← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.

стр. 7316

دِيْنِ﴾ [النساء: ١٢] وَالسُّنَّةُ وَهُوَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﵊: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ فِي آخِرِ أَعْمَارِكُمْ زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ تَضَعُونَهَا حَيْثُ شِئْتُمْ أَوْ قَالَ: حَيْثُ أَحْبَبْتُمْ». كانت واجبة لم (١) يُخِلُّوا بذلك ونقل عنهم نقلًا ظاهرا، ولأنها عطية لا تجب في الحياة فلم تجب عند الموت، ولأنها شرعت لنا لا علينا. وقال ﷺ : «إِنَّ اللهَ تَعَالَى تَصدِّقَ عَليكُم بِثُلُثِ أموالِكُم في آخر أعماركم زيادة في أعمالِكُم فضعوه حيثُ شِئْتُمْ». فالمشروع لنا لا يكون واجبًا علينا، بل يكون مندوبا إليه بمنزلة النوافل، وأما الآية فقال ابن عباس: نسختها قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧]. وقال ابن عمر: نسختها آية المواريث، وبه قال عكرمة، ومجاهد، ومالك، والشافعي، وأكثر أئمة التفسير. وقال أبو بكر الرازي من أصحابنا: نسختها قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، فإنه نص على المواريث بعد وصية منكرة، فلو كانت الوصية للوالدين والأقربين ثابتة بعد نزول هذه الآية لذكر الإرث بعد الوصية المعروفة؛ لأن تلك وصية معهودة. فقال أكثر أصحابنا: نسخت بقوله ﷺ : «إِنَّ الله تعالى أعطى كل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث». وهذا حديث مشهور تلقته العلماء بالقبول، فصار كالمسموع من رسول الله ﷺ ، وأما الحديث فهو شاذ فيما يعم به البلوى، والوجوب لا يتم بمثله، أو هو محمول على ما كان في الابتداء. قيل: نزول آية المواريث أو المراد أن ذلك لا يليق بطريق الاحتياط والأخذ بمكارم الأخلاق، كقوله ﷺ : «لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ واليومِ الآخِرِ

стр. 7317

وَعَلَيْهِ إِجْمَاعُ الأُمَّةِ. ثُمَّ تَصِحُ لِلْأَجْنَبِيِّ فِي الثُّلُثِ مِنْ غَيْرِ إِجَازَةِ الوَرَثَةِ لِمَا رَوَيْنَا، وَسَنُبَيِّنُ مَا هُوَ الأَفْضَلُ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: (وَلَا تَجُوزُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﵊ فِي أَنْ يَبِيتَ شَبْعَانًا وجارُهُ طَاوِ إلى جَنْبِهِ، والمراد ما بينا، كذا في المبسوط. وذكر ابن قدامة في المغني: والحديث محمول على من عليه حق واجب، ولا بينة عليه أو وديعة بغير إشهاد. وقيل: روى سعيد بن القطان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه ﵊ قال: «مَا حَقُّ امرئ مسلم له شيء يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ» فَرَدَّ الأمر إلى إرادته، فلا يكون واجبًا، ولهذا لم يرو أنه ﷺ أوصى، وابن عمر راوي الحديث لم يوص والزيادة عن العدل مقبولة. قوله: (ومثله في الإجارة) (١) يعني القياس يأبى جواز عقد الإجارة؛ لأنه مضاف إلى زمان في المستقبل، وثبتت شرعيتها للحاجة فكذا الوصية. قوله: (وعليه إجماع الأمة) أي: حكم كونها مشروعًا أجمعت الأمة. قوله: (ولا تجوز) أي: الوصية (بما زاد على الثلث) وهذا عند وجود الورثة بإجماع أهل العلم عند عدم إجازة الورثة، ويجوز عند إجازتهم لحديث سعد بن أبي وقاص، وفي المبسوط سعد بن مالك مكان سعد بن أبي وقاص، ولكن الأول موافق لكتب الحديث كالمصابيح وغيره. وعن مالك: إن زاده في وصيته تيسيرًا (٢) كالدرهمين ونحو ذلك يجوز، وهذا خلاف الخبر، أما إذا لم يكن له وارث تجوز له الوصية بكل ماله عندنا، وبه قال حسن البصري، وشريك القاضي، وإسحاق بن راهويه. وقال الشافعي، ومالك، وأحمد وابن شبرمة، والأوزاعي، والحسن بن حي، وأبو سليمان، وأصحاب الظاهر: ليس له أن يوم يوصي بأكثر من الثلث؛ لأن سعدًا لما قال: أوصي بمالي كله، قال: «لا»، وقال: فبالثلثين: قال عليه

стр. 7318

حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصِ ﵁: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» بَعْدَ مَا نَفَى وَصِيَّتَهُ بِالكُلِّ وَالنِّصْفِ، وَلِأَنَّهُ حَقُّ الوَرَثَةِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ انْعَقَدَ سَبَبُ الزَّوَالِ إِلَيْهِمْ، وَهُوَ اسْتِغْنَاؤُهُ الصلاة والسلام: «لا»، وقال: فبالنصف، قال ﵊: «لا»، وقال: فبالثلث، قال ﵊: «والثلث كثير». وقال ﷺ : «إنَّ اللهَ تَعَالَى تصدَّقَ عليكم بثُلُثِ أموالكم» الحديث، دل أنه لا شيء له في الزيادة، ولأنه مال تعلق به حق جميع المسلمين فلا يجوز تخصيصه بواحد. ولنا ما روي عن ابن مسعود أنه أجاز أن يوصي بما شاء عند عدم الورثة، ولم يعرف له من الصحابة مخالف، فحل محل الإجماع. وتعليل النبي ﷺ بقوله: «أَنْ تَذرَ وَرثتك أغنياء خيرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُم عالةً يَتَكَفَّفُونَ الناس» دليل على أن العلة في أن لا يتجاوز عن الثلث في الوصية أن يغني الورثة، فإذا لم يكن له ورثة فقد ارتفعت العلة، فله أن يوصي بما شاء. ولا يقال: لو كانت العلة إغناء الورثة ينبغي أن يجوز التجاوز عن الثلث إذا كانت الورثة غنية، وليس له ذلك بالإجماع؛ لأنا نقول: وجود العلة لا يراعى في جميع الصور كما في الرمل والحج. وقوله: فلا يجوز تخصيصه غير مسلم، فإن له أن يضعه حيث شاء لولايته، كما للإمام أن يضعه بعد موته حيث شاء. وفي رواية في حديث سعد «يَتَكَفَّفونَ الناس»، قيل في الحديث دليل على أن الغنى أفضل من الفقر والغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر، فإنه ﵊ قال: «خيرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُم عالةً يَتَكَفَّفُونَ الناس». أجيب عنه: إنما قدم الغني على الفقير الذي يسأل، حيث قال: «يَتَكَفَّفُونَ الناس» أي: يلحفون في السؤال، ونحن نقدم الفقير الصابر، ولأنه (١) ﵊ اختار الفقر لنفسه، والأفضل ما اختاره.

стр. 7319

عَنِ المَالِ، فَأَوْجَبَ تَعَلُّقَ حَقِّهِمْ بِهِ، إِلَّا أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُظْهِرْهُ فِي حَقِّ الْأَجَانِبِ بِقَدْرِ الثُّلُثِ، لِيَتَدَارَكَ مَصِيرَهُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَأَظْهَرَهُ فِي حَقِّ الوَرَثَةِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يُتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِمْ تَحَرُّزًا عَمَّا يَتَّفِقُ مِنْ الإِيثَارِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ، وَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ: الحَيْفُ فِي الوَصِيَّةِ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ وَفَسَّرُوهُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ، وَبِالوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ. قَالَ: (إِلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الوَرَثَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَهُمْ كِبَارٌ) لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ لِحَقِّهِمْ، وَهُمْ أَسْقَطُوهُ وَلَا مُعْتَبَرَ بِإِجَازَتِهِمْ فِي حَالِ حَيَاتِهِ لِأَنَّهَا قَبْلَ ثُبُوتِ الحَقِّ، إذ الحَقُّ يَثْبُتُ وقد قال ﵊: «الفَقرُ معَ الصَّبرِ أزينُ لِلْمُؤْمِنِ من العِذارِ الجَيِّدِ عَلَى خَدِّ الفَرَسِ»، وقد قال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وأما الغنى سبب للطغيان والفتنة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَّعَاهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧]، كذا في المبسوط. قوله: (إلا أن الشرع لم يظهره) أي: استغناءه. (وأظهره) أي استغناءه في حق القليل والكثير تحرزًا عما ينفق، يعني أظهره في حق الورثة تحرزا عما يوجد من إيثار البعض على البعض، وفيه تأذي البعض، وقطع الرحم، وقد جاء في الحديث: «الحَيفُ في الوَصِيَّةِ من أكبر الكبائر»، والحيف بالحاء المهملة وسكون الياء: الظلم، وروي «الجَنَف» بالجيم والنون المفتوحتين، وهو الميل، ومنه قوله تعالى: ﴿مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ [البقرة: ١٨٢]. قوله: (وهم كبار) لا يجوز من الصبي والمجنون باتفاق الأئمة الأربعة. (ولا معتبر بإجازتهم في حال حياته) إلى آخره، وبه قال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور، والثوري، وحسن بن صالح، وشريح، وطاوس، والحكم، وأصحاب الظاهر، وروي ذلك عن ابن مسعود. وقال ابن أبي ليلى، والزهري والأوزاعي، وعطاء، وحماد بن أبي سليمان، وعبد الملك بن يعلي وربيعة: ليس لهم أن يرجعوا عن الإجازة،

стр. 7320

عِنْدَ المَوْتِ، فَكَانَ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ المَوْتِ، لِأَنَّهُ بَعْدَ ثُبُوتِ الحَقِّ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا عَنْهُ، لِأَنَّ السَّاقِطَ مُتَلَاشِ. غَايَةُ الأَمْرِ، أَنَّهُ يُسْتَنَد عِنْدَ الإِجَازَةِ، لَكِنَّ الاِسْتِنَادَ يَظْهَرُ فِي حَقِّ القَائِمِ، وَهَذَا قَدْ مَضَى وَتَلَاشَى، وَلِأَنَّ الحَقِيقَةَ تَثْبُتُ عِنْدَ المَوْتِ، وَقَبْلَهُ يَثْبُتُ مُجَرَّدُ الحَقِّ، فَلَوْ سواء كان قبل الموت أو بعده؛ لأن حقهم ثبت في مرض الموت، فإذا مات ظهر أنهم أسقطوا حقهم بعد ثبوته فصح. وقال مالك: إن أذنوا له في صحته فلهم أن يرجعوا وإن كان ذلك في مرضه، وحين يحجب عن ماله فلا رجوع لهم، إلا أن يكونوا في عياله ونفقته فلهم الرجوع. قال ابن حزم: قول مالك لا يعلم له حجة. وقلنا: أسقطوا حقهم فيما لم يملكوه كالمرأة إذا أسقطت صداقها قبل النكاح، أو الشفيع قبل البيع؛ لأن حقهم ثبت عند الموت، ويستند إلى أول المرض، إلا أن الاستناد يظهر في القائم، وتصرفهم حين وقع إجازة وقع لغوا؛ لأنه لا حق لهم حقيقة حينئذ، فلا يثبت له حكم الإجازة، وهو مقتضى، كذا في مبسوط شيخ الإسلام. وقوله: (لأن الساقط متلاش) تعليل قوله: (لهم أن يردوه) أي: يردوا ما أجازوه، يعني إجازتهم في حياته ساقطة؛ لعدم مصادفتها محلها، وكل ساقط متلاش، فلو كان لهم أن يردوا ما أجازوه. وقوله: (غاية الأمر) إلى آخره جواب عن شبهة ترد على هذا التقرير بأن يقال: كيف تكون إجازتهم ساقطة مع أن حق الورثة قد تعلق بماله من أول المرض على سبيل التوقف؟ فلما مات ظهر أن الإجازة صادفت محلها، فكانت إجازتهم في حياته بسبب الاستناد كإجازتهم بعد موته بسبب الاستناد، فقال: إن الاستناد إنما يظهر في حق القائم؛ لأن الساقط المتلاشي كما ذكره فخر الإسلام في مبسوطه. وفي الإيضاح: حقهم لا يظهر في المال بدليل صرفه إلى حاجته، ولو زنى

стр. 7321

اسْتَنَدَ مِنْ كُلِّ وَجْهِ يَنْقَلِبُ حَقِيقَةٌ قَبْلَهُ، وَالرِّضَا بِبُطْلَانِ الحَقِّ لَا يَكُونُ رِضًا بِبُطْلَانِ الحَقِيقَةِ، وَكَذَا إِنْ كَانَتِ الوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ وَأَجَازَهُ البَقِيَّةُ، فَحُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ. (وَكُلُّ مَا جَازَ بِإِجَازَةِ الوَارِثِ يَتَمَلَّكُهُ المُجَازُ لَهُ مِنْ قِبَلِ المُوصِي) عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: مِنْ قِبَلِ الوَارِثِ، وَالصَّحِيحُ قَوْلُنَا، لِأَنَّ السَّبَبَ صَدَرَ مِنْ المُوصِي، الوارث بجارية الموروث في المرض وجب الحد، والوراثة سبب الخلافة في الملك بعد الموت، والملك موقوف على ما بعد الموت. وفي المبسوط، والذخيرة: فإن قيل: لا يكون حال الوارث هاهنا أدنى درجة من حال الوارث إذا عفا جارح أبيه قبل موت أبيه، فإنه يصح، وكذا لو أجاز المرتهن بيع الراهن الرهن يصح، مع أن العفو والإجازة فيهما قبل الملك أيضًا، لكن ثبت نوع تعلق فيصح، كذا هاهنا. قلنا: نعم، إسقاط قبل وجود السبب لا يجوز، ونفس المرض ليس بسبب لتعلق حقه بماله، بل السبب مرض الموت، ومرض الموت ما يتصل به الموت، وهاهنا الاتصال موهوم، فكان إسقاطا قبل السبب، وهذا لأن عمل الإجازة في العقد الموقوف في إزالة الملك لإزالة الملك، إنما يصح من المالك إما حقيقة أو حكمًا، وقبل الموتِ الوارث ليس بمالك حقيقة ولا حكما؛ لعدم نفاذ تصرفه قبل الموت، ولعدم سبب ملكه كما ذكرنا. بخلاف إجازة المرتهن؛ لأن قبض المرهون سبب لثبوت الملك له فيه حتى يجعل مستوفيًا من وقت القبض لا من وقت الهلاك، وكذا عفو الوارث يصح لوجوده بعد وجود سبب القتل، وصار كأن العفو وجد بعد القتل. ولهذا لو كفر الجارح قبل موت المجروح ثم مات يصح؛ لأن القتل يستند إلى وقت الجرح، وإنما هاهنا إذا مات المورث من المرض فالموت لا يستند إلى حالة المرض، حتى إن الورثة لا يملكون التركة من وقت المرض، وإذا لم يستند الموت إلى حالة المرض كانت الإجازة قبل السبب. قوله: (وعند الشافعي من قبل الوارث) فتكون الإجازة هبة مبتدأة، وهذا قول من الشافعي، ورواية عن أحمد، واختاره المزني، وبه قال بعض أصحاب مالك، وأصحاب الظاهر.

