وَاحِدَةٌ لِأَنَّ الضَّمَانَ إِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِالمَنْعِ، فَصَارَ وُجُودُ الإِعْتَاقِ مِنْ بَعْدُ وَعَدَمُهُ بِمَنْزِلَةٍ وَأُمُّ الوَلَدِ بِمَنْزِلَةِ المُدَبَّرِ فِي جَمِيعِ مَا وَصَفْنَا لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ مَانِعٌ مِنْ الدَّفْعِ كَالتَّدْبِيرِ (وَإِذَا أَقَرَّ المُدَبَّرُ بِجِنَايَةِ الخَطَإِ، لَمْ يَجُزْ إِقْرَارُهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ بِهِ شَيْءٌ، عَتَقَ أَوْ لَمْ يُعْتَقْ) لِأَنَّ مُوجَبَ جِنَايَةِ الخَطَإِ عَلَى سَيِّدِهِ، وَإِقْرَارَهُ بِهِ لَا يَنْفُذُ عَلَى السَّيِّدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ غَصْبِ العَبْدِ وَالمُدَبَّرِ وَالصَّبِيِّ وَالجِنَايَةِ فِي ذَلِكَ
قَالَ: (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ عَبْدِهِ، ثُمَّ غَصَبَهُ رَجُلٌ وَمَاتَ فِي يَدِهِ مِنْ القَطْعِ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ أَقْطَعَ، وَإِنْ كَانَ المَوْلَى قَطَعَ يَدَهُ فِي يَدِ الغَاصِبٍ، فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ فِي يَدِ الغَاصِبِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) وَالفَرْقُ: أَنَّ الغَصْبَ قَاطِعٌ لِلسَّرَايَةِ، لِأَنَّهُ سَبَبُ المِلْكِ
اعتبرنا قيمته يوم الجناية الثانية في حقها وجب أن يعمل بشبه المقارنة في حق تضمين نصف المدفوع.
قوله: (فصار وجود الإعتاق وعدمه بمنزلة)، وعند الأئمة الثلاثة: الإعتاق فيه كالإعتاق في القن، وإعتاق أم الولد كإعتاق المدبر عندنا، والشافعي في قول.
قوله: (وإذا أقر المدبر) إلى آخره، ولا يعلم فيه خلاف.
بَابُ غَصْبِ الْعَبْدِ وَالْمُدَبَّرِ وَالصَّبِيِّ وَالْجِنَايَةِ فِي ذَلِكَ
لما ذكر حكم العبد والمدبر في الجناية شرع في بيان ما يرد عليهما وما يرد منهما، وذكر حكم من يلحق بهما.
قوله: (والفرق أن الغصب قاطع للسراية) إلى آخره، ذكر قاضي خان في جامعه: قال بعض مشايخنا: إن الغصب من أسباب الملك؛ لما عرف من مذهبنا أن المضمونات تملك عند أداء الضمان، فإذا تخلل الغصب بين الجناية تنقطع السراية، كما لو تخلل بينهما بيع، وصار كأنه غصب عبدًا أقطع ومات عنده لا من القطع.
أما لو قطع يده عند الغاصب صار مستردا للعبد ضرورة الاستيلاء عليه عند
стр. 7247
كَالبَيْعِ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ هَلَكَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، فَتَجِبُ قِيمَتُهُ أَقْطَعَ، وَلَمْ يُوجَد القَاطِعُ فِي الفَصْلِ الثَّانِي، فَكَانَتْ السِّرَايَةُ مُضَافَةً إِلَى البِدَايَةِ، فَصَارَ المَوْلَى مُتْلِفًا فَيَصِيرُ مُسْتَرِدًّا، كَيْفَ وَأَنَّهُ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ وَهُوَ اسْتِرْدَادُ فَيَبْرَأُ الغَاصِبُ عَنِ الضَّمَانِ.
قَالَ: (وَإِذَا غَصَبَ العَبْدُ المَحْجُورُ عَلَيْهِ عَبْدًا مَحْجُورًا عَلَيْهِ فَمَاتَ فِي يَدِهِ، فَهُوَ ضَامِنٌ) لِأَنَّ المَحْجُورَ عَلَيْهِ مُؤَاخَذٌ بِأَفْعَالِهِ.
القطع، ولهذا لو قطع المشتري يد المبيع قبل القبض يصير قابضًا، وبعد الاسترداد لم يوجد ما يقطع السراية، فيبرأ الغاصب عن الضمان، ثم قال: إلا أن هذا يخالف مذهبنا، فإن الغصب لا يقطع السراية ما لم يملك البدل على الغاصب قضاء أو رضا؛ لأن السراية إنما تنقطع باعتبار تبدل الملك، وتبدل الملك عند تملك البدل، أما قبله فلا نص عليه، ذكره في آخر رهن الجامع.
إلا أنه إنما ضمن الغاصب هنا قيمة عبد أقطع؛ لأن السراية وإن لم تنقطع فالغصب ورد على مال متقوم، فانعقد سبب الضمان، فلا يبرأ الغاصب عنه، إلا إذا ارتفع الغصب، ولم يرتفع لأن الشيء إنما (١) يرتفع بما فوقه أو مثله، ويد الغاصب عليه حقيقة وحكمًا، وتثبت يد المولى عليه باعتبار السراية حكمًا، والثابت حكمًا دون الثابت (٢) حقيقة [وحكما] (٣) فلم يرتفع الغصب بإيصال السراية إلى فعل المولى، فتقرر عليه الضمان بخلاف ما لو جنى بعد الغصب يرتفع بها.
قوله: (كيف وأنه) أي: والحال أن المولى (استولى عليه) فكيف لا يكون مستردا.
قوله: (لأن المحجور عليه مؤاخذ بأفعاله) أي: في حال رقه، أما الأقوال فيؤاخذ به بعد العتق، فكان ذكر المحجور احترازًا عن المأذون، فإنه يؤاخذ بالأقوال أيضًا عندنا.
стр. 7248
قَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ مُدَبَّرًا فَجَنَى عِنْدَهُ جِنَايَةً، ثُمَّ رَدَّهُ عَلَى المَوْلَى، فَجَنَى عِنْدَهُ جِنَايَةً أُخْرَى، فَعَلَى المَوْلَى قِيمَتُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ) لِأَنَّ المَوْلَى بِالتَّدْبِيرِ السَّابِقِ أَعْجَزَ نَفْسَهُ عَنْ الدَّفْعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِيرَ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ، فَيَصِيرُ مُبْطِلًا حَقَّ أَوْلِيَاءِ الجِنَايَةِ، إِذْ حَقَّهُمْ فِيهِ وَلَمْ يَمْنَعْ إِلَّا رَقَبَةً وَاحِدَةً فَلَا يُزَادُ عَلَى قِيمَتِهَا، وَيَكُونُ بَيْنَ وَلِيٍّ الجِنَايَتَيْنِ نِصْفَيْنِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي المُوجَبِ. قَالَ: (وَيَرْجِعُ الْمَوْلَى بِنِصْفِ قِيمَتِهِ عَلَى الغَاصِبِ) لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ نِصْفَ البَدَلِ بِسَبَبٍ كَانَ فِي يَدِ الغَاصِبِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا اسْتَحَقَّ نِصْفَ العَبْدِ بِهَذَا السَّبَبِ.
قَالَ: (وَيَدْفَعُهُ إِلَى وَلِيّ الجِنَايَةِ الأُولَى، ثُمَّ يَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى الغَاصِبِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَرْجِعُ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ، فَيُسَلِّمُ لَهُ) لِأَنَّ الَّذِي يَرْجِعُ بِهِ المَوْلَى عَلَى الغَاصِبِ عِوَضُ مَا سَلَّمَ لِوَلِيِّ الجِنَايَةِ الأُولَى، فَلَا يَدْفَعُهُ إِلَيْهِ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إِلَى اجْتِمَاعِ البَدَلِ وَالمُبْدَلِ فِي مِلْكِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَكَيْلَا يَتَكَرَّرَ الاسْتِحْقَاقُ.
وَلَهُمَا: أَنَّ حَقَّ الأَوَّلِ فِي جَمِيعِ القِيمَةِ، لِأَنَّهُ حِينَ جَنَى فِي حَقِّهِ لَا يُزَاحِمُهُ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا انْتَقَصَ بِاعْتِبَارِ مُزَاحَمَةِ الثَّانِي، فَإِذَا وَجَدَ شَيْئًا مِنْ بَدَلِ العَبْدِ فِي يَدِ المَالِكِ فَارِغًا
قوله: (قيمته بينهما نصفان) أي: ولي الجنايتين.
قوله: (من غير أن يصير مختارًا) لانعدام علمه وقت التدبير بجناية تحدث
عنه في المستقبل.
قوله: (يدفعه) [أي] (١): يدفع المولى ما أخذ من نصف القيمة من
الغاصب، ثم يرجع بذلك على الغاصب.
(وعند محمد: يسلم له) أي: للمولى، وهو قياس قول الأئمة الثلاثة.
قوله: (فإذا وجد شيئًا) أي: إذا وجد ولي الجناية الأولى شيئًا.
(في يد المالك فارغا) أي: من مزاحمة ولي الجناية الثانية من بدل العبد
يأخذه؛ لأنه مقدم على المولى.
стр. 7249
يَأْخُذُهُ لِيُتِمَّ حَقَّهُ، فَإِذَا أَخَذَهُ مِنْهُ يَرْجِعُ المَوْلَى بِمَا أَخَذَهُ عَلَى الغَاصِبِ، لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ مِنْ يَدِهِ بِسَبَبٍ كَانَ فِي يَدِ الغَاصِبِ.
قَالَ: (وَإِنْ كَانَ جَنَى عِنْدَ المَوْلَى، فَغَصَبَهُ رَجُلٌ، فَجَنَى عِنْدَهُ جِنَايَةً أُخْرَى: فَعَلَى المَوْلَى قِيمَتُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَيَرْجِعُ بِنِصْفِ القِيمَةِ عَلَى الغَاصِبِ) لِمَا بَيَّنَّا فِي الفَصْلِ الأَوَّلِ، غَيْرَ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ النِّصْفِ حَصَلَ بِالجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ، إِذْ كَانَتْ هِيَ فِي يَدِ الغَاصِبِ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى وَلِيِّ الجِنَايَةِ الأُولَى، وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الغَاصِبِ، وَهَذَا بِالإِجْمَاعِ. ثُمَّ وَضَعَ المَسْأَلَةَ فِي العَبْدِ. فَقَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَجَنَى فِي يَدِهِ، ثُمَّ رَدَّهُ فَجَنَى جِنَايَةً أُخْرَى، فَإِنَّ المَوْلَى يَدْفَعُهُ إِلَى وَلِيَّي الجِنَايَتَيْنِ، ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الغَاصِبِ بِنِصْفِ القِيمَةِ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى الأَوَّلِ وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الغَاصِبِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي
وأما ما قاله محمد ﵀ من الجمع بين البدل والمبدل فقلنا: نعم كذلك في حق المولى والغاصب؛ لأن ما أخذه المولى من الغاصب بدل المدفوع إلى ولي الجناية الأولى، أما في حق المجني عليه هو عوض ما لم يسلم لولي الجناية الأولى، فالاعتبار لمن يستقر عنده وهو المجني عليه ومثله جائز، كالذمي إذا باع خمره ويقضي به دين المسلم، يجوز للمسلم أخذه؛ لأن الدراهم ثمن الخمر في حق الذمي، وعوض عن الدين في حق المسلم، فلذلك حل له أخذها، فعلم بهذا أن الشيء الواحد يجوز أن يكون بدلا عن عين في حق إنسان، وبدلا عن شيء آخر في حق غيره.
قوله: (غير أن الاستحقاق) ذكر هذا الاستثناء لبيان الفرق بين المسألة الأولى والثانية عندهما، حيث لا يرجع عندهما أيضًا؛ لأنه إنما استحق عليه بسبب كان عنده، فلا يرجع به على غيره.
قوله: (ثم وضع المسألة في العبد) أي: وضع محمد هذه المسألة في الجامع الصغير في العبد بعدما وضعها في حق المدبر؛ لأن كلتا المسألتين مذكورتان في الجامع الصغير.
فالجواب كالجواب في المدبر، إلا أن المولى يدفع العبد، وفي المدبر يدفع القيمة.
قوله: (ويرجع به) أي: بذلك النصف الذي أعطاه إلى ولي الجناية.
شَيْءٌ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ صَاعِقَةٍ، أَوْ نَهْسَةِ حَيَّةٍ، فَعَلَى عَاقِلَةِ الغَاصِبِ الدِّيَةُ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ. وَالقِيَاسُ: أَنْ لَا يَضْمَنَ فِي الوَجْهَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ، لِأَنَّ الغَصْبَ فِي الحُرِّ لَا يَتَحَقَّقُ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُكَاتَبًا صَغِيرًا لَا يَضْمَنُ مَعَ أَنَّهُ حُرٌّ يَدًا، فَإِذَا كَانَ الصَّغِيرُ حُرًّا رَقَبَةً وَيَدًا أَوْلَى وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ بِالغَصْبِ، وَلَكِنْ يَضْمَنُ بِالإِتْلَافِ، وَهَذَا إِتْلَافٌ تَسَببِيًّا، لِأَنَّهُ نَقَلَهُ إِلَى أَرْضِ مَسْبَعَةٍ أَوْ إِلَى مَكَانِ الصَّوَاعِقِ، وَهَذَا لِأَنَّ الصَّوَاعِقَ وَالحَيَّاتِ وَالسِّبَاعَ لَا تَكُونُ فِي كُلِّ مكان، فَإِذَا نَقَلَهُ إِلَيْهِ فَهُوَ مُتَعَدٌ فِيهِ، وَقَدْ أَزَالَ حِفْظ الوَلِيِّ فَيُضَافُ إِلَيْهِ، لِأَنَّ شَرْطَ العِلَّةِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ العِلَّةِ إِذَا كَانَ تَعَدِّيَا كَالحَفْرِ فِي الطَّرِيقِ، بِخِلَافِ المَوْتِ فَجْأَةً أَوْ بِحُمَّى، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الأَمَاكِنِ، حَتَّى لَوْ نَقَلَهُ إِلَى مَوْضِعٍ يَغْلِبُ فِيهِ الحُمَّى وَالأَمْرَاضُ نَقُولُ: بِأَنَّهُ يَضْمَنُ فَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى العَاقِلَةِ لِكَوْنِهِ قَتْلًا تَسْبِيبًا.
