(وَلَوْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مُعَسْكَرٍ أَقَامُوهُ بِفَلَاةٍ مِنْ الأَرْضِ، لَا مِلْكَ لِأَحَدٍ فِيهَا، فَإِنْ وُجِدَ فِي خِبَاءٍ أَوْ فُسْطَاطٍ فَعَلَى مَنْ يَسْكُنُهَا الدِّيَةُ وَالقَسَامَةُ، وَإِنْ كَانَ خَارِجًا مِنْ الفُسْطَاطِ، فَعَلَى أَقْرَبِ الأَخْبِيَةِ) اعْتِبَارًا لِلْيَدِ عِنْدَ انْعِدَامِ المِلْكِ (وَإِنْ كَانَ القَوْمُ لَقَوا قِتَالًا، وَوُجِدَ قَتِيلٌ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَلَا قَسَامَةَ وَلَا دِيَةَ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ العَدُوَّ قَتَلَهُ، فَكَانَ هَدَرًا، وَإِنْ لَمْ يَلْقَوْا عَدُوًّا فَعَلَى مَا بَيَّنَّاهُ (وَإِنْ كَانَ لِلْأَرْضِ مَالِكُ: فَالعَسْكَرُ كَالسُّكَّانِ، فَيَجِبُ عَلَى المَالِكِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.
وأما تعيين غيرهم ينافي ذلك؛ لأن ذلك بيان أن القاتل ليس منهم، وهم إنما يعرفون إذا كان القاتل منهم تقريرًا، ولم يثبت ذلك عند تعيين الولي غيرهم، إليه أشار في الذخيرة.
قوله: (في معسكر) بفتح الكاف: موضع العسكر، يقال عسكر الرجل عسكرا فهو معسكر بكسر الكاف، والموضع: معسكر بفتح الكاف.
الخباء: الخيمة من الصوف والفسطاط: الخيمة العظيمة.
(أقاموا الفلاة) (١) أي: بغير قتال.
قوله: (فعلى أقرب الأخبية)، وفي مبسوط شيخ الإسلام: هذا إذا نزلوا قبائل قبائل متفرقين، أما إذا نزلوا مختلطين فالدية والقسامة على الكل.
قوله: (لقوا قتالاً) فانتصاب قتالا على المفعول به أي: لقوا المسلمين مع المشركين قتالا، ويحتمل أن يكون على الحال أي: مقاتلين، وفي قوله: وإن لم يلقوا عدوا يحتمل انتصاب (عدوا) على الحال أي: مقاتلين (٢)، وعلى المفعول له أي: القتال.
قوله: (على ما ذكرنا)، وهو أنه لا معتبر بالسكان مع الملاك.
وفي المبسوط: قيل: في قياس قول أبي يوسف ينبغي أن يكون على
стр. 7282
قَالَ: (وَإِذَا قَالَ المُسْتَحْلَفُ: قَتَلَهُ فُلَانٌ، اسْتُحْلِفَ بِاللَّهِ مَا قَتَلْتُ، وَلَا عَرَفْتُ لَهُ قَاتِلًا غَيْرَ فُلَانٍ) لِأَنَّهُ يُرِيدُ إِسْقَاطَ الخُصُومَةِ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ، فَلَا يُقْبَلُ فَيَحْلِفُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ بِالقَتْلِ عَلَى وَاحِدٍ صَارَ مُسْتَثْنَى عَنْ اليَمِينِ، فَبَقِيَ حُكْمُ مَنْ سِوَاهُ فَيَحْلِفُ عَلَيْهِ.
قَالَ: (وَإِذَا شَهِدَ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ المَحَلَّةِ عَلَى رَجُلٍ مِنْ غَيْرِهِمْ أَنَّهُ قَتَلَ: لَمْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا) وَهَكَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: تُقْبَلُ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا بِعَرْضِيَّةِ أَنْ يَصِيرُوا
النازلين في ذلك الموضع؛ لأن عنده السكان في المحلة كالملاك.
قوله: (وإذا قال المستحلف) بفتح اللام (قتله فلان) أي: في مسألة القسامة استحلف بالله ما قتلت ولا علمت له قاتلا غير فلان إلى آخره، هذا قول محمد.
وقال أبو يوسف: يحلف بالله ما قتلت فقط، ولا يحلف بالعلم؛ لأن فائدة التحليف على العلم أن يعترفوا أنا علمنا له قاتلًا فيصير ذلك سببًا لوجوب القصاص على القاتل، وقد اعترفوا بذلك يعني لا حاجة إلى التحليف.
وعند محمد: يحلفون بالله ما قتلنا، و [لا] (١) علمنا له قاتلا غير فلان، لجواز أنهم عرفوا قاتلا آخر مع فلان، وإنما عينوا فلانا ليسقطوا عن أنفسهم اليمين في حق غيره، فيحلفون على العلم ويستثنون منه فلانا؛ لأن الاستحلاف على العلم في حق فلان لا يفيد، أما في حق غيره يفيد، كذا في المبسوطين، والذخيرة.
وفي المغني، والفتوى: على قول محمد.
وفي المبسوط: لو أقام الولي شاهدين من غير أهل المحلة على ذلك الرجل فقد أثبت عليه القتل بالحجة، فيقضى عليه بموجبه، ولا يعرف فيه خلاف.
قوله: (وقالا: تُقبل)، وهو قياس قول الأئمة الثلاثة، كالوصي إذا أخرج من الوصاية بأن بلغ الغلام أو عزله القاضي.
(وعلى الأصلين هذين) أي: على الأصلين المجمع عليهما:
стр. 7283
خُصَمَاءَ (*)، وَقَدْ بَطَلَت العَرَضِيَّةُ بِدَعْوَى الوَلِيِّ القَتْلَ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ كَالوَكِيلِ بِالخُصُومَةِ إِذَا عُزِلَ قَبْلَ الخُصُومَةِ. وَلَهُ: أَنَّهُمْ خُصَمَاءُ بِإِنْزَالِهِمْ قَاتِلِينَ لِلتَّقْصِيرِ الصَّادِرِ مِنْهُمْ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَإِنْ خَرَجُوا مِنْ جُمْلَةِ الخُصُومِ كَالوَصِيِّ إِذَا خَرَجَ مِنْ الوِصَايَةِ بَعْدَمَا قَبِلَهَا ثُمَّ شَهِدَ. قَالَ ﵁: وَعَلَى هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ يَتَخَرَّجُ كَثِيرٌ مِنْ المَسَائِلِ مِنْ هَذَا الجِنْسِ، قَالَ: (وَلَوْ ادَّعَى عَلَى وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ المَحَلَّةِ بِعَيْنِهِ، فَشَهِدَ شَاهِدَانِ مِنْ أَهْلِهَا عَلَيْهِ، لَمْ تُقْبَل الشَّهَادَةُ) لِأَنَّ الخُصُومَةَ قَائِمَةٌ مَعَ
أحدهما: أن كل من انتصب خصمًا في حادثة ثم خرج من أن يكون خصمًا لم تقبل شهادته في تلك الحادثة بالإجماع، كالوكيل إذا خاصم ثم عزل.
والثاني: إذا كانت لرجل عرضية أن يصير خصمًا ثم بطلت هذه العرضية فشهد تقبل شهادته بالإجماع.
ثم في مسألتنا هذه ثم جعل شهادتهما هذه شهادة من انتصب خصمًا في حادثة ثم خرج من أن يكون خصمًا فشهد لم تقبل شهادتهما؛ لأن نفس وجود القتيل بين (١) أظهرهم جعلهم خصمًا، وجعلا شهادتهما هذه شهادة رجل له عرضية أن يصير خصمًا، ثم لم يصر خصمًا فتقبل، فإنهم إنما يكونون خصمًا إذا ادعى الولي عليهم، فإذا ادعى على غيرهم زالت هذه العرضية، وتبين أنهم لم يكونوا خصمًا في هذه الحادثة أصلا، فوجب قبول شهادتهم كالشفيع إذا شهد بالبيع بعدما سلم الشفعة تقبل شهادته، والوكيل بالخصومة إذا عزل قبل أن يخاصم.
وفي المبسوط، والإيضاح: فعند أبي حنيفة السبب الموجب للدية والقسامة وجود القتيل بين أظهرهم، كما قال عمر: "أُغرِّمُكُم لوجود القتيل بين أظهرِكُم"، وبدعوى الولي لا يتبين أن هذا السبب لم يكن، ولكن خرجوا من الخصومة بعد الدخول، ثم التخريج على الأصلين.
أما على الأصل الأول فمسألة الوكيل إذا خاصم ثم عزل، والوصي إذا
стр. 7284
الكُلُّ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ وَالشَّاهِدُ يَقْطَعُهَا عَنْ نَفْسِهِ، فَكَانَ مُتَهَمّا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ الشُّهُودَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، وَلَا يَزْدَادُونَ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ أَخْبَرُوا أَنَّهُمْ عَرَفُوا القَاتِلَ.
قَالَ: (وَمَنْ جُرِحَ فِي قَبِيلَةٍ، فَنُقِلَ إِلَى أَهْلِهِ فَمَاتَ مِنْ تِلْكَ الجِرَاحَةِ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبَ فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَ، فَالقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى القَبِيلَةِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا قَسَامَةَ وَلَا دِيَةَ) (*) لِأَنَّ الَّذِي حَصَلَ فِي القَبِيلَةِ وَالمَحَلَّةِ مَا دُونَ النَّفْسِ، وَلَا قَسَامَةَ فِيهِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ فِرَاشٍ وَلَهُ: أَنَّ الجُرْحَ إِذَا
خرج من الوصاية.
وعلى الأصل الثاني مسألة الشفيع والوكيل بالخصومة إذا عزل قبل الخصومة؛ لأنه تعرض أن يصير خصمًا بطلت الشفعة، وبالخصومة في الوكيل، فإذا سلم الشفعة أو عزل الوكيل قبل الخصومة بطلت العرضية.
وكذا الوارثان إذا شهدا بالدين على الميت وثمة وارث آخر ولم يطلبا الميراث قبلت شهادتهما؛ لأن الوارث مع الدين لا يصير خصمًا، فإن الدين مقدم، ولكنه يعترض أن يصير خصمًا بالطلب، فله قضاء الدين من موضع آخر، فإذا لم يطلب لم يكن خصمًا، إليه أشار في المبسوط، والإيضاح، والأسرار.
ولكن قال في الأسرار: فما قاله أبو حنيفة أظهر، وما قالاه أحق.
قوله: (فإن كان صاحب فراش حتى مات) يعني إذا صار صاحب فراش حين خرج في (١) تلك القبيلة.
(ثم نقل إلى أهله فمات) قيد به؛ لأنه لو كان صحيحًا يجيء ويذهب حين خرج ثم مات في أهله فلا (٢) شيء فيه، كذا في المبسوط.
قوله: (وقال أبو يوسف: لا ضمان فيه) أي لا دية ولا قسامة، وقيل: محمد معه، وهو قول ابن أبي ليلى، والأئمة الثلاثة.
стр. 7285
اتَّصَلَ بِهِ المَوْتُ صَارَ قَتْلًا، وَلِهَذَا وَجَبَ القِصَاصُ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبَ فِرَاشِ أُضِيفَ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ المَوْتُ مِنْ غَيْرِ الجَرْحِ، فَلَا يَلْزَمُ بِالشَّكْ.
(وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مَعَهُ جَرِيحٌ بِهِ رَمَقٌ، حَمَلَهُ إِنْسَانٌ إِلَى أَهْلِهِ فَمَكَثَ يَوْمًا، أَوْ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ مَاتَ، لَمْ يَضْمَنِ الَّذِي حَمَلَهُ إِلَى أَهْلِهِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَفِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَضْمَنُ) لِأَنَّ يَدَهُ بِمَنْزِلَةِ المَحَلَّةِ، فَوُجُودُهُ جَرِيحًا فِي يَدِهِ كَوُجُودِهِ فيهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَي القَوْلَيْنِ فِيمَا قَبْلَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ القَبِيلَةِ.
أما لا قسامة في الأطراف بلا خلاف بين أهل العلم، وكذا في الجراح إذا لم يكن صاحب فراش.
لأبي يوسف أن القسامة في القتيل الموجود في المحلة بالنص، على خلاف القياس، والجريح غير (١) القتيل؛ فصار كما لو لم يكن صاحب فراش.
(وله) أي: لأبي حنيفة (أن الجرح إذا اتصل به الموت صار قتلا) يعني إذا صار صاحب فراش يصير مريضًا، والمريض إذا اتصل به الموت يجعل كالميت من أول سببه.
ألا ترى أنه في حكم التصرفات جعل كالميت قبل الموت، فكذا في حكم القسامة والدية يجعل كأنه مات حين جرح في ذلك الموضع، بخلاف ما إذا لم يكن صاحب فراش فهو في حكم الصحيح، فلم يجعل كالميت في حق التصرفات، فكذا في حق القسامة والدية وإن ثبت بالنص على خلاف القياس، لكن روعي ما ورد فيه النص بقدر الإمكان، وقد ورد في قتيل يوجد في المحلة لا يعلم قاتله، فهنا أيضًا شرعًا يوجد في المحلة ولا يعرف قاتله، إليه أشار في المبسوط.
وعلى هذا الخلاف مسألة الجريح إذا وجد على ظهر إنسان يحمله إلى بيته فمات بعد يوم أو يومين، فإن كان صاحب فراش حتى مات فالدية والقسامة على الذي حمله عند أبي حنيفة.
وعندهما: لم يضمن، والوجه فيه كما في مسألة المجروح في المحلة.