стр. 7322

وَالإِجَازَةُ رَفْعُ المَانِعِ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ القَبْضُ فَصَارَ كَالْمُرْتَهَنِ إِذَا أَجَازَ بَيْعَ الرَّاهِنِ. قَالَ: (وَلَا تَجُوزُ لِلْقَاتِلِ عَامِدًا كَانَ أَوْ خَاطِئًا، بَعْدَ أَنْ كَانَ مُبَاشِرًا) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ ولكن الصحيح من مذهب الشافعي وأحمد، ومالك كقولنا، وهو قول جمهور العلماء. وفي مبسوط شيخ الإسلام ثمرة الخلاف تظهر في اشتراط القبول والقبض والتسليم من الوارث لملك المجاز له، عندهم شرط كالهبة المبتدأة، وعندنا ليس بشرط. وجه قولهم أن الشارع أبطل الوصية بما زاد على الثلث وللوارث بقوله ﷺ : «الثّلُثُ كَثيرٌ»، وبقوله ﵊: «لَا وَصِيَّةَ لِوارث» والإجازة لا تعمل في الباطل، فتكون هبة مبتدأة؛ لأنها (١) تمليك بغير عوض. وقلنا: تصرف المريض صدر من أهله في محله وامتنع نفوذه؛ لقيام حق الغير، فكانت الإجازة فيه إسقاطا لحقه، وزوال المانع، ثم ينفذ التصرف على الوجه الذي باشره كالمرتهن إذا أجاز بيع الراهن. وقد روي في الخبر، إلا أن يجيزه الورثة، فكان الاستثناء من النفي إثباتًا، فيكون ذلك دليلًا على صحة الوصية عند الإجازة، ولو خلا من الاستثناء كان معناه لا وصية نافذة أو لازمة، أو لا وصية لوارث عند عدم الإجازة. فإن قيل: لو أجاز الوارث في مرضه كان ذلك ثلث ماله، فدل أن الإجازة تمليك من جهته. قلنا: الوارث وإن لم يملك فقد أسقط حقه عن المال بفعله، وإسقاط الحق عن المال بفعله يكون من الثلث وإن لم يكن تمليكا كالعتق، وكما لو ابتاع ما يساوي عشرة بدرهم ثم رده بالعيب في مرضه كان من الثلث وإن لم يكن تمليكا كما في العتق، كذا في شرح الأقطع. (ولا تجوز الوصية للقاتل) إلى آخره وبه قال الشافعي في قول وأحمد في رواية والثوري.

стр. 7323

الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا وَصِيَّةَ لِلْقَاتِلِ» وَلِأَنَّهُ اسْتَعْجَلَ مَا أَخَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَيُحْرَمُ الوَصِيَّةُ كَمَا يُحْرَمُ المِيرَاثَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَجُوزُ لِلْقَاتِلِ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ إِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ، ثُمَّ إِنَّهُ قَتَلَ المُوصِيَ، تَبْطُلُ الوَصِيَّةُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ لَا تَبْطُلُ، ........ وقال الشافعي [في] (١) الأظهر ومالك وأبو ثور وأحمد في المنصوص يصح. قوله: (وعلى هذا الخلاف إذا أوصى لرجل ثم قتل الموصي) إلى آخره. قال أبو الخطاب الحنبلي: لو أوصى له بعد الجرح صح وقتله ثم ظهر القتل على الوصية عند أحمد. وفي الجواهر: لو قتله بعد الوصية عمدًا مجهرًا تبطل الوصية، ولو قتله خطأ نفذت من المال دون الدية. وجه قول الشافعي: أن الوصية تمليك بالعقد صدر من أهله فيصح منه كالهبة بخلاف الميراث؛ لأنه استعجل ما أخره الله تعالى بنقض قصده وهو منع الميراث دفعا للمفسدة. قوله: (فيُحرَم) على بناء المفعول، و (الوصية) و (الميراث) كلاهما بالنصب على أنهما مفعول ثان. فإن قيل: هذا التعليل إنما يصح إذا كان الجرح بعد الوصية، وعندنا: لا تفاوت في عدم جوازها بين كون الجرح بعد الوصية أو قبلها، وفي الجرح قبل الوصية لا يتحقق الاستعجال، وأيضًا القياس على الميراث لا يصح؛ لما أن الرق واختلاف الدين ينفيان الإرث ولا ينفيان الوصية. قلنا: يجعل الجارح مستعجلا وإن تقدم جرحه على الوصية؛ لما أن اعتبار كونه قاتلًا أو غير قاتل عند الموت، وبالنظر إلى هذا كان القتل مؤخرًا عن الوصية، ولأن بطلان الوصية له لمغايظة الورثة، فإنه يغيظهم أن يقاسمهم قاتل أبيهم بسبب الوصية.

стр. 7324

وَالحُجَّةُ عَلَيْهِ فِي الفَصْلَيْنِ مَا بَيَّنَّاهُ (وَلَوْ أَجَازَتْهَا الوَرَثَةُ، جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا تَجُوزُ) (*) لِأَنَّ جِنَايَتَهُ بَاقِيَةٌ وَالامْتِنَاعُ لِأَجْلِهَا. وفي هذا المعنى لا فرق بين تقدم الوصية على الجرح وبين تأخره، بخلاف الكفر والرق، فإن حرمان الإرث بهما لانعدام الأهلية لا لدفع المغايظة. قيل: هذا معنى فقهي، لكن لا يدفع ما يرد على تعليل الكتاب. قوله: (والحجة عليه في الفصلين) أي: فيما إذا أوصى بعد القتل أو قبله (ما بيناه) من الحديث والمعنى؛ إذ بعمومه يتناول الفصلين، وروى الدارقطني الحديث. فإن قيل: يشكل بالمدبر، فإنه إذا قتل سيده يعتق مع أن التدبير وصية، ولا وصية للقاتل، فينبغي أن لا يستحق العتق، ويبطل التدبير، كما هو مذهب أحمد عملا بعموم الحديث. قلنا: إنما يعتق لأن الموت جعل شرط عتقه، ومن حيث إنه شرط عتق لا ينعدم بالقتل؛ لأن القتل بغير حق يجوز أن يكون شرطًا للعتق، وكذلك سائر المعاصي، ولكن يسعى المدبر في جميع قيمته؛ لأنه تعذر رد العتق، فيكون الرد بإيجاب السعاية كذا في المبسوط، والأسرار. قوله: (والامتناع لأجلها) أي: لأجل الجناية؛ لأن الوصية أخت الميراث، ولا ميراث للقاتل وإن رضي به الورثة، فكذا الوصية، ولأن الحرمان شرع دفعًا لغيظ الورثة حتى لا يشاركهم من سعى في قتل أبيهم، وهذا ينعدم بإجازتهم. أما حرمان الميراث من جهة الشرع لا من جهة العبد، فلا تعمل فيه إجازة، والحرمان هنا من جهة العبد فجاز أن تعمل الإجازة فيها. وأما قوله: إن حرمانه كان بطريق العبودية غير مسلم، بدليل أنه يستوي فيه العامد والخاطئ، والخاطئ لا يستحق العقوبة، وإنما حرمانه دفعًا لغيظهم، وهذا ينعدم بإجازة الورثة، ولهذا لو كان القاتل صبيا لم يحرم عن الميراث ولا عن الوصية؛ لأنه بمعزل من الغيظ؛ لقصور عقله، فلا يغيظ فعله الورثة مثل

стр. 7325

وَلَهُمَا: أَنَّ الاِمْتِنَاعَ لِحَقِّ الوَرَثَةِ، لِأَنَّ نَفْعَ بُطْلَانِهَا يَعُودُ إِلَيْهِمْ كَنَفْعِ بُطْلَانِ المِيرَاثِ، وَلِأَنَّهُمْ لَا يَرْضَوْنَهَا لِلْقَاتِلِ كَمَا لَا يَرْضَوْنَهَا لِأَحَدِهِمْ. قَالَ: (وَلَا تَجُوزُ لِوَارِثِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٌّ حَقَّهُ، أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثِ»، وَلِأَنَّهُ يَتَأَذَّى البَعْضُ بِإِيثَارِ البَعْضِ فَفِي تَجْوِيزِهِ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ، وَلِأَنَّهُ حَيْفٌ بِالحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ، وَيُعْتَبَرُ كَوْنُهُ وَارِثًا أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ وَقْتَ المَوْتِ لَا وَقْتَ الوَصِيَّةِ، لِأَنَّهُ تَمْلِيكُ مُضَافٌ إِلَى مَا بَعْدَ المَوْتِ، وَحُكْمُهُ يَثْبُتُ بَعْدَ المَوْتِ. (وَالهِبَةُ مِنْ المَرِيضِ لِلْوَارِثِ فِي هَذَا نَظِيرُ الوَصِيَّةِ) لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ حُكْمًا، حَتَّى تَنْفُذَ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِقْرَارُ المَرِيضِ لِلْوَارِثِ عَلَى عَكْسِهِ، لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الحَالِ فَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ وَقْتَ الإِقْرَارِ. غيظ البالغ إياهم، فيثبت الحرمان في حق البالغ لا في حقه، إليه أشار في الذخيرة، والمبسوط، والأسرار. قوله: (ولا تجوز) أي: الوصية (لوارثه) ولا يعلم فيه خلاف. قوله: (ويعتبر كونه وارثا أو غير وارث وقت الموت) ولا خلاف فيه أيضًا لأحد. وفي فتاوى قاضي خان: أوصى لثلاثة أخويه المتفرقين وله ابن جازت الوصية لهم بالسوية؛ لأنهم لا يرثون مع الابن، ولو كان له بنت مكان الابن جازت الوصية لأخ لأب ولأخ لأم، ولا تجوز لأخ لأب وأم؛ لأنه يرث (١) مع البنت، وإن لم يكن [له] (٢) ابن ولا بنت الوصية كلها للأخ لأب؛ لأنه لا يرثه، وتبطل الوصية لأخ لأب ولأم ولأخ لأم؛ لأنهما يرثانه، وكذا لو مات الابن أو البنت. قوله: (وإقرار المريض للوارث على عكسه) أي: على عكس الوصية بتأويل الإيصاء أي: يعتبر الإقرار وقت الإقرار لا وقت الموت.

стр. 7326

قَالَ: (إِلَّا أَنْ تُجِيزَهَا الوَرَثَةُ) وَيُرْوَى هَذَا الاسْتِثْنَاءُ فِيمَا رَوَيْنَاهُ، … ... . وفي النهاية: هذا الذي ذكره ليس بمجرى على إطلاقه، فإن في إقرار المريض للوارث إنما لا يعتبر وقت الموت في كونه وارثا إذا كان كونه وارثا بسبب حادث، أما لو كان وارثا بسبب كان وقت الإقرار يعتبر كونه وارثا أيضًا وقت الموت، كما لو أقر لابنه بدين وابنه عبد ثم أعتق ثم مات الابن وهو من ورثته، فإقراره بالدين جائز؛ لأن كسب العبد لمولاه بهذا الإقرار يحصل من المريض في المعنى للمولى والمولى أجنبي منه، فبأن صار العبد من ورثته لا يبطل ذلك الإقرار؛ لأن هذا حكم يثبت بسبب حادث وهو الإعتاق، وبه لا يبطل الإقرار له، بخلاف من ورث بسبب قائم وقت الإقرار، وهو أن يقر لأخيه وله ابن ثم مات الابن قبله حتى صار الأخ وارثا بطل إقراره عندنا. وقال زفر: لا يبطل كما لو أقر لأجنبية ثم تزوجها ثم مات ينظر إلى حالة الإقرار. وقلنا: إنه وارث بسبب كان وقت الإقرار، فتبين أن إقراره حصل لوارثه فيبطل إذ الحكم مضاف إلى سببه، وسببه قائم وقت الإقرار، بخلاف الأجنبية؛ لأنها صارت وارثة بسبب حادث بعد الإقرار. أما في حق الهبة والوصية يستوي فيه سبب الحادث والقائم في المنع من الجواز؛ لأنهما كالمضاف إلى ما بعد الموت، فاعتبر كونه وارثا فيهما وقت الموت، فلهذا لا يصحان في الحادث أيضًا، ولا يعلم فيه خلاف، إليه أشار في المبسوط. قوله: (إلا أن يجيزها الورثة) فحينئذ يصح، وقد بينا الخلاف في أن الإجازة هبة مبتدأة، أو رفع مانع في قوله: (وعند الشافعي: من قبل الوارث) والخلاف فيهما على السواء. قوله: (فيما روينا) وهو قوله ﵊: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أعطى كُلَّ ذِي حَقٌّ حَقَّهُ، أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِوارث إلا أن يُجيزها الورثة» رواه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ هكذا، ورواه عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ هكذا.

