← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 7211–7250 · переход к 7216.

стр. 7211

فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ قَطْعِ اليَدِ، فَالعَبْدُ صُلْحٌ بِالجِنَايَةِ، وَإِنْ لَمْ يُعْتِقْهُ رُدَّ عَلَى المَوْلَى، وَقِيلَ لِلْأَوْلِيَاءِ: اقْتُلُوهُ، أَوْ أَعْفُوا عَنْهُ) وَوَجْهُ ذَلِكَ: وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُعْتِقْهُ وَسَرَى، تَبَيَّنَ أَنَّ الصُّلْحَ وَقَعَ بَاطِلًا، لِأَنَّ الصُّلْحَ كَانَ عَنِ المَالِ؛ لِأَنَّ أَطْرَافَ العَبْدِ لَا يَجْرِي القِصَاصُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَطْرَافِ الحُرِّ، فَإِذَا سَرَى تَبَيَّنَ أَنَّ المَالَ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَإِنَّمَا الوَاجِبُ هُوَ القَوَدُ، فَكَانَ الصُّلْحُ وَاقِعًا بِغَيْرِ بَدَلٍ فَبَطَلَ، وَالبَاطِلُ لَا يُورِثُ الشُّبْهَةَ، كَمَا إِذَا وَطِئَ المُطَلَّقَةَ الثَّلَاثَ فِي عِدَّتِهَا مَعَ العِلْمِ بِحُرْمَتِهَا عَلَيْهِ، فَوَجَبَ القِصَاصُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَعْتَقَهُ، لِأَنَّ إِقْدَامَهُ عَلَى الإِعْتَاقِ يَدُلُّ عَلَى قَصْدِهِ تَصْحِيحَ الصُّلْحِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَنْ أَقْدَمَ عَلَى تَصَرُّفٍ يَقْصِدُ تَصْحِيحَهُ وَلَا صِحَّةَ لَهُ إِلَّا وَأَنْ يُجْعَلَ صُلْحًا عَنْ الجِنَايَةِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا، وَلِهَذَا لَوْ نَصَّ عَلَيْهِ وَرَضِيَ المَوْلَى بِهِ، يَصِحُ وَقَدْ رَضِيَ المَوْلَى بِهِ، لِأَنَّهُ لَمَّا رَضِيَ بِكَوْنِ العَبْدِ عِوَضًا عَنْ القَلِيلِ يَكُونُ أَرْضَى بِكَوْنِهِ عِوَضًا عَنْ الكَثِيرِ، فَإِذَا أُعْتِقَ يَصِحُ الصُّلْحُ فِي ضِمْنِ الإِعْتَاقِ ابْتِدَاءً، وَإِذَا لَمْ يُعْتِقْ، لَمْ يُوجَد الصُّلْحُ ابْتِدَاءً، وَالصُّلْحُ الأَوَّلُ وَقَعَ بَاطِلًا، فَيُرَدُّ العَبْدُ إِلَى المَوْلَى، وَالأَوْلِيَاءُ عَلَى خِيرَتِهِمْ فِي العَفْوِ وَالقَتْلِ. قوله: (فالعبد صلح بالجناية) وينبغي ألا يكون الصلح عن القطع صلحا عن السراية والجناية. عند أبي حنيفة: كما لا يكون العفو عن القطع عفوا عن السراية، لكن بالسراية تبين أن الصلح عن القطع وقع باطلا، لأن حقه في النفس دون اليد، فيبطل الدفع بناء على القطع، ولكن يثبت عند الإعتاق صلح جديد بينهما. أما في جانب المولى فلا شك أنه رضي بدفع العبد بجنايته، وكذا في جانب المجني عليه؛ لأنه لما أقدم على إعتاق المدفوع مع علمه أن العتق مما لا ينفسخ، ولو سرى يبطل الدفع ويجب عليه الرد، ويعجز عن الرد بسبب العتق كان راضيا بكونه بدلا عن القطع، وما يحدث منه دلالة، كذا ذكره المحبوبي. وهذا معنى قوله: (لأن إقدامه على الإعتاق) إلى آخره. قوله: (عوضًا عن القليل) وهو اليد، يكون أرضى بكون العبد عوضا عن الكثير، وهو السراية إلى النفس.

стр. 7212

وَذُكِرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: رَجُلٌ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ عَمْدًا، فَصَالَحَ القَاطِعُ المَقْطُوعَةَ يَدَهُ عَلَى عَبْدٍ، وَدَفَعَهُ إِلَيْهِ فَأَعْتَقَهُ المَقْطُوعَةُ يَدُهُ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ: فَالعَبْدُ صُلْحٌ بالجِنَايَةِ إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الرِّوَايَةِ. وَهَذَا الوَضْعُ يَرِدُ إِشْكَالًا فِيمَا إِذَا عَفَا عَنْ اليَدِ، ثُمَّ سَرَى إِلَى النَّفْسِ وَمَاتَ، حَيْثُ لَا يَجِبُ القِصَاصُ هُنَالِكَ، وَهَاهُنَا قَالَ: يَجِبُ. قِيلَ: مَا ذُكِرَ هَاهُنَا جَوَابُ القِيَاسِ، فَيَكُونُ الوَضْعَانِ جَمِيعًا عَلَى القِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ. وَقِيلَ: بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، وَوَجْهُهُ: أَنَّ العَفْوَ عَنِ اليَدِ صَحَّ ظَاهِرًا، لِأَنَّ الحَقَّ كَانَ لَهُ فِي اليَدِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ، فَيَصِحُ العَفْوُ ظَاهِرًا، فَبَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ بَطَلَ حُكْمًا يَبْقَى مَوْجُودًا حَقِيقَةٌ، فَكَفَى ذَلِكَ لِمَنْعِ وُجُوبِ القِصَاصِ. أَمَّا هَاهُنَا: الصُّلْحُ لَا يُبْطِلُ الجِنَايَةَ بَلْ يُقَرِّرُهَا، حَيْثُ صَالَحَ عَنْهَا عَلَى مَالٍ، فَإِذَا لَمْ يُبْطِلُ الجِنَايَةَ، لَمْ تَمْتَنِعُ العُقُوبَةُ، هَذَا إِذَا لَمْ يُعْتِقْهُ، أَمَّا إِذَا أَعْتَقَهُ فَالتَّخْرِيجُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ. قَالَ: (وَإِذَا جَنَى العَبْدُ المَأْذُونُ لَهُ جِنَايَةً، وَعَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَأَعْتَقَهُ المَوْلَى (وفي بعض النسخ) أي: نسخ الجامع الصغير، وبه صرح فخر الإسلام في جامعه، وصاحب الكافي به. قوله: (إلى آخر ما ذكرنا من الرواية) يعني وإن لم يعتقه رده إلى مولاه، ثم يقال: إلى أولياء الجناية إلى آخره. (وهذا الوضع) أي: الوضع الثاني (يرد إشكالا) وإنما خص هذا الوضع بورود الإشكال؛ لأن دفع العبد في هذا الوضع بطريق الصلح، والصلح متضمن للعفو؛ لأنه ينبئ عن الحطيطة، فيكون هذا نظير العفو، ولا كذلك الوضع الأول؛ لأن الدفع ثمة ليس بطريق الصلح بل بطريق الدفع فلا يكون فيه حط شيء فلا يَرِدُ إشكالا. قوله: (لا يجب القصاص هنالك) لأنه قال: هنالك، وهو عفو عن النفس، وهاهنا قال: يجب؛ لأنه قال: قيل للأولياء: اقتلوه أو اعفوا عنه. قوله: (والتخريج ما ذكرناه).

стр. 7213

وَلَمْ يَعْلَمْ بِالجِنَايَةِ فَعَلَيْهِ قِيمَتَانِ، قِيمَةٌ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ، وَقِيمَةٌ لِأَوْلِيَاءِ الجِنَايَةِ) لِأَنَّهُ أَتْلَفَ حَقَّيْنِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَضْمُونٌ بِكُلِّ القِيمَةِ عَلَى الانْفِرَادِ، الدَّفْعُ لِلْأَوْلِيَاءِ، وَالبَيْعُ لِلْغُرَمَاءِ، فَكَذَا عِنْدَ الاجْتِمَاعِ. وَيُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقَّيْنِ إِيفَاءً مِنْ الرَّقَبَةِ وهو قوله: (لأن إقدامه على الإعتاق يدل على قصده تصحيح الصلح). قوله: (ولم يعلم بالجناية) قيد بعدم العلم ليبني عليه قوله: (فعليه قيمتان) إذ الإعتاق مع العلم بالجناية يوجب الدية عليه إذا كانت الجناية في النفس لولي الجناية، وقيمة العبد لصاحب الدين؛ لأن الإعتاق بعد العلم بها يوجب الأرش على ما مر في المبسوط. قتل خطأ وفقأ عين آخر والمولى أعتقه بعد العلم بهما فعليه خمسة عشر ألفا في ماله؛ لأنه فوت محل الدفع بالإعتاق فصار مختاراً للفداء، وبه قال مالك والشافعي في قول، وأحمد في رواية. قوله: (ويمكن الجمع بين الحقين) إلى آخره في الأصل في هذا أن العبد إذا قتل خطأ وعليه دين يخير المولى بين الدفع والفداء، فإن اختار الدفع بيع لأجل الغرماء في الدين، وما فضل شيء من الدين فلولي الجناية، وإنما بدأ بالدفع أولا؛ لأنا إذا دفعنا أولا كان جمعًا بين الحقين، فإن حق ولي الجناية يصير موفى بالدفع، ثم يباع بعده لأرباب الديون، ولو بدأنا (١) بالدين تعذر الدفع بالجناية؛ لأنه يجدد الملك للمشتري، ولم يوجد في يده جناية. فإن قيل: ما فائدة الدفع إذا بيع في الدين بعده؟ قلنا: أن يثبت له حق الاستخلاص بالفداء، فإن للناس أغراضًا في الأعيان، وإنما لم يبطل الدين بحدوث الجناية؛ لأن موجب الجناية صيرورته جزاء للجناية، فإذا كان مشغولاً وجب دفعه مشغولاً، لأن الواجب على المولى الدفع بهذه الصفة فيباع بعد ذلك في الدين، فإن فضل شيء فلولي الجناية، وإن لم يف بالدين تأخر إلى حال الحرية كما لو بيع على ملك المولى، ولو دفعه المولى إلى ولي الجناية لم يضمن لصاحب الدين استحسانًا.

стр. 7214

الوَاحِدَةِ بِأَنْ يُدْفَعَ إِلَى وَلِيِّ الجِنَايَةِ، ثُمَّ يُبَاعُ لِلْغُرَمَاءِ فَيَضْمَنُهَا بِالإِخْلَافِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ، حَيْثُ تَجِبُ قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْمَوْلَى وَيَدْفَعُهَا المَوْلَى إِلَى الغُرَمَاءِ، لِأَنَّ الأَجْنَبِيَّ إِنَّمَا يَضْمَنُ لِلْمَوْلَى بِحُكْمِ المِلْكِ فَلَا يَظْهَرُ فِي مُقَابَلَتِهِ الحَقُّ، لِأَنَّهُ دُونَهُ، وَهَاهُنَا يَجِبُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِإِتْلَافِ الحَقِّ فَلَا تَرْجِيحَ فَيَظْهَرَانِ فَيَضْمَنُهُمَا. قَالَ: (وَإِذَا اسْتَدَانَتِ الأَمَةُ المَأْذُونُ لَهَا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا، ثُمَّ وَلَدَتْ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ. والقياس أن يضمن قيمته لأن الدفع وإن كان واجبا لكن الملك لولي الجناية لم يكن ثابتا قبل الدفع، وإنما يثبت بالدفع، فصار كما لو باعه منه. وجه الاستحسان: أن هذا حكم مستحق عليه، ألا ترى أن القاضي يجبره على ذلك، فإذا فعل ما هو مستحق عليه لم يضمن شيئًا، ولو دفعه إلى صاحب الدين كان مختارًا للفداء، ولزمه الأرش إن كان عالما، والقيمة إن لم يكن عالما؛ لأن ما فعل غير مستحق عليه، بل المستحق عليه الدفع إلى ولي الجناية، ثم يباع في الدين على ملكهم، فكان دفعه بالدين تفويتا للدفع إلى ولي الجناية، فيضمن. ولو أن القاضي باعه في الدين ببينة قامت عنده ثم حضر ولي الجناية ولا فضل في الثمن فقد سقط حق ولي الجناية؛ لأن القاضي لا يلزمه العهدة فيما يصنع، ولو فسخ البيع ودفع بالجناية لاحتجنا إلى البيع ثانيًا، فلا يصح بخلاف المولى إذا باع؛ لأنه يجوز أن يجب الضمان عليه بفعله، كذا في الإيضاح. قوله: (بخلاف ما إذا أتلفه أجنبي) أي: أتلف العبد المأذون أجنبي (١) لا يضمن للغرماء، وإنما يضمن للمولى، ثم المولى يدفع تلك القيمة إلى الغرماء. قوله: (لأنه) أي: حق الدفع (دونه) أي: دون الملك (فيضمنها) أي: يضمن المولى بالإعتاق لصاحب الدين وولي الجناية؛ لأنه أتلف حقهما بالإعتاق. قوله: (ثم ولدت) أي: من زوجها، وإنما وضع المسألة هكذا لأنها إذا

стр. 7215

الوَلَدُ مَعَهَا فِي الدَّيْنِ، وَإِنْ جَنَتْ جِنَايَةً لَمْ يُدْفَعْ الوَلَدُ مَعَهَا) وَالفَرْقُ: أَنَّ الدَّيْنَ وَصْفٌ حُكْمِيٌّ فِيهَا، وَاجِبٌ فِي ذِمَّتِهَا، مُتَعَلِّقٌ بِرَقَبَتِهَا اسْتِيفَاءٌ، فَيَسْرِي إِلَى الوَلَدِ ولدت ثم لحقها الدين بعد ذلك لم يتعلق حق الغرماء بالولد. وأما الأموال التي حصلت لها بطريق الهبة أو الصدقة أو التجارة فهي أحق بها من مولاها في أداء ديتها، سواء اكتسبت قبل لحوق الدين أو بعده؛ لأن يدها في الكسب معتبرة حتى لو باعها إنسان كانت خصمًا له. بخلاف ما إذا أخذ المولى منها قبل أن يلحقها دين لعدم بقاء يدها عليه، وبخلاف ما إذا ولدت قبل لحوق الدين؛ لأن الولد ليس من كسبها، بل جزء متولد من عينها، فلا يكون من كسبها كنفسها، إلا أن نفسها تباع في الدين؛ لالتزام المولى ذلك بالإذن، والإذن لا يوجد في حق الولد، ولو تعلق به [حق] (١) الغرماء إنما يكون بطريق السراية، ولا سراية بعد الانفصال؛ لأن الولد بعد الانفصال نفس على حدة. وهذا بخلاف ما لو ولدتها بعد لحوق الدين، فإن حق الغرماء تعلق بها في حال ما كان الولد جزءًا منها، فيسري إلى الولد بحكم الاتصال، فينفصل عنها على تلك الصفة. وهذا بخلاف الدفع بالجناية، فإن الجانية (٢) إذا ولدت لا حق لولي الجناية في ولدها؛ لأن حقه في بدل المتلف، وهو أرش الجناية أو في نفسها جزاء على الجناية، ولكن ذلك ليس بحق متأكد يمكن للمولى أن يتصرف فيه بالبيع وغيره كيف شاء، فلهذا لا يسري إلى الولد، وهاهنا حق الغرماء متأكد في ذمته، وتعلق بماليتها بصفة التأكد، بدليل أنه لا ينفذ تصرف المولى فيها بالبيع والهبة ما لم يصل إلى الغريم حقه، فيسري هذا الحق المتأكد إلى الولد، كذا في المبسوط (٣).