стр. 7286
(وَلَوْ وَجَدَ رَجُلٌ قَتِيلًا فِي دَارِ نَفْسِهِ: فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِوَرَثَتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ: لَا شَيْءَ فِيهِ) لِأَنَّ الدَّارَ فِي يَدِهِ حِينَ وُجِدَ الجَرِيحُ، فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ فَيَكُونُ هَدَرًا. وَلَهُ: أَنَّ القَسَامَةَ إِنَّمَا تَجِبُ بِنَاءً عَلَى ظُهُورِ القَتْلِ، وَلِهَذَا لَا يَدْخُلُ فِي الدِّيَةِ مَنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَحَالَ ظُهُورِ القَتْلِ الدَّارُ لِلْوَرَثَةِ،
وفي الإيضاح: هذه المسألة بناء على مسألة مرت. ووجه البناء: أن يد الحامل بمنزلة المحلة، فصار وجوده جريحًا في المحلة.
قوله: (فديته على عاقلته) أي: على عاقلة ورثته (لورثته)، وهو قياس قول أحمد والأوزاعي، فإن عندهما لو قتل نفسه خطأ تجب ديته على عاقلته، خلافا لباقي العلماء؛ لأنه لما وجد قتيلا كانت الدار مملوكة لورثته لا له؛ لأن الميت ليس بأهل ملك؛ فتكون الدية على عاقلة ورثته.
وإنما قال على عاقلته بناء على الظاهر؛ إذ الظاهر أن عاقلة الوارث والمورث متحد، فإن كان في موضع تختلف العاقلة ينبغي على قياس أن الدار مملوكة؛ لكونه على عاقلة الورثة، وهو الأصح على قياس أن غيره لو وجد قتيلا فيها كانت القسامة عليه دون عاقلته، والدية على عاقلة القتيل، كذا في المبسوط.
قوله: (لا شيء فيه) يعني يهدر دمه، وبه قال الشافعي، ومالك.
قوله: (فيجعل كأنه قتل نفسه فيهدر دمه) وهذا لأنه وجد غيره قتيلا في هذه الدار جعل هو كالمباشر لقتله في حكم الدية، فإذا وجد هو قتيلًا فيه يجعل كأنه باشر قتل نفسه فيهدر دمه.
(وله) أي: لأبي حنيفة سبب وجوب القسامة وجود القتيل في موضع يتوهم القتل فيه، كما نص عمر ﵁: «أغرمكم لوجود القتيل بين أظهركم»، ولهذا لو وجد غيره في ذلك الموضع كانت الدية على عاقلته، ألا ترى أن من [باشر] (١)
стр. 7287
فتَجِبُ عَلَى عَاقِلَتِهِمْ، بِخِلَافِ المُكَاتَبِ إِذَا وُجِدَ قَتِيلًا فِي دَارِ نَفْسِهِ، لِأَنَّ حَالَ ظُهُورِ قَتْلِهِ بَقِيَتْ الدَّارُ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ فَيُهْدَرُ دَمُهُ.
(وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ كَانَا فِي بَيْتٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمَا ثَالِثُ، فَوُجِدَ أَحَدُهُمَا مَذْبُوحًا، قَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَضْمَنُ الآخَرُ الدِّيَةَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَضْمَنُهُ) (*). لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ فَكَانَ التَّوَهُمُ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَتَلَهُ الْآخَرُ، فَلَا يَضْمَنُهُ بِالشَّكْ. وَلِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَقْتُلُ نَفْسَهُ، فَكَانَ التَّوَهُمُ سَاقِطًا. .........
مات قبل ذلك أي: قبل ظهور القتل.
(فتجب على عاقلتهم) أي: على عاقلة الورثة.
فإن قيل: كيف يستقيم وجوب الدية على العاقلة لهم؛ لأن العاقلة يعقلون عنهم؟
قلنا: الدية تجب للمقتول حتى يقضي منه ديونه وتنفذ وصاياه، ثم يحلف الوارث وهو نظير الصبي أو المعتوه، إذا قتل أباه تجب الدية على عاقلته، ويكون ميراثاً له.
قوله: (بقيت الدار على حكم ملكه) لبقاء عقد الكتابة، فلهذا جعل كأنه قتل نفسه، أما فيما نحن فيه حين وجود القتل الملك للورثة، فافترقا.
وفي الكافي: اختلف المشايخ في وجوب القسامة على عاقلته على قول أبي حنيفة.
واختار شمس الأئمة السرخسي: لا تجب القسامة هنا؛ لأنه لو وجد غيره قتيلا تكون القسامة عليه دون عاقلته، فإذا وجد هو قتيلا يتعذر إيجاب القسامة، بخلاف الدية.
قال أبو يوسف: يضمن الآخر الدية.
وقالت الأئمة الثلاثة: وجد قتيل لا يوجد بقربه إلا رجل معه سيف أو سكين ملطخ بدم، يغلب على الظن أنه قتله فهو لوث، وإلا لا.
стр. 7288
كَمَا إِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَحَلَّةٍ. وَلَوْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي قَرْيَةٍ لِامْرَأَةٍ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهَا القَسَامَةُ تُكَرَّرُ عَلَيْهَا الأَيْمَانُ، وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهَا، أَقْرَبِ القَبَائِلِ إِلَيْهَا فِي النَّسَبِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: القسامَةُ عَلَى العَاقِلَةِ أَيْضًا لِأَنَّ الفَسَامَةَ إِنَّمَا تَجِبُ عَلَى مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ، وَالمَرْأَةُ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِهَا، فَأَشْبَهَت الصَّبِيَّ. وَلَهُمَا: أَنَّ القَسَامَةَ لِنَفْيِ التَّهْمَةِ، وَتُهْمَةُ القَتْلِ مِنْ المَرْأَةِ مُتَحَقَّقَةٌ.
قَالَ المُتَأَخِّرُونَ: إِنَّ المَرْأَةَ تَدْخُلُ مَعَ العَاقِلَةِ فِي التَّحَمُّلِ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ، لِأَنَّا أَنْزَلْنَاهَا قَاتِلَةٌ، وَالقَاتِلُ يُشَارِكُ العَاقِلَةُ.
(وَلَوْ وُجِدَ رَجُلٌ قَتِيلًا فِي أَرْضِ رَجُلٍ إِلَى جَانِبِ قَرْيَةٍ لَيْسَ صَاحِبُ الْأَرْضِ مِنْ أَهْلِهَا، قَالَ: هُوَ عَلَى صَاحِبِ الأَرْضِ) لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِنُصْرَةِ أَرْضِهِ مِنْ أَهْلِ القَرْيَةِ.
قوله: (كما إذا وجد قتيل في محلة) فإن توهم قتل نفسه ساقط هناك، فكذا هاهنا.
قوله: (قال المتأخرون) أي: من أصحابنا: (إن المرأة تدخل مع العاقلة في هذه) قيد به؛ لأن المرأة لا تدخل مع العواقل في تحمل الدية في صورة من الصور على ما يجيء في العواقل؛ لأن النصرة لا تقوم بها.
أما إذا كانت هي المباشرة للقتل فعليها جزء من الدية؛ لأن القتل واحد من العواقل؛ باعتبار مباشرته فإنه لما وجب على غير المباشر لأجله فعلى المباشر أولى، فكذلك هاهنا وجوب جزء على المالك باعتبار أن التدبير وحفظه في ملكه له، وفي هذا الرجل والمرأة سواء بخلاف الصبي؛ لأنه ليس له رأي في ذلك، وإنما الرأي لعشيرته خاصة، كذا في المبسوط.
قوله: (ليس صاحب الأرض من أهلها) أي: من أهل القرية (فهو) أي: وجوب القسامة والدية على صاحب الأرض دون أهل القرية؛ لأن التدبير في حفظ الملك الخاص إلى المالك دون غيره فيجعل كأن المالك هو القاتل، كذا في المبسوط.
стр. 7289
كِتَابُ المَعَاقِلِ
المَعَاقِلُ: جَمْعُ مَعْقُلَةٍ، … ... ..
(كِتَابُ الْمَعَاقِلِ)
لما بين أحكام القتل الخطأ وتوابعه وأحكامه شرع في بيان من تجب عليه الدية، إذ لا بد من معرفتها، ومن محاسنه المعاونة لمن لحقه الجبران بسبب الخطأ.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: طعن بعض الملحدين من مبطلي الرسل على هذا، وقال: لا جناية من العاقلة، ووجوب الدية باعتبارها، فيكون في مال القاتل.
وحكي ذلك عن أبي بكر الأصم، والخوارج أنهم قالوا: تجب الدية في مال القاتل، يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، وقوله ﷺ : «ألا لا تَجني نفس على نفسٍ أُخرى».
ألا ترى أن من أتلف دابة قيمته تجحف بمال المتلف لا يجب الضمان على العاقلة.
قلنا: إيجاب الدية على العاقلة مشهورة ثبتت بالأحاديث المشهورة، وعليه عمل الصحابة والتابعين، فيزاد على كتاب الله تعالى.
وأما الآية فتدل على أنه لا تحمل وازرة وزر أخرى، وهذا مسلم، لكن العاقلة يتحملون باعتبار تقصيرهم بتركهم حفظه ومراقبته، وإنما خصوا بالضم لما ذكر في الكتاب، وكانوا قبل الشرع تحملوا الدية، فإن عشيرة القبائل كانوا يتحملون تكرما واصطناعًا بالمعروف كيلا يجحف المعذور، فالشرع قرر ذلك، وتوجد هذه العادة بين الناس، فإن من لحقه خسران من سرق أو حرق يجتمعون ويجمعون له مالا لهذا المعنى، فأوجب الشرع للعقل في الخطأ على ما اعتادوا تكرما واصطناعًا بالمعروف.
قوله: (المعاقل جمع معقلة) بضم القاف، وسَمَّى الدية عقلا ومعقلة باعتبار
стр. 7290
وَهِيَ الدِّيَةُ، وَتُسَمَّى الدِّيَةُ عَقْلًا لِأَنَّهَا تَعْقِلُ الدِّمَاءَ مِنْ أَنْ تُسْفَكَ: أَيْ تُمْسِكُ. قَالَ: (وَالدِّيَةُ فِي شِبْهِ العَمْدِ وَالخَطَإِ، وَكُلُّ دِيَةٍ تَجِبُ بِنَفْسِ القَتْلِ عَلَى العَاقِلَةِ، وَالعَاقِلَةُ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ) يَعْنِي يُؤَدُّونَ العَقْلَ وَهُوَ الدِّيَةُ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الدِّيَاتِ. وَالأَصْلُ فِي وُجُوبِهَا عَلَى العَاقِلَةِ قَوْلُهُ ﵊ فِي حَدِيثِ حَمَلِ بْنِ مَالِكِ ﵁ لِلْأَوْلِيَاءِ: «قُومُوا فَدُوهُ» وَلِأَنَّ النَّفْسَ مُحْتَرَمَةٌ لَا وَجْهَ إِلَى الإِهْدَارِ، وَالخَاطِئُ مَعْذُورٌ، وَكَذَا الَّذِي تَوَلَّى شِبْهَ العَمْدِ، نَظَرًا إِلَى الآلَةِ، فَلَا وَجْهَ إِلَى إِيجَابِ العُقُوبَةِ عَلَيْهِ، وَفِي إِيجَابِ مَالِ عَظِيمٍ إِجْحَافُهُ وَاسْتِنْصَالُهُ، فَيَصِيرُ عُقُوبَةٌ، فَضْمَ إِلَيْهِ العَاقِلَةُ تَحْقِيقًا لِلتَّخْفِيفِ، وَإِنَّمَا خُصُّوا بِالضَّمِّ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا قَصَّرَ لِقُوَّةٍ فِيهِ، وَتِلْكَ بِأَنْصَارِهِ،
منعه من سفك الدم، والمعنى الجامع اللغوي المنع، وسمي العقل عقلا؛ لأنه يمنع عن الجري على موجب الهوى، ومنه العقال.
وقوله: (وكل دية وجبت بنفس القتل) مبتدأ، وقوله: (على العاقلة) خبره. والمراد بقوله: (بنفس القتل) ابتداء، ويحترز عن دية تجب بسبب الصلح في القتل العمد أو بسبب الأبوة فهي في مال القاتل لا العاقلة.
(وقد ذكرناه) أي: الدية بتأويل العقل في حديث حَمَل بن مالك، وقد مر قصته في فصل الجنين.
قوله: (وهو الذي تولى شبه العمد) وهو الذي ضربه بالسوط الصغير حتى قتله، يقال أجحف به أي: أهلكه واستأصله.
قوله: (لأنه) أي: القاتل (إنما قصر) أي: في حالة الرمي مثلا في التثبت والتوقف لقوة [فيه] (١) في القاتل (وتلك) أي: تلك القوة (بأنصاره) أي: تلك القوة يجد المرء في نفسه بكثرة أعوانه وأنصاره، وإنما ينصره عاقلته فخصوا به وإن لم يعلموا.
الديوان: الجريدة من دون الكتب إذا جمعها؛ لأنها قطع من القراطيس مجموعة.
стр. 7291
وَهُمُ العَاقِلَةُ، فَكَانُوا هُمُ المُقَصِّرِينَ فِي تَرْكِهِمْ مُرَاقَبَتَهُ فَخُصُّوا بِهِ.
قَالَ: (وَالعَاقِلَةُ: أَهْلُ الدِّيوَانِ إِنْ كَانَ القَاتِلُ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ، يُؤْخَذُ مِنْ عَطَايَاهُمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ) وَأَهْلُ الدِّيوَانِ أَهْلُ الرَّايَاتِ، وَهُمُ الجَيْشُ الَّذِينَ كُتِبَتْ أَسَامِيهِمْ فِي الدِّيوَانِ، وَهَذَا عِنْدَنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الدِّيَةُ عَلَى أَهْلِ العَشِيرَةِ، لِأَنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﵊.