стр. 7327

وَلِأَنَّ الِامْتِنَاعَ لِحَقِّهِمْ، فَتَجُوزُ بِإِجَازَتِهِمْ؛ وَلَوْ أَجَازَ بَعْضُ، وَرَدَّ بَعْضُ، تَجُوزُ عَلَى المُجِيزِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ لِوِلَايَتِهِ عَلَيْهِ، وَبَطَلَ فِي حَقِّ الرَّادٌ. قَالَ: (وَيَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ المُسْلِمُ لِلْكَافِرِ، وَالكَافِرُ لِلْمُسْلِمِ) فَالْأُولَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَنْهَنَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] الآيَةَ. وَالثَّانِي لِأَنَّهُمْ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ سَاوَوْا المُسْلِمِينَ فِي المُعَامَلَاتِ، وَلِهَذَا جَازَ التَّبَرُّعُ مِنْ الجَانِبَيْنِ فِي حَالَةِ الحَيَاةِ، فَكَذَا بَعْدَ المَمَاتِ (وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: الوَصِيَّةُ لِأَهْلِ الحَرْبِ بَاطِلَةٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَنكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَتَتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٩] الآية. قوله: (ولأن الامتناع لحقهم) وهو تأذي البعض (فتجوز بإجازتهم). فإن قيل: لو كان الامتناع لحقهم لكان ينبغي أن يجوز فيما دون الثلثين أجازوا أو لا، كما في الوصية للأجنبي؛ لأنهم لا حق لهم في الثلث على ما مر. قلنا: حقهم تأذيهم بإيثار البعض، وذلك يحصل فيما دون الثلثين أيضًا؛ إذ ذلك موجب لقطيعة الرحم، وذا لا يتأتى في حق الأجنبي، أو لأنا جوزنا الوصية مخالفًا للقياس استحسانًا لحاجة الميت إليه؛ ليتدارك بعض ما فرط فيما يجب عليه من العبادات، ولا حاجة إلى الوصية للورثة؛ لأن التركة حقهم سواء أوصى بها لهم أو لم يوص. قوله: (وفي الجامع الصغير الوصية لأهل الحرب في دارهم باطلة) اعلم أنه لا خلاف أن الوصية لأهل الذمة من مسلم ومن الذمي للذمي جائز ولمسلم بلا خلاف لأهل العلم أما وصية المسلم لأهل الحرب غير جائز عندنا، وبه قال بعض أصحاب الشافعي. [وقال مالك، وأحمد، وأكثر أصحاب الشافعي] (١): يجوز، وذكر محمد في السير الكبير ما يدل على جواز الوصية لهم. ووجه التوفيق أنه لا ينبغي أن يفعل، ولو فعل ثبت الملك لهم؛ لأنهم من

стр. 7328

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أهل (١) الملك، أما لو أوصى الحربي بعد دخول دارنا بأمان يجوز؛ لأن له ولاية تمليك ماله في حياته، فكذا بعد وفاته، ثم لا فرق في حق الحربي بين الوصية بالثلث أو بالكل؛ لأن حق ورثة الحربي غير معصوم، فلا وجه لمنع تصرفه لحقهم، ولا يعلم فيه خلاف، وفيه قول مالك: إن الوصية تبرع في حقهم كالهبة فتصح كالهبة. يؤيده ما روي أنه ﵊ أعطى عمر حلة من حرير فقال عمر: كسوتنيها وقد منعت منها، فقال: «ما أعطيتُكَها لِتَلْبِسَها» فكساها عمر أخا له مشركًا بمكة. وما روي أن (٢) أسماء بنت أبي بكر قالت: أتتني أمي وهي راغبة عن الإسلام، فقلت: يا رسول الله، أفأصلها وهي راغبة عن الإسلام فقال ﷺ : «نَعَمْ، فهذان فيهما صِلَةُ أَهلِ الحَربِ وبرِّهِمْ»، ولنا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَنكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٩]، فدل على [أن] (٣) البر على من قاتلنا لا يحل. وما روى الخصم شاذ لا يترك الكتاب به، ومسألة الهبة ممنوعة، ولئن سلم فالمقصود من الهبة غالبًا العوض، فيكون في معنى التجارة بخلاف الوصية، فإنها مبرة محضة. وفي مبسوط بكر: إنما أورد هذه المسألة لأن فيها نوع إشكال، وهو أن الوصية أخت الميراث، والميراث لا يجري بين المسلم والكافر، فينبغي ألا تصح الوصية. فقلنا: الوصية تشبه الهبة وتشبه الميراث من حيث إنه تملك بعد الموت، فلم يكن ميرانا مطلقا، فلا يتناوله النص.

стр. 7329

قال: (وَقَبُولُ الوَصِيَّةِ بَعْدَ المَوْتِ، فَإِنْ قَبِلَهَا المُوصَى لَهُ حَالَ الحَيَاةِ، أَوْ رَدَّهَا، فَذَلِكَ بَاطِلٌ) لِأَنَّ أَوَانَ ثُبُوتِ حُكْمِهِ بَعْدَ المَوْتِ، لِتَعَلُّقِهِ بِهِ، فَلَا يُعْتَبَرُ قَبْلَهُ كَمَا لَا يُعْتَبَرُ قَبْلَ العَقْدِ. قال: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُوصِيَ الإِنْسَانُ بِدُونِ الثُّلُثِ) سَوَاءٌ كَانَتْ الوَرَثَةُ أَغْنِيَاءَ أَوْ قوله: (وقبول الوصية بعد الموت) ولا يعلم فيه خلاف. قوله: (أو ردها فذلك باطل) حتى لو ردها في حياته ثم قبلها بعد موته صح. وعند زفر: لا يصح قبوله بعد الرد؛ لأن إيجابه كان في حياته، وقد رده فبطل. ولنا أن أوان ثبوت حكمه بعد الموت لا تمليك مضاف إلى ما بعد الموت، فلم يثبت له حق قبله فلم يعتبر رده وقبوله قبل الموت، كما لا يعتبر قبل العقد. ألا ترى أنه لو قال لامرأته: أنت طالق غدًا على ألف فالقبول والرد منها يعتبر بعد مجيء الغد. قوله: (ويستحب أن يوصي بدون الثلث) إلى آخره، ولا يعلم فيه خلاف؛ لقوله ﷺ : «لأن تَدَعَ ورثتك أغنياء» الحديث. وعن أبي بكر وعمر أنهما قالا: لأن (١) يوصي بالخُمس أحبُّ إليَّ من أن يوصي بالربع، ولأن (٢) يوصي بالربع أحب من أن يوصي بالثلث، كذا في المبسوط. فإذا ثبت أن استيعاب الثلث بالوصية للغني غير مستحبة لقوله ﷺ : «الثلث والثلثُ كَثيرٌ» فبعد هذا فالأفضل إذا كانت ورثته فقراء ولا يستغنون بما يرثون فالترك أولى لما ذكر في المتن. الكاشح: الذي يخفي عداوته في كشحه، والكشح: ما بين الخاصرة إلى الضلع.

стр. 7330

فُقَرَاءَ، لِأَنَّ فِي التَّنْقِيصِ صِلَةَ القَرِيبِ بِتَرْكِ مَا لَهُ عَلَيْهِمْ، بِخِلَافِ اسْتِعْمَالِ الثُّلُثِ، لِأَنَّهُ اسْتِيفَاءُ تَمَامِ حَقِّهِ فَلَا صِلَةَ وَلَا مِنَّةَ، ثُمَّ الوَصِيَّةُ بِأَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ أَوْلَى أَمْ تَرْكُهَا؟ قَالُوا: إِنْ كَانَتِ الوَرَثَةُ فُقَرَاءَ وَلَا يَسْتَغْنُونَ بِمَا يَرِثُونَ، فَالتَّرْكُ أَوْلَى، لِمَا فِيهِ مِنْ الصَّدَقَةِ عَلَى القَرِيبِ. وَقَدْ قَالَ ﵊: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الكَاشِحِ» وَلِأَنَّ فِيهِ رِعَايَةَ حَقٌّ الفُقَرَاءِ وَالقَرَابَةِ جَمِيعًا، وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ، أَوْ يَسْتَغْنُونَ بِنَصِيبِهِمْ: فَالوَصِيَّةُ أَوْلَى، لِأَنَّهُ يَكُونُ صَدَقَةٌ عَلَى الأَجْنَبِيِّ، وَالتَّرْكُ هِبَةٌ مِنْ القَرِيبِ، وَالأُولَى أَوْلَى، لِأَنَّهُ يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ فِي هَذَا الوَجْهِ: يُخَيَّرُ، لِاشْتِمَالِ كُلِّ قيل: الكاشح: العَدُوُّ الذي أعرض وولاك كشحه، وإنما الصدقة عليه أفضل لما فيه من مخالفة النفس وقهرها، ولا كذلك في ذي الرحم الصديق. ثم اعلم أن الأفضل أن يجعل وصيته لأقاربه الذين لا يرثون إذا كانوا فقراء في قول عامة أهل العلم. قال ابن عبد البر: لا خلاف فيه بين العلماء؛ لأنه تعالى كتب الوصية للوالدين والأقربين، فخرج منه الوارثون بقوله ﷺ : «لا وصيَّةَ لِوارِث»، وبقي سائر الأقارب على الاستحباب، وقد قال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: ١٧٧] فبدأ بهم، ولأن الوصية صدقة فيعتبر بالصدقة في الحياة، أما لو أوصى لغيرهم وتركهم صحت وصيته عند الفقهاء، وأكثر أهل العلم. وعن طاوس، والضحاك: تنزع عن الغير وترد إلى قرابته. وعن الحسن وجابر بن زيد يعطى ثلث الثلث للغير، ويرد الباقي إلى قرابته. وقلنا: إن عمران بن الحصين أعتق في مرضه سِتَّةَ أَعْبُد، ولم يكن له مال غيرهم، فدعاهم النبي ﷺ فجزأهم ثلاثة أجزاء، ثم أقرع بينهم، فأجاز العتق في ثلثه لغير قرابته، ولأنها عطية فجازت لغير قرابته كالعطية في الحياة؛ لأن الأفضل ما ذكرنا.

стр. 7331

مِنْهُمَا عَلَى فَضِيلَةٍ، وَهُوَ الصَّدَقَةُ وَالصَّلَةُ، فَيُخَيَّرُ بَيْنَ الخَيْرَيْنِ. قَالَ: (وَالمُوصَى بِهِ يُمْلَكُ بِالقَبُولِ) خِلَافًا لِزُفَرَ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. هُوَ يَقُولُ: الوَصِيَّةُ أُخْتُ المِيرَاثِ، إِذْ كُلٌّ مِنْهُمَا خِلَافَةٌ لِمَا أَنَّهُ انْتِقَالٌ، ثُمَّ الإِرْتُ يَثْبُتُ مِنْ غَيْرِ قَبُولِ، فَكَذَلِكَ الوَصِيَّةُ. وَلَنَا: أَنَّ الوَصِيَّةَ إِثْبَاتُ مِلْكِ جَدِيدٍ، وَلِهَذَا لَا يُرَدُّ المُوصَى لَهُ بِالعَيْبِ، وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ بِالعَيْبِ، وَلَا يَمْلِكُ أَحَدٌ إِثْبَاتَ المِلْكِ لِغَيْرِهِ إِلَّا بِقَبُولِهِ، أَمَّا الوِرَاثَةُ فَخِلَافَةٌ حَتَّى يَثْبَتَ فِيهَا هَذِهِ الأَحْكَامُ، فَيَثْبُتُ جَبْرًا مِنْ الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ قَبُول. قَالَ: (إِلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ: أَنْ يَمُوتَ المُوصِي، ثُمَّ يَمُوتَ المُوصَى قوله: (والموصى به يملك بالقبول)، وبه قال جمهور العلماء إذا كان لمعين يمكن القبول منه، أما لو كان لغير معين كالفقراء والمساكين، ولا يمكن حصره كبني هاشم، أو على مصلحة مسجد أو حج لم يفتقر إلى قبول، ولزمت بمجرد الموت؛ لأن الوصية لهم كالوقف عليهم. وقال زفر، والشافعي في قول غير مشهور: إن الوصية تملك بالموت، ويحكم بذلك قبل القبول. وقلنا: إن هذا تمليك المال بالعقد، فلا يثبت قبل القبول كالتمليك بالهبة والبيع، ولهذا لا يرد الموصى له بالعيب يعني إذا اشترى المريض شيئًا وأوصى به لرجل، ثم إن الموصى له وجد به عيبًا لا يرده على بائع الموصي، وكذا لا يرد عليه بعيب، يعني لو أوصى بجميع ماله لإنسان، ثم باع شيئًا من التركة، ووجد المشتري به عيبًا لا يرده على الموصى له، ولو كان ثبوت الملك للموصى له بطريق الخلافة لثبتت ولاية الرد في الصورتين جميعًا كما في الوارث. قوله: (إلا في مسألة واحدة) أي: يملك بدون القبول فيها. وفي الذخيرة: لو مات الموصى له بعد موت (١) الموصي قبل القبول والرد يدخل الموصى به في ملك وارث الموصى به استحسانًا.