стр. 7216

كَوَلَدِ المَرْهُونَةِ، بِخِلَافِ الجِنَايَةِ، لِأَنَّ وُجُوبَ الدَّفْعِ فِي ذِمَّةِ المَوْلَى لَا فِي ذِمَّتِهَا، وَإِنَّمَا يُلَاقِيهَا أَثَرُ الفِعْلِ الحَقِيقِيِّ، وَهُوَ الدَّفْعُ وَالسِّرَايَةُ فِي الْأَوْصَافِ الشَّرْعِيَّةِ دُونَ الأَوْصَافِ الحَقِيقِيَّةِ. قَالَ: (وَإِذَا كَانَ العَبْدُ لِرَجُلٍ زَعَمَ رَجُلٌ آخَرُ أَنَّ مَوْلَاهُ أَعْتَقَهُ، فَقَتَلَ العَبْدُ وَلِيًّا وفي مبسوط شيخ الإسلام: الدين مستقر فيها حتى صار المولى ممنوعًا عن بيعها وهبتها، فكان لحق الكتابة والتدبير، فيسري إلى الولد كالأضحية إذا ولدت سرى إلى ولدها حتى صار صاحبها ممنوعًا من الانتفاع بها وحلبها وجز صوفها. بخلاف القصاص فإنه لا يسري إلى الولد؛ لأن المستحق بالقصاص الروح لا الرقبة والولد متولد من الرقبة لا من الروح. أما الدين يتعلق برقبتها، ولو كان الدين متعلقا برقبتها لما ضمن المولى قيمتها بالإعتاق لرب الدين، كما لو أتلف إنسان مديون غيره لا يضمن لرب الدين دينه، بل يضمن لولي القتل ديته في الخطأ؛ لأنا نقول باعتبار تفويت ما تعلق به حق الغريم تبعًا، واستيفاء من ثمنه لا باعتبار وجوب الدين على المولى، ولهذا يتبع الغريم العبد بما بقي من دينه بعد العتق، ولو كان الدين على المولى لطالبوا المولى بجميع الدين. بخلاف ما إذا قتل مديون غيره حيث لا يضمن لرب الدين دينه للزوم الأقوى بمقابلة الأضعف؛ لأن القاتل لو ضمن دينه يؤديه من عين ماله، ويتملك وصفا في الذمة، والعين أقوى من الوصف والمماثلة مرعية في ضمان العدوان، فلا يجب الأقوى بمقابلة الأضعف، وإنما وجوب الدين صيانة للدم عن الهدر، فمعنى التملك غير منظور إليه. قوله: (والسراية في الأوصاف الحكمية) (١) أي: سراية الحكم من الأم إلى الولد في الوصف الشرعي لا الحقيقي، فوجوب الدفع أثر الفعل الحقيقي، فلذلك لم يسر إلى الولد، ولهذا لو كانت الأمة سوداء لا يلزم أن يكون ولدها أسود.

стр. 7217

لِذَلِكَ الرَّجُلِ الزَّاعِمِ خَطَأً، فَلَا شَيْءَ لَهُ) لِأَنَّهُ لَمَّا زَعَمَ أَنَّ مَوْلَاهُ أَعْتَقَهُ فَقَد ادَّعَى الدِّيَةَ عَلَى العَاقِلَةِ وَأَبْرَأَ العَبْدَ وَالمَوْلَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ عَلَى العَاقِلَةِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ. فإن قيل: وجوب الدفع يسري إلى أرش الجناية حتى لو جنى عليها، وأخذ المولى الأرش، يدفع المولى ذلك الأرش عنها إلى ولي جنايتها، فلو كان عدم السراية إلى الولد باعتبار [أن] (١) الدفع فعل حقيقي لا يسري لكان ينبغي أن لا يسري إلى الأرش أيضًا بالطريق الأولى؛ لما أن الولد جزؤها لا الأرش، فلما لم يسر إلى جزئها باعتبار أنه أثر فعل حقيقي، كيف يسري إلى ما هو ليس بجزء؟ قلنا: الأرش عوض عن الجزء الفائت فيها، فيثبت حق ولي الجناية في عوض جزء منها، فيستحقه كما يستحق الكل؛ إذ الجزء معتبر بالكل، أما الولد ليس بعوض منها، ولا من جزئها، فلا يستحقه ولي الجناية، إليه أشار في المبسوط (٢). قوله: (وأبرأ العبد) أي: عن كل الدية لا عن قسطه في الدية، وإبراء المولى أيضًا؛ لأن زعمه لا يقبل على العاقلة. وحاصله: أن المجني عليه لما زعم أن الجاني حر كان زاعمًا أن موجب جنايته على العاقلة، وأن رقبته غير مستحقة له، وزعمه معتبر؛ فلم يكن له سبيل على أخذ العبد، وكذا لا شيء على المولى أيضًا؛ لأنه لم يدع على المولى إعتاقًا بعد الجناية حتى يصير المولى مختارًا للفداء أو مستهلكا حق المجني عليه بالإعتاق، ولا شيء على العاقلة أيضًا بغير حجة، وهو ظاهر. ووضع المسألة في المبسوط فيما جنى العبد خطأ ثم أقر المجني عليه أنه حر قبل الدفع إليه، وجعل في الكتاب الإقرار بالحرية قبل الجناية، وهما لا يتفاوتان، أما لو أقر المجني عليه بحريته بعد الدفع يعتق؛ لأنه ملكه بالدفع، وقد أقر بحريته فيعتق بإقراره، إليه أشار في المبسوط (٣).

стр. 7218

قَالَ: (وَإِذَا أُعْتِقَ العَبْدُ، فَقَالَ لِرَجُلٍ: قَتَلْتُ أَخَاكَ خَطَأً وَأَنَا عَبْدٌ، وَقَالَ الآخَرُ: قَتَلْتَهُ وَأَنْتَ حُرٌّ، فَالقَوْلُ قَوْلُ العَبْدِ) لِأَنَّهُ مُنْكِرُ لِلضَّمَانِ، لَمَّا أَنَّهُ أَسْنَدَهُ إِلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلضَّمَانِ، إذ الكَلَامُ فِيمَا إِذَا عُرِفَ رِقْهُ، وَالوُجُوبُ فِي جِنَايَةِ العَبْدِ عَلَى المَوْلَى دَفْعًا أَوْ فِدَاءٌ، وَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ البَالِغُ العَاقِلُ: طَلَّقْتُ امْرَأَتِي وَأَنَا صَبِيٌّ، أَوْ بِعْتُ دَارِي وَأَنَا صَبِيٌّ، أَوْ قَالَ: طَلَّقْتُ امْرَأَتِي وَأَنَا مَجْنُونٌ، أَوْ بِعْتُ دَارِي وَأَنَا مَجْنُونٌ، وَقَدْ كَانَ جُنُونُهُ مَعْرُوفًا، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ لِمَا ذَكَرْنَا. قَالَ: (وَمَنْ أَعْتَقَ جَارِيَةً، ثُمَّ قَالَ لَهَا: قَطَعْتُ يَدَكِ وَأَنْتِ أَمَتِي، وَقَالَتْ: قَطَعْتَهَا وَأَنَا حُرَّةٌ، فَالقَوْلُ قَوْلُهَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا أَخَذَهُ مِنْهَا، إِلَّا الجِمَاعَ وَالغَلَّةَ قوله: (فالقول قول العبد) أي: مع يمينه بالإجماع. وعند الشافعي، وأحمد فيه وجهان: أحدهما: وهو نص الشافعي أن القول للولي مع يمينه. والثاني: القول للجاني، وكذا لو قال لسيده بعد عتقه أخذت مالك أو قطعت يدك وأنا عبدك، فقال السيد: لا، بل فعلت بعد العتق، فالقول للعبد مع يمينه بالإجماع. قوله: (أسنده إلى حالة معهودة) أي: معلومة منافية للضمان، وهذا لأن الوجوب في جناية العبد على المولى دفعًا أو فداء، ولا يتصور وجوب الضمان على العبد في قتل الخطأ في حال رِقيَّتِهِ. وقوله: (لما ذكرنا) إشارة إلى قوله: (لأنه منكر للضمان) ولا يقال قد ادعى العبد تاريخًا سابقًا في إقراره وهو عارض، فالقول ينبغي أن يكون لمنكر سبق التاريخ؛ لأنا نقول: المصير إلى هذا الترجيح بعد ثبوت السبب ملزما، وهاهنا إضافة إلى حالة غير ملزمة، فلم يكن هو مدعيًا للتاريخ بالإضافة إليه، بل منكرًا لأصل المال عليه كمن يقول لعبده: أعتقتك قبل أن أخلق، أو قبل أن يخلق، كذا في المبسوط (١). قوله: (إلا الجماع) بأن قال: جامعتك وأنت أمتي، أو أخذت منك غلة

стр. 7219

اسْتِحْسَانًا، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُف، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَضْمَنُ إِلَّا شَيْئًا قَائِمًا بِعَيْنِهِ يُؤْمَرُ بِرَدِّهِ عَلَيْهَا) (*) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وُجُوبَ الضَّمَانِ لِإِسْنَادِهِ الفِعْلَ إِلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ مُنَافِيَةٍ لَهُ كَمَا فِي المَسْأَلَةِ الأُولَى وَكَمَا فِي الوَطْءِ وَالغَلَّةِ. وَفِي الشَّيْءِ القَائِمِ أَقَرَّ بِيَدِهَا، حَيْثُ اعْتَرَفَ بِالأَخْذِ مِنْهَا ثُمَّ ادَّعَى التَّمَلُّكَ عَلَيْهَا وَهِيَ مُنْكِرَةٌ، وَالقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ، فَلِهَذَا يُؤْمَرُ بِالرَّدِّ إِلَيْهَا، وَلَهُمَا: أَنَّهُ أَقَرَّ بِسَبَبِ الضَّمَانِ، ثُمَّ ادَّعَى مَا يُبَرِّئُهُ، فَلَا يَكُونُ القَوْلُ قَوْلَهُ، كَمَا إِذَا قَالَ لِغَيْرِهِ: فَقَاتُ عَيْنَكَ اليُمْنَى، وَعَيْنِي الْيُمْنَى صَحِيحَةٌ ثُمَّ فُقِئَتْ وَقَالَ المُقِرُّ لَهُ: لَا بَلْ فَقَاتَهَا وَعَيْنُكَ اليُمْنَى مَفْقُوعَةٌ، فَإِنَّ القَوْلَ عملك وأنت أمتي، فقالت: بل كان ذلك بعد العتق، فإن القول للمولى. وقال محمد: لا يضمن المولى إلا شيئًا بعينه، يعني لو أقر بأخذ شيء بعينه، والمأخوذ قائم في يده، واختلفا فيه على هذا الوجه أجمعوا فيه أن يرده عليها. وقوله: (في الشيء القائم أقر بيدها) أي: بيد المأخوذ منه، جواب عن المسألة المجمع عليها. قوله: (التملك عليها) أي: على المأخوذ منه منكر. قوله: (وعيني اليمنى صحيحة) يريد به براءته عن ضمان العين قصاصا وأرشا، والمقر له بقوله: (لا بل فقأتها وعينك اليمنى مفقوءة) يدعي وجوب نصف الدية عليه؛ لما أن عضو التالف إن كان صحيحا ثم سقط يسقط القصاص، ولم ينتقل حق المتلف إلى الأرش؛ لأن حقه ثبت ابتداء في القصاص من غير تخيير عندنا، خلافا للأئمة الثلاثة كما مر. لكن ذكر في الإيضاح والذخيرة: لا قصاص في العين إذا قُوِّرَت عمدًا إذا انخسفت، وإنما يجب القصاص إذا كانت قائمة، وذهب ضوؤها. وفي المنتقى: لا قصاص في قلع الحدقة، إنما القصاص إذا ضربها وذهب ضوؤها.

стр. 7220

قَوْلُ المُقَرِّ لَهُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ مَا أَسْنَدَهُ إِلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلضَّمَانِ، لِأَنَّهُ يَضْمَنُ يَدَهَا لَوْ قَطَعَهَا وَهِيَ مَدْيُونَةٌ، وَكَذَا يَضْمَنُ مَالَ الحَرْبِيِّ إِذَا أَخَذَهُ وَهُوَ مُسْتَأْمَنُ، بِخِلَافِ الوَطْءِ وَالغَلَّةِ، لِأَنَّ وَطْءَ المَوْلَى أَمَتَهُ المَدْيُونَةَ لَا يُوجِبُ العُقْرَ، وَكَذَا أَخْذُهُ مِنْ غَلَّتِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مَدْيُونَةٌ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَيْهِ فَحَصَلَ الإِسْنَادُ إِلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ مُنَافِيَةِ لِلضَّمَانِ. قَالَ: (وَإِذَا أَمَرَ العَبْدُ المَحْجُورُ عَلَيْهِ صَبِيًّا حُرًّا بِقَتْلِ رَجُلٍ، فَقَتَلَهُ، فَعَلَى عَاقِلَةِ ولكن ذكر في الذخيرة بعد ذكر هذه الروايات محيلا إلى الأجناس أنه لو ضرب عين إنسان بإصبع ضربة خفيفة فذهبت، وقد تعمد ذلك ففيه القصاص، فيحمل ما ذكر في الكتاب على تلك الرواية. قوله: (لأنه ما أسنده) أي: المقر ما أسند سبب الضمان، وهو الأخذ أو القطع إلى حالة منافية للضمان، أو قطع يد عبده، وأخذ ماله سبب على الضمان على المولى في الجملة بأن قطع يده في حالة الرهن، أو أخذ ماله حال كونه مديونا، فصار مدعيًا براءة نفسه عن الضمان بعد إقراره بسبب الضمان، فلا يصدق إلا بحجة كما في مسألة فقء العين. قوله: (لا يوجب العقر) وكذا وطؤه الأمة المرهونة لا يوجب العقر، لأن حق الغرماء لا يتعلق بمنافع بضعها، لأنها ليست بمال، وكذا أخذ غلتها لا يوجب الضمان عليه إذا كان مديونا؛ لأنها بمقابلة منافعها، وحق الغرماء لا يتعلق بمنافعها؛ لأنها ليست بمال، فكان منكرًا لا مقرًا كالوكيل المعزول، إذا قال: بعته قبل العزل وسلمته، وقال الموكل: لا بل بعته وسلمته بعد العزل، فالقول للوكيل؛ لأنه منكر. قوله: (وإذا أمر العبد المحجور عليه صبيا) أي: إذا أمر العبد الكبير صغيرًا حرا بقتل رجل سواء كان العبد مأذونًا أو مكاتبًا أو محجورًا، فقيد بأن يكون الصبي حرا؛ لأنه لو كان الصبي المأمور عبدا فمولاه مخير بين الدفع والفداء، يرجع مولاه على المحجور الأمر بعد العتق بقيمة عبده. وفي الكافي: رجل أمر صبيا حرًا بقتل رجل فقتله، فديته على عاقلة الصبي في ثلاث سنين؛ لوجود المباشرة منه، وعمده وخطؤه سواء، ثم عاقلة الصبي يرجعون على عاقلة الأمر بما عقلوه؛ لوجود التسبيب من الأمر بوصف التغلب؛