ويروى أن عمر ﵁ أول من دون الدواوين أي: رتب الجرائد للولاة والقضاة، يقال: فلان من أهل الديوان أي: ممن أثبت اسمه في الجريدة.
والعطاء: ما يفرض للمقاتلة، والرزق: ما يفرض لفقراء المسلمين إذا لم يكونوا مقاتلة، كذا في المغرب.
وقيل: العطاء: ما يخرج للجندي من بيت المال سنة مرة أو مرتين، والرزق: ما يخرج له كل شهر، وعن الحلواني: كل سنة أو شهر، وقيل كل يوم.
قوله: (وقال الشافعي: الدية على أهل العشيرة) وهم العصبات، وبه قال مالك، وأحمد، وأكثر أهل العلم.
وكل من عدا العصبة ليس من العاقلة، واختلف في الآباء والبنين، فقال الشافعي وأحمد في رواية: ليس آباؤه وأبناؤه وإن علا وسفل من العاقلة؛ لما روى أبو هريرة ﵁ أن امرأتين (١) من هذيل اقتتلتا، فرمت إحداهما بحجر فقتلت الأخرى، فاختصموا إلى النبي ﷺ فقضى بديتها على عاقلتها، وورثها ولدها، وفي رواية جعل العقل على العصبة، وميراثها لبنيها، رواه أبو داود والنسائي.
وفي رواية عن جابر ﷺ أنه جعل ديتها على عاقلتها، وبرأ زوجها وولدها، فقالت عاقلة المقتول: ميراثها لنا، فقال ﷺ : «ميراثها لِزَوجِها وَوَلَدِها» رواه أبو داود.
стр. 7292
وَلَا نَسْخَ بَعْدَهُ، وَلِأَنَّهُ صِلَةٌ، وَالأَوْلَى بِهَا الأَقَارِبُ. وَلَنَا قَضِيَّةُ عُمَرَ ﵁ فَإِنَّهُ لَمَّا دَوَّنَ الدَّوَاوِينَ جَعَلَ العَقْلَ عَلَى أَهْلِ الدِّيوَانِ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنْ غَيْرِ نَكِيرِ مِنْهُمْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِنَسْخِ، بَلْ هُوَ تَقْرِيرُ مَعْنَى، لِأَنَّ العَقْلَ كَانَ عَلَى أَهْلِ النُّصْرَةِ، وَقَدْ كَانَتْ بِأَنْوَاعِ: بِالقَرَابَةِ، وَالحِلْفِ، وَالوَلَاءِ وَالعَدِّ.
وإذا ثبت هذا في الأولاد ألحقنا الولد به؛ لأنه في معناه.
وقال مالك، وأحمد في رواية: يدخل في العاقلة أبو القاتل وابنه، وهو قولنا عند عدم أهل الديوان.
وعن بعض مشايخنا: لا يدخلون كما يجيء لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قضى أن عقل المرأة بين عصبتها من كانوا لا يرثون منها شيئًا إلا ما فضل عن ورثتها رواه أبو داود.
ولأن العقل موضوع على التناصر من أهله وأنهم عصبة فأشبهوا الإخوة.
قوله: (ولا نسخ بعده)؛ لأنه لا يكون إلا بوحي على لسان نبي، ولا نبي بعده (ولأنه) أي: العقل (صلة)، والأقارب أحق بالصلات كالإرث والنفقات.
قوله: (من غير نكير منهم) أي: من الصحابة، وكان إجماعًا.
فإن قيل: هذا إجماع على خلاف ما قضى رسول الله ﷺ ، فكيف يظن بهم؟
قلنا: هذا إجماع على وفاق ما قضى رسول الله ﷺ ، وإنما قضى على العشيرة باعتبار النصرة، ولهذا لا يؤخذ من النسوان والصبيان من عشيرته؛ لأنهم ليسوا من أهل النصرة، ثم لما دون عمر الدواوين صارت النصرة بالديوان، فقضى بالدية على أهل الديوان.
وقد روي أن يوم الجمل وصفين جعل بإزاء كل قبيلة من كان من أهل تلك القبيلة ليكونوا هم الذين يقاتلون قومهم، وهذا معنى قول الشيخ: (ذلك بنسخ) إلى آخره.
وذكر ابن قدامة الحنبلي في المغني: وقضاء النبي ﷺ أولى من قضاء عمر.
قلنا: مسلم إذا كان قضاؤهم مخالفًا وليس كذلك لما بيناه.
(الحلف) أي: العهد، والمراد هنا ولاء الموالاة، والحلف بكسر الحاء
стр. 7293
وَفِي عَهْدِ عُمَرَ ﵁ قَدْ صَارَتْ بِالدِّيوَانِ، فَجَعَلَهَا عَلَى أَهْلِهِ اتِّبَاعًا لِلْمَعْنَى، وَلِهَذَا قَالُوا: لَوْ كَانَ اليَوْمَ قَوْمٌ تَنَاصُرُهُمْ بِالحِرَفِ فَعَاقِلَتُهُمْ أَهْلُ الحِرْفَةِ، وَإِنْ كَانَ بِالحِلْفِ فَأَهْلُهُ وَالدِّيَةُ صِلَةٌ كَمَا قَالَ، لَكِنَّ إِيجَابَهَا فِيمَا هُوَ صِلَةٌ - وَهُوَ العَطَاءُ - أَوْلَى مِنْهُ فِي أُصُولِ أَمْوَالِهِمْ، وَالتَّقْدِيرُ بِثَلَاثِ سِنِينَ مَرْوِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ وَمَحْكِيٌّ عَنْ عُمَرَ ﵁، وَلِأَنَّ الأَخْذَ مِنْ العَطَاءِ لِلتَّخْفِيفِ، وَالعَطَاءُ يَخْرُجُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةٌ (فَإِنْ خَرَجَتْ العَطَايَا فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ، أَوْ أَقَلَّ، أُخِذَ مِنْهَا) لِحُصُولِ المَقْصُودِ، وَتَأْوِيلُهُ: إِذَا كَانَتْ العَطَايَا لِلسِّنِينَ المُسْتَقْبِلَةِ بَعْدَ القَضَاءِ، حَتَّى لَوِ اجْتَمَعَتْ فِي السِّنِينَ المَاضِيَةِ قَبْلَ القَضَاءِ، ثُمَّ خَرَجَتْ بَعْدَ القَضَاءِ، لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا، لِأَنَّ الوُجُوبَ بِالقَضَاءِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَوْ خَرَجَ لِلْقَاتِلِ ثَلَاثُ عَطَايَا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، مَعْنَاهُ فِي المُسْتَقْبِلِ، يُؤْخَذُ مِنْهَا كُلُّ الدِّيَةِ، لِمَا ذَكَرْنَا، وَإِذَا كَانَ جَمِيعُ الدِّيَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، فَكُلُّ ثُلُثِ مِنْهَا فِي سَنَةٍ، وَإِنْ كَانَ الوَاجِبُ بِالعَقْلِ ثُلُثَ دِيَةِ النَّفْسِ، أَوْ أَقَلَّ، كَانَ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ إِلَى تَمَامِ الثُّلُثَيْنِ
العهد بين القوم، والمراد بالولاء ولاء العتاقة، [والعدد] (١) وفي بعض النسخ والعديد، وهو أن يعد منهم، يقال: فلان عديد بني فلان أي: يعد فيهم.
قوله: (أولى منه) أي: من الإيجاب (في أصول أموالهم).
قوله: (مروي عنه ﵊ محكي عن عمر) وعلي أيضًا، ولا خلاف لأهل العلم فيه، ولأن الدية فرضت في عطيته في كل عطية يخرج له ثلث الدية؛ فيكون جميع الدية مفروضًا في ثلاث عطيات، وثلاث عطيات مؤجلة بثلاث سنين، فأخذت الدية أيضًا في ثلاث سنين ضرورة، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
قوله: (ولو خرج للقاتل) وفي بعض النسخ (للقابل) أي: للعام القابل، وهو الأصح.
وقوله: (لما ذكرنا) إشارة إلى قوله: (لأن الوجوب بالقضاء).
стр. 7294
فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ إِلَى تَمَامِ الدِّيَةِ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ، وَمَا وَجَبَ عَلَى العَاقِلَةِ مِنْ الدِّيَةِ، أَوْ عَلَى القَاتِلِ، بِأَنْ قَتَلَ الأَبُ ابْنَهُ عَمْدًا، فَهُوَ فِي مَالِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَمَا وَجَبَ عَلَى القَاتِلِ فِي مَالِهِ فَهُوَ حَالٌ، لِأَنَّ التَّأْجِيلَ لِلتَّخْفِيفِ لِتَحَوُّلِ العَاقِلَةِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ العَمْدُ المَحْضُ.
وَلَنَا: أَنَّ القِيَاسَ يَأْبَاهُ، وَالشَّرْعَ وَرَدَ بِهِ مُؤَجَّلًا، فَلَا يَتَعَدَّاهُ.
وَلَوْ قَتَلَ عَشَرَةٌ رَجُلًا خَطَأً: فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ عُشْرُ الدِّيَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، اعْتِبَارًا لِلْجُزْءِ بِالكُلِّ، إِذْ هُوَ بَدَلُ النَّفْسِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ مُدَّةُ ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ وَقْتِ القَضَاءِ بِالدِّيَةِ لِأَنَّ الوَاجِبَ الأَصْلِيَّ المِثْلُ، وَالتَّحَوُّلَ إِلَى القِيمَةِ بِالقَضَاءِ، فَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ وَقْتِهِ كَمَا فِي وَلَدِ المَغْرُورِ.
قوله: (وقال الشافعي: ما وجب في مال القاتل فهو حال)، وبه قال مالك، وأحمد، وقد مرت المسألة.
ولنا أن القياس يأباه أي: إيجاب المال بمقابلة النفس؛ لعدم المماثلة بينهما كما ذكر في الأصول، ولكن الشرع ورد (به) أي: بإيجاب المال بمقابلة النفس إذا كان القتل خطأ صونا للدم عن الهدر (مؤجلا فلا يتعداه).
قوله: (إنما يعتبر مدة ثلاث سنين من وقت القضاء) هذا هو الموعود قبله.
وقالت الأئمة الثلاثة: من حين القتل؛ لأنه سبب وجوبه.
وقلنا: إن وجوب المال بالقضاء، وقبل القضاء ليس بواجب؛ لأن ضمان المتلفات تكون بالمثل بالنص، ومثل النفس النفس؛ لأنه إذا رفع إلى القاضي، وتحقق العجز عن استيفاء النفس لما فيه من معنى العقوبة، وهو مرفوع عن الخاطئ تحول الحق بقضائه إلى المال كما في ولد المغرور، فإن قيمة المال تجب بالقصاص؛ لتحقق العجز من رد العين، ولهذا لو هلك الولد قبل القضاء لم يضمن شيئًا، فاعتبر قيمته يوم القضاء، وهو نظير الأجل (١) في حق العنين، فإنه معتبر من وقت الخصومة.
стр. 7295
قَالَ: (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ، فَعَاقِلَتُهُ قَبِيلَتُهُ) لِأَنَّ نُصْرَتَهُ بِهِمْ، وَهِيَ المُعْتَبَرَةُ فِي التَّعَاقُلِ. قَالَ: (وَتُقْسَمُ عَلَيْهِمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، لَا يُزَادُ الوَاحِدُ عَلَى أَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَيَنْقُصُ مِنْهَا) قَالَ ﵁: كَذَا ذَكَرَهُ القُدُورِيُّ ﵀ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يُزَادُ عَلَى أَرْبَعَةٍ مِنْ جَمِيعِ الدِّيَةِ، وَقَدْ نَصَّ مُحَمَّدٌ ﵀ عَلَى أَنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ جَمِيعِ الدِّيَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ عَلَى ثَلَاثَةٍ، أَوْ أَرْبَعَةِ، فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ إِلَّا دِرْهَمْ، أَوْ دِرْهَمٌ وَثُلُثُ دِرْهَمٍ، وَهُوَ الأصح.
قوله: (فعاقلته قبيلته) أي: أقاربه (وهي) أي: النصرة (المعتبرة في التعاقل)، فصارت حالته كحال من كان على عهد رسول الله ﷺ ، وقد بينا أنه قضى بالعقل على الأقارب.
وأفتى أبو الليث، وأبو جعفر الهندواني، وظهير الدين المرغيناني: أنه لا عاقلة للعجم؛ لأنهم ضيعوا أنسابهم، ولا يتناصرون فيما بينهم، وهو الأشبه، وأكثر المشايخ قالوا: لا للعجم عاقلة؛ لأن لهم عادة في التناصر كالكلاباذي، ودرب الخشابين ببخاري، والسراجين والصرافين بسمرقند، وبه كان يفتي محمد بن سلمة، وشمس الأئمة الحلواني.
فعلى هذا القياس طلبة العلم يكون بعضهم عاقلة بعض.
وقال الإسبيجابي: أهل صناعة القاتل عاقلته وديوانه، ولكن يشترط أن يكونوا يتناصرون بها، وهو اختيار كثير من المشايخ، كذا في المغني.
