُ التَّرْكِ فِي مُدَّةٍ يَقْدِرُ عَلَى نَقْضِهِ فِيهَا، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِمْكَانِ النَّقْضِ لِيَصِيرَ بِتَرْكِهِ جَانِيَا، وَيَسْتَوِي أَنْ يُطَالِبَهُ بِنَقْضِهِ مُسْلِمٌ، أَوْ ذِمِّيٌّ، لِأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ شُرَكَاءُ فِي المُرُورِ، فَيَصِحُ التَّقَدُّمُ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةٌ حُرًّا كَانَ أَوْ مُكَاتَبًا، وَيَصِحُ التَّقَدُّمُ إِلَيْهِ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ مُطَالَبَةٌ بِالتَّفْرِيغِ فَيَتَفَرَّدُ كُلُّ صَاحِبِ حَقٌّ بِهِ.
قَالَ: (وَإِنْ مَالَ إِلَى دَارِ رَجُلٍ، فَالمُطَالَبَةُ إِلَى مَالِكِ الدَّارِ خَاصَّةً) لِأَنَّ الحَقَّ لَهُ عَلَى الخُصُوصِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا سُكَانٌ، لَهُمْ أَنْ يُطَالِبُوهُ، لِأَنَّ لَهُمْ المُطَالَبَةَ بِإِزَالَةِ مَا شَغَلَ الدَّارَ، فَكَذَا بِإِزَالَةِ مَا شَغَلَ هَوَاءَهَا، وَلَوْ أَجَّلَهُ صَاحِبُ الدَّارِ، أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهَا، أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ سَاكِنُوهَا، فَذَلِكَ جَائِرٌ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا تَلِفَ بِالحَائِطِ، لِأَنَّ الحَقَّ
قوله: (وشرط الترك في مدة) إلى آخره وفي الذخيرة: لو شهد على صاحب الحائط، فسأل صاحب الحائط من القاضي أن يؤجله يومين أو ثلاثة، أو ما أشبه ذلك، ففعل القاضي، ثم سقط؛ كان الضمان على صاحب الحائط؛ لأن التأجيل لم يصح؛ لأن الحق لصاحب الدار لا للقاضي، فصار وجود تأجيله وعدمه بمنزلة.
ولو كان التأجيل من صاحب الدار؛ لم يجب الضمان لصحة التأجيل؛ لصدوره من صاحب الحق.
ولو كان حائطه مائلا إلى الطريق الأعظم، وطلب صاحبه التأجيل من القاضي، ثم سقط؛ فلا يسقط الضمان عنه؛ لأن الحق لعامة المسلمين، وتصرف القاضي في حق العامة إنما ينفذ فيما لهم نفع، لا فيما لهم مضرة، فكان التأجيل وعدمه بمنزلة.
قوله: (بنقضه مسلم أو ذمي): ولا يعلم فيه خلاف.
وفي شرح الأقطع: وكذا لو طالبه صبي، أو رجل غريب من بلد آخر؛ لاستوائهم في حق المرور في الطريق.
وفي شرح الطحاوي: يستوي فيه المسلم والذمي بعد أن كان حرًا عاقلا بالغا، أو كان صغيرًا أذن له وليه بالخصومة، أو كان عبدا أذن له مولاه
стр. 7166
لَهُمْ، بِخِلَافِ مَا إِذَا مَالَ إِلَى الطَّرِيقِ فَأَجَلَهُ القَاضِي أَوْ مَنْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ، حَيْثُ لَا يَصِحُ، لِأَنَّ الحَقَّ لِجَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ إِلَيْهِمَا إِبْطَالُ حَقِّهِمْ.
وَلَوْ بَاعَ الدَّارَ بَعْدَمَا أَشْهَدَ عَلَيْهِ، وَقَبَضَهَا المُشْتَرِي، بَرِئَ مِنْ ضَمَانِهِ، لِأَنَّ الجِنَايَةَ بِتَرْكِ الهَدْمِ مَعَ تَمَكَّنِهِ، وَقَدْ زَالَ تَمَكَّنُهُ بِالبَيْعِ، بِخِلَافِ إِشْرَاعِ الجَنَاحِ، لِأَنَّهُ كَانَ جَانِيًا بِالوَضْعِ وَلَمْ يَنْفَسِخْ بِالبَيْعِ، فَلَا يَبْرَأُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَلَا ضَمَانَ عَلَى المُشْتَرِي، لِأَنَّهُ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ بَعْدَ شِرَائِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِتَرْكِهِ التَّفْرِيغَ مَعَ تَمَكَّنِهِ بَعْدَمَا طُولِبَ بِهِ، وَالأَصْلُ، أَنَّهُ يَصِحُ التَّقَدُّمُ إِلَى كُلِّ مَنْ يَتَمَكَّنُ مِنْ نَقْضِ الحَائِطِ وَتَفْرِيغِ الهَوَاءِ، وَمَنْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ لَا يَصِحُ التَّقَدُّمُ إِلَيْهِ كَالْمُرْتَهِنِ وَالْمُسْتَأْجِرِ وَالمُودَعِ وَسَاكِنِ الدَّارِ، وَيَصِحُ التَّقَدُّمُ إِلَى الرَّاهِنِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ بِوَاسِطَةِ الفِكَاكِ وَإِلَى الوَصِيِّ وَإِلَى أَبِي اليَتِيمِ أَوْ أُمِّهِ فِي حَائِطِ الصَّبِيِّ لِقِيَامِ الوِلَايَةِ، وَذَكَرَ الأُمَّ فِي «الزِّيَادَاتِ» وَالضَّمَانَ فِي مَالِ اليَتِيمِ، لِأَنَّ فِعْلَ هَؤُلَاءِ كَفِعْلِهِ، وَإِلَى المُكَاتَبِ، لِأَنَّ
بالخصومة، ويصح التقدم إلى الراهن؛ لقدرته على الهدم بواسطة الفكاك.
قوله: (وإلى أبي اليتيم وأمه): المراد من اليتيم: الصبي؛ لاستحالة اليتم مع وجود الأب. هكذا ذكره في المبسوط.
