لِأَنَّ المَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ. قَالَ: (فَإِنْ رَاثَتْ أَوْ بَالَتْ فِي الطَّرِيقِ، وَهِيَ تَسِيرُ، فَعَطِبَ بِهِ إِنْسَانٌ، لَمْ يَضْمَنْ) لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَاتِ السَّيْرِ، فَلَا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ (وَكَذَا إِذَا أَوْقَفَهَا لِذَلِكَ) لِأَنَّ مِنْ الدَّوَابٌ مَا لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا بِالإِيقَافِ، وَإِنْ أَوْقَفَهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ فَعَطِبَ إِنْسَانُ بِرَوْثِهَا، أَوْ بَوْلِهَا، ضَمِنَ، لِأَنَّهُ مُتَعَدِّ فِي هَذَا الإِيقَافِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَاتِ السَّيْرِ، ثُمَّ هُوَ أَكْثَرُ ضَرَرًا بِالمَارَّةِ مِنْ السَّيْرِ، لِمَا أَنَّهُ أَدْوَمُ مِنْهُ، فَلَا يَلْحَقُ بِهِ (وَالسَّائِقُ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا، أَوْ رِجْلِهَا، وَالقَائِدُ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا دُونَ رِجْلِهَا) وَالمُرَادُ: النَّفْحَةُ. قَالَ ﵁: هَكَذَا ذَكَرَهُ القُدُورِيُّ فِي «مُخْتَصَرِهِ»، وَإِلَيْهِ مَالَ بَعْضُ المَشَايِخِ.
وَوَجْهُهُ: أَنَّ النَّفْحَةَ بِمَرْأَى عَيْنِ السَّائِقِ، فَيُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَغَائِبٌ عَنْ بَصَرِ القَائِدِ، فَلَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، وَقَالَ أَكْثَرُ المَشَايِخِ: إِنَّ السَّائِقَ لَا يَضْمَنُ
في المبسوط (١).
قوله: (لأنه مُتَعدِّ في هذا الإيقاف؛ لأنه ليس من ضرورات السير، والإيقاف أدوم ضررًا من السير)، فلا يلحق بالسير والأئمة الثلاثة لا يفرقون، ويوجبون الضمان بالبول والروث في الطريق مطلقا؛ لأنه تلف حصل من جهة دابته التي يده عليها، فأشبه ما لو جنت بيدها أو فمها.
قال ابن قدامة: وقياس المذهب أن لا يضمن ما تلف بذلك؛ لأنه لا يد له على ذلك، ولا يمكن التحرز عنه، كما لو أتلفت برجلها.
قوله: (والمراد النفحة)؛ أي: من قوله: (لما أصابت بيدها دون رجلها).
وإنما فسره؛ لأنه يجوز أن يراد بقوله: (لما أصاب بيدها أو رجلها) الوطء، وقد ذكرنا أنه يضمن فيه السائق والقائد من غير خلاف، والخلاف في النفحة ففسره.
قوله: (مال بعض المشايخ)؛ أي: مشايخ العراق.
(وقال أكثر المشايخ)؛ أي مشايخ ديارنا. ذكره في الذخيرة.
стр. 7177
النَّفْحَةَ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ يَرَاهَا، إِذْ لَيْسَ عَلَى رِجْلِهَا مَا يَمْنَعُهَا بِهِ، فَلَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، بِخِلَافِ الكَلْمِ، لِإِمْكَانِهِ كَبْحَهَا بِلِجَامِهَا، وَبِهَذَا يَنْطِقُ أَكْثَرُ النُّسَخِ، وَهُوَ الأَصَحُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَضْمَنُونَ النَّفْحَةَ كُلُّهُمْ، لِأَنَّ فِعْلَهَا مُضَافٌ إِلَيْهِمْ، وَالحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَقَوْلُهُ ﵊: (الرِّجْلُ جُبَارٌ) وَمَعْنَاهُ: النَّفْحَةُ بِالرِّجْلِ، وَانْتِقَالُ الفِعْلِ بِتَخْوِيفِ القَتْلِ كَمَا فِي المُكْرَهِ، وَهَذَا تَحْوِيفٌ بِالضَّرْبِ. قَالَ: (وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَكُلُّ شَيْءٍ ضَمِنَهُ الرَّاكِبُ ضَمِنَهُ السَّائِقُ وَالقَائِدُ) لِأَنَّهُمَا مُسَبَانِ بِمُبَاشَرَتِهِمَا شَرْطَ التَّلَفِ، وَهُوَ تَقْرِيبُ الدَّابَّةِ إِلَى مَكَانِ الجِنَايَةِ، فَيَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ فِيمَا يُمْكِنُ الاحْتِرَازُ عَنْهُ كَالرَّاكِبِ (إِلَّا أَنَّ عَلَى الرَّاكِبِ الكَفَّارَةَ) فِيمَا أَوْطَاتُهُ الدَّابَّةُ بِيَدِهَا أَوْ بِرِجْلِهَا (وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا) وَلَا عَلَى الرَّاكِبِ فِيمَا وَرَاءَ الإِيْطَاءِ، لِأَنَّ الرَّاكِبَ مُبَاشِرٌ فِيهِ، لِأَنَّ التَّلَفَ بِثِقَلِهِ، وَثِقَلُ الدَّابَّةِ تَبَعٌ لَهُ، لِأَنَّ سَيْرَ الدَّابَّةِ مُضَافُ إِلَيْهِ، وَهِيَ آلَةٌ لَهُ، وَهُمَا مُسَبَّبَانِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَّصِلُ مِنْهُمَا إِلَى المَحَلِّ
يقال: كبح الدابة بلجامها؛ هو أن يجذبها إلى نفسه لتقف.
(وقال الشافعي: يضمنون النفحة): وهو قول مالك، وأحمد، وابن أبي ليلى، كما ذكرنا.
(وقوله ﵊ معطوف على (ما ذكرناه)؛ أي: والحجة عليه قوله ﷺ : «الرّجلُ جبار» (١) أي: هدر.
وقوله: (وانتقال الفعل) إلى آخره جواب عما قال الشافعي: إن فعلها مضاف إليهم كما في الإكراه، فقال: الإضافة والانتقال إنما يكون في الإكراه الكامل، وهو الإكراه بالقتل أو إتلاف العضو، يعني: انتقال الفعل وإضافته إلى المكره بسبب خوف التلف، ويصير المكره كالآلة له، وهذا تخويف بالضرب، فيكون قاصرًا، ونفحتها لا تكون بسبب خوفها من الضرب، وبمثل هذا لا ينتقل الفعل إلى الغير.
قوله: (فإن سير الدابة مضاف إليه)؛ أي: إلى الراكب؛ ألا ترى أنه يقال:
стр. 7178
شَيْءٌ، وَكَذَا الرَّاكِبُ فِي غَيْرِ الإِيطَاءِ، وَالكَفَّارَةُ حُكْمُ المُبَاشَرَةِ لَا حُكْمُ التَّسَبُّبِ، وَكَذَا يَتَعَلَّقُ بِالإِيطَاءِ فِي حَقِّ الرَّاكِبِ حِرْمَانُ المِيرَاثِ وَالوَصِيَّةِ دُونَ السَّائِقِ وَالقَائِدِ، لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالمُبَاشَرَةِ ﴿وَلَوْ كَانَ رَاكِبٌ وَسَائِقٌ، قِيلَ: لَا يَضْمَنُ السَّائِقُ مَا أَوْطَأَت الدَّابَّةُ﴾ لِأَنَّ الرَّاكِبَ مُبَاشِرٌ فِيهِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَالسَّائِقُ مُسَبِّبٌ، وَالإِضَافَةُ إِلَى المُبَاشِرِ أَوْلَى وَقِيلَ: الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ سَبَبُ الضَّمَانِ.
سار كذا فرسخًا، وإن كان هو جالسًا في سرجه لا يتحرك، فصار كأنه أضاف ذلك الشيء برجله، وثم يكون مباشرًا، فكذا هنا. كذا في الأوضح.
ولهذا لو سار على دابته في ملكه، فوطئت بيدها ورجلها فقتلت؛ فعليه الكفارة والدية؛ إذ المباشرة في الملك وغيره سواء، كما ذكر في المبسوط. وقيل: الضمان عليهما، فقد ذكر محمد في الأصل: أن الراكب إذا أمر آخر، فنخس الدابة فأوطأت إنسانًا؛ كان الضمان عليهما. فقال: لأن الناخس سائق والآخر راكب، فعلم أن السائق والراكب في الوطء يشتركان.
أما الجواب عن القول: (بأن الراكب مباشر والسائق مسبب)؛ فهو أن المسبب مع المباشر إنما يضمن إذا كان السبب شيئًا لا يعمل في الإتلاف متى انفرد عن المباشرة، كما في الحفر بانفراده، فإن الحفر بانفراده لا يوجب التلف بحال ما لم يوجد الدفع الذي هو مباشرة، وإن كان لولا الحفر لا يتلف بالدفع أيضًا، لكن الدفع هو الوصف الأخير، فيضاف الحكم إليه، كما قالوا في السفينة المملوءة، إذا طرح فيه واحد مَنَّا فغرقت؛ فالضمان على الذي وضع المَنَّ الزائد؛ لأن الغرق يضاف إليه، وفي مسألتنا فالراكب بانفراده عامل في إتلاف ما أوطأت وكذا السائق، فإذا اجتمعا؛ لم يجز أن يضاف عمل السوق في الإتلاف إلى الركوب، بل يكون التلف مضافًا إليهما، فيجب الضمان عليهما. إليه أشار في الذخيرة، والمصنف ﵀ بقوله: (لأن كل ذلك سبب الضمان).
ومن هذا الجنس ما قالوا فيمن ساق دابة عليها وقر من الحنطة فأتلفت شيئًا، فإن قال السائق أو القائد: إليك إليك، فإن سمع هذه المقالة ولم يذهب؛ فهو على وجهين: إما ألا يبرح من مكانه باختياره، أو لم يجد مكانا آخر ليذهب
стр. 7179
قَالَ: (وَإِذَا اصْطَدَمَ فَارِسَانِ فَمَاتَا، فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةُ الْآخَرِ) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: يَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ دِيَةِ الْآخَرِ، لِمَا رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ ﵁، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَاتَ بِفِعْلِهِ وَفِعْلِ صَاحِبِهِ، لِأَنَّهُ بِصَدْمَتِهِ آلَمَ نَفْسَهُ وَصَاحِبَهُ، فَيُهْدَرُ نِصْفُهُ وَيُعْتَبَرُ نِصْفُهُ، كَمَا إِذَا كَانَ الِاصْطِدَامُ عَمْدًا، أَوْ جَرَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَفْسَهُ وَصَاحِبَهُ جِرَاحَةً، أَوْ حَفَرَا عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ بِئْرًا، فَانْهَارَ عَلَيْهِمَا، يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النِّصْفُ فَكَذَا هَذَا. وَلَنَا: أَنَّ المَوْتَ يُضَافُ إِلَى فِعْلِ صَاحِبِهِ، لِأَنَّ فِعْلَهُ فِي نَفْسِهِ مُبَاحٌ، وَهُوَ المَشْيُ فِي الطَّرِيقِ، فَلَا يَصْلُحُ مُسْتَنَدًا لِلْإِضَافَةِ فِي حَقِّ الضَّمَانِ، كَالمَاشِي إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالبِئْرِ وَوَقَعَ فِيهَا، لَا يُهْدَرُ شَيْءٌ مِنْ دَمِهِ،
فمكث في مكانه. ففي الوجه الأول لا يضمن صاحب الدابة، وفي الثاني يضمن؛ لأنه مضطر في المقام بخلاف الوجه الأول. وإن لم يقل الراكب: إليك إليكَ، أو قال ولم يسمع من على الطريق؛ يضمن الراكب والسائق؛ لأن التلف مضاف إليه. كذا في جامع المحبوبي.
قوله: (إذا اصطدم فارسان): وكذا الحكم إذا اصطدم الماشيان. والتقييد بالفارسين (١) اتفاقي، أو بحسب الغالب.
قوله: (وقال زفر والشافعي): وهو قول مالك (على كل واحد نصف دية الآخر).
لأن كل واحد منهما مات بفعله وفعل صاحبه إلى آخره: وهو القياس.
وفي الواقعات: هذا إذا وقع كل منهما على قفاه، أما إذا وقعا على وجههما؛ فلا شيء فيه. وكذا إذا وقع أحدهما على وجهه؛ لا شيء للمكب؛ لأنه مات بفعل نفسه، ودية الآخر على المكب، وبه قال المزني.
(ولنا): وهو قول أحمد، وهو الاستحسان. ووجهه: أن كل واحد مات بفعل صاحبه، إلى آخره.
(كالماشي إذا لم يعلم البئر ووقع فيها؛ لا يهدر شيء من دمه): مع أن البئر
стр. 7180
وَفِعْلُ صَاحِبِهِ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا، لَكِنَّ الفِعْلَ المُبَاحَ فِي غَيْرِهِ سَبَبُ لِلضَّمَانِ، كَالنَّائِمِ إِذَا انْقَلَبَ عَلَى غَيْرِهِ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ ﵁ أَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كُلَّ الدِّيَةِ فَتَعَارَضَتْ رِوَايَتَاهُ، فَرَجَّحْنَا بِمَا ذَكَرْنَا، وَفِيمَا ذُكِرَ مِنْ المَسَائِلِ الفِعْلَانِ مَحْظُورَانِ،
بنفسها في الطريق ليست بسبب لموته، بل البئر مع المشي، إذ لولا مشيه وثقله لما سقط في البئر، نعم فعل صاحبه مباح أيضًا، لكن فعل المباح في غيره سبب للضمان (كالنائم إذا انقلب على غيره).
قوله: (فتعارضت)؛ أي: الروايتان عن علي، فتساقطت (فرجحنا بما ذكرنا) أي: فرجحنا قولنا بما ذكرنا من الدليل.
أو نقول: ما روي عن عليّ أنه أوجب النصف؛ محمول على ما إذا كانا عامدين، حيث يجب نصف دية كل واحد منهما في العمد، على ما ذكره في الكتاب.