стр. 7221

الصَّبِيِّ الدِّيَةُ) لِأَنَّهُ هُوَ القَاتِلُ حَقِيقَةٌ، وَعَمْدُهُ وَخَطَؤُهُ سَوَاءٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ (وَلَا شَيْءَ عَلَى الْآمِرِ) وَكَذَا إِذَا كَانَ الآمِرُ صَبِيًّا، لِأَنَّهُمَا لَا يُؤَاخَذَانِ بِأَقْوَالِهِمَا؛ لِأَنَّ المُؤَاخَذَةَ فِيهَا بِاعْتِبَارِ الشَّرْعِ وَمَا اعْتُبِرَ قَوْلُهُمَا، وَلَا رُجُوعَ لِعَاقِلَةِ الصَّبِيِّ عَلَى الصَّبِيِّ الآمِرِ أَبَدًا، وَيَرْجِعُونَ عَلَى العَبْدِ الآمِرِ بَعْدَ الإِعْتَاقِ، لِأَنَّ عَدَمَ الِاعْتِبَارِ لِحَقِّ إذ لولا أمره لما تجاسر الصبي على القتل؛ لضعف قلبه. وكذا لو كان الأمر عبدًا محجورًا أو صبيًا أو مكاتبًا وهو صغير أو كبير، إلا أنه لا رجوع على الصبي الأمر أبدًا لقصور الأهلية، فلم يؤاخذ بضمان الأقوال، ويرجعون على العبد الأمر بعد العتق؛ لكمال أهليته، وعلى المكاتب بأقل من قيمته ومن الدية؛ لأن هذا حكم جناية المكاتب، كما لو كان المأمور هنا عبدًا محجورًا، أو كانا محجورن خوطب سيد القاتل بالدفع أو الفداء، ويرجع بعد العتق بأقل من الفداء وقيمة العبد؛ لأنه مختار في دفع الزيادة لا مضطر، وإنما يرجع بعد العتق؛ لأن الأمر قول وقول المحجور غير معتبر، فلا يؤاخذ في الحال بل يؤاخذ بعد العتق. قوله: (ويرجعون على العبد الأمر بعد الإعتاق) وفي النهاية: في هذه الرواية نوع ضعف؛ لأنه ذكر في جامعي المحبوبي والتمرتاشي: ولا رجوع لهم على العبد لا في الحال ولا بعد العتق، وإن كان العبد مأذونا في التجارة؛ لأن هذا الضمان ليس بضمان الغصب؛ لأن الحر لا يغصب، وإنما هذا ضمان جناية وجناية العبد لا تلزمه بعد العتق. ألا ترى أنه لو باشر الجناية ثم أعتقه المولى لا يطالب العبد بحكم تلك الجناية كذا هاهنا، بل بالطريق الأولى؛ لأنه لما لم يؤاخذ العبد بعد العتق بموجب جناية باشرها في الرق وجب أن لا يؤاخذ بموجب جناية أقر بها بعد العتق بالطريق الأولى، وهو أن أمره بالقتل كالإقرار بالجناية؛ لأن كلا منهما قول، ولو أقر بالجناية لا يلزمه شيء أصلا لا في الحال ولا بعد العتق، سواء كان محجورًا أو مأذونا، لأن الإذن بالتجارة إذن يختص بالتجارة، والإقرار بالتجارة ليس من توابع التجارة، فكان إقرار المأذون والمحجور سواء.

стр. 7222

المَوْلَى وَقَدْ زَالَ لَا لِنُقْصَانِ أَهْلِيَّةِ العَبْدِ، بِخِلَافِ الصَّبِيِّ، لِأَنَّهُ قَاصِرُ الأَهْلِيَّةِ. قَالَ: (وَكَذَلِكَ إِنْ أَمَرَ عَبْدًا) مَعْنَاهُ: أَنْ يَكُونَ الآمِرُ عَبْدًا وَالمَأْمُورُ عَبْدًا، مَحْجُورًا عَلَيْهِمَا (يُخَاطَبُ مَوْلَى القَاتِلِ بِالدَّفْعِ أَوْ الفِدَاءِ) وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْأَوَّلِ فِي الحَالِ، وَيَجِبُ أَنْ يَرْجِعَ بَعْدَ العِتْقِ بِأَقَلَّ مِنْ الفِدَاءِ وَقِيمَةِ العَبْدِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٌ فِي دَفْعِ الزِّيَادَةِ، وهكذا ذكر في المغني مُحالًا إلى الزيادات فعلم أن فيما ذكر في الكتاب نوع ضعف لمخالفته هذه الروايات. قوله: (والمأمور عبدًا محجورًا عليهما) في النهاية: الحكم المذكور لا يقتضي أن يكون كلاهما محجورًا، بل يكفي كون الأمر محجورًا، فإن المحجور لو أمر المأذون فالحكم كذلك. أما لو كان الأمر مأذونًا، والمأمور محجورًا أو مأذونا يرجع مولى المأمور بعد الدفع أو الفداء على الأمر في الحال بقيمة عبده؛ لأنه بأمره صار غاصبا للمأمور، فصار كإقراره بالغصب، والمأذون يؤاخذ بالإقرار بالغصب في الحال لا المحجور، على ما ذكره في جامع المحبوبي، والتمرتاشي. فإن قيل: الأمر ليس بغصب لأن الغصب يتحقق بالنقل والتحويل، ولا يوجد ذلك في الأمر. قلنا: أقيم الأمر مقام النقل، كما لو أمر عبدا ليحمل له حملا فحمله وهلك فيه يضمن الأمر وإن لم يوجد منه النقل والتحويل، وأقيم الأمر مقام النقل فكذا هاهنا، كذا ذكره المحبوبي. قوله: (على ما بينا من قبل) (١) أي: في فصل الجنين. قوله: (لأنه غير مضطر في دفع الزيادة) لأنه يتخلص عن عهدة الضمان بإعطاء الأقل من الفداء، وقيمة العبد؛ لأنه إنما أتلف بأمره ما هو الأقل منهما. قوله: (ولا تضايق في الفداء) لأنه يجب في الذمة، والذمة صالحة أن تثبت فيها أموال كثيرة. وعن الإمام حسام الدين [الثياروي] (٢) وإنما لم ينتقل نصيب العافي إلى

стр. 7223

وَهَذَا إِذَا كَانَ القَتْلُ خَطَأً، وَكَذَا إِذَا كَانَ عَمْدًا وَالعَبْدُ القَاتِلُ صَغِيرًا، لِأَنَّ عَمْدَهُ خَطَأً، أَمَّا إِذَا كَانَ كَبِيرًا يَجِبُ القِصَاصُ لِجَرَيَانِهِ بَيْنَ الحُرِّ وَالعَبْدِ. قَالَ: (وَإِذَا قَتَلَ العَبْدُ رَجُلَيْنِ عَمْدًا، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلِيَّانِ، فَعَفَا أَحَدُ وَلِيَّيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنَّ المَوْلَى يَدْفَعُ نِصْفَهُ إِلَى الآخَرَيْنِ، أَوْ يَفْدِيهِ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمَ لِأَنَّهُ لَمَّا عَفَا أَحَدُ وَليَّيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَقَطَ القِصَاصُ وَانْقَلَبَ مَالًا، فَصَارَ كَمَا لَوْ وَجَبَ المَالُ مِنَ الابْتِدَاءِ، وَهَذَا لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي الرَّقَبَةِ أَوْ فِي عِشْرِينَ أَلْفًا، وَقَدْ سَقَطَ نَصِيبُ العَافِيَيْنِ - وَهُوَ النِّصْفُ - وَبَقِيَ النِّصْفُ فَإِنْ كَانَ قَتَلَ أَحَدَهُمَا عَمْدًا وَالآخَرَ خَطَأً، فَعَفَا أَحَدُ وَلِيَّي العَمْدِ، فَإِنْ فَدَاهُ المَوْلَى فَدَاهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا، خَمْسَةُ آلَافٍ لِلَّذِي لَمْ يَعْفُ مِنْ وَلِيِّي العَمْدِ، وَعَشَرَةُ آلَافٍ لِوَلِيَّي الخَطَأ) لِأَنَّهُ لَمَّا انْقَلَبَ العَمْدُ مَالًا كَانَ حَقُّ وَلِيَّي الخَطَإِ فِي كُلِّ الدِّيَةِ عَشَرَةَ آلَافٍ، وَحَقُّ أَحَدِ وَلِيَّي العَمْدِ فِي نِصْفِهَا خَمْسَةَ آلَافٍ، وَلَا تَضَايُقَ فِي الفِدَاءِ، فَيَجِبُ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا (وَإِنْ دَفَعَهُ دَفَعَهُ إِلَيْهِمْ أَثْلَاثًا: ثُلُثَاهُ لِوَلِيِّي الخَطَإِ، وَثُلُثُهُ لِغَيْرِ العَافِي مِنْ وَلِيَّي العَمْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: يَدْفَعُهُ أَرْبَاعًا: ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ لِوَلِيِّي الخَطَرِ، وَرُبْعَهُ لِوَلِيِّ العَمْدِ) المولى كما في المسألة الأولى لاختلاف جهتي الجنايتين هنا واتحادهما في الأولى، ومنه منشأ التفاوت في الحكم، وهو الانتقال وعدمه، ويعرف بالتأمل. قوله: (وقالا: يدفعه أرباعًا) إلى آخره، أصل هذا مما اتفقوا عليه هو أن قسمة العين إذا وجبت بسبب دين في الذمة كالغريمين في التركة كانت القسمة بطريق العول والمضاربة؛ لأنه لا تضايق في الذمة فيثبت حق كل واحد منهما على الكمال، فيضرب بجميع حقه. أما إذا وجبت قسمة العين ابتداء لا بسبب دين في الذمة كما في مسألة بيع الفضولي، وهو أن الفضولي لو باع عبد غيره بغير أمره، وباعه فضولي آخر لصفة فأجاز المالك البيعتين كان العبد بين المشتريين أرباعًا، فكانت القسمة بطريق المنازعة؛ لأن الحق الثابت في العين ابتداء لا يثبت بصفة الكمال عند المنازعة؛ لأن العين الواحد يضيق عن الحقين على وجه الكمال، فكانت القسمة بطريق المنازعة.

стр. 7224

فَالقِسْمَةُ عِنْدَهُمَا بِطَرِيقِ المُنَازَعَةِ، فَيُسَلِّمُ النِّصْفَ لِوَلِيِّي الخَطَإِ بِلَا مُنَازَعَةٍ، وَاسْتَوَتْ مُنَازَعَةُ الفَرِيقَيْنِ فِي النِّصْفِ الآخَرِ فَيَتَنَصَّفُ، فَلِهَذَا يُقَسَّمُ أَرْبَاعًا. وَعِنْدَهُ: يُقَسَّمُ بِطَرِيقِ العَوْلِ وَالمُضَارَبَةِ أَثْلَاثًا، لِأَنَّ الحَقَّ تَعَلَّقَ بِالرَّقَبَةِ، أَصْلُهُ: التَّرِكَةُ المُسْتَغْرَقَةُ بِالدُّيُونِ: فَيَضْرِبُ هَذَا بِالكُلِّ وَذَلِكَ بِالنِّصْفِ، وَلِهَذِهِ المَسْأَلَةِ نَظَائِرُ وَأَضْدَادٌ ذَكَرْنَاهَا في «الزِّيَادَاتِ». قَالَ: (وَإِذَا كَانَ عَبْدٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقَتَلَ مَوْلًى لَهُمَا) أَيْ قَرِيبًا لَهُمَا (فَعَفَا ولما ثبت هذا الأصل فقالا في مسألتنا القسمة بطريق المنازعة؛ لأن حق ولي العمد في جميع الرقبة، فإذا عفا أحدهما بطل حقه وفرغ العبد، فتعلق حق ولي الخطأ بهذا النصف بلا منازعة، وبقي النصف الآخر، واستوت منازعة الثالث وولي الخطأ في هذا النصف، فصار النصف بينهما بطريق المنازعة اتباعًا كما في مسألة الفضوليين. ولأبي حنيفة: أن أصل حقهما ما في عين العبد في الأرش الذي هو بدل المتلف، والقسمة في غير العين بطريق العول والمضاربة، وهذا لأن حق ولي الخطأ في عشرة آلاف، وحق غير العافي في خمسة آلاف، فيضرب كل واحد منهما بحصته كرجل عليه ثلاثة آلاف لرجل، وألفان لآخر، ومات المديون وترك ألفا كانت التركة بين صاحبي الدين أثلاثا بطريق العول والمضاربة، فكذا هاهنا بخلاف بيع الفضولي؛ لأن الملك يثبت للمشتري ابتداء في العين، إليه أشار في جامعي قاضي خان، والمحبوبي. قوله: (ولهذه المسألة نظائر وأضداد ذكرناها في الزيادات) في كتاب الدعوى في باب ما يدعيه الرجلان. قوله: (قتل مولى لهما) أي: قريبًا لهما كأخيهما أو عمهما، ويجوز أن يراد بالموالي الأقارب قال تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ [مريم: ٥] أي: الأقارب، ويحتمل أن يراد: عبدًا لهما أعتقاه فعفا أحد الموليين بطل حق الآخر في النفس والمال جميعًا عنده. وعندهما: يقال للعافي: ادفع نصيبك إلى شريكك أو افده بدفع الدية.