(لأن فعل هؤلاء كفعله)؛ أي: فعل الأب والأم والوصي كفعل الصبي؛ لأن هؤلاء يقومون مقام الصبي، ويملكون هدم الحائط، وكان التقدم إليهم كالتقدم إلى الصبي بعد بلوغه، ثم هم في ترك الهدم يعملون للصبي وينظرون له، فكان الضمان على الصبي دونهم كذا في المبسوط (١)، ولا يعلم [فيه] (٢) خلاف.
فإن قيل: جاء التفريط في النقض من الأب أو الوصي (٣) مع الإمكان، فكان قاصدًا إلحاق الضرر بالصغير، ينبغي أن يجب الضمان على الوصي.
стр. 7167
الوِلَايَةَ لَهُ، وَإِلَى العَبْدِ التَّاجِرِ سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لِأَنَّ وِلَايَةَ النَّقْضِ لَهُ، ثُمَّ التَّلَفُ بِالسُّقُوطِ إِنْ كَانَ مَالاً، فَهُوَ فِي عُنُقِ العَبْدِ، وَإِنْ كَانَ نَفْسًا: فَهُوَ عَلَى عَاقِلَةِ المَوْلَى، لِأَنَّ الإِشْهَادَ مِنْ وَجْهِ عَلَى المَوْلَى، وَضَمَانُ المَالِ أَلْيَقُ بِالعَبْدِ، وَضَمَانُ النَّفْسِ بِالمَوْلَى،
قلنا: نعم كذلك، إلا أن في تفريطه في النقض نوع مضرة للصغير، باعتبار وجوب الضمان عليه عند السقوط، ونوع مصلحة للصغير؛ من حيث إنه يحتاج إلى أن يبنى ثانيًا من ماله، إلا أن جانب المصلحة راجح على جانب المضرة في التفريط؛ لأن ما يلزمه من المؤنة في النقض والبناء ثانيًا من ماله متيقن، وما يلحقه من الضمان على تقدير السقوط موهوم؛ لأنه يحتمل أن لا يسقط، ولو سقط يحتمل أن لا يهلك به شيء، والموهوم لا يعارض المتيقن.
فإن قيل: لو كان التقدم على الوصي أو الأب كالتقدم على الصبي، ينبغي ألا يهدر دم القتيل فيما إذا سقط الحائط بعد بلوغ الصبي وحيث يهدر.
قلنا: التقدم على الوصي أو الأب ليس بتقدم إلى الصغير حقيقة، بل جعل كالتقدم إليه لقيام ولايتهما، فما دامت ولايتهما باقية؛ يبقى حكم ذلك التقدم في حقه، وبالبلوغ زال ولايتهما، فبطل حكم ذلك التقدم، ولم يوجد التقدم في حق الصغير، فيهدر دم القتيل. هذا كله مما أشار إليه في الذخيرة.
قوله: (في عنق العبد): حتى يباع فيه كديون التجارة. والقياس: أن يكون على المولى، كضمان النفس.
وفي الاستحسان: العبد التاجر في التزام المال كالحر؛ لأنه منفك الحجر في اكتساب سبب ذلك، وفي التزام ضمان الجناية على النفس كالمحجور عليه؛ لأنه فك الحجر بالإذن لم يتناول ذلك، فكان الضمان على عاقلة المولى. كذا في المبسوط (١).
قوله: (لأن الإشهاد من وجه على المولى).
стр. 7168
وَيَصِحُّ التَّقَدُّمُ إِلَى أَحَدِ الوَرَثَةِ فِي نَصِيبِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ نَقْضِ الحَائِطِ وَحْدَهُ، لِتَمَكُّنِهِ مِنْ إِصْلَاحِ نَصِيبِهِ بِطَرِيقِهِ، وَهُوَ المُرَافَعَةُ إِلَى القَاضِي.
(وَلَوْ سَقَطَ الحَائِطُ المَائِلُ عَلَى إِنْسَانِ بَعْدَ الإِشْهَادِ فَقَتَلَهُ، فَتَعَثَّرَ بِالقَتِيلِ غَيْرُهُ، فَعَطِبَ، لَا يَضْمَنُهُ) لِأَنَّ التَّفْرِيغَ عَنْهُ إِلَى الأَوْلِيَاءِ لَا إِلَيْهِ (وَإِنْ عَطِبَ بِالنَّقْضِ ضَمِنَهُ)
فإن قيل: إذا لم يكن على العبد دين فظاهر؛ لأن الملك للمولى في الحائط المائل، فيجعل الإشهاد على العبد بمنزلة الإشهاد على المولى، أما إذا كان عليه دين، فالمولى لا يملك أكسابه عند أبي حنيفة، فكيف يجعل الإشهاد عليه إشهادًا على المولى، حتى وجب ضمان النفس على عاقلة المولى.
قلنا: نعم كذلك، إلا أن المولى أحق باستخلاصه لنفسه، فيجعل في حكم الجناية كأن المولى يملكه؛ ألا ترى أن القتيل إذا وجد في دار العبد؛ كانت القسامة والدية على عاقلة المولى، فكذلك هاهنا ضمان الدية على عاقلة المولى. إليه أشار في المبسوط (١). وفيه نوع تأمل.
قوله: (لتمكنه من إصلاح نصيبه) إلى آخره في المبسوط: هذا جواب الاستحسان، وبه قال أحمد في وجه.
وفي القياس: لا يضمن واحد من الورثة الذي تقدم إليه؛ لعدم تمكنه من نقضه، فلم يفد التقدم فائدته، وأما غيره من الورثة؛ فلعدم التقدم إليهم، وبه قال أحمد في وجه.
وفي الاستحسان: يضمن نصيبه؛ لأنه كان متمكنا من أن يطلب شريكه ليجتمعوا على هدمه؛ وهذا لأن الإشهاد على جماعتهم متعذر عادة، فلو لم يصح الإشهاد على بعضهم في نصيبه؛ أدى إلى الضرر وهو مدفوع.