قوله: (وهو) أي: القياس قول زفر والشافعي وبه قال مالك، وأحمد.
قوله: (لكونه قتلا لا (١) تسبيبا).
فإن قيل: يشكل عليه المكاتب الصغير والحر الكبير الذي يعبر عن نفسه، فإنه لا ضمان فيهما بالنقل إلى هذه المواضع بالاتفاق.
قلنا: المكاتب في يد نفسه وإن كان صغيرًا ذكره السغدي في شرح الزيادات.
وأما الحر الكبير إذا نقله إلى هذه المواضع ينظر إن قيده غاصبه حتى أصابه، ولم يمكنه التحرز عنه يضمن الغاصب؛ لأنه منعه عن حفظ نفسه [حتى لو لم يمنعه عن حفظ نفسه] (٢) لا يضمن؛ لأن العاقل لو لم يحفظ نفسه مع إمكانه كان التلف مضافًا إلى تقصيره لا إلى الغاصب، فلا يضمن كالمشي على البئر مع العلم به فوقع لا يضمن الحافر، بخلاف الصغير فإنه عاجز عن حفظ نفسه عن أسباب التلف كالماشي على البئر بغير العلم بالبئر، كذا ذكره المحبوبي.
стр. 7252
قَالَ: (وَإِذَا أُودِعَ صَبِيٌّ عَبْدًا فَقَتَلَهُ: فَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ، وَإِنْ أُودِعَ طَعَامًا فَأَكَلَهُ، لَمْ يَضْمَنْ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ: يَضْمَنُ فِي الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا (*)، وَعَلَى هَذَا إِذَا أُودِعَ العَبْدُ المَحْجُورُ عَلَيْهِ مَالًا فَاسْتَهْلَكَهُ لَا يُؤَاخَذُ بِالضَّمَانِ فِي الحَالِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَيُؤَاخَذُ بِهِ بَعْدَ العِتْقِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ: يُؤَاخَذُ بِهِ فِي الحَالِ. وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ الإِقْرَاضُ وَالإِعَارَةُ فِي العَبْدِ وَالصَّبِيِّ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي أَصْلِ الجَامِعِ الصَّغِيرِ: صَبِيٌّ قَدْ عَقَلَ، وَفِي الجَامِعِ الكَبِيرِ وَضَعَ المَسْأَلَةَ فِي صَبِيِّ ابْنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةٌ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ العَاقِلِ يَضْمَنُ بِالاتِّفَاقِ،
قوله: (فعلى عاقلته) أي: عاقلة الصبي (الدية).
قيل: المراد القيمة فيها صرح فخر الإسلام، والصدر الشهيد رحمهما الله، وآثر لفظ الدية؛ لأنها بإزاء الآدمية، والقيمة بإزاء المالية، وفي العبد بإزاء الآدمية عند أبي حنيفة، ومحمد.
وفي شرح الطحاوي: أودع عند صبي مالا فهلك في يده فلا ضمان عليه بالإجماع، وإن استهلكه الصبي إن كان الصبي مأذونا له في التجارة يضمن الصبي بالإجماع، وإن كان محجورًا إن قبل الوديعة بإذن وليه ضمن بالإجماع، وإن قبل بغير إذن وليه فلا ضمان عليه عند أبي حنيفة، ومحمد رحمهما الله، لا في الحال ولا بعد الإدراك.
وقال أبو يوسف، والشافعي رحمهما الله: يضمن في الحال، وأجمعوا على أنه لو استهلك مال الغير بلا وديعة يضمن في الحال بالإجماع، وبقول أبي يوسف والشافعي قال مالك، وأحمد.
قوله: (وهذا يدل على أن غير العاقل يضمن بالاتفاق)، وهكذا ذكر فخر الإسلام في جامعه.
وأما في غيره من شروح (١) الجامع الصغير كجامع أبي اليسر، وقاضي
стр. 7253
لِأَنَّ التَّسْلِيطَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَفِعْلُهُ مُعْتَبَرٌ، لَهُمَا: أَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا مُتَقَوَّمًا مَعْصُومًا حَقًّا لِمَالِكِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، كَمَا إِذَا كَانَتْ الوَدِيعَةُ عَبْدًا، وَكَمَا إِذَا أَتْلَفَهُ غَيْرُ الصَّبِيِّ فِي يَدِ الصَّبِيِّ المُودَعِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ: أَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا غَيْرَ مَعْصُومٍ فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ، كَمَا إِذَا أَتْلَفَهُ بِإِذْنِهِ وَرِضَاهُ، وَهَذَا لِأَنَّ العِصْمَةَ تَثْبُتُ حَقًّا لَهُ وَقَدْ فَوَّتَهَا عَلَى نَفْسِهِ، حَيْثُ وَضَعَ المَالَ فِي يَدٍ مَانِعَةٍ، فَلَا يَبْقَى مُسْتَحِقًّا لِلنَّظَرِ إِلَّا إِذَا أَقَامَ غَيْرَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي الحِفْظِ، وَلَا إِقَامَةَ هَاهُنَا، لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الاسْتِقْلَالِ
خان، والتمرتاشي: فالحكم على خلاف هذا، حيث قالوا فيما إذا كان الصبي عاقلا فلا يضمن في قولهم.
وقوله: (حقا) متعلق بقوله: (معصومًا) أي: معصوما لأجل المالك، فيجب عليه الضمان؛ لأن هذا ضمان استهلاك، وضمان الاستهلاك ضمان فعل، والصبي والبالغ فيه سواء، ولأن إيداعه باطل لأنه استحفاظ من لا يحفظ فكأنه لم يودعه، وجاء وأتلفه، واستحفاظ من لا يحفظ تضييع المال، وكأنه ألقاه على قارعة الطريق، ولو فعل ذلك فأتلفه الصبي كان ضامنًا، فهذا مثله، كذا في المبسوط.
(كما إذا أتلفه غيره) أي: غير الصبي حيث يضمن، ولو كان التسليط على الاستهلاك ثابتًا في حق الصبي المودع، لثبت في حق غيره أيضًا؛ لأن المال الذي سلط على استهلاكه بمنزلة المال المباح، وكان لكل واحد ولاية استهلاكه من غير ضمان.
قوله: (لأن العصمة تثبت حقًا) أي: للمالك (وقد فوتها على نفسه، حيث وضع المال في يد مانعة) أي: مانعة من الإيداع والإعارة في أنه لا ولاية عليه، فإن الأصل أن كل يد مانعة على معنى أنها تمنع يد غيره عليه، إلا إذا أقام يد غيره مقام يده، وهاهنا لم يقم يده مقام يده؛ لعدم الولاية له عليه، فكان التضييع من جهته، بخلاف البائع والمأذون له حيث يضمنان بالإجماع؛ لأن لهما ولاية على أنفسهما، فيصح الإيداع عندهما، وبعد صحة الإيداع لو أتلف المودع الوديعة يضمن.
стр. 7254
عَلَى الصَّبِيِّ، وَلَا لِلصَّبِيِّ عَلَى نَفْسِهِ، بِخِلَافِ البَالِغِ وَالمَأْذُونِ لَهُ، لِأَنَّ لَهُمَا وِلَايَةٌ عَلَى أَنْفُسِهِمَا، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَتِ الوَدِيعَةُ عَبْدًا، لِأَنَّ عِصْمَتَهُ لِحَقِّهِ، إِذْ هُوَ مُبْقَى عَلَى أَصْلِ الحُرِّيَّةِ فِي حَقِّ الدَّمِ، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا أَتْلَفَهُ غَيْرُ الصَّبِيِّ فِي يَدِ الصَّبِيِّ، لِأَنَّهُ سَقَطَت العِصْمَةُ بِالإِضَافَةِ إِلَى الصَّبِيِّ الَّذِي وَضَعَ فِي يَدِهِ المَالَ دُونَ غَيْرِهِ. قَالَ:
قوله: (لأن عصمته لحقه) أي: عصمة العبد لحق العبد لا باعتبار أن المالك يعصمه؛ لأن عصمة المالك إنما تعتبر فيما له ولاية الاستهلاك، حتى يمكن غيره من الاستهلاك بالتسليط، وليس للمولى استهلاك عبده، فلا يجوز أن يمكن غيره من الاستهلاك، فلما لم يوجد التسليط يضمن المستهلك، سواء كان المستهلك صغيرًا أو كبيرًا، بخلاف سائر الأموال، فإن للمالك أن يستهلكه شرعًا، فيصح تسليطه، وإنما لا يطلق له ذلك لكون الفعل سفها، لأنه غير مملوك، كذا في الإيضاح.
وفي الأسرار: المولى بحكم يده ما كان يملك قتل عبده؛ لأنه أجنبي في حق روحه وحياته، والعبد فيه كالحريم.
قال: ولو قيل: هذا الجواب يبطل بما لو كانت شاة فخنقها الصبي أو العبد، فإنه لا يضمن، ورب الشاة ما كان يملكه بحكم ملكه.
قلنا: إنما يملك بحكم ملكه التصرف في حياتها، فإنه يذبحها، ولكنه لا يملك الخنق؛ لأنه تضييع للمال، لا لأنه إتلاف لم يصح، وفي مسألة العبد لا يملك حياته ولا التصرف فيها بحكم أنه تضييع، ولكن بحكم أنه أجنبي عنه.
ألا ترى أنه لو أقر عليه بالقصاص لا يصح قوله؛ إذ هو مبقى على أصل الحرية في حق الدم.
فلما كان كذلك لم يصح الإيداع في حقه؛ إذ الحر لا يجوز أن يكون وديعة غيره؛ فلذلك لم يتناوله الإيداع والتسليط.
قوله: (بالإضافة إلى الصبي) دون غيره؛ لأن التسليط وجد [في] (١) حق
стр. 7255
(وَإِنْ اسْتَهْلَكَ مَالًا، ضَمِنَ) يُرِيدُ بِهِ مِنْ غَيْرِ إِيداع؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ يُؤَاخَذُ بِأَفْعَالِهِ، وَصِحَّةُ القَصْدِ لَا مُعْتَبَرَ بِهَا فِي حُقُوقِ العِبَادِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
الصبي دون غيره، فصار مال الوديعة عند الصبي بمنزلة من له القصاص، فإنه غير معصوم الدم في حق من له القصاص، ومعصوم في حق غيره، فكذا هاهنا.
فإن قيل: يشكل عليه ما لو استهلك الصبي الوديعة ثم استحقها مستحق وضمن الصبي، فلم يرجع الصبي على الأمر، ولو كان الإيداع منه تسليطا لرجع عليه، كما لو قال له: أتلف هذا المال، فأتلفه، فاستحق، فإنه يرجع بما ضمن على الأمر.
قلنا: لا يرد هذا السؤال؛ لأن التسليط يمكن له بإثبات يده لا بأمر وطلب استعمال، وكان نظير ما لو قال للصبي: أبحت لك أن تأكل هذا المال، فأكل ثم استحق وضمنه لم يرجع على المبيح، فكذا إذا أثبت يده عليه لا يباح له بهذا، ولا يكون محمولا على التصرف.
أما أمره بالإتلاف فقد استعمله وحمله عليه، ألا ترى أنه لو كان عبدًا غاصبا له بالاستعمال بأمره، وإذا صار مستعملا له صار ضامنا له السلامة عن عهدة ما باشره باستعماله.
فإن قيل: لو كان الإيداع من الصبي تسليطا له على الإتلاف ينبغي أن يضمن الأب مال الوديعة بتسليمه إلى ابنه الصغير ليحفظها؛ إذ المودع يضمن بالتضييع، ومع ذلك لا يضمن، وكذا لو دفع مال الصبي إلى الصبي لا يضمن إذا تلف في يده، ولو كان تضييعا بالتسليط ينبغي أن يضمن.
قلنا: إنما لا يضمن بالوديعة إليه؛ لأنه في عياله، ولو حفظ الوديعة بيد من في عياله فكانت يد الصبي كيد الأب، ولو هلكت الوديعة في يد الأب لا يضمن، فكذلك في يد من في عياله، الكل من الأسرار، وجامع المحبوبي.
وفي المبسوط: لهما أن رب الوديعة سلطه على ماله حين دفعه إليه، وفي تفسير هذا التسليط نوعان من الكلام: تسليط باعتبار العادة، إذ عادة الصبيان
стр. 7256
بَابُ القَسَامَةِ
إتلاف المال لقلة نظرهم في عواقب الأمور، فهو لما مكنه من ذلك مع علمه بحاله يصير كالآذن له في الإتلاف، وبقوله: احفظه لا يخرج عن كونه إذنا له بالإتلاف؛ لأنه خاطب بهذا من لا يحفظ، فهو كمُقَدِّم الشّعير بين يدي الحمار وقال: لا تأكل، بخلاف العبد والأمة؛ لأنه ليس من عادة الصبيان قتلهما؛ لأنهم يهابون القتل، فلا يكون إقدامه تسليطا على القتل.
أما في الدابة فإنهم يركبون الدواب فيثبت التسليط في الدابة بطريق العادة.