стр. 7332

لَهُ قَبْلَ القَبُولِ، فَيَدْخُلُ المُوصَى بِهِ فِي مِلْكِ وَرَثَتِهِ) اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ: أَنْ تَبْطُلَ الوَصِيَّةُ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ المِلْكَ مَوْقُوفٌ عَلَى القَبُولِ، فَصَارَ كَمَوْتِ المُشْتَرِي قَبْلَ قَبُولِهِ بَعْدَ إِيجَابِ البَائِعِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ الوَصِيَّةَ مِنْ جَانِبِ المُوصِي قَدْ تَمَّتْ بِمَوْتِهِ تَمَامًا لَا يَلْحَقُهُ الفَسْخُ مِنْ جِهَتِهِ، وَإِنَّمَا تَوَقَّفَتْ لِحَقِّ المُوصَى لَهُ، فَإِذَا مَاتَ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ كَمَا فِي البَيْعِ المَشْرُوطِ فِيهِ الخِيَارُ إِذَا مَاتَ قَبْلَ الإِجَازَةِ. والقياس: أن يبطل؛ لتوقف ملكه على القبول كالهبة، فإذا مات من له القبول قبل القبول بطل كما في الهبة، وهو قول بعض أصحاب الشافعي، وأحمد. وقال الشافعي، ومالك، وأحمد يقوم ورثته مقامه في القبول والرد (١)؛ لأنه حق ثبت للمورث فيثبت لوارثه بعد موته؛ لقوله ﷺ : «مَنْ تَركَ حقًا … فَلِوَرَثَتِهِ»، وبالقياس على خيار الرد بالعيب. قلنا: تلزم الوصية في حق وارثه، وتدخل في ملكه بغير قبول؛ لأن الوصية قد تمت ولزمت من جهة الموصي تمامًا ولزومًا لا يقبل الفسخ من جهته بموته، وإنما توقف في حق الموصى له لخياره القبول والرد، فإذا مات بطل خياره ودخل في ملك وارثه، كما لو اشترى شيئًا على أن له الخيار فمات قبل الإجازة، وانقضاء المدة يبطل خياره ويدخل المبيع في ملكه، ولا خلاف للأئمة الأربعة في أن الموصى له لو مات قبل موت الموصي بطلت الوصية، وهو قول أكثر أهل العلم. وعن الحسن: لا تبطل، فيكون لولد الموصى له؛ لأنه مات بعد عقد الوصية فيقوم وارثه مقامه. وعن عطاء: إذا علم الموصي بموت الموصى له، ولم يحدث فيما أوصى شيئًا فهو لوارث الموصى له فصار كأنه مات بعد موت الموصي.

стр. 7333

قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ، لَمْ تَجُز الوَصِيَّةُ) لِأَنَّ الدَّيْنَ يُقَدَّمُ عَلَى الوَصِيَّةِ، لِأَنَّهُ أَهَمُّ الحَاجَتَيْنِ، فَإِنَّهُ فَرْضٌ، وَالوَصِيَّةُ تَبَرُّعٌ، وَأَبَدًا يُبْدَأَ بِالأَهَمِّ فَالأَهَمِّ. (إِلَّا أَنْ يُبْرِئَهُ الغُرَمَاءُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ الدَّيْنُ، فَتَنْفُذُ الوَصِيَّةُ عَلَى الحَدِّ المَشْرُوعِ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهَا. قَالَ: (وَلَا تَصِحُ وَصِيَّةُ الصَّبِيِّ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَصِحُ إِذَا كَانَ فِي وُجُوهِ وقلنا: إنه عطية فصادفت المعطى له ميتا، فلم تصح، كما لو وهب ميتا، والوصية للميت ابتداء لا تجوز عندنا، والشافعي، وأحمد. وقال مالك: إن علم موته حين الوصية تصح، فهي لورثته؛ لأن غرضه نفع ورثته. وقلنا: الورثة تفتقر إلى القبول، فلم تصح للميت. قوله: (لأن الدين يقدم على الوصية)، ولا يعلم فيه خلاف. وفي الكشاف: وإنما قدم الوصية على الدين في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنِ﴾ [النساء: ١١] مع أن الدين مقدم شرعًا؛ لما أن الوصية مشبهة للميراث في كونها مأخوذة من غير عوض، فكان إخراجها مما يشق على الورثة، ولا تطيب أنفسهم بها، فكان أداؤها مظنة للتفريط، بخلاف الدين فإن نفوسهم (١) مطمئنة إلى أدائه، فلذلك قدمت على الدين بعثًا على المسارعة إلى إخراجها ووجوبها مع الدين، ولذلك جيء بكلمة أو للتسوية بينهما في الوجوب. وفي المبسوط: على أنكم تقرون الوصية قبل الدين، وكان ﷺ يبدأ بالدين، وهكذا عن ابن عباس، فهذا منه إشارة إلى التقديم والتأخير في الآية، وقضاء الدين من أصول حوائجه؛ لأن ذمته تفرغ به، والوصية ليست من أصول حوائجه، وحاجته مقدمة في تركته، فصار كتجهيزه وتكفينه. قوله: (ولا تصح وصية الصبي) سواء مات قبل الإدراك أو بعده، وبه قال

стр. 7334

الخَيْرِ، لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ أَجَازَ وَصِيَّةَ يَفَاعٍ أَوْ يَا فَاعٍ وَهُوَ الَّذِي رَاهَقَ الحُلُمَ، وَلِأَنَّهُ نَظَرَ لَهُ بِصَرْفِهِ إِلَى نَفْسِهِ فِي نَيْلِ الزُّلْفَى، وَلَوْ لَمْ تَنْفُذُ يَبْقَى عَلَى غَيْرِهِ. وَلَنَا: أَنَّهُ تَبَرُّعُ، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مَلْزُومٍ، وَفِي تَصْحِيحِ الشافعي في قول، وأصحاب الظاهر، والحسن، ومجاهد، وابن عباس. وقال الشافعي: تصح وصية الصبي المميز في قول، وبه قال أحمد، ومالك، والشعبي، والنخعي، وإسحاق، وعمر بن عبد العزيز، وشريح، وعطاء، والزهري، وإياس، وعبد الله بن عيينة. قوله: (أجاز وصية يفاع) أي: صبي يفاع أو يافع من أيفع الغلام إذا ارتفع، فهو يافع، وغلام يفاع بمعنى يافع، وجمعه يفعان، ولا يقال صبي يوفع، وهو من النوادر. وعن ابن مسعود مثله. وروى مالك في الموطأ قيل لعمر: إن هاهنا يفاعًا لم يحتلم، وورثته بالشام، وهو ذو مال، وليس له هاهنا إلا ابنة عم له، فقال عمر: فليوص لها، فأوصى لها، ولأنه تصرف تمحض نفعًا له فيصح منه كالإسلام والصلاة. وعند الشافعي: تصح وصيته، ولا يصح إسلامه وقبول الهبة والصدقة؛ لأنه أمكن تحصيل الإسلام بوليه، فلا يعتبر فيه عقله ورشده، وكذا قبول الهبة والصدقة تحصل بفعل وليه، وأما اكتساب الأجر بالوصية لا يمكن تحصيله بغيره. قوله: ولم تنفذ أي وصيته يبقى أي المال على غيره أي على غير الصبي ولو قلنا بنفاذ وصيته كان المال باقيًا على نفسه بسبب حصول نيل الزلفى والدرجة العليا فكان مبقى على نفسه بهذا الطريق فيكون نفوذ وصيته أولى من عدم نفوذها. قوله: (ولنا أنه) (١) أي الوصية بتأويل الإيصاء (تبرع وليس الصبي من أهله) كالهبة والصدقة فإنهما لا يصحان منه بالإجماع.

стр. 7335

وَصِيَّتِهِ قَوْلٌ بِإِلْزَامِ قَوْلِهِ، وَالأَثَرُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَرِيبَ العَهْدِ بِالحُلُمِ مَجَازًا، أَوْ كَانَتْ وَصِيَّتُهُ فِي تَجْهِيزِهِ وَأَمْرِ دَفْنِهِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَنَا، وَهُوَ يُحْرِزُ الثَّوَابَ بِالتَّرْكِ عَلَى وَرَثَتِهِ كَمَا بَيَّنَّاهُ، وَالمُعْتَبَرُ فِي النَّفْعِ وَالضَّرَرِ النَّظَرُ إِلَى أَوْضَاعِ التَّصَرُّفَاتِ، لَا إِلَى مَا يَتَّفِقُ بِحُكْمِ الحَالِ قوله: (والأثر محمول على أنه قريب العهد بالحلم مجازا) يعني كان بالغا ولم يَمْضِ على بلوغه زمان كثير، بأن كان بلغ ومضى عليه يوم أو يومان، ومثله يسمى يافعًا مجازا، والشيء إذا قرب بالشيء يسمى باسمه، كما في قوله ﵊: «لقنوا موتاكم»، ولهذا لم يستفسر عمر أن وصيته لعمل القربة أو لغيره. كذا في المبسوط. قال ابن حزم: ما روي عن عمر وابن مسعود لم يصح، ولا يُدرَى مَنْ (١) رواه عن ابن مسعود، وخالفهما ابن عباس. وقد صح بنص القرآن والحديث أن الصبي ممنوع من أمواله، قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]. وقال ﵊: «رُفِعَ القلمُ عن ثلاث» وذكر منها الصغير. قال الطحاوي: الاحتجاج بهذا الأثر لا يصح من الشافعي؛ لأنه مرسل؛ لأن رواية عمرو بن سليم، وهو لم يلق عمر. وعندنا - وإن كان مقبولا - لكنه خالف عموم قوله ﵊: «رُفِعَ القلم عن ثلاث» الحديث. كذا في مبسوط شيخ الإسلام. قوله: (إلى أوضاع التصرفات) يعني يعتبر في التصرف أصل الوضع إلا (٢) الأحوال، والوصية في أصل الوضع مزيل للملك، وقد يتفق النفع فيها في بعض الأحوال، وقد لا يكون فيه نفع، بأن أوصى لفاسق ينفق ذلك المال في الفسق، وهذا إعانة على المعصية لا ينبغي في نيل الزلفى، وفي الحديث: «مَنْ أعان على تارك الصلاة بكفّ من ملح عاقبه الله تعالى سبعين خريفًا في جهنّم» (٣). كذا في بعض الجوامع.

стр. 7336

اعْتَبَرَهُ بِالطَّلَاقِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ وَلَا وَصِيَّهُ، وَإِنْ كَانَ يَتَّفِقُ نَافِعًا فِي بَعْضِ الأَحْوَالِ، وَكَذَا إِذَا أَوْصَى ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ الإِدْرَاكِ لِعَدَمِ الأَهْلِيَّةِ وَقْتَ المُبَاشَرَةِ، وَكَذَا إِذَا قَالَ: إِذَا أَدْرَكْتُ فَثُلُثُ مَالِي لِفُلَانٍ وَصِيَّةٌ لِقُصُورِ أَهْلِيَّتِهِ، فَلَا يَمْلِكُهُ تَنْجِيزًا وَتَعْلِيقًا كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَالعَتَاقِ، بِخِلَافِ العَبْدِ وَالمُكَاتَبِ، لِأَنَّ أَهْلِيَّتَهُمَا مُسْتَتِمَّةٌ، وَالمَانِعُ حَقُّ المَوْلَى، فَتَصِحٌ إِضَافَتُهُ إِلَى حَالِ سُقُوطِهِ. قَالَ: (وَلَا تَصِحٌ وَصِيَّةُ المُكَاتَبِ، وَإِنْ تَرَكَ وَفَاءً) لِأَنَّ مَالَهُ لَا يَقْبَلُ التَّبَرُّعَ، وَقِيلَ: عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تَصِحُ، وَعِنْدَهُمَا: تَصِحُ رَدًّا لَهَا إِلَى مُكَاتَبٍ يَقُولُ: كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ فِيمَا أَسْتَقْبِلُ فَهُوَ حُرٌّ، ثُمَّ عَتَقَ فَمَلَكَ، وَالخِلَافُ فِيهَا مَعْرُوفٌ عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ. قوله: (اعتبره بالطلاق) فإن كان الطلاق قد يتفق نفعًا بأن يُطلق المعسرة ويتزوج بأختها الموسرة، أو يطلقها بأن كانت زانية سليطة ويتزوج بالصالحة، ولا يملكه الصبي ولا وليه. أما قوله: تنفعه الوصية لا يمكن تحصيلهما بِوَليّهِ. قلنا منفعة الهبة والصدقة من حيث الأجر وصلة الرحم لا يمكن تحصيلها له أيضًا بِوَليّه، ومع ذلك لا يصح ذلك منه، مع أن الصبي يحرز الثواب بترك الوصية والمال على ورثته كما بيناه من قبل من قوله: «لأن تدَعَ وَرثتك أغنياء» الحديث، وكذا الإعتاق لا يصح منه، وإن كان في الإعتاق ثواب. قوله: بخلاف العبد والمكاتب فإن وصيتهما وعتاقهما يصح تعليقا لا تنجيزا، وكذا المدبر وأم الولد، ولا يعلم فيه خلاف. قوله: (عُرِف في موضعه)، وهو باب الحنث في ملك المكاتب، والمأذون من أيمان الجامع الصغير فقد ذكر فيه لو أن مأذونا أو مكاتبا قال: إذا أعتقتُ فكل مملوك أملكه فهو حرّ، فعتق فاشترى مملوكًا يعتق؛ لأنه أضاف الإعتاق إلى ملك قابل للإعتاق، وهو ما بعد الحرية، فيصح. وهذا بخلاف الصبي إذا قال: إذا بلغتُ فكل مملوك أملكه فهو حر كان