قوله: (لا يضمنه)؛ أي: صاحب الحائط لا يضمن القتيل الثاني (لأن التفريغ عنه)؛ أي: تفريغ الطريق عن القتيل مفوض إلى أوليائه؛ لأنهم هم الذين يتولون دفن ميتهم بخلاف شرع (٢) الجناح والمسألة بحالها؛ حيث يضمن شرع
стр. 7169
لِأَنَّ التَّفْرِيغَ إِلَيْهِ، إذ النَّقْضُ مِلْكُهُ، وَالإِشْهَادُ عَلَى الحَائِطِ إِشْهَادُ عَلَى النَّقْضِ، لِأَنَّ المَقْصُودَ امْتِنَاعُ الشَّغْلِ (وَلَوْ عَطِبَ بِجَرَّةِ كَانَتْ عَلَى الحَائِطِ فَسَقَطَتْ بِسُقُوطِهِ وَهِيَ مِلْكُهُ: ضَمِنَهُ) لِأَنَّ التَّفْرِيغَ إِلَيْهِ (وَإِنْ كَانَ مِلْكَ غَيْرِهِ: لَا يَضْمَنُهُ) لِأَنَّ التَّفْرِيغَ إِلَى
الجناح دية القتيلين (١)؛ لأن إشراع الجناح نفسه جناية؛ لأنه يستغل به هواء (٢) طريق المسلمين، وإذا كان كذلك؛ فصار كأنه ألقاه بيده على القتيل، فصار حصول القتل في الطريق مضافًا إلى فعله، ومن ألقى شيئًا في الطريق كان ضامنًا لما عطب به، وإن لم يكن تفريغ الطريق عليه، فكذلك هاهنا.
أما الحائط، فبناء في ملكه وليس بجناية، وبعد ذلك لم يوجد منه فعل يصير به جانيًا، لكن جعل كالقاعد بترك النقض في الطريق مع القدرة على التفريغ، والترك مع القدرة وجد في حق النقض لا في حق القتيل؛ لأن تفريغه على أوليائه. كذا في الذخيرة.
قوله: (ولو عطب بجرة) إلى آخره في المبسوط وضع شيئًا على حائطه، فوقع ذلك الشيء فأصاب إنسانًا؛ فلا ضمان عليه فيه؛ لأنه وضعه في ملكه، فلا يكون متعديًا فيما يحدثه، سواء كان الحائط مائلا أو غير مائل؛ لأنه في الموضعين لا يكون ممنوعًا من وضع متاعه على ملكه. كذا في المبسوط (٣).
ولكن ذكر في المبسوط: سقوط الجرة فقط، وفي رواية الكتاب: ذكر سقوط الحائط مع سقوط الجرة.
(وإن كانت)؛ أي: الجرة.
وفي بعض النسخ: (وإن كان الجرة) على تأويل الشيء ملك غيره.
(لا يضمنه)؛ أي: صاحب الحائط، يعني: لو عثر إنسان على الجرة؛ لا يضمنه صاحب الحائط؛ لأن التفريغ إلى مالكها، ولا يضمن صاحب الجرة؛ لأنه لم يوجد الإشهاد عليه، حتى لو كانت الجرة لصاحب الحائط؛ يضمن لقدرته على رفعها كالنقض.
стр. 7170
مَالِكِهَا. قَالَ: (وَإِنْ كَانَ الحَائِطُ بَيْنَ خَمْسَةِ رِجَالٍ، أُشْهِدَ عَلَى أَحَدِهِمْ، فَقَتَلَ إِنْسَانًا: ضَمِنَ خُمُسَ الدِّيَةِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ، فَحَفَرَ أَحَدُهُمْ فِيهَا بِثْرًا، وَالحَفْرُ كَانَ بِغَيْرِ رِضَا الشَّرِيكَيْنِ الْآخَرِينَ، أَوْ بَنَى حَائِطًا فَعَطِبَ بِهِ إِنْسَانٌ، فَعَلَيْهِ ثُلُنَا الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ فِي الفَصْلَيْنِ) (*) لَهُمَا أَنَّ التَّلَفَ بِنَصِيبٍ مَنْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ مُعْتَبَرٌ، وَبِنَصِيبٍ مَنْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ هَدَرٌ، فَكَانَا قِسْمَيْنِ، فَانْقَسَمَ نِصْفَيْنِ كَمَا مَرَّ فِي عَقْرِ الأَسَدِ،
(فعليه)؛ أي: فعلى كل واحد من حافر البئر وباني الحائط بغير إذن الشريك (ثلثا الدية) عند أبي حنيفة.
(وقالا) أي: أبو يوسف ومحمد (عليه نصف الدية في الفصلين)؛ أي: فصل حائط مائل مشترك بين خمسة، وفصل دار بين ثلاثة نفر.
وقال أحمد: لو حفر أحدهم بغير إذن شريكه؛ أنه يضمن تمام ما تلف، وهو قياس مذهب الشافعي؛ لأنه متعد بالحفر فيضمن الواقع فيها، كما لو كانت في ملك غيره، والشركة أوجبت تعديه بجميع الحفر، فكان موجبا لجميع الضمان.
قوله: (بنصيب من أشهد عليه معتبر)؛ لأنه يصير جانيًا، وما تلف.
(بنصيب من لم يشهد عليه)؛ لعدم الإشهاد، فلما هدر البعض واعتبر البعض؛ جعلا قسمين.
(كما مر في عقر الأسد) إلى آخره؛ وهذا لأن حكم نصيب الشركاء في حقه واحد، فلا ينظر إلى تعدد الشركاء. ولا فرق بين أن يكون شريكه في الحائط المائل واحدًا أو جماعة. وكذلك في المسألة الثانية وهي الحفر، فباعتبار شريكه متعد في حقه، وصفة التعدي في حقه لا تختلف بقلة الشركاء وكثرتهم؛ فيلزمه نصف الضمان باعتبار التعدي من وجه دون وجه.