والأصح أن نقول معنى التسليط تحويل يده في المال إليه، فإن المالك باعتبار يده كان متمكنا من استهلاكه، فإذا حول يده صار مُمكنا له من استهلاكه بالغا كان المودع أو صبيا، إلا أن بقوله: احفظه [قصد أن يكون] (١) هذا التحويل مقصورًا على الحفظ دون غيره، وهذا صحيح في حق البائع باطل في حق الصبي؛ لأنه التزام بالعقد، والصبي من أهله، فبقي التحويل على الاستهلاك بتحويل اليد مطلقا، بخلاف العبد والأمة فإنه باعتبار يده ما كان متمكنا من قبل الآدمي، فتحويل اليد لا يكون تسليطا على قتله.
بَابُ الْقَسَامَةِ
لما بين أحكام القتل شرع فيما يؤول أمر القتل في بعض الأوقات، ثم من محاسن القسامة خلاص من يتهم بالقتل عن القصاص، وصيانة دم المقتول عن الإهدار بإيجاب الدية، وتعظيم أمر الدماء بتكرير (٢) الأيمان، وتعيين الخمسين ثبت بالأحاديث المشهورة.
ثم القسامة لغة: مصدر أقسم قسامة، أو اسم وضع موضع الإقسام على بناء الغرامة والحمالة، ثم قيل للأيمان المكررة في دعوى القتل على أهل محلة، أو دار، أو موضع قريب في الشرع.
وقيل: أهل اللغة يذهبون إلى أنها القوم الذين يحلفون، سموا بالمصدر كما يقال: رجل عدل، وأي الأمرين كان فهو من القسم الذي هو الحلف.
стр. 7257
قَالَ: (وَإِذَا وُجِدَ القَتِيلُ فِي مَحَلَّةٍ، وَلَا يُعْلَمُ مَنْ قَتَلَهُ،
وسببها: وجود القتيل في المحلة، أو فيما في معناها. وركنها: قولهم بالله ما قتلناه، وما علمنا له قاتلا. وشرطها: أن يكون المقسم رجلًا بالغا حرا، والنساء لا يدخلن في القسامة عند أكثر أهل العلم إلا عند مالك، فإنه قال: لهن مدخل في القسامة الخطأ دون العمد.
وحكمها: القضاء بوجوب الدية بعد الحلف، سواء كان الدعوى في القتل الخطأ أو العمد عند أكثر أهل العلم. وقال مالك والشافعي في القديم وأحمد: إن كان الدعوى في القتل العمد إذا حلفوا (١) الأولياء بعد يمين أهل المحلة يستحقون القود كما يجيء.
والأصل في القسامة ما روى يحيى بن سعيد الأنصاري عن بشر بن يسار عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري ورافع بن خديج «أن (٢) محيصة بن مسعود وعبد الله بن سهل انطلقا إلى خيبر فتفرقا في النخيل، فقتل عبد الله بن سهل في قليب من قلب خيبر فاتهموا اليهود، فجاء أخوه عبد الرحمن وابنا عمه حويصة ومحيصة إلى النبي ﷺ ، فتكلم عبد الرحمن في أمر أخيه، وهو أصغرهم، فقال ﷺ «الكبر الكبر، أو قال ليبدأ الأكبر الأكبر».
قال ﵊: «تُبَرِّتُكُمُ اليهودُ بأيْمانِها» فقالوا: يا رسول الله، لا نرضى بأَيْمَان قوم كفار، فقال ﷺ «أتَحلِفونَ وتَستَحِقُونَ دَمَ صاحِبكُم» فقالوا: كيف نحلف على أمر لم نشهده، فكره رسول الله ﷺ أن يُبطل دمه فوَدَاهُ من إبل الصدقة، متفق عليه.
قوله: (ولا يعلم من قتله) ويشترط أن يكون في القتيل أثر القتل من جراحة أو ضرب أو تخنيق، أما لو وجد ميتا لا أثر به فلا قسامة ولا دية، يتخيرهم الولي، بالله ما قتلنا ولا علمنا له قاتلا، هذا بطريق الحكاية عنهم.
стр. 7258
اسْتُحْلِفَ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْهُمْ، يَتَخَيَّرُهُمْ الوَلِيُّ: بِاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، وَلَا عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا كَانَ هُنَاكَ لَوْثُ اسْتَحْلَفَ الأَوْلِيَاءُ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَيَقْضِي لَهُمْ بِالدِّيَةِ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ، عَمْدًا كَانَتِ الدَّعْوَى أَوْ خَطَاً.
أما عند التحليف فيحلف كل واحد منهم بالله ما قتلت ولا علمت له قاتلا، ولا يحلف بالله ما قتلنا؛ لجواز أنه باشر القتل بنفسه فيجتزئ بيمينه بالله ما قتلنا.
فإن قيل: يجوز أن يجتزئ أيضًا في قوله: ما قتلت على يمينه؛ لجواز أنه قتله مع غيره.
قلنا: إذا قتله مع غيره فكان في يمينه ما قتلته كاذبًا، فإن الجماعة متى قتلوا واحدًا يكون كل واحد منهم قاتلا، ولهذا يجب القصاص على كل واحد منهم في العمد والكفارة في الخطأ.
قوله: (وقال الشافعي: استحلف الأولياء خمسين يمينا) قبل يمين أهل المحلة، ثم يقضي بالدية على المدعى عليه، عمدًا كان أو خطأ، وهو قوله الجديد.
وقال مالك، وأحمد والشافعي في القديم: إذا استحلف الأولياء وحلفوا استحقوا القود في دعوى العمد على المدعى عليه جماعة كان أو واحدًا.
وشرط اللوث عندهم، وعند عدم اللوث فهي كسائر الدعاوى.
واللوث: من لوث الماء كدَّرَه، ولوَّث ثيابه بالطين فتلوثت، ومنه قولهم: لوث وعداوة أي: شر أو طلب بحقد.
والمراد به عندهم قرينة ظاهرة توقع في القلب صدق المدعي، بأن يكون هناك علامة القتل في واحد بعينه من أثر الدم على ثيابه وغيره، كما ذكر في المتن.
لهم قوله ﵊: «البينة على المُدَّعي، واليمين على من أنكر» ولأن الأصل براءة ذمة المدعى عليه، ولم يظهر كذبه، فكان القول قوله كسائر الدعاوى، وسن القسامة في القتيل الذي وجد بخيبر على خلاف الأصل، وهنا عداوة ظاهرة فيقتصر عليه.
стр. 7259
وَقَالَ مَالِكٌ: يَقْضِي بِالقَوَدِ إِذَا كَانَتْ الدَّعْوَى فِي القَتْلِ العَمْدِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَي الشَّافِعِيِّ، وَالمَوْتُ عِنْدَهُمَا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ عَلَامَةُ القَتْلِ عَلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ ظَاهِرٍ يَشْهَدُ لِلْمُدَّعِي مِنْ عَدَاوَةٍ ظَاهِرَةٍ، أَوْ شَهَادَةِ عَدْلٍ، أَوْ جَمَاعَةٍ غَيْرِ عُدُولٍ: أَنَّ أَهْلَ المَحَلَّةِ قَتَلُوهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لَهُ، فَمَذْهَبُهُ مِثْلُ مَذْهَبِنَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُكَرِّرُ اليَمِينَ، بَلْ يَرُدُّهَا عَلَى الوَلِيّ، فَإِنْ حَلَفُوا لَا دِيَةَ عَلَيْهِمْ، لِلشَّافِعِيِّ فِي البَدَاءِ بِيَمِينِ الوَلِيِّ، قَوْلُهُ ﵊ لِلْأَوْلِيَاءِ: فَيُقْسِمُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ وَلِأَنَّ اليَمِينَ تَجِبُ عَلَى مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ، وَلِهَذَا تَجِبُ عَلَى صَاحِبِ اليَدِ، فَإِذَا كَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لِلْوَلِيِّ يَبْدَأُ بِيَمِينِهِ، وَرَدُّ اليَمِينِ عَلَى المُدَّعِي أَصْلٌ لَهُ، كَمَا فِي النُّكُولِ، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ دَلَالَةٌ فِيهَا نَوْعُ شُبْهَةٍ، وَالقِصَاصُ لَا يُجَامِعُهَا، وَالمَالُ يَجِبُ مَعَهَا، فَلِهَذَا وَجَبَت الدِّيَةُ. وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ وَفِي رِوَايَةٍ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ بَدَأَ بِاليَهُودِ بِالقَسَامَةِ، وَجَعَلَ الدِّيَةَ عَلَيْهِمْ، لِوُجُودِ القَتِيلِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ»
ولنا أن عمر ﵁ قضى بالقسامة والدية في قتيل وجد بين وادعة وأرحب [فقضى] على وادعة؛ لأن القتيل إليها أقرب، فقال وادِعِي: يا أمير المؤمنين، لا أيماننا تدفع أموالنا، ولا أموالنا تدفع أيماننا، فقال عمر: إنما حقنتم بأموالكم دماءكم، وأُغَرِّمُكُم الدية بوجود القتيل بينكم.
ووادعة: قبيلة من همذان، وفي بعض الروايات وُجِدَ قتيل بين حَيَّيْنِ، وقولهم: قول النبي أولى من قول عمر، مُسَلَّمٌ إذا دل قوله ﵊ قطعًا، ولا يكون محتملا.
قوله: (القصاص لا يجامعها) أي: لا يجامع الشبهة.
ولنا قوله ﷺ : «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعي، واليمينُ علَى مَنْ أَنْكَرَ» وفي رواية «علَى المُدَّعَى عَلَيهِ».
وروى الزهري عن ابن المسيب قال: «إنه ﷺ بدأ باليهود بالقسامة وجعل الدية عليهم لوجود القتيل بين أظهرهم».
стр. 7260
وَلِأَنَّ اليَمِينَ حُجَّةٌ لِلدَّفْعِ دُونَ الاسْتِحْقَاقِ، وَحَاجَةُ الوَلِيِّ إِلَى الاسْتِحْقَاقِ، وَلِهَذَا
قوله: (ولأن اليمين حجة للدفع) إلى آخره، قد بينا في الدعوى أن اليمين ليست بحجة صالحة لاستحقاق فلس، فكيف تصلح حجة صالحة لاستحقاق نفس محترمة؟ خصوصًا في موضع يتبين بأن الحالف مجازف بحلف ما لم يعاينه بأمر محتمل، وهو اللوث، وإنما شرعت اليمين لإبقاء ما كان على ما كان، فلا يستحق بها ما لم يكن مستحقا.
وأما رواية «أتحلفونَ وتَسْتَحِقُونَ دَمَ صَاحِبِكُم؟» لا تكاد تصح هذه الرواية. وقد قال جماعة من أهل الحديث: أوهم سهل بن حثمة ما قال: «أتحلِفونَ وتَستَحقُونَ دَمَ صاحِبِكُم؟» ولو ثبت فإنما قال على سبيل الاستفهام لا على طريق الحكم والأمر لهم بذلك، يعني أو تستحقون دم صاحبكم؛ لأنه معطوف على الأول فشاركه في الاستفهام؛ إذ لو كان على سبيل الحكم لقال: أتحلفون فتستحقون دم صاحبكم؟. كما يقال: أتدخل الدار فتبصر الأمر؟ بالنصب، أريد به التعليق بالحكم، وإذا أريد به الاستفهام قيل: أتدخل الدار وتجلس فيها؟ بالرفع أي: تجلس فيها بعد الدخول.
والاستفهام استحقار (١) عن فعله، أتفعله أم لا؟ وليس ببيان أنه يجوز له ذلك، أو هو محمول على الاستفهام بطريق الإنكار، كقوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذِّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦]، فكذلك قوله أتحلفون معناه لا تحلفون، كقوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال: ٦٧] معناه أتريدون، وكأنه ﷺ رأى منهم الرغبة في حكم الجاهلية حين أبوا أيمان اليهود بقولهم: لا نرضى بمن قوم كفار، فقال ذلك على سبيل الزجر، فلما عرفوا كراهيته ﷺ لذلك رغبوا عنه بقولهم: كيف نحلف على أمر لم نعاين ولم نشاهد؟ كذا في المبسوط والأسرار.
وقد روى الطحاوي عن الزهري «أنه ﷺ قضى بالقسامة على المدعى عليهم» وإنما أخذ القسامة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار عن أناس من أصحاب النبي ﷺ ، وكان هذا مما أخذه، وقد وافق ذلك ما
стр. 7261
لَا يَسْتَحِقُّ بِيَمِينِهِ المَالَ المُبْتَذَلَ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ بِهِ النَّفْسَ المُحْتَرَمَةَ. وَقَوْلُهُ: «يَتَخَيَّرُهُمْ الوَلِيُّ»، إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ خِيَارَ تَعْيِينِ الخَمْسِينَ إِلَى الوَلِيِّ، لِأَنَّ اليَمِينَ حَقَّهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَخْتَارُ مِنْ يَتَّهِمُهُ بِالقَتْلِ، أَوْ يَخْتَارُ صَالِحِي أَهْلِ المَحَلَّةِ لِمَا أَنَّ تَحَرُّزَهُمْ عَنِ اليَمِينِ الكَاذِبَةِ أَبْلَغُ التَّحَرُّزِ فَيَظْهَرُ القَاتِلُ، وَفَائِدَةُ اليَمِينِ النُّكُولُ، فَإِنْ كَانُوا لَا يُبَاشِرُونَ وَيَعْلَمُونَ: يُفِيدُ يَمِينَ الصَّالِحِ عَلَى العِلْمِ بِأَبْلَغَ مِمَّا يُفِيدُ يَمِينُ الصَّالِحِ، وَلَو اخْتَارُوا أَعْمَى أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْف: جَازَ، لِأَنَّهُ يَمِينٌ وَلَيْسَ بِشَهَادَةٍ.
قَالَ: (وَإِذَا حَلَفُوا قَضَى عَلَى أَهْلِ المَحَلَّةِ بِالدِّيَةِ، وَلَا يُسْتَحْلَفُ الوَلِيُّ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَجِبُ الدِّيَةُ لِقَوْلِهِ ﵊ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
رويناه عن عمر ما فعله وحكم به بمحضر من الصحابة، ولم ينكر عليه أحد.