стр. 7337

قَالَ: (وَتَجُوزُ الوَصِيَّةُ لِلْحَمْلِ وَبِالحَمْلِ، إِذَا وُضِعَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الوَصِيَّةِ) باطلا؛ لأن بطلان تصرف الصبي؛ لعدم أهليته، والتعليق والتنجيز (١) في ذلك سواء. أما بطلان تصرف العبد ما كان لعدم الأهلية، بل لخلل في الملك، فإذا أضافه إلى ملك قابل للإعتاق يصح، أما إذا قال المأذون أو المكاتب: كل مملوك لي فهو حرّ بدون التعليق لا يصح؛ لأن قوله: كل مملوك أملكه يتناول الحال، وذلك غير قابل للإعتاق. أما إذا قال: إذا أعتقت كل مملوك أملكه فهو حرّ يصح، ولو قال: كل مملوك أملكه فيما أستقبل فهو حر، فملك مملوكًا بعد العتق. عند أبي حنيفة: لا يعتق، وعندهما: يعتق؛ لأن ذكر الملك مطلقا ينصرف إلى ملك قابل للإعتاق، وهو ما بعد الحرية. وله أن للمكاتب نوع ملك قبل الإعتاق وهو ظاهر، ونوع ملك بعد الإعتاق وهو غير ظاهر، فتنصرف اليمين إلى الظاهر دون غير الظاهر، كما لو تزوج امرأة نكاحا فاسدًا، ثم قال: لها إن طلقتك فعبده حرّ، تنصرف اليمين إلى الطلاق في النكاح الفاسد، كذا في الجامع الكبير لقاضي خان. قوله: (وتجوز الوصية للحمل وبالحمل إذا وضع لأقل من ستة أشهر عن (٢) وقت الوصية)، وبه قالت الأئمة الثلاثة، والثوري، ولا يعلم فيه خلاف. وفي النهاية: عن وقت موت الموصي، لأنه ذكر في المبسوط: لو أوصى بما في بطن جاريته، ثم ولدت بعد موته لستة أشهر أو أكثر لا وصية له؛ لأنه أوصى بالمعدوم، ولم يعلم وجوده عند الموت [لا حقيقة ولا حكمًا، ووجوب الوصية عند الموت] (٣)، فما ذكر في الكتاب مخالف له، إلا أن تأويل قوله: (من وقت الوصية) عن وقت وجوب الوصية.

стр. 7338

أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ الوَصِيَّةَ اسْتِخْلَافٌ مِنْ وَجْهِ، لِأَنَّهُ يَجْعَلُهُ خَلِيفَةً فِي بَعْضِ مَالِهِ، وَالجَنِينُ صَلَحَ خَلِيفَةً فِي الإِرْثِ فَكَذَا فِي الوَصِيَّةِ إِذْ هِيَ أُخْتُهُ، إِلَّا أَنَّهُ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ، لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّمْلِيكِ، بِخِلَافِ الهِبَةِ، لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ مَحْضُ وَلَا وِلَايَةَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ لِيُمَلِّكَهُ شَيْئًا. وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّهُ بِعَرْضِ الوُجُودِ، إذ الكَلَامُ فِيمَا إِذَا عُلِمَ وُجُودُهُ وَقْتَ الوَصِيَّةِ، وَبَابُهَا أَوْسَعُ لِحَاجَةِ المَيِّتِ وَعَجْزِهِ، وَلِهَذَا تَصِحُ فِي غَيْرِ المَوْجُودِ كَالثَّمَرَةِ، فَلَأَنْ تَصِحَ فِي المَوْجُودِ أَوْلَى. قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى بِجَارِيَةٍ إِلَّا حَمْلَهَا، صَحَّتْ الوَصِيَّةُ وَالاسْتِثْنَاءُ) لِأَنَّ اسْمَ الجَارِيَةِ لَا يَتَنَاوَلُ الحَمْلَ لَفْظًا، … . ولكن يشكل على ما ذكر في المبسوط والكتاب مسألة الوصية بثمرة بستانه أبدا، فإنه يجوز، ويجيء في الكتاب في باب الوصية والسكنى والثمرة، وكذا الوصية بغلة بستانه تقع على الموجود والمعدوم، وكذا وجود الموصى له ليس بشرط لصحة الوصية. ألا ترى أنه لو أوصى لأولاد فلان، ولم يكن له ولد، وولد بعد الوصية قبل موت الموصي فالوصية صحيحة له، وأجناسه تجيء في باب الوصية للأقارب من الكتاب. وذكر المحبوبي أيضًا: وجوابه يجيء هناك أيضًا إن شاء الله تعالى. وعند الأئمة الثلاثة: يصير من حين الوصية، كما ذكر في الكتاب. قوله: (والجنين صلح خليفة) إلى آخره، والقبول شرط ثبوت الملك لا شرط صحة الوصية، فيصح وإن لم يكن القبول. وقوله: (إلا أنه يرتد بالرد) سؤال مقدر، وهو أن الوصية لو كانت أخت الميراث ينبغي ألا ترد بالرد كالإرث، فأجاب بما ذكر أن الهبة لا تصح؛ لأنها تمليك محض، ولا ولاية لأحد على ما في البطن، أما الوصية صحيحة؛ لأن الإيصاء خلافة، وخلافة الحمل صحيح شرعًا لحاجة الميت. قوله: (لا يتناول الحمل لفظًا) فإن قيل: إذا لم يتناوله اسم الجارية فينبغي أن لا يصح استثناؤه؛ لأنه تصرف في الملفوظ.

стр. 7339

وَلَكِنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِالإِطْلَاقِ تَبَعًا، فَإِذَا أَفْرَدَ الأُمَّ بِالوَصِيَّةِ، صَحَّ إِفْرَادُهَا، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ إِفْرَادُ الحَمْلِ بِالوَصِيَّةِ فَجَازَ اسْتِثْنَاؤُهُ، وَهَذَا هُوَ الأَصْلُ: أَنَّ مَا يَصِحُّ إِفْرَادُهُ بِالعَقْدِ يَصِحُ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْهُ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَمَا لَا يَصِحُ إِفْرَادُهُ بِالعَقْدِ لَا يَصِحُ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْهُ، وَقَدْ مَرَّ فِي البُيُوعِ. قَالَ: (وَيَجُوزُ لِلْمُوصِي الرُّجُوعُ عَنْ الوَصِيَّةِ) لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ لَمْ يَتِمَّ، فَجَازَ الرُّجُوعُ قلنا: كفى لصحته التزين بزيها كما في (استثناء إبليس)، وهاهنا الحمل جزء؛ لأنه ما لم ينفصل فبهذا الملابسة والتبعية جاز الاستثناء، مع أن صحة الاستثناء لا تفتقر إلى التناول اللفظي، بدليل استثناء قفيز حنطة من ألف درهم. ولأن اسم الجارية يتناول الحمل من وجه؛ لأن الجارية اسم للمجموع، والحمل جزء فيتناوله ضمنا أي: الحمل. (يستحق بالإطلاق) أي: بإطلاق لفظ الجارية دون الاستثناء (تبعًا) يعني يدخل الحمل في الوصية بالجارية تبعًا. قوله: (لأنه) أي: الوصية على تأويل الإيصاء (تَبَرُّع لم يتم)؛ لأنه مضاف إلى ما بعد الموت والتبرع النافذ، وهو الهبة تحتمل الرجوع، فالمضاف أولى. أجمع أهل العلم على جواز الرجوع للموصي في جميع ما أوصى به أو بعضه إلا الوصية بالإعتاق، والأكثرون على جواز الرجوع في الوصية، وهو [قول] (١) الأئمة الأربعة، وعطاء، وجابر بن زيد، والزهري، وقتادة، وإسحاق، وأبو ثور. وروي عن عمر أنه قال: يغير الرجل ما شاء من وصيته ولم يعرف له مخالف، فحل محل الإجماع. وعن الشعبي وابن سيرين وابن شبرمة، والنخعي: يغير منها ما شاء إلا العتق؛ لأنه إعتاق بعد الموت، فلم يملك التغيير كالتدبير. ولنا ما روينا عن عمر، ولأنه عطية كالهبة فجاز الرجوع فيها قبل القبض،

стр. 7340

عَنْهُ كَالهِبَةِ، وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ فِي كِتَابِ الهِبَةِ، وَلِأَنَّ القَبُولَ يَتَوَقَّفُ عَلَى المَوْتِ، وَالإِيجَابُ يَصِحُ إِبْطَالُهُ قَبْلَ القَبُولِ كَمَا فِي البَيْعِ. قَالَ: (وَإِذَا صَرَّحَ بِالرُّجُوعِ، أَوْ فَعَلَ مَا يَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ، كَانَ رُجُوعًا) أَمَّا الصَّرِيحُ فَظَاهِرُ، وَكَذَا الدَّلَالَةُ، لِأَنَّهَا تَعْمَلُ عَمَلَ الصَّرِيحِ، فَقَامَ مَقَامَ قَوْلِهِ: «قَدْ كما في الهبة، ويحصل الرجوع بالصريح وبالدلالة بإجماع أهل العلم. أما الصريح فظاهر، وهو قوله: رجعت في وصيتي، أو أبطلتها، أو غيرتها. أما الدلالة فكل فعل يسقط به خيار الشرط في البيع. (لأنها) أي: الدلالة (تعمل عمل الصريح) بل تفوق على الصريح السابق؛ لأنها عامل في الحال، وصريح قوله: أوصيت لا يعمل في الحال. وفي الذخيرة: دلالة أنواع، أحدها: استهلاك الموصى به حكمًا أو حقيقة، كما لو أوصى بثوب بقطعة وخاطه قميصا، أو بقطعتين فغزله ونسجه، أو بحديدة فصنعها سيفاً، فهذه التصرفات استهلاك حكما؛ ألا ترى أن حق المغصوب منه ينقطع بهذه التصرفات، ونوع من ذلك أن يخلطه بغيره خلطا لا يمكن التمييز أصلا كالسويق إذا لَتَهُ بسمن. ونوع من ذلك أن يُحدث نقصانا فيه حتى خرج عن هيئة الادخار والبقاء إلى يوم الموت، بأن كانت شاة فذبحها. وأما الرجوع ضرورة فإن يتغير الموصى به ويتغير اسمه؛ لأنه لا يبقى بهذا موصى به بذلك إلى يوم الموت، كما لو أوصى بحنطة فهبت الريح بها وألقتها في طاحونة فصارت دقيقا قبل موت الموصي بطلب الوصية، أو أوصى بالكُفْرَى في نخلة فصارت رطبا، أو أوصى بعنب فصار زبيبًا، أو أوصى ببيضة فحضنت دجاجة عليها فأخرجت فراريخ بطلت الوصية. ولو كان التغير في هذه المسائل بعد موت الموصي قبل قبول الوصية أو بعده لا تبطل الوصية؛ لأن التغير حصل بعد تمام الوصية، فلا يوجب بطلانها، ولو أوصى برطب فصار تمرًا لا تبطل الوصية استحسانًا، بخلاف العنب إذا صار زبيبا، لأن الرطب والتمر جنس واحد، ولهذا جاز استيفاء أحدهما مكان الآخر

стр. 7341

أُبْطَلَتْ»، وَصَارَ كَالبَيْعِ بِشَرْطِ الخِيَارِ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ الخِيَارُ فِيهِ بِالدَّلَالَةِ، ثُمَّ كُلُّ فِعْلٍ لَوْ فَعَلَهُ الإِنْسَانُ فِي مِلْكِ الغَيْرِ يَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ المَالِكِ، فَإِذَا فَعَلَهُ المُوصِي كَانَ رُجُوعًا، وَقَدْ عَدَدْنَا هَذِهِ الْأَفَاعِيلَ فِي كِتَابِ الغَصْبِ. وَكُلٌّ فِعْلٍ يُوجِبُ زِيَادَةٌ فِي المُوصَى بِهِ وَلَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُ العَيْنِ إِلَّا بِهَا، فَهُوَ رُجُوعٌ إِذَا فَعَلَهُ، مِثْلُ: السَّوِيقِ يَلُتُّهُ بِالسَّمْنِ، وَالدَّارِ يَبْنِي فِيهِ المُوصِي، وَالقُطْنِ يَحْشُو بِهِ، وَالبِطَانَةِ يُبَيِّنُ بِهَا، وَالظَّهَارَةِ يُظَهِّرُ بِهَا، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُهُ بِدُونِ الزِّيَادَةِ، وَلَا يُمْكِنُ نَقْضُهَا، لِأَنَّهُ حَصَلَ فِي مِلْكِ المُوصِي مِنْ جِهَتِهِ، بِخِلَافِ تَخْصِيصِ الدَّارِ المُوصَى بِهَا وَهَدْمِ بِنَائِهَا، لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي التَّابِعِ، وَكُلُّ تَصَرُّفٍ أَوْجَبَ زَوَالَ مِلْكِ المُوصِي فَهُوَ رُجُوعٌ، كَمَا إِذَا بَاعَ العَيْنَ المُوصَى بِهِ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ أَوْ وَهَبَهُ ثُمَّ رَجَعَ فِيهِ، لِأَنَّ الوَصِيَّةَ لَا تَنْفُذُ إِلَّا فِي مِلْكِهِ، فَإِذَا أَزَالَهُ كَانَ رُجُوعًا. وَذَبْحُ الشَّاةِ المُوصَى بِهَا رُجُوعٌ، لِأَنَّهُ لِلصَّرْفِ إِلَى حَاجَتِهِ عَادَةٌ، فَصَارَ هَذَا المَعْنَى أَصْلًا أَيْضًا، وَغَسْلُ الثَّوْبِ المُوصَى بِهِ لَا يَكُونُ رُجُوعًا، لِأَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَ ثَوْبَهُ غَيْرَهُ يَغْسِلُهُ عَادَةً، فَكَانَ تَقْرِيرًا. في السلم، وجاز بيع الرطب بالتمر متماثلا عند أبي حنيفة فلم يتغير. وفي العنب تغير العنب والاسم، وكذا البيع والهبة ولا يعلم فيه خلاف للأئمة الثلاثة، وعند الشافعي في وجه: إذا جعل الرطب تمرا رجوع كما في العنب. قوله: (وهدم بنائها) حيث لا يكون رجوعًا عندنا، وعند الأئمة الثلاثة يكون رجوعًا؛ لأنه (١) تصرف يوجب تغير الموصى به، ولهذا لو فعله في ملك غيره يجب الضمان، أما لو انهدمت بنفسها لا يكون رجوعًا بالإجماع. ولنا أن البناء تابع والتصرف في البيع لا يدل على إسقاط الحق عن الأصل كالتخصيص. قوله: (فكان تقريرًا) أي: تقريرًا للوصية ليصل الموصى به إلى الموصى له