стр. 7171
وَنَهْشِ الحَيَّةِ وَجَرْحِ الرَّجُلِ. وَلَهُ: أَنَّ المَوْتَ حَصَلَ بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ الثَّقَلُ المُقَدَّرُ وَالعُمْقُ المُقَدَّرُ، لِأَنَّ أَصْلَ ذَلِكَ لَيْسَ بِعِلَّةٍ وَهُوَ القَلِيلُ، حَتَّى يُعْتَبَرَ كُلُّ جُزْءٍ عِلَّةً فَتَجْتَمِعُ العِلَلُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: يُضَافُ إِلَى العِلَّةِ الوَاحِدَةِ ثُمَّ تُقْسَمُ عَلَى أَرْبَابِهَا بِقَدْرِ المِلْكِ، بِخِلَافِ الجِرَاحَاتِ، فَإِنَّ كُلَّ جِرَاحَةِ عِلَّةٌ لِلتَّلَفِ بِنَفْسِهَا، صَغُرَتْ أَوْ كَبِرَتْ عَلَى مَا عُرِفَ، إِلَّا أَنَّ عِنْدَ المُزَاحِمَةِ أُضِيفَ إِلَى الكُلِّ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وأبو حنيفة ﵀ يقول: وجوب الضمان عليه في المسألة الأولى، وهي الحائط المائل باعتبار التلف الحاصل بثقل الحائط، وهي علة واحدة لاثقل بعضه؛ لأن وقوع الجزء اليسير ليس بمهلك (١)، ولو كان أجنبيا في الكل لا يصح الإشهاد عليه، فيصح الإشهاد بقدر ما ملك؛ اعتبارا للبعض بالكل. ولما كان الحائط بين خمسة، وجد من كل منهم ثقل بقدر ملكه، فيوزع الضمان على ذلك، ولهذا لو أشهد على الكل؛ فعلى كل واحد خمس الدية، فكذا هاهنا.
وقيل: جواب أبي حنيفة فيما مات بالثقل، وهما لا يخالفانه في ذلك، وجوابهما فيما إذا مات بسبب الجرح، بأن جرحه الحائط، وأبو حنيفة يوافقهما في ذلك.
وفي المسألة الثانية: الجزء معتبر بالكل. ولو كان جميع الموضع أحدث فيه مملوكًا لغيره؛ يضمن جميع ما تلف بسببه، فإذا كان قدر الثلثين مملوكًا لغيره؛ يضمن الثلثين؛ لما أن صفة التعدي في ذلك دون الثلث، ووجوب الضمان باعتباره. كذا في جامع شمس الأئمة وغيره.
وهذا معنى قوله: (وهو الثقل المقدر والعمق المقدر) والثقل في الحائط، والعمق في البئر.
(لأن أصل ذلك)؛ أي: أصل الثقل والعمق، أي: الثقل القليل والعمق القليل [ليس] (٢) بعلة للتلف.
стр. 7172
بَابُ جِنَايَةِ البَهِيمَةِ وَالجِنَايَةِ عَلَيْهَا
قَالَ: (الرَّاكِبُ ضَامِنٌ لِمَا أَوْطَأَتِ الدَّابَّةُ مَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا، أَوْ رِجْلِهَا، أَوْ
بَابُ جِنَايَةِ الْبَهِيمَةِ وَالْجِنَايَةِ عَلَيْهَا
لما فرغ عن بيان جناية أحكام الإنسان مباشرة وتسبيبًا؛ شرع في بيان أحكام جناية البهيمة، ولا شك في تقدم الإنسان على البهيمة.
الكدم: العض بمقدم الأسنان، كما يكدم الحمار. والخبط: الضرب باليد، والصدم هو الضرب بالجسد، ومنه: إذا قتل الكلب الصيد صدما لا يؤكل، واصطدم الفارسان؛ يعني: ضرب أحدهما الآخر بنفسه، ونفحت الدابة برجلها؛ ضربت بِحَدِّ حافرها. كذا في الصحاح (١)، والمغرب (٢).
اعلم: أن حياة الدابة لا تخلو عن ثلاثة أوجه: إما أن كان في ملك صاحبها، أو في ملك غيره؛ لا يضمن شيئًا إذا كانت الدابة سارت ولم يكن صاحبها معها. أما لو كان معها وهو راكبها أو قائدها أو سائقها، فإن كان راكبها؛ يضمن ما وطئت بيدها أو رجلها، ولا يضمن ما نفحت بيدها أو رجلها، أو ضربت بذنبها أو كدمت؛ لأن في الوجه الأول صاحب الدابة مباشر للإتلاف؛ لأن ثقله وثقل الدابة اتصل بالمتلف فكأنما وطئاه جميعا، ولهذا يجب على الراكب الكفارة بوطئها، ويحرم عن الميراث، والمباشر ضامن، سواء كان متعديًا أو لا.
أما إذا كان سائقا أو قائدًا فهو مسبب؛ لأنه لم يتصل ثقله بالمتلف، والمسبب إنما يضمن إذا كان متعديًا، وهو ليس بمتعد بتسيير الدابة في ملكه.
وأما لو كانت جنايتها في ملك غير صاحبها، فهذا على وجهين: إما أن أدخلها صاحبها بغير إذن المالك، أو دخلت بنفسها، وفي هذا الوجه لا ضمان على صاحبها، وفيما إذا أدخلها؛ يضمن صاحبها في الوجوه كلها، سواء كانت واقفة أو سائرة، وسواء كان معها صاحبها يسوقها أو يقودها، أو راكبا عليها،
стр. 7173
رَأْسَهَا، أَوْ كَدَمَتْ، أَوْ خَبَطَتْ، وَكَذَا إِذَا صَدَمَتْ، وَلَا يَضْمَنُ مَا نَفَحَتْ بِرِجْلِهَا،
أو لا يكون معها؛ لأن صاحب الدابة في بعضها مباشر، وفي بعضها مسبب متعد؛ إذ ليس له إيقاف الدابة وتسييرها في ملك الغير بغير إذن المالك.