قوله: (وفيما ذكر)؛ أي: الخصم (من المسائل الفعلان محظوران)؛ لأن الاصطدام عمدًا محظور، يعني: لما كان الفعل محظورًا كان موجبًا للضمان، ولكن لم يظهر في حق نفسه واعتبر في حق غيره، فلذلك وجب على كل واحد منهما نصف الدية. أما فيما نحن فيه، فالمشي مباح محض، فلم ينعقد موجبًا للضمان في حق نفسه أصلا، فكان صاحبه قاتلا له من غير معارضة أحد في القتل، ويجب على كل واحد دية صاحبه؛ لما بينا أن المباح المحض لا يصلح معارضًا للمحظور في إيجاب الضمان، وإن كان لا يوجد التلف، إلا أنهما كما في مسألة البئر؛ حيث يجب على الحافر لا الماشي، وإن كان الموت يحصل بالمشي والحفر إليه أشار في الأسرار؛ حيث قال: التلف بالصدمة لا بالمشي، والمشي كان سببًا للصدمة، ولكن لم يضف التلف إلى السبب المباح، بل أضيف إلى التعدي، إلى آخر ما ذكرنا.
فإن قيل: يشكل على هذا كله، ما إذا تجاذبا حبلا بينهما، فانقطع الحبل وسقط كل واحد على قفاه ومات؛ فلا شيء على أحد، ومثله في هذه الصورة، لو وقع كل واحد على وجهه ومات؛ تجب دية كل على الآخر، وتجاذب الحبل لا يخلو من أن يكون محظورًا أو مباحًا، فإن كان محظورًا؛ ينبغي أن يجب على
стр. 7181
فَوَضَحَ الفَرْقُ. هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إِذَا كَانَا حُرَّيْنِ فِي العَمْدِ وَالخَطَرِ، وَلَوْ كَانَا عَبْدَيْنِ
عاقلة كل نصف الدية، كما في المسائل التي أوردها الخصم، وإن كان مباحًا؛ كان فعل كل واحد مباحًا لم يعارضه محظور، فلا بد أن يكون مقيدا بشرط السلامة كما مر، فإيجاب دية كُلِّ على صاحبه مناقضًا للأصول التي مر ذكرها في حق الراكب.
قلنا: لما وقع كل منهما على وجهه في الصورة الثانية؛ علم أنه إنما وقع في وجهه بجذب صاحبه إياه، فكان موت كل منهما بفعل صاحبه، لا بفعل نفسه، فتجب الدية على عاقلة كل منهما كاملا، كما في المصطدمين، أحدهما تعد وهو الصدمة، والآخر مباح وهو المشي، فلم يظهر المباح في مقابلة التعدي، فأضيف الحكم إلى التعدي.
وفي مسألة قطع الحبل، لما ماتا بالوقوع على الوجه؛ كان موتُ كُلِّ بفعل صاحبه، من غير أن يوجد فعل من الميت في حق نفسه أصلا، فلذلك وجب على عاقلة كُلِّ دية كاملة. بخلاف ما لو دفعا على قفاهما عند الانقطاع؛ حيث لا يجب شيء؛ لأن سقوطه على قفاه بقوة نفسه، لا بجذب صاحبه، فكان كُل قاتل نفسه، ولا يجب على الآخر شيء. ولو قطع إنسان الحبل بينهما وماتا؛ فديتهما على عاقلة القاطع للحبل؛ لأنه صار كالدافع لكل منهما. إليه أشار في المبسوط (١).
وفي الذخيرة: لو وقعا في وجههما؛ ففي نسخة: هذا لا يكون من قطع الحبل. وفي نسخة: هذا من قطع الحبل.
قوله: (هذا) الذي ذكرنا؛ وهو أنه تجب دية كل على عاقلة الآخر (إذا كانا حرين في العمد والخطأ)؛ أي: يختص نصف الدية في العمد على عاقلة كل منهما، وفي الخطأ دية كاملة، كما ذكر في الكتاب، خلا أنه ذكر الخطأ في وضع المسألة، والعمد في بيان قول الخصم، إلا أن العمد هاهنا بمنزلة الخطا؛ لأنه شبه العمد؛ إذ العمد في الاصطدام ولم يقصد القتل.
стр. 7182
يُهْدَرُ الدَّمُ فِي الخَطَرِ، لِأَنَّ الجِنَايَةَ تَعَلَّقَتْ بِرَقَبَتِهِ دَفْعًا وَفِدَاءٌ، وَقَدْ فَاتَتْ لَا إِلَى خُلْفٍ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ المَوْلَى فَهُدِرَ ضَرُورَةٌ، وَكَذَا فِي العَمْدِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَلَكَ بَعْدَمَا جَنَى وَلَمْ يُخْلِفْ بَدَلًا، وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا حُرًّا وَالْآخَرُ عَبْدًا، فَفِي الخَطَإِ: تَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الحُرِّ المَقْتُولِ قِيمَةُ العَبْدِ، فَيَأْخُذُهَا وَرَثَةُ المَقْتُولِ الحُرِّ، وَيَبْطُلُ حَقُّ الحُرِّ المَقْتُولِ فِي الدِّيَةِ فِيمَا زَادَ عَلَى القِيمَةِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ: تَجِبُ القِيمَةُ عَلَى العَاقِلَةِ، لِأَنَّهُ ضَمَانُ الآدَمِيِّ، فَقَدْ أَخْلَفَ بَدَلًا بِهَذَا القَدْرِ، فَيَأْخُذُهُ وَرَثَةُ الحُرِّ المَقْتُولِ وَيَبْطُلُ مَا زَادَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الخُلْفِ، وَفِي العَمْدِ: يَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الحُرِّ نِصْفُ قِيمَةِ العَبْدِ، لِأَنَّ المَضْمُونَ هُوَ النِّصْفُ فِي العَمْدِ، وَهَذَا القَدْرُ يَأْخُذُهُ وَلِيُّ المَقْتُولِ، وَمَا عَلَى العَبْدِ فِي رَقَبَتِهِ، وَهُوَ نِصْفُ دِيَةِ الحُرِّ يَسْقُطُ بِمَوْتِهِ إِلَّا قَدْرَ مَا أَخْلَفَ مِنْ البَدَلِ وَهُوَ نِصْفُ القِيمَةِ.
قَالَ: (وَمَنْ سَاقَ دَابَّةٌ، فَوَقَعَ السَّرْجُ عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ، ضَمِنَ، وَكَذَا عَلَى هَذَا سَائِرُ أَدَوَاتِهِ كَاللُّجَامِ وَنَحْوِهِ، وَكَذَا مَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا) لِأَنَّهُ مُتَعَدٌ فِي هَذَا التَّسْبِيبِ، لِأَنَّ الوُقُوعَ بِتَقْصِيرٍ مِنْهُ، وَهُوَ تَرْكُ الشَّدِّ أَوْ الإِحْكَامِ فِيهِ، بِخِلَافِ الرِّدَاءِ، لِأَنَّهُ لَا يُشَدُّ فِي العَادَةِ، وَلِأَنَّهُ قَاصِدٌ لِحِفْظِ هَذِهِ الأَشْيَاءِ، كَمَا فِي المَحْمُولِ عَلَى عَاتِقِهِ دُونَ اللُّبَاسِ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ فَيُقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ.
قوله: (فيأخذه)؛ أي: بدل العمد (لأن المضمون هو النصف في العمد) كما ذكرنا في بيان قول الخصم؛ لأن بصدمته آلم نفسه وصاحبه، فيهدر نصفه.
(وكذا ما يحمل عليها؛ يعني: لو سقط شيء محمول عليها من أداتها وغيره، ومثلها الرحل، ولا يعلم فيه خلاف.
قوله: (بخلاف الرداء)؛ يعني: إذا كان لابسا له، فسقط وأتلف شيئًا؛ لا ضمان عليه؛ لأنه تابع للابس. ولو تعثر اللابس فسقط الرداء، ثم تعثر به إنسان؛ لم يضمن. وكذا إذا سقط رداؤه؛ لأنه لا يمكنه الاحتياط عنه.
والإحكام فيه)؛ أي: في الشد، فكأنه ألقاه بيده.
(على ما مر من قبل)؛ أي: في باب ما يحدث الرجل في الطريق.
القطار: الإبل تقطر على نسق واحد، والجمع قطر.
стр. 7183
قَالَ: (وَمَنْ قَادَ قِطَارًا، فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَوْطَأَ، فَإِنْ وَطِئَ بَعِيرٌ إِنْسَانًا ضَمِنَ بِهِ القَائِدُ، وَالدِّيَةُ عَلَى العَاقِلَةِ)، لِأَنَّ القَائِدَ عَلَيْهِ حِفْظُ القِطَارِ كَالسَّائِقِ، وَقَدْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ، وَقَدْ صَارَ مُتَعَدِّيًا بِالتَّقْصِيرِ فِيهِ، وَالتَّسَبُّبِ بِوَصْفِ التَّعَدِّي سَبَبُ لِلضَّمَانِ، إِلَّا أَنَّ ضَمَانَ النَّفْسِ عَلَى العَاقِلَةِ فِيهِ، وَضَمَانُ المَالِ فِي مَالِهِ (وَإِنْ كَانَ مَعَهُ سَائِقٌ، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا) لِأَنَّ قَائِدَ الوَاحِدِ قَائِدٌ لِلْكُلِّ، وَكَذَا سَائِقُهُ، لِاِتِّصَالِ الأَزِمَّةِ، وَهَذَا
قوله: (فالضمان عليهما)؛ أي: على القائد والسائق.
وفي المبسوط: السائق مقرب للإبل فيما أصاب بالصدمة وغيرها، وكذا القائد مقرب من ذلك، فيشتركان في الضمان؛ لاستوائهما في التسبب. وإن كان معهما سائق الإبل في وسط القطار فالضمان في جميع ذلك عليهم أثلاثا؛ لأن الذي هو وسط القطار [(١)] سائق لما بين يديه من الإبل، قائد لما خلفه، والقائد والسائق في حكم الضمان سواء. (٢)
وكذلك إن كان أحيانًا يتوسط وأحيانًا يتقدم وأحيانًا يتأخر؛ لأنه في جميع الأحوال سائق للقطار أو قائد.
ولو كان رجل راكبًا وسط القطار على بعير، ولا يسوق منها؛ لم يضمن ما تصيبه الإبل التي بين يديه؛ لأنه ليس بسائق له، ولكن معهم في الضمان فيما أصاب البعير الذي هو عليه وما خلفه؛ لأنه راكب عليه، وقائد لما خلفه؛ لأن زمام ما خلفه مربوط ببعيره.
قال بعض المتأخرين: هذا إذا كان زمام ما خلفه بيده يقوده، أما إذا كان هو نائما على بعيره أو قاعدًا لا يفعل شيئًا يكون به قائدًا لما خلفه؛ لا ضمان عليه، وهو في حق ما خلفه بمنزلة المتاع على البعير.
قوله: (إذا كان السائق في جانب من الإبل)؛ أي: وهو الذي في الوسط يمشي في جانب من القطار، لا يتقدم ولا يتأخر، ولا يأخذ بزمام بعير يقود ما خلفه.
стр. 7184
إِذَا كَانَ السَّائِقُ فِي جَانِبِ مِنْ الإِبِلِ، أَمَّا إِذَا كَانَ تَوَسَّطَهَا وَأَخَذَ بِزِمَامٍ وَاحِدٍ: يَضْمَنُ مَا عَطِبَ بِمَا هُوَ خَلْفَهُ، وَيَضْمَنَانِ مَا تَلِفَ بِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، لِأَنَّ القَائِدَ لَا يَقُودُ مَا خَلْفَ السَّائِقِ، لِانْفِصَامِ الزِّمَامِ، وَالسَّائِقُ يَسُوقُ مَا يَكُونُ قُدَّامَهُ.
قَالَ: (وَإِنْ رَبَطَ رَجُلٌ بَعِيرًا إِلَى القِطَارِ، وَالقَائِدُ لَا يَعْلَمُ، فَوَطِئَ المَرْبُوطُ
أما لو كان في الوسط، وأخذ بزمام بعير يقود ما خلفه ولا يسوق ما قبله، فما أصاب ما خلفه؛ لا ضمان فيه على القائد الأول، ويُضَمِّنان القائد الأول والثاني لما بين يديه؛ لأن القائد الثاني سائق لما بين يديه، قائد لما خلفه، والقائد والسائق ضامن. كذا في المغني.
قوله: (والقائد لا يقود): قيد به؛ إذ لو علم القائد بالربط في المسألتين يعني: ربط حال السير - فالدية على عاقلته، ولا يرجعون بها على عاقلة الرابط؛ لأن القائد لما علم بالربط فقد رضي بما يلحقه من الضمان، فلا يرجع.
وحاصله: أنَّ جهل القائد بالربط لا يبقي (١) ابتداء وجوب الضمان عنه؛ لوجوب الإتلاف منه والجهل يزيل الإثم دون الضمان كالنائم إذا انقلب على إنسان.
في المبسوط: القود سبب وجوب الضمان، ومع تحقق السبب لا يسقط الضمان بجهله، وإنما يرجع على الرابط؛ لأنه ألزمه ذلك الضمان بالربط (٢).
فجعل في الجامع الصغير ابتداء الوجوب على عاقلة القائد، ثم هم يرجعون على عاقلة الرابط، كما هو المذكور في الكتاب، وفي المبسوط جعل ابتداء وجوب الضمان على القائد، ثم يرجع على الرابط كما حكينا.
ووفق الإمام المحبوبي بينهما وقال: إنما اختلف الجواب باعتبار أن رواية المبسوط اعتبر حقيقة الضمان، وحقيقته على القائد غير أن العواقل تتحمل عنهما، واعتبر في الجامع حاصل الضمان وقراره، وهو وجوبه على العاقلة، وإنما لم يجب الضمان عليهما في الابتداء بطريق الشركة من غير أن يقدم
стр. 7185
إِنْسَانًا فَقَتَلَهُ، فَعَلَى عَاقِلَةِ القَائِدِ الدِّيَةُ) لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ صِيَانَةُ القِطَارِ عَنْ رَبْطِ غَيْرِهِ، فَإِذَا تَرَكَ الصِّيَانَةَ صَارَ مُتَعَدِّيًا، وَفِي التَّسْبِيبِ الدِّيَةُ عَلَى العَاقِلَةِ كَمَا فِي القَتْلِ الخَطَإِ (ثُمَّ يَرْجِعُونَ بِهَا عَلَى عَاقِلَةِ الرَّابِطِ) لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَوْقَعَهُمْ فِي هَذِهِ العُهْدَةِ، وَإِنَّمَا لَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا فِي الابْتِدَاءِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُسَبِّبٌ، لِأَنَّ الرَّبْطَ مِنْ القَوْدِ بِمَنْزِلَةِ التَّسَيُّبِ مِنْ المُبَاشَرَةِ، لِاِتِّصَالِ التَّلَفِ بِالقَوْدِ دُونَ الرَّبْطِ قَالُوا: هَذَا إِذَا رَبَطَ وَالقِطَارُ يَسِيرُ، لِأَنَّهُ أَمْرُ بِالقَوْدِ دَلَالَةٌ، فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ لَا يُمْكِنُهُ التَّحَفُّظُ مِنْ ذَلِكَ، فَيَكُونُ قَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الرَّابِطِ، أَمَّا إِذَا رَبَطَ وَالإِبِلُ قِيَامُ، ثُمَّ قَادَهَا ضَمِنَهَا القَائِدُ، لِأَنَّهُ قَادَ بَعِيرَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَا صَرِيحًا وَلَا دَلَالَةٌ، فَلَا يَرْجِعُ بِمَا لَحِقَهُ عَلَيْهِ.