стр. 7342

قَالَ: (وَإِنْ جَحَدَ الوَصِيَّةَ، لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا) كَذَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَكُونُ رُجُوعًا (*)، لِأَنَّ الرُّجُوعَ نَفْيٌ فِي الحَالِ، وَالجُحُودَ على ألطف حال، وعن الشافعي في وجه: يكون رجوعًا إذا قصده. قوله: (وإن جحد الوصية لم يكن رجوعًا) حتى لو قامت البينة على الوصية بعد موت الموصي قبلت هكذا ذكر في الجامع. وفي المبسوط: جحود الوصية رجوع، قال بعض مشايخنا: لا اختلاف بين الروايتين، ولكن ما ذكر في الجامع محمول على أن الجحود كان عند الموصى له، والجحود [عند] (١) غيبته لا يكون رجوعًا على الروايات كلها؛ لأن الجحود ليس بصريح رجوع، ولكن لما كان نفيًا للحال اقتضى الرد، وإنما يثبت الرد إذا صح الإنكار، والإنكار على الغائب لا يصح، لأن الإنكار من باب المعارضة، وإذا لم يصح الإنكار لا يصح ما يقوم به، وهو الرد. وما ذكره في المبسوط محمول على ما إذا كان جحوده عند حضرة الموصى له، والجحود عند حضرته يكون رجوعًا باتفاق الروايات. وقال بعضهم: ما ذكر في المبسوط محمول على الجحود الحقيقي رجوع على الروايات كلها، وما ذكر في الجامع محمول على صورة الرجوع. فإن موضوع مسألة الجامع فيمن أوصى لرجل بثلث ماله، ثم قال لقوم: اشهدوا أني لم أوص لفلان لا بقليل ولا بكثير؛ لأن هذا طلب شهادة الزور، فكأنه قال: اشهدوا عليَّ بالباطل، فلم يكن رجوعًا. ومنهم من قال: في المسألة روايتان، قال شيخ الإسلام هو الأصح. وفي مبسوط السرخسي: والأصح ما ذكره المُعلّى في نوادره أن على قول محمد لا يكون رجوعًا، وعلى قول أبي يوسف يكون رجوعًا، وهو قول الشافعي، ومالك، وأحمد في رواية، وفي رواية عن أحمد لم يكن رجوعًا كقول محمد.

стр. 7343

نَفْيٌ فِي المَاضِي وَالحَالِ، فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ رُجُوعًا، وَلِمُحَمَّدٍ: أَنَّ الجُحُودَ نَفْيٌ فِي وعن أبي حنيفة روايتان لأبي يوسف أن الرجوع نفي الوصية في الحال، والجحود نفي لها في الماضي والحال، فأولى أن يكون رجوعًا، ألا ترى أن جحود التوكيل عزل، وجحود المتبايعين إقالة. (ولمحمد أن الجحود) إلى آخره يعني الرجوع عن الشيء يقتضي وجود ذلك الشيء، والجحود يقتضي سبق عدمه، إذ الجحود نفي لأصل العقد. فلو كان الجحود رجوعًا لاقتضى وجود الوصية وعدمها فيما سبق وهو محال، أو يقال: العدم في السابق من لوازم الجحود، والوجود في السابق من لوازم الرجوع، وتنافي اللازمين يستلزم تنافي الملزومين، ولا يلزم أحد المحالين، وهو الجمع بين اللازمين المتنافيين أو وجود الملزوم بدون اللازم، فكان بين الجحود والرجوع منافاة ضرورة كونهما ملزومين، فلا يكون الجحود رجوعًا؛ لأن أحد المتنافيين لا يكون مستلزما للآخر، ولهذا لا يكون جحود النكاح فرقة. فإن قيل: ينبغي أن يكون الجحود رجوعًا مجازًا عن الرجوع تحرزا عن إلغاء كلامه وصيانته عن الكذب، كما قال أبو حنيفة في أكبر سنا منه هذا ولدي يجعل مجازا عن العتق لصيانة كلامه عن الإلغاء. قلنا: لو جعلنا هذا الكلام رجوعًا لبطل الأول وهو إيصاؤه، والإيصاء بابه أوسع وتنفيذه أنفع تلافيًا لما [فرط] (١) فرجحنا جهة تصحيح الأول بخلاف مسألة أكبر سنا منه، فإن العتق أسرع نفوذًا من سائر التصرفات، كذا نقل عن العلامة مولانا حميد الدين ﵀. وفي النهاية: تأخير المصنف دليل محمد يدل على أن اختياره قول محمد. ولكن ذكر في الذخيرة، والمبسوط: والأصح قول أبي يوسف، فوجه الأصح أن الجحود كذب حقيقة إلا أنه يحتمل الفسخ مجازا، فيحمل وهو الفسخ صيانة لكلام العاقل عن الإلغاء.

стр. 7344

المَاضِي، وَالانْتِفَاءُ فِي الحَالِ ضَرُورَةُ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ ثَابِتًا فِي الحَالِ، كَانَ الجُحُودُ لَغْوًا، أَوْ لِأَنَّ الرُّجُوعَ إِثْبَاتٌ فِي المَاضِي وَنَفْيٌ فِي الحَالِ، وَالجُحُودَ نَفْيٌ فِي المَاضِي وَالحَالِ، فَلَا يَكُونُ رُجُوعًا حَقِيقَةٌ، وَلِهَذَا لَا يَكُونُ جُحُودُ النِّكَاحِ فُرْقَةٌ، (وَلَوْ قَالَ: كُلُّ وَصِيَّةٍ أَوْصَيْتُ بِهَا لِفُلَانٍ فَهُوَ حَرَامٌ وَرِبًا، لَا يَكُونُ رُجُوعًا) لِأَنَّ الوَصْفَ يَسْتَدْعِي بَقَاءَ الأَصْلِ (بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: فَهِيَ بَاطِلَةٌ) لِأَنَّهُ الذَّاهِبُ المُتَلَاشِي (وَلَوْ قَالَ: أَخَرْتُهَا، لَا يَكُونُ رُجُوعًا) لِأَنَّ التَّأْخِيرَ لَيْسَ لِلسُّقُوطِ كَتَأْخِيرِ وأمكن حمله على الفسخ؛ لأن الموصي ينفرد بفسخ الوصية بخلاف البيع والإجارة إذا جحد أحد المتعاقدين؛ لأن هناك حمله على الفسخ؛ لأن أحد المتعاقدين هناك لا ينفرد بالفسخ حتى لو تجاحدا نقول بانفساخ العقد. بخلاف ما لو جحد الزوج النكاح من الأصل بأن قال: لم أتزوجكِ؛ لأن هناك تعذر حمله على الفسخ أيضًا؛ لأن النكاح لا يحتمل الفسخ، ولا يمكن أن يجعل كناية عن الطلاق، إذ لا مشابهة؛ لأن الجحود ينفي العقد، والطلاق يقطع العقد ولا ينفي، وبعد إثبات الطلاق بطريق الإضمار؛ لأن نية الإضمار إنما تصح لو صرح به يستقيم، ولو صرح بالطلاق فقال: لم أتزوجك لأني طلقتك لم يصح، بخلاف قوله: لا نكاح بيني وبينك أو لست لي بامرأة، أو ما أنا بزوجكِ، ونوى الطلاق على قول أبي حنيفة؛ لأن هناك أمكن إضمار الطلاق. ألا ترى أنه لو صرح فقال: لا نكاح بيني وبينك، أو [قال] (١): لست بامرأتي؛ لأني طلقتك، فكذا إذا أضمر، إليه أشار في الذخيرة، والمبسوط. وإذا كان ثابتًا في الحال كان الجحود لغوًا، وذلك لأن الجحود لما كان نفيًا في الماضي والانتفاء في الحال ضروري، فيكون النفي في الماضي متضمنا للانتفاء في الحال، فمهما كان كاذبًا في النفي لم يثبت المتضمن، فيبقى الحق ثابتا في الحال. قوله: (ولو قال أخرتها).

стр. 7345

الدَّيْنِ (بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: تَرَكْتُ) لِأَنَّهُ إِسْقَاطٌ (وَلَوْ قَالَ: العَبْدُ الَّذِي أَوْصَيْتُ بِهِ لِفُلَانٍ فَهُوَ لِفُلَانٍ، كَانَ رُجُوعًا) لِأَنَّ اللَّفْظَ يَدُلُّ عَلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ (بِخِلَافِ مَا إِذَا أَوْصَى بِهِ لِرَجُلٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِآخَرَ) لِأَنَّ المَحِلَّ يَحْتَمِلُ الشَّرِكَةَ، وَاللَّفْظَ صَالِحٌ لَهَا (وَكَذَا إِذَا قَالَ: فَهُوَ لِفُلَانٍ وَارِثِي، يَكُونُ رُجُوعًا عَنْ الأَوَّلِ) لِمَا بَيَّنَا، وَيَكُونُ وَصِيَّةٌ لِلْوَارِثِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُ (وَلَوْ كَانَ فُلَانٌ الآخَرُ مَيْتًا حِينَ أَوْصَى، فَالوَصِيَّةُ الأُولَى عَلَى حَالِهَا) لِأَنَّ الوَصِيَّةَ الأُولَى إِنَّمَا تَبْطُلُ ضَرُورَةَ كَوْنِهَا لِلثَّانِي، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ، فَبَقِيَ لِلْأَوَّلِ (وَلَوْ كَانَ فُلَانٌ حِينَ قَالَ ذَلِكَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ مَوْتِ المُوصِي، فَهِيَ لِلْوَرَثَةِ) لِبُطْلَانِ الوَصِيَّتَيْنِ الأُولَى بِالرُّجُوعِ، وَالثَّانِيَةِ بِالمَوْتِ. بَابُ الوَصِيَّةِ بِثُلُثِ المَالِ إلى قوله: (وقد ذكرنا حكمه) لا يعلم فيه خلاف في هذا المجموع. قوله: (لأن اللفظ يدل على قطع) وإثبات بتخصيص العبد لفلان، فلما قال هو لفلان كان رجوعًا؛ لأنه لم يذكر بينهما حرف الاشتراك. وقوله: (وقد ذكرنا حكمه) إشارة إلى قوله: (وهو أن الورثة بالخيار إن شاؤوا أجازوا وإن شاؤوا ردّوا). قوله: (فهي للورثة) أي لورثة الموصي لا لفلان ولا لورثته لبطلان الوصيتين؛ لأنه لما أثبت للثاني كان رجوعًا عن الأول فبطلت الوصية في حق الأول، وصحت في حق الثاني، ثم بطلت لموته قبل موت الموصي، كذا في الإيضاح. ولو قال: كل وصية أوصيت بها لفلان فهو لعقب زيد، ومات زيد قبل الموصي وله عقب ثم مات الموصى له، فهو لعقب زيد ويكون رجوعًا. بَابُ الْوَصِيَّةِ بِثُلُثِ الْمَالِ لما ذكر الوصية ومسائلها ومراد الوصية عند عدم الإجازة على الثلث عقب مسائل الوصية بالثلث.