стр. 7225

أَحَدُهُمَا، بَطَلَ الجَمِيعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَدْفَعُ الَّذِي عَفَا نِصْفَ نَصِيبِهِ إِلَى الآخَرِ، أَوْ يَفْدِيهِ بِرُبْعِ الدِّيَةِ) (*) وَذَكَرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: قَتَلَ وَلِيًّا لَهُمَا، وَالمُرَادُ القَرِيبُ أَيْضًا، وَذُكِرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَذَكَرَ فِي الزِّيَادَاتِ: عَبْدٌ قَتَلَ مَوْلَاهُ، وَلَهُ ابْنَانِ فَعَفَا أَحَدُ الابْنَيْنِ، بَطَلَ ذَلِكَ كُلُّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الجَوَابُ فِيهِ كَالجَوَابِ فِي مَسْأَلَةِ الكِتَابِ، وَلَمْ يَذْكُرُ اخْتِلافَ الرِّوَايَةِ. لِأَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ حَقَّ القِصَاصِ ثَبَتَ فِي العَبْدِ عَلَى سَبِيلِ الشُّيُوعِ، لِأَنَّ مِلْكَ المَوْلَى لَا يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَ القِصَاصِ لَهُ، فَإِذَا عَفَا أَحَدُهُمَا انْقَلَبَ نَصِيبُ الْآخَرِ وَهُوَ النِّصْفُ مَالًا، غَيْرَ أَنَّهُ شَائِعٌ فِي الكُلِّ، فَيَكُونُ نِصْفُهُ فِي نَصِيبِهِ، وَالنِّصْفُ فِي نَصِيبٍ صَاحِبِهِ، فَمَا يَكُونُ فِي نَصِيبِهِ سَقَطَ ضَرُورَةَ أَنَّ المَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ مَالًا، وَمَا كَانَ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ بَقِيَ، وَنِصْفُ النِّصْفِ: هُوَ الرُّبْعُ، فَلِهَذَا يُقَالُ: ادْفَعْ نِصْفَ ووجه قولهما مذكور في المكتوب على الحاشية على وجه النسخة. وجه قول أبي حنيفة: أن نصيب العافي قد سقط، ونصيب الآخر وهو النصف يحتمل أن يكون كله في ملك شريكه فينقلب نصف هذا النصف مالا ويحتمل أن يكون كله في ملك نفسه، فيبطل أصلا ويحتمل أن يكون نصفه في ملك نفسه، ونصفه في نصيب العافي، فينقلب نصف هذا النصف مالا وهو الربع. فلما احتمل هذا وذاك لا ينقلب مالا بالشك؛ لأن المال لا يجب بالشك، أو نقول إن القصاص إذا صار مالًا صار بمعنى الخطأ، ولو كان القتل خطأ لا يجب شيء، فهذا مثله، إليه أشار في الجامع الصغير. قوله: (وذكر في بعض النسخ) أي: نسخ الجامع الصغير: قول محمد مع قول أبي حنيفة، كما ذكر في الزيادات وفي أكثرها مع قول أبي يوسف، والله أعلم.

стр. 7226

نَصِيبُكَ، أَوِ افْتَدَاهُ بِرُبْعِ الدِّيَةِ. وَلَهُمَا: أَنَّ مَا يَجِبُ مِنْ المَالِ يَكُونُ حَقَّ المَقْتُولِ لِأَنَّهُ بَدَلُ دَمِهِ، وَلِهَذَا تُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُ وَتُنَفَّذُ بِهِ وَصَايَاهُ، ثُمَّ الوَرَثَةُ يَخْلُفُونَهُ فِيهِ عِنْدَ الفَرَاغِ مِنْ حَاجَتِهِ، وَالمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنَا، فَلَا تَخْلُفُهُ الوَرَثَةُ فِيهِ. فصل: [في أَحْكَامُ الجِنَايَةِ عَلَى العَبْد] (وَمَنْ قَتَلَ عَبْدًا خَطَأً، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، لَا تُزَادُ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، أَوْ أَكْثَرَ، قَضَى لَهُ بِعَشَرَةِ آلَافٍ إِلَّا عَشَرَةً، وَفِي الأَمَةِ إِذَا زَادَتْ قِيمَتُهَا عَلَى الدِّيَةِ، خَمْسَةُ آلَافٍ إِلَّا عَشَرَةٌ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. فَصْلٌ لما ذكر حكم جناية العبد شرع في حكم الجناية عليه، وقدم الأول؛ لأن الفاعل مقدم على المفعول. قوله: (إذا زادت قيمتها على الدية) أي: دية المرأة الحرة خمسة آلاف إلا عشرة، وهذا ظاهر الرواية. وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه خمسة آلاف إلا خمسة، وبقول أبي حنيفة قال النخعي، والشعبي، والثوري، وأحمد في رواية عنه، وأبو يوسف أولا. وقال آخرًا (١): تجب قيمته بالغا ما بلغت، وهو قول الشافعي، وأحمد، ومالك، وابن المسيب، وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، وإسحاق، ومكحول، وإياس بن معاوية، والحسن. لهم: أن هذا ضمان ماليته تجب من حيث ماليته، ولهذا يجب للمولى، ولو كان الضمان من حيث الآدمية ينبغي أن لا يجب للمولى؛ لأنه لا يملكه من حيث إنه آدمي، ولا يسمع قول من يقول: إن الضمان إنما يجب للمولى؛ لكونه أقرب الناس إليه كما في استيفاء القصاص إذا قتل عمدًا؛ إذ لا يلزم من ولاية استيفاء القصاص أن الضمان له كالسلطان والأب، فإن لهما ولاية استيفاء القصاص ولا يجب الضمان لهما؛ لما أن مبنى القصاص على الولاية.

стр. 7227

وقال أبو يوسف والشافعي: تجب قيمته بالغة ما بلغت، ولو غصب عبدا قيمته عشرون ألفا فهلك في يده تجب قيمته بالغة ما بلغت بالإجماع. لهما: أن الضمان ببدل المالية، ولهذا يجب للمولى وهو لا يملك العبد إلا من حيث المالية، ولو قتل العبد المبيع قبل القبض، يبقى العقد، وبقاؤه ببقاء المالية أصلا، أو ببدله، وصار كقليل القيمة وكالغصب. ولأبي حنيفة ومحمد: قوله تعالى: ﴿وَدِيَّةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] قال ﵊: «السلطان ولي من لا ولي له»، فأما استحقاق المال لا يبتني على الولاية، بل على الإرث إذا وجد سببه، ولا يجري الإرث بين المولى وعبده، فعلم أنه إنما يستحقه لجبران فوات ماله، كما في سائر الأموال، ولأن (١) ابنه لا يرثه لو كان الابن حرا فلو كان باعتبار الأدمية ينبغي أن يرثه الابن، كما إذا مات بعد العتق وله ابن ومعتق، إذ الأدمية لا تتفاوت بعد العتق وقبله. ولهذا لو كانت قيمته أقل من الدية تجب القيمة ولا يبلغ إلى الدية، فلو كان باعتبار الأدمية ينبغي أن يبلغ إلى الدية. وقد روي أن عمر، وعليا، وابن عمر أوجبوا قيمته بالغا ما بلغت، والدليل على أن ضمانه ضمان المال أنه يجب للمولى ويرجع إلى تقويم المقومين، ويختلف بأوصاف المتلف في الحسن والجمال وسلامة الطرف كما في المال. أما الدية لمقابلة النفسية فلا يختلف بهذه الأوصاف، ولأنه لو قطع يد عبد يساوي ثلاثين ألفا يجب ضمان يده خمسة عشر ألفا نصف القيمة، وهي زائدة على دية الحر، فينبغي ألا تنتقص قيمته عن دية الحر وإلا يلزم [النسخ] (٢)، وهي أن دية العضو أكثر من دية الكل. ولنا قوله تعالى: ﴿وَدِيَّةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، ووجه التمسك أنه تعالى رتب على قتل الخطأ حكمين: الكفارة، والدية، والعبد داخل في حق

стр. 7228

أَوْجَبَهَا مُطْلَقًا، وَهِيَ اسْمٌ لِلْوَاجِبِ بِمُقَابَلَةِ الآدَمِيَّةِ، وَلِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْآدَمِيَّةِ حَتَّى كَانَ مُكَلَّفًا، وَفِيهِ مَعْنَى المَالِيَّةِ، وَالآدَمِيَّةُ أَعْلَاهُمَا، فَيَجِبُ اعْتِبَارُهَا بِإِهْدَارِ الْأَدْنَى عِنْدَ وجوب الكفارة، حتى لو قتل العبد يجب على القاتل الكفارة بالإجماع، فيجب أن يكون في حق الدية كذلك؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَاً﴾ [النساء: ٩٢]، والعبد مؤمن؛ فيكون ما وجب بقتله الدية، ولا تجوز الزيادة على النص بالرأي بأن المراد مؤمن حر. قوله: (ولأن فيه) أي: في العبد (معنى الآدمية حتى كان مكلفا) أي: بالإيمان والشرائع التي تجب عليه من الصلاة والصوم والعقوبات، وفيه معنى المالية، والآدمية أعلاهما؛ لأنه أصل، والرق يعارض الكفر، ولهذا تزول المالية مع بقاء الآدمية بالإعتاق فتكون المالية تبعًا، والمتبوع أعلى من التبع؛ فلا يجوز إهدار الأصل لمراعاة التبع مع أن في مراعاة الأصل مراعاة التبع دون العكس. فإنا لو جعلنا الضمان باعتبار النفسية راعينا معنى المالية أيضًا، أما لو جعلناه بمقابلة المالية يهدر معنى النفسية، فكان إيجاب الضمان مقابلا بما هو الأصل، ولهذا يجب القصاص في العمد، ولا يجب بإتلاف المال، والمتلف في حال الخطأ ما هو المتلف في حال العمد، فعلم أنه مضمون بكونه آدميًا. فإن قيل: لو كانت الآدمية أعلاهما لما وجب القطع في سرقة العبد الصغير. قلنا: إن المالية في الرقيق غير ساقطة أصلا، بل هي معتبرة، إلا عند تعذر الجمع. فإن قيل: الجمع هاهنا ممكن كما في المُحرِمِ إذا قتل صيدا مملوكًا تجب قيمته، والجزاء أيضًا، فكذلك هاهنا. قلنا: ثمة الجهة مختلفة، فالقيمة ضمان المحل، والجزاء ضمان الفعل، أما هاهنا فالجهة متحدة، وهو أن الضمان بدل المحل، فلا يمكن الجمع مع أن الحرية والمالية متنافيان، فيكون التنافي ثابتاً بين موجبيهما، كذا قيل. وفي النهاية: ولا معنى لقول من قال: يجمع بين المالية والنفسية.

стр. 7229

تَعَدُّرِ الجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَضَمَانُ الغَصْبِ بِمُقَابَلَةِ المَالِيَّةِ، إِذِ الغَصْبُ لَا يُرَدُّ إِلَّا عَلَى المال، فقلنا بوجوب القصاص في العمد باعتبار النفسية، ووجوب المال في الخطأ باعتبار المالية؛ لأن المتلف في حال العمد والخطا واحد، فلو كان هنا طريق إلى الجمع ينبغي أن يضمن الدية مع كمال القيمة، أو يستوفي القصاص في حالة العمد باعتبار النفسية، والقيمة باعتبار المالية، وأحد لا يقول بذلك، فعرفنا أن المتلف في الحالين واحد، ولا وجه للجمع مع أن بين الوصفين تضادا. وأما النقصان ببدل النفس قد ينقص عن أعلى الديات باعتبار نقصان في المحل، ألا ترى أنه ينقص بالأنوثة وبالكفر على أصل الخصم، وبالاختناق في البطن بالاتفاق، فإن بدل الجنين دون بدل المنفصل، وإن كان الواجب باعتبار النفسية؛ إذ لا مالية في الجنين سواء كان حرًا أو مملوكًا، فكذا يجوز أن ينقص عن أعلى الديات باعتبار صفة المملوكية؛ لأن تكميل الدية باعتبار صفة المالكية. ولهذا بدل الأنثى على النصف من بدل الذكر باعتبار نقصان مالكية النكاح، فإنها لا تملك النكاح وتملك المال، والرجل يملك كليهما (١)، ولا يقال لو كان النقصان باعتبار المالكية لنقصت دية العبد عن دية المرأة؛ لأنها مالكة له؛ لأنا نقول العبد باعتبار أنه يحمل أمانة الله تعالى لم يصر مالا، وبقي على حكم الحرية، وصحة النكاح تنبني على هذا الوصف؛ لأن عقد النكاح لا يجري بين الأموال، وهو من هذا الوجه لا يملك الحرة نكاحًا فتصير المرأة تبعا له في حق النفسية وما ينبني عليها. وقد ذكرنا أن معنى النفسية معتبرة عند التعارض، فلما كان العبد هو المالك للحرة فيما يرجع إلى النفسية كانت دية المرأة أنقص من دية العبد التي تبلغ دية الحر، ولأن قيمة العبد إذا كانت أقل من دية المرأة تجب دون دية المرأة؛ لأنها تملكه، وإذا كانت أكثر من ديتها يجب أكثر؛ لأنه يملكها نكاحا قولا بالشبهين.

стр. 7230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأما الجواب عن أثر عمر وعلي فنعارضه بقول ابن مسعود: لا تبلغ قيمة العبد دية الحر وتنقص منه عشرة. وهكذا روي عن ابن عباس، وهذا كالمروي عن النبي ﷺ ؛ لأن المقادير لا تعرف بالقياس بل تعرف سماعًا، وبهذا رجحنا أثر ابن مسعود على ما رواه الخصم؛ لأنه ليس فيه ذكر المقدار، بل فيه قياس سائر الأموال، فكان أثره محمولاً على أنهم قالوا من رأيهم وقياسهم سائر الأموال، أو يحمل ذلك على ما إذا كانت قيمته فيما دون دية الحر، والحكم فيه كذلك. وأما وجوبه للمولى فلما ذكرنا أنه أقرب الناس إليه باعتبار مالكيته بماليته، فيجعل في حقه كالواجب بمقابلة المالية. وأما الرجوع إلى تقويم المُقوّمين فلإظهار المالية التي تظهر النقصان باعتبارها، مع أن الرجوع إلى تقويمهم قد يكون فيما يجب بمقابلة النفسية كحكومة العدل. وأما الجواب عن قطع يد عبد يساوي ثلاثين ألفا إلى آخره أن ذلك قول أبي يوسف، ودية العبد بقدر القيمة بالغة ما بلغت. ولهذا قال محمد في بعض الروايات: القول بهذا يؤدي إلى أن يجب بقطع طرف العبد فوق ما يجب بقتله، وهو قبيح جدا، فلهذا قال لا يزاد على نصف بدل نفسه؛ فيكون الواجب خمسة آلاف إلا خمسة. وقد قيل: إن جانب المالية في الأطراف أغلب في الأحرار، ألا ترى أن الاثنين لا يؤخذان بواحد في حق الأطراف، وبالرق زاد معنى المالية حتى لا يجري القصاص في أطراف العبيد لهذا، ولأن مجاوزة قدر قيمة الأطراف عن قدر الدية غير ممتنعة في نفسها. ألا ترى أنه لو جدع أنف حر خطأ وجب دية النفس، ثم فقأ عينه وجب دية أخرى، وكذا في جميع أطرافه، فيزيد ما يجب بمقابلة الأطراف على الدية