قوله: (وهذا إشارة) أي: قوله (على أربعة دراهم في كل سنة) إشارة إلى أنه يزاد على أربعة من جميع الدية؛ لأنه قيد نفي الزيادة على أربعة في حق السنة الواحدة لا في ثلاث سنين، فكان المأخوذ من كل واحد في ثلاث سنين أكثر من أربعة اثني عشر درهما، وهكذا ظن بعض مشايخنا، وهذا غلط (لأن محمدا نص) إلى آخره (وهو الأصح).
وقال مالك، وأحمد في رواية: لا تقدير فيه، فيحملون ما يطيقون؛ إذ التقدير لا يثبت إلا بالتوقيف، ولا نص فيه، فيفوض إلى رأي الحاكم كتقادير النفقات.
стр. 7296
قَالَ: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَتَّسِعُ القَبِيلَةُ لِذَلِكَ: ضُمَّ إِلَيْهِمْ أَقْرَبُ القَبَائِلِ) مَعْنَاهُ: نَسَبًا، كُلُّ ذَلِكَ لِمَعْنَى التَّخْفِيفِ، وَيُضَمُّ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ عَلَى تَرْتِيبِ العَصَبَاتِ: الإِخْوَةُ
وقال الشافعي وأحمد في رواية: يجب على الغني نصف الدينار؛ لأنه أقل ما يتقدر في الزكاة، وعلى المتوسط ربع الدينار؛ لأن ما دون ذلك تافه لا تقطع اليد فيه.
وقالت عائشة: لا تقطع اليد في التافه.
وقلنا: العقل صلة تجب على سبيل المواساة كالنفقة، فيستوي فيه الغني والمتوسط، واختلف القائلون بالتقدير بنصف دينار وربعه.
وقال بعضهم: يتكرر الواجب في الأعوام، فيكون الواجب على الغني في ثلاث سنين دينارًا ونصفًا، وعلى المتوسط ثلاثة أرباع دينار.
وقال بعضهم: لا يتكرر؛ لأن في إيجاب الزيادة على النصف إيجاب زيادة على أقل الزكاة، فيكون مضرا، ويعتبر الغنى والتوسط عند رأس الحول كالزكاة.
ولو اجتمع من العاقلة عدد كثير فقال الشافعي في قول، وأحمد: يقسم على جميعهم بحسب الغنى والتوسط؛ لاستوائهم في القرابة كالميراث.
وقال الشافعي في آخر: يخص الحاكم من شاء منهم، فيفرض عليهم هذا العدد؛ لئلا ينقص عن القدر الواجب، فيصير إلى الشيء التافه.
قوله: (معناه: نسبًا)، وفي الذخيرة: قال المشايخ: هذا الجواب إنما يستقيم في حق العرب؛ لأنهم حفظوا أنسابهم، فأمكنا إيجاب العقل على أقرب القبائل من حيث النسب، أما (١) لا يستقيم في حق العجم؛ لأنهم ضيعوا أنسابهم، فبعد ذلك اختلف المشايخ.
قال بعضهم: يعتبر المحال، والقرى الأقرب فالأقرب.
وقال بعضهم: يجب الباقي في مال الجاني، هذا الذي ذكرنا فيما إذا كان للجاني عاقلة، فأما إذا لم يكن له عاقلة فعقله في بيت المال، ويجيء بيان الخلاف فيه.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجِبُ عَلَى القَاتِلِ شَيْءٌ مِنْ الدِّيَةِ، اعْتِبَارًا لِلْجُزْءِ بِالكُلِّ فِي النَّفْيِ عَنْهُ، وَالجَامِعُ كَوْنُهُ مَعْذُورًا.
قُلْنَا: إِيجَابُ الكُلِّ إِجْحَافٌ بِهِ، وَلَا كَذَلِكَ إِيجَابُ الجُزْءِ، وَلَوْ كَانَ الخَاطِئُ مَعْذُورًا، فَالبَرِيءُ مِنْهُ أَوْلَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. (وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ مِمَّنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ فِي الدِّيوَانِ عَقْلُ) لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁: لَا يَعْقِلُ مَعَ العَاقِلَةِ صَبِيٌّ وَلَا امْرَأَةٌ، وَلِأَنَّ العَقْلَ إِنَّمَا يَجِبُ عَلَى أَهْلِ النُّصْرَةِ
وقال الشافعي: لا يجب على القاتل، وبه قال مالك، وأحمد؛ لما روي أنه ﷺ قضى بالدية على العاقلة متفق عليه.
وهذا يقتضي أنه قضى بجميعها، ويعتبر الجزء بالكل؛ لأن الخطأ مرفوع بالحديث، وإنما يتحقق ذلك إذا لم يكن عليه شيء من الدية، وكذا المعنى الذي يوجب نفي سائر الأجزاء عنه، وهو النصرة أو الصلة بمقتضى نفي هذا الجزء عنه.
ولنا أن الإيجاب على العاقلة لدفع الإجحاف، وذا في الكل لا في الجزء؛ لأن الإيجاب عليهم باعتبار النصرة، ولا شك أنه ينصر نفسه كما ينصر غيره.
(والبريء عنه) أي: عن الخطأ (أولى) يعني غير الجاني أبعد من المؤاخذة من الجاني المعذور، فإذا وجب على كل واحد من العاقلة جزء من الدية مع أنه بريء، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، فلأن يجب عليه وهو جان أولى.
(وليس على النساء والذرية) أي: على من يبلغ شيء.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن المرأة والصبي لا يعقلان مع العاقلة، وكذا على الفقير، وهو قول مالك والشافعي، وأصحاب الظاهر.
وحكى بعض أصحابنا عن مالك، وأبي حنيفة أن الفقير يدخل في التحمل، وهو رواية عن أحمد؛ لأنه من أهل النصرة، فكان كالغني.
والصحيح الأول؛ لأن تحمل العاقلة مواساة فلا يلزم الفقير كالزكاة والنفقة.
стр. 7299
لِتَرْكِهِمْ مُرَاقَبَتَهُ، وَالنَّاسُ لَا يَتَنَاصَرُونَ بِالصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ، وَلِهَذَا لَا يُوضَعُ عَلَيْهِمْ مَا هُوَ خَلَفٌ عَنِ النُّصْرَةِ، وَهُوَ الجِزْيَةُ، وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ القَاتِلُ صَبِيًّا، أَوْ امْرَأَةً، لَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا مِنْ الدِّيَةِ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ، لِأَنَّ وُجُوبَ جُزْءٍ مِنْ الدِّيَةِ عَلَى القَاتِلِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَحَدُ العَوَاقِلِ، لِأَنَّهُ يَنْصُرُ نَفْسَهُ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِيهِمَا، وَالفَرْضُ لَهُمَا مِنْ العَطَاءِ لِلْمَعُونَةِ لَا لِلنُّصْرَةِ كَفَرْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﵊ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ.
(وَلَا يَعْقِلُ أَهْلُ مِصْرٍ عَنْ مِصْرٍ آخَرَ يُرِيدُ بِهِ، أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِأَهْلِ كُلِّ مِصْرٍ دِيوَانٌ عَلَى حِدَةٍ، لِأَنَّ التَّنَاصُرَ بِالدِّيوَانِ عِنْدَ وُجُودِهِ، وَلَوْ كَانَ بِاعْتِبَارِ القُرْبِ فِي السُّكْنَى، فَأَهْلُ مِصْرِهِ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِ مِصْرٍ آخَرَ وَيَعْقِلُ أَهْلُ كُلِّ مِصْرٍ مِنْ أَهْلِ سَوَادِهِمْ) لِأَنَّهُمْ أَتْبَاعٌ لِأَهْلِ المِصْرِ، فَإِنَّهُمْ إِذَا حَزَبَهُمْ أَمْرٌ اسْتَنْصَرُوا بِهِمْ، فَيَعْقِلُهُمْ أَهْلُ
قوله: (وعلى هذا لو كان القاتل صبيا، أو امرأة لا شيء عليهما من الدية)، وفي فتاوى قاضي خان: لو كان القاتل امرأة أو صبيا هل يجب عليهما شيء؟
اختلف المشايخ فيه، والصحيح أن القاتل يشارك العاقلة سواء كان صبيا أو امرأة أو مجنونا، وكذا أبو القاتل وابنه من العاقلة، والزوج لا يكون عاقلة المرأة، وكذا المرأة لا تكون عاقلة الزوج، وكذا في المغني.
وفي الأب والابن خلاف الشافعي، وقدم (١) هذه المسألة مخالفة لما مر قبيل كتاب المعاقل أنه لو وجد قتيل في دار امرأة أن القاتلة تشارك العاقلة عند المتأخرين، يمكن أن يكون هذا على رواية المتقدمين أن المرأة لا تدخل في العواقل في صورة من الصور.
قوله: (والفرض لهما للمعونة) أي: في معاشهما (لا للنصرة)، وهذا جواب سؤال مقدر، وهو [أن] (٢) يقال: يفرض الإمام لنا الغزاة وذرياتهم من العطاء، والعطاء يدفع للنصرة، فأجاب أن (الفرض لهما باعتبار المعونة) إلى آخره.
стр. 7300
المِصْرِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى القُرْبِ فِي النُّصْرَةِ (وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ بِالبَصْرَةِ وَدِيوَانُهُ بِالكُوفَةِ، عَقَلَ عَنْهُ أَهْلُ الكُوفَةِ) لِأَنَّهُ يَسْتَنْصِرُ بِأَهْلِ دِيوَانِهِ لَا بِجِيرَانِهِ.
وَالحَاصِلُ: أَنَّ الاِسْتِنْصَارَ بِالدِّيوَانِ أَظْهَرُ، فَلَا يَظْهَرُ مَعَهُ حُكْمُ النُّصْرَةِ بِالقَرَابَةِ، وَالنَّسَبِ، وَالوَلَاءِ، وَقُرْبِ السُّكْنَى وَغَيْرِهِ، وَبَعْدَ الدِّيوَانِ النُّصْرَةُ بِالنَّسَبِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ كَثِيرٌ مِنْ صُوَرِ مَسَائِلِ المَعَاقِلِ (وَمَنْ جَنَى جِنَايَةً مِنْ أَهْلِ المِصْرِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الدِّيوَانِ عَطَاءٌ، وَأَهْلُ البَادِيَةِ أَقْرَبُ إِلَيْهِ، وَمَسْكَنُهُ المِصْرُ، عَقَلَ عَنْهُ أَهْلُ الدِّيوَانِ مِنْ ذَلِكَ المِصْرِ) وَلَمْ يُشْتَرَطْ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ الدِّيوَانِ قَرَابَةٌ، قِيلَ: هُوَ صَحِيحٌ، لِأَنَّ الَّذِينَ يَذُبُّونَ عَنْ أَهْلِ المِصْرِ، وَيَقُومُونَ بِنُصْرَتِهِمْ، وَيَدْفَعُونَ عَنْهُمْ أَهْلُ الدِّيوَانِ مِنْ أَهْلِ المِصْرِ وَلَا يَخُصُّونَ بِهِ أَهْلَ العَطَاءِ.
وَقِيلَ تَأْوِيلُهُ: إِذَا كَانَ قَرِيبًا لَهُمْ، وَفِي الكِتَابِ إِشَارَةٌ إِلَيْهِ حَيْثُ قَالَ: وَأَهْلُ البَادِيَةِ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِ مِصْرٍ، وَهَذَا لِأَنَّ الوُجُوبَ عَلَيْهِمْ بِحُكْمِ القَرَابَةِ، وَأَهْلُ المِصْرِ أَقْرَبُ مِنْهُمْ مَكَانًا، فَكَانَتْ القُدْرَةُ عَلَى النُّصْرَةِ لَهُمْ.
قوله: (فالحاصل أن الاستنصار بالديوان أظهر) عندنا وقد مر خلاف الأئمة الثلاثة.
وعن هذا قال في المبسوط: لو أن أخوين لأب وأم ديوان أحدهما بالكوفة وديوان الآخر بالبصرة لم يعقل أحدهما عن صاحبه، وإنما يعقل عن كل واحد أهل ديوانه.
وقوله: (وغيره) هو العد والحلف وأهل البادية (أقرب إليه) أي: قرابة ونسبا.
(وقيل هو صحيح) أي: قوله: (لم يشترط) إلى آخره، يعني عدم اشتراط القرابة بينه وبين أهل الديوان صحيح.
وقوله: (من أهل المصر) بيان لقوله: (أهل الديوان) أي: أهل الديوان الذين هم أهل المصر.
قوله: (إذا كان قريبا لهم) أي: ذا قرابة.
стр. 7301
وَصَارَ نَظِيرَ مَسْأَلَةِ الغَيْبَةِ المُنْقَطِعَةِ (وَلَوْ كَانَ البَدْوِيُّ نَازِلًا فِي المِصْرِ لَا مَسْكَنَ لَهُ فِيهِ، لَا يَعْقِلُهُ أَهْلُ المِصْرِ) لِأَنَّ أَهْلَ العَطَاءِ لَا يَنْصُرُونَ مَنْ لَا مَسْكَنَ لَهُ فِيهِ، كَمَا أَنَّ أَهْلَ البَادِيَةِ لَا تَعْقِلُ عَنْ أَهْلِ المِصْرِ النَّازِلِ فِيهِمْ، لِأَنَّهُ لَا يَسْتَنْصِرُ بِهِمْ (وَإِنْ كَانَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ عَوَاقِلُ مَعْرُوفَةٌ يَتَعَاقَلُونَ بِهَا، فَقَتَلَ أَحَدُهُمْ قَتِيلًا، فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ بِمَنْزِلَةِ المُسْلِمِ) لِأَنَّهُمُ التَزَمُوا أَحْكَامَ الإِسْلَامِ فِي المُعَامَلَاتِ لَا سِيَّمَا فِي المَعَانِي العَاصِمَةِ عَنْ الأَضْرَارِ، وَمَعْنَى التَّنَاصُرِ مَوْجُودٌ فِي حَقِّهِمْ (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ عَاقِلَةٌ مَعْرُوفَةٌ: فَالدِّيَةُ فِي مَالِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ يَوْمِ يُقْضَى بِهَا عَلَيْهِ) كَمَا فِي حَقِّ المُسْلِمِ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الوُجُوبَ عَلَى القَاتِلِ، وَإِنَّمَا يَتَحَوَّلُ عَنْهُ إِلَى العَاقِلَةِ أَنْ لَوْ وُجِدَتْ، فَإِذَا لَمْ تُوجَدْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ تَاجِرَيْنِ مُسْلِمَيْنِ فِي دَارِ الحَرْبِ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، يُقْضَى بِالدِّيَةِ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، لِأَنَّ أَهْلَ دَارِ الإِسْلَامِ لَا يَعْقِلُونَ عَنْهُ، وَتَمَكُّنُهُ مِنْ هَذَا القَتْلِ لَيْسَ بِنُصْرَتِهِمْ.