стр. 7346

قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَلآخَرَ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَلَمْ تُجِزِ الوَرَثَةُ، فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّهُ يَضِيقُ الثُّلُثُ عَنْ حَقِّهِمَا، إِذْ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ الإِجَازَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ: وَقَدْ تَسَاوَيَا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ فَيَسْتَوِيَانِ فِي الاسْتِحْقَاقِ، وَالمَحِلُّ يَقْبَلُ الشَّرِكَةَ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا (وَإِنْ أَوْصَى لِأَحَدِهِمَا بِالثُّلُثِ، وَلِلْآخَرِ بِالسُّدُسِ، فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا يُدْلِي بِسَبَبٍ صَحِيحٍ، وَضَاقَ الثُّلُثُ عَنْ حَقَّيْهِمَا فَيَقْتَسِمَانِهِ عَلَى قَدْرِ حَقَّيْهِمَا كَمَا فِي أَصْحَابِ الدُّيُونِ، فَيُجْعَلُ الْأَقَلُّ سَهْمَا، وَالْأَكْثَرُ سَهْمَيْنِ، فَصَارَ ثَلَاثَةَ أَسْهُم، سَهْمٌ لِصَاحِبِ الأَقَلِّ، وَسَهْمَانِ لِصَاحِبِ الْأَكْثَرِ (وَإِنْ أَوْصَى لِأَحَدِهِمَا بِجَمِيعِ مَالِهِ، وَلِلْآخَرِ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَلَمْ تُجِزِ الوَرَثَةُ، فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُم عِنْدَهُمَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَلَا يَضْرِبُ أَبُو قوله: (تَساوَيَا في سبب الاستحقاق) وهو الإيصاء بالثلث وبقوله: (والمحل يقبل الشركة) يحترز عما قبيل الباب. (ولو قال العبد الذي أوصيت) إلى آخره، وعما لو أقام رجلان بينة على نكاح امرأة واحدة حيث لا يقضى لهما؛ لأن المحل لا يقبل الشركة ولا لواحد منهما أيضًا؛ لعدم الأولية، وكذا لو أقاما بينة على غير معين في يد فلان أنه رهن لهما تبطل البينتان لما ذكرنا. قوله: (يدلي بسبب صحيح) في المُغرِب: أدليت الدلو في البئر: أرسلتها فيها، ومنه: أدلى بالحجة: أحضرها. قوله: فالثلث بينهما على أربعة أسهم عندهما إلى آخره، وكذا الخلاف لو أوصى لأحدهما بنصف ماله، ولآخر بربع ماله. فالحاصل: أن عند أبي حنيفة ﵀ لا يضرب الموصى له عند عدم الإجازة بأكثر من الثلث، وبه قال أبو ثور، وابن المنذر. وعند أبي يوسف ومحمد: يضربون بقدر سهامهم في الثلث عند عدم الإجازة، وبه قالت الأئمة الثلاثة، والحسن، والثوري، والنخعي، وابن أبي ليلى، وإسحاق، إلا في المحاباة والسعاية والدراهم المرسلة. فإن عند أبي حنيفة في المسائل الثلاثة يضربون بقدر سهامهم كما قالا،

стр. 7347

حَنِيفَةَ لِلْمُوصَى لَهُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، إِلَّا فِي المُحَابَاةِ وَالسَّعَايَةِ وَالدَّرَاهِمِ المُرْسَلَةِ) (*) لَهُمَا فِي الخِلَافِيَّةِ: أَنَّ المُوصِي قَصَدَ شَيْئَيْنِ، الِاسْتِحْقَاقَ وَالتَّفْضِيلَ، وَامْتَنَعَ الاسْتِحْقَاقُ لِحَقِّ الوَرَثَةِ وَلَا مَانِعَ مِنْ التَّفْضِيلِ، فَيَثْبُتُ كَمَا فِي المُحَابَاةِ وَأُخْتَيْهَا. وَلَهُ: أَنَّ الوَصِيَّةَ وَقَعَتْ بِغَيْرِ المَشْرُوعِ عِنْدَ عَدَمِ الإِجَازَةِ مِنْ الوَرَثَةِ، إِذْ لَا نَفَاذَ لَهَا بِحَالٍ، فَيَبْطُلُ أَصْلًا، وَالتَّفْضِيلُ يَثْبُتُ فِي ضِمْنِ الِاسْتِحْقَاقِ فَبَطَلَ بِبُطْلَانِهِ وأجمعوا على أن الوصايا إذا كانت لكل واحد لا تزيد على الثلث، بأن أوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بسدسه لا يقسم الثلث بينهما على السواء، بل على قدر حقهما كما في الديون، فيجعل الأول سهما، فصارت ثلاثة أسهم، سهم لصاحب الأصل، وسهمان لصاحب الأكثر. ثم صورة المحاباة: أن يكون له عبدان قيمة أحدهما ألف ومائة، وقيمة الآخر ستمائة، وأوصى بأن يباع واحد منهما بمائة، والآخر لفلان آخر بمائة، فهاهنا حصلت المحاباة لأحدهما ألف ولآخر بخمسمائة، وذلك كله وصية؛ لأنه في حال المرض. فإن لم يكن له مال غيرهما، ولم يجز الورثة، صارت المحاباة بقدر الثلث، فيكون بينهما أثلاثًا يضرب الموصى له بالألف بحسب وصيته وهي الألف، والموصى له الآخر بحسب وصيته وهي خمسمائة، فلو كان كسائر الوصايا عنده وجب أن لا يضرب الموصى له بالألف أكثر من خمسمائة. وصورة السعاية: هو أن يوصي بعتق عبديه، قيمة أحدهما ألف، وقيمة الآخر ألفان، ولا مال له غيرهما، إن أجازت الورثة يعتقان جميعًا، وإن لم يجيزوا يعتقان من الثلث، وثلث ماله ألف، فالألف بينهما على قدر وصيتهما ثلثا الألف للذي قيمته ألفان فيعتق منه بقدر ثلث الألف، ويسعى في الباقي، والثلث للذي قيمته ألف فيعتق منه بقدر ثلث الألف ويسعى في الباقي. وصورة الدراهم المرسلة أي: المطلقة بأن أوصاه بشيء بعينه، ولم ينسبه

стр. 7348

كَالمُحَابَاةِ الثَّابِتَةِ فِي ضِمْنِ البَيْعِ، بِخِلَافِ مَوَاضِعِ الإِجْمَاعِ، لِأَنَّ لَهَا نَفَاذًا فِي إلى جزء من المال، هي أن يوصي لرجل بألف ولآخر بألفين، وثلث ماله ألف، ولم يجز الورثة، فإنه يكون بينهما أثلاثا، كل واحد يضرب جميع وصيته؛ لأن الوصية في مخرجها صحيحة لجواز أن يكون له مال آخر يخرج هذا القدر من الثلث؛ ولا كذلك فيما إذا أوصى له بثلث ماله، ولآخر بنصف ماله أو بجميع ماله؛ لأن اللفظ من مخرجه لم يصح؛ لأن ماله لو كثر أو خرج له مال آخر يدخل فيه تلك الوصية، ولا يخرج من الثلث، كذا في شرح الطحاوي. قوله: (كالمحاباة الثابتة في ضمن البيع) أي: تبطل المحاباة ببطلان البيع وتصح بصحته. قوله: (بخلاف مواضع الإجماع)؛ لأنه لم يظهر أن التصرف لم يصادف محله؛ لأن حق الورثة في أعيان التركة دون الدراهم المرسلة، والوصية بالسعاية كالوصية بالدراهم المرسلة، وكذا بالمحاباة لأنه وصية بالثمن، فصار بمنزلة المرسل، ويتصور تنصف الكل بدون إجازة الورثة، بأن يكثر مال الميت بخلاف مواضع الخلاف، بأن ماله كثر أو خرج له مال آخر يدخل فيه تلك الوصية، ولا يخرج من الثلث. فإن قيل: هذا فاسد والخلاف ثابت فيما إذا أوصى بعبد بعينه لإنسان قيمته ألف، وبعبد بعينه لآخر قيمته ألفان، ولا مال له غيرهما، وهنا يتصور تنفيذ الوصية لكل واحد منهما في جميع ما سماه له بدون إجازة الورثة، بأن يكثر مال الميت فيخرج العبد من ثلثه. قلنا: نعم، ولكن وصيتهما بعين التركة، وعين التركة حق الورثة، فكانت الوصية واقعة في حق الورثة. ألا ترى أنه لا يصح إلا بعد قيام ملكه في العين عند الوصية، وتبطل بهلاكها، وإن استفاد مالا آخر بخلاف الوصية بالدراهم المرسلة؛ لأنها صحيحة، وإن لم يكن في ملكه مال عند الوصية، ولو هلكت التركة ينفذ فيما استفاد من المال، فلم تكن متعلقة بعين ما تعلق به حق الورثة. وأما في صورة الإعتاق والمحاباة يتعلق حق الموصى له بالعين ضمنا

стр. 7349

الجُمْلَةِ بِدُونِ إِجَازَةِ الوَرَثَةِ، بِأَنْ كَانَ فِي المَالِ سَعَةٌ فَتُعْتَبَرُ فِي التَّفَاضُلِ لِكَوْنِهِ مَشْرُوعًا فِي الجُمْلَةِ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا أَوْصَى بِعَيْنِ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَقِيمَتُهُ تَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ، فَإِنَّهُ يَضْرِبُ بِالثُّلُثِ، وَإِنْ احْتَمَلَ أَنْ يَزِيدَ المَالُ، فَيَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ، لِأَنَّ هُنَاكَ الحَقُّ تَعَلَّقَ بِعَيْنِ التَّرِكَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ وَاسْتَفَادَ مَالًا آخَرَ تَبْطُلُ الوَصِيَّةُ، وَفِي الْأَلْفِ المُرْسَلَةِ لَوْ هَلَكَت التَّرِكَةُ تَنْفُذُ فِيمَا يُسْتَفَادُ، فَلَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّقًا بِعَيْنِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الوَرَثَةِ. قَالَ: (وَإِذَا أَوْصَى بِنَصِيبِ ابْنِهِ، فَالوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ، وَلَوْ أَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ ابْنِهِ، جَازَ) لِأَنَّ الأَوَّلَ وَصِيَّةٌ بِمَالِ الغَيْرِ، لِأَنَّ نَصِيبَ الِابْنِ مَا يُصِيبُهُ بَعْدَ المَوْتِ، وَالثَّانِيَ وَصِيَّةٌ بِمِثْلِ نَصِيبِ الِابْنِ، وَمِثْلُ الشَّيْءِ غَيْرُهُ، وَإِنْ كَانَ يَتَقَدَّرُ بِهِ، فَيَجُوزُ، وَقَالَ زُفَرُ: يَجُوزُ فِي للإعتاق والبيع لا قصدًا، ولأن العين بالبيع والإعتاق لا تبقى في ملك الورثة حتى يتعلق حقهم في العين. قوله: (فالوصية باطلة)، وبه قال أصحاب الشافعي، وأحمد، ولو قال بمثل نصيب ابن أو بنت أو وارث جاز. وقال زفر: جازت الوصية في الوجهين، وبه قال مالك، وأحمد في رواية، وبعض أصحاب الشافعي، وابن أبي ليلى، واللؤلؤي، وأهل البصرة، وداود. وفي النهاية: إنما تبطل الوصية في الصورة الأولى إذا كان الابن أو الابنة موجودًا؛ لأن نصيبهما ثبت بنص الكتاب، فقد أراد تغيير ما فرض الله تعالى، فلا يصح. أما إذا لم يكن له ابن ولا ابنة فإنه تصح الوصية؛ لأنه ليس فيه تغيير ما فرض الله تعالى في كتابه، أما في الوصية بمثل نصيب ابن جازت الوصية سواء كان له ابن أو لا. قوله: (لأن نصيب الابن ما يصيبه بعد الموت) فكان فيه تغيير ما فرض الله تعالى، فصار كأنه أوصى له بمال زيد. (فينظر) أي: زفر (إلى الحال) أي: إلى الحال التي هو حي فيها بعد والكل ماله فيتصرف في ماله كيف شاء. وجوابه ما قلنا، وهو قوله: (لأن الأول وصية بمال الغير).

стр. 7350

الأَوَّلِ أَيْضًا، فَيُنْظَرُ إِلَى الحَالِ، وَالكُلُّ مَالُهُ فِيهِ، وَجَوَابُهُ مَا قُلْنَا. قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى بِسَهُم مِنْ مَالِهِ، فَلَهُ أَخَسُّ سِهَامِ الوَرَثَةِ، إِلَّا أَنْ يَنْقُصَ عَنْ السُّدُسِ، فَيَتِمَّ لَهُ السُّدُسُ، وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَهُ مِثْلُ وفي المغني لابن قدامة الحنبلي: يمكن تصحيح وصيته بأن يحمل لفظه على مجازه، بأن أقام المضاف إليه مقام المضاف أي: بمثل نصيب ابنه حملا لكلامه على المجاز صيانة عن الإلغاء، وتنفيذ الوصية لكونها أنفع تلافيًا لما فرط، فصارت المسألة الأولى كالثانية، ولكلامه وجه، وما وجدت له دافعًا في الكتب. قوله: (ومن أوصى بسهم ماله فله أخس سهام الورثة) أي: ما لم يزد على السدس فإذا أراد دفع إليه السدس، وبه قال أحمد في رواية، ومالك في قول. وقال بعض أصحاب مالك: يعطى له الثمن؛ لأنه أقل له أكثر من السدس من سهم من سهام الفريضة؛ لأن السدس أول السهم في الأصول. وقال أحمد في رواية: يعطى له سهم مما تصح منه الفريضة، وهذا قول شريح؛ لأن قوله: سهم ينصرف إلى سهام الفريضة، فينصرف السهم إليها فكان واحدًا من سهامها، وهو قول أبي يوسف، ومحمد، لكن لا يزاد على الثلث. وقال الشافعي، وابن المنذر: يعطيه الورثة ما شاؤوا؛ لأن ذلك يقع عليه اسم السهم، كما لو أوصى بجزء أو حظ، والمراد بأخس الأنصباء أقلها. قوله: (إلا أن ينقص عن السدس فيتمم له السدس ولا يزاد عليه) أي: على السدس، يعني يكون له السدس. وعن هذا قال في المبسوط: إلا أن يكون أخس السهام أكثر من السدس، لا يزاد على قول أبي حنيفة، وقال في موضع آخر: له السدس. ثم اعلم أن في نسخ الجامع الصغير والمبسوط لم يذكر قوله: إلا أن ينقص عن الثلث فيتمم له، بل قال فيها: فله أخس سهام الورثة ولا يزاد على السدس إلا أن يجيزه الوارث، فكذا في غيره. فعلى رواية شروح الجامع ينقص عن السدس ولا يزاد على السدس، فعلم