стр. 7231

وَبَقَاءُ العَقْدِ يَتْبَعُ الفَائِدَةَ، حَتَّى يَبْقَى بَعْدَ قَتْلِهِ عَمْدًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ القِصَاصُ بَدَلًا عَنْ المَالِيَّةِ، فَكَذَلِكَ أَمْرُ الدِّيَةِ، وَفِي قَلِيلِ القِيمَةِ الوَاجِبُ بِمُقَابَلَةِ الْآدَمِيَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا سَمْعَ فِيهِ فَقَدَّرْنَاهُ بِقِيمَتِهِ رَأيًا، بِخِلَافِ كَثِيرِ القِيمَةِ، لِأَنَّ قِيمَةَ الحُرِّ مُقَدَّرَةٌ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَنَقَصْنَا مِنْهَا فِي العَبْدِ إِظْهَارًا لِانْحِطَاطِ رُتْبَتِهِ، وَتَعْيِينُ العَشَرَةِ بِأَثَرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ ﵄ قَالَ: (وَفِي يَدِ العَبْدِ نِصْفُ قِيمَتِهِ لَا يُزَادُ عَلَى خَمْسَةِ آلَافٍ إِلَّا خَمْسَةٌ) بأضعاف الأضعاف، ولهذا قيل: دية الأسنان أكثر من دية النفس بستة (١) آلاف. قوله: (وبقاء العقد) إلى آخره جواب عما قال: (يبقى العبد وبقاؤه ببقاء المالية أصلا) فيما إذا كان باقيًا أو بدلًا فيما إذا كان بالغا، يعني بقاء العقد بعد قتل العبد قبل القبض يتبع الفائدة، وهي انقلاب القصاص مالا بالعفو أو الصلح، فبقاؤه لا يدل على أنه يبقى لأجل المالية، بل يبقى لأجل فائدة، وهي تمكن المشتري من الصلح والعفو أو وجوب الكفن (٢) عليه. قوله: (إلا أنه لا سمع فيه فقدرناه بقيمته رأيا)، فإن قيل: قوله ﵊: «ألا إنّ قتيلَ خَطا العمد» الحديث مطلق فيتناول الحر والعبد، فيكون السماع فيه موجودا. قلنا: خص من ذلك الحديث المرأة، لأنه يجب بقتلها مائة من الإبل، فيخص العبد منه؛ لأن المعنى المخصص موجود فيه، وهو التفاوت في المالكية، كالتفاوت بين الرجل والمرأة، ولا يرد علينا ما روي عن علي وعمر وابنه؛ لما بينا أنه معارض بحديث ابن مسعود ﵃ أجمعين، وبينا أنهم قالوا برأيهم وقياسهم. قوله: (وتعيين العشرة بأثر عبد الله بن عباس) وفي بعض النسخ: (عبد الله بن مسعود) وهو الصحيح؛ لأنه موافق لرواية المبسوط والأسرار. قوله: (خمسة آلاف إلا خمسة) أي: على خمسة آلاف منقوصة بخمسة.

стр. 7232

لِأَنَّ اليَدَ مِنْ الْآدَمِيِّ نِصْفُهُ، فَتُعْتَبَرُ بِكُلِّهِ، وَيَنْقُصُ هَذَا المِقْدَارُ إِظْهَارًا لِانْحِطَاطِ رُتْبَتِهِ، وَكُلُّ مَا يُقَدَّرُ مِنْ دِيَةِ الحُرِّ، فَهُوَ مُقَدَّرٌ مِنْ قِيمَةِ العَبْدِ، لِأَنَّ القِيمَةَ فِي العَبْدِ كَالدِّيَةِ فِي الحُرِّ، إِذْ هُوَ بَدَلُ الدَّمِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ، وَإِنْ غَصَبَ أَمَةٌ قِيمَتُهَا عِشْرُونَ أَلْفًا فَمَاتَتْ فِي يَدِهِ، فَعَلَيْهِ تَمَامُ قِيمَتِهَا، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ ضَمَانَ الغَصْبِ ضَمَانُ المَالِيَّةِ. قَالَ: (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ فَأَعْتَقَهُ المَوْلَى، ثُمَّ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ لَهُ وَرَثَةٌ غَيْرُ المَوْلَى، فَلَا قِصَاصَ فِيهِ، وَإِلَّا اقْتُصَّ مِنْهُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا قِصَاصَ فِي ذَلِكَ، وفي النهاية: هذا خلاف ظاهر الرواية، لأنه ذكر في المبسوط: ففي طرف المملوك يعتبر قيمة المالية فقط (١). ولهذا لا يضمن بالقصاص ولا بالكفارة، إلا أن محمدا قال في بعض الروايات: القول بهذا يؤدي إلى أن يجب بقطع طرفه ما يجب بقتله، إلى أن قال: فلهذا لا يزاد على نصف بدل نفسه، فيكون الواجب فيه خمسة آلاف إلا خمسة. وذكر في الأسرار أن جانب المالية أغلب. وفي فتاوى الظهيرية، وجامع المحبوبي: ما يوافق أولية المتن حيث قالا: موضحة العبد مثل موضحة الحر يقضى بخمسمائة درهم إلا نصف درهم، ولو قطع إصبع عبد عمدًا أو خطأ، وقيمته عشرة آلاف أو أكثر فعليه عشر الدية إلا درهم، فكأن الشيخ اختار رواية محمد ﵀. قوله: (فلا قصاص فيه) أي: بالإجماع (وإلا) أي: إن لم يكن له وارث غير المولى. قوله: وقال محمد: لا قصاص في ذلك وبه قالت الأئمة الثلاثة، إلا أن عندهم تجب قيمته بالغة ما بلغت للسيد. وعن أحمد في رواية: تجب دية الحر اعتبارا بحالة الموت.

стр. 7233

وَعَلَى القَاطِعِ أَرْشُ اليَدِ، وَمَا نَقَصَهُ ذَلِكَ إِلَى أَنْ يُعْتِقَهُ، وَيَبْطُلُ الفَضْلُ (*) وَإِنَّمَا لَمْ يَجِب القِصَاصُ فِي الوَجْهِ الأَوَّلِ لِاشْتِبَاهِ مَنْ لَهُ الحَقُّ، لِأَنَّ القِصَاصَ يَجِبُ عِنْدَ المَوْتِ مُسْتَنِدًا إِلَى وَقْتِ الجُرْحِ، فَعَلَى اعْتِبَارِ حَالَةِ الجُرْحِ يَكُونُ الحَقُّ لِلْمَوْلَى، وَعَلَى اعْتِبَارِ الحَالَةِ الثَّانِيَةِ يَكُونُ لِلْوَرَثَةِ، فَتَحَقَّقَ الاشْتِبَاهُ، وَتَعَذَّرَ الاسْتِيفَاءُ، فَلَا يَجِبُ عَلَى وَجْهِ يُسْتَوْفَى، وَفِيهِ الكَلَامُ، وَاجْتِمَاعُهُمَا لَا يُزِيلُ الاشْتِبَاهَ، لِأَنَّ المُلْكَيْنِ فِي الحَالَيْنِ، وعند محمد: يجب أرش يده، وما نقصه القطع إلى أن أعتقه المولى. (ويبطل الفضل) أي: باقي القيمة. قوله: (في الوجه الأول) أي: فيما إذا كان له وارث غير المولى؛ لاشتباه من له الحق وهو المستوفي، وجهالته تمنع وجوب القصاص؛ لتعذر استيفائه، كما لو باعه ثم مات عند المشتري كان على القاطع أرش اليد، وتبطل السراية كذا هاهنا. ولا يمكن إفراد السراية عن الجناية؛ لأن قطع يد العبد لا يوجب القصاص، فبطل الجناية ضرورة، كذا ذكره قاضي خان. قوله: (وفيه الكلام) أي: فيما إذا كان له ورثة غير المولى. وقيل: أي: في وجوبه على وجه يستوفى، ولا كلام في أصل الوجوب، والوجوب لا الاستيفاء، فإذا فات مقصوده سقط اعتباره. وقيل: أي: في تعذر الاستيفاء. قوله: (لأن الملكين في الحالين) في حالة الجرح وحالة السراية، معناه أن الملكين لما كانا في الحالين فلو نظرنا إلى حالة الجرح يكون للمولى، ولو نظرنا إلى حالة الموت يكون للوارث. فلو اجتمعا على استيفاء القصاص بأن يُوَكِّلا رجلا بذلك ينتقل الفعل إليهما، فيكون أحدهما مستوفيا بلا حق.

стр. 7234

بِخِلَافِ العَبْدِ المُوصَى بِخِدْمَتِهِ لِرَجُلٍ، وَبِرَقَبَتِهِ لِآخَرَ إِذَا قُتِلَ، لِأَنَّ مَا لِكُلِّ مِنْهُمَا مِنْ الحَقِّ ثَابِتٌ مِنْ وَقْتِ الجَرْحِ إِلَى وَقْتِ المَوْتِ، فَإِذَا اجْتَمَعَا زَالَ الِاشْتِبَاهُ. وَلِمُحَمَّدٍ فِي الخِلَافِيَّةِ وَهُوَ مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ وَرَثَةٌ سِوَى المَوْلَى، أَنَّ سَبَبَ الوِلَايَةِ قَدْ اخْتَلَفَ، لِأَنَّهُ المِلْكُ عَلَى اعْتِبَارِ إِحْدَى الحَالَتَيْنِ، وَالوِرَاثَةُ بِالوَلَاءِ عَلَى اعْتِبَارِ الأُخْرَى، فَنُزِّلَ مَنْزِلَةَ اخْتِلَافِ المُسْتَحَقِّ فِيمَا يُحْتَاطُ فِيهِ، كَمَا إِذَا قَالَ لِآخَرَ: فإن قيل: ينبغي أن ينتقل الفعل إلى من له الحق كما لو اجتمع ولي القصاص مع أجنبي ووكلا رجلًا بالاستيفاء، فإن الفعل ثمة ينتقل إلى الولي لا إلى الأجنبي. قلنا: وضع المسألة ثمة فيما إذا كان عالما بأنه أجنبي، [وإنما] (١) لم ينتقل بحكم العلم، أما هاهنا الوكيل لا يعلم صاحب الحق، وعدم العلم كاف لنقل الفعل، كما لو أمر إنسانًا بأن يذبح شاة غيره، والمأمور لا يعلم أنها لغيره، ينتقل الفعل إلى الأمر؛ لعدم العلم، كذا هاهنا بخلاف مسألة الوصية؛ لأن المَلكين لما كانا في حالة واحدة أمكن جعلهما شريكين في ذلك، كذا في المبسوط. وفي الإيضاح: الموصى له بالخدمة لا ملك له في رقبته، والموصى له بالرقبة إذا استوفى القصاص سقط حق الموصى له بالخدمة؛ لأن الرقبة تفوت لا إلى بدل، فلا يملك الطالب حقه عليه، ولكن إذا اجتمعا فقد رضي الموصى له بالخدمة بفوات حقه فيستوفيه الآخر. قوله: (لأنه الملك) أي: سبب ولاية الاستيفاء الملك (على اعتبار إحدى الحالتين) وهي حالة الجرح قبل العتق، والحالة الأخرى حالة الموت بعد العتق. قوله: (فيما يحتاط فيه) أي: في الذي لا يثبت مع الشبهات، ويحترز به عن المال، فإنه يثبت مع اختلاف السبب، كما لو أقر بألف من قرض، وقال المقر: له من ثمن مبيع، فإنه يقضي بالألف وإن اختلف السبب؛ لأن في الأموال يجري البدل والإباحة فلا يبالي باختلاف السبب.

стр. 7235

بِعْتَنِي هَذِهِ الجَارِيَةَ بِكَذَا، فَقَالَ المَوْلَى: زَوَّجْتُهَا مِنْكَ، لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا، وَلِأَنَّ الإِعْتَاقَ قَاطِعٌ لِلسَّرَايَةِ، وَبِانْقِطَاعِهَا يَبْقَى الجَرْحُ بِلَا سِرَايَةِ، وَالسِّرَايَةُ بِلَا قَطْع، فَيَمْتَنِعُ القِصَاصُ. وَلَهُمَا: أَنَّا تَيَقَّنَّا بِثُبُوتِ الوِلَايَةِ لِلْمَوْلَى، فَيَسْتَوْفِيهِ وَهَذَا لِأَنَّ المَقْضِيَّ لَهُ مَعْلُومٌ، وَالحُكْمُ مُتَّحِدٌ فَوَجَبَ القَوْلُ بِالِاسْتِيفَاءِ، بِخِلَافِ الفَصْلِ الأَوَّلِ، لِأَنَّ المَقْضِيَّ لَهُ مَجْهُولٌ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِاخْتِلَافِ السَّبَبِ هَاهُنَا، لِأَنَّ الحُكْمَ لَا قوله: (لأن الإعتاق قاطع للسراية) حتى إن من جرح عبدا ثم أعتقه مولاه ثم مات من تلك الجراحة تنقطع السراية، فلا يلزم الجارح الدية ولا القيمة، وإنما يضمن النقصان، وهذا الحكم فيما إذا كان الجرح خطأ بالاتفاق. وأما إذا كان عمدًا فعند محمد كذلك؛ لأن المعنى الموجب بأن العتق يقطع السراية وهو صيرورة النهاية مخالفة للبداية لا يعرف بين العمد والخطأ؛ لما أن الضمان في الخطأ قبل السراية للمولى، وبعدها للعبد، حتى تنفذ وصاياه وتقضى ديونه، فكذا في العمد. فإن استيفاء القصاص للمولى باعتبار حالة الجرح بجهة الملك، وباعتبار حالة الموت للورثة بجهة الوراثة، فكان اختلاف الجهة في العمد فيما إذا لم يكن له وارث غير المولى بمنزلة اختلاف المستوفى في الخطأ بل بالطريق الأولى؛ لما أن سقوط القصاص بالشبهة دون سقوط الدية. فلما قطع الإعتاق السراية في الخطأ حتى لم تجب الدية والقيمة بالاتفاق، فلأن يقطع الإعتاق السراية في حق القصاص حتى لا يجب القصاص في العمد أولى؛ لأن سقوط القصاص مما يثبت بالشبهة دون سقوط الدية. قوله: (وبانقطاعها) أي: بانقطاع السراية يبقى الجرح بلا سراية، والسراية بلا جرح يعني كأنه مات بآفة سماوية بلا جرح، أو جرح بلا موت، فلا يجب القصاص في النفس، ولا في الطرف؛ لأن القطع وجد وهو عبد ولا قصاص في طرفه. قوله: (تيقنا بثبوت الولاية) أي: ولاية استيفاء القصاص (للمولى) لما أن المقضي وهو المولى معلوم، والحكم وهو الاستيفاء متحد، فوجب القول به. (ولا معتبر باختلاف السبب هاهنا) أي: المسألة الثانية؛ لأنه لو لم يختلف