قوله: (وصار نظير المسألة الغيبة (١) المنقطعة) يعني أن للولي الأبعد أن يزوج إذا كان الولي الأقرب غائبا غيبة منقطعة.
قوله: (في المعاني العاصمة) كحد السرقة، والقذف، والقصاص، ووجوب الدية.
(فإن لم يكن لهم) أي: لأهل الذمة (عاقلة فالدية في ماله) أي: في مال الذمي لا في بيت المال، بخلاف المسلم إذا لم يكن له عاقلة فالدية في بيت المال في ظاهر الرواية لا في مال الجاني؛ لأن جماعة المسلمين أهل نصرته، وليسوا بأهل نصرة الذمي، كذا في الذخيرة.
وأما دفع النبي ﷺ عن أهل خيبر من عنده بطريق الاستقراض أو العهد كما مر.
قوله: (وتمكنه من هذا القتل ليس بنصرتهم) أي: ليس بسبب نصرة أهل الإسلام إياه.
стр. 7302
(وَلَا يَعْقِلُ كَافِرٌ عَنْ مُسْلِمٍ، وَلَا مُسْلِمٌ عَنْ كَافِرِ) لِعَدَمِ التَّنَاصُرِ، وَالكُفَّارُ يَتَعَاقَلُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مِلَلُهُمْ، لِأَنَّ الكُفْرَ كُلُّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ. قَالُوا: هَذَا إِذَا لَمْ تَكُنْ المُعَادَاةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ ظَاهِرَةً، أَمَّا إِذَا كَانَتْ ظَاهِرَةً كَاليَهُودِ وَالنَّصَارَى، يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَعَاقَلُونَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَهَكَذَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ، لِانْقِطَاعِ التَّنَاصُرِ.
وَلَوْ كَانَ القَاتِلُ مِنْ أَهْلِ الكُوفَةِ، وَلَهُ بِهَا عَطَاءٌ، فَحَوَّلَ دِيوَانَهُ إِلَى البَصْرَةِ، ثُمَّ رُفِعَ إِلَى القَاضِي، فَإِنَّهُ يُقْضَى بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ.
وَقَالَ زُفَرُ: يُقْضَى عَلَى عَاقِلَتِهِ مِنْ أَهْلِ الكُوفَةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، لِأَنَّ المُوجِبَ هُوَ الجِنَايَةُ وَقَدْ تَحَقَّقَ، وَعَاقِلَتُهُ أَهْلُ الكُوفَةِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا حُوِّلَ بَعْدَ القَضَاءِ.
وَلَنَا: أَنَّ المَالَ إِنَّمَا يَجِبُ عِنْدَ القَضَاءِ، لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الوَاجِبَ هُوَ المِثْلُ، وَبِالقَضَاءِ يَنْتَقِلُ إِلَى المَالِ، وَكَذَا الوُجُوبُ عَلَى القَاتِلِ، وَتَتَحَمَّلُ عَنْهُ عَاقِلَتُهُ، وَإِذَا
قوله: (لأن الكفر كله ملة واحدة)، ولهذا يثبت التوارث فيما بينهم مع اختلاف مللهم، وهذا عندنا.
وعند الأئمة: لا توارث مع اختلاف الملة فلا يعقل، ولا توارث بينهم.
وقلنا: يكون بينهم التوارث بخلاف المسلم [مع] (١) الكافر، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَيَتِهِم مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]، فلما قطع الموالاة بين من هاجر وبين من لم يهاجر حين كانت الهجرة فريضة كان ذلك دليل انقطاع الموالاة بين المسلم والكافر، وحكم الميراث والنفقة يريد ما ذكرنا، كذا في المبسوط.
قوله: (إذا حوّل) وفي بعض النسخ: (جعل ديوانه) أي: بعد القتل، وعاقلته أهل الكوفة، فالواو للحال.
قوله: (وهو (رواية)) أي: قول زفر رواية عن أبي يوسف، وهو قياس قول
стр. 7303
كَانَ كَذَلِكَ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ مَنْ يَكُونُ عَاقِلَتَهُ عِنْدَ القَضَاءِ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ القَضَاءِ، لِأَنَّ الوَاجِبَ قَدْ تَقَرَّرَ بِالقَضَاءِ، فَلَا يَنْتَقِلُ بَعْدَ ذَلِكَ، لَكِنَّ حِصَّةَ القَاتِلِ تُؤْخَذُ مِنْ عَطَائِهِ بِالبَصْرَةِ، لِأَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْ العَطَاءِ، وَعَطَاؤُهُ بِالبَصْرَةِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَلَّتِ العَاقِلَةُ بَعْدَ القَضَاءِ عَلَيْهِمْ، حَيْثُ يُضَمُّ إِلَيْهِمْ أَقْرَبُ القَبَائِلِ فِي النَّسَبِ، لِأَنَّ فِي النَّقْلِ إِبْطَالَ حُكْمِ الأَوَّلِ، فَلَا يَجُوزُ بِحَالٍ، وَفِي الضَّمِّ تَكْثِيرُ المُتَحَمِّلِينَ لِمَا قُضِيَ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ فِيهِ تَقْرِيرُ الحُكْمِ الأَوَّلِ لَا إِبْطَالُهُ، وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ القَاتِلُ مَسْكَنُهُ بِالكُوفَةِ، وَلَيْسَ لَهُ عَطَاءٌ، فَلَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ حَتَّى اسْتَوْطَنَ البَصْرَةَ، قُضِيَ بِالدِّيَةِ عَلَى أَهْلِ البَصْرَةِ، وَلَوْ كَانَ قَضَى بِهَا عَلَى أَهْلِ الكُوفَةِ، لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْهُمْ، وَكَذَا البَدَوِيُّ إِذَا أُلْحِقَ بِالدِّيوَانِ بَعْدَ القَتْلِ قَبْلَ القَضَاءِ، يُقْضَى بِالدِّيَةِ عَلَى أَهْلِ الدِّيوَانِ، وَبَعْدَ القَضَاءِ عَلَى عَاقِلَتِهِ بِالبَادِيَةِ لَا يَتَحَوَّلُ عَنْهُمْ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ، قُضِيَ بِالدِّيَةِ عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، ثُمَّ جَعَلَهُمُ الإِمَامُ فِي العَطَاءِ، حَيْثُ تَصِيرُ الدِّيَةُ فِي أَعْطِيَاتِهِمْ، وَإِنْ كَانَ قَضَى بِهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ فِي أَمْوَالِهِمْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَقْضُ القَضَاءِ الأَوَّلِ، لِأَنَّهُ قَضَى بِهَا فِي أَمْوَالِهِمْ، وَأُعْطِيَاتُهُمْ أَمْوَالُهُمْ، غَيْرَ أَنَّ الدِّيَةَ تُقْضَى مِنْ أَيْسَرِ الأَمْوَالِ أَدَاءٌ، وَالأَدَاءُ مِنْ العَطَاءِ أَيْسَرُ إِذَا صَارُوا مِنْ أَهْلِ العَطَاءِ، إِلَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَالُ العَطَاءِ مِنْ جِنْسِ مَا قُضِيَ بِهِ عَلَيْهِ، بِأَنْ كَانَ القَضَاءُ بِالإِبِلِ، وَالعَطَاءُ دَرَاهِمَ، فَحِينَئِذٍ لَا تَتَحَوَّلُ إِلَى الدَّرَاهِمِ أَبَدًا، لِمَا فِيهِ مِنْ
الأئمة الثلاثة لاعتبارهم وجوب الدية عند الجناية، وعدم اعتبارهم الديوان.
قوله: (يؤخذ من عطائه) أي: إعطاء القاتل بالبصرة وإن كان بعض القضاء بالكوفة.
وقوله: (بخلاف ما إذا قلت العاقلة) متعلق بقوله: (بخلاف ما بعد القضاء) يعني لو قلت العاقلة يضم أقرب القبائل إليهم، وإن كان بعد القضاء على أهل الكوفة، وفيه نقل الدية بعد القضاء، وفي تحول الديوان لا يضم [و] لا تنقل الدية؛ لأن في التحول بعد القضاء نقض الحكم الأول، وفي ضم أقرب القبائل تقرير حكم الأول لا إبطاله.
стр. 7304
إبْطَالِ القَضَاءِ الأَوَّلِ، لَكِنْ يُقْضَى ذَلِكَ مِنْ مَالِ العَطَاءِ، لِأَنَّهُ أَيْسَرُ.
قَالَ: (وَعَاقِلَةُ المُعْتَقِ قَبِيلَةُ مَوْلَاهُ) لِأَنَّ النُّصْرَةَ بِهِمْ، يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵊: «مَوْلَى القَوْمِ مِنْهُمْ».
قَالَ: (وَمَوْلَى المُوَالَاةِ يَعْقِلُ عَنْهُ مَوْلَاهُ وَقَبِيلَتُهُ) لِأَنَّهُ وَلَاءٌ يُتَنَاصَرُ بِهِ، فَأَشْبَهَ وَلَاءَ العَتَاقَةِ، وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِي وَقَدْ مَرَّ فِي كِتَابِ الوَلَاءِ.
قَالَ: (وَلَا تَعْقِلُ العَاقِلَةُ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَتَتَحَمَّلُ نِصْفَ العُشْرِ فَصَاعِدًا) وَالأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسِ ﵄ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَمَرْفُوعًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵊: «لَا تَعْقِلُ العَوَاقِلُ عَمْدًا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا صُلْحًا، وَلَا اعْتِرَافًا، وَلَا مَا دُونَ أَرْشِ المُوضِحَةِ» وَأَرْشُ المُوضِحَةِ نِصْفُ عُشْرِ بَدَلِ النَّفْسِ، وَلِأَنَّ التَّحَمُّلَ لِلتَّحَرُّزِ عَنِ الإِجْحَافِ، وَلَا إِجْحَافَ فِي القَلِيلِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الكَثِيرِ، وَالتَّقْدِيرُ الفَاصِلُ عُرِفَ بِالسَّمْعِ.
قوله: (لكن يقضى ذلك) أي: الإبل من مال العطاء بأن يشتري الإبل من مال العطاء.
قوله: (وعاقلة المعتق قبيلة مولاه) إلى آخره، لا خلاف فيه، ولا يعقل مولى الأسفل من الأعلى، وبه قال أصحاب مالك، وأحمد، والشافعي في قول، وفي قول يعقل؛ لأنهما شخصان يعقل أحدهما صاحبه فيعقل الآخر عنه كالأخوين.
وقلنا إنه ليس بعصبة ولا وارث، فلم يعقل عنه كالأجنبي وما ذكر يبطل بالذكر مع الأنثى، والصغير مع الكبير، والعاقل مع المجنون.
قوله: (وفيه خلاف الشافعي) وأحمد، وقد مر في الولاء.
وقال مالك: إذا كان الرجل في غير عشيرته فعقله على القوم الذين هو معهم.
قوله: (أقل من نصف عشر الدية ويتحمل النصف وما فوقه)، وقال الشافعي، وعثمان البتي في الصحيح: أن العاقلة تحمل الكثير والقليل؛ لأن من حمل الكثير حمل القليل، كالجاني في العمد.
стр. 7305
قَالَ: (وَمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ يَكُونُ فِي مَالِ الجَانِي) وَالْقِيَاسُ فِيهِ: التَّسْوِيَةُ بَيْنَ القَلِيلِ وَالكَثِيرِ، فَيَجِبُ الكُلُّ عَلَى العَاقِلَةِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، أَوْ التَّسْوِيَةُ فِي أَنْ لَا يَجِبَ عَلَى العَاقِلَةِ شَيْءٌ، إِلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ بِمَا رَوَيْنَا، وَبِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ أَوْجَبَ أَرْشُ الجَنِينِ عَلَى العَاقِلَةِ وَهُوَ نِصْفُ عُشْرِ بَدَلِ الرَّجُلِ عَلَى مَا مَرَّ فِي الدِّيَاتِ، فَمَا دُونَهُ يُسْلَكُ بِهِ مَسْلَكُ الأَمْوَالِ، لِأَنَّهُ يَجِبُ بِالتَّحْكِيمِ كَمَا يَجِبُ.
وقال مالك، وأحمد: لا يحمل ما دون الثلث، ويحمل الثلث وما فوقه؛ لما روي عن عمر أنه قضى في الدية ألا تحمل العاقلة منها شيئًا حتى يبلغ عقل المأمومة.