أما أنه وداه ﵊ بمائة من إبل الصدقة، قيل: إنما وداه لأنه تجوز الحمالة عن أهل الذمة، فإن قضاء دين الغير برّ له، وأهل الذمة من أهل البر إليهم، حتى جاز عندنا صرف الكفارات إليهم، وصدقة التطوع، ولا يجوز صرف الزكاة إلا على سبيل الاستقراض على بيت المال، كذا في المبسوط.
قوله: (لأنه يمين وليس بشهادة) وبهذا يحترز عن اللعان، حيث لا يجوز اللعان منهما؛ لما أن اللعان شهادة، والمحدود والأعمى لا شهادة لهما، أما هذه فيمين محضة، كذا في المبسوط.
قوله: (على أهل المحلة بالدية) أي: على عاقلتهم، فإنه ذكر في المبسوط: يقضى على عاقلة أهل المحلة في ثلاث سنين؛ لأن حالهم هنا دون حال من باشر القتل خطأ، والدية هناك على العاقلة في ثلاث سنين، فهاهنا أولى.
وذكر في اختلاف زفر ويعقوب، قال زفر: القسامة والدية على العاقلة، وقال أبو يوسف: لا قسامة على العاقلة، بل الدية عليهم؛ لأن التحمل يجري في الدية، ولا يجري في اليمين.
قوله: (وقال الشافعي: لا تجب الدية) إذا حلف المدعى عليهم، وبه قال مالك، وأحمد، والليث، وأبو ثور.
стр. 7262
سَهْلُ ﵁: تُبَرِّئُكُمْ اليَهُودُ بِأَيْمَانِهَا وَلِأَنَّ اليَمِينَ عُهِدَ فِي الشَّرْعِ مُبَرِّنَا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا مُلْزِمًا كَمَا فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى. وَلَنَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﵊: جَمَعَ بَيْنَ الدِّيَةِ وَالقَسَامَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ سَهْلٍ وَفِي حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، وَكَذَا جَمَعَ عُمَرُ ﵁ بَيْنَهُمَا عَلَى وَادِعَةَ. وَقَوْلُهُ ﵊ تُبَرِّئُكُمُ اليَهُودُ مَحْمُولٌ عَلَى الإِبْرَاءِ عَنِ القِصَاصِ وَالحَبْسِ، وَكَذَا اليَمِينُ مُبَرِّئَةٌ عَمَّا وَجَبَ لَهُ اليَمِينُ، وَالقَسَامَةُ مَا شُرِعَتْ لِتَجِبَ الدِّيَةُ إِذَا نَكَلُوا، بَلْ شُرِعَتْ لِيَظْهَرَ القِصَاصُ بِتَحَرُّزِهِمْ
فعندهم: شرعت اليمين في حق المدعيين أولا فيحلفون خمسين يمينا، وبرئ من الدية، وإذا لم يحلف قضى بالدية بيمين المدعين، يعني يرد اليمين على المدعين عند الشافعي، وبعد حلفهم يقضي بالدية.
وعند أحمد: يقضي بالدية بمجرد نكوله، وعن أحمد في رواية: أن المدعى عليهم يحبسون حتى يحلفوا، وهو قولنا.
قوله: (تبرئكم اليهود بأيمانها)، [كذا] قال ﵊ في آخر حديث سهل بن حثمة (ولأن اليمين مبرئة في سائر الدعاوى) فكذا هنا؛ ليكون موافقا للأصول.
ولنا: «أنه عليه الصلاة السلام جمع … » إلى آخره، روى ابن عباس «أنه عليه الصلاة السلام كتب إلى يهود خيبر حين كلمته الأنصار أن هذا قتيل وجد بين أظهركم فما الذي يخرجه عنكم فكتبوا إليه أن مثل هذه الحادثة وقعت في بني إسرائيل، فأنزل الله تعالى على موسى أمرًا، فإن كنت نبيا فاسأل الله مثل ذلك، فكتب رسول الله ﷺ إليهم أن الله تعالى أراني أن أختار منكم خمسين رجلا فيحلفون ما قتلناه، ولا علمنا له قاتلا، ثم يغرمون الدية، قالوا لقد قضيت فينا بالناموس أي: بالوحي».
وروى أبو داود في حديث سهل بن حثمة: «أنه عليه الصلاة السلام لما كتب إلى اليهود قال: فَدُوهُ، وكتبوا يحلفون بالله ما قتلناه وما علمنا له قاتلا، فَوَدَاهُ رسول الله ﷺ من عنده».
وروى خصيف عن زياد بن أبي مريم أنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ
стр. 7263
عَنْ اليَمِينِ الكَاذِبَةِ، فَيُقِرُّوا بِالقَتْلِ، فَإِذَا حَلَفُوا حَصَلَتْ الْبَرَاءَةُ عَنِ القِصَاصِ.
ثُمَّ الدِّيَةُ تَجِبُ بِالقَتْلِ المَوْجُودِ مِنْهُمْ ظَاهِرًا لِوُجُودِ القَتِيلِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ لَا بِنُكُولِهِمْ، أَوْ وَجَبَتْ بِتَقْصِيرِهِمْ فِي المُحَافَظَةِ كَمَا فِي القَتْلِ الخَطَرِ (وَمَنْ أَبَى مِنْهُمْ اليَمِينَ، حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ) لِأَنَّ اليَمِينَ فِيهِ مُسْتَحَقَّةٌ لِذَاتِهَا تَعْظِيمًا لِأَمْرِ الدَّمِ، وَلِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدِّيَةِ، بِخِلَافِ النُّكُولِ فِي الأَمْوَالِ، لِأَنَّ اليَمِينَ بَدَلَّ عَنْ أَصْلِ حَقِّهِ، وَلِهَذَا يَسْقُطُ بِبَذْلِ المُدَّعِي، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَا يَسْقُطُ بِبَذْلِ الدِّيَةِ، هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إِذَا ادَّعَى الوَلِيُّ القَتْلَ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ المَحَلَّةِ، وَكَذَا إِذَا ادَّعَى عَلَى الْبَعْضِ لَا بِأَعْيَانِهِمْ، وَالدَّعْوَى فِي العَمْدِ أَوْ الخَطَرِ، لِأَنَّهُمْ لَا يَتَمَيَّزُونَ عَنِ البَاقِي، وَلَوِ ادَّعَى عَلَى البَعْضِ بِأَعْيَانِهِمْ، أَنَّهُ قَتَلَ وَلِيَّهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَكَذَلِكَ الجَوَابُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ إطْلَاقُ الجَوَابِ فِي الكِتَابِ، وَهَكَذَا الجَوَابُ فِي المَبْسُوطِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي
فقال: إني وجدت أخي قتيلًا في بني فلان، فقال ﵊: «اختر من شيوخهم خمسينَ رَجلًا فيَحلِفونَ باللهِ ما قَتَلناه ولا عَلِمنا لهُ قاتِلا» فقال الرجل: وليس لي من أخي إلا هذا؟ قال: «نَعَمْ، ومِائَةٌ مِنَ الإِبل».
وقضى عمر في قتيل بين وادعة وأرحب كما ذكرنا، ولم يعرف له من الصحابة مخالف، فكان إجماعًا.
وتأويل قوله ﷺ : تبرئكم بأيمانهم ما ذكر في المتن.
قوله: (أو وجبت) أي: الدية (بتقصيرهم في المحافظة) يعني قصروا في صيانة المحلة صاروا كالمتسببين في القتل، فإنه لولا تقصيرهم لما وقع هذا الأمر، والتسبيب موجب للدية، وهذا يجب على عاقلة أهل المحلة، كما ذكرنا من رواية المبسوط.
قوله: (وكذلك الجواب يدل (١) عليه) إلى آخره، هكذا في بعض النسخ وهو الأصح؛ لأنه أحال على هذا المذكور في هذه المسألة بعد هذا في مسألة وإن ادعى الولي على واحد من أهل المحلة بعينه لم تسقط القسامة، وقد ذكرناه وذكرنا فيه القياس والاستحسان.
لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ المَصِيرَ إِلَى التَّكْرَارِ ضَرُورَةُ الإِكْمَالِ. قَالَ: (وَلَا قَسَامَةَ عَلَى صَبِيٌّ وَلَا مَجْنُونِ) لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ القَوْلِ الصَّحِيحِ، وَاليَمِينُ قَوْلٌ صَحِيحٌ. قَالَ: (وَلَا امْرَأَةٍ وَلَا عَبْدٍ) لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ، وَاليَمِينُ عَلَى أَهْلِهَا.
قَالَ: (وَإِنْ وُجِدَ مَيْتًا لَا أَثَرَ بِهِ، فَلَا قَسَامَةَ وَلَا دِيَةً) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَتِيلِ، إذ القَتِيلُ فِي العُرْفِ مَنْ فَاتَتْ حَيَاتُهُ بِسَبَبٍ يُبَاشِرُهُ حَيٌّ، وَهَذَا مَيْتٌ حَتْفَ أَنْفِهِ، وَالغَرَامَةُ تَتْبَعُ
قوله: (ولا امرأة و [لا] (١) عبد) ولا خلاف في أن الصبي والمجنون لا يقسمان في القسامة، وكذا النساء إذا كن من أهل القتيل لم يستحلفن، وبه قال أحمد، وربيعة، والثوري، والأوزاعي.
وقال مالك: النساء يدخلن في قسامة الخطأ دون العمد.
قال ابن القاسم: لا يقسم إلا اثنان فصاعدًا، كما أنه لا يقتل إلا بشاهدين.
وقال الشافعي: يقسم كل وارث بالغ؛ لأنها يمين في دعوى، فيشرع في حق النساء.
قال: لا يدخلن في يمين الأولياء؛ لقوله ﵊: «يُقسِمُ خمسون رجلًا مِنْكُمْ وتستحقونَ دَمَ صاحِبِكُم»، وإن كانت امرأة هي المدعى عليها فينبغي أن تستحلف على قول الثلاثة؛ لأنها لتبرئتها منه فيشرع (٢) في حقها اليمين كما لو لم يكن لوث، وكذا في المغني لابن قدامة.
وقلنا: إنهن أتباع، لا تقوم النصرة بهن، وإنما اليمين على أهل النصرة.
قوله: (فإن وجد قتيل لا أثر به لا قسامة ولا دية)، وبه قال أحمد في رواية، وحماد، والثوري.
وقالت الأئمة الثلاثة: الأثر ليس بشرط بعد ثبوت اللوث؛ لأنه ﷺ لم يسأل الأنصار هل كان بقتيلهم أثر أو لا؟ ولأن القتل يحصل بما لا أثر له كعصر الخصيتين، وضربة الفؤاد، فأشبه من به أثر.
وقلنا القسامة والدية تعظيما لأمر الدم، وصيانة عن الهدر، وذلك في القتل
стр. 7266
فِعْلَ العَبْدِ، وَالقَسَامَةُ تَتْبَعُ احْتِمَالَ القَتْلِ، ثُمَّ يَجِبُ عَلَيْهِم القَسَمُ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِهِ أَثَرٌ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى كَوْنِهِ قَتِيلًا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ بِهِ جِرَاحَةٌ، أَوْ أَثَرُ ضَرْبٍ، أَوْ خَلْقٍ، وَكَذَا إِذَا كَانَ خَرَجَ الدَّمُ مِنْ عَيْنِهِ، أَوْ أُذُنِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا إِلَّا بِفِعْلٍ مِنْ جِهَةِ الحَيِّ عَادَةً، بِخِلَافِ مَا إِذَا خَرَجَ مِنْ فِيهِ، أَوْ دُبُرِهِ أَوْ ذَكَرِهِ، لِأَنَّ الدَّمَ يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ المَخَارِجِ عَادَةً بِغَيْرِ فِعْلِ أَحَدٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الشَّهِيدِ.
(وَلَوْ وُجِدَ بَدَنُ القَتِيلِ، أَوْ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ البَدَنِ، أَوْ النِّصْفُ وَمَعَهُ الرَّأْسُ فِي مَحَلَّةٍ، فَعَلَى أَهْلِهَا القَسَامَةُ وَالدِّيَةُ، وَإِنْ وُجِدَ نِصْفُهُ مَشْقُوقًا بِالطُّولِ، أَوْ وُجِدَ أَقَلُّ مِنْ النِّصْفِ وَمَعَهُ الرَّأْسُ، أَوْ وُجِدَ يَدُهُ، أَوْ رِجْلُهُ، أَوْ رَأْسُهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ) لِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ عَرَفْنَاهُ بِالنَّص، وَقَدْ وَرَدَ بِهِ فِي البَدَنِ، إِلَّا أَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الكُلِّ تَعْظِيمًا لِلْآدَمِيِّ، بِخِلَافِ الأَقَلِّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَدَنِ وَلَا مُلْحَقٍ بِهِ، فَلَا تَجْرِي فِيهِ القَسَامَةُ، وَلِأَنَّا لَوِ اعْتَبَرْنَاهُ تَتَكَرَّرُ القَسَامَتَانِ وَالدِّيَتَانِ بِمُقَابَلَةِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَلَا تَتَوَالَيَانِ، وَالأَصْلُ فِيهِ: أَنَّ المَوْجُودَ الأَوَّلَ إِنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ وُجِدَ البَاقِي تَجْرِي فِيهِ القَسَامَةُ، لَا تَجِبُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ وُجِدَ البَاقِي لَا تَجْرِي فِيهِ القَسَامَةُ، تَجِبُ، وَالمَعْنَى مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ، وَصَلَاةُ الجِنَازَةِ فِي هَذَا تَنْسَحِبُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، لِأَنَّهَا لَا تَتَكَرَّرُ.