قَالَ: (وَمَنْ أَرْسَلَ بَهِيمَةً، وَكَانَ لَهَا سَائِقًا، فَأَصَابَتْ فِي فَوْرِهَا، يَضْمَنُهُ) لِأَنَّ الفِعْلَ انْتَقَلَ إِلَيْهِ بِوَاسِطَةِ السَّوْقِ. قَالَ: (وَلَوْ أَرْسَلَ طَيْرًا، وَسَاقَهُ، فَأَصَابَ فِي فَوْرِهِ،
القائد؛ إذ كل منهما مسبب؛ لما أن الربط بمنزلة التسبيب من المباشرة، فلا شك أن المباشرة أقوى، كالحافر مع الدافع، فاعتبر القود في ابتداء الضمان، ثم يرجع على الرابط؛ لأنه مغرور من جهته، فكان للقائد حكم المباشرة لا حقيقة المباشرة.
(لأنه)؛ أي: الرابط أقر للقائد بقود بعيره، حين سار دلالة.
(ضمنها القائد)؛ أي: بلا رجوع، مع أن لفظ الجامع مطلق غير متعرض للسير ولا للوقوف.
قال المحبوبي: قال الحلواني: إذا ربط حال قيام الإبل ووقوفها؛ لا يضمن الرابط؛ لأن ربطه جناية، وقد زال هذا السبب بقود القائد، فيبرأ عن موجبها، كمن وضع حجرًا على الطريق، ثم جاء آخر وحوله من ذلك الموضع إلى موضع آخر؛ لم يكن على الواضع الأول ضمان ما تلف به؛ لأنه لما حوله زالت جنايته، كذا هاهنا.
قوله: (ومن أرسل بهيمة: يريد بها كلبًا وكان لها سائقا)؛ أي: خلفها يسليها (فأصابت في فورها) وفي بعض النسخ: (من فوره).
(ولو أرسل طيرا): وفي بعض نسخ الجامع الصغير: أرسل بازيا.
стр. 7186
لَمْ يَضْمَنْ) وَالفَرْقُ: أَنَّ بَدَنَ البَهِيمَةِ يَحْتَمِلُ السَّوْقَ فَاعْتُبِرَ سَوْقُهُ، وَالطَّيْرُ لَا يَحْتَمِلُ السَّوْقَ، فَصَارَ وُجُودُ السَّوْقِ وَعَدَمُهُ بِمَنْزِلَةٍ، وَكَذَا لَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ سَائِقًا: لَمْ يَضْمَنْ، وَلَوْ أَرْسَلَهُ إِلَى صَيْدٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ سَائِقا، فَأَخَذَ الصَّيْدَ وَقَتَلَهُ: حَلَّ وَوَجْهُ الفَرْقِ: أَنَّ البَهِيمَةَ مُخْتَارَةٌ فِي فِعْلِهَا وَلَا تَصْلُحُ نَائِبَةٌ عَنِ المُرْسِلِ، فَلَا يُضَافُ فِعْلُهَا إلَى غَيْرِهَا، هَذَا هُوَ الحَقِيقَةُ، إِلَّا أَنَّ الحَاجَةَ مَسَّتْ فِي الإِصْطِيَادِ فَأُضِيفَ إِلَى المُرْسِلِ: لِأَنَّ الاِصْطِيَادَ مَشْرُوعٌ وَلَا طَرِيقَ لَهُ سِوَاهُ، وَلَا حَاجَةً فِي حَقِّ ضَمَانِ العُدْوَانِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ أَوْجَبَ الضَّمَانَ فِي هَذَا كُلِّهِ احْتِيَاطًا صِيَانَةٌ لِأَمْوَالِ النَّاسِ. قَالَ ﵁: وَذُكِرَ فِي المَبْسُوط: إِذَا أَرْسَلَ دَابَّةٌ فِي طَرِيقِ المُسْلِمِينَ فَأَصَابَتْ فِي فَوْرِهَا، فَالمُرْسِلُ ضَامِنٌ؛ لِأَنَّ سَيْرَهَا مُضَافُ إِلَيْهِ مَا دَامَتْ تَسِيرُ عَلَى سَنَتِهَا، وَلَوِ انْعَطَفَتْ يَمْنَةٌ، أَوْ يَسْرَةً: انْقَطَعَ حُكْمُ الْإِرْسَالِ،
(فصار وجود السوق وعدمه بمنزلة): ولهذا لو أدخل بازيا (١) في الحرم أو صقرا وأرسله، فجعل يقتل حمام الحرم؛ لا يلزمه شيء؛ لما قلنا: أن البازي لا يحتمل السوق.
قوله: (ولم يكن له سائقا)؛ يعني: لم يكن خلفه ولا يسليها (لم يضمن) وإن أصاب من فوره، ولا يعلم فيه خلاف.
قوله: (ما دامت تسير على سننها) فيضمن.
قال الصدر الشهيد: وعليه الفتوى وبه قال الشافعي، وأحمد.
وعند مالك: فعل العجماء جبار بأي وجه كان، وقد مر.
رجل له كلب عقور، كلما مر عليه مار عضه؛ فلأهل القرية أن يقتلوه. فلو عض، هل يجب الضمان على صاحبه؟ لا ضمان عليه إن لم يتقدموا إليه، ويضمن بعد التقدم.
وقال الشافعي، وأحمد: يضمن بعد إرساله وإن لم يتقدم إليه. وكذا في سنور معروف يأكل الطيور.
стр. 7187
إِلَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ آخَرُ سِوَاهُ، وَكَذَا إِذَا وَقَفَتْ ثُمَّ سَارَتْ، بِخِلَافِ مَا إِذَا وَقَفَتْ بَعْدَ الإِرْسَالِ فِي الاِصْطِيَادِ، ثُمَّ سَارَتْ فَأَخَذَت الصَّيْدَ، لِأَنَّ تِلْكَ الوَقْفَةَ تُحَقِّقُ مَقْصُودَ المُرْسِلِ، لِأَنَّهُ لِتَمَكَّنِهِ مِنْ الصَّيْدِ، وَهَذِهِ تُنَافِي مَقْصُودَ المُرْسِلِ، وَهُوَ السَّيْرُ، فَيَنْقَطِعُ حُكْمُ الإِرْسَالِ، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا أَرْسَلَهُ إِلَى صَيْدٍ فَأَصَابَ نَفْسًا، أَوْ مَالًا فِي فَوْرِهِ، لَا يَضْمَنُهُ مَنْ أَرْسَلَهُ، وَفِي الإِرْسَالِ فِي الطَّرِيقِ يَضْمَنُهُ، لِأَنَّ شَغْلَ
وفي المنتقى: لو طرح رجلًا قدام أسد أو سبع فقتله، ليس على الطارح قود ولا دية، ولكن يُعَزَّر ويضرب وجيعًا، ويحبس حتى يتوب.
وقال أبو يوسف: أنا أرى أن يحبس حتى يموت.
وعند الأئمة الثلاثة: إن كان الغالب القتل يجب القود، وإن كان لا يقتل غالبا؛ فعند الشافعي قولان في قول: يجب القود. وفي قول: لا يجب، ولكن تجب الدية، وبه قال أحمد. وقياس قول مالك: يجب القود.
قوله: (إلا إذا لم يكن (١) له)؛ أي: تسير الدابة طريق آخر سواه، بأن كان على الجادة ماء ووحل، فحينئذ لا ينقطع حكم الإرسال أيضًا، كما لو لم ينعطف يمنة أو يسرة.
قوله: (وكذا إذا وقفت ثم سارت)؛ يعني: ينقطع حكم الإرسال.
(لأن تلك الوقفة) وفي بعض النسخ: (لأن ذلك الوقف).
قوله: (وهذه)؛ أي: وقفة الدابة.
وقوله: (وبخلاف) معطوف على قوله: (بخلاف)؛ لأن حكمهما مخالف لحكم أصل المسألة.
وفي الذخيرة: الفرق بين إرسال الدابة وبين الكلب والبازي: هو أن إرسال الدابة في الطريق إذا لم يتبع مع الدابة وأمكنه الإتباع بعد من صاحبه، فما يولد منه يكون مضمونا عليه فأما إرسال الكلب والبازي من غير إتباع معه ليس يبعد منه؛ لأنه لا يمكنه الإتباع، والمسبب في الإتلاف لا يضمن إلا إذا كان متعديًا.
стр. 7188
الطَّرِيقِ تَعَدٌّ، فَيَضْمَنُ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ، أَمَّا الإِرْسَالُ لِلاِصْطِيَادِ فَمُبَاحٌ، وَلَا تَسْبِيبَ إِلَّا بِوَصْفِ التَّعَدِّي.
قَالَ: (وَلَوْ أَرْسَلَ بَهِيمَةً فَأَفْسَدَتْ زَرْعًا عَلَى فَوْرِهِ، ضَمِنَ الْمُرْسِلُ، وَإِنْ مَالَتْ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا وَلَهُ طَرِيقٌ آخَرُ لَا يَضْمَنُ) لِمَا مَرَّ، (وَلَوِ انْفَلَتَتِ الدَّابَّةُ فَأَصَابَتْ مَالًا، أَوْ آدَمِيًّا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا: لَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِهَا) لِقَوْلِهِ ﵊: «جُرْحُ العَجْمَاءِ جُبَارٌ» وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: هِيَ المُنْفَلِتَةُ، وَلِأَنَّ الفِعْلَ غَيْرُ مُضَافٍ إِلَيْهِ لِعَدَمِ مَا يُوجِبُ النِّسْبَةَ إِلَيْهِ مِنْ الإِرْسَالِ وَأَخَوَاتِهِ.
قوله: (فمباح): ولا يقيد بشرط السلامة؛ لأنه لا يمكن إتباع الطير، ويمكن إتباع الدابة.
قوله: (فأفسدت زرعا على فوره)؛ أي: الإرسال. والمراد بفور الإرسال: ألا تميل يمينا ولا شمالًا.
(وقال محمد ﷺ : هي المنفلتة) (١) أي: العجماء التي أهدر النبي ﷺ [فعلها] (٢) هي المنفلتة (٣)، لا التي أرسلت، فإن إفساد المرسلة إذا كان في فور الإرسال ليس بجبار، وإنما ذكر التفسير لئلا يجري الحديث على عمومه، كما قال مالك.
قوله: (وأخواته): من السوق، والقود، والركوب. وفي بعض النسخ: (وأخواتها).
ثم المنفلتة إذا أفسدت (٤) زرع إنسان ليلا أو نهارًا؛ لا يضمن صاحبها عندنا، وهو قول أصحاب الظاهر؛ لقوله ﵊: «العَجماء جبار» (٥).
ولأنها أفسدت وليست يده عليها لا حقيقةً ولا حكمًا فلا يضمن، كما لو كان نهارًا.
стр. 7189
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الشافعي، وأحمد، وأكثر فقهاء الحجاز، ومالك: يضمن؛ لما أفسدت ليلا دون النهار؛ لما روي عن الزهري عن حرام بن سعد بن محيصة، أن ناقةً للبراء دخلت حائط قوم فأفسدته، فقضى ﷺ «أن على أهل الأموال حفظها بالنهار، وما أفسدته بالليل فهو مضمون عليهم» (١).
قال ابن عبد البر: إن كان هذا مرسلًا فهو مشهور، تلقاه فقهاء الحجاز بالقبول.
ولأن العادة في المواشي إرسالها في النهار للرعي، وحفظها ليلا، وعادة أهل الحوائط حفظها نهارًا دون الليل فإذا ذهبت ليلا؛ كان التفريط من صاحبها بتركه حفظها، في وقت عادة الحفظ، وفي النهار كان التفريط من أهل الزرع، فكان عليهم، ولهذا فرق النبي ﷺ .
وأما غير الزرع فلا يحتاج إلى حفظها عادة، فلا يضمن، فعلى هذا: لو أحرز المواشي صاحبها، فانفلتت وأفسدت الزرع؛ لا يضمن عند بعض أصحاب الشافعي، وأحمد؛ لعدم التعدي منه.
وعن بعض أصحاب مالك: لو أهملها صاحبها ولم يجعل عليها حافظًا بالنهار فأفسد الزرع؛ يضمن.
قلنا: حديثنا متفق عليه مشهور، وما رواه الشافعي مرسل، وليس بحجة عنده، وأحسن طرقه: ما رواه مالك عن الزهري عن حرام بن سعد بن محيصة مرة يرويه عن أبيه، ولا صحبة لأبيه، ومرة عن البراء فقط، وحرام بن سعد بن محيصة مجهول، لم يرو عنه أحد إلا الزهري، ولا يعلم للزهري عنه غير هذا الحديث، ولم يوثقه الزهري، وهو قد يروي عمن لا يوثق، كروايته (٢) عن سليمان بن قرم، ومنهال مولى أم سلمة، وغيرهم من المجاهيل، والهلكي، فسقط التعلق بهذا الخبر، مع أنه يجوز أنه ﵊ أوجب الضمان
стр. 7190
قَالَ: (شَاةٌ لِقَصَّابِ فُقِئَتْ عَيْنُهَا، فَفِيهَا مَا نَقَصَهَا) لِأَنَّ المَقْصُودَ مِنْهَا هُوَ اللَّحْمُ، فَلَا يُعْتَبَرُ إِلَّا النُّقْصَانُ (وَفِي عَيْنِ بَقَرَةِ الجَزَارِ وَجَزُورِهِ رُبْعُ القِيمَةِ، وَكَذَا فِي عَيْنِ الحِمَارِ وَالبَغْلِ وَالفَرَسِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِيهِ النُّقْصَانُ أَيْضًا اعْتِبَارًا بِالشَّاةِ. وَلَنَا: مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَضَى فِي عَيْنِ الدَّابَّةِ بِرُبْعِ القِيمَةِ» وَهَكَذَا قَضَى عُمَرُ ﵁، وَلِأَنَّ فِيهَا مَقَاصِدَ سِوَى اللَّحْمِ كَالحَمْلِ وَالرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ وَالجَمَالِ وَالعَمَلِ، فَمِنْ هَذَا الوَجْهِ تُشْبِهُ الآدَمِيَّ، وَقَدْ تُمْسَكُ لِلْأَكْلِ، فَمِنْ هَذَا.