وروى يونس بن يزيد عن ربيعة «أنه ﷺ ألف بين الناس في معاقلهم فجعل ﷺ إلى ثلث الدِّية» فصار عداد ما دون ذلك على الجاني؛ ولأن الأصل وجوب الضمان على الجاني كسائر الجنايات، وإنما خولف في الثلث فصاعدًا تخفيفًا على الجاني؛ لكونه كثيرا يجحف به.
وقد قال ﷺ : «الثلُثُ كَثيرٌ» فبقي ما دونه على قضية الأصل، وبقولنا قال الثوري.
والتقدير الفاصل عرف بالسمع، يعني القياس أولا يجب على العاقلة، لكنا تركنا القياس بالسنة، وإنما جاءت السنة في أرش الجنين بالإيجاب على العاقلة، وأرش الجنين نصف عشر دية الرجل، فيقضى بذلك على العاقلة، وفيما دونه نأخذ بالقياس.
وما روي من الحديث منكر، والراوي عن عمر بن سمعان وهو غير ثقة عند الثقات، وحديث الجنين متفق عليه، فيعمل به.
ولا تعقل العاقلة عمدًا ولا اعترافًا ولا صلحًا بلا خلاف بين أهل العلم بالحديث الذي روينا.
أما تجب الدية في الإقرار في ماله عند أهل العلم إلا عند أبي ثور، وعبد الحكم حيث قالا: لا يلزمه شيء؛ لأن موجب إقراره لا يثبت؛ لأنه إقرار على غيره، فكان باطلا، كما لو أقر على غيره بالقتل.
стр. 7306
ضَمَانُ المَالِ بِالتَّقْويمِ، فَلِهَذَا كَانَ فِي مَالِ الجَانِي أَخْذًا بِالقِيَاسِ.
قَالَ: (وَلَا تَعْقِلُ العَاقِلَةُ جِنَايَةَ العَبْدِ، وَلَا مَا لَزِمَ بِالصُّلْحِ، أَوْ بِاعْتِرَافِ الجَانِي) لِمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّهُ لَا تَنَاصُرَ بِالعَبْدِ، وَالإِقْرَارُ وَالصُّلْحُ لَا يَلْزَمَانِ العَاقِلَةَ، لِقُصُورِ الوِلَايَةِ عَنْهُمْ. قَالَ: (إِلَّا أَنْ يُصَدِّقُوهُ) لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِتَصَادُقِهِمْ، وَالِامْتِنَاعُ كَانَ لِحَقِّهِمْ، وَلَهُمْ وِلَايَةٌ عَلَى أَنْفُسِهِمْ.
(وَمَنْ أَقَرَّ بِقَتْلٍ خَطَلٍ، وَلَمْ يُرْفَعُوا إِلَى القَاضِي إِلَّا بَعْدَ سِنِينَ، قُضِيَ عَلَيْهِ بِالدِّيَةِ فِي مَالِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ يَوْمِ يُقْضَى) لِأَنَّ التَّأْجِيلَ مِنْ وَقْتِ القَضَاءِ فِي الثَّابِتِ
لنا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا﴾ [النساء: ٩٢] الآية، وهو قاتل بإقراره، ولأنه مقر بالجناية الموجبة للمال على نفسه فيصح إقراره، كما لو أقر بإتلاف مال الغير، وبما لا تحمله العاقلة.
وفي فتاوى قاضي خان تجب الدية بإقراره في ثلاث سنين، وفي الصلح عن العمد يجب المال حالا إلا إذا شرط الأجل (١) في الصلح فيكون مؤجلا، ولو أقام ولي القتيل بينة بعد إقراره تقبل هذه البينة؛ لأنها ثبتت ما ليس بثابت بإقراره.
وذكر شيخ الإسلام: أن البينة على القتل تقبل عند حضرة الجاني؛ لأنه هو القاتل، والعاقلة يتحملون عنه، وحضرة الكفيل لا تشترط لوجوب المال، فدلت المسألة على أن الدية تجب أولا على القاتل ثم تقضى على العاقلة بطريق التحمل؛ لأن الدية لو وجبت ابتداء على العاقلة كان إقرار القاتل إقرارًا على العاقلة.
قوله: (قضي عليه بالدية في ماله) أي: في مال المقر في ثلاث سنين.
وعند الأئمة الثلاثة: وأكثر أهل العلم تجب في ماله حالة؛ لأنه بدل متلف فتجب على التالف حالا كقيم المتلفات وهو الأصل، وإنما عدل عنه إلى التأجيل في حق العاقلة تخفيفًا عليهم؛ لأنه يجب مواساتهم.
стр. 7307
بِالبَيِّنَةِ، فَفِي الثَّابِتِ بِالإِقْرَارِ أَوْلَى (وَلَوْ تَصَادَقَ القَاتِلُ وَوَلِيُّ الجِنَايَةِ عَلَى أَنَّ قَاضِيَ بَلَدِ كَذَا قَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ بِالكُوفَةِ بِالبَيِّنَةِ، وَكَذَّبَهُمَا العَاقِلَةُ، فَلَا شَيْءَ عَلَى العَاقِلَةِ) لِأَنَّ تَصَادُقَهُمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَيْهِمْ (وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي مَالِهِ) لِأَنَّ الدِّيَةَ بِتَصَادُقِهِمَا تَقَرَّرَتْ عَلَى العَاقِلَةِ بِالقَضَاءِ، وَتَصَادُقُهُمَا حُجَّةٌ فِي حَقِّهِمَا، بِخِلَافِ الأَوَّلِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عَطَاءٌ مَعَهُمْ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ بِقَدْرِ حِيَّتِهِ) لِأَنَّهُ فِي حَقِّ حِصَّتِهِ مُقِرٌّ عَلَى نَفْسِهِ، وَفِي حَقِّ العَاقِلَةِ مُقِرٌّ عَلَيْهِمْ.
قَالَ: (وَإِذَا جَنَى الحُرُّ عَلَى العَبْدِ، فَقَتَلَهُ خَطَأً، كَانَ عَلَى عَاقِلَتِهِ قِيمَتُهُ) لِأَنَّهُ بَدَلُ النَّفْسِ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ أَصْلِنَا. وَفِي أَحَدِ قَوْلَي الشَّافِعِيِّ: تَجِبُ فِي مَالِهِ، لِأَنَّهُ بَدَلُ المَالِ عِنْدَهُ، وَلِهَذَا يُوجِبُ قِيمَتَهُ بَالِغَةٌ مَا بَلَغَتْ، وَمَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ العَبْدِ لَا تَتَحَمَّلُهُ العَاقِلَةُ، لِأَنَّهُ يُسْلَكُ بِهِ مَسْلَكَ الأَمْوَالِ عِنْدَنَا عَلَى مَا عُرِفَ، وَفِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: العَاقِلَةُ تَتَحَمَّلُهُ كَمَا فِي الحُرِّ، وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ.
قلنا: إنه مال وجب بسبب القتل، فيكون مؤجلا كما في الخطأ، وقد مر.
قوله: (وفي أحد قولي الشافعي تجب في ماله)، وبه قال مالك، والثاني تجب على عاقلته كقولنا، وهو اختيار المزني، وقول أحمد، ولا خلاف في أطراف العبد أن ضمانها لا يجب على العاقلة.
قوله: (ولم يكن عليه شيء في ماله) أي: لم يكن على المقر شيء في ماله أيضا من الدية، لأنهما لما تصادقا زعم ولي الجناية أن الدية إنما تجب على العاقلة لا على المقر، فإقراره حجة على نفسه.
(بخلاف الأول) أي: قوله: (والإقرار والصلح لا يلزمان العاقلة) فإن الدية وجبت على المقر بإقراره، ولم يوجد التصادق من ولي الجناية بالقضاء على العاقلة.
وفي المبسوط: أن الواجب بقضاء القاضي تقرر (١) على العاقلة بتصادقهما، وبعدما تقرر على العاقلة لا يبقى عليه بخلاف الأول لأن السبب الموجب للدية
стр. 7308
قَالَ أَصْحَابُنَا: إِنَّ القَاتِلَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ، فَالدِّيَةُ فِي بَيْتِ المَالِ، لِأَنَّ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ هُمْ أَهْلُ نُصْرَتِهِ، وَلَيْسَ بَعْضُهُمْ أَخَصُّ مِنْ بَعْضٍ بِذَلِكَ، وَلِهَذَا لَوْ مَاتَ كَانَ مِيرَاثُهُ لِبَيْتِ المَالِ، فَكَذَا مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الغَرَامَةِ يَلْزَمُ بَيْتَ المَالِ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ، أَنَّ الدِّيَةَ فِي مَالِهِ، وَوَجْهُهُ: أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ تَجِبَ الدِّيَةُ عَلَى القَاتِلِ، لِأَنَّهُ بَدَلٌ مُتْلِفٌ وَالإِتْلَافُ مِنْهُ، إِلَّا أَنَّ العَاقِلَةَ تَتَحَمَّلُهَا تَحْقِيقًا لِلتَّخْفِيفِ عَلَى مَا مَرَّ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ: عَادَ الحُكْمُ إِلَى الأَصْلِ.
على العاقلة وهو القضاء لم يوجد أصلا فيقضى بها في مال المقر إلا أن يكون له عطاء معهم فحينئذ يلزمه بقدر حصته من ذلك لأنه في مقدار حصته مقر على نفسه وعلم بذلك (١) أن القاتل أحد العواقل إذا كان له عطاء عندنا فإذا لم يكن من أهل الديوان لا يؤخذ عنه شيء من الدية.
فإن قيل: لما كان أصل الوجوب عليه وقد تحول بزعمه إلى العاقلة بالقضاء، فإذا توى على العاقلة بجحودهم عاد الدية إلى ذمة المحيل.
قلنا: هذا تقسيم فيما يكون أصله دينا لدفع التوى عن مال المسلم، وهذا أصله لم يكن دينا، وإنما كان بطريق الصلة صيانة لدم المقتول عن الهدر، فبعدما تقرر بالقضاء على العاقلة لا يتحول إليه بحال سواء استوفى من العاقلة أو لا، كذا في المبسوط.
قوله: (قال أصحابنا إنّ القاتل إذا لم يكن له عاقلة) بأن كان لقيطًا، أو نحوه فالدية في بيت المال يعني إذا كان القاتل مسلمًا، أما إذا كان ذميا فالدية في ماله إذا لم يكن له عاقلة، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
وعن أبي حنيفة رواية شاذة، روى محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة ﵀ أنه في مال الجاني، وهو رواية عن أحمد؛ لما أن الأصل [أن وجوب الدية على القاتل كما في سائر المتلفات، ونقلها الشرع إلى العاقلة تحقيقا للتخفيف، فإذا لم يكن له عاقلة عاد إلى الأصل] (٢)؛ ولأن في مال بيت المال
стр. 7309
(وَابْنُ المُلَاعَنَةِ تَعْقِلُهُ عَاقِلَةُ أُمِّهِ) لِأَنَّ نَسَبَهُ ثَابِتٌ مِنْهَا دُونَ الأَبِ (فَإِنْ عَقَلُوا عَنْهُ، ثُمَّ ادَّعَاهُ الأَبُ، رَجَعَتْ عَاقِلَةُ الأُمِّ بِمَا أَدَّتْ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَبِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، مِنْ يَوْمِ يَقْضِي القَاضِي لِعَاقِلَةِ الأُمِّ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَبِ) لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الدِّيَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ عِنْدَ الإِكْذَابِ ظَهَرَ أَنَّ النَّسَبَ لَمْ يَزَلْ ثَابِتًا مِنْ الأَبِ، حَيْثُ بَطَلَ اللعَانُ بِالإِكْذَابِ، وَمَتَى ظَهَرَ مِنْ الأَصْلِ: فَقَوْمُ الأُمِّ تَحَمَّلُوا مَا كَانَ وَاجِبًا عَلَى قَوْمِ الأَبِ فَيَرْجِعُونَ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ مُضْطَرُّونَ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إِنْ مَاتَ المُكَاتَبُ عَنْ وَفَاءِ، وَلَهُ وَلَدٌ حُرٌّ، فَلَمْ يُؤَدِّ كِتَابَتَهُ حَتَّى جَنَى ابْنُهُ، وَعَقَلَ عَنْهُ قَوْمُ أُمِّهِ، ثُمَّ أُدِّيَت الكِتَابَةُ، لِأَنَّهُ عِنْدَ الأَدَاءِ يَتَحَوَّلُ وَلَاؤُهُ إِلَى قَوْمِ أَبِيهِ مِنْ وَقْتِ حُرِّيَّةِ الأَبِ، وَهُوَ آخِرُ
حق الصبيان والمجانين والنساء والفقراء، فلا يجوز صرف حقهم فيما لم يجب عليهم.
وجه الظاهر: ما روي أنه عليه الصلاة السلام ودى الأنصاري من مال بيت المال، وعمر أدى دية من قتل في زحام ولم يعرف قاتله من بيت المال حين قال له علي: يا أمير المؤمنين أدّ ديته من بيت مال المسلمين، ولأن جماعة المسلمين أهل نصرته وهم بمنزلة عصبته، ولهذا يأخذون ميراثهم فيكون الغرم بإزاء الغنم.
قوله: (تعقله عاقلة أمه) أي: أم ولد الملاعنة، ولا يعلم فيه خلاف؛ لأن مولى أمه عصبته.
قوله: (فيرجعون عليهم لأنهم مضطرون) أي: في ثلاث سنين؛ لأنهم أدوا هكذا.
وفي المحيط: وهذا عندهما؛ لأنه يجب على عاقلة الأب بدل الدم لا ضمان مال عاقلة الأم.