(وَلَوْ وُجِدَ فِيهِمْ جَنِينٌ، أَوْ سِقْطٌ لَيْسَ بِهِ أَثَرُ الضَّرْبِ، فَلَا شَيْءَ عَلَى أَهْلِ المَحَلَّةِ) لِأَنَّهُ لَا يَفُوقُ الكَبِيرَ حَالًا وَإِنْ كَانَ بِهِ أَثَرُ الضَّرْبِ وَهُوَ تَامُ الخَلْقِ، وَجَبَتِ القَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ تَامَّ الخَلْقِ يَنْفَصِلُ حَيًّا (وَإِنْ كَانَ نَاقِصَ
دون الموت حتف أنفه، والقتل يعرف بالأثر، فإذا لم يكن به أثر يمكن أن يكون مقتولاً ويمكن أنه مات حتف أنفه، فلا يحكم بالشك.
قوله: (لأن الظاهر أن تمام الخلق ينفصل حيا)، فإن قيل: الظاهر لا يصلح حجة للاستحقاق حتى لا تجب دية في ذكر الصبي ولسانه إذا لم يعلم صحته مع أن الظاهر سلامتهما.
قلنا: الجنين نفس من وجه، عضو من وجه، فاعتبرنا جهة النفس إذا انفصل حيًّا؛ فيستدل عليه بتمام الخلق، وإذا انفصل ميتًا اعتبرنا جهة العضو؛ فيستدل عليه بنقص الخلق، فكان الظاهر هاهنا بمنزلة القتيل الموجود في المحلة
стр. 7267
الخَلْقِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ يَنْفَصِلُ مَيْتًا لَا حَيَّا.
قَالَ: (وَإِذَا وُجِدَ القَتِيلُ عَلَى دَابَّةٍ يَسُوقُهَا رَجُلٌ، فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ دُونَ أَهْلِ
وبه أثر الجراحة، وإن كان يحتمل أنه مات حتف أنفه لا بسبب الجراحة، أما الأعضاء يسلك بها مسلك الأموال، ولا تعظيم الأموال كتعظيم النفوس، فكان فيها شبهة المالية فلم توجب الدية التي لها خطر إلا عند التيقن.
قوله: (فالدية على عاقلته) أي: عاقلة السائق سواء كان السائق مالكا للدابة أو لا، وكذا إذا كان قائدها أو راكبها؛ لأنه هو المختص بتدبير هذه الدابة وباليد عليها، ولهذا يضمن ما أوطأت، ولو وجد القتيل عليها ولم يكن على الدابة أحد فهو على أهل المحلة الذين وجد فيهم القتيل؛ لأن وجوده عليها كوجوده في الموضع الذي وجد فيه الدابة.
وعن أبي يوسف في غير رواية الأصول: أنه كان يُفَصِّلُ الجواب ويقول: إن كان السائق يسوق الدابة مختفيًا سرًّا فالقسامة عليه؛ لأن الظاهر هو القائد، وإن كان يسوقها غير مختف نهارًا جهرًا فلا شيء عليه؛ لأن الإنسان قد يحمل أباه أو ابنه أو أحدًا من أقاربه ميتًا وينقله إلى بلده ليدفنه، وظاهر حاله يدل عليه فلا يجعل قاتلا.
والفرق لأبي حنيفة ومحمد بين الدابة والدار، حيث جعل الدية والقسامة على مالك الدار، وهاهنا على السائق سواء كان مالكًا أو لا.
قال (١) بعض مشايخنا: الفرق أن التدبير والتصرف لصاحب اليد في الدابة، والعبرة في هذا الباب للتدبير والتصرف، وفي الدار التدبير والتصرف يكون للمالك ما دام مالكا؛ لأنه لا يتصور انقطاع يده عن ذلك؛ لأنه وإن أجرها فالمؤنة على المالك؛ فتكون القسامة عليه، وفي الدابة على صاحب اليد؛ لأن تدبيرها في يده، ولهذا تزول يده بالإجارة وبالإتلاف؛ فيكون على [من] (٢) في يده.
стр. 7268
المَحَلَّةِ) لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا كَانَ فِي دَارِهِ، وَكَذَا إِذَا كَانَ قَائِدَهَا، أَوْ رَاكِبَهَا (فَإِنْ اجْتَمَعُوا فَعَلَيْهِمْ) لِأَنَّ القَتِيلَ فِي أَيْدِيهِمْ، فَصَارَ كَمَا إِذَا وُجِدَ فِي دَارِهِمْ.
قَالَ: (وَإِنْ مَرَّتْ دَابَّةٌ بَيْنَ القَرْيَتَيْنِ وَعَلَيْهَا قَتِيل، فَهُوَ عَلَى أَقْرَبِهِمَا) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أُتِيَ بِقَتِيلِ وُجِدَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ فَأَمَرَ أَنْ يُذْرَعَ». وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ لَمَّا كُتِبَ إِلَيْهِ فِي القَتِيلِ الَّذِي وُجِدَ بَيْنَ وَادِعَةَ وَأَرْحَبَ كَتَبَ بِأَنْ يَقِيسَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ، فَوُجِدَ القَتِيلُ إِلَى وَادِعَةَ أَقْرَبَ فَقَضَى عَلَيْهِمْ بِالقَسَامَةِ. قِيلَ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَ بِحَيْثُ يَبْلُغُ أَهْلَهُ الصَّوْتُ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَلْحَقُهُ الغَوْثُ، فَتُمْكِنُهُمُ النُّصْرَةُ وَقَدْ قَصَّرُوا.
قَالَ: (وَإِذَا وُجِدَ القَتِيلُ فِي دَارِ إِنْسَانٍ، فَالقَسَامَةُ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الدَّارَ فِي يَدِهِ (وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ) لِأَنَّ نُصْرَتَهُ مِنْهُمْ وَقُوَّتَهُ بِهِمْ.
وقال بعض مشايخنا: هذا الذي ذكره في الكتاب فيما إذا لم يكن للدابة مالك معروف، وإنما يعرف ذلك بقول السائق والقائد، أما إذا كان لها مالك معروف فالقسامة على المالك كما في الدار، فلو كان ذو اليد مالكا ظاهرًا فالقسامة والدية عليه، فلو أراد أن يحوله إلى غيره لا يقدر كما في الدار إذا أقر من في يده الدار أن الدار لغيره، ولم يكن المقر له مالكا معروفًا للدار لا يصدق، كذا في المبسوط، والذخيرة.
قوله: (فأمر أن يذرع) وهو في حديث أبي سعيد الخدري «أن قتيلا وجد بين قريتين على عهد رسول الله ﷺ فأمر أن يمسح بينهما، فوجد إلى أحد القريتين أقرب بشبر، فقضى عليهم بالدية والقسامة»، كذا في المبسوط.
وادعة، وأرحب: قبيلتان من همذان.
قوله: (فالقسامة) أي: الأيمان (عليه) أي: على صاحب الدار سواء كان مالكًا أو مشتريا؛ لأن التدبير في الحفظ إليه.
وقال مالك: لا قسامة ولا غرامة في قتيل وجد في دار قوم.
وقال الشافعي: يكون بعد اللوث.
وفي شرح الأقطع: صاحب الدار مع أهل المحلة كأهل المحلة المصر ولم يدخل أهل المصر مع أهل المحلة.
стр. 7269
قَالَ: (وَلَا تَدْخُلُ السُّكَّانُ فِي القَسَامَةِ مَعَ المُلاكِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هُوَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا) (*) لِأَنَّ وِلَايَةَ التَّدْبِيرِ كَمَا تَكُونُ بِالمِلْكِ تَكُونُ بِالسُّكْنَى، أَلَا تَرَى «أَنَّهُ ﵊ جَعَلَ القَسَامَةَ وَالدِّيَةَ عَلَى اليَهُودِ وَإِنْ كَانُوا سُكَّانًا بِخَيْبَرَ». وَلَهُمَا: أَنَّ المَالِكَ هُوَ المُخْتَصُّ بِنُصْرَةِ البُقْعَةِ دُونَ السُّكَانِ، لِأَنَّ سُكْنَى المُلاكِ أَلْزَمُ، وَقَرَارَهُمْ أَدْوَمُ، فَكَانَتْ وِلَايَةُ التَّدْبِيرِ إِلَيْهِمْ، فَيَتَحَقَّقُ التَّقْصِيرُ مِنْهُمْ، وَأَمَّا أَهْلُ خَيْبَرَ فَالنَّبِيُّ ﵊ أَقَرَّهُمْ عَلَى
قوله: (وهو قول محمد) وإنما لم يقل عند أبي حنيفة ومحمد؛ ليظهر أصالة أبي حنيفة ﵀ في هذا القول، فإنه قال في الأسرار: قول أبي حنيفة خلافًا لأبي يوسف، وقال: قول محمد مضطرب.
(وقال أبو يوسف: هو عليهم) أي: على المذكورين في القسامة على السكان والملاك، وبه قال الشافعي، وأحمد، وابن أبي ليلى.
وكان أبو يوسف يقول أولا كقولهما ثم رجع.
قوله: (وإن كانوا سكانًا) ولم يكونوا ملاكا؛ لأن النبي ﷺ دفع خيبر إلى اليهود معاملة بالنصف.
قوله: (لأن سكنى الملاك ألزم) فإن السكان ينتقلون في كل وقت من محلة إلى محلة دون الملاك، وتؤخذ الشفعة بالملك دون السكني، وأخذ الشفعة من الغنم مختص بالملك، فكذا ما يكون من الغرم مختصا بالملك.
قوله: (وأما أهل خيبر) إلى آخره هذا جواب عن تعلقه بحديث خيبر، رو سهل بن أبي حثمة: «أن خيبر يومئذ كان في أيدي اليهود بالصلح»، بدليل أنه عليه الصلاة السلام كتب إلى اليهود هذا قتيل وجد بين أبياتكم فقد أضاف الأبيات إليهم، ولو كان بعد الغنم لكان ملكا للمسلمين، فلا يضيف الأبيات إليهم، ولو كانت هذه القصة بعد فتح خيبر يحتمل أنه ﷺ من بذلك لتركها عليهم بالخراج، وللإمام ذلك.
стр. 7270
أَمْلَاكِهِمْ فَكَانَ يَأْخُذُ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الخَرَاجِ. قَالَ: (وَهِيَ عَلَى أَهْلِ الخُطَّةِ دُونَ المُشْتَرِينَ) وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الكُلُّ مُشْتَرِكُونَ (*)، لِأَنَّ الضَّمَانَ إِنَّمَا يَجِبُ بِتَرْكِ الحِفْظِ مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةُ الحِفْظِ، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ يُجْعَلُ جَانِبًا مُقَصِّرًا، وَالوِلَايَةُ بِاعْتِبَارِ المِلْكِ، وَقَدْ اسْتَوَوْا فِيهِ، وَلَهُمَا: أَنَّ صَاحِبَ الخُطَّةِ هُوَ المُخْتَصُّ بِنُصْرَةِ البُقْعَةِ، هُوَ المُتَعَارَفُ، وَلِأَنَّهُ أَصِيلٌ، وَالمُشْتَرِي دَخِيلٌ وَوِلَايَةُ التَّدْبِيرِ إِلَى الأَصِيلِ، وَقِيلَ: أَبُو حَنِيفَةَ بَنَى ذَلِكَ عَلَى مَا شَاهَدَ بِالكُوفَةِ. قَالَ: (وَإِنْ بَقِيَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَكَذَلِكَ) يَعْنِي:
والدليل على صحة هذا أن عمر ﵁ لما أجلاهم من خيبر عوّضهم، ولو لم يكن كذلك وكان للمسلمين لما اشتغل عمر إلى إعطاء العوض.
قوله: (وهو على أهل الخطة) أي: المذكور من وجوب القسامة والدية على أهل الخطة، يريد به ما خطه الإمام حين فتح البلد.
وقال أبو يوسف: الكل مشتركون، وهو قول الأئمة الثلاثة، وابن أبي ليلى.
قوله: (والولاية) أي: ولاية الحفظ (باعتبار الملك) وفيما يجب باعتبار الملك لا يختلف باختلاف أسباب الملك كاستحقاق الشفعة فإنه مبني على الملك ولا تفاوت فيه بين أهل الخطة والمشترين فكذا هنا.
قوله: (هو المتعارف) فإن العرف أن أصحاب الخطة يقومون بحفظ المحلة وتدبيرها دون المشترين، بخلاف الدار فإن فيها أهل الخطة والمشتري سواء؛ لأن عمارة ما استَرَمَّ فيها وإجارتها وإعارتها متساويان، فكذلك في القيام بحفظ الدار.
(وقيل: أبو حنيفة ﵀ بنى ذلك على ما شاهد بالكوفة) أي: من عادة أهل الكوفة في زمانه، فإن أصحاب الخطة في كل محلة يقومون بتدبير المحلة ولا يشاركهم المشترون في ذلك.
стр. 7271
مِنْ أَهْلِ الخُطَّةِ لِمَا بَيَّنَّا وَإِنْ لَمْ يَبْقَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، بِأَنْ بَاعُوا كُلُّهُمْ، فَهُوَ عَلَى المُشْتَرِينَ لِأَنَّ الوِلَايَةَ انْتَقَلَتْ إِلَيْهِمْ، أَوْ خَلَصَتْ لَهُمْ لِزَوَالِ مَنْ يَتَقَدَّمُهُمْ، أَوْ يُزَاحِمُهُمْ.
(وَإِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي دَارٍ، فَالقَسَامَةُ عَلَى رَبِّ الدَّارِ وَعَلَى قَوْمِهِ، وَتَدْخُلُ العَاقِلَةُ ففِي القَسَامَةِ إِنْ كَانُوا حُضُورًا، وَإِنْ كَانُوا غُيَّبًا، فَالقَسَامَةُ عَلَى رَبِّ الدَّارِ، يُكَرِّرُ عَلَيْهِ الأَيْمَانَ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا قَسَامَةَ عَلَى العَاقِلَةِ (*)؛
وقوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله: (أن صاحب الخطة هو المختص بنصره البقعة).