في حديث البراء إذا كان أرسلها صاحبها، وتكون فائدة الخبر إيجاب الضمان بسوقه وإن لم يعلم بإفساده، فبين تساوي حكم العلم والجهل فيه.
قوله: (وفي عين بقرة الجزار) إلى آخره: الجَزْرُ: القَطْعُ، ومنه جزر الجزور، والجزور: ما أعد للنحر، يقع على الذكر والأنثى. كذا في الصحاح (١).
وفي جامع البزدوي: إنما وضع المسألة على هذا الوجه، أعني: لم يقل في عين البقرة والجزور مطلقا؛ ليبين أن البقر والجزور وإن أُعِدًا للحم كما في الشاة، لا يختلف الجواب فيهما، يعني: يجب ربع قيمتهما، سواء كانا مُعدين للحم، أو للحرث والحمل والركوب، كما في الذي لا يؤكل لحمه، كالحمار والبغل.
والفرق: أن الشاة لا ينتفع بها للعمل، بل ينتفع بها كالأمتعة، فضمنت النقصان من غير تقدير، فأما البهائم؛ فإنها عاملة كالآدمي، فينتفع بها لغير العمل أيضًا، فأشبه الإنسان من وجه، والشاة من وجه، فوجب بنصف التقدير الواجب في الإنسان عملا بهما.
قوله: (وقال الشافعي) إلى آخره وهو قياس قول مالك، وأحمد.
(ولأنه)؛ أي: الشاة إلى آخره: قالوا هذا الدليل غير معول عليه؛ لأنه لو كان المعتبر هذا ينبغي أن يجب نصف قيمتها إذا فقئت عينها، وحيث يجب النقصان؛ لأنه ذكر التمرتاشي: تجب القيمة إن سلم الجثة، وإن أمسكها ضمن النقصان، وكذا في جامع بكر.
стр. 7191
الوَجْهِ تُشْبِهُ المَأْكُولَاتِ، فَعَمِلْنَا بِالشَّبَهَيْنِ، بِشَبَهِ الآدَمِيِّ فِي إِيجَابِ الرُّبْعِ، وَبِالشَّبَهِ الآخَرِ فِي نَفْيِ النِّصْفِ، وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا يُمْكِنُ إِقَامَةُ العَمَلِ بِهَا بِأَرْبَعَةِ أَعْيُنٍ: عَيْنَاهَا وَعَيْنَا المُسْتَعْمِلِ، فَكَأَنَّهَا ذَاتُ أَعْيُنٍ أَرْبَعَةِ، فَيَجِبُ الرُّبْعُ بِفَوَاتِ إِحْدَاهَا.
قَالَ: (وَمَنْ سَارَ عَلَى دَابَّةٍ فِي الطَّرِيقِ، فَضَرَبَهَا رَجُلٌ، أَوْ نَخَسَهَا، فَنَفَحَتْ رَجُلًا أَوْ ضَرَبَتْهُ بِيَدِهَا، أَوْ نَفَرَتْ، فَصَدَمَتْهُ فَقَتَلَتْهُ، كَانَ ذَلِكَ عَلَى النَّاخِسِ دُونَ الرَّاكِبِ) هُوَ المَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄، وَلِأَنَّ الرَّاكِبَ وَالمَرْكَبَ مَدْفُوعَانِ بِدَفْعِ النَّاخِسِ، فَأُضِيفَ فِعْلُ الدَّابَّةِ إِلَيْهِ، كَأَنَّهُ فَعَلَهُ بِيَدِهِ،
قوله: (بأربعة أعين) وفي بعض النسخ: (بأربع أعين).
قوله: (على الناخس دون الراكب)؛ يعني: إذا نخسها بغير إذن الراكب والسائق، وبه صرح في المبسوط (١)، ولا يعلم فيه خلاف.
النخس: الطعن بعود ونحوه، من باب منع، ومنه: نَخَّاس الدواب دلالها. (كأنه)؛ أي: الناخس (فعله بيده).
وفي المبسوط: جعل الناخس بمنزلة المباشر؛ لأنه لما نخسه ومن عادة الدابة النفحة والوثبة عند النخس؛ فكان الراكب والدابة كالمدفوع عليه، فأضيف الفعل إلى المباشر المتعدي (٢).
فإن قيل: في فعل المباشر لا يشترط التعدي في وجوب الضمان، كالنائم إذا انقلب على إنسان أو على مال فأهلكه؛ يجب الضمان عليه، والنائم لا يوصف بالتعدي، وكذا الرامي في ملكه؛ يجب الضمان عليه إذا أتلف شيئًا برميه، وهو متصرف في ملكه، والراكب مباشر دون الناخس؛ ألا ترى أن حرمان الإرث والوصية والكفارة أحكام مرتبة على المباشرة، وذلك يثبت في حق الراكب دون غيره.
قلنا: نعم كذلك، ويندرج جوابه في قوله. ولأن الراكب والمركوب مدفوعان بدفع الناخس، وإذا كانا مدفوعين (٣) بدفع الناخس؛ تعذر إيجاب
стр. 7192
وَلِأَنَّ النَّاخِسَ مُتَعَدِّ فِي تَسْبِيبِهِ، وَالرَّاكِبُ فِي فِعْلِهِ غَيْرُ مُتَعَدِّ، فَيَتَرَجَّحُ جَانِبُهُ فِي التَّغْرِيمِ لِلتَّعَدِّي، حَتَّى لَوْ كَانَ وَاقِفًا دَابَّتَهُ عَلَى الطَّرِيقِ، يَكُونُ الضَّمَانُ عَلَى الرَّاكِبِ وَالنَّاخِسِ نِصْفَيْنِ، لِأَنَّهُ مُتَعَدِّ فِي الإِيقَافِ أَيْضًا. قَالَ: (وَإِنْ نَفَحَتِ النَّاخِسَ، كَانَ دَمُهُ هَدَرًا) لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الجَانِي عَلَى نَفْسِهِ (وَإِنْ أَلْقَتِ الرَّاكِبَ فَقَتَلَتْهُ، كَانَ دِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ النَّاخِسِ) لِأَنَّهُ مُتَعَدِّ فِي تَسْبِيبِهِ، وَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى العَاقِلَةِ. قَالَ: (وَلَوْ وَثَبَتْ بِنَخْسِهِ عَلَى رَجُلٍ، أَوْ وَطِئَتْهُ فَقَتَلَتْهُ، كَانَ ذَلِكَ عَلَى النَّاخِسِ دُونَ الرَّاكِبِ) لِمَا بَيَّنَّاهُ، وَالوَاقِفُ فِي مِلْكِهِ وَالَّذِي يَسِيرُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يَجِبُ الضَّمَانُ
الضمان على الراكب بالمباشرة، وتعذر إيجابه بالتسبيب؛ لأنه لم يكن متعديا (١) فيه، وأما الناخس فمتعد فيه، فأوجبنا الضمان عليه.
ولا يقال: ينبغي أن يضمن الناخس النفحة كالراكب والسائق، إذ لا يمكنه الاحتراز عنه على ما ذكرنا، وحيث يضمن؛ لأن الناخس متعد في التسبيب، حيث نخس بغير إذنهما، والسائق والراكب غير متعد، فلا يضمنان النفحة؛ لعدم تمكن الاحتراز عنه، أما الناخس فمتعد، فيضمن النفحة. ذكره في المبسوط.
قوله: (ولأن الناخس متعد في تسبيبه): وإنما قلنا: إنه مسبب؛ لأن من عادة الدابة عند (٢) النخس النفحة والوثبة.
قوله: (واقفا دابته): هذا من الوقف لا من الوقوف.
(ولما بينا)؛ إشارة إلى قوله: (لأنه متعد في تسبيبه).
(والواقف في الملك والذي يسير سواء في ذلك)؛ أي: في وجوب الضمان على الناخس (٣). ولعدم التعدي في الواقف والسائر، ووجود التعدي في الناخس.
وقيد بالملك هاهنا في الوقوف والسير؛ لأنه إذا كان الراكب واقفًا في بعض الطريق الذي لم يؤذن في الوقوف، فضرب إنسان دابته بإذنه، فنفحت
стр. 7193
عَلَى النَّاخِسِ وَالرَّاكِبِ نِصْفَيْنِ، لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِثِقَلِ الرَّاكِبِ وَوَطْءِ الدَّابَّةِ، وَالثَّانِي مُضَافُ إِلَى النَّاخِسِ، فَيَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ نَخَسَهَا بِإِذْنِ الرَّاكِبِ، كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ فِعْلِ الرَّاكِبِ لَوْ نَخَسَهَا، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي نَفْحَتِهَا، لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِمَا يَمْلِكُهُ، إذ النَّخْسُ فِي مَعْنَى السَّوْقِ، فَصَحَّ أَمْرُهُ بِهِ، وَانْتَقَلَ إِلَيْهِ لِمَعْنَى الْأَمْرِ.
قَالَ: (وَلَوْ وَطِئَتْ رَجُلًا فِي سَيْرِهَا، وَقَدْ نَخَسَهَا النَّاخِسُ بِإِذْنِ الرَّاكِبِ، فَالدِّيَةُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ جَمِيعًا إِذَا كَانَتْ فِي فَوْرِهَا الَّذِي نَخَسَهَا) لِأَنَّ سَيْرَهَا فِي تِلْكَ الحَالَةِ مُضَافٌ إِلَيْهِمَا، وَالإِذْنُ يَتَنَاوَلُ فِعْلَهُ مِنْ حَيْثُ السَّوْقُ، وَلَا يَتَنَاوَلُهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ إتْلَافُ، فَمِنْ هَذَا الوَجْهِ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، وَالرُّكُوبُ وَإِنْ كَانَ عِلَّةَ لِلْوَطْءِ، فَالنَّخْسُ لَيْسَ
إنسانا؛ فالدية على الضارب والراكب نصفين على عاقلتهما؛ لأن الضارب سائق، وكل راكب سائق، فاستويا فضمنا، ولا كفارة عليهما؛ لأن القتل حصل بالتسبيب؛ لأن الراكب أنزل مباشرًا فيما يحصل بالسير دون ما يحصل بالنفحة. كذا في الإيضاح.
قوله: (والثاني)؛ أي: وطء الدابة (مضاف إلى الناخس)؛ لما ذكرنا أن عادة الدابة الوثبة والنفحة عند النخس، فكان الناخس كالسائق لها، والسائق مع الراكب ضامنان. روى ابن سماعة هذا عن أبي يوسف. كذا في المبسوط.
قوله: (ولا ضمان عليه)؛ أي: على الناخس (في نفحتها لأنه)؛ أي: الراكب (أمره)؛ أي: الناخس (بما يملكه)؛ وهو النخس، إلى آخره.
قوله: (مضاف إليهما)؛ أي: إلى الراكب والناخس. وفي بعض النسخ: (إليها)؛ أي: إلى النخسة.
قوله: (والإذن يتناول فعله)؛ أي: فعل الناخس، إلى آخره: هذا جواب سؤال مقدر، وهو أن يقال: ينبغي ألا يضمن الناخس؛ لأنه متى أذنه بالنخس نقل فعله إلى الراكب، فلم يبق متعديًا. فقال: إذنه لهما يصح من حيث إنه سوق، لا من حيث إنه إتلاف فمن هذا الوجه يقتصر عليه فكان متعديًا.
وقوله: (والركوب) إلى آخره جواب سؤال آخر، وهو أن الراكب صاحب
стр. 7194
بِشَرْطَ لِهَذِهِ العِلَّةِ، بَلْ هُوَ شَرْطَ أَوْ عِلَّةٌ لِلسَّيْرِ، وَالسَّيْرُ عِلَّةٌ لِلْوَطْءِ، وَبِهَذَا لَا يَتَرَجَّحُ صَاحِبُ العِلَّةِ، كَمَنْ جَرَحَ إِنْسَانًا فَوَقَعَ فِي بِئْرٍ حَفَرَهَا غَيْرُهُ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَمَاتَ، فَالدِّيَةُ عَلَيْهِمَا، لِمَا أَنَّ الحَفْرَ شَرْطُ عِلَّةٍ أُخْرَى دُونَ عِلَّةِ الجُرْحِ كَذَا هَذَا. ثُمَّ قِيلَ: يَرْجِعُ النَّاخِسُ عَلَى الرَّاكِبِ بِمَا ضَمِنَ فِي الإِيطَاءِ، لِأَنَّهُ فَعَلَهُ بِأَمْرِهِ. وَقِيلَ: لَا يَرْجِعُ، وَهُوَ الْأَصَحُ فِيمَا أَرَاهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالإِيطَاءِ، وَالنَّخْسُ يَنْفَصِلُ عَنْهُ، وَصَارَ كَمَا إِذَا أَمَرَ صَبِيًّا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الدَّابَّةِ بِتَسْبِيرِهَا، فَوَطِئَتْ إِنْسَانًا وَمَاتَ حَتَّى ضَمِنَ
علة؛ إذ الركوب علة الوطء، والناخس صاحب شرط؛ إذ النخس شرط في حق فعل الوطء، وإضافة الحكم إلى العلة أولى من إضافته إلى الشرط.
فقال: (والركوب وإن كان علة للوطء) إلى آخره: تشريحه: إنما يترجح صاحب العلة على الشرط إذا كان شرط تلك العلة، فأما إذا كان شرط علة أخرى فلا يترجح صاحب العلة؛ ألا ترى أن من جرح إنسانًا، ثم سقط المجروح في بئر حفرها غيره على الطريق فمات؛ تجب الدية عليهما، وإن كان أحدهما صاحب علة والآخر صاحب شرط؛ لأن الحفر شرط علة أخرى دون الجرح، فكذا هاهنا، الركوب وإن كان علة للوطء، فالنخس ليس بشرط لهذه العلة، بل هو شرط للسير أو علة للسير، والسير علة للوطء، فصار بمنزلة محصل علة العلة، والحكم لا يمتنع إضافته إلى علة العلة، مع كونه مضافًا إلى حقيقة العلة، فلهذا تجب الدية على عاقلتهما.
(لأنه)؛ أي: الناخس (فعل بأمره)؛ أي: بأمر الراكب، ورجع عليه بما لحقه من العهدة.
قوله: (وهو الأصح فيما أراه)؛ أي: أظنه (لأنه)؛ أي: الراكب أمره بالنخس لا بالإيطاء (والنخس ينفصل عنه)؛ أي: عن الإيطاء، والتلف إنما يحصل بفعل الوطء.