وعند أبي حنيفة: يرجعون حالا بما أدوا؛ لأن هذا ضمان مالهم لا بدل الدم، وهكذا سمعته عن شيخي العلامة حتى وجدته في المحيط.
قوله: (عند الأداء يتحول ولاؤه إلى قوم أبيه) وهذا عندنا، ومالك؛ لأن بموت المكاتب عن وفاء لم يبطل العقد، وعند الشافعي، وأحمد: يبطل، فلا يحول عندهما.
стр. 7310
جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ، فَيَتَبَيَّنُ أَنَّ قَوْمَ الأُمِّ عَقَلُوا عَنْهُمْ فَيَرْجِعُونَ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ رَجُلٌ أَمَرَ صَبِيًّا بِقَتْلِ رَجُلٍ فَقَتَلَهُ، فَضَمِنَتْ عَاقِلَةُ الصَّبِيِّ الدِّيَةَ، رَجَعَتْ بِهَا عَلَى عَاقِلَةِ الْآمِرِ إِنْ كَانَ الأَمْرُ ثَبَتَ بِالبَيِّنَةِ، وَفِي مَالِ الآمِرِ إِنْ كَانَ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ يَوْمِ يَقْضِي بِهَا القَاضِي عَلَى الْآمِرِ، أَوْ عَلَى عَاقِلَتِهِ، لِأَنَّ الدِّيَاتِ تَجِبُ مُؤَجَّلَةٌ بِطَرِيقِ التَّيْسِيرِ.
قَالَ ﵁: هَاهُنَا عِدَّةُ مَسَائِلَ ذَكَرَهَا مُحَمَّدٌ مُتَفَرِّقَةٌ، وَالْأَصْلُ الَّذِي يُخَرَّجُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ: حَالُ القَاتِلِ إِذَا تَبَدَّلَ حُكْمًا، فَانْتَقَلَ وَلَاؤُهُ إِلَى وَلَاءٍ بِسَبَبِ أَمْرٍ حَادِثٍ،
قوله: (على عاقلة الأمر) إلى آخره، في المبسوط: أن الأمر مسبب متعد، فإنه استعمل الصبي في أمر لحقه فيه تبعة فثبت لعاقلة الصبي حق الرجوع بما أدوا على الأمر، غير أنه إن كان الأمر يثبت بالبينة يثبت الرجوع على عاقلة الأمر وإلا لا؛ لأن التسبيب لا يكون فوق المباشرة، وفي المباشرة الحكم هكذا.
قوله: (والأصل الذي يخرج عليه) إلى آخره.
وقوله: (فانتقل ولاؤه إلى ولاء حادث) بغير التبدل، في المبسوطين:
الأصل أن حال الجاني إذا تبدل حكمًا وانتقل من ولاء إلى ولاء بسبب حادث لم تنتقل جنايته على الأولى، كالمولود بين حر وعبد إذا جنى ثم أعتق الأب لا تتحول جنايته عن عاقلة الأم؛ لأن انتقال ولائه بسبب حادث وهو العتق.
وكذا لو أسلم حربي ووالى مسلمًا، ثم جنى وعقلت عاقلته الذي والاه، فإن ولاء الموالاة عندنا بمنزلة ولاء العتق، ولا يجوز التحول عنه بعد تحمل الدية، فإن عقل عنه ولم يقض بها حتى أسر أبوه من دار الحرب فاشتراه أحد وأعتقه جَرَّ ولاء ابنه؛ لأن ولاء العتاقة أقوى من ولاء الموالاة، فبعدما ظهر لابنه ولاء العتاقة لا يبقى ولاء الموالاة في حقه، وينتفي حكمًا، وتأكده لا يمنع ذلك بمنزلة الولاء الثابت لمولى أمه عليه، ثم لا ترجع عاقلته ولا الموالاة على عاقلة مولى الأب (١) بشيء؛ لأن هذا حادث بسبب جديد وهو إعتاق.
стр. 7311
لَمْ تَنْتَقِلْ جِنَايَتُهُ عَنْ الأَوَّلِ، قَضَى بِهَا أَوْ لَمْ يَقْضِ، وَإِنْ ظَهَرَتْ حَالَةٌ خَفِيَّةٌ، مِثْلُ دَعْوَةِ وَلَدِ المُلَاعَنَةِ حُوِّلَتْ الجِنَايَةُ إِلَى الأُخْرَى وَقَعَ القَضَاءُ بِهَا أَوْ لَمْ يَقَعْ، وَلَوْ لَمْ يَخْتَلِفْ حَالُ الجَانِي، وَلَكِنَّ العَاقِلَةَ تَبَدَّلَتْ، كَانَ الاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ لِوَقْتِ القَضَاءِ، فَإِنْ كَانَ قَضَى بِهَا عَلَى الأُولَى، لَمْ تَنْتَقِلْ إِلَى الثَّانِيَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَضَى بِهَا عَلَى الأُولَى، فَإِنَّهُ يَقْضِي بِهَا عَلَى الثَّانِيَةِ، وَإِنْ كَانَتْ العَاقِلَةُ وَاحِدَةٌ فَلَحِقَهَا زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانُ اشْتَرَكُوا. ......
وكذا لو حفر الغلام بئرا قبل أن يعتق، ثم سقط فيها رجل بعدما أعتق أبوه يقضى بالدية على عاقلة الأم (١)، ولا يجب على عاقلة الأب شيء؛ لأن الحادث بعد الحفر ولاء العتاقة، فيعتبر بالملك والحفر، ولو وجد في ملك ثم حدث فيه ملك آخر قبل الوقوع بأن باعه مولاه ثم وقع في ملك المشتري إنسان فيها فالضمان على البائع لا على المشتري؛ لأن ملك المشتري بعد الحفر.
وكذا الولاء الحادث يعتبر فيه ولا يتحول، وإن ظهرت [حالة] (٢) خفية مثل دعوة ولد تحولت؛ لأن النسب كان ثابتا منه بالفراش، وقد انقطع عنه بالقضاء بعد اللعان، لكن بقي أصل النسب موقوفا على حقه حتى لو ادعاه غيره لم يثبت منه، وإذا ادعاه هو يثبت مع كونه مناقضًا وإن كذبته الأم في ذلك؛ لأن النسب يثبت منه من وقت العلوق لا من وقت الدعوة، فتبين أنه عقل جنايته على عاقلة أبيه، وعاقلة الأم ما كانوا متبرعين بالأداء بل أجبروا عليه بالقضاء، فثبت لهم حق الرجوع، ومن نظيره مات المكاتب عن وفاء كما ذكر، وكذا لو أمر صبيا بقتل رجل كما مر.
قوله: (ولكن العاقلة تبدلت) إلى عاقلة أخرى، فكان الاعتبار في ذلك لوقت القضاء، كما لا يتحول ديوانه إلى البصرة قبل القضاء، فالدية على عاقلته من أهل البصرة، وبعد القضاء على عاقلته من أهل الكوفة، خلافا لزفر، وأبي يوسف، وقد مر، وكذا لو استوطن البصرة قبل القضاء فعلى هذا.
قوله: فلحقها زيادة أو نقصان بأن زادت العاقلة أو مات بعضهم (اشتركوا
стр. 7312
فِي حُكْمِ الجِنَايَةِ قَبْلَ القَضَاءِ وَبَعْدَهُ إِلَّا فِيمَا سَبَقَ أَدَاؤُهُ، فَمَنْ أَحْكَمَ هَذَا الْأَصْلَ مُتَأَمِّلًا، يُمْكِنُهُ التَّخْرِيجُ فِيمَا وَرَدَ عَلَيْهِ مِنَ النَّظَائِرِ وَالْأَضْدَادِ.
في الجناية قبل القضاء وبعده)؛ لأنه بمنزلة الاتباع للأولين، ولا تتبدل العاقلة باعتبارهم، بخلاف ما لو تحولوا من ديوان إلى ديوان؛ لأن العاقلة الأخرى غير الأولى، فلا يشتركون بعد القضاء.
قوله: (إلا فيما سبق أداؤه) أي: لا اشتراك فيه، وعلى هذا الأصل تخرج مسائل كثيرة ذكرت في المبسوط. والله أعلم.
стр. 7313
كِتَابُ الوَصَايَا
كِتَابُ الْوَصَايَا
إيراده في آخر الكتاب ظاهر المناسبة؛ لما أنه يتحقق في آخر الحياة عادة، وبعض محاسنه مذكور في المتن؛ لأن فيها نفع الناس، وخير الناس من ينفع الناس ثم الوصايا جمع وصية، والوصية والوصاة بالقصر لغة اسمان في معنى المصدر، ومنه قوله تعالى: ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ [المائدة: ١٠٦]، وسمي الموصى به وصية، ومنه قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾ [النساء: ١١].
والوصاية بالكسر مصدر الوصي، وقيل: الإيصاء طلب شيء من غيره ليفعله على غيب منه حال حياته وبعد وفاته (١).
وشرعا: عبارة عن تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع سواء كان في الأعيان أو في المنافع.
وهي مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، وقوله : ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾ إلى آخر ما ذكر في المتن.
وسببها: إرادة ما ذكر من محاسنه، والتزين في الدنيا والآخرة من إرادة وصول الخير في الدنيا وحصول الدرجات في الآخرة كما في سائر التبرعات.
وشرطها: كون الموصي أهلا للتمليك، والموصى له [أهلًا للتملك، والموصى به بعد] (٢) موت الموصي مالا قابلا للتمليك. وشرائطها كثيرة تأتي في أثناء المسائل.
وركنها: قوله أوصيت بكذا لفلان، وما يجري مجراه من الألفاظ المستعملة فيها.
وحكمها: أن يملك الموصى له الموصى به ملكًا جديدًا كما يملك بالهبة.
стр. 7314
بَابٌ فِي صِفَةِ الوَصِيَّةِ
قَالَ: (الوَصِيَّةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ) وَالقِيَاسُ يَأْبَى جَوَازَهَا، لِأَنَّهُ تَمْلِيكُ
بَابُ صِفَةِ الْوَصِيَّةِ
وهذا الباب لبيان صفتها، ثم نبين الألفاظ المستعملة فيها.
عن محمد ﵀: اشهدوا أني قد أوصيت لفلان بكذا، أو أوصيت لفلان في مالي ألف درهم، فالأول وصية، والثاني إقرار.
وفي الأصل: لو قال: سدس داري لفلان، وإني أخبر بذلك فإنه وصية، ولو قال: لفلان سدس في داري يكون إقرارًا.
والفرق أن في الأول جعل له سدس داره جميعًا مضافًا إلى نفسه، وإنما يكون كذلك إذا [كان] (١) قصده إنشاء التمليك، وفي الفصل الثاني جعل دار نفسه ظرفًا للسدس فالسدس الذي سماه لفلان إنما يكون داره ظرفًا له إذا كان السدس مملوكًا لفلان قبل ذلك فيكون إقرارًا، وعلى هذا لو قال: لفلان ألف من مالي تكون وصية استحسانًا إذا كان في ذكر وصية، ولو قال: ألف في مالي كان إقرارًا.
قال أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله: إذا كتب الرجل وصيته بيده ثم قال: اشهدوا على ما في هذا الكتاب فهو جائز استحسانًا، وإن كتبها غيره وقال اشهدوا بما في هذا الكتاب لم يجز، ولو قال مريض بالفارسية: (صد درم ازمن نخش كنت).
قال الفضلي: هي باطلة؛ لأن هذا يكون للأغنياء والفقراء، ولو قال: (صد درم ارمن روان كنت) كانت الوصية جائزة؛ لأن هذا اللفظ يراد به القربة، الكل من التحفة، والذخيرة.
قوله: (الوصية غير واجبة وهي مستحبة) وإنما ذكر قوله: (وهي مستحبة) بعد قوله: (غير واجبة)؛ لأن الاستحباب لا يستفاد من عدم الوجوب كالمباحات.
стр. 7315
مُضَافٌ إِلَى حَالِ زَوَالِ مَالِكِيَّتِهِ، وَلَوْ أُضِيفَ إِلَى حَالِ قِيَامِهَا بِأَنْ قِيلَ: مَلَّكْتُكَ غَدًا، كَانَ بَاطِلًا، فَهَذَا أَوْلَى، إِلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّاهُ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهَا، فَإِنَّ الإِنْسَانَ مَغْرُورُ بِأَمَلِهِ، مُقَصِّرٌ فِي عَمَلِهِ، فَإِذَا عَرَضَ لَهُ المَرَضُ، وَخَافَ البَيَاتَ يَحْتَاجُ إِلَى تَلَافِي بَعْضِ مَا فَرَّطَ مِنْهُ مِنَ التَّفْرِيطِ بِمَالِهِ، عَلَى وَجْهِ لَوْ مَضَى فِيهِ يَتَحَقَّقُ مَقْصِدُهُ المَالِيُّ، وَلَوْ أَنْهَضَهُ البُرْءُ يَصْرِفُهُ إِلَى مَطْلَبِهِ الحَالِيِّ، وَفِي شَرْعِ الوَصِيَّةِ ذَلِكَ، فَشَرَعْنَاهُ، وَمِثْلُهُ في الإِجَارَةِ بَيَّنَّاهُ، وَقَدْ تَبْقَى المَالِكِيَّةُ بَعْدَ المَوْتِ بِاعْتِبَارِ الحَاجَةِ كَمَا فِي قَدْرِ التَّجْهِينِ وَالدَّيْنِ، وَقَدْ نَطَقَ بِهِ الكِتَابُ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ
قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن الوصية غير واجبة إلا على من عليه حقوق بغير بينة، وأمانة بغير بينة، وأمانة بغير إشهاد، إلا طائفة شاذة فأوجبتها. روي عن الزهري أنه قال: جعل الله الوصية حقا مما قل أو كثر.