стр. 7236

يَخْتَلِفُ، بِخِلَافِ تِلْكَ المَسْأَلَةِ، لِأَنَّ مِلْكَ اليَمِينِ يُغَايِرُ مِلْكَ النِّكَاحِ حُكْمًا، وَالإِعْتَاقُ لَا يَقْطَعُ السِّرَايَةَ لِذَاتِهِ، بَلْ لِاشْتِبَاهِ مَنْ لَهُ الحَقُّ، وَذَلِكَ فِي الخَطَإِ دُونَ العَمْدِ، لِأَنَّ العَبْدَ لَا يَصْلُحُ مَالِكًا لِلْمَالِ، فَعَلَى اعْتِبَارِ حَالَةِ الجَرْحِ يَكُونُ الحَقُّ لِلْمَوْلَى، وَعَلَى اعْتِبَارِ حَالَةِ المَوْتِ يَكُونُ لِلْمَيِّتِ، لِحُرِّيَّتِهِ، فَيُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُ وَيُنَفَّذُ وَصَايَاهُ فَجَاءَ الِاشْتِبَاهُ. إنما يختلف، فباعتبار حالة الجرح سبب استيفاء المولى الملك، وباعتبار حالة الموت كان الاستيفاء له أيضًا لكن بسبب الولاء، ولا اعتبار له؛ لأن المقصود وهو الحكم الذي هو استيفاء القصاص متحد. (بخلاف تلك) أي: مسألة الجارية؛ لأن ملك اليمين يغاير ملك النكاح حكمًا؛ لأن النكاح يثبت الحل مقصودا، والبيع لا يثبته مقصودا، ولهذا يجب الاستبراء في البيع ولا يثبت نسب ولد الأمة بلا دعوة، ويكون ولده منها حرا، وفي النكاح يثبت بلا دعوة، ولا يكون ولده منها حرا، وهلاكها قبل الدخول والخلوة يؤكد كل المهر، وفي البيع يسقط كل الثمن إذا كان قبل القبض، والبيع يفسخ بالعيب دون النكاح، والاختلاف في هذه الأحكام يوجب المغايرة، ولهذا لا يقضى بالحل والملك له. وقوله: (والإعتاق لا يقطع السراية لذاته) إلى آخره جواب عن قول محمد: إن الإعتاق يقطع السراية، يعني الإعتاق لا يقطع السراية لذاته؛ لأنه فعل شرعي، والسراية فعل حسي، ولا أثر له في الفعل الحسي، بل إنما يقطع السراية في الخطأ باعتبار اشتباه من له الحق، وصيرورة الانتهاء مخالفة للابتداء، فيمتنع القضاء لجهالة من له الحق، بخلاف فصل العمد. فإن الواجب في الحالين وهو القصاص والمستحق في الحالين وهو المقتول واحد؛ لأن القصاص إنما يجب من حيث إنه آدمي، والعبد من حيث إنه آدمي مُبقى على أصل الحرية، إلا أن المولى يستوفي بحكم الخلافة عنه، فإذا لم يكن وارثا غيره كان المولى متعينا للخلافة بأي سبب، كذا ذكره قاضي خان.

стр. 7237

أَمَّا العَمْدُ فَمُوجِبُهُ القِصَاصُ، وَالعَبْدُ مُبْقَى عَلَى أَصْلِ الحُرِّيَّةِ فِيهِ، وَعَلَى اعْتِبَارِ أَنْ يَكُونَ الحَقُّ لَهُ، فَالمَوْلَى هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّاهُ، إِذْ لَا وَارِثَ لَهُ سِوَاهُ، فَلَا اشْتِبَاهَ فِيمَنْ لَهُ الحَقُّ، وَإِذَا امْتَنَعَ القِصَاصُ فِي الفَصْلَيْنِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ: يَجِبُ أَرْشُ اليَدِ، وَمَا نَقَصَهُ مِنْ وَقْتِ الجَرْحِ إِلَى وَقْتِ الإِعْتَاقِ كَمَا ذَكَرْنَا، لِأَنَّهُ حَصَلَ عَلَى مِلْكِهِ وَيَبْطُلُ الفَضْلُ، وَعِنْدَهُمَا الجَوَابُ فِي الفَصْلِ الأَوَّلِ كَالجَوَابِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فِي الثَّانِي. قَالَ: (وَمَنْ قَالَ لِعَبْدَيْهِ: أَحَدُكُمَا حُرٌّ، ثُمَّ شُبًّا، فَأَوْقَعَ العِتْقَ عَلَى أَحَدِهِمَا، فَأَرْشُهُمَا لِلْمَوْلَى) لِأَنَّ العِتْقَ غَيْرُ نَازِلٍ فِي المُعَيَّنِ، وَالشَّجَّةُ تُصَادِفُ المُعَيَّنَ، فَبَقِيَا قوله: (فأوقع العتق على أحدهما) أي: أظهر العتق الذي قال على وجه الإبهام، وإنما ذكر بلفظ أوقع ليدل على أن العتق لم يترك على أحدهما معينا في حق الأرش، وإن كان ظهر وقوع العتق على أحدهما في بعض الصور كما في الموت والقتل وغيرهما، فإنه يتعين العتق في الحي بالموت والقتل؛ لخروج الميت عن محل إيقاع العتق عليه، والعتق المبهم في حق العين كالنازل عند البيان، فلا بد من بقاء المحل. قوله: (لأن العتق غير نازل في المعين) لأنه أوقع العتق في المنكر، والمعين غير المنكر، فلا يكون العتق نازلا في المعين. فإن قيل: يشكل عليه ما لو تعين العتق في أحدهما عند الموت يعتق كله، ولا يعتبر من الثلث، فلو كان العتق المبهم غير نازل إلا عند البيان ينبغي أن يعتبر من الثلث كأصل الإيقاع (١) عند الموت. قلنا: لما كان أصل الإيقاع في الصحة فقد تم الاستحقاق في حقه معتبرًا من جميع ماله؛ لأنه لا ينكر في جانب المولى، فلا يتغير ذلك ببيانه عند الموت. فإن قيل: ما الفرق لأبي يوسف ومحمد بين مسألة الكتاب وبين ما إذا كانت أمتين، والمسألة بحالها لا يحل للمولى أن يطأهما مع أنهما مملوكتان (٢)

стр. 7238

مَمْلُوكَيْنِ فِي حَقِّ الشَّجَّةِ (وَلَوْ قَتَلَهُمَا رَجُلٌ، تَجِبُ دِيَةٌ حُرِّ وَقِيمَةُ عَبْدٍ، وَمَنْ فَقَأَ عَيْنَيْ عَبْدٍ) وَالفَرْقُ: أَنَّ البَيَانَ إِنْشَاءُ مِنْ وَجْهِ، وَإِظْهَارٌ مِنْ وَجْهِ عَلَى مَا عُرِفَ، وَبَعْدَ الشَّجَّةِ بَقِيَ مَحِلًا لِلْبَيَانِ، فَاعْتُبِرَ إِنْشَاء فِي حَقِّهِمَا، وَبَعْدَ المَوْتِ لَمْ يَبْقَ مَحِلًا لِلْبَيَانِ فَاعْتَبَرْنَاهُ إِظْهَارًا مَحْضًا، وَأَحَدُهُمَا حُرٌّ بِيَقِينِ، فَتَجِبُ قِيمَةُ عَبْدِ وَدِيَةٌ حُرِّ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَتَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَجُلٌ حَيْثُ قِيمَةُ المَمْلُوكِينَ، لِأَنَّا لَمْ نَتَيَقَّنْ بِقَتْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُرًّا وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُنْكِرُ ذَلِكَ، في حق الشجة، والعتق غير نازل لما ذكر في الكتاب: أن الشجة فعل حسي، والوطء فعل حسّي أيضًا، يصادف المعين كالشجة؟ قلنا: الوطء تصرف لا يحل إلا في الملك، فإقدامه عليه في أحدهما دليل تعيين الملك فيها، ومن ضرورته انتفاء العتق عنها، فيتعين في الأخرى، وهذا لأن فعل المسلم محمول على الحل ما أمكن، ولا ضرورة في حق الشجة، بقيا على حكم الرق كما قبل الشجة. قوله: (على ما عرف) أي: في الأصول، ولأن للأحد (١) في قوله: (أحدهما حر) صفتين: صفة كونه معرفة لإضافته إلى المعرفة وهي الضمير، فبالنظر إلى هذا إظهار، وصفة (٢) كونه نكرة؛ لأنه موضوع بإزاء شخص غير معين، فبالنظر إلى هذا يكون إنشاء. وفي المبسوط، والأسرار: هذا إذا قتلهما معا، أما إذا قتلهما على التعاقب فعليه قيمة الأول (٣) للمولى ودية الآخر لورثته؛ لأن العتق تعين في الثاني، وكذا إذا قتلهما رجلان معًا، أو لا يدرى الأول منهما، فإن علم القاتل الأول فعلى القاتل الأول قيمة الأول لمولاه، وعلى القاتل الثاني دية الحر للورثة. فإن لم يعلم فعلى كل واحد من القاتلين قيمة عبد؛ لما ذكرنا أن العتق غير نازل في المنكر، ولا يتعين أن كل واحد منهما قاتل لذلك المنكر، فيجب على

стр. 7239

وَلِأَنَّ القِيَاسَ يَأْبَى ثُبُوتَ العِتْقِ فِي المَجْهُولِ، لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ فَائِدَةً، وَإِنَّمَا صَحَّحْنَاهُ ضَرُورَةَ صِحَّةِ التَّصَرُّفِ، وَأَثْبَتْنَا لَهُ وِلَايَةَ النَّقْلِ مِنْ المَجْهُولِ إِلَى المَعْلُومِ، فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ، وَهِيَ فِي النَّفْسِ دُونَ الأَطْرَافِ فَبَقِيَ مَمْلُوكًا فِي حَقِّهَا. قَالَ: (فَإِنْ شَاءَ المَوْلَى دَفَعَ عَبْدَهُ وَأَخَذَ قِيمَتَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهُ، وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ النُّقْصَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ العَبْدَ وَأَخَذَ مَا نَقَصَهُ، وَإِنْ شَاءَ دَفَعَ العَبْدَ وَأَخَذَ قِيمَتَهُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُضَمِّنُهُ كُلَّ القِيمَةِ وَيُمْسِكُ الجُنَّةَ، كل واحد منهما القدر المتيقن وهو القيمة. وفي القاتل الواحد إذا قتلهما معا تجب قيمة عبد ودية حر إن استوت القيمتان، وإن اختلفت فعليه نصف قيمة كل واحد منهما ونصف دية كل واحد منهما؛ لأن البيان فات حين قتل، وعند فوت البيان يشيع العتق فيهما (١). ولم يبين ذلك في الكتاب أي: لم يبين محمد في المبسوط أن القيمتين للمولى أو لورثتهما في صورة قتل الرجلين معا. قيل: النصف للمولى من كل واحد، والنصف للورثة كما في قاتل واحد؛ لأن في حق المولى العتق ثابت في حق أحدهما، فلا يستحق بدل نفسه، فيوزع ذلك نصفين عليهما لهذا، ولو لم يقتلهما أحد ومات المولى قبل البيان عتق من كل واحد نصفه ويسعى في نصفه، كذا في المبسوط (٢) وقد مر في العتاق. وقوله: (ولأن القياس) معطوف على قوله: (والفرق أن البيان إنشاء) إلى آخره. قوله: (فبقي مملوكًا في حقها) أي: في حق الأطراف. قوله: (وقال الشافعي: يضمنه) أي: المالك العافي (كل القيمة ويمسك الجثة)، وهو قول مالك، وأحمد.

стр. 7240

لِأَنَّهُ يَجْعَلُ الضَّمَانَ مُقَابِلًا بِالفَائِتِ، فَبَقِيَ البَاقِي عَلَى مِلْكِهِ، كَمَا إِذَا قَطَعَ إِحْدَى يَدَيْهِ، أَوْ فَقَأَ إِحْدَى عَيْنَيْهِ. وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ المَالِيَّةَ قَائِمَةٌ فِي الذَّاتِ، وَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِي حَقِّ الْأَطْرَافِ لِسُقُوطِ اعْتِبَارِهَا فِي حَقِّ الذَّاتِ قَصْرًا عَلَيْهِ. وَإِذَا كَانَتْ مُعْتَبَرَةً وَقَدْ وُجِدَ إِتْلَافُ النَّفْسِ مِنْ وَجْهِ بِتَفْوِيتِ جِنْسِ المَنْفَعَةِ، وَالضَّمَانُ يَتَقَدَّرُ بِقِيمَةِ الكُلِّ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَمَلَّكَ الجُنَّةَ دَفْعًا لِلضَّرَرِ وَرِعَايَةٌ لِلْمُمَاثَلَةِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا فَقَأَ عَيْنَيْ حُرِّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى المَالِيَّةِ، وَبِخِلَافِ عَيْنَيْ المُدَبَّرِ، لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الانْتِقَالَ مِنْ المِلْكِ إِلَى مِلْكِ، وَفِي قَطْعِ إِحْدَى اليَدَيْنِ وَفَقْءِ إِحْدَى العَيْنَيْنِ لَمْ يُوجَدْ تَفْوِيتُ جِنْسِ المَنْفَعَةِ. وَلَهُمَا: أَنَّ مَعْنَى المَالِيَّةِ لَمَّا كَانَ مُعْتَبَرًا، وَجَبَ أَنْ يَتَخَيَّرَ المَوْلَى عَلَى (لأنه) أي: الشافعي (يجعل الضمان مقابلا [بالفائت]) (١) وهو العينان (٢) وقدر ضمانهما بكل القيمة، فبقي الباقي على ملكه، كما لو فقأ عين حر فإنه يأخذ كل الدية وجثته له. قوله: (وهي) أي: المالية (معتبرة في حق الأطراف لسقوط اعتبارها) أي: المالية (في حق الذات قصرًا عليه) أي: لم تقتصر في حق الذات فحسب، بل اعتبرت في حق الأطراف أيضًا، يعني انحصار اعتبار المالية في الذات لا غير ساقط، بل اعتبرت في حقهما جميعًا، فكان الواجب قيمة كل النفس؛ لأن فقء العينين إتلاف النفس معنى بتفويت جنس المنفعة، فوجب أن [يزول] (٣) عن ملكه تحقيقا للمبادلة؛ إذ هو قابل للفعل كيلا يجتمع البدل والمبدل في ملك رجل واحد. قوله: (ولهما أن معنى المالية لما كان معتبرًا) حتى كان الواجب من القيمة باعتبار المالية، فيزيد بزيادتها وينقص بنقصانها وجب أن يترجح جانب المالية في أطراف العبيد، ولهذا لا يتعلق القود بالجناية على أطرافه بحال، ولا تتحمل العاقلة، وفي الجناية على المال المالك مخير بين تضمين كل القيمة وتسليم