قوله: (بتسييرها) (١): وفي نسخة: (بتسيرها).
стр. 7195
عَاقِلَةَ الصَّبِيِّ، فَإِنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ عَلَى الْآمِرِ، لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالتَّسْبِيرِ، وَالإِيطَاءُ يَنْفَصِلُ عَنْهُ، وَكَذَا إِذَا نَاوَلَهُ سِلَاحًا فَقَتَلَ بِهِ آخَرَ حَتَّى ضَمِنَ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْآمِرِ، ثُمَّ النَّاخِسُ إِنَّمَا يَضْمَنُ إِذَا كَانَ الإِيطَاءُ فِي فَوْرِ النَّخْسِ حَتَّى يَكُونَ السَّوْقُ مُضَافًا إِلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي فَوْرِ ذَلِكَ فَالضَّمَانُ عَلَى الرَّاكِبِ، لِانْقِطَاعِ أَثَرِ النَّخْسِ، فَبَقِيَ السَّوْقُ مُضَافًا إِلَى الرَّاكِبِ عَلَى الكَمَالِ.
(وَمَنْ قَادَ دَابَّةٌ فَنَخَسَهَا رَجُلٌ، فَانْفَلَتَتْ مِنْ يَدِ القَائِدِ، فَأَصَابَتْ فِي فَوْرِهَا، فَهُوَ عَلَى النَّاخِسِ، وَكَذَا إِذَا كَانَ لَهَا سَائِقٌ فَنَخَسَهَا غَيْرُهُ)، لِأَنَّهُ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَالنَّاخِسُ إِذَا كَانَ عَبْدًا فَالضَّمَانُ فِي رَقَبَتِهِ،
وقيد الصبي بصفة الاستمساك؛ لأنه إذا لم يكن مستمسكا على الدابة، وحمله رجل على الدابة، والدابة واقفة ثم سارت فأوطأت؛ لا ضمان على عاقلة الصبي، ولا على الذي حمله؛ لأن سير الدابة لا يكون مضافًا إلى الصبي؛ لأن الصبي عليها بمنزلة المتاع، ولا على الحامل؛ لأنه لم يسير الدابة، فكانت الدابة كالمنفلتة، فيكون فعله هدرًا؛ لقوله ﷺ : «فِعْلُ العَجْمَاءِ جُبَارٌ» (١) والمراد: المنفلتة. كذا في الذخيرة، ولا يعلم فيه خلاف.
قوله: (فالضمان على الناخس) لا على القائد.
قوله: (فنخسها غيره)؛ أي: غير السائق، فالضمان على الناخس لا على السائق.
(لأنه)؛ أي: التلف (مضاف إليه)؛ أي: إلى النخس؛ إذ الانفلات أثر فعل الناخس، وهو شرط التلف. وإنما ذكر وجود القائد والسائق لهذا المعنى، فأما إذا لم يكونا؛ فلا شك في وجوب الضمان على الناخس؛ لأن النخس مضاف إليه، فما تولد منه يكون عليه؛ لأنه مضاف إليه من غير مزاحمة.
قوله: (فالضمان في رقبته)؛ أي: رقبة العبد يدفع بها أو يفدي. هذا إذا
стр. 7196
وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا فَفِي مَالِهِ، لِأَنَّهُمَا مُؤَاخَذَانِ بِأَفْعَالِهِمَا (وَلَوْ نَخَسَهَا شَيْءٌ مَنْصُوبٌ فِي الطَّرِيقِ، فَنَفَحَتْ إِنْسَانًا فَقَتَلَتْهُ، فَالضَّمَانُ عَلَى مَنْ نَصَبَ ذَلِكَ الشَّيْءَ)، لِأَنَّهُ مُتَعَدِّ بِشَغْلِ الطَّرِيقِ، فَأُضِيفَ إِلَيْهِ كَأَنَّهُ نَخَسَهَا بِفِعْلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
نخسه بغير إذن الراكب، أما إذا نخسه بإذنه، فإن كان التلف بالنفحة؛ فلا ضمان على الراكب والعبد إذا كان يسير في الطريق؛ لأن فعل المأمور كفعل الأمر. ولو كان بالوطأة في فور النخسة؛ فعلى عاقلة الراكب نصف الدية، وفي عتق العبد نصف الدية، يدفعه مولاه أو يفديه، بمنزلة السائق مع الراكب، إلا أن المولى يرجع على الأمر بالأقل من قيمة العبد ومن نصف الدية؛ لأنه صار غاصبا للعبد باستعماله إياه في نخس الدابة، فإذا لحقه ضمان بذلك السبب؛ كان للمولى أن يرجع على المستعمل له، وكذا لو أمره بسوق الدابة أو بقودها (١).
ولو كان الراكب عبدًا فأمر عبدا آخر فساق دابته فأوطأت فقتلت؛ فالدية على أعناقهما (٢) نصفين، يدفعان أو يفديان بمنزلة السائق، ولا شيء لمولى العبد المأمور على الراكب إذا كان الراكب محجورًا عليه حتى يعتق؛ لأن سبب وجوب هذا الضمان استعماله إياه بالقول، والمحجور لا يؤاخذ بضمان القول حتى يعتق، وبعد العتق عليه قيمة المأمور لمولاه. وإن كان تاجراً أو مكاتبا؛ فهو دين في عنقه؛ لأنه من أخذ بضمان القول في الحال. كذا في المبسوط (٣).
قوله: (وإذا كان)؛ أي: الناخس (صبيا) فهو كالرجل في أن الضمان على عاقلته؛ لأنه يؤاخذ بأفعاله كالبالغ. كذا في المبسوط (٤).
وفي الكافي: وقوله في الهداية: (ففي ماله) يحتمل أن يراد به: إذا كانت الجناية على المال، أو فيما دون أرش الموضحة؛ لما أن جنايته إذا كانت موجبة للدية؛ فعلى عاقلته.
стр. 7197
بَابُ جِنَايَةِ المَمْلُوكِ وَالجِنَايَةِ عَلَيْهِ
قَالَ: (وَإِذَا جَنَى العَبْدُ جِنَايَةَ خَطَرٍ، قِيلَ لِمَوْلَاهُ: إِمَّا أَنْ تَدْفَعَهُ بِهَا، أَوْ تَفْدِيهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: جِنَايَتُهُ فِي رَقَبَتِهِ يُبَاعُ فِيهَا، إِلَّا أَنْ يَقْضِيَ المَوْلَى الْأَرْشِ، وَفَائِدَةُ الاخْتِلَافِ فِي اتِّبَاعِ الجَانِي بَعْدَ العِتْقِ.
بَابُ جِنَايَةِ الْمَمْلُوكِ وَالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ
لما فرغ من جناية الحر وهو المالك شرع في جناية العبد وهو المملوك؛ لانحطاط رتبته عن الحر.
الأصل أن جناية العبد توجب الدفع أو الفداء عندنا على المولى، وعند الشافعي: الوجوب على العبد يباع فيها إلا أن يفديه المولى (١).
وإنما قيد جنايته خطأ؛ لأن في العمد على النفس يجب القصاص عليه، وفيما دون النفس تجب الدية خطأ أو عمدًا؛ لأن القصاص لا يجري فيه بين العبيد والعبيد، ولا بين العبيد والأحرار فيما دون النفس، وإنما يقال للمولى بالدفع والفداء بعد الاستيفاء؛ لأنه لا يقضى على المولى بشيء في ذلك حتى يبرأ المجني عليه كما في جناية الحر؛ لأن موجب الجناية يختلف بالسراية وعدمها، فلم يصر ذلك معلومًا قبل الاستيفاء، والقضاء بالمجهول غير ممكن، كذا في المبسوط (٢).
قوله: (وفائدة الاختلاف في اتباع الجاني بعد العتق) يعني أن المجني عليه عند الشافعي يتبع العبد بعد العتق، يعني إذا كانت قيمته غير معادلة للأرش يتبعه بعد العتق، أما لو كان الأرش بعد القيمة يكون على المولى، والمولى مختار للفداء بالعتق.
وفي مبسوط بكر، والأسرار: حاصل الخلاف أن موجب جنايته على الآدمي على العبد عند الشافعي، وعندنا يجب على المولى الدفع أو الفداء، إلا أن الموجب الأصلي الدفع، وله أن يختار الفداء حتى لو هلك العبد قالوا: برئ
стр. 7198
وَالمَسْأَلَةُ مُخْتَلِفَةٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، لَهُ: أَنَّ الْأَصْلَ فِي مُوجِبِ الجِنَايَةِ أَنْ يَجِبَ عَلَى المُثْلِفِ لِأَنَّهُ هُوَ الجَانِي، إِلَّا أَنَّ العَاقِلَةَ تَتَحَمَّلُ عَنْهُ، وَلَا عَاقِلَةَ لِلْعَبْدِ، لِأَنَّ العَقْلَ عِنْدِي بِالقَرَابَةِ، وَلَا قَرَابَةَ بَيْنَ العَبْدِ وَمَوْلَاهُ، فَتَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ
المولى، ولو كان الواجب أحد الشيئين والخيار إليه، ينبغي أن يتعين الأرش بعد هلاكه.
وعند الشافعي: موجب جنايته عليه كموجب جنايته على المال، ومن حكم الدين إذا وجب على العبد يخير المولى بين الدفع والبيع في الدين، وبه قال أحمد في رواية.
فعلى هذا لو كان قيمته قدر الأرش أو دونه فالسيد مخير بين الفداء والدفع، وهو قول الحسن، والثوري، والشعبي، وعطاء، ومجاهد، والزهري، وحماد.
وقال أحمد في رواية: يلزم السيد دفعه، وهو قول مالك، والشافعي في قول، إلا أن يفديه بالأرش بالغا ما بلغ؛ لأن بإمساكه فوت محل حقه.
وفي الإيضاح: موجب جنايته صيرورته جزاء جنايته عندنا، قلت الجناية أو كثرت، وللمولى أن يختار الفداء، وعنده الجناية في رقبته يباع فيها إلا أن يفديه المولى.
قوله: (والمسألة مختلفة بين الصحابة) فإنه روي عن علي أنه قال: عبيد الناس أموالهم جزاء جنايتهم في رقاب الناس، كمذهبنا.
وهكذا روي عن ابن عباس، ومعاذ بن جبل، وأبي عبيدة بن الجراح، وروي عن عمر مثل مذهبه، فإنه قال: عبيد الناس أموالهم جزاء جنايته في قيمتهم، أي: في أثمانهم؛ لأن الثمن قيمة العبد، وإذا كانت المسألة مختلفة بينهم فرجحنا قول علي وابن عباس، ومعاذ بحديث روي أنه ﵊: «أمر في عبد جنى جنايةً أن يدفع بها»، كذا في مبسوط شيخ الإسلام (١).
стр. 7199
كَمَا فِي الدَّيْنِ، وَيَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ يُبَاعُ فِيهِ كَمَا فِي الجِنَايَةِ عَلَى المَالِ.
وَلَنَا: أَنَّ الأَصْلَ فِي الجِنَايَةِ عَلَى الْآدَمِيِّ حَالَةَ الخَطَإِ أَنْ تَتَبَاعَدَ عَنْ الجَانِي تَحَرُّزًا عَنِ اسْتِنْصَالِهِ وَالإِجْحَافِ بِهِ، إِذْ هُوَ مَعْذُورٌ فِيهِ، حَيْثُ لَمْ يَتَعَمَّدَ الجِنَايَةَ، وَتَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الجَانِي إِذَا كَانَ لَهُ عَاقِلَةٌ، وَالمَوْلَى عَاقِلَتُهُ، لِأَنَّ العَبْدَ يَسْتَنْصِرُ بِهِ، وَالأَصْلُ فِي العَاقِلَةِ عِنْدَنَا: النُّصْرَةُ، حَتَّى تَجِبُ عَلَى أَهْلِ الدِّيوَانِ بِخِلَافِ الدِّمِّيِّ لِأَنَّهُمْ لَا يَتَعَاقَلُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَلَا عَاقِلَةَ، فَتَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ صِيَانَةٌ لِلدَّمِ عَنْ الهَدَرِ، وَبِخِلَافِ الجِنَايَةِ عَلَى المَالِ؛ لِأَنَّ العَوَاقِلَ لَا تَعْقِلُ المَالَ، إِلَّا أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الدَّفْعِ وَالفِدَاءِ لِأَنَّهُ وَاحِدٌ، وَفِي إِثْبَاتِ الخِيرَةِ نَوْعُ تَخْفِيفِ فِي حَقِّهِ كَيْ لَا يُسْتَأْصَلَ،
قوله: (كما في الدين) وهو ظاهر على ما قلنا، وفي بعض النسخ: (كما في الذمي) يعني إذا قتل الذمي خطأ تجب دية المقتول في ذمته لا على عاقلته كما في إتلاف المال، وقوله بعد هذا: (بخلاف الذمي) يدل على صحة هذه النسخة.
قوله: (ولنا) إلى آخره [تشريحه] (١) الضمان الواجب بالجناية على الآدمي ضمان صلة وجب دفعا لوحشة القتل عن أولياء المقتول، وصونًا للدم عن الهدر؛ فوجبت على العاقلة، والعبد ليس بأهل لإيجاب الصلة عليه، وتعذر إهدار الدم، فلا بد من صونه بقدر الإمكان، فجعلنا نفسه جزاء جنايته، وصيرورته جزاء لجنايته في العمد، إلا أن يختار المولى الفداء فيكون له ذلك؛ لأن مقصود المجني عليه يحصل بوصول المتلف بكماله، بخلاف إتلاف المال فإنه لا يستحق به نفس المتلف بحال شرعًا، أو لأن الأصل في موجب جناية الخطأ أن يتباعد عن الجاني لكونه معذورًا، والخطأ موضوع شرعًا، ويتعلق بأقرب الناس إليه، وهو العاقلة تخفيفا على المخطئ إلى آخر ما ذكر في المتن.
قوله: (إلا أنه) أي: المولى (يخير) يعني لما كان المولى عاقلته ينبغي ألا يخير بين الدفع والفداء، كما لا يثبت الخيار في سائر العواقل، فقال: إنما يخير إلى المولى؛ لأنه واحد هاهنا في كونه عاقلة، وفي إثبات الخيار له نوع تخفيف عليه (٢)،
стр. 7200
غَيْرَ أَنَّ الوَاجِبَ الأَصْلِيَّ هُوَ الدَّفْعُ فِي الصَّحِيحِ، وَلِهَذَا يَسْقُطُ المُوجِبُ بِمَوْتِ العَبْدِ
بخلاف سائر العواقل؛ لأن فيهم كثرة ويثبت التخفيف بالتوزيع عليهم، فلا يثبت الخيار لهم.