وقيل لأبي مجلز (١): على كل ميت وصية؟ قال: نعم، إن ترك خيرًا.
وقال أبو بكر عبد العزيز: هي واجبة للأقربين الذين لا يرثون، وهو قول أصحاب الظاهر، وحكي عن مسروق، وإياس، وقتادة، وابن جرير، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠] الآية.
وفي الكشاف: وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ [المائدة: ١٠٦] و ﴿إِذَا حَضَرَ﴾: ظرف للشهادة، وحين ﴿الْوَصِيَّةِ﴾: بدل منه، وفي كونه بدلا دليل وجوب الوصية.
وبما روى نافع عن ابن عمر أنه عليه الصلاة السلام أنه قال: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيهِ يَبيتُ لَيْلَتِينِ إِلَّا وَصِيَّتُهُ عندَهُ مكتوبةٌ» متفق عليه.
وقالوا: تستحب الوصية للوالدين والأقربين الوارثين، وبقيت فيمن لا يرث [من] (٢) الأقربين.
ولنا أن أكثر أصحاب النبي ﷺ لم ينقل عنهم، ولم ينقل لذلك نكير، ولو
стр. 7316
دِيْنِ﴾ [النساء: ١٢] وَالسُّنَّةُ وَهُوَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﵊: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ فِي آخِرِ أَعْمَارِكُمْ زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ تَضَعُونَهَا حَيْثُ شِئْتُمْ أَوْ قَالَ: حَيْثُ أَحْبَبْتُمْ».
كانت واجبة لم (١) يُخِلُّوا بذلك ونقل عنهم نقلًا ظاهرا، ولأنها عطية لا تجب في الحياة فلم تجب عند الموت، ولأنها شرعت لنا لا علينا.
وقال ﷺ : «إِنَّ اللهَ تَعَالَى تَصدِّقَ عَليكُم بِثُلُثِ أموالِكُم في آخر أعماركم زيادة في أعمالِكُم فضعوه حيثُ شِئْتُمْ».
فالمشروع لنا لا يكون واجبًا علينا، بل يكون مندوبا إليه بمنزلة النوافل، وأما الآية فقال ابن عباس: نسختها قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧].
وقال ابن عمر: نسختها آية المواريث، وبه قال عكرمة، ومجاهد، ومالك، والشافعي، وأكثر أئمة التفسير.
وقال أبو بكر الرازي من أصحابنا: نسختها قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، فإنه نص على المواريث بعد وصية منكرة، فلو كانت الوصية للوالدين والأقربين ثابتة بعد نزول هذه الآية لذكر الإرث بعد الوصية المعروفة؛ لأن تلك وصية معهودة.
فقال أكثر أصحابنا: نسخت بقوله ﷺ : «إِنَّ الله تعالى أعطى كل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث».
وهذا حديث مشهور تلقته العلماء بالقبول، فصار كالمسموع من رسول الله ﷺ ، وأما الحديث فهو شاذ فيما يعم به البلوى، والوجوب لا يتم بمثله، أو هو محمول على ما كان في الابتداء.
قيل: نزول آية المواريث أو المراد أن ذلك لا يليق بطريق الاحتياط والأخذ بمكارم الأخلاق، كقوله ﷺ : «لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ واليومِ الآخِرِ
стр. 7317
وَعَلَيْهِ إِجْمَاعُ الأُمَّةِ. ثُمَّ تَصِحُ لِلْأَجْنَبِيِّ فِي الثُّلُثِ مِنْ غَيْرِ إِجَازَةِ الوَرَثَةِ لِمَا رَوَيْنَا، وَسَنُبَيِّنُ مَا هُوَ الأَفْضَلُ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ: (وَلَا تَجُوزُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﵊ فِي
أَنْ يَبِيتَ شَبْعَانًا وجارُهُ طَاوِ إلى جَنْبِهِ، والمراد ما بينا، كذا في المبسوط.
وذكر ابن قدامة في المغني: والحديث محمول على من عليه حق واجب، ولا بينة عليه أو وديعة بغير إشهاد.
وقيل: روى سعيد بن القطان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه ﵊ قال: «مَا حَقُّ امرئ مسلم له شيء يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ» فَرَدَّ الأمر إلى إرادته، فلا يكون واجبًا، ولهذا لم يرو أنه ﷺ أوصى، وابن عمر راوي الحديث لم يوص والزيادة عن العدل مقبولة.
قوله: (ومثله في الإجارة) (١) يعني القياس يأبى جواز عقد الإجارة؛ لأنه مضاف إلى زمان في المستقبل، وثبتت شرعيتها للحاجة فكذا الوصية.
قوله: (وعليه إجماع الأمة) أي: حكم كونها مشروعًا أجمعت الأمة.
قوله: (ولا تجوز) أي: الوصية (بما زاد على الثلث) وهذا عند وجود الورثة بإجماع أهل العلم عند عدم إجازة الورثة، ويجوز عند إجازتهم لحديث سعد بن أبي وقاص، وفي المبسوط سعد بن مالك مكان سعد بن أبي وقاص، ولكن الأول موافق لكتب الحديث كالمصابيح وغيره.
وعن مالك: إن زاده في وصيته تيسيرًا (٢) كالدرهمين ونحو ذلك يجوز، وهذا خلاف الخبر، أما إذا لم يكن له وارث تجوز له الوصية بكل ماله عندنا، وبه قال حسن البصري، وشريك القاضي، وإسحاق بن راهويه.
وقال الشافعي، ومالك، وأحمد وابن شبرمة، والأوزاعي، والحسن بن حي، وأبو سليمان، وأصحاب الظاهر: ليس له أن يوم يوصي بأكثر من الثلث؛ لأن سعدًا لما قال: أوصي بمالي كله، قال: «لا»، وقال: فبالثلثين: قال عليه
стр. 7318
حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصِ ﵁: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» بَعْدَ مَا نَفَى وَصِيَّتَهُ بِالكُلِّ وَالنِّصْفِ، وَلِأَنَّهُ حَقُّ الوَرَثَةِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ انْعَقَدَ سَبَبُ الزَّوَالِ إِلَيْهِمْ، وَهُوَ اسْتِغْنَاؤُهُ
الصلاة والسلام: «لا»، وقال: فبالنصف، قال ﵊: «لا»، وقال: فبالثلث، قال ﵊: «والثلث كثير».
وقال ﷺ : «إنَّ اللهَ تَعَالَى تصدَّقَ عليكم بثُلُثِ أموالكم» الحديث، دل أنه لا شيء له في الزيادة، ولأنه مال تعلق به حق جميع المسلمين فلا يجوز تخصيصه بواحد.
ولنا ما روي عن ابن مسعود أنه أجاز أن يوصي بما شاء عند عدم الورثة، ولم يعرف له من الصحابة مخالف، فحل محل الإجماع. وتعليل النبي ﷺ بقوله: «أَنْ تَذرَ وَرثتك أغنياء خيرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُم عالةً يَتَكَفَّفُونَ الناس» دليل على أن العلة في أن لا يتجاوز عن الثلث في الوصية أن يغني الورثة، فإذا لم يكن له ورثة فقد ارتفعت العلة، فله أن يوصي بما شاء.
ولا يقال: لو كانت العلة إغناء الورثة ينبغي أن يجوز التجاوز عن الثلث إذا كانت الورثة غنية، وليس له ذلك بالإجماع؛ لأنا نقول: وجود العلة لا يراعى في جميع الصور كما في الرمل والحج.
وقوله: فلا يجوز تخصيصه غير مسلم، فإن له أن يضعه حيث شاء لولايته، كما للإمام أن يضعه بعد موته حيث شاء.
وفي رواية في حديث سعد «يَتَكَفَّفونَ الناس»، قيل في الحديث دليل على أن الغنى أفضل من الفقر والغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر، فإنه ﵊ قال: «خيرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُم عالةً يَتَكَفَّفُونَ الناس».
أجيب عنه: إنما قدم الغني على الفقير الذي يسأل، حيث قال: «يَتَكَفَّفُونَ الناس» أي: يلحفون في السؤال، ونحن نقدم الفقير الصابر، ولأنه (١) ﵊ اختار الفقر لنفسه، والأفضل ما اختاره.
стр. 7319
عَنِ المَالِ، فَأَوْجَبَ تَعَلُّقَ حَقِّهِمْ بِهِ، إِلَّا أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُظْهِرْهُ فِي حَقِّ الْأَجَانِبِ بِقَدْرِ الثُّلُثِ، لِيَتَدَارَكَ مَصِيرَهُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَأَظْهَرَهُ فِي حَقِّ الوَرَثَةِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يُتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِمْ تَحَرُّزًا عَمَّا يَتَّفِقُ مِنْ الإِيثَارِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ، وَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ: الحَيْفُ فِي الوَصِيَّةِ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ وَفَسَّرُوهُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ، وَبِالوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ.
قَالَ: (إِلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الوَرَثَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَهُمْ كِبَارٌ) لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ لِحَقِّهِمْ، وَهُمْ أَسْقَطُوهُ وَلَا مُعْتَبَرَ بِإِجَازَتِهِمْ فِي حَالِ حَيَاتِهِ لِأَنَّهَا قَبْلَ ثُبُوتِ الحَقِّ، إذ الحَقُّ يَثْبُتُ
وقد قال ﵊: «الفَقرُ معَ الصَّبرِ أزينُ لِلْمُؤْمِنِ من العِذارِ الجَيِّدِ عَلَى خَدِّ الفَرَسِ»، وقد قال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وأما الغنى سبب للطغيان والفتنة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَّعَاهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧]، كذا في المبسوط.
قوله: (إلا أن الشرع لم يظهره) أي: استغناءه.
(وأظهره) أي استغناءه في حق القليل والكثير تحرزًا عما ينفق، يعني أظهره في حق الورثة تحرزا عما يوجد من إيثار البعض على البعض، وفيه تأذي البعض، وقطع الرحم، وقد جاء في الحديث: «الحَيفُ في الوَصِيَّةِ من أكبر الكبائر»، والحيف بالحاء المهملة وسكون الياء: الظلم، وروي «الجَنَف» بالجيم والنون المفتوحتين، وهو الميل، ومنه قوله تعالى: ﴿مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ [البقرة: ١٨٢].
قوله: (وهم كبار) لا يجوز من الصبي والمجنون باتفاق الأئمة الأربعة.
(ولا معتبر بإجازتهم في حال حياته) إلى آخره، وبه قال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور، والثوري، وحسن بن صالح، وشريح، وطاوس، والحكم، وأصحاب الظاهر، وروي ذلك عن ابن مسعود.
وقال ابن أبي ليلى، والزهري والأوزاعي، وعطاء، وحماد بن أبي سليمان، وعبد الملك بن يعلي وربيعة: ليس لهم أن يرجعوا عن الإجازة،
стр. 7320
عِنْدَ المَوْتِ، فَكَانَ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ المَوْتِ، لِأَنَّهُ بَعْدَ ثُبُوتِ الحَقِّ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا عَنْهُ، لِأَنَّ السَّاقِطَ مُتَلَاشِ.
غَايَةُ الأَمْرِ، أَنَّهُ يُسْتَنَد عِنْدَ الإِجَازَةِ، لَكِنَّ الاِسْتِنَادَ يَظْهَرُ فِي حَقِّ القَائِمِ، وَهَذَا قَدْ مَضَى وَتَلَاشَى، وَلِأَنَّ الحَقِيقَةَ تَثْبُتُ عِنْدَ المَوْتِ، وَقَبْلَهُ يَثْبُتُ مُجَرَّدُ الحَقِّ، فَلَوْ
سواء كان قبل الموت أو بعده؛ لأن حقهم ثبت في مرض الموت، فإذا مات ظهر أنهم أسقطوا حقهم بعد ثبوته فصح.
وقال مالك: إن أذنوا له في صحته فلهم أن يرجعوا وإن كان ذلك في مرضه، وحين يحجب عن ماله فلا رجوع لهم، إلا أن يكونوا في عياله ونفقته فلهم الرجوع.
قال ابن حزم: قول مالك لا يعلم له حجة.
وقلنا: أسقطوا حقهم فيما لم يملكوه كالمرأة إذا أسقطت صداقها قبل النكاح، أو الشفيع قبل البيع؛ لأن حقهم ثبت عند الموت، ويستند إلى أول المرض، إلا أن الاستناد يظهر في القائم، وتصرفهم حين وقع إجازة وقع لغوا؛ لأنه لا حق لهم حقيقة حينئذ، فلا يثبت له حكم الإجازة، وهو مقتضى، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
وقوله: (لأن الساقط متلاش) تعليل قوله: (لهم أن يردوه) أي: يردوا ما أجازوه، يعني إجازتهم في حياته ساقطة؛ لعدم مصادفتها محلها، وكل ساقط متلاش، فلو كان لهم أن يردوا ما أجازوه.
وقوله: (غاية الأمر) إلى آخره جواب عن شبهة ترد على هذا التقرير بأن يقال: كيف تكون إجازتهم ساقطة مع أن حق الورثة قد تعلق بماله من أول المرض على سبيل التوقف؟
فلما مات ظهر أن الإجازة صادفت محلها، فكانت إجازتهم في حياته بسبب الاستناد كإجازتهم بعد موته بسبب الاستناد، فقال: إن الاستناد إنما يظهر في حق القائم؛ لأن الساقط المتلاشي كما ذكره فخر الإسلام في مبسوطه.
وفي الإيضاح: حقهم لا يظهر في المال بدليل صرفه إلى حاجته، ولو زنى