قوله: (فهو) أي: المذكور من القسامة والدية (على المشترين) بلا خلاف؛ (لأن الولاية إليهم عندهما أو خلصت لهم) أي: عند أبي يوسف.
وكذا قوله: (لزوال من يتقدمهم) عندهما أو يزاحمهم على قول أبي يوسف.
قوله: (وإذا وجد قتيل في دار فالقسامة على رب الدار) إلى آخره.
وفي الذخيرة: فالدية على عاقلة رب الدار باتفاق الروايات، والقسامة على صاحب الدار في رواية، وفي رواية على عاقلة رب الدار.
والكرخي يوفق بينهما ويقول: الرواية التي توجب القسامة على رب الدار محمول على ما إذا كان قومه غُيَّبًا، والأخرى على ما إذا كان قومه حضورًا.
ولكن ذكر في فتاوى العتابي كما ذكر في الكتاب، وبقول أبي يوسف قال الشافعي وأحمد.
قوله: (وهذا عند أبي حنيفة ومحمد)، هذا من مسائل الجامع الصغير، فأبو حنيفة اعتبر اليد، وَهُما الملك، وأجمعوا على أن وجوب الضمان متعلق بولاية الحفظ، فيعد ذلك أبو حنيفة حقيقة.
القدرة ثبتت باليد؛ لأن ملك اليد سبب الملك (١)، فإذا كان الملك لأحدهما واليد لآخر فاعتبار اليد أولى، بخلاف ما إذا اجتمع السكان مع
стр. 7272
لِأَنَّ رَبَّ الدَّارِ أَخَصُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، فَلَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِيهَا، كَأَهْلِ المَحَلَّةِ لَا يُشَارِكُهُمْ فِيهَا عَوَاقِلُهُمْ، وَلَهُمَا: أَنَّ الحُضُورَ لَزِمَتْهُمْ نُصْرَةُ البُقْعَةِ كَمَا تَلْزَمُ صَاحِبَ الدَّارِ فَيُشَارِكُونَهُ فِي القَسَامَةِ.
قَالَ: (وَإِنْ وُجِدَ القَتِيلُ فِي دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ، نِصْفُهَا لِرَجُلٍ، وَعُشْرُهَا لِرَجُلٍ، وَلِآخَرَ مَا بَقِيَ: فَهُوَ عَلَى رُؤُوسِ الرِّجَالِ) لِأَنَّ صَاحِبَ القَلِيلِ يُزَاحِمُ صَاحِبَ الكَثِيرِ فِي التَّدْبِيرِ، فَكَانُوا سَوَاءٌ فِي الحِفْظِ وَالتَّقْصِيرِ، فَيَكُونُ عَلَى عَدَدِ الرُّؤُوسِ بِمَنْزِلَةِ الشَّفْعَةِ.
قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى دَارًا، وَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى وُجِدَ فِيهَا قَتِيلٌ، فَهُوَ عَلَى عَاقِلَةِ البَائِعِ، وَإِنْ كَانَ فِي البَيْعِ خِيَارٌ لِأَحَدِهِمَا، فَهُوَ عَلَى عَاقِلَةِ الَّذِي فِي يَدِهِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ خِيَارٌ: فَهُوَ عَلَى عَاقِلَةِ المُشْتَرِي، وَإِنْ كَانَ فِيهِ خِيَارٌ، فَهُوَ عَلَى عَاقِلَةِ الَّذِي تَصِيرُ لَهُ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَنْزَلَ قَاتِلًا بِاعْتِبَارِ التَّقْصِيرِ فِي الحِفْظِ، وَلَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الحِفْظِ، وَالوِلَايَةُ تُسْتَفَادُ بِالمِلْكِ، وَلِهَذَا كَانَتِ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ صَاحِبِ الدَّارِ دُونَ المُودِعِ، وَالمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي قَبْلَ القَبْضِ
الملاك، فإن القسامة على الملاك لا على السكان مع وجود يد السكان، فإن اليد ثابت للملاك أيضًا، ورجح جانب الملاك فلا تزاحمه يد السكان.
(والولاية) أي: ولاية الحفظ تستفاد من الملك فلهذا كانت الدية على عاقلة صاحب الدار دون المودع والمستعير والمستأجر والغاصب والمرتهن، حيث امتنع وجوب الدين على هؤلاء لهذا المعنى، والملك للمشتري قبل القبض في البيع البات، فكان الصادر من ذلك الملك كان عليه، بخلاف ما لو جنى العبد في البات قبل القبض، حيث يُخيّر المشتري بين رد البيع وإمضائه، وهاهنا لا يخير؛ لأن الدار لم تصر مستحقة بوجود القتيل فيها، بل يجب الضمان على عاقلة المشتري، فلا يكون الاستحقاق بمنزلة العيب.
أما العبد إذا جنى في يد البائع يخير المشتري؛ لأن العبد يصير مستحقًا بالجناية، والاستحقاق من أفحش العيوب، وقد حدث ذلك في يد البائع فيتخير المشتري.
стр. 7273
فِي البَيْعِ البَاتٌ، وَفِي المَشْرُوطِ فِيهِ الخِيَارُ يُعْتَبَرُ قَرَارُ المِلْكِ كَمَا فِي صَدَقَةِ الفِطْرِ. وَلَهُ: أَنَّ القُدْرَةَ عَلَى الحِفْظِ بِاليَدِ لَا بِالمِلْكِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ يَقْتَدِرُ عَلَى الحِفْظِ بِاليَدِ دُونَ المِلْكِ، وَلَا يَقْتَدِرُ بِالمِلْكِ دُونَ اليَدِ، وَفِي البَاتٌ اليَدُ لِلْبَائِعِ قَبْلَ القَبْضِ، وَكَذَا فِيمَا فِيهِ الخِيَارُ لِأَحَدِهِمَا قَبْلَ القَبْضِ؛ لِأَنَّهُ دُونَ البَاتٌ، وَلَوْ كَانَ المَبِيعُ فِي يَدِ المُشْتَرِي، وَالخِيَارُ لَهُ فَهُوَ أَخَصُّ النَّاسِ بِهِ تَصَرُّفًا، وَلَوْ كَانَ الخِيَارُ لِلْبَائِعِ، فَهُوَ فِي يَدِهِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بِالقِيمَةِ كَالمَغْضُوبِ، فَتُعْتَبَرُ يَدُهُ إِذْ بِهَا يَقْدِرُ عَلَى الحِفْظِ.
قَالَ: (وَمَنْ كَانَ فِي يَدِهِ دَارٌ، فَوُجِدَ فِيهَا قَتِيلٌ، لَمْ تَعْقِلْهُ العَاقِلَةُ حَتَّى تَشْهَدَ
(وله [أن] (١) القدرة) أي: على الحفظ باليد؛ لأن الغصب لا يتحقق في العقار عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ويد المرتهن قالوا: لا رواية فيه، وصدقة الفطر تجب باعتبار الملك لا باعتبار الحفظ.
ألا ترى أن صدقة فطر المغصوب تجب على المالك لا على الغاصب، أما ضمان الجناية كما يجب على المالك يجب على الضامن، بل عند اجتماعهما يكون قرار الضمان على الضامن في ضمان الجناية، حتى إن المغصوب أو المرهون إذا جنى في يد الغاصب والمرتهن واختار المولى الدفع يكون قرار ذلك على الضامن، كذا في جامع قاضي خان، والمحبوبي.
قوله: (فهو في يده مضمون) أي: لو كان الخيار للبائع، والمبيع في يد المشتري ضمن عليه بالقيمة، واحترز عن يد المودع (٢) فالقسامة على المشتري أيضًا؛ لأنه باليد يتولى الحفظ والتدبير.
قوله: (لم تعقله العاقلة حتى تشهد) يريد به إذا أنكرت العواقل أنها ملك ذي اليد، ويقولون: إنها وديعة عنده، كذا في جامع الكرابيسي، والمحبوبي.
وهذا لما عرف أن الظاهر حجة للدفع لا للاستحقاق، وقد احتجنا إلى الاستحقاق هاهنا، فلا بد من إقامة البيئة كما في استحقاق الشفعة لا بد من إقامة البينة على الملك لهذا.
стр. 7274
الشُّهُودُ أَنَّهَا لِلَّذِي فِي يَدِهِ) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ المِلْكِ لِصَاحِبِ اليَدِ حَتَّى تَعْقِلَ العَوَاقِلُ عَنْهُ، وَاليَدُ وَإِنْ كَانَتْ دَلِيلًا عَلَى المِلْكِ لَكِنَّهَا مُحْتَمِلَةٌ فَلَا تَكْفِي لِإِيجَابِ الدِّيَةِ عَلَى العَاقِلَةِ، كَمَا لَا تَكْفِي لِاسْتِحْقَاقِ الشَّفْعَةِ بِهِ فِي الدَّارِ المَشْفُوعَةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِقَامَةِ البينة.
قَالَ: (وَإِنْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي سَفِينَةٍ: فَالقَسَامَةُ عَلَى مَنْ فِيهَا مِنْ الرُّكَّابِ وَالمَلَاحِينَ) لِأَنَّهَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَاللَّفْظُ يَشْمَلُ أَرْبَابَهَا، حَتَّى تَجِبُ عَلَى الْأَرْبَابِ الَّذِينَ فِيهَا وَعَلَى السُّكَّانِ، وَكَذَا عَلَى مَنْ يُمِدُّهَا، وَالمَالِكُ فِي ذَلِكَ وَغَيْرُ المَالِكِ سَوَاءٌ، وَكَذَا العَجَلَةُ، وَهَذَا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ظَاهِرُ، وَالفَرْقُ لَهُمَا: أَنَّ السَّفِينَةَ تُنْقَلُ وَتُحَوَّلُ فَيُعْتَبَرُ فِيهَا اليَدُ دُونَ المِلْكِ كَمَا فِي الدَّابَّةِ، بِخِلَافِ المَحَلَّةِ وَالدَّارِ، لِأَنَّهَا لَا تُنْقَلُ.
قَالَ: (وَإِنْ وُجِدَ فِي مَسْجِدِ مَحَلَّةٍ، فَالقَسَامَةُ عَلَى أَهْلِهَا) لِأَنَّ التَّدْبِيرَ فِيهِ إِلَيْهِمْ
وفي الأصح: قيل: الجواب على قولهما، أما على قول أبي يوسف مجرد السكنى واليد كاف للقسامة والدية بدون الملك.
وفي جامع الكرابيسي: اعتبر أبو حنيفة يد الملك لا مجرد اليد في المسألة المتقدمة، وهنا لا يثبت ذلك إلا بالبينة، فلا يرد نقضا عليه.
قوله: (لأنها) أي: السفينة في أيديهم؛ لما أن المركب في يد الراكب، فكذا السفينة في يد من فيها.
(واللفظ) وهو قوله: على من فيها (يشمل أربابها) أي: يشمل ملاكها وغير ملاكها.
قوله: على ما روي عن أبي يوسف ظاهر؛ لأنه يدخل السكان في القسامة مع الملاك.
قوله: (كما في الدابة) (١) يعني في القتيل الموجود على الدابة، تعتبر اليد دون الملك؛ لأنها تنقل وتحول، فكذا في السفينة تعتبر اليد لا الملك، وهم في اليد عليها سواء، كذا في المبسوط.
стр. 7275
(وَإِنْ وُجِدَ فِي المَسْجِدِ الجَامِعِ، أَوْ الشَّارِعِ الأَعْظَمِ، فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ، وَالدِّيَةُ عَلَى بَيْتِ المَالِ) لِأَنَّهُ لِلْعَامَّةِ لَا يَخْتَصُّ بِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَكَذَلِكَ الجُسُورُ العَامَّةُ، وَمَالُ بَيْتِ المَالِ مَالُ عَامَّةِ المُسْلِمِينَ.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: قال بعض المشايخ: إنها تدخل الركاب إذا لم يكن للسفينة مالك معروف، فإن كان تجب القسامة على المالك.
ومنهم من يقول: تجب في الحالين على الكل، ومثل هذا التفصيل من اختلاف المشايخ مذكور في الدابة.
وفي الذخيرة: المعتبر في هذا الباب التصرف، والرأي، والتدبير، وكل ذلك مفوض إلى صاحب الخطة في الدار؛ لأن يده غير منقطع عنها، ولهذا لا يتحقق الغصب فيها، بخلاف الدابة والسفينة، فإن الرأي والتدبير إلى الكل.
قوله: (والشارع الأعظم)، في المغرب: الشارع هو الطريق الذي يشرع فيه الناس عامة على الإسناد المَجازِي، أو هو من قولهم شرع الطريق إذا تبين (١).
(فلا قسامة فيه)؛ لأن المقصود بالقسامة نفي تهمة القتل، وما لا يتحقق في حق جماعة المسلمين.
فإنه روي عن عمر وعلي ﵄ فيمن قتل بزحام الناس بعرفة، فجاء أهله إلى عمر، فقال: "بينتكم على من قتل "، فقال علي: " يا أمير المؤمنين، لا يبطل دم امرئ مسلم إن علمت قاتله، وإلا فأعط ديته من بيت المال".
وكذا إذا وجد في زحام مسجد الجامع يوم الجمعة، وهو قول أحمد.
وقال مالك: دمه هدر؛ لأنه لم يعلم له قاتل، ولا وجد له لوث، فيحكم بالقسامة فيه.
وفي مثله عن عمر بن عبد العزيز: أن من القضايا قضايا إلا في دار الآخرة، وهذا منها (٢).
وعند الشافعي: الزحام لوث، فعند الأئمة الثلاثة: يعتبر اللوث، ففي كل موضع يتحقق فيه اللوث تكون فيه القسامة وإلا لا.