стр. 7351

نَصِيبِ أَحَدِ الوَرَثَةِ، وَلَا يُزَادُ عَلَى الثُّلُثِ إِلَّا أَنْ يُجِيزَ الوَرَثَةُ) لِأَنَّ السَّهْمَ يُرَادُ بِهِ أَحَدُ سِهَامِ الوَرَثَةِ عُرْفًا لَا سِيَّمَا فِي الوَصِيَّةِ، وَالأَقَلُّ مُتَيَقَّنٌ بِهِ فَيُصْرَفُ إِلَيْهِ، إِلَّا إِذَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ إِجَازَةِ الوَرَثَةِ. وَلَهُ: أَنَّ السَّهْمَ هُوَ السُّدُسُ، هُوَ المَرْوِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، وَقَدْ رَفَعَهُ إِلَى أن هذا سهو وقع من الكاتب، وجعل حكم الأصل حكم الجامع. وعن هذا ألحق بهذا الموضع الإمام جلال الدين بن المصنف قوله: وفي رواية إلا أن يزيد على السدس، فيكون له السدس. والمراد بقولهما: فله نصيب أحد الورثة الأقل من الأنصباء، ولكن لا يزاد على الثلث، بل يعطى الثلث ويزاد على السدس. وقد صرح بهذا الإمام قاضي خان حيث قال: وقال أبو يوسف، ومحمد: له أخس سهام الورثة إلا أن يكون ذلك أكثر من الثلث، ويدل عليه قولهما: لكن الأول متيقن إلى آخره. صورتها: أوصت امرأة بسهم من مالها ثم ماتت، وتركت زوجًا وبنتا، يعطى له السدس في قول أبي حنيفة، وعندهما: يعطى له الربع. قال صاحب المجتبى: والفرق بين رواية الجامع الصغير ورواية هذا الكتاب أن على رواية هذا الكتاب إذا نقص أحسن سهام الورثة عن السدس يعطى له تمام السدس، ولم يتعرض بما يكون أكثر من السدس، لكن تعليل الشارحين له بأسهم ينفي ذلك، وعلى رواية الجامع يعطى له أحسن سهام الورثة، ولا يبلغ السدس، وإذا كان أكثر من السدس لا تعطى له الزيادة إلا بإجازة الورثة. وقد فسرا هذا في شرح قاضي خان فقال: عن أبي حنيفة ﵀ روايتان، في رواية: له أحسن سهام الورثة ولا يزاد على الثلث، وفي رواية: أخس سهامهم إلا أن ينقص من السدس فيتمم له السدس. قلت: وفيها دقيقة لا بد من معرفتها، وهو أنه إذا أوصى بسهم، وأخس سهام الورثة الثمن أو الربع لا يعطى له تمام الثمن، فيزاد فيه تسع أو مثل الربع

стр. 7352

النَّبِيِّ ﵊ فِيمَا يُرْوَى، وَلِأَنَّهُ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ السُّدُسُ، فَإِنَّ إِيَاسًا قَالَ: السَّهْمُ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ السُّدُسِ، وَيُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الوَرَثَةِ فَيُعْطَى مَا ذَكَرْنَا، قَالُوا: هَذَا كَانَ فِي عُرْفِهِمْ، وَفِي عُرْفِنَا السَّهْمُ كَالجُزْءِ. فيعطى الخمس، حتى لو ترك ابنا وزوجة فللموصى له مثل نصيب الزوجة، فيزاد سهم على ثمانية فتكون وصيته التسع. قال النسفي: وهذا بالإجماع، ولو تركت الموصية ابنا وزوجا، فللموصى له مثل نصيب الزوج فيزاد سهم على أربعة فتكون وصيته الخمس، وعنده السدس؛ لأنه أقل من السدس فله السدس، ويقسم الباقي بين الابن والزوج أرباعًا، كذا ذكر في شرح الطحاوي. وفي الكافي: فعلى رواية الأصل جوز أبو حنيفة ﵀ النقصان من السدس فلم يجز الزيادة على السدس، وعلى رواية الجامع جوز الزيادة على السدس، ولم يجوز النقصان عن السدس. قوله: (كان إياسًا) هو إياس بن معاوية بن قرة القاضي بالبصرة، وهكذا قال الحسن، والثوري. يوضحه ما ذكر في المبسوط: أن أعدل الأعداد في خروج سهام الفرائض ستة، فإنها تشتمل على ما يستحق من السهام بالقرابة الأصلية كالسدس، والثلث، والنصف، والثلثين، وأقله السدس، ولذلك صار هو مرادًا؛ لأنه لما ذكر اسم السهم لا الثلث علمنا أنه ما أراد الثلث ولا النصف؛ لأنه ليس له أن يوصي بالنصف فيتعين السدس. وقد روي [أن] (١) ابن مسعود سئل عمن أوصى بسهم من ماله، فقال: له السدس. وروي أن رجلا أوصى بسهم من ماله، فقال ﵊ في ذلك بالسدس.

стр. 7353

قَالَ: (وَلَوْ أَوْصَى بِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ، قِيلَ لِلْوَرَثَةِ: أَعْطُوهُ مَا شِئْتُمْ) لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ يَتَنَاوَلُ القَلِيلَ وَالكَثِيرَ، غَيْرَ أَنَّ الجَهَالَةَ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الوَصِيَّةِ، وَالوَرَثَةُ قَائِمُونَ مُقَامَ المُوصِي فَإِلَيْهِمْ البَيَانُ. قَالَ (وَمَنْ قَالَ: سُدُسُ مَالِي لِفُلَانٍ، ثُمَّ قَالَ فِي ذَلِكَ المَجْلِسِ، أَوْ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ: لَهُ ثُلُثُ مَالِي، وَأَجَازَتِ الوَرَثَةُ، فَلَهُ ثُلُثُ المَالِ، وَيَدْخُلُ السُّدُسُ فِيهِ، وَمَنْ قَالَ: سُدُسُ مَالِي لِفُلَانِ، ثُمَّ قَالَ فِي ذَلِكَ المَجْلِسِ أَوْ فِي غَيْرِهِ، سُدُسُ مَالِي لِفُلَانٍ، فَلَهُ سُدُسُ وَاحِدٌ) لِأَنَّ السُّدُسَ ذُكِرَ مُعَرَّفًا بِالإِضَافَةِ إِلَى المَالِ، وَالمَعْرِفَةُ إِذَا أُعِيدَتْ يُرَادُ بِالثَّانِي عَيْنَ الأَوَّلِ، هُوَ المَعْهُودُ فِي اللُّغَةِ. قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ دَرَاهِمِهِ، أَوْ بِثُلُثِ غَنَمِهِ، فَهَلَكَ ثُلُثَا ذَلِكَ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ، وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَا بَقِيَ) مِنْ مَالِهِ، فَلَهُ جَمِيعُ مَا بَقِيَ وَقَالَ زُفَرُ: لَهُ ثُلُثُ مَا بَقِيَ (*)، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ، وَالمَالُ المُشْتَرَكُ يُتْوَى مَا تُوِيَ مِنْهُ عَلَى قوله: (فلو أوصى بجزء من ماله) أو بحظ أو نصيب أو شيء من ماله أعطاه الورثة ما شاؤوا ولا يعلم فيه خلاف، وكذا لو قال: أعطوا فلانا من مالي أو ارزقوه؛ لأن ذلك لا حد له في اللغة، ولا في الشرع فكان على إطلاقه. قوله: (ويدخل السدس فيه) أي: في الثلث؛ لأن الكلام الثاني يحتمل أنه أراد به زيادة السدس على الأقل حتى يتم له الثلث، ويحتمل أنه أراد به إيجاب ثلث على السدس، فيجعل كلامه في السدس تكرارًا حملا لكلامه على المتيقن، وعلى ما يملك الإيصاء به، وهو الثلث. وقيل: إنما قال: وأجازت الورثة لدفع وهم، وهو أن يقال: ينبغي أن يعطى الموصى له نصف المال؛ لأن الثلث مع السدس نصف المال، وفيه نوع تأمل. قوله: (هو المعهود في اللغة) كون الثاني عين الأول معلوم في استعمال أهل اللغة، يقال: جاءني زيد، ثم يقال: أكرمت زيدًا أي: ذلك بعينه، كذا ذكره البزدوي. ولكن قال: وفيه نظر، وهذا البحث بتمامه مذكور في بيان الوصول في

стр. 7354

الشَّرِكَةِ، وَيَبْقَى مَا بَقِيَ عَلَيْهَا، وَصَارَ كَمَا إِذَا كَانَتْ التَّرِكَةُ أَجْنَاسًا مُخْتَلِفَةً. وَلَنَا: أَنَّ فِي الجِنْسِ الوَاحِدِ يُمْكِنُ جَمِيعُ حَقِّ أَحَدِهِمْ فِي الوَاحِدِ، وَلِهَذَا يَجْرِي فِيهِ الجَبْرُ عَلَى القِسْمَةِ وَفِيهِ جَمْعُ، وَالوَصِيَّةُ مُقَدَّمَةٌ، فَجَمَعْنَاهَا فِي الوَاحِدِ البَاقِي وَصَارَت الدَّرَاهِمُ كَالدَّرْهَمِ، … . شرح البزدوي. قوله: (يمكن جميع حق أحدهم في الواحد) يعني يمكن جمع حق شائع لكل واحد. قوله: (وصارت الدراهم كالدرهم) أي: صارت ثلث الدراهم كالدرهم. بيانه أنه لو أوصى بدرهم، وله ثلاثة دراهم، فهلك درهمان وبقي درهم وهو يخرج من الثلث، فإنه ينفذ وصيته من الدراهم الباقي كذا هنا، كذا ذكره البزدوي. وفي المبسوط: القياس قول زفر، والاستحسان قولنا، والحكم في الهلاك والاستحقاق على السواء، وبقولنا قال الشافعي وأحمد، وبقول زفر قال أبو ثور، وابن سريج من أصحاب الشافعي، وهو قياس قول مالك، لا يعتبر قدر المال حال الوصية لا الموت. وفي جامع المحبوبي: في الفرق. والحاصل: أن كل ما يحتمل القسمة ويقسم قسمة واحدة فللموصى له الباقي كما في الأقسام الثلاثة، والدراهم [الثلاثة] (١)، والثياب الثلاثة (٢)، من صنف واحد، وكل ما لا يحتمل القسمة ولا يقسم قسمة واحدة بل يقسم كل جنس على حدة كالعبيد، والدور والأثواب المختلفة، كالهروي، والمروي، والقوهي، فله ثلث الباقي. والفرق [أن] (٣) حق الموصى له مقدم في التنفيذ على حق الورثة إذا كانت الوصية معينة لحق الغريم في التركة، فكان حقه كالأصل، وحق الوارث كالتبع.

стр. 7355

بِخِلَافِ الأَجْنَاسِ المُخْتَلِفَةِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الجَمْعُ فِيهَا جَبْرًا، فَكَذَا تَقْدِيمًا. قَالَ: (وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ ثِيَابِهِ فَهَلَكَ ثُلُنَاهَا، وَبَقِيَ ثُلُثُهَا، وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ، لَمْ يَسْتَحِقَّ إِلَّا ثُلُثَ مَا بَقِيَ مِنْ الثَّيَابِ)، قَالُوا: هَذَا إِذَا كَانَتْ الثَّيَابُ مِنْ أَجْنَاسِ مُخْتَلِفَةٍ، وَلَوْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ وَاحِدٍ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الدَّرَاهِمِ، وَكَذَلِكَ المَكِيلُ وَالمَوْزُونُ بِمَنْزِلَتِهَا، لِأَنَّهُ يَجْرِي فِيهِ الجَمْعُ جَبْرًا بِالْقِسْمَةِ (وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ ثَلَاثَةٍ مِنْ رَقِيقِهِ، فَمَاتَ اثْنَانِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا ثُلُثُ البَاقِي، وَكَذَا الدُّورُ المُخْتَلِفَةُ) وَقِيلَ: هَذَا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَحْدَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَرَى الجَبْرَ عَلَى القِسْمَةِ فِيهَا. وَقِيلَ: هُوَ قَوْلُ الكُلِّ، ......................... والأصل: أن المال إذا اشتمل على أصل وتبع إذا هلك شيء منه يجعل الهالك من التابع، كما في مال المضاربة يصرف الهلاك إلى التبع، وهو الربح، فهاهنا يصرف هلاك الدرهمين إلى نصيب الوارث الذي هو تبع؛ لما أن الدراهم من القبيل الذي يحتمل القسمة، ولما صرف الهلاك إلى نصيب الوارث بقي الدرهم الباقي حقا للموصى له فيأخذه. بخلاف العبد والدور والأثواب المختلفة؛ لأنها لا تنقسم قسمة واحدة حتى لو طلب بعض الشركاء قسمة العبيد الثلاث من القاضي وأبى الباقون، ليس للقاضي جبرهم على القسمة؛ لأن الغرض الانتفاع، فلا بد من الإجبار على القسمة. وكذلك العبد متعذر؛ لما فيها من التفاوت العظيم في المنفعة، وإذا لم تجز فيها القسمة تعذر صرف الهلاك إلى نصيب الورثة، وجعل الباقي للموصى له لأن ذلك نوع قسمة، وإذا تعذر تحقق القسمة من هذا الوجه بقي الكل مشتركا بين الورثة والموصى له أثلاثا، فما هلك يهلك على الشركة، وما بقي يبقى على الشركة أثلاثًا، فكان للموصى له ثلث العبيد الباقي. قوله: (وقيل هو قول الكل) أي: بهذا الحكم، وهو أنه لم يكن للموصى له إلا ثلث الباقي قول الكل؛ لأن عندهما هذا بيان الفرق على
следующие страницы →