وقوله: (غير أن الواجب الأصلي هو الدفع في الصحيح) جواب سؤال مقدر وهو أن يقال: لو كان موجب جنايته على ذمة المولى ينبغي ألا تسقط بموت العبد كما في الحر الجاني إذا مات لا يسقط العقل عن عاقلته.
فقال: الموجب الأصلي هو الدفع، وإن كان له حق النقل إلى الفداء كما في مال الزكاة، فإن الموجب الأصلي فيه جزء من النصاب، وللمالك حق النقل إلى القيمة والأداء من مال، وتسقط الزكاة بهلاك النصاب فكذا هاهنا، بخلاف الجاني الحر فإن الواجب لا يتعلق بذمته، بل يجب على العاقلة، فلم يحصل بموته فوات محل الواجب كالعبد في صدقة الفطر، يعني إذا مات العبد لا تسقط صدقة الفطر عن المولى.
وقوله: (في الصحيح) احتراز عن رواية أخرى ذكرها التمرتاشي قيل: الأصل هو الدية والأرش، لكن للمولى دفع هذا الواجب بدفع الجاني، وله المخلص عن الواجب بالدفع.
وفي الأسرار أيضًا: لكن الرواية بخلاف هذا في غير موضع، نص محمد ﵀ أن الواجب هو العبد؛ لأن المولى ليس بجانٍ، ولا عاقلة هو للعبد؛ لأن ولاية القرابة منقطعة بالرق والمولى ما اشتراه ليواليه، ويعقل عنه بل ليستخدمه.
قوله: (ولهذا يسقط الموجب بموت العبد) سواء مات بآفة سماوية، أو بعثه المولى في حاجته، أو استخدامه، فلا ضمان عليه في ذلك؛ لأن للمولى حق الاستخدام في العبد الجاني ما لم يدفعه، فلا يكون فعله ذلك تعديًا، كذا في المبسوط.
يعني إذا برئ المولى بموته قبل اختيار الفداء من الدفع أو الفداء دل أن الموجب الأصلي هو الدفع، إذ لو كان الموجب أحدهما من الدفع
стр. 7201
لِفَوَاتِ مَحَلِّ الوَاجِبِ وَإِنْ كَانَ لَهُ حَقُّ النَّقْلِ إِلَى الفِدَاءِ كَمَا فِي مَالِ الزَّكَاةِ، بِخِلَافِ مَوْتِ الجَانِي الحُرِّ، لِأَنَّ الوَاجِبَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالحُرِّ اسْتِيفَاءَ، فَصَارَ كَالعَبْدِ فِي صَدَقَةِ الفِطْرِ. قَالَ: (فَإِنْ دَفَعَهُ مَلَكَهُ وَلِيُّ الجِنَايَةِ، وَإِنْ فَدَاهُ فَدَاهُ بِأَرْشِهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ يَلْزَمُ حَالًا) أَمَّا الدَّفْعُ: فَلِأَنَّ التَّأْجِيلَ فِي الأَعْيَانِ بَاطِلٌ وَعِنْدَ اخْتِيَارِهِ الوَاجِبَ عُيِّنَ.
أو الفداء ينبغي أن يتعين الأرش بموته وليس كذلك.
وقوله: (ولهذا يسقط الموجب بموت العبد) لإيضاح أصالة الدفع لا الفداء.
فإن قيل: هذا الحكم ثابت في إتلافه المال حيث يسقط ضمان المال بموت العبد أيضًا، ذكره المحبوبي، والتمرتاشي صريحًا وشيخ الإسلام في مبسوطه إشارة، فكيف يكون إيضاحا له؟
قيل: حاصل كلامه أن في الصورتين تعلق الحق برقبة العبد فيفوته بفوت محل التعلق.
وحاصله: أن الدفع حاصل أيضًا في صورة إتلاف المال [لا ولاية] (١) بيعه للغرماء، فكان مدفوعا إليهم.
قوله: (وكل ذلك) أي: من الدفع أو الغريم (يلزم) المولى (حالا) وإن كان الواجب على المولى كالواجب على العاقلة، وما وجب على العاقلة مؤجل، وهاهنا يجب حالا؛ لأن الواجب عليه إما الدفع فلا يجوز التأجيل فيه؛ لأنه عين، والتأجيل في الأعيان باطل؛ لأن التأجيل شرع للتحصيل، وتحصيل الحاصل باطل، وإما الفداء فلأنه جعل بدلًا عن العبد شرعًا، وكان حالا فكذا بدله؛ لأن للبدل حكم المبدل.
فإن قيل: قد يختلف حكم البدل، فإن القصاص لا يتعلق به حق الموصى له، وإذا صار مالا يتعلق حقه به، والمال هناك بدل عن القصاص، وكذا التيمم بدل عن الوضوء مع أن النية شرط فيه دون الوضوء، وأداء الصلاة وقضاؤها يختلفان في حق اقتداء المسافر بالمقيم، فإن الأداء يصير أربعًا دون القضاء.
قلنا: نعم كذلك إلا أن الأصل في الدين أن يكون حالا، والأجل يثبت
стр. 7202
وَأَمَّا الفِدَاءُ: فَلِأَنَّهُ جُعِلَ بَدَلًا عَنْ العَبْدِ فِي الشَّرْعِ، وَإِنْ كَانَ مُقَدَّرًا بِالمُتَلَفِ، وَلِهَذَا سُمِّيَ فِدَاءٌ، فَيَقُومُ مَقَامَهُ وَيَأْخُذُ حُكْمَهُ، فَلِهَذَا وَجَبَ حَالًّا كَالمُبْدَلِ (وَأَيُّهُمَا اخْتَارَهُ وَفَعَلَهُ، لَا شَيْءَ لِوَلِيّ الجِنَايَةِ غَيْرُهُ) أَمَّا الدَّفْعُ: فَلِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، فَإِذَا خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّقَبَةِ سَقَطَ وَأَمَّا الفِدَاءُ: فَلِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ إِلَّا الْأَرْضُ، فَإِذَا أَوْفَاهُ حَقَّهُ سَلَّمَ العَبْدَ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ شَيْئًا حَتَّى مَاتَ العَبْدُ، بَطَلَ حَقُّ المَجْنِي عَلَيْهِ، لِفَوَاتِ مَحَلِّ حَقِّهِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَمَا اخْتَارَ الفِدَاءَ، لَمْ يَبْرَأ، لِتَحَوُّلِ
بعارض شرط التأجيل كما ذكرنا في كتاب الكفالة، ولما لم يثبت شرط التأجيل في الفداء يجب حالا، ولكن ذكر النظر إلى المبدل لبيان رجحان جانب الحول، فإن الفداء لما وجب بمقابلة النفس، والمولى بمنزلة العاقلة، ينبغي أن يجب مؤجلا كما في العاقلة، وإن لم يذكر شرط التأجيل.
ومن حيث إن الفداء دين في ذمته يجب حالا كسائر الديون، فلما تعارض جانبا الأصل والحلول رجحنا جانب الحلول بأنه فرع لأصل هو مال، فيجب أن يكون حالا لئلا يفارق الخلف الأصل.
أما مخالفتهما في تلك المسائل لمعان ذكرناها في مواضعها: وهي أن القصاص غير صالح لحق الموصى له بالمال، فلا يتعلق به، والتراب غير مطهر بنفسه، فلا بد من إلحاق النية، وصلاة المسافر في الوقت قال: للتغيير، وفي القضاء لا؛ إذ في اقتداء المسافر بالمقيم خارج الوقت بناء القوي على الضعيف في حق القعدة الأولى.
قوله: (فإذا خلى بينه وبين الرقبة سقط) أي: سقط حق المطالبة من المولى، كالوارث إذا خلى بين الغرماء وبين التركة.
وقوله: (على ما بيناه) إشارة إلى قوله: (غير أن الموجب الأصلي هو الدافع) إلى آخره.
(بعد ما اختار الفداء) أي: صريحا أو دلالة قولا وفعلا، لأن التعيين يحصل بأيهما كان بخلاف التعيين في أنواع الكفارة، حيث لا يحصل بالقول؛ لأن في حقوق الله تعالى المقصود هو الفعل؛ لأن المقصود هو الابتداء وذلك
стр. 7203
الحَقُّ مِنْ رَقَبَةِ العَبْدِ إِلَى ذِمَّةِ المَوْلَى. قَالَ: (فَإِنْ عَادَ فَجَنَى، كَانَ حُكْمُ الجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ كَحُكْمِ الجِنَايَةِ الأُولَى) مَعْنَاهُ: بَعْدَ الفِدَاءِ، لِأَنَّهُ لَمَّا طَهُرَ عَنِ الجِنَايَةِ بِالْفِدَاءِ، جُعِلَ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ، وَهَذَا ابْتِدَاءُ جِنَايَةِ. قَالَ: (وَإِنْ جَنَى جِنَايَتَيْنِ، قِيلَ لِلْمَوْلَى: إِمَّا أَنْ تَدْفَعَهُ إِلَى وَلِيِّ الجِنَايَتَيْنِ يَقْتَسِمَانِهِ عَلَى قَدْرِ حَقَّيْهِمَا، وَإِمَّا أَنْ تَفدِيَهُ بِأَرْشِ كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) لِأَنَّ تَعَلَّقَ الأَوَّلِ
بالفعل، أما في حقوق العباد تعين المحل لا للفعل، والتعين يحصل بالفعل، وكان القول محققا غرض صاحب الحق.
قوله: (حكم الجناية الأولى) أي: يقال للمولى: ادفعه أو افده، كما في الجناية الأولى.
قوله: (معناه بعد الفداء) إنما فسر المسألة بهذا؛ لأن لو لم يفد الجناية الأولى، ثم جنى أخرى كانت المسألة عين المسألة الثانية، وهي قوله: (وإن جنى جنايتين) إلى آخره.
قوله: (لأن تعلق الأولى) (١) أي: الجناية الأولى، ولا يمنع تعلق الثانية، وبه قالت الأئمة الثلاثة، والحسن، وحماد، وربيعة.
وعن شريح: يدفع إلى ولي الجناية الأولى، إلا أن يفديه مولاه، ثم يدفع إلى الثاني، ثم إلى الثالث، وبه قال الشعبي، وقتادة؛ لأن الجناية الثانية وردت على محل مستحق، فقدم صاحبها.
وقلنا: تساويا في سبب تعلق الحق فتساووا (٢) في الاستحقاق كما لو جنى عليهم دفعة واحد.
ألا ترى أن حقيقة الملك للمولى لا يمنع تعلق [الحق] (٣)، فحق التملك أولى أن لا يمنع بخلاف الراهن لو مات بعد الرهن وعليه ديون أخرى سوى دين المرتهن لحقه قبل الرهن أو بعده، حيث لا تتعلق سائر الديون بالرهن لمنع
стр. 7204
بِرَقَبَتِهِ لَا يَمْنَعُ تَعَلَّقَ الثَّانِيَةِ بِهَا كَالدُّيُونِ المُتَلَاحِقَةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مِلْكَ المَوْلَى لَمْ يَمْنَعْ تَعَلَّقَ الجِنَايَةِ، فَحَقُّ المَجْنِي عَلَيْهِ الأَوَّلِ أَوْلَى أَنْ لَا يُمْنَعَ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: عَلَى قَدْرِ حَقَّيْهِمَا: عَلَى قَدْرِ أَرْشِ جِنَايَتِهِمَا (وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً: يَقْتَسِمُونَ العَبْدَ المَدْفُوعَ عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمْ، وَإِنْ فَدَاهُ فَدَاهُ بِجَمِيعِ أُرُوشِهِمْ لِمَا ذَكَرْنَا (وَلَوْ قَتَلَ وَاحِدًا وَفَقَأَ عَيْنَ آخَرَ يَقْتَسِمَانِهِ أَثْلَاثًا)، لِأَنَّ أَرْشَ العَيْنِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ أَرْشِ النَّفْسِ، وَعَلَى هَذَا حُكْمُ الشَّجَاتِ وَلِلْمَوْلَى أَنْ يَفْدِيَ مِنْ بَعْضِهِمْ وَيَدْفَعَ إِلَى بَعْضِهِمْ مِقْدَارَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقَّهُ مِنْ العَبْدِ) لِأَنَّ الحُقُوقَ مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلَافِ أَسْبَابِهَا، وَهِيَ الجِنَايَاتُ المُخْتَلِفَةُ، بِخِلَافِ مَقْتُولِ العَبْدِ إِذَا كَانَ لَهُ وَلِيَّانِ: لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْدِيَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَيَدْفَعَ إِلَى الآخَرِ، لِأَنَّ الحَقَّ مُتَّحِدٌ لاتِّحَادِ سَبَبِهِ، وَهِيَ الجِنَايَةُ المُتَّحِدَةُ، وَالحَقُّ يَجِبُ لِلْمَقْتُولِ، ثُمَّ لِلْوَارِثِ خِلَافَةٌ عَنْهُ، فَلَا يَمْلِكُ التَّفْرِيقَ فِي مُوجَبِهَا.
حق المرتهن تعلق غيره، وملك الراهن لا يمنع لما أن الرهن إيفاء حكمًا، والارتهان استيفاء حكمي فيعتبر بالإيفاء والاستيفاء الحقيقي، وهنالك لا يتعلق، فكذا في الحكمي، أما هاهنا مجرد التعلق لا الإيفاء ولا الاستيفاء لا حقيقة ولا حكما، فلا يتنافيان بالتعلق برقبة العبد الجاني.
ومعنى قوله: (على قدر حقيهما) لأن المستحق يستحقه عوضًا عما فات، فلا بد أن يقسم على قدر العوض، كذا في الإيضاح.
وقوله: (لما ذكرناه) هو قوله: (لأن تعلق الأولى (١) برقبته لا يمنع تعلق الثاني).
(لأن أرش العين) أي: العين الواحدة.