وأما إذا كانت جناية الدابة في طريق المسلمين، أو أوقفها صاحبها؛ يضمن ما تلف بفعلها في الوجوه كلها؛ لأن بإيقاف الدابة على طريق المسلمين صار مسببا، وهو متعد في هذا، فليس له شغل طريق المسلمين بإيقافها فيه؛ لأن الطريق للسلوك والسير لا للإيقاف. وإن كانت سائرة ولم يكن صاحبها معها، فإن سارت بإرسال صاحبها؛ فصاحبها ضامن ما دام السير في وجهها ذلك لم تسر يمينا وشمالا؛ لأن إرسالها بلا حافظ يحفظها سَبَّبَ الإتلاف، وهو مُتعدّ فيه. ولو سارت بنفسها لا بتسيير صاحبها؛ فلا ضمان على صاحبها في الوجوه كلها، فإن كان صاحبها معها وهي تسير، فلو كان راكبها فما وطئت بيدها ورجلها، فصاحبها مباشر للتلف، وفيما كدمت فصاحبها مسبب متعد؛ لأنه يمكن حفظ الدابة عنه؛ إذ الكدم يكون بين عينيه، فيمكنه إبعاد الدابة عن المتلف. كذا في الذخيرة، وجامع المحبوبي.
وذكر التمرتاشي: لو كانت سائرة وصاحبها معها، قائدًا أو سائقا أو راكبًا؛ يضمن جميع ما جنت، إلا النفحة بالرجل أو الذَّنَبِ، وبه قال أحمد في رواية.
وعند الشافعي وأحمد في رواية: يضمنها أيضًا، وهو قول ابن أبي ليلى، وقاسه بالذي أوقف دابته فنفحت برجلها أو ذَنَبِها؛ لأن نفس الإيقاف مباح مقيد بشرط السلامة، فكذا تسييرها.
وقلنا: بنفس الإيقاف صار مسببًا كما ذكرنا، وبنفس التسيير لا يكون متعديا؛ لأن الطريق للسير والسلوك، ويصير متعديًا فيه فيما يمكنه أن يتحرز عنه، ولم يتحرز، ولا يمكنه التحرز عن النفحة بالرجل والذَّنَبِ. كذا في المبسوط (١).
وقال مالك: لا ضمان عليهما؛ لقوله ﷺ : «العَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ» (٢).
стр. 7174
أَوْ ذَنَبِهَا) وَالأَصْلُ: أَنَّ المُرُورَ فِي طَرِيقِ المُسْلِمِينَ مُبَاحٌ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ، لِأَنَّهُ يُتَصَرَّفُ فِي حَقِّهِ مِنْ وَجْهِ، وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ مِنْ وَجْهِ، لِكَوْنِهِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ كُلِّ النَّاسِ، فَقُلْنَا: بِالإِبَاحَةِ مُقَيَّدًا بِمَا ذَكَرْنَا، لِيَعْتَدِلَ النَّظَرُ مِنْ الجَانِبَيْنِ، ثُمَّ إِنَّمَا يَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ فِيمَا يُمْكِنُ الاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَلَا يَتَقَيَّدُ بِهَا فِيمَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ المَنْعِ عَنِ التَّصَرُّفِ وَسَدِّ بَابِهِ، وَهُوَ مَفْتُوحٌ، وَالِاحْتِرَازُ عَنِ الإِيطَاءِ وَمَا يُضَاهِيهِ
ولأنه جناية بهيمة، فلم يضمن كما لو لم يكن يده عليها.
ولنا: قوله ﵊: «الرّجلُ جُبار» (١) رواه أبو هريرة، وتخصيص الرجل دليل على وجوب الضمان بغيرها. ولأنه يمكنه حفظها عن الجناية، بخلاف من لا يد له عليها.
وقوله: (لأنه يتصرف في حقه من وجه) إلى آخره: جواب سؤال ذكره في الذخيرة مع جوابه؛ وهو أن له المرور في الطريق كما في ملكه، ولو مر في ملكه لا يضمن شيئًا، فينبغي أن يكون هاهنا كذلك. فأجاب بقوله: إنه يتصرف [من وجه] (٢) في حقه، وفي وجه في حق غيره، فعملنا بالشبهين، فقلنا: إذا كان مسببا للإتلاف بشيء يمكنه حفظ الدابة والتحرز منه؛ فيعتبر متعديًا، وإذا كان شيئًا لا يمكنه التحرز؛ لا يعتبر فيه متعديا نظرا للجانبين.
قوله: (لما فيه)؛ أي: في التقييد بشرط السلامة فيما لا يمكن الاحتراز عنه (المنع من التصرف وسد باب التصرف)؛ لأنا لو شرطنا عليه السلامة فيه، تعذر عليه استيفاء حقه من المشي والسير على الدابة، مخافة أن يبتلى بما لا يمكن الاحتراز عنه، فينسد عليه باب الانتفاع بحقه. أما فيما يمكن الاحتراز عنه، لو شرطنا عليه صفة السلامة؛ لا يمتنع استيفاء حقه، وإنما يلزمه نوع احتياط في استيفاء حقه.
стр. 7175
مُمْكِنُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَاتِ التَّيْسِيرِ، فَقَيَّدْنَاهُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ عَنْهُ، وَالنَّفْحَةُ بِالرِّجْلِ وَالذَّنَبِ لَيْسَ يُمْكِنُهُ الاحْتِرَازُ عَنْهُ مَعَ السَّيْرِ عَلَى الدَّابَّةِ، فَلَمْ يَتَقَيَّدْ بِهِ (فَإِنْ أَوْقَفَهَا فِي الطَّرِيقِ، ضَمِنَ النَّفْحَةَ أَيْضًا) لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْ الإِيقَافِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنُهُ عَنِ النَّفْحَةِ فَصَارَ مُتَعَدِّيًا فِي الإِيقَافِ وَشَغْلِ الطَّرِيقِ بِهِ فَيَضْمَنُهُ.