стр. 7241

الوَجْهُ الَّذِي قُلْنَاهُ كَمَا فِي سَائِرِ الأَمْوَالِ، فَإِنَّ مَنْ خَرَقَ ثَوْبَ غَيْرِهِ خَرْقًا فَاحِشًا، إِنْ شَاءَ المَالِكُ دَفَعَ الثَّوْبَ إِلَيْهِ وَضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ الثَّوْبَ وَضَمَّنَهُ النُّقْصَانَ. وَلَهُ: أَنَّ المَالِيَّةَ وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَبَرَةٌ فِي الذَّاتِ، فَالآدَمِيَّةُ غَيْرُ مُهْدَرَةٍ فِيهِ، وَفِي الأَطْرَافِ أَيْضًا، أَلَا تَرَى أَنَّ عَبْدًا لَوْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ آخَرَ يُؤْمَرُ المَوْلَى بِالدَّفْعِ أَوْ الفِدَاءِ، وَهَذَا مِنْ أَحْكَامِ الآدَمِيَّةِ، لِأَنَّ مُوجِبَ الجِنَايَةِ عَلَى المَالِ أَنْ تُبَاعَ رَقَبَتُهُ فِيهَا، ثُمَّ مِنْ أَحْكَامِ الأُولَى: أَنْ لَا يَنْقَسِمَ عَلَى الأَجْزَاءِ، وَلَا يَتَمَلَّكَ الجُنَّةَ، وَمِنْ أَحْكَامِ الثَّانِيَةِ: أَنْ يَنْقَسِمَ وَيَتَمَلَّكَ الجُنَّةَ، فَوَفَّرْنَا عَلَى الشَّبَهَيْنِ حَظَّهُمَا مِنْ الحُكْمِ .. العين، وبين إمساك العين وتضمين النقصان. قوله: (ثم من أحكام الأولى) أي: الآدمية، وإنما قال الأولى اعتبارًا بالابتداء لا بوضع الكتاب. (أن (١) لا ينقسم على الأجزاء) أي: لا يتوزع كمال بدل النفس على النفس، والفائت من الطرف لا يتوزع. (ومن أحكام الثانية) أي: المالية (أن ينقسم) أي: موجب الجناية، وهو الضمان على الأجزاء والجثة، فيضمن نقصان القيمة، وهو الذي وجب بمقابلة فوات الأجزاء، ويمسك المولى الجثة كما في تخريق الثوب. (فوفرنا على الشبهين حظهما) يعني بالنظر إلى الآدمية ينبغي ألا يجب الضمان متوزعًا، بل بإزاء الفائت لا غير، وبالنظر إلى المالية ليس له أن يأخذ كل بدل العين مع إمساك الجثة، كما ليس له ذلك في المال قولا بالشبهين، وفيما قالا إلغاء جانب الآدمية أصلا واعتبار جانب المالية كما في تخريق الثوب. وفيما قال الشافعي إلغاء لجانب المالية أصلا واعتبار (٢) لجانب الآدمية لا غير، حيث يقول بضمان كل القيمة، والجثة للمولى من غير خيار، والوسط

стр. 7242

فَصْلٌ فِي جِنَايَةِ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ قَالَ: (وَإِذَا جَنَى المُدَبَّرُ أَوْ أُمُّ الوَلَدِ جِنَايَةً، ضَمِنَ الْمَوْلَى الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ أَرْشِهَا) لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ﵁ أَنَّهُ قَضَى بِجِنَايَةِ المُدَبَّرِ عَلَى مَوْلَاهُ، وَلِأَنَّهُ صَارَ مَانِعًا عَنْ تَسْلِيمِهِ فِي الجِنَايَةِ بِالتَّدْبِيرِ أو الاسْتِيلادِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِهِ الفِدَاءَ، فَصَارَ كَمَا العدل ما قاله أبو حنيفة؛ لأن فيه رعاية الجانبين وتوفيرا للشبهين، إليه أشار في الأسرار. فَصْلٌ فِي جِنَايَةِ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ لما ذكر حكم جناية المملوك من كل وجه شرع في بيان جناية المملوك من وجه وقدم الأول لكماله. قوله: (وإذا جنى المدبر أو أم الولد) إلى آخره، عند الشافعي: المدبر كالقن في الجناية، فكان في رقبته، والمولى مخير بين أن يدفعه فيباع في الجناية، وبين أن يفديه، فلو أراد الفداء، وفي الفداء له قولان: أحدهما: يفديه بأرش الجناية بالغا ما بلغ، وهو قول مالك في القن، ورواية عن أحمد، كما في القن. وفي الثاني: يفديه بأقل من قيمته ومن أرش الجناية، وقد مر في القن، وهو رواية عن أحمد، وقال مالك في المدبر: لم يبع في جنايته وسلمت فيستخدمه المجني عليه بقدر أرش جنايته إن شاء السيد، وإن شاء افتدى خدمته بقدر أرش الجناية، ولو استوفى المجني عليه من خدمته بقدر أرش جنايته رجع إلى سيده مدبرا. وعندنا: ضمن المولى الأقل من قيمته ومن الأرش؛ لما روي أن أبا عبيدة بن الجراح قضى بجناية المدبر على مولاه، وكان أميرًا بالشام، وقضى بمحضر من الصحابة فكان إجماعًا. وعند الشافعي، ومالك، وأحمد: في جناية أم الولد ضمن المولى الأقل من قيمته، ومن الأرش كمذهبنا؛ لتعذر دفعه وبيعه بالإجماع. قوله: (من غير اختياره الفداء) لأن عند التدبير والاستيلاد ما كان يعلم أنه يجني، فصار كما لو فعل ذلك بعد الجناية، وهو لا يعلم بالجناية.

стр. 7243

إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ الجِنَايَةِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ. وَإِنَّمَا يَجِبُ الأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الْأَرْشِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِوَلِيِّ الجِنَايَةِ فِي أَكْثَرَ مِنْ الأَرْشِ، وَلَا مَنْعَ مِنْ المَوْلَى فِي أَكْثَرَ مِنْ القِيمَةِ، وَلَا تَحْيِيرَ بَيْنَ الأَقَلِّ وَالأَكْثَرِ، لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ فِي جِنْسِ وَاحِدٍ، لِاخْتِيَارِهِ الْأَقَلَّ لَا مَحَالَةَ، بِخِلَافِ القِنِّ، لِأَنَّ الرَّغَبَاتِ صَادِقَةٌ فِي الْأَعْيَانِ فَيُفِيدُ التَّحْيِيرَ بَيْنَ الدَّفْعِ وَالفِدَاءِ (وَجِنَايَاتُ المُدَبَّرِ وَإِنْ تَوَالَتْ، لَا تُوجِبُ إِلَّا قِيمَةً وَاحِدَةً) لِأَنَّهُ لَا مَنْعَ مِنْهُ إِلَّا فِي رَقَبَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلِأَنَّ دَفْعَ القِيمَةِ كَدَفْعِ العَبْدِ وَذَلِكَ لَا يَتَكَرَّرُ، فَهَذَا كَذَلِكَ، وَيَتَضَارَبُونَ بِالحِصَصِ فِيهَا، قوله: (ولا تخيير بين الأقل والأكثر) جواب لسؤال، وهو أن يقال: ينبغي أن يخير المولى بين الأقل كما أنه يخير في القن بين الدفع وفداء الأرش، والقيمة في المدير بمنزلة الدفع، فقال لا تخيير؛ لأنه لا يفيد في جنس واحد. قوله: (لا توجب إلا قيمة واحدة)، وعند الأئمة الثلاثة: هو كالقن، وكذا في أم الولد عندنا، وبه قال الشافعي في قول، وفي قول يفديها كلما جنت، وهو اختيار المزني، وقول مالك لمنعه حق ولي (١) الجناية في بيعها بالاستيلاد. وقلنا: القيمة بينهما بمنزلة عين العبد، والعبد إذا جنى جنايات، وجب دفعه بالجنايات، ولا يجب أكثر من ذلك فكذا هاهنا، كذا في الإيضاح. قوله: (ويتضاربون بالحصص فيها) أي: في القيمة، وتعين قيمته لكل واحد في حال الجناية عليه. ومن صورته ما ذكره في المبسوط، مدبر قتل رجلًا خطأ، وقيمته ألف، فزادت قيمته إلى ألفين، ثم قتل آخر خطأ، ثم أصابه عيب، فرجعت قيمته إلى خمسمائة، ثم قتل آخر خطأ، فعلى مولاه ألفا درهم؛ لأنه جنى على (٢) الثاني، وقيمته ألفان. ولو لم يكن منه إلا تلك الجناية لكان المولى ضامنًا قيمته ألفين (٣)، فسلم

стр. 7244

وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ فِي حَالِ الجِنَايَةِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ المَنْعَ فِي هَذَا الوَقْتِ يَتَحَقَّقُ. قَالَ: (فَإِنْ جَنَى جِنَايَةً أُخْرَى، وَقَدْ دَفَعَ المَوْلَى القِيمَةَ إِلَى وَلِيِّ الأُولَى بِقَضَاءِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ مَجْبُورٌ عَلَى الدَّفْعِ. قَالَ: (وَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى دَفَعَ القِيمَةَ بِغَيْرِ قَضَاءِ، فَالوَلِيُّ بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ اتَّبَعَ المَوْلَى، وَإِنْ شَاءَ اتَّبَعَ وَلِيَّ الجِنَايَةِ، وَهَذَا عِنْدَ الألف من هذا الولي الأوسط خاصة؛ لأن لولي الجناية الأولى حقه في الألف؛ لأن قيمته يوم جنايته [ألف] (١) وخمسمائة من هذا الألف الباقي لولي الجناية الأولى والأوسط خاصة؛ لأن لولي القتيل الثالث في حقه خمسمائة؛ لأن قيمته يوم جنايته خمسمائة، ثم الأول والأوسط يضرب في الخمسمائة التي بينهما، فيضرب الأول بعشرة آلاف، والأوسط بتسعة آلاف؛ لأنه وصل إليه من حقه ألف فيجعل الخمسمائة تسعة عشر سهمًا، فيضرب الأول عشرة، والأوسط تسعة. والخمسمائة الباقية بينهم جميعًا، يضرب الأول بعشرة آلاف، إلا ما أخذ؛ لأنه وصل إليه شيء من حقه فلا يضرب به، وكذا الأوسط لا يضرب بما أخذ في المرتين، ولهما يضرب بما بقي من حقه، والثالث يضرب بعشرة فيها بعشرة آلاف. ولو قتل المدبر رجلا خطأ، وقيمته ألف، فدفعه للولي بقضاء، ثم رجعت قيمته إلى خمسمائة، ثم قتل آخر فإن خمسمائة مما أخذ الأول للأول خاصة، والخمسمائة الباقية بينهما، يضرب فيها الأول بعشرة آلاف إلا خمسمائة، والآخر بعشرة آلاف، فيكون ذلك مقسومًا بينهما على تسعة وثمانين سهمًا؛ لأنه يجعل كل سهم خمسمائة سهم. (لأنه) أي: المولى (مجبور على الدفع) لأن القاضي يجبره على الدفع، ولكن يرجع، وفي الجناية الثانية على ولي القتيل الأول، فيأخذ منه نصف القيمة، إذا كانت قيمته في الحالين سواء. قوله: (فالولي بالخيار) أي: ولي الجناية الثانية بالخيار، إن شاء رجع على

стр. 7245

أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا شَيْءَ عَلَى المَوْلَى لِأَنَّهُ حِينَ دَفَعَ لَمْ تَكُنْ الجِنَايَةُ الثَّانِيَةُ مَوْجُودَةٌ، فَقَدْ دَفَعَ كُلَّ الحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقَّهِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا دَفَعَ بِالقَضَاءِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ المَوْلَى جَانٍ بِدَفْعِ حَقِّ وَلِيِّ الجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ طَوْعًا، وَوَلِيُّ الأُولَى ضَامِنٌ بِقَبْضِ حَقِّهِ ظُلْمًا، فَيَتَخَيَّرُ، وَهَذَا لِأَنَّ الثَّانِيَةَ مُقَارِنَةٌ حُكْمًا مِنْ وَجْهِ، وَلِهَذَا يُشَارِكُ وَلِيُّ الجِنَايَةِ الأُولَى، وَمُتَأَخِّرَةٌ حُكْمًا، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ فِي حَقَّهَا، فَجُعِلَتْ كَالمُقَارِنَةِ فِي حَقِّ التَّضْمِينِ لِإِبْطَالِهِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ حَقٌّ وَلِيِّ الثَّانِيَةِ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ. وَإِذَا أَعْتَقَ المَوْلَى المُدَبَّرَ، وَقَدْ جَنَى جِنَايَاتٍ، لَمْ تَلْزَمْهُ إِلَّا قِيمَةٌ المولى بنصف قيمته، ثم المولى يرجع على ولي القتيل الأول بما دفع لولي الثاني؛ لأنه تبين أنه استوفى منه زيادة على مقدار حقه، وهو نظير (١) الوصي إذا قضى دين أحد الغريمين من التركة ولم يعلم بالدين الآخر، أو قضى دين غريم [ثم] (٢) حدث دين آخر بسبب كان من الميت في حياته، كذا في شرح الطحاوي. قوله: (وصار كما إذا دفع بالقضاء) لأنه فعل غير ما يفعله القاضي، فيكون القضاء وعدمه سواء، كما في الرجوع في الهبة، وأخذ الدار بالشفعة بعد وجوبها، ولا يصير بالدفع متعديًا؛ لأنه حين دفعه لم تكن الجناية الثانية موجودة، فلم يكن بهذا الدفع جانيًا في حق الثاني؛ لأن السبب الموجب لحق الثاني وهو الجناية لم يوجد، فلا يضمن له شيئًا. قوله: (لأن الثانية مقارنة) أي: للجناية الأولى (حكما من وجه) لأن المولى منع الرقبة من الدفع بالتدبير السابق، وذلك في حق أولياء الجنايتين سواء، فيجعل في حقهم كأنه دفع القيمة بعد الجنايتين جميعًا، وهناك إن دفع بالقضاء جميع القيمة إلى أحدهما لم يضمن الثاني شيئًا، وإن دفع بغير قضاء كان للثاني الخيار، فهذا مثله، والدليل على أن المعتبر لهذا أن للثاني حق المشاركة مع الأول في تلك القيمة، ولا يكون ذلك إلا باعتبار ما بينا، وهو أنه يجعل كأنه جنى عليهما في حالة واحدة، كذا في المبسوط. قوله: (عملا بالشبهين) يعني لما علمنا بشبه التأخير في ضمان الجناية حتى

стр. 7246

وَاحِدَةٌ لِأَنَّ الضَّمَانَ إِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِالمَنْعِ، فَصَارَ وُجُودُ الإِعْتَاقِ مِنْ بَعْدُ وَعَدَمُهُ بِمَنْزِلَةٍ وَأُمُّ الوَلَدِ بِمَنْزِلَةِ المُدَبَّرِ فِي جَمِيعِ مَا وَصَفْنَا لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ مَانِعٌ مِنْ الدَّفْعِ كَالتَّدْبِيرِ (وَإِذَا أَقَرَّ المُدَبَّرُ بِجِنَايَةِ الخَطَإِ، لَمْ يَجُزْ إِقْرَارُهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ بِهِ شَيْءٌ، عَتَقَ أَوْ لَمْ يُعْتَقْ) لِأَنَّ مُوجَبَ جِنَايَةِ الخَطَإِ عَلَى سَيِّدِهِ، وَإِقْرَارَهُ بِهِ لَا يَنْفُذُ عَلَى السَّيِّدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. بَابُ غَصْبِ العَبْدِ وَالمُدَبَّرِ وَالصَّبِيِّ وَالجِنَايَةِ فِي ذَلِكَ قَالَ: (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ عَبْدِهِ، ثُمَّ غَصَبَهُ رَجُلٌ وَمَاتَ فِي يَدِهِ مِنْ القَطْعِ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ أَقْطَعَ، وَإِنْ كَانَ المَوْلَى قَطَعَ يَدَهُ فِي يَدِ الغَاصِبٍ، فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ فِي يَدِ الغَاصِبِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) وَالفَرْقُ: أَنَّ الغَصْبَ قَاطِعٌ لِلسَّرَايَةِ، لِأَنَّهُ سَبَبُ المِلْكِ اعتبرنا قيمته يوم الجناية الثانية في حقها وجب أن يعمل بشبه المقارنة في حق تضمين نصف المدفوع. قوله: (فصار وجود الإعتاق وعدمه بمنزلة)، وعند الأئمة الثلاثة: الإعتاق فيه كالإعتاق في القن، وإعتاق أم الولد كإعتاق المدبر عندنا، والشافعي في قول. قوله: (وإذا أقر المدبر) إلى آخره، ولا يعلم فيه خلاف. بَابُ غَصْبِ الْعَبْدِ وَالْمُدَبَّرِ وَالصَّبِيِّ وَالْجِنَايَةِ فِي ذَلِكَ لما ذكر حكم العبد والمدبر في الجناية شرع في بيان ما يرد عليهما وما يرد منهما، وذكر حكم من يلحق بهما. قوله: (والفرق أن الغصب قاطع للسراية) إلى آخره، ذكر قاضي خان في جامعه: قال بعض مشايخنا: إن الغصب من أسباب الملك؛ لما عرف من مذهبنا أن المضمونات تملك عند أداء الضمان، فإذا تخلل الغصب بين الجناية تنقطع السراية، كما لو تخلل بينهما بيع، وصار كأنه غصب عبدًا أقطع ومات عنده لا من القطع. أما لو قطع يده عند الغاصب صار مستردا للعبد ضرورة الاستيلاء عليه عند

стр. 7247

كَالبَيْعِ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ هَلَكَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، فَتَجِبُ قِيمَتُهُ أَقْطَعَ، وَلَمْ يُوجَد القَاطِعُ فِي الفَصْلِ الثَّانِي، فَكَانَتْ السِّرَايَةُ مُضَافَةً إِلَى البِدَايَةِ، فَصَارَ المَوْلَى مُتْلِفًا فَيَصِيرُ مُسْتَرِدًّا، كَيْفَ وَأَنَّهُ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ وَهُوَ اسْتِرْدَادُ فَيَبْرَأُ الغَاصِبُ عَنِ الضَّمَانِ. قَالَ: (وَإِذَا غَصَبَ العَبْدُ المَحْجُورُ عَلَيْهِ عَبْدًا مَحْجُورًا عَلَيْهِ فَمَاتَ فِي يَدِهِ، فَهُوَ ضَامِنٌ) لِأَنَّ المَحْجُورَ عَلَيْهِ مُؤَاخَذٌ بِأَفْعَالِهِ. القطع، ولهذا لو قطع المشتري يد المبيع قبل القبض يصير قابضًا، وبعد الاسترداد لم يوجد ما يقطع السراية، فيبرأ الغاصب عن الضمان، ثم قال: إلا أن هذا يخالف مذهبنا، فإن الغصب لا يقطع السراية ما لم يملك البدل على الغاصب قضاء أو رضا؛ لأن السراية إنما تنقطع باعتبار تبدل الملك، وتبدل الملك عند تملك البدل، أما قبله فلا نص عليه، ذكره في آخر رهن الجامع. إلا أنه إنما ضمن الغاصب هنا قيمة عبد أقطع؛ لأن السراية وإن لم تنقطع فالغصب ورد على مال متقوم، فانعقد سبب الضمان، فلا يبرأ الغاصب عنه، إلا إذا ارتفع الغصب، ولم يرتفع لأن الشيء إنما (١) يرتفع بما فوقه أو مثله، ويد الغاصب عليه حقيقة وحكمًا، وتثبت يد المولى عليه باعتبار السراية حكمًا، والثابت حكمًا دون الثابت (٢) حقيقة [وحكما] (٣) فلم يرتفع الغصب بإيصال السراية إلى فعل المولى، فتقرر عليه الضمان بخلاف ما لو جنى بعد الغصب يرتفع بها. قوله: (كيف وأنه) أي: والحال أن المولى (استولى عليه) فكيف لا يكون مستردا. قوله: (لأن المحجور عليه مؤاخذ بأفعاله) أي: في حال رقه، أما الأقوال فيؤاخذ به بعد العتق، فكان ذكر المحجور احترازًا عن المأذون، فإنه يؤاخذ بالأقوال أيضًا عندنا.

стр. 7248

قَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ مُدَبَّرًا فَجَنَى عِنْدَهُ جِنَايَةً، ثُمَّ رَدَّهُ عَلَى المَوْلَى، فَجَنَى عِنْدَهُ جِنَايَةً أُخْرَى، فَعَلَى المَوْلَى قِيمَتُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ) لِأَنَّ المَوْلَى بِالتَّدْبِيرِ السَّابِقِ أَعْجَزَ نَفْسَهُ عَنْ الدَّفْعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِيرَ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ، فَيَصِيرُ مُبْطِلًا حَقَّ أَوْلِيَاءِ الجِنَايَةِ، إِذْ حَقَّهُمْ فِيهِ وَلَمْ يَمْنَعْ إِلَّا رَقَبَةً وَاحِدَةً فَلَا يُزَادُ عَلَى قِيمَتِهَا، وَيَكُونُ بَيْنَ وَلِيٍّ الجِنَايَتَيْنِ نِصْفَيْنِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي المُوجَبِ. قَالَ: (وَيَرْجِعُ الْمَوْلَى بِنِصْفِ قِيمَتِهِ عَلَى الغَاصِبِ) لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ نِصْفَ البَدَلِ بِسَبَبٍ كَانَ فِي يَدِ الغَاصِبِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا اسْتَحَقَّ نِصْفَ العَبْدِ بِهَذَا السَّبَبِ. قَالَ: (وَيَدْفَعُهُ إِلَى وَلِيّ الجِنَايَةِ الأُولَى، ثُمَّ يَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى الغَاصِبِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَرْجِعُ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ، فَيُسَلِّمُ لَهُ) لِأَنَّ الَّذِي يَرْجِعُ بِهِ المَوْلَى عَلَى الغَاصِبِ عِوَضُ مَا سَلَّمَ لِوَلِيِّ الجِنَايَةِ الأُولَى، فَلَا يَدْفَعُهُ إِلَيْهِ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إِلَى اجْتِمَاعِ البَدَلِ وَالمُبْدَلِ فِي مِلْكِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَكَيْلَا يَتَكَرَّرَ الاسْتِحْقَاقُ. وَلَهُمَا: أَنَّ حَقَّ الأَوَّلِ فِي جَمِيعِ القِيمَةِ، لِأَنَّهُ حِينَ جَنَى فِي حَقِّهِ لَا يُزَاحِمُهُ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا انْتَقَصَ بِاعْتِبَارِ مُزَاحَمَةِ الثَّانِي، فَإِذَا وَجَدَ شَيْئًا مِنْ بَدَلِ العَبْدِ فِي يَدِ المَالِكِ فَارِغًا قوله: (قيمته بينهما نصفان) أي: ولي الجنايتين. قوله: (من غير أن يصير مختارًا) لانعدام علمه وقت التدبير بجناية تحدث عنه في المستقبل. قوله: (يدفعه) [أي] (١): يدفع المولى ما أخذ من نصف القيمة من الغاصب، ثم يرجع بذلك على الغاصب. (وعند محمد: يسلم له) أي: للمولى، وهو قياس قول الأئمة الثلاثة. قوله: (فإذا وجد شيئًا) أي: إذا وجد ولي الجناية الأولى شيئًا. (في يد المالك فارغا) أي: من مزاحمة ولي الجناية الثانية من بدل العبد يأخذه؛ لأنه مقدم على المولى.

стр. 7249

يَأْخُذُهُ لِيُتِمَّ حَقَّهُ، فَإِذَا أَخَذَهُ مِنْهُ يَرْجِعُ المَوْلَى بِمَا أَخَذَهُ عَلَى الغَاصِبِ، لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ مِنْ يَدِهِ بِسَبَبٍ كَانَ فِي يَدِ الغَاصِبِ. قَالَ: (وَإِنْ كَانَ جَنَى عِنْدَ المَوْلَى، فَغَصَبَهُ رَجُلٌ، فَجَنَى عِنْدَهُ جِنَايَةً أُخْرَى: فَعَلَى المَوْلَى قِيمَتُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَيَرْجِعُ بِنِصْفِ القِيمَةِ عَلَى الغَاصِبِ) لِمَا بَيَّنَّا فِي الفَصْلِ الأَوَّلِ، غَيْرَ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ النِّصْفِ حَصَلَ بِالجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ، إِذْ كَانَتْ هِيَ فِي يَدِ الغَاصِبِ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى وَلِيِّ الجِنَايَةِ الأُولَى، وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الغَاصِبِ، وَهَذَا بِالإِجْمَاعِ. ثُمَّ وَضَعَ المَسْأَلَةَ فِي العَبْدِ. فَقَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَجَنَى فِي يَدِهِ، ثُمَّ رَدَّهُ فَجَنَى جِنَايَةً أُخْرَى، فَإِنَّ المَوْلَى يَدْفَعُهُ إِلَى وَلِيَّي الجِنَايَتَيْنِ، ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الغَاصِبِ بِنِصْفِ القِيمَةِ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى الأَوَّلِ وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الغَاصِبِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي وأما ما قاله محمد ﵀ من الجمع بين البدل والمبدل فقلنا: نعم كذلك في حق المولى والغاصب؛ لأن ما أخذه المولى من الغاصب بدل المدفوع إلى ولي الجناية الأولى، أما في حق المجني عليه هو عوض ما لم يسلم لولي الجناية الأولى، فالاعتبار لمن يستقر عنده وهو المجني عليه ومثله جائز، كالذمي إذا باع خمره ويقضي به دين المسلم، يجوز للمسلم أخذه؛ لأن الدراهم ثمن الخمر في حق الذمي، وعوض عن الدين في حق المسلم، فلذلك حل له أخذها، فعلم بهذا أن الشيء الواحد يجوز أن يكون بدلا عن عين في حق إنسان، وبدلا عن شيء آخر في حق غيره. قوله: (غير أن الاستحقاق) ذكر هذا الاستثناء لبيان الفرق بين المسألة الأولى والثانية عندهما، حيث لا يرجع عندهما أيضًا؛ لأنه إنما استحق عليه بسبب كان عنده، فلا يرجع به على غيره. قوله: (ثم وضع المسألة في العبد) أي: وضع محمد هذه المسألة في الجامع الصغير في العبد بعدما وضعها في حق المدبر؛ لأن كلتا المسألتين مذكورتان في الجامع الصغير. فالجواب كالجواب في المدبر، إلا أن المولى يدفع العبد، وفي المدبر يدفع القيمة. قوله: (ويرجع به) أي: بذلك النصف الذي أعطاه إلى ولي الجناية.

стр. 7250

حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: يَرْجِعُ بِنِصْفِ القِيمَةِ فَيُسَلَّمُ لَهُ، وَإِنْ جَنَى عِنْدَ المَوْلَى، ثُمَّ غَصَبَهُ، فَجَنَى فِي يَدِهِ دَفَعَهُ الْمَوْلَى نِصْفَيْنِ، وَيَرْجِعُ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ فَيَدْفَعُهُ إِلَى الأَوَّلِ وَلَا يَرْجِعُ بِهِ وَالجَوَابُ فِي العَبْدِ كَالجَوَابِ فِي المُدَبَّرِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا، إِلَّا أَنَّ فِي هَذَا الفَصْلِ يَدْفَعُ المَوْلَى العَبْدَ وَفِي الأَوَّلِ يَدْفَعُ القِيمَةَ. قَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ مُدَبَّرًا، فَجَنَى عِنْدَهُ جِنَايَةً، ثُمَّ رَدَّهُ عَلَى المَوْلَى، ثُمَّ غَصَبَهُ، ثُمَّ جَنَى عِنْدَهُ جِنَايَةً، فَعَلَى المَوْلَى قِيمَتُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ) لِأَنَّهُ مَنَعَ رَقَبَةً وَاحِدَةً بِالتَّدْبِيرِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ (ثُمَّ يَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ عَلَى الغَاصِبِ) لِأَنَّ الجِنَايَتَيْنِ كَانَتَا فِي يَدِ الغَاصِبِ (فَيَدْفَعُ نِصْفَهَا إِلَى الأَوَّلِ) لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ كُلَّ القِيمَةِ، لِأَنَّ عِنْدَ وُجُودِ الجِنَايَةِ عَلَيْهِ لَا حَقَّ لِغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا انْتَقَصَ بِحُكْمِ المُزَاحِمَةِ مِنْ بُعْدِ. قَالَ: (وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الغَاصِبِ) لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِسَبَبٍ كَانَ فِي يَدِهِ وَيُسَلِّمُ لَهُ، وَلَا يَدْفَعُهُ إلَى وَلِيِّ الجِنَايَةِ الأُولَى، وَلَا إلَى وَلِيِّ الجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ، لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ إِلَّا فِي النِّصْفِ لِسَبْقِ حَقِّ الأَوَّلِ وَقَدْ وَصَلَ ذَلِكَ إِلَيْهِ. ثُمَّ قِيلَ: هَذِهِ المَسْأَلَةُ عَلَى الاخْتِلَافِ كَالأُولَى، وَقِيلَ عَلَى الاتِّفَاقِ. وَالفَرْقُ لِمُحَمَّدٍ: أَنَّ فِي الأُولَى الَّذِي يَرْجِعُ بِهِ عِوَضُ عَمَّا سَلِمَ لِوَلِيِّ الجِنَايَةِ الأُولَى، لِأَنَّ الجِنَايَةَ الثَّانِيَةَ كَانَتْ فِي يَدِ المَالِكِ، فَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ ثَانِيَا: يَتَكَرَّرُ الاِسْتِحْقَاقُ، فَأَمَّا فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ؛ فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ عِوَضًا عَنْ الجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ لِحُصُولِهَا فِي يَدِ الغَاصِبِ فَلَا يُؤَدِّي إِلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. قَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ صَبِيًّا حُرًا، فَمَاتَ فِي يَدِهِ فَجْأَةً، أَوْ بِحُمَّى: فَلَيْسَ عَلَيْهِ
следующие страницы →