стр. 7276
(وَلَوْ وُجِدَ فِي السُّوقِ، إِنْ كَانَ مَمْلُوكًا، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَجِبُ: عَلَى السُّكَانِ، وَعِنْدَهُمَا: عَلَى المَالِكِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا كَالشَّوَارِعِ العَامَّةِ الَّتِي بُنِيَتْ فِيهَا، فَعَلَى بَيْتِ المَالِ لِأَنَّهُ لِجَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ وَلَوْ وُجِدَ فِي السِّجْنِ، فَالدِّيَةُ عَلَى بَيْتِ المَالِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ: الدِّيَةُ وَالقَسَامَةُ عَلَى أَهْلِ السِّجْنِ) لِأَنَّهُمْ سُكَانٌ، وَوِلَايَةُ التَّدْبِيرِ إِلَيْهِمْ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّ القَتْلَ حَصَلَ مِنْهُمْ، وَهُمَا يَقُولَانِ: إِنَّ أَهْلَ السِّجْنِ مَقْهُورُونَ، فَلَا يَتَنَاصَرُونَ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مَا يَجِبُ لِأَجْلِ النُّصْرَةِ، وَلِأَنَّهُ بُنِيَ لِاسْتِيفَاءِ حُقُوقِ المُسْلِمِينَ، فَإِذَا كَانَ غُنْمُهُ يَعُودُ إِلَيْهِمْ فَغُرْمُهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ. قَالُوا: وَهَذِهِ فُرَيْعَةُ المَالِكِ وَالسَّاكِنِ، وَهِيَ مُخْتَلَفٌ فِيهَا بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وفي الذخيرة: لو وجد في مسجد جماعة في السوق، وهو لعامة المسلمين لا إلى أهل هذه السوق، فهو كمسجد الجامع.
قوله: (فعند أبي يوسف تجب على السكان) سواء كانوا مُلاكًا أو لا على ما مر.
قوله: (بُنيت فيها فعلى بيت المال)، وإنما أراد به أن يكون بعيدًا من المحال، أما الأسواق التي تكون في المحال فهي محفوظة بحفظ أهل المحلة، وكذا في السوق النائي إذا كان يسكنها في الليالي، أو كان لأحد فيها دار مملوكة تكون القسامة والدية عليه؛ لأنه يلزمه صيانة ذلك الموضع، فيوصف بالتقصير، فيجب موجب التقصير، كذا في مبسوط فخر الإسلام.
وفي المنتقى: وجد قتيل في صف من السوق، فإن كان أهل ذلك الصف يبيتون في حوانيتهم فدية القتيل عليهم، وإلا فالدية على ملاك الحوانيت، كذا في الذخيرة، والمغني.
قوله: (وعلى قول أبي يوسف: الدية والقسامة على أهل السجن)، وبه قالت الأئمة الثلاثة إذا كان هناك لوث.
قوله: (ما يجب لأجل النصرة) أي: لأجل تلك النصرة.
قوله: (قالوا) أي: المشايخ (هذه) أي: هذه المسألة (فريعة الملك والساكن) فكأنهما جعلا عامة المسلمين كالملاك، وأهل السجن بمنزلة السكان، كذا في شرح الإرشاد.
стр. 7277
قال: (وإن وجد في برية ليس بقربها عمارة، فهو هدر) وتفسير القرب ما ذكرنا من استماع الصوت، لأنه إذا كان بهذه الحالة لا يلحقه الغوث من غيره، فلا يوصف أحد بالتقصير، وهذا إذا لم تكن مملوكة لأحد. أما إذا كانت: فالدية والقسامة على عاقلته (وإن وجد بين قريتين، كان على أقربهما) وقد بيناه.
(وإن وجد في وسط الفرات يمر به الماء، فهو هدر) لأنه ليس في يد أحد، ولا في ملكه (وإن كان محتبسا بالشاطئ، فهو على أقرب القرى من ذلك المكان) على التفسير الذي تقدم، لأنه اختص بنصرة هذا الموضع، فهو كالموضوع على
قوله: (ليس بقربها عمارة فهو هدر)، وبه قالت الأئمة الثلاثة إذا لم يكن لوط.
وفي مبسوط خواهر زاده: هذا إذا وجد في فلاة انقطع عنها منفعة المسلمين، أما إذا لم تنقطع فتجب الدية على بيت المال؛ لأنه يكون تحت أيديهم ورأيهم وتدبيرهم.
وقوله: (وقد بيناه) إشارة إلى مسألة دابة مرت بين قريتين وعليها قتيل.
قوله: (وإن وجد في شط (١) الفرات) وذكر الفرات ليس للتخصيص، بل المراد به النهر العظيم، ولهذا صرح في المبسوط بقوله: وإذا وجد القتيل في نهر عظيم يجري به الماء فلا شيء فيه، وهكذا ذكر في الذخيرة.
وفي مبسوط شيخ الإسلام، والذخيرة: هذا إذا كان منبع الماء في يد الكفار سواء كان يجري في وسطه أو شطه، أما إذا كان في يد المسلمين فاعتبرنا موضع انبعاث الماء وموضع ظهور القتيل.
قوله: (على التفسير الذي تقدم) أراد به قوله: قيل: هذا محمول على ما إذا كان بحيث يبلغ أهله الصوت، وبهذا صرح في المبسوط، والذخيرة، وغيرهما.
ولو كان لا يسمع الصوت لا يجب عليهم شيء، وإنما يجب في بيت المال؛ لأنه تحت يد عامة المسلمين.
стр. 7278
الشَّطُّ، وَالشَّطُّ فِي يَدِ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَسْتَقُونَ مِنْهُ المَاءَ، وَيُورِدُونَ بَهَائِمَهُمْ فِيهَا، بِخِلَافِ النَّهْرِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الشَّفْعَةَ، لِاخْتِصَاصِ أَهْلِهَا بِهِ لِقِيَامِ يَدِهِمْ عَلَيْهِ، فَتَكُونُ القَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ.
قَالَ: (وَإِنْ ادَّعَى الوَلِيُّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ المَحَلَّةِ بِعَيْنِهِ، لَمْ تَسْقُطُ القَسَامَةُ عَنْهُمْ) وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَذَكَرْنَا فِيهِ القِيَاسَ وَالِاسْتِحْسَانَ. قَالَ: (وَإِنْ ادَّعَى عَلَى وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِهِمْ، سَقَطَتْ عَنْهُمْ) وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ، وَوَجْهُ الفَرْقِ: هُوَ أَنَّ وُجُوبَ القَسَامَةِ عَلَيْهِمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ القَاتِلَ مِنْهُمْ، فَتَعْيِينُهُ وَاحِدًا مِنْهُمْ لَا يُنَافِي ابْتِدَاءَ الْأَمْرِ، لِأَنَّهُ
قوله: (لم تسقط القسامة عنهم)، وكذا الدية لا تسقط عن عواقلهم.
وروى ابن المبارك عن أبي حنيفة: أنه تسقط عن أهل المحلة؛ لأن دعواه على واحد معين إبراء لأهل المحلة من القسامة، فإن القسامة في قتيل لا يعرف قاتله.
وجه الظاهر: أنه ذكر ما كان لنا معلومًا ظاهرا، وهو أن القاتل واحد من أهل المحلة، ولكنا لا نعلم ذلك حقيقة وبدعوى الولي على واحد منهم بعينه لا يصير معلومًا لنا حقيقة أنه هو القاتل، فإذا لم يستفد بهذه الدعوى شيئًا لا يتغير الحكم به، فبقيت القسامة والدية على أهل المحلة كما كانتا، كذا في المبسوط.
قوله: (وقد ذكرناه) أي: في مسألة: ولو ادعى على البعض (وذكرنا فيه) أي: في المذكور في بعض النسخ (القياس والاستحسان).
قوله: (سقطت عنهم) أي: سقط كل واحد من القسامة والدية عن أهل المحلة ويحلف المدعى عليه يمينا واحدة.
وقالت الأئمة الثلاثة: إن كان هناك لوث تكرر اليمين عليه، وإن لم يكن لوث ففيه عن الشافعي في قول، وأحمد في رواية تكرر اليمين؛ لأنها دعوى في
قتل، فكان المشروع فيها خمسين يمينا، كما لو كان بينهم لوث.
وقال الشافعي، وأحمد: ظاهر روايته يمين واحد كقولنا، وهو اختيار المزني؛ لقوله ﷺ : «لو يُعطى الناسُ بدعواهُم لَادَّعَى قومٌ دِماء رجال وأموالهم،
стр. 7279
مِنْهُمْ، بِخِلَافِ مَا إِذَا عَيَّنَ مِنْ غَيْرِهِمْ، لِأَنَّ ذَلِكَ بَيَانُ أَنَّ القَاتِلَ لَيْسَ مِنْهُمْ، وَهُمْ إِنَّمَا يَغْرَمُونَ إِذَا كَانَ القَاتِلُ مِنْهُمْ لِكَوْنِهِمْ قَتَلَةٌ تَقْدِيرًا، حَيْثُ لَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدِ الظَّالِمِ، وَلِأَنَّ أَهْلَ المَحَلَّةِ لَا يَقُومُونَ بِمُجَرَّدِ ظُهُورِ القَتِيلِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ إِلَّا بِدَعْوَى الوَلِيِّ، فَإِذَا ادَّعَى القَتْلَ عَلَى غَيْرِهِمْ امْتَنَعَ دَعْوَاهُ عَلَيْهِمْ، وَسَقَطَ لِفَقْدِ شَرْطِهِ.
ولَكِنَّ اليمين على المُدَّعَى عليه» فتكون واحدة بظاهره، ولهذا لم يكرر في حق المال.
قوله: (وسقط لفقد شرطه) أي: سقط دعواه بعد ذلك على أهل المحلة للتناقض بفقد شرط الدعوى، فإنه لما ادعى على غير أهل المحلة فقد أبرأهم عن ذلك، فلا يسمع بعد ذلك دعواه للتناقض، كذا في المبسوط.
(يقال أجلوا عن القتيل) أي: انكشفوا عنه وانفرجوا، وجد بين أظهرهم.
والظهر، والأظهر يجيئان مقحمين كما في قوله ﷺ : «لَا صدقةً إِلَّا عَنْ ظهر غنى» أي: صادرة عن غنى، يقال: ظهر الغيب، وظهر القلب، وكذا يقال: أقام بين أظهرهم.
ثم وجود القتيل بين أظهرهم موجب للقسامة والدية؛ لأنه ﷺ قضى على أهل خيبر بالقسامة والدية؛ لوجود القتيل بين أظهرهم.
وقال عمر للوادعي حين قال: لا أيماننا تدفع أموالنا ولا أموالنا تدفع أيماننا: «حقنتم دماءكم وأنا أغرمكم الدية لوجود القتيل بين أظهركم».
وقال الشافعي، وأحمد في رواية باللوث على الطائفة الأخرى، ولو كانوا بحيث لا تصل سهام بعضهم بعضًا فاللوث على طائفة القتيل.
وقال مالك، وأحمد في رواية: إن عقل القتيل على الذين نازعوهم، إلا أن يدعوا على واحد بعينه؛ لأن الظاهر القتيل من المنازعين.
وقال ابن أبي ليلى: عقله على الفريقين جميعًا؛ لأنه يحتمل أنه مات من فعل أصحابه، فاستوى الجميع فيه.
وقلنا: الحفظ على أهل المحلة، فإن عليهم أن يصونوا محلتهم عن مثل هذه الحادثة، فإن لم يفعلوا كانوا غارمين.
стр. 7280
قَالَ: (وَإِذَا التَقَى قَوْمٌ بِالسُّيُوفِ، فَأُجْلُوا عَنْ قَتِيلٍ، فَهُوَ عَلَى أَهْلِ المَحَلَّةِ) لِأَنَّ القَتِيلَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَالحِفْظَ عَلَيْهِمْ (إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الأَوْلِيَاءُ عَلَى أُولَئِكَ، أَوْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَى أَهْلِ المَحَلَّةِ شَيْءٌ) لِأَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى تَضَمَّنَتْ بَرَاءَةَ أَهْلِ المَحَلَّةِ عَنْ القَسَامَةِ. قَالَ: (وَلَا عَلَى أُولَئِكَ حَتَّى يُقِيمُوا البَيِّنَةَ) لِأَنَّ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى لَا يَثْبُتُ الحَقُّ لِلْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ، أَمَّا يَسْقُطُ بِهِ الحَقُّ عَنْ أَهْلِ المَحَلَّةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ حُجَّةٌ عَلَى نَفْسِهِ.
قال أبو جعفر في كشف الغوامض: هذا إذا كان الفريقان غير متأولين اقتتلوا عصبية، فإن كانوا مشركين أو خوارج فلا شيء فيه، ويجعل ذلك ممن أصابه العدو؛ لأن إضافة القتل إلى المشركين أو الخوارج حمل لأمر أهل المحلة على الصلاح، فلهذا جعل شهيدًا.
قوله: (ولا على أولئك) أي: على أولئك القوم المقاتلين أي: لم تكن القسامة على أهل المحلة، ولا على الفتيان المقاتلين.
قوله: (للحديث الذي رويناه) أي: في أول باب القسامة، وهو قوله ﷺ : لَو أُعطِيَ الناسُ بِدَعواهم لادَّعَى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن البينة على المُدَّعِي واليمين علَى مَنْ أنكر ولا يقال: الظاهر أنهم قتلوه؛ لأن الظاهر حجة لدفع الاستحقاق لا للاستحقاق، كذا في جامع شمس الأئمة، والمحبوبي.
فإن قيل: الفرق بين هذا وبين دعوى القتل على رجل بعينه من أهل المحلة، فإن القسامة لا تسقط عنهم، وهنا بالدعوى على رجل منهم بعينه [تسقط عن أهل المحلة.