قَالَ: (وَإِنْ أَصَابَتْ بِيَدِهَا، أَوْ بِرِجْلِهَا حَصَاةً، أَوْ نَوَاةً، أَوْ أَثَارَتْ غُبَارًا، أَوْ حَجَرًا صَغِيرًا، فَفَقَأَ عَيْنَ إِنْسَانٍ، أَوْ أَفْسَدَ ثَوْبَهُ، لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ كَانَ حَجَرًا كَبِيرًا، ضَمِنَ) لِأَنَّهُ فِي الوَجْهِ الأَوَّلِ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، إِذْ سَيْرُ الدَّوَابِّ لَا يَعْرَى عَنْهُ، وَفِي الثَّانِي مُمْكِنُ، لِأَنَّهُ يَنْفَكُ عَنْ السَّيْرِ عَادَةً، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِتَعْنِيفِ الرَّاكِبِ، وَالمُرْتَدِفُ فِيمَا ذَكَرْنَا كَالرَّاكِبِ،
قوله: (والنفحة بالرجل والذنب ليس يمكنه الاحتراز عنه في السير)؛ لأن وجه الراكب أمام الدابة لا خلفها.
قوله: (أوقفها): وحقه أن يقال: (وقفها)؛ لأن (وقف) فعل متعد؛ لأن
قولك: (وقف وقفا) متعد، (ووقف وقوفًا) لازم.
وفي المغرب: لا يقال: (أوقف) إلا في لغة رديئة (١).
قوله: (وفي الثاني ممكن)؛ لأن الحجر الكبير لا يكون مستورا متواريا، فيمكنه أن يبصره بعينه، ويسوق الدابة إلى جانب آخر لا حصاة فيه، فإن لم يفعل ضمن.
(أو ذلك)؛ أي: إثارة الحجر الكبير (بتعنيف الراكب) فيكون ذلك بفعله.
قوله: (والمرتدف)؛ أي: الرديف (فيما ذكرنا كالراكب) وبه قال مالك.
وقال الشافعي، وإسحاق: لا يضمن الرديف؛ لأنه تبع للراكب.
وقال أحمد: أرجو أن لا شيء عليه إذا كان أمامه من يمسك العنان.
وقلنا: الدابة في أيديهما، ويُسَيِّرانِهِ ويُصَرِّفانِهِ كيف شاءا، وهذا مروي عن شريح، وتجب الكفارة عليهما؛ لأنهما مباشران بخلاف القائد والسائق. كذا
стр. 7176
لِأَنَّ المَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ. قَالَ: (فَإِنْ رَاثَتْ أَوْ بَالَتْ فِي الطَّرِيقِ، وَهِيَ تَسِيرُ، فَعَطِبَ بِهِ إِنْسَانٌ، لَمْ يَضْمَنْ) لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَاتِ السَّيْرِ، فَلَا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ (وَكَذَا إِذَا أَوْقَفَهَا لِذَلِكَ) لِأَنَّ مِنْ الدَّوَابٌ مَا لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا بِالإِيقَافِ، وَإِنْ أَوْقَفَهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ فَعَطِبَ إِنْسَانُ بِرَوْثِهَا، أَوْ بَوْلِهَا، ضَمِنَ، لِأَنَّهُ مُتَعَدِّ فِي هَذَا الإِيقَافِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَاتِ السَّيْرِ، ثُمَّ هُوَ أَكْثَرُ ضَرَرًا بِالمَارَّةِ مِنْ السَّيْرِ، لِمَا أَنَّهُ أَدْوَمُ مِنْهُ، فَلَا يَلْحَقُ بِهِ (وَالسَّائِقُ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا، أَوْ رِجْلِهَا، وَالقَائِدُ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا دُونَ رِجْلِهَا) وَالمُرَادُ: النَّفْحَةُ. قَالَ ﵁: هَكَذَا ذَكَرَهُ القُدُورِيُّ فِي «مُخْتَصَرِهِ»، وَإِلَيْهِ مَالَ بَعْضُ المَشَايِخِ.
وَوَجْهُهُ: أَنَّ النَّفْحَةَ بِمَرْأَى عَيْنِ السَّائِقِ، فَيُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَغَائِبٌ عَنْ بَصَرِ القَائِدِ، فَلَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، وَقَالَ أَكْثَرُ المَشَايِخِ: إِنَّ السَّائِقَ لَا يَضْمَنُ
في المبسوط (١).
قوله: (لأنه مُتَعدِّ في هذا الإيقاف؛ لأنه ليس من ضرورات السير، والإيقاف أدوم ضررًا من السير)، فلا يلحق بالسير والأئمة الثلاثة لا يفرقون، ويوجبون الضمان بالبول والروث في الطريق مطلقا؛ لأنه تلف حصل من جهة دابته التي يده عليها، فأشبه ما لو جنت بيدها أو فمها.
قال ابن قدامة: وقياس المذهب أن لا يضمن ما تلف بذلك؛ لأنه لا يد له على ذلك، ولا يمكن التحرز عنه، كما لو أتلفت برجلها.
قوله: (والمراد النفحة)؛ أي: من قوله: (لما أصابت بيدها دون رجلها).
وإنما فسره؛ لأنه يجوز أن يراد بقوله: (لما أصاب بيدها أو رجلها) الوطء، وقد ذكرنا أنه يضمن فيه السائق والقائد من غير خلاف، والخلاف في النفحة ففسره.
قوله: (مال بعض المشايخ)؛ أي: مشايخ العراق.
(وقال أكثر المشايخ)؛ أي مشايخ ديارنا. ذكره في الذخيرة.
стр. 7177
النَّفْحَةَ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ يَرَاهَا، إِذْ لَيْسَ عَلَى رِجْلِهَا مَا يَمْنَعُهَا بِهِ، فَلَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، بِخِلَافِ الكَلْمِ، لِإِمْكَانِهِ كَبْحَهَا بِلِجَامِهَا، وَبِهَذَا يَنْطِقُ أَكْثَرُ النُّسَخِ، وَهُوَ الأَصَحُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَضْمَنُونَ النَّفْحَةَ كُلُّهُمْ، لِأَنَّ فِعْلَهَا مُضَافٌ إِلَيْهِمْ، وَالحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَقَوْلُهُ ﵊: (الرِّجْلُ جُبَارٌ) وَمَعْنَاهُ: النَّفْحَةُ بِالرِّجْلِ، وَانْتِقَالُ الفِعْلِ بِتَخْوِيفِ القَتْلِ كَمَا فِي المُكْرَهِ، وَهَذَا تَحْوِيفٌ بِالضَّرْبِ. قَالَ: (وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَكُلُّ شَيْءٍ ضَمِنَهُ الرَّاكِبُ ضَمِنَهُ السَّائِقُ وَالقَائِدُ) لِأَنَّهُمَا مُسَبَانِ بِمُبَاشَرَتِهِمَا شَرْطَ التَّلَفِ، وَهُوَ تَقْرِيبُ الدَّابَّةِ إِلَى مَكَانِ الجِنَايَةِ، فَيَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ فِيمَا يُمْكِنُ الاحْتِرَازُ عَنْهُ كَالرَّاكِبِ (إِلَّا أَنَّ عَلَى الرَّاكِبِ الكَفَّارَةَ) فِيمَا أَوْطَاتُهُ الدَّابَّةُ بِيَدِهَا أَوْ بِرِجْلِهَا (وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا) وَلَا عَلَى الرَّاكِبِ فِيمَا وَرَاءَ الإِيْطَاءِ، لِأَنَّ الرَّاكِبَ مُبَاشِرٌ فِيهِ، لِأَنَّ التَّلَفَ بِثِقَلِهِ، وَثِقَلُ الدَّابَّةِ تَبَعٌ لَهُ، لِأَنَّ سَيْرَ الدَّابَّةِ مُضَافُ إِلَيْهِ، وَهِيَ آلَةٌ لَهُ، وَهُمَا مُسَبَّبَانِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَّصِلُ مِنْهُمَا إِلَى المَحَلِّ
يقال: كبح الدابة بلجامها؛ هو أن يجذبها إلى نفسه لتقف.
(وقال الشافعي: يضمنون النفحة): وهو قول مالك، وأحمد، وابن أبي ليلى، كما ذكرنا.
(وقوله ﵊ معطوف على (ما ذكرناه)؛ أي: والحجة عليه قوله ﷺ : «الرّجلُ جبار» (١) أي: هدر.
وقوله: (وانتقال الفعل) إلى آخره جواب عما قال الشافعي: إن فعلها مضاف إليهم كما في الإكراه، فقال: الإضافة والانتقال إنما يكون في الإكراه الكامل، وهو الإكراه بالقتل أو إتلاف العضو، يعني: انتقال الفعل وإضافته إلى المكره بسبب خوف التلف، ويصير المكره كالآلة له، وهذا تخويف بالضرب، فيكون قاصرًا، ونفحتها لا تكون بسبب خوفها من الضرب، وبمثل هذا لا ينتقل الفعل إلى الغير.
قوله: (فإن سير الدابة مضاف إليه)؛ أي: إلى الراكب؛ ألا ترى أنه يقال:
стр. 7178
شَيْءٌ، وَكَذَا الرَّاكِبُ فِي غَيْرِ الإِيطَاءِ، وَالكَفَّارَةُ حُكْمُ المُبَاشَرَةِ لَا حُكْمُ التَّسَبُّبِ، وَكَذَا يَتَعَلَّقُ بِالإِيطَاءِ فِي حَقِّ الرَّاكِبِ حِرْمَانُ المِيرَاثِ وَالوَصِيَّةِ دُونَ السَّائِقِ وَالقَائِدِ، لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالمُبَاشَرَةِ ﴿وَلَوْ كَانَ رَاكِبٌ وَسَائِقٌ، قِيلَ: لَا يَضْمَنُ السَّائِقُ مَا أَوْطَأَت الدَّابَّةُ﴾ لِأَنَّ الرَّاكِبَ مُبَاشِرٌ فِيهِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَالسَّائِقُ مُسَبِّبٌ، وَالإِضَافَةُ إِلَى المُبَاشِرِ أَوْلَى وَقِيلَ: الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ سَبَبُ الضَّمَانِ.
سار كذا فرسخًا، وإن كان هو جالسًا في سرجه لا يتحرك، فصار كأنه أضاف ذلك الشيء برجله، وثم يكون مباشرًا، فكذا هنا. كذا في الأوضح.
ولهذا لو سار على دابته في ملكه، فوطئت بيدها ورجلها فقتلت؛ فعليه الكفارة والدية؛ إذ المباشرة في الملك وغيره سواء، كما ذكر في المبسوط. وقيل: الضمان عليهما، فقد ذكر محمد في الأصل: أن الراكب إذا أمر آخر، فنخس الدابة فأوطأت إنسانًا؛ كان الضمان عليهما. فقال: لأن الناخس سائق والآخر راكب، فعلم أن السائق والراكب في الوطء يشتركان.
أما الجواب عن القول: (بأن الراكب مباشر والسائق مسبب)؛ فهو أن المسبب مع المباشر إنما يضمن إذا كان السبب شيئًا لا يعمل في الإتلاف متى انفرد عن المباشرة، كما في الحفر بانفراده، فإن الحفر بانفراده لا يوجب التلف بحال ما لم يوجد الدفع الذي هو مباشرة، وإن كان لولا الحفر لا يتلف بالدفع أيضًا، لكن الدفع هو الوصف الأخير، فيضاف الحكم إليه، كما قالوا في السفينة المملوءة، إذا طرح فيه واحد مَنَّا فغرقت؛ فالضمان على الذي وضع المَنَّ الزائد؛ لأن الغرق يضاف إليه، وفي مسألتنا فالراكب بانفراده عامل في إتلاف ما أوطأت وكذا السائق، فإذا اجتمعا؛ لم يجز أن يضاف عمل السوق في الإتلاف إلى الركوب، بل يكون التلف مضافًا إليهما، فيجب الضمان عليهما. إليه أشار في الذخيرة، والمصنف ﵀ بقوله: (لأن كل ذلك سبب الضمان).
ومن هذا الجنس ما قالوا فيمن ساق دابة عليها وقر من الحنطة فأتلفت شيئًا، فإن قال السائق أو القائد: إليك إليك، فإن سمع هذه المقالة ولم يذهب؛ فهو على وجهين: إما ألا يبرح من مكانه باختياره، أو لم يجد مكانا آخر ليذهب
стр. 7179
قَالَ: (وَإِذَا اصْطَدَمَ فَارِسَانِ فَمَاتَا، فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةُ الْآخَرِ) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: يَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ دِيَةِ الْآخَرِ، لِمَا رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ ﵁، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَاتَ بِفِعْلِهِ وَفِعْلِ صَاحِبِهِ، لِأَنَّهُ بِصَدْمَتِهِ آلَمَ نَفْسَهُ وَصَاحِبَهُ، فَيُهْدَرُ نِصْفُهُ وَيُعْتَبَرُ نِصْفُهُ، كَمَا إِذَا كَانَ الِاصْطِدَامُ عَمْدًا، أَوْ جَرَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَفْسَهُ وَصَاحِبَهُ جِرَاحَةً، أَوْ حَفَرَا عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ بِئْرًا، فَانْهَارَ عَلَيْهِمَا، يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النِّصْفُ فَكَذَا هَذَا. وَلَنَا: أَنَّ المَوْتَ يُضَافُ إِلَى فِعْلِ صَاحِبِهِ، لِأَنَّ فِعْلَهُ فِي نَفْسِهِ مُبَاحٌ، وَهُوَ المَشْيُ فِي الطَّرِيقِ، فَلَا يَصْلُحُ مُسْتَنَدًا لِلْإِضَافَةِ فِي حَقِّ الضَّمَانِ، كَالمَاشِي إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالبِئْرِ وَوَقَعَ فِيهَا، لَا يُهْدَرُ شَيْءٌ مِنْ دَمِهِ،
فمكث في مكانه. ففي الوجه الأول لا يضمن صاحب الدابة، وفي الثاني يضمن؛ لأنه مضطر في المقام بخلاف الوجه الأول. وإن لم يقل الراكب: إليك إليكَ، أو قال ولم يسمع من على الطريق؛ يضمن الراكب والسائق؛ لأن التلف مضاف إليه. كذا في جامع المحبوبي.
قوله: (إذا اصطدم فارسان): وكذا الحكم إذا اصطدم الماشيان. والتقييد بالفارسين (١) اتفاقي، أو بحسب الغالب.
قوله: (وقال زفر والشافعي): وهو قول مالك (على كل واحد نصف دية الآخر).
لأن كل واحد منهما مات بفعله وفعل صاحبه إلى آخره: وهو القياس.
وفي الواقعات: هذا إذا وقع كل منهما على قفاه، أما إذا وقعا على وجههما؛ فلا شيء فيه. وكذا إذا وقع أحدهما على وجهه؛ لا شيء للمكب؛ لأنه مات بفعل نفسه، ودية الآخر على المكب، وبه قال المزني.
(ولنا): وهو قول أحمد، وهو الاستحسان. ووجهه: أن كل واحد مات بفعل صاحبه، إلى آخره.
(كالماشي إذا لم يعلم البئر ووقع فيها؛ لا يهدر شيء من دمه): مع أن البئر
стр. 7180
وَفِعْلُ صَاحِبِهِ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا، لَكِنَّ الفِعْلَ المُبَاحَ فِي غَيْرِهِ سَبَبُ لِلضَّمَانِ، كَالنَّائِمِ إِذَا انْقَلَبَ عَلَى غَيْرِهِ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ ﵁ أَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كُلَّ الدِّيَةِ فَتَعَارَضَتْ رِوَايَتَاهُ، فَرَجَّحْنَا بِمَا ذَكَرْنَا، وَفِيمَا ذُكِرَ مِنْ المَسَائِلِ الفِعْلَانِ مَحْظُورَانِ،
بنفسها في الطريق ليست بسبب لموته، بل البئر مع المشي، إذ لولا مشيه وثقله لما سقط في البئر، نعم فعل صاحبه مباح أيضًا، لكن فعل المباح في غيره سبب للضمان (كالنائم إذا انقلب على غيره).
قوله: (فتعارضت)؛ أي: الروايتان عن علي، فتساقطت (فرجحنا بما ذكرنا) أي: فرجحنا قولنا بما ذكرنا من الدليل.
أو نقول: ما روي عن عليّ أنه أوجب النصف؛ محمول على ما إذا كانا عامدين، حيث يجب نصف دية كل واحد منهما في العمد، على ما ذكره في الكتاب.
قوله: (وفيما ذكر)؛ أي: الخصم (من المسائل الفعلان محظوران)؛ لأن الاصطدام عمدًا محظور، يعني: لما كان الفعل محظورًا كان موجبًا للضمان، ولكن لم يظهر في حق نفسه واعتبر في حق غيره، فلذلك وجب على كل واحد منهما نصف الدية. أما فيما نحن فيه، فالمشي مباح محض، فلم ينعقد موجبًا للضمان في حق نفسه أصلا، فكان صاحبه قاتلا له من غير معارضة أحد في القتل، ويجب على كل واحد دية صاحبه؛ لما بينا أن المباح المحض لا يصلح معارضًا للمحظور في إيجاب الضمان، وإن كان لا يوجد التلف، إلا أنهما كما في مسألة البئر؛ حيث يجب على الحافر لا الماشي، وإن كان الموت يحصل بالمشي والحفر إليه أشار في الأسرار؛ حيث قال: التلف بالصدمة لا بالمشي، والمشي كان سببًا للصدمة، ولكن لم يضف التلف إلى السبب المباح، بل أضيف إلى التعدي، إلى آخر ما ذكرنا.
فإن قيل: يشكل على هذا كله، ما إذا تجاذبا حبلا بينهما، فانقطع الحبل وسقط كل واحد على قفاه ومات؛ فلا شيء على أحد، ومثله في هذه الصورة، لو وقع كل واحد على وجهه ومات؛ تجب دية كل على الآخر، وتجاذب الحبل لا يخلو من أن يكون محظورًا أو مباحًا، فإن كان محظورًا؛ ينبغي أن يجب على