قوله: (والحق يجب للمقتول) إلى آخره جواب إشكال، وهو أن يقال: الحق إن كان متحدا بالنظر إلى سببه فهو متعدد بالنظر إلى المستحقين، فينبغي أن يكون حكم هذه المسألة مثل المسألة الأولى، فقال: لا نسلم أن المستحق متعدد، بل واحد أيضًا كالسبب؛ لأن الأصل في الاستحقاق الميت وهو واحد،
стр. 7205
قَالَ: (فَإِنْ أَعْتَقَهُ المَوْلَى - وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِالجِنَايَةِ - ضَمِنَ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ أَرْشِهَا، وَإِنْ أَعْتَقَهُ بَعْدَ العِلْمِ بِالجِنَايَةِ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَرْشُ) لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ فَوَّتَ حَقَّه، فَيَضْمَنُهُ، وَحَقَّهُ فِي أَقَلِّهِمَا، وَلَا يَصِيرُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ، لِأَنَّهُ لَا اخْتِيَارَ بِدُونِ العِلْمِ، وَفِي الثَّانِي: صَارَ مُخْتَارًا، لِأَنَّ الإِعْتَاقَ يَمْنَعُهُ مِنَ الدَّفْعِ، فَالْإِقْدَامُ عَلَيْهِ اخْتِيَارُ مِنْهُ لِلْآخَرِ، وَعَلَى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ البَيْعُ وَالهِبَةُ وَالتَّدْبِيرُ وَالِاسْتِيلَادُ، لِأَنَّ كُلَّ
والوارثان خلف عنه، فكان الاعتبار لاتحاد الأصل.
فإن قيل: اعتبار جانب الوارث أولى؛ لأن الملك له حقيقة وحكما، وللميت حكما لا حقيقة؛ لأنه ليس من أهل الملك حقيقة، وإذا اعتبرنا جانب الوارثين ينبغي أن يتمكن من أن يفدي أحدهما ويدفع الآخر، كما لو اختلف الجانبان.
قلنا: يتمكن في رواية كتاب الدور، أما في عامة الروايات يصير المولى مختارًا للفداء في حق الجميع باختيار الفداء في أحدهما؛ لما أن ملك الميت أصل، وملك الوارث بناء عليه، فكان اعتبار الأصل أولى، إليه أشار في الذخيرة.
قوله: (ضمن الأقل من قيمته ومن أرشها) وبه قال الشافعي في قول، وأحمد في رواية.
وقال الشافعي: يلزمه تمام الأرش، وبه قال مالك، وأحمد في رواية، كما لو أعتقه بعد العلم بالجناية؛ لأنه امتنع عن تسليمه بإعتاقه، فصار بمنزلة امتناعه من تسليمه باختيار الفداء.
وقلنا: لما أعتقه بدون العلم لم يختر الفداء؛ لعدم العلم بالجناية، ولكن فوّت محل حقه، فيلزمه حقه وهو الأقل قيمته ومن الأرش.
قوله: (وعلى هذا الوجه) (١) وهو العلم بالجناية وعدم العلم بها، ويجيء خلاف الأئمة الثلاثة فيه أيضًا بجواز [بيعه] (٢) على قول عند الشافعي.
стр. 7206
ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ الدَّفْعَ لِزَوَالِ المِلْكِ بِهِ، بِخِلَافِ الإِقْرَارِ عَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ، لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِهِ حَقٌّ وَلِيِّ الجِنَايَةِ، فَإِنَّهُ المُقَرُّ لَهُ يُخَاطَبُ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ.
وَلَيْسَ فِيهِ نَقْلُ المِلْكِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الأَمْرُ كَمَا قَالَهُ المُقِرُّ، وَأَلْحَقَهُ الكَرْخِيُّ بِالبَيْعِ وَأَخَوَاتِهِ، لِأَنَّهُ مِلْكُهُ فِي الظَّاهِرِ فَيَسْتَحِقُّهُ المُقَرُّ لَهُ بِإِقْرَارِهِ فَأَشْبَهَ البَيْعَ.
وعند أحمد، ومالك وتعلق الجناية برقبته فإن كان المشتري عالما بحاله فلا خيار له؛ لأنه دخل على بصيرة، وينتقل الخيار في فدائه عندهم وتسليمه إلى المشتري كالسيد، وإن [لم] (١) يعلم المشتري بحاله فله الخيار بين إمساكه ورده كسائر المعيبات.
قوله: (بخلاف الإقرار على رواية الأصل) يعني إذا أقر من في يده العبد الجاني بأن العبد لفلان لا يصير مختارًا للفداء لما ذكر في المتن، هذا إذا أثبت بالبينة أن العبد لفلان، أما إذا لم يثبت فلا، فإنه ذكر في المبسوط: لو قال ذو اليد هو وديعة عندي لفلان، أو عارية، أو إجارة، أو رهن، فإن أقام بينة أخر الأمر حتى يقدم الغائب، وإن لم يقم بينة خوطب بالدفع أو الفداء.
وقال زفر: هو مختار للفداء بمجرد قوله: إنه لفلان؛ لأنه زعم أنه لا سبيل له على دفعه، فيجعل به مفوتًا للدفع مختارًا للفداء، كما لو أعتقه.
وقلنا: هو بكلامه يزعم أنه ليس بخصم، واختياره يبتنى على كونه خصمًا، فإذا أثبت بالبينة أنه ليس بخصم، فصار كالمعاينة، وإذا لم يقم بينة فهو خصم باعتبار ظاهر اليد وهو متمكن من دفعه، فيخاطب بالدفع أو الفداء، فإن فداه وحضر الغائب أخذ عبده بغير شيء، لأنه متبرع في هذا الفداء بزعمه، وإن كان دفعه فالغائب بالخيار إن شاء أمضى بذلك، وإن شاء أخذ العبد ودفع الأرش؛ لأن بتصديقه تبين أن الملك له وكان الخيار له (٢).
قوله: (وألحقه الكرخي بالبيع) وفي الإيضاح: رواية الكرخي خارجة عن الأصول، وهو قول زفر، وإطلاق الجواب في الكتاب وهو قوله: (ضمن الأقل
стр. 7207
وَإِطْلَاقُ الجَوَابِ فِي الكِتَابِ يَنْتَظِمُ النَّفْسَ وَمَا دُونَهَا، وَكَذَا المَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ، وَإِطْلَاقُ البَيْعِ يَنْتَظِمُ البَيْعَ بِشَرْطِ الخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي، لِأَنَّهُ يُزِيلُ المِلْكَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الخِيَارُ لِلْبَائِعِ وَنَقَضَهُ، وَبِخِلَافِ العَرْضِ عَلَى البَيْعِ، لِأَنَّ المِلْكَ مَا زَالَ، وَلَوْ بَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا: لَمْ يَصِرْ مُخْتَارًا حَتَّى يُسَلِّمَهُ، لِأَنَّ الزَّوَالَ بِهِ، بِخِلَافِ
من قيمته ومن أرشها) (١).
(لأنه) أي: البيع بشرط جناية المشتري يزيل ملك البائع بالإجماع وإن اختلفوا في ثبوت الملك للمشتري، أما لو كان الخيار للبائع ونقض البيع لم يكن اختيارًا للفداء؛ لأن الدفع لم يفت، وكذا بالعرض على البيع.
وقال زفر: يكون مختارًا للفداء بالبيع بالخيار وبالعرض على البيع لأن ذلك دليل استيفاء الملك، ولهذا يسقط خيار الشرط بهما.
وقلنا: إنما يسقط خيار الشرط بهما للزوم التصرف في ملك الغير في الآخرة على تقدير الفسخ، والتصرف في ملك الغير حرام.
أما هاهنا [لو] (٢) لم يجعل مختارًا لا يتبين بالدفع أنه تصرف في ملك الغير فافترقا، ولأن المشتري أو البائع لو [لم] (٣) يجعل مخيرًا أو فاسخًا لم يصح شراؤه وبيعه؛ لأنه يكون شراء وبيعا فيه غرور، وهاهنا لا يلزم الغرر في حق الدفع، فيبقى مخيرًا بين الدفع والفداء لتمكنه من كل واحد لعدم زوال ملكه، إليه أشار في الإيضاح.
قوله: (لأن الزوال به) أي: يزول الملك بالتسليم في البيع الفاسد بخلاف الكتابة الفاسدة، كما لو كاتب على خمر أو خنزير حيث يصير مختارًا للفداء بنفس العقد؛ لأن موجبه وهو استحقاق العتق عند أداء العوض المشروط يثبت قبل قبض بدل الكتابة فيصير بنفس العقد مختارا.
وفي الإيضاح: كاتبه وهو يعلم بالجناية ثم عجز فإن كان خوصم قبل
стр. 7208
الكِتَابَةِ الفَاسِدَةِ، لِأَنَّ مُوجَبَهُ يَثْبُتُ قَبْلَ قَبْضِ البَدَلِ، فَيَصِيرُ بِنَفْسِهِ مُخْتَارًا، وَلَوْ بَاعَهُ مَوْلَاهُ مِنْ المَجْنِي عَلَيْهِ، فَهُوَ مُخْتَارُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا وَهَبَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ المُسْتَحِقَّ لَهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَهُوَ مُتَحَقِّقٌ فِي الهِبَةِ دُونَ البَيْعِ، وَإِعْتَاقُ المَجْنِي عَلَيْهِ بِأَمْرِ المَوْلَى بِمَنْزِلَةِ إعْتَاقِ المَوْلَى فِيمَا ذَكَرْنَاهُ، لِأَنَّ فِعْلَ المَأمُورِ مُضَافُ إِلَيْهِ، وَلَوْ ضَرَبَهُ فَنَقَصَهُ فَهُوَ مُخْتَارُ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالجِنَايَةِ، لِأَنَّهُ حَبَسَ جُزْءًا مِنْهُ، وَكَذَا إِذَا كَانَتْ بِكْرًا، فَوَطِئَهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَلَّقًا لِمَا قُلْنَا، بِخِلَافِ التَّزْوِيجِ، لِأَنَّهُ عَيْبٌ مِنْ حَيْثُ الحُكْمْ، وَبِخِلَافِ وَطْءِ
[أن] (١) يعجز وقضى بالدية ثم عجز لم يرتفع القضاء؛ لأن وجوب البدل استحكم بالقضاء، وإن لم يحكم فيه حتى عجز كان له أن يدفعه؛ لأن الدفع لم يفت على سبيل الاستحكام؛ لاحتمال ارتفاع فوات الدفع بالعجز.
وعن أبي يوسف: يصير مختارًا بالعقد؛ لتعذر الدفع باعتبار فوات اليد، واليد إنما تعود بسبب جديد.
قوله: (ولو ضربه فنقصه) بأن أثر الضرب فيه حتى صار مهزولا وقلت قيمته ببقاء أثر الضرب (فهو مختار).
(لأنه حبس جزءًا منه) أي من العبد، فصار كما لو حبس الكل، وهذا لأن حق ولي الجناية ثبت في كل جزء منه، وهو لا يحتمل التجزؤ في الدفع بالجناية، فامتناع الدفع في جزء كالامتناع في كله؛ لأن دفع الكل مع حبس بعضه لا يتصور، وإن كان لا يعلم بالجناية فعليه الأقل من قيمته ومن الأرش.
قوله: (لما قلنا) إشارة إلى قوله: (لأنه [حبس] (٢) جزءا منه) إذ بوطء البكر يفوت جزء منه حقيقة.
وقيد بقوله: (وإن لم يكن معلقًا) لإثبات الفرق بين وطء البكر والثيب حيث بوطء الثيب بدون الإعلاق لا يصير مختارًا للفداء في ظاهر الرواية.
قوله: (بخلاف التزويج لأنه عيب حكمي) ولا يتمكن نقصانا في عينها، ولا يعجز عن دفعها.
стр. 7209
الثَّيِّبِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ غَيْرِ إِعْلَاقٍ، وَبِخِلَافِ الاسْتِخْدَامِ، لِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالمِلْكِ، وَلِهَذَا لَا يَسْقُطُ بِهِ خِيَارُ الشَّرْطِ، وَلَا يَصِيرُ مُخْتَارًا بِالإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ فِي الأَظْهَرِ.
وطعن عيسى وقال: التزويج تعييب كالضرب على بدنها وعينها.
قلنا: في الضرب تفويت الجزء بخلاف النكاح فإنه ليس فيه تفويت جزء بل عيب حكمي، فلا يثبت اختيار الفداء كما لو أقر عليها بالسرقة مع العلم بالجناية.
وقيد على ظاهر الرواية؛ لأنه روي عن أبي يوسف أنه يكون مختارًا للفداء لتجرد الوطء في الثيب، إذ الوطء دليل تقرير ملكه فيها، ولهذا يبطل خيار البائع، وبه قال زفر.
وجه الظاهر: أنه لا ينقص شيئًا ولا يعجز عن دفعها، فلا يكون دليل الاختيار كالاستخدام، بخلاف البيع بخيار البائع، إذ لو لم يجعل فاسخا به ولزم البيع تبين أن وطأه حصل في ملك غيره، أما هاهنا لو دفعها يملكها ولي الجناية مقتصرًا، ولهذا لا يسلم له شيء من الزوائد بخلاف الأول، كذا في المبسوط (١).
قوله: (بخلاف الاستخدام) يعني لا يصير مختارًا للفداء به بعد العلم حتى لو عطب في الخدمة لا ضمان عليه، وذلك لأن الاستخدام لا يختص بالملك، فلم يدل على الاختيار، وكذا لو كان عليه دين فاستخدمه فهلك لم يضمن للغرماء.
قوله: (في الأظهر) احتراز عما ذكر في بعض نسخ الأصل أنه يصير مختارًا بهما؛ لأنه أثبت عليه يدا مستحقة بهما صار كالبيع.
وجه الأظهر: أن الإجارة تنقض بالعذر فينقض القاضي الإجارة لقيام حق ولي الجناية؛ لأنه عذر في بعضها، والراهن يتمكن من قضاء الدين، واسترداد الرهن متى شاء، فلم يتحقق عجزه عن دفعه بهذين الفعلين، فلا يصير مختارا للفداء.
فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ قَطْعِ اليَدِ، فَالعَبْدُ صُلْحٌ بِالجِنَايَةِ، وَإِنْ لَمْ يُعْتِقْهُ رُدَّ عَلَى المَوْلَى، وَقِيلَ لِلْأَوْلِيَاءِ: اقْتُلُوهُ، أَوْ أَعْفُوا عَنْهُ) وَوَجْهُ ذَلِكَ: وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُعْتِقْهُ وَسَرَى، تَبَيَّنَ أَنَّ الصُّلْحَ وَقَعَ بَاطِلًا، لِأَنَّ الصُّلْحَ كَانَ عَنِ المَالِ؛ لِأَنَّ أَطْرَافَ العَبْدِ لَا يَجْرِي القِصَاصُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَطْرَافِ الحُرِّ، فَإِذَا سَرَى تَبَيَّنَ أَنَّ المَالَ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَإِنَّمَا الوَاجِبُ هُوَ القَوَدُ، فَكَانَ الصُّلْحُ وَاقِعًا بِغَيْرِ بَدَلٍ فَبَطَلَ، وَالبَاطِلُ لَا يُورِثُ الشُّبْهَةَ، كَمَا إِذَا وَطِئَ المُطَلَّقَةَ الثَّلَاثَ فِي عِدَّتِهَا مَعَ العِلْمِ بِحُرْمَتِهَا عَلَيْهِ، فَوَجَبَ القِصَاصُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَعْتَقَهُ، لِأَنَّ إِقْدَامَهُ عَلَى الإِعْتَاقِ يَدُلُّ عَلَى قَصْدِهِ تَصْحِيحَ الصُّلْحِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَنْ أَقْدَمَ عَلَى تَصَرُّفٍ يَقْصِدُ تَصْحِيحَهُ وَلَا صِحَّةَ لَهُ إِلَّا وَأَنْ يُجْعَلَ صُلْحًا عَنْ الجِنَايَةِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا، وَلِهَذَا لَوْ نَصَّ عَلَيْهِ وَرَضِيَ المَوْلَى بِهِ، يَصِحُ وَقَدْ رَضِيَ المَوْلَى بِهِ، لِأَنَّهُ لَمَّا رَضِيَ بِكَوْنِ العَبْدِ عِوَضًا عَنْ القَلِيلِ يَكُونُ أَرْضَى بِكَوْنِهِ عِوَضًا عَنْ الكَثِيرِ، فَإِذَا أُعْتِقَ يَصِحُ الصُّلْحُ فِي ضِمْنِ الإِعْتَاقِ ابْتِدَاءً، وَإِذَا لَمْ يُعْتِقْ، لَمْ يُوجَد الصُّلْحُ ابْتِدَاءً، وَالصُّلْحُ الأَوَّلُ وَقَعَ بَاطِلًا، فَيُرَدُّ العَبْدُ إِلَى المَوْلَى، وَالأَوْلِيَاءُ عَلَى خِيرَتِهِمْ فِي العَفْوِ وَالقَتْلِ.
قوله: (فالعبد صلح بالجناية) وينبغي ألا يكون الصلح عن القطع صلحا عن السراية والجناية.
عند أبي حنيفة: كما لا يكون العفو عن القطع عفوا عن السراية، لكن بالسراية تبين أن الصلح عن القطع وقع باطلا، لأن حقه في النفس دون اليد، فيبطل الدفع بناء على القطع، ولكن يثبت عند الإعتاق صلح جديد بينهما.
أما في جانب المولى فلا شك أنه رضي بدفع العبد بجنايته، وكذا في جانب المجني عليه؛ لأنه لما أقدم على إعتاق المدفوع مع علمه أن العتق مما لا ينفسخ، ولو سرى يبطل الدفع ويجب عليه الرد، ويعجز عن الرد بسبب العتق كان راضيا بكونه بدلا عن القطع، وما يحدث منه دلالة، كذا ذكره المحبوبي.
وهذا معنى قوله: (لأن إقدامه على الإعتاق) إلى آخره.
قوله: (عوضًا عن القليل) وهو اليد، يكون أرضى بكون العبد عوضا عن الكثير، وهو السراية إلى النفس.
стр. 7212
وَذُكِرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: رَجُلٌ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ عَمْدًا، فَصَالَحَ القَاطِعُ المَقْطُوعَةَ يَدَهُ عَلَى عَبْدٍ، وَدَفَعَهُ إِلَيْهِ فَأَعْتَقَهُ المَقْطُوعَةُ يَدُهُ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ: فَالعَبْدُ صُلْحٌ بالجِنَايَةِ إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الرِّوَايَةِ. وَهَذَا الوَضْعُ يَرِدُ إِشْكَالًا فِيمَا إِذَا عَفَا عَنْ اليَدِ، ثُمَّ سَرَى إِلَى النَّفْسِ وَمَاتَ، حَيْثُ لَا يَجِبُ القِصَاصُ هُنَالِكَ، وَهَاهُنَا قَالَ: يَجِبُ. قِيلَ: مَا ذُكِرَ هَاهُنَا جَوَابُ القِيَاسِ، فَيَكُونُ الوَضْعَانِ جَمِيعًا عَلَى القِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ. وَقِيلَ: بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، وَوَجْهُهُ: أَنَّ العَفْوَ عَنِ اليَدِ صَحَّ ظَاهِرًا، لِأَنَّ الحَقَّ كَانَ لَهُ فِي اليَدِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ، فَيَصِحُ العَفْوُ ظَاهِرًا، فَبَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ بَطَلَ حُكْمًا يَبْقَى مَوْجُودًا حَقِيقَةٌ، فَكَفَى ذَلِكَ لِمَنْعِ وُجُوبِ القِصَاصِ.
أَمَّا هَاهُنَا: الصُّلْحُ لَا يُبْطِلُ الجِنَايَةَ بَلْ يُقَرِّرُهَا، حَيْثُ صَالَحَ عَنْهَا عَلَى مَالٍ، فَإِذَا لَمْ يُبْطِلُ الجِنَايَةَ، لَمْ تَمْتَنِعُ العُقُوبَةُ، هَذَا إِذَا لَمْ يُعْتِقْهُ، أَمَّا إِذَا أَعْتَقَهُ فَالتَّخْرِيجُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ.
قَالَ: (وَإِذَا جَنَى العَبْدُ المَأْذُونُ لَهُ جِنَايَةً، وَعَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَأَعْتَقَهُ المَوْلَى
(وفي بعض النسخ) أي: نسخ الجامع الصغير، وبه صرح فخر الإسلام في جامعه، وصاحب الكافي به.
قوله: (إلى آخر ما ذكرنا من الرواية) يعني وإن لم يعتقه رده إلى مولاه، ثم يقال: إلى أولياء الجناية إلى آخره.
(وهذا الوضع) أي: الوضع الثاني (يرد إشكالا) وإنما خص هذا الوضع بورود الإشكال؛ لأن دفع العبد في هذا الوضع بطريق الصلح، والصلح متضمن للعفو؛ لأنه ينبئ عن الحطيطة، فيكون هذا نظير العفو، ولا كذلك الوضع الأول؛ لأن الدفع ثمة ليس بطريق الصلح بل بطريق الدفع فلا يكون فيه حط شيء فلا يَرِدُ إشكالا.
قوله: (لا يجب القصاص هنالك) لأنه قال: هنالك، وهو عفو عن النفس، وهاهنا قال: يجب؛ لأنه قال: قيل للأولياء: اقتلوه أو اعفوا عنه.
قوله: (والتخريج ما ذكرناه).
стр. 7213
وَلَمْ يَعْلَمْ بِالجِنَايَةِ فَعَلَيْهِ قِيمَتَانِ، قِيمَةٌ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ، وَقِيمَةٌ لِأَوْلِيَاءِ الجِنَايَةِ) لِأَنَّهُ أَتْلَفَ حَقَّيْنِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَضْمُونٌ بِكُلِّ القِيمَةِ عَلَى الانْفِرَادِ، الدَّفْعُ لِلْأَوْلِيَاءِ، وَالبَيْعُ لِلْغُرَمَاءِ، فَكَذَا عِنْدَ الاجْتِمَاعِ. وَيُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقَّيْنِ إِيفَاءً مِنْ الرَّقَبَةِ
وهو قوله: (لأن إقدامه على الإعتاق يدل على قصده تصحيح الصلح).
قوله: (ولم يعلم بالجناية) قيد بعدم العلم ليبني عليه قوله: (فعليه قيمتان) إذ الإعتاق مع العلم بالجناية يوجب الدية عليه إذا كانت الجناية في النفس لولي الجناية، وقيمة العبد لصاحب الدين؛ لأن الإعتاق بعد العلم بها يوجب الأرش على ما مر في المبسوط.
قتل خطأ وفقأ عين آخر والمولى أعتقه بعد العلم بهما فعليه خمسة عشر ألفا في ماله؛ لأنه فوت محل الدفع بالإعتاق فصار مختاراً للفداء، وبه قال مالك والشافعي في قول، وأحمد في رواية.
قوله: (ويمكن الجمع بين الحقين) إلى آخره في الأصل في هذا أن العبد إذا قتل خطأ وعليه دين يخير المولى بين الدفع والفداء، فإن اختار الدفع بيع لأجل الغرماء في الدين، وما فضل شيء من الدين فلولي الجناية، وإنما بدأ بالدفع أولا؛ لأنا إذا دفعنا أولا كان جمعًا بين الحقين، فإن حق ولي الجناية يصير موفى بالدفع، ثم يباع بعده لأرباب الديون، ولو بدأنا (١) بالدين تعذر الدفع بالجناية؛ لأنه يجدد الملك للمشتري، ولم يوجد في يده جناية.
فإن قيل: ما فائدة الدفع إذا بيع في الدين بعده؟
قلنا: أن يثبت له حق الاستخلاص بالفداء، فإن للناس أغراضًا في الأعيان، وإنما لم يبطل الدين بحدوث الجناية؛ لأن موجب الجناية صيرورته جزاء للجناية، فإذا كان مشغولاً وجب دفعه مشغولاً، لأن الواجب على المولى الدفع بهذه الصفة فيباع بعد ذلك في الدين، فإن فضل شيء فلولي الجناية، وإن لم يف بالدين تأخر إلى حال الحرية كما لو بيع على ملك المولى، ولو دفعه المولى إلى ولي الجناية لم يضمن لصاحب الدين استحسانًا.
стр. 7214
الوَاحِدَةِ بِأَنْ يُدْفَعَ إِلَى وَلِيِّ الجِنَايَةِ، ثُمَّ يُبَاعُ لِلْغُرَمَاءِ فَيَضْمَنُهَا بِالإِخْلَافِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ، حَيْثُ تَجِبُ قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْمَوْلَى وَيَدْفَعُهَا المَوْلَى إِلَى الغُرَمَاءِ، لِأَنَّ الأَجْنَبِيَّ إِنَّمَا يَضْمَنُ لِلْمَوْلَى بِحُكْمِ المِلْكِ فَلَا يَظْهَرُ فِي مُقَابَلَتِهِ الحَقُّ، لِأَنَّهُ دُونَهُ، وَهَاهُنَا يَجِبُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِإِتْلَافِ الحَقِّ فَلَا تَرْجِيحَ فَيَظْهَرَانِ فَيَضْمَنُهُمَا.
قَالَ: (وَإِذَا اسْتَدَانَتِ الأَمَةُ المَأْذُونُ لَهَا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا، ثُمَّ وَلَدَتْ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ.
والقياس أن يضمن قيمته لأن الدفع وإن كان واجبا لكن الملك لولي الجناية لم يكن ثابتا قبل الدفع، وإنما يثبت بالدفع، فصار كما لو باعه منه.
وجه الاستحسان: أن هذا حكم مستحق عليه، ألا ترى أن القاضي يجبره على ذلك، فإذا فعل ما هو مستحق عليه لم يضمن شيئًا، ولو دفعه إلى صاحب الدين كان مختارًا للفداء، ولزمه الأرش إن كان عالما، والقيمة إن لم يكن عالما؛ لأن ما فعل غير مستحق عليه، بل المستحق عليه الدفع إلى ولي الجناية، ثم يباع في الدين على ملكهم، فكان دفعه بالدين تفويتا للدفع إلى ولي الجناية، فيضمن.
ولو أن القاضي باعه في الدين ببينة قامت عنده ثم حضر ولي الجناية ولا فضل في الثمن فقد سقط حق ولي الجناية؛ لأن القاضي لا يلزمه العهدة فيما يصنع، ولو فسخ البيع ودفع بالجناية لاحتجنا إلى البيع ثانيًا، فلا يصح بخلاف المولى إذا باع؛ لأنه يجوز أن يجب الضمان عليه بفعله، كذا في الإيضاح.
قوله: (بخلاف ما إذا أتلفه أجنبي) أي: أتلف العبد المأذون أجنبي (١) لا يضمن للغرماء، وإنما يضمن للمولى، ثم المولى يدفع تلك القيمة إلى الغرماء.
قوله: (لأنه) أي: حق الدفع (دونه) أي: دون الملك (فيضمنها) أي: يضمن المولى بالإعتاق لصاحب الدين وولي الجناية؛ لأنه أتلف حقهما بالإعتاق.
قوله: (ثم ولدت) أي: من زوجها، وإنما وضع المسألة هكذا لأنها إذا
стр. 7215
الوَلَدُ مَعَهَا فِي الدَّيْنِ، وَإِنْ جَنَتْ جِنَايَةً لَمْ يُدْفَعْ الوَلَدُ مَعَهَا) وَالفَرْقُ: أَنَّ الدَّيْنَ وَصْفٌ حُكْمِيٌّ فِيهَا، وَاجِبٌ فِي ذِمَّتِهَا، مُتَعَلِّقٌ بِرَقَبَتِهَا اسْتِيفَاءٌ، فَيَسْرِي إِلَى الوَلَدِ
ولدت ثم لحقها الدين بعد ذلك لم يتعلق حق الغرماء بالولد.
وأما الأموال التي حصلت لها بطريق الهبة أو الصدقة أو التجارة فهي أحق بها من مولاها في أداء ديتها، سواء اكتسبت قبل لحوق الدين أو بعده؛ لأن يدها في الكسب معتبرة حتى لو باعها إنسان كانت خصمًا له.
بخلاف ما إذا أخذ المولى منها قبل أن يلحقها دين لعدم بقاء يدها عليه، وبخلاف ما إذا ولدت قبل لحوق الدين؛ لأن الولد ليس من كسبها، بل جزء متولد من عينها، فلا يكون من كسبها كنفسها، إلا أن نفسها تباع في الدين؛ لالتزام المولى ذلك بالإذن، والإذن لا يوجد في حق الولد، ولو تعلق به [حق] (١) الغرماء إنما يكون بطريق السراية، ولا سراية بعد الانفصال؛ لأن الولد بعد الانفصال نفس على حدة.
وهذا بخلاف ما لو ولدتها بعد لحوق الدين، فإن حق الغرماء تعلق بها في حال ما كان الولد جزءًا منها، فيسري إلى الولد بحكم الاتصال، فينفصل عنها على تلك الصفة.
وهذا بخلاف الدفع بالجناية، فإن الجانية (٢) إذا ولدت لا حق لولي الجناية في ولدها؛ لأن حقه في بدل المتلف، وهو أرش الجناية أو في نفسها جزاء على الجناية، ولكن ذلك ليس بحق متأكد يمكن للمولى أن يتصرف فيه بالبيع وغيره كيف شاء، فلهذا لا يسري إلى الولد، وهاهنا حق الغرماء متأكد في ذمته، وتعلق بماليتها بصفة التأكد، بدليل أنه لا ينفذ تصرف المولى فيها بالبيع والهبة ما لم يصل إلى الغريم حقه، فيسري هذا الحق المتأكد إلى الولد، كذا في المبسوط (٣).