قلنا: الفرق أن الدعوى على أولئك أو على رجل منهم بعينه] (١) لا تصلح سبباً للاستحقاق بلا بينة، ولكن تصلح سببًا لبراءة الغير، فتثبت براءة أهل المحلة، بخلاف ما لو عين رجل من أهل المحلة، حيث لا تسقط عنهم الدية والقسامة؛ لما ذكرنا أن تعيين واحد منهم لا ينافي هذا الأمر؛ لأنه منهم.
стр. 7281
(وَلَوْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مُعَسْكَرٍ أَقَامُوهُ بِفَلَاةٍ مِنْ الأَرْضِ، لَا مِلْكَ لِأَحَدٍ فِيهَا، فَإِنْ وُجِدَ فِي خِبَاءٍ أَوْ فُسْطَاطٍ فَعَلَى مَنْ يَسْكُنُهَا الدِّيَةُ وَالقَسَامَةُ، وَإِنْ كَانَ خَارِجًا مِنْ الفُسْطَاطِ، فَعَلَى أَقْرَبِ الأَخْبِيَةِ) اعْتِبَارًا لِلْيَدِ عِنْدَ انْعِدَامِ المِلْكِ (وَإِنْ كَانَ القَوْمُ لَقَوا قِتَالًا، وَوُجِدَ قَتِيلٌ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَلَا قَسَامَةَ وَلَا دِيَةَ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ العَدُوَّ قَتَلَهُ، فَكَانَ هَدَرًا، وَإِنْ لَمْ يَلْقَوْا عَدُوًّا فَعَلَى مَا بَيَّنَّاهُ (وَإِنْ كَانَ لِلْأَرْضِ مَالِكُ: فَالعَسْكَرُ كَالسُّكَّانِ، فَيَجِبُ عَلَى المَالِكِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.
وأما تعيين غيرهم ينافي ذلك؛ لأن ذلك بيان أن القاتل ليس منهم، وهم إنما يعرفون إذا كان القاتل منهم تقريرًا، ولم يثبت ذلك عند تعيين الولي غيرهم، إليه أشار في الذخيرة.
قوله: (في معسكر) بفتح الكاف: موضع العسكر، يقال عسكر الرجل عسكرا فهو معسكر بكسر الكاف، والموضع: معسكر بفتح الكاف.
الخباء: الخيمة من الصوف والفسطاط: الخيمة العظيمة.
(أقاموا الفلاة) (١) أي: بغير قتال.
قوله: (فعلى أقرب الأخبية)، وفي مبسوط شيخ الإسلام: هذا إذا نزلوا قبائل قبائل متفرقين، أما إذا نزلوا مختلطين فالدية والقسامة على الكل.
قوله: (لقوا قتالاً) فانتصاب قتالا على المفعول به أي: لقوا المسلمين مع المشركين قتالا، ويحتمل أن يكون على الحال أي: مقاتلين، وفي قوله: وإن لم يلقوا عدوا يحتمل انتصاب (عدوا) على الحال أي: مقاتلين (٢)، وعلى المفعول له أي: القتال.
قوله: (على ما ذكرنا)، وهو أنه لا معتبر بالسكان مع الملاك.
وفي المبسوط: قيل: في قياس قول أبي يوسف ينبغي أن يكون على
стр. 7282
قَالَ: (وَإِذَا قَالَ المُسْتَحْلَفُ: قَتَلَهُ فُلَانٌ، اسْتُحْلِفَ بِاللَّهِ مَا قَتَلْتُ، وَلَا عَرَفْتُ لَهُ قَاتِلًا غَيْرَ فُلَانٍ) لِأَنَّهُ يُرِيدُ إِسْقَاطَ الخُصُومَةِ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ، فَلَا يُقْبَلُ فَيَحْلِفُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ بِالقَتْلِ عَلَى وَاحِدٍ صَارَ مُسْتَثْنَى عَنْ اليَمِينِ، فَبَقِيَ حُكْمُ مَنْ سِوَاهُ فَيَحْلِفُ عَلَيْهِ.
قَالَ: (وَإِذَا شَهِدَ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ المَحَلَّةِ عَلَى رَجُلٍ مِنْ غَيْرِهِمْ أَنَّهُ قَتَلَ: لَمْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا) وَهَكَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: تُقْبَلُ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا بِعَرْضِيَّةِ أَنْ يَصِيرُوا
النازلين في ذلك الموضع؛ لأن عنده السكان في المحلة كالملاك.
قوله: (وإذا قال المستحلف) بفتح اللام (قتله فلان) أي: في مسألة القسامة استحلف بالله ما قتلت ولا علمت له قاتلا غير فلان إلى آخره، هذا قول محمد.
وقال أبو يوسف: يحلف بالله ما قتلت فقط، ولا يحلف بالعلم؛ لأن فائدة التحليف على العلم أن يعترفوا أنا علمنا له قاتلًا فيصير ذلك سببًا لوجوب القصاص على القاتل، وقد اعترفوا بذلك يعني لا حاجة إلى التحليف.
وعند محمد: يحلفون بالله ما قتلنا، و [لا] (١) علمنا له قاتلا غير فلان، لجواز أنهم عرفوا قاتلا آخر مع فلان، وإنما عينوا فلانا ليسقطوا عن أنفسهم اليمين في حق غيره، فيحلفون على العلم ويستثنون منه فلانا؛ لأن الاستحلاف على العلم في حق فلان لا يفيد، أما في حق غيره يفيد، كذا في المبسوطين، والذخيرة.
وفي المغني، والفتوى: على قول محمد.
وفي المبسوط: لو أقام الولي شاهدين من غير أهل المحلة على ذلك الرجل فقد أثبت عليه القتل بالحجة، فيقضى عليه بموجبه، ولا يعرف فيه خلاف.
قوله: (وقالا: تُقبل)، وهو قياس قول الأئمة الثلاثة، كالوصي إذا أخرج من الوصاية بأن بلغ الغلام أو عزله القاضي.
(وعلى الأصلين هذين) أي: على الأصلين المجمع عليهما:
стр. 7283
خُصَمَاءَ (*)، وَقَدْ بَطَلَت العَرَضِيَّةُ بِدَعْوَى الوَلِيِّ القَتْلَ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ كَالوَكِيلِ بِالخُصُومَةِ إِذَا عُزِلَ قَبْلَ الخُصُومَةِ. وَلَهُ: أَنَّهُمْ خُصَمَاءُ بِإِنْزَالِهِمْ قَاتِلِينَ لِلتَّقْصِيرِ الصَّادِرِ مِنْهُمْ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَإِنْ خَرَجُوا مِنْ جُمْلَةِ الخُصُومِ كَالوَصِيِّ إِذَا خَرَجَ مِنْ الوِصَايَةِ بَعْدَمَا قَبِلَهَا ثُمَّ شَهِدَ. قَالَ ﵁: وَعَلَى هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ يَتَخَرَّجُ كَثِيرٌ مِنْ المَسَائِلِ مِنْ هَذَا الجِنْسِ، قَالَ: (وَلَوْ ادَّعَى عَلَى وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ المَحَلَّةِ بِعَيْنِهِ، فَشَهِدَ شَاهِدَانِ مِنْ أَهْلِهَا عَلَيْهِ، لَمْ تُقْبَل الشَّهَادَةُ) لِأَنَّ الخُصُومَةَ قَائِمَةٌ مَعَ
أحدهما: أن كل من انتصب خصمًا في حادثة ثم خرج من أن يكون خصمًا لم تقبل شهادته في تلك الحادثة بالإجماع، كالوكيل إذا خاصم ثم عزل.
والثاني: إذا كانت لرجل عرضية أن يصير خصمًا ثم بطلت هذه العرضية فشهد تقبل شهادته بالإجماع.
ثم في مسألتنا هذه ثم جعل شهادتهما هذه شهادة من انتصب خصمًا في حادثة ثم خرج من أن يكون خصمًا فشهد لم تقبل شهادتهما؛ لأن نفس وجود القتيل بين (١) أظهرهم جعلهم خصمًا، وجعلا شهادتهما هذه شهادة رجل له عرضية أن يصير خصمًا، ثم لم يصر خصمًا فتقبل، فإنهم إنما يكونون خصمًا إذا ادعى الولي عليهم، فإذا ادعى على غيرهم زالت هذه العرضية، وتبين أنهم لم يكونوا خصمًا في هذه الحادثة أصلا، فوجب قبول شهادتهم كالشفيع إذا شهد بالبيع بعدما سلم الشفعة تقبل شهادته، والوكيل بالخصومة إذا عزل قبل أن يخاصم.
وفي المبسوط، والإيضاح: فعند أبي حنيفة السبب الموجب للدية والقسامة وجود القتيل بين أظهرهم، كما قال عمر: "أُغرِّمُكُم لوجود القتيل بين أظهرِكُم"، وبدعوى الولي لا يتبين أن هذا السبب لم يكن، ولكن خرجوا من الخصومة بعد الدخول، ثم التخريج على الأصلين.
أما على الأصل الأول فمسألة الوكيل إذا خاصم ثم عزل، والوصي إذا
стр. 7284
الكُلُّ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ وَالشَّاهِدُ يَقْطَعُهَا عَنْ نَفْسِهِ، فَكَانَ مُتَهَمّا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ الشُّهُودَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، وَلَا يَزْدَادُونَ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ أَخْبَرُوا أَنَّهُمْ عَرَفُوا القَاتِلَ.
قَالَ: (وَمَنْ جُرِحَ فِي قَبِيلَةٍ، فَنُقِلَ إِلَى أَهْلِهِ فَمَاتَ مِنْ تِلْكَ الجِرَاحَةِ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبَ فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَ، فَالقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى القَبِيلَةِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا قَسَامَةَ وَلَا دِيَةَ) (*) لِأَنَّ الَّذِي حَصَلَ فِي القَبِيلَةِ وَالمَحَلَّةِ مَا دُونَ النَّفْسِ، وَلَا قَسَامَةَ فِيهِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ فِرَاشٍ وَلَهُ: أَنَّ الجُرْحَ إِذَا
خرج من الوصاية.
وعلى الأصل الثاني مسألة الشفيع والوكيل بالخصومة إذا عزل قبل الخصومة؛ لأنه تعرض أن يصير خصمًا بطلت الشفعة، وبالخصومة في الوكيل، فإذا سلم الشفعة أو عزل الوكيل قبل الخصومة بطلت العرضية.
وكذا الوارثان إذا شهدا بالدين على الميت وثمة وارث آخر ولم يطلبا الميراث قبلت شهادتهما؛ لأن الوارث مع الدين لا يصير خصمًا، فإن الدين مقدم، ولكنه يعترض أن يصير خصمًا بالطلب، فله قضاء الدين من موضع آخر، فإذا لم يطلب لم يكن خصمًا، إليه أشار في المبسوط، والإيضاح، والأسرار.
ولكن قال في الأسرار: فما قاله أبو حنيفة أظهر، وما قالاه أحق.
قوله: (فإن كان صاحب فراش حتى مات) يعني إذا صار صاحب فراش حين خرج في (١) تلك القبيلة.
(ثم نقل إلى أهله فمات) قيد به؛ لأنه لو كان صحيحًا يجيء ويذهب حين خرج ثم مات في أهله فلا (٢) شيء فيه، كذا في المبسوط.
قوله: (وقال أبو يوسف: لا ضمان فيه) أي لا دية ولا قسامة، وقيل: محمد معه، وهو قول ابن أبي ليلى، والأئمة الثلاثة.
стр. 7285
اتَّصَلَ بِهِ المَوْتُ صَارَ قَتْلًا، وَلِهَذَا وَجَبَ القِصَاصُ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبَ فِرَاشِ أُضِيفَ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ المَوْتُ مِنْ غَيْرِ الجَرْحِ، فَلَا يَلْزَمُ بِالشَّكْ.
(وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مَعَهُ جَرِيحٌ بِهِ رَمَقٌ، حَمَلَهُ إِنْسَانٌ إِلَى أَهْلِهِ فَمَكَثَ يَوْمًا، أَوْ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ مَاتَ، لَمْ يَضْمَنِ الَّذِي حَمَلَهُ إِلَى أَهْلِهِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَفِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَضْمَنُ) لِأَنَّ يَدَهُ بِمَنْزِلَةِ المَحَلَّةِ، فَوُجُودُهُ جَرِيحًا فِي يَدِهِ كَوُجُودِهِ فيهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَي القَوْلَيْنِ فِيمَا قَبْلَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ القَبِيلَةِ.
أما لا قسامة في الأطراف بلا خلاف بين أهل العلم، وكذا في الجراح إذا لم يكن صاحب فراش.
لأبي يوسف أن القسامة في القتيل الموجود في المحلة بالنص، على خلاف القياس، والجريح غير (١) القتيل؛ فصار كما لو لم يكن صاحب فراش.
(وله) أي: لأبي حنيفة (أن الجرح إذا اتصل به الموت صار قتلا) يعني إذا صار صاحب فراش يصير مريضًا، والمريض إذا اتصل به الموت يجعل كالميت من أول سببه.
ألا ترى أنه في حكم التصرفات جعل كالميت قبل الموت، فكذا في حكم القسامة والدية يجعل كأنه مات حين جرح في ذلك الموضع، بخلاف ما إذا لم يكن صاحب فراش فهو في حكم الصحيح، فلم يجعل كالميت في حق التصرفات، فكذا في حق القسامة والدية وإن ثبت بالنص على خلاف القياس، لكن روعي ما ورد فيه النص بقدر الإمكان، وقد ورد في قتيل يوجد في المحلة لا يعلم قاتله، فهنا أيضًا شرعًا يوجد في المحلة ولا يعرف قاتله، إليه أشار في المبسوط.
وعلى هذا الخلاف مسألة الجريح إذا وجد على ظهر إنسان يحمله إلى بيته فمات بعد يوم أو يومين، فإن كان صاحب فراش حتى مات فالدية والقسامة على الذي حمله عند أبي حنيفة.
وعندهما: لم يضمن، والوجه فيه كما في مسألة المجروح في